اليسار وتجاوز الرأسمالية

كانت بلدان عديدة، خصوصاً في أميركا اللاتينية، تندفع “نحو اليسار” مع بداية القرن الجديد. وأوصلت الانتخابات عدة رؤساء منه إلى سدة الحكم. عبّرت الظاهرة عن الأزمة التي تعيشها هذه البلدان، نتيجة النهب الطويل الذي مارسته الرأسمالية، وأفضى إلى الفقر والتهميش والبطالة، ككل ما يجري حين تسيطر الرأسمالية، في ظل سياسات تعممت في أميركا اللاتينية، منذ سبعينيات القرن العشرين، وفرضت اللبرلة خياراً وحيداً، فراكمت الفقر والمديونية.
والآن، نجد أن بلدان جنوب أوروبا تعاني من أزمة كبيرة نتيجة المديونية (عانت منها بلدان أميركا اللاتينية) التي فرضت وصول هذه البلدان إلى حافة العجز. وبالتالي، قاد إلى أن تفرض الدول والبنوك الدائنة شروطاً قاسية، من أجل تحصيل الفوائد المترتبة على الديون، تمثلت في سياسة التقشف التي عنت إفقار الطبقات الأفقر، والفئات الوسطى. الأمر الذي أدى إلى أن يميل الشعب إلى انتخاب اليسار، يسار جديد متشكل من مجموعات يسارية وشباب يساري ونقابات، تبلور في “أحزاب”، كما في اليونان (حزب سيريزا) وإسبانيا (حركة بديموس)، وربما يتبلور في بلدان أخرى. وصل إلى السلطة في اليونان، ويمكن أن يصل إلى السلطة في إسبانيا قبل نهاية العام.

في أميركا اللاتينية
لكن، ما يبدو واضحاً منذ تجارب أميركا اللاتينية، وما يظهر الآن، أن اليسار الذي وصل إلى السلطة لا يمتلك حلاً يسارياً، على الرغم من أن نجاحه بني على أن الشعب يريد حلاً يسارياً، ينهي النهب والاستغلال والفقر والبطالة والتهميش، حيث إن ما تحقق في بلدان أميركا اللاتينية (البرازيل وفنزويلا وأورغواي وبارغواي، والأرجنتين، وغيرها) إصلاح محدود في الاقتصاد، هدف إلى أن يخفف فقر الشعوب الأصلية وتهميشها، وكذا بعض الفئات الفقيرة، في ظل استمرار السياسة الرأسمالية، وحتى الإيغال في تعميم اللبرلة، كما في البرازيل. فقد حكم حزب العمال البرازيلي منذ بداية القرن الجديد، في ظل مديونية عالية وعجز مالي، وإفقار شديد، خصوصاً للشعوب الأصلية والسود. واستطاع أن ينهي المديونية، وأن يحقق تحسيناً في وضع الفقراء. وتحسّن الوضع الاقتصادي للبرازيل، ونهضت الصناعة، لتبدو أنها تسير في مسار أن تكون قوة عالمية. لكن، ما يبدو الآن أن الأزمات باتت تطل من جديد، حيث تعمقت الخصخصة، وأصبح الرأسمال الخاص يسيطر على معظم الاقتصاد، بما في ذلك الطرق والمياه، أي أصبح يبحث لاستغلال البنية التحتية كلها، بما في ذلك الصحة والتعليم. ولهذا، بات الحكم “اليساري” يعيش مأزقاً، وبات الشعب يسير نحو المواجهة معه.

“ما يبدو واضحاً منذ تجارب أميركا اللاتينية، وما يظهر الآن، أن اليسار الذي وصل إلى السلطة لا يمتلك حلاً يسارياً، على الرغم من أن نجاحه بني على أن الشعب يريد حلاً يسارياً”

