عن التدخل الإمبريالي في سورية وعن فهم الثورة السورية

(ردا على مقال “لا للتدخل الإمبريالي في سوريا!“، كتبه آلان وودز، الجمعة 14 حزيران 2013، ومنشور على موقع ماركسي)

كنت آمل أن يتناول ألان وودز الوضع السوري بالعمق الذي عهدناه فيه حين يتناول الوضع العالمي، لكن ظهر لي أن المقال “لا للتدخل الإمبريالي في سورية” مكتوب بسطحية عالية، حيث يعتمد على التصريحات الإعلامية و”الخطاب الدارج” في الإعلام الغربي حول الثورة السورية، رغم أنه يشير إلى “كذب” الإعلام، وهذه مفارقة فظيعة لا أظن أن مفكر مثل ألان وودز يمكن أن يقع فيها. ولا أظن بأن ماركسي حقيقي يمكن أن يقع في هذا المطب، لأن الماركسية تبدأ بتحليل الواقع من الواقع ذاته وليس عبر التصريحات والتحليلات الرأسمالية السطحية، ومن “الأخبار” التي تنقلها وسائل إعلام خاضعة لأيديولوجية إمبريالية.

لهذا ردد الرفيق ألان وودز “الخطاب الدارج” حول الثورة السورية، سواء خطاب الإعلام الرأسمالي أو خطاب “اليسار” الذي لازال يعيش أوهام الماركسية السوفيتية. وللمفارقة، ربما يكون غريباً أن يلتقي التروتسكي مع الستاليني مع الماوي في رؤية واحدة للثورة السورية. كل هؤلاء يقولون الخطاب ذاته الآن. وكلهم يعتمد الخطاب الإعلامي الرأسمالي كمصدر لـ “المعلومات”. وأيضاً كلهم لازالوا ينطلقون من طبيعة الصراع خلال الحرب الباردة ومن ثم مرحلة الأحادية القطبية والسعي الأميركي للهيمنة على العالم. وهذه كلها بحاجة إلى تجاوز بالتأكيد، وتُظهر بأن التحولات التي تجري في العالم بعد أزمة الرأسمالية سنة 2008 لم تُلمس بعد، وبالتالي لم تدفع إلى إعادة بناء “المنظومة الذهنية” على ضوء الوقائع الجديدة.

هل أن أوباما يخترع الأعذار لكي يتدخل في سورية؟

هذه هي الفكرة الرئيسية الأولى التي ترد في مقال الرفيق ألان وودز، وسنجد هنا أنه يستعيد سيناريو العراق بشكل كامل، دون رؤية تحولات الوضع الأميركي ولا التحولات العالمية التي لا تسمح بتكرار ذلك السيناريو إطلاقاً. وهو من أجل الإقتناع “الذاتي” بأن السيناريو العراقي هو ما يتكرر في سورية يتجاوز حقائق باتت واضحة وهي استخدام السلطة السورية لأسلحة كيماوية. نحن نؤكد أن السلطة استخدمت منذ زمن الأسلحة الكيماوية التي نرى آثارها على الشهداء والجرحى. وكما يشير ألان وودز فإن السلطة استخدمتها قبل ذلك دون أن تتحرك أميركا، ودون أن تجري إدانتها. وحتى اليسار لم يتحرك لإدانتها.

وبالتالي فهو يضخم من الموقف الأميركي الأخير دون أن يلمس الأسباب الحقيقية له، بل لكي يقع تحت هاجس السيناريو العراقي. وهذا يعني بأنه لم يفهم واقع أميركا الحالي، ولا عجزها عن التدخل كما يجري سابقاً، ولا كذلك “تنازلها” لروسيا عن سورية. وهذا الأمر ليس نتاج أن الأمور لم ترجح لمصلحة أحد الطرفين كما يشير، فالموقف الأميركي بـ “التخلي” عن سورية مقرر منذ نهاية سنة 2011، ولقد صرّح به اوباما بداية سنة 2012، حيث طلب من روسيا “أن ترعى مرحلة انتقالية في سورية كما حدث في اليمن”. والموقف الأميركي هذا هو الذي منع فرنسا من أن تسلح المعارضة عبر قرار في الاتحاد الأوروبي يمنع تسليح المعارضة، وجعل الحلف الأطلسي خارج المعادلة.
إن وضع أميركا المأزوم أوجد معادلة مختلفة في الصراع الدولي حول سورية، تمثلت في ميل كل من تركيا وقطر (حلفاء النظام السوري السابقين) وفرنسا إلى تشكيل بديل تابع هو المجلس الوطني، لكي يكون السلطة الجديدة، وفق غستراتيجية كانت تستلزم التدخل الإمبريالي. بينما كانت روسيا “تقاتل” من أجل أن تستعيد وجودها في سورية، الذي فقدته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. وكانت إيران تعزز من سيطرتها عليه. وبالتالي كان التنافس هنا هو بين تركيا وقطر وفرنسا من جهة وروسيا وغيران من جهة أخرى، ولقد حسمت أميركا لمصلحة روسيا وليس لمصلحة “حلفائها”.