في فنزويلا، حيث رفع هوغو شافيز شعار اشتراكية القرن الواحد والعشرين، وكان يعتبر نفسه “ماركسياً”، ويريد تحقيق الاشتراكية. لم يفعل سوى تحسين وضع السكان الأصليين، ووضع الفئات المفقرة، على الرغم من امتلاك فنزويلا النفط. ولقد بات النظام الذي بناه يتآكل، ويعيش مأزقاً، حيث لم يجرِ التقدم نحو حسم الصراع مع البورجوازية بالقوة، ولم يؤسس اقتصاداً اشتراكياً، أو يمكن أن يكون بديلاً عن الرأسمالية. وأخذت مشكلات مجتمعية تتفاقم، مع اقتصاد مأزوم، وفقر أخذ يعود بسرعة. وفي وضع تبدو الرأسمالية قوية، وتتهيأ للوثوب إلى السلطة. وبدا مادورو شبحاً يسير نحو محو الطموحات الكبيرة، أو يظهر العجز عن تحقيق تلك الطموحات. ولهذا، بات إما أن يتحوّل إلى الشكل البرازيلي، أن يظل “اشتراكياً” بالاسم، ويعيد تعزيز دور الرأسمال، أو يسقط في انتخابات ستأتي بالرأسمالية إلى السلطة.
في بلدان أخرى، مثل الإكوادور وباراغواي، جرى تحسين وضع السكان الأصليين، وتحسين الوضع الاقتصادي، لكن أيضاً تعود أزمات الفقر والتهميش واستغلال الرأسمال، لكي تفعل في الشعب ما يدفعه إلى المقاومة. في الأرجنتين، ربما أوقف اليسار انهيار البلد، لكن ليس من حلول مطروحة سوى تحسين جزئي في وضع الفئات المفقرة. وفي تشيلي، قام الحزب الاشتراكي بأكبر عملية خصخصة.
يرتبط الأمر هنا بـ “وعي” يحكم هذا اليسار، فقد انطلق من أنه لا يستطيع “الخروج” من العالم القائم، عالم الرأسمالية، وليس ممكناً أن يكون خارج العولمة، وبالتالي، ليس من طريق أمامه سوى “الإصلاح المتدرج” وتحسين أحوال الفئات الأفقر. إذن، هو “إصلاح” في ظل النمط الرأسمالي المهيمن، ويمكن القول إن الدولة، وفق هذا المنظور، تتحوّل إلى “جمعية خيرية”، لأنها تركز على “تحسين معيشة” الفئات الأفقر، ولا ترى أن الأمر يتعلق بما هو أكبر من ذلك تحقيق هذا التحسين بالذات، أي تجاوز الرأسمالية، حيث ليس من إصلاح في ظلها.
لهذا، نلمس خبو ألق تلك التجارب التي كانت تظهر تجارب جديدة وملفتة ليسار يستطيع الوصول إلى السلطة بالانتخابات. وبالتالي، إنها الشكل الجديد لليسار الذي يستطيع أن يكون المنتصر. وأصبح المطلوب تشكيل يسار تشبهها، فهذه هي “اشتراكية القرن الواحد والعشرين”.

في اليونان
والآن، نجد أن اليسار في اليونان يناور انطلاقاً من الأمر نفسه، حيث إنه يريد تخفيف آثار التقشف على الشعب، من دون أن يتقدم أكثر من ذلك، فقد تسارع إفقار العمال والفلاحين والفئات الوسطى في اليونان في العقود السابقة. ولحل أزمات الدولة، أو هكذا ادعت الطبقة الرأسمالية التي حكمت، حلّت مشكلة “عجز الموازنة” عبر الاستدانة، الأمر الذي أوصل إلى أن يصبح هدف الاستدانة تسديد أقساط الديون، ما رفع نسبة الديون إلى الدخل القومي إلى مستوى عال. وأصبحت اليونان مهددة بالإفلاس، ما دفع الدول الدائنة (خصوصاً ألمانيا وفرنسا وصندوق النقد الدولي) إلى فرض سياسة تقشفية شديدة الوطأة، وهو ما حدث مع إسبانيا.
تصاعدت الصراعات الاجتماعية في اليونان منذ سنة 2010، لكن سياسة التقشف فرضت أن يتشكل يسار جديد، هو خليط من يسار شيوعي تمرّد على سياسات الحزب الشيوعي “الكلاسيكية”، و”الإصلاحية”، والمترددة. ويسار تروتسكي وماوي، ومتطرف، ونقابات، وحتى فوضويين. كان منطلقه مقاومة سياسة التقشف ورفضها. لهذا، نجح في الانتخابات، وأصبح هو الذي يحكم (بتحالف مع حزب يميني صغير). ودخل في مفاوضات لتخفيف سياسة التقشف، وليس لإلغائها، ويبدو أن المفاوضات متعثرة، الأمر الذي يطرح الحل البديل الذي يتمثل في رفض سداد الديون، والخروج من منطقة اليورو، وإعادة هيكلة الاقتصاد. ما تحقق إلى الآن هو رفض الشروط التي يطرحها الدائنون، واللجوء إلى الاستفتاء على الخروج من منطقة اليورو. وهذا جيد إذا تحقق. لكن، هل سيبقى اليسار موحداً؟ وقادراً على تقديم بديل حقيقي؟

“اليسار في اليونان يناور انطلاقاً من الأمر نفسه، حيث إنه يريد تخفيف آثار التقشف على الشعب، من دون أن يتقدم أكثر من ذلك”