لهذا أرى أن كل الرواية عن الموقف الأميركي هي تكرار لخطاب قديم تجاوزه واقع الرأسمالية، وأن الصراع الآن بات يفرض أن تكون روسيا طرفاً إمبريالياً يريد حصته في التقاسم العالمي.

إذن، لا بد من فهم مختلف لوضع العالم، وليس اللجوء إلى الخطاب الإعلامي الإمبريالي لتفسير ما يجري في سورية.

التسليح الأميركي

بالتالي لماذا اتخذ أوباما قراره بتسليح المعارضة؟
في الاستشهادات التي يوردها ألان وودز إشارة إلى أن الإدارة الأميركية تتوجه نحو إرسال “أسلحة بسيطة وذخيرة”، والبعض يشير إلى تزويد الثوار بالأسلحة المضادة للدروع. فقط؟ هل هذا يفضي إلى تأسيس تصور متكامل للتدخل العسكري الأميركي في سورية؟ طبعاً مؤسف أن ينحكم الان للتصور الذهني المسبق ولا يدقق حتى في الاستشهادات التي يوردها. فهذا الحجم من الأسلحة هو لا للتدخل العسكري وليس لكي يحسم الثوار المعركة. وبالتالي فغرض التسليح محدود، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تفسير، فلماذا قررت أميركا تحقيق ذلك؟ بالطبع كان ذلك بعد معركة القصير وتدخل حزب الله وغيران وأتباعهم العراقيين في سورية بشكل مباشر، وبقوة تهدف إلى تغيير ميزان القوى على الأرض لمصلحة انتصار السلطة.

ربما كان الهدف الأميركي هو إطالة امد الصراع فقط، أي عدم السماح للسلطة بأن تنتصر لكن دون تسليح المعارضة بما يجعلها تنتصر. وهذه سياسة مورست من قبل، لكنها الآن توضع في سياق آخر، هو سياق التوافق الأميركي الروسي والذهاب إلى جينيف2. فقد توافق كل من أميركا وروسيا على الحل، واتفق على بدء الحوار في جينيف، لكن الروس سمحوا لأن يصبح دور حزب الله وغيران مكشوفاً وأن يؤدي إلى تحقيق توازن جديد بعد ان كان مختلاً لغير مصلحة السلطة. فالسلطة فقدت قوتها الساسية (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والشبيحة) بعد أن باتت قطاعات الجيش الأخرى خارج الصراع نتيجة الاحتقان الذي بات يحكم عناصرها، والذي دفع السلطة لأن تضعها في معسكرات مغلقة.

المحاولة هذه لتغيير ميزان القوى على الأرض دفعت أوباما لكي “يسلح” الثوار. وبالتالي الأمر يتعلق بمؤتمر جينيف2، رغم أن السلطة اندفعت لكي تحسم الصراع كما يبدو مستغلة القوى الجديدة التي أتتها من حزب الله وإيران وعملاؤها في العراق (تنظيم طائفي مارس التطهير الطائفي في بغداد)، ولازالت تحاول إعادة السيطرة على حمص وريف دمشق وحلب ودير الزور، ولا أظن أنها سوف تنجح في ذلك، الأمر الذي سيعيد الميل لعقد حوار جينيف2. ما يبدو واضحاً هو أن لا حل سوى عبر التوافق الأميركي الروسي بغض النظر عن محاولة الروس والسلطة تحسين ميزان القوى لمصلحة حل أفضل في جينيف2.

ميزان القوى العسكري

يبدو أن هناك تضخيم بقدرة النظام السوري العسكرية، فهو لا يملك ما يردع أي تدخل أميركي، فـ “الجيش السوري والقوات الجوية” ليست “مزودة بأسلحة متطورة من روسيا” لكي “تلحق خسائر كبيرة” بالقوات الأميركية، كما يشير الرفيق ألان وودز، وهذا ما ظهر واضحاً حين لم يستطع التصدي للغارات الجوية الصهيونية منذ سنوات قبل الثورة وخلال الثورة، حتى في دمشق العاصمة. والجيش السوري ليس جيشاً قتالياً اصلاً كما ثبت ذلك في حروبه السابقة. كما أن روسيا لم ترسل حتى صفقة صواريخ أس 300 إلى الآن، وهي أكثر سلاح متطور جرى الاتفاق عليه.

هنا يبدو أن الرفيق لازال يعتقد بأن العلاقة الروسية السورية هي ذاتها كما كانت زمن الاتحاد السوفيتي، وهذا أمر مؤسف لأنه يشوش على التحليل. فالعلاقات الاقتصادية توقفت تقريباً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتصفية الديون التي كانت على الحكومة السورية، والنظام لم يعد يستورد السلاح إلا لضرورات لأن الشرط الروسي كان “الدفع كاش”. وأيضاص مع استلام بشار ألأسد الحكم جرى ابعاد الكادرات العسكرية والأمنية التي تدربت في الاتحاد السوفيتي في إطار سياسة كانت تهدف إلى التحوّل الليبرالي والتوافق مع أميركا.

والآن، وبعد عامين وأشهر من الثورة بات قطاع كبير من الجيش محيد كما اشرنا، والقوة الصلبة التي يمتلكها النظام تضررت كثيراً، ولم تعد قادرة على حماية السلطة، الأمر الذي فرض إرسال قوات كبيرة من إيران وحزب الله والعراق، استطاع عبرها كسب معركة القصير ويحاول الآن كسب معركة حمص، ومحاولة استعادة حلب وريف دمشق. وهذا ما أشرت إلى أنه لن يفلح في ذلك، فهو لا يستطيع الحفاظ على المواقع التي “يحررها”، خصوصاً بعد تقلص عديد القوات التي يستخدمها، ولن يفيده سوى ارسال أعداد كبيرة من الحرس الثوري لـ “احتلال” سورية.

لهذا فإن معركة القصير ليست الحاسمة، ولا تؤشر إلى تغيّر عميق في ميزان القوى، بل تشير إلى أن النظام يحاول أن يستعيد توازنه عبر تحقيق بعض الانتصارات.

معلومات مغلوطة واستنتاج خاطئ

التأثر بالخطاب الإعلامي الإمبريالي فرض أن يكرر الرفيق ألان الصراع في سورية وكأنه مجزرة بين قوى “جهادية” والسلطة التي هي “معادية للغرب”. ويحمّل كل أعمال القتل والمجازر و”الذبح بالسكاكين” لـ “الثوار”، الذين يلخصهم بـ “الجهاديين”، وهو الأمر الذي يوصل ألان إلى “خطف الحراك من قبل عناصر رجعية ودفعه باتجاه طائفي”، ويجزم بـ “الحقيقة هي أن الثورة السورية قد هزمت”، ويرفض بأن تكون الحرب لازالت هي “بين الديمقراطية والديكتاتورية”. بالتالي يبدأ باعطاء “نصائح من بعيد” لـ “الشباب الثائر”. إنه هنا يخضع تماماً لخطاب الإعلام الإمبريالي، مع ملاحظة أن الإعلام الإمبريالي هو الذي يضخم من أفعال هؤلاء “الجهاديين”، ويقبل كل تلفيق فيها، عكس ما يشير ألان بأن الإعلام الغربي يتناولها مضطراً. فما يتوصل إليه هو بالضبط الصورة “النمطية” التي يعممها الإعلام الإمبريالي.

صورة الثورة كفعل “جهاديين” الآن، هو أمر مؤلم لكل ماركسي حقيقي، ليس لأنها غدت كذلك بل لأن تصويرها كذلك هو إتّباع لخطاب الإعلام الإمبريالي الذي عمل منذ البدء على التأكيد على أن ما يجري في سورية هو “حرب أهلية” (أي طائفية)، وظل يكرر معزوفة وجود “تنظيم القاعدة”. ولهذا يكون مؤلماً أن نجد مفكر مثل ألان وودز يكرر ذلك دون دراسة واقعية، أو محاولة تواصل مع ماركسيين سوريين يخوضون الصراع على الأرض.

ما يمكن تحديده هنا هو أن “الجهاديين” هم ثورة مضادة تمت فبركتها من قبل السلطة وبدعم سعودي من أجل أن تحوّل الثورة من ثورة شعب ضد سلطة استبدادية مافياوية إلى صراع طائفي. هل نجح ذلك؟ بالتأكيد لا، والشعب في المناطق التي هي خارج سيطرة النظام يخوض صراعاً ضدها، وبات يعرف أنها سند النظام (مثلاً تبيّن أن جبهة النصرة تحرس خط أنابيب النفط الذي يوصل إلى بانياس والذي يستفيد منه النظام. وفي مناطق أخرى عملت على مساعدة السلطة على “استعادة” قرى ومناطق. وهي تمارس القمع ضد الشعب في الرقة وحلب). وجبهة النصرة مجموعة لا تشكلَ نسبة من أعداد الكتائب المسلحة التي تشكلت في الغالب من الشباب الذي كان يتظاهر وحمل السلاح بعد الوحشية التي مارستها السلطة. وهؤلاء حسب القديرات ينوف عددهم عن 200 ألف مقاتل. وفيهم شباب متدين، وآخرين دفعهم خطاب السلطة للتدين، ومعظمهم ليسوا مؤدلجين أو محسوبين على مجموعات إسلامية (مثل الإخوان المسلمين). ولهذا فإن رقم 10 آلاف الذي يشير إلى أنه حجم جبهة النصرة مبالغ فيه جداً، حيث أن كل الإسلاميين المؤدلجين لا يبلغون هذا الرقم.

لهذا نقول بأن الثورة لازالت قائمة وإنْ كانت قد اتخذت شكلاً مسلحاً، ولا شك أنها تعاني من أخطاء وتشهد تجاوزات كثيرة، هي نتيجة غياب الخبرة والوعي (والحزب القادر على قيادة الشعب). ولهذا اقول أن كل الكلام عن سيطرة قوى رجعية ليس في مكانه، خصوصاً أن المعارضة التابعة للغرب ليس لها وجود حقيقي في الثورة رغم أنها تبدو كممثل لها.

لا شك يجب فضح “الجهاديين”، والإخوان المسلمين، والمعارضة التابعة، فهذه قوى أضرت بالثورة، وشوهت في مسارها، لكنها ليست هي المسيطرة الآن، ولن تستطيع حرف الثورة. فالثورة نشأت نتيجة الأزمة العميقة التي تعيشها الطبقات الشعبية، هذه الطبقات التي تحمل السلاح الآن من أجل إسقاط النظام.

في المقابل ألحظ هروب ألان وودز من إدانة التدخل العسكري لحزب الله وإيران، وإدانة الوحشية التي تتبعها السلطة ضد الشعب، التي أدت إلى دمار هائل، وأعداد هائلة من الشهداء والمعتقلين.

في سورية ثورة حقيقية، وهي في فمة بطولة الشعب وأفضع ممارسات القتل والتدمير من قبل سلطة طبقية مافياوية، باتت منذ زمن عدوة للشعب بعد أن نهبته، وهي لذلك ليست سلطة معادية للغرب، سوى أنها اختلفت مع الإمبريالية الأميركية في لحظة اندفاع تلك الإمبريالية للسيطرة على “الشرق الأوسط”، لكنها تتشابك اقتصادياً مع الطغم الإمبريالية، ولقد اسست لاقتصاد ريعي محتكر من قبل فئة عائلية، فدمرت الصناعات القائمة والزراعة وأفقرت الطبقات الشعبية. وإذا كانت اختلفت مع أميركا فقد تشابكت مع الرأسمال الخليجي (الإمارات) والتركي (قبل القطيعة)، وتتشابك الآن مع المافيات في روسيا وأوكرانيا، وأيضاً توقع اتفاقات تبعية وسيطرة مع روسيا التي لا يجب أن ننسى أنها باتت إمبريالية.

اليسار الحقيقي هو من يقف مع الثورة السورية لأنها مفصل التحوّل العالمي، والصراع مع القوى الإمبريالية القديمة والجديدة، ومع النظم والأحزاب المغرقة في الأصولية والتخلف. ومع الرجعيات العربية التي تريد إجهاض الثورة.

المصدر: فايسبوك

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s