هنا، نلمس أن اليسار ما زال يعتقد أن الحل في الوضع العالمي القائم، حيث تسيطر الرأسمالية بقوة (أضع بقوة بين مزدوجين نتيجة أزمة الرأسمالية التي بدأت تفضي إلى هذه التحولات التي توصل اليسار إلى الحكم) لا يسمح بالخروج عن الرأسمالية، حتى في حال الخروج من منطقة اليورو. وستعاني إسبانيا من الوضع نفسه، بعد انتصار اليسار الجديد. وكذلك كل البلدان التي يمكن أن تدخل في هذا المسار، وهي كثيرة وممتدة من إيطاليا والبرتغال وقبرص إلى شرق أوروبا.

أزمة بلا حل مجتمعي
تتمثل الأزمة هنا في أن اليسار يتشكل رد فعل على أزمة، هو يطرح حلاً لها، لكنه لا يطرح حلاً مجتمعياً. وبالتالي، كما في أميركا اللاتينية، يرى أن أي حل لا يمكن أن يخرج عن الرأسمالية. حيث هذه ما زالت قوية ومسيطرة، و”تسحق” كل محاولة للخروج عليها. هذه هي “العنّة” التي باتت تسكن كل تفكير يساري، وهي حكمت يسار أميركا اللاتينية، ويبدو أنها تحكم اليسار الجديد الذي يتشكل في بلدان جنوب أوروبا، وربما يمتدّ إلى شرقها. ربما نقول هذه هي ردة الفعل الأولى ليسار يتشكل في عالم جديد، وربما هي تجربة أولى لقوى شبابية، انغمست في الصراع. وربما هذه القوى الشبابية هي التي ستفتح على بديل حقيقي. لكن، يجب أن نلمس أن هذا الشكل “اليساري” هو التعبير عن منظور بورجوازي صغير يتملك قطاعات يسارية، تحاول أن تجد الحلول في إطار الرأسمالية، ولذلك تحتاج إلى شعارات يسارية، وحتى اشتراكية. لكن ذلك يتحقق حين نصل إلى استنتاج أنه يمكن تجاوز الرأسمالية، بل ويجب تجاوزها، لكي تتحقق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، وأنه لا خيار غير ذلك. بالتالي، يقوم البديل على تجاوز الرأسمالية بالضرورة.
ما زال اليسار القديم والمستجد يرى جبروت الرأسمالية السابق، ولم يرَ بعد ضعفها وأزماتها، وربما تفككها. ولم يلمس أن هذه الأزمات المجتمعية التي فجّرت الثورات في البلدان العربية، ودفعت دول جنوب أوروبا، إلى أزمة طاحنة، ووضع شرق أوروبا المزري، وثورة أوكرانيا، كلها جاءت نتاج الأزمة التي طحنت الرأسمالية، وأساسها الأميركية سنة 2008، وهي الأزمة التي لم تلقَ حلاً إلى الآن، وباتت الرأسمالية نفسها تعتقد أن عليها “إدارة الأزمة”، ما دامت باتت عصية على الحل. وهي أزمة مختلفة تماماً عن كل الأزمات السابقة (أزمات فيض الإنتاج والتقاتل على الأسواق)، بالضبط لأنها أزمة “تعفّن” الرأسمالية، حيث سيطر المال على الرأسمال، المال المضارب على الرأسمال المنتج (النشط في الاقتصاد الحقيقي)، الأمر الذي سوف ينتج “الفقاعات” باستمرار، تلك الفقاعات التي يفضي انفجارها إلى انهيارات كبيرة تهزّ البنوك والمؤسسات المالية، وتضع كل الاقتصاد الرأسمالي على كف عفريت.
هذا الأمر هو الذي فرض التوظيف في المديونية منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث تدرّ أرباحاً طائلة. وهو الذي فرض عولمة أسواق المال، وجعل البورصات في مركز الاقتصاد العالمي، كما فرض المضاربة على كل السلع وعلى العملة النقدية، وأسس لمخترعات جديدة، جرى تسميتها المشتقات المالية. حيث الأرباح هنا أضعاف أضعاف نسبتها في الاقتصاد الحقيقي (الإنتاج والتوزيع). لهذا، باتت الكتلة المالية هي الأضخم بنسب عالية (90%) في مجمل الاقتصاد العالمي. وباتت الطغم المالية المسيطرة في الدول الإمبريالية.

“كل يسار ما زال ينطلق من “حتمية استمرار الرأسمالية” لن يكون قادراً على الاستمرار في المرحلة المقبلة”

لكن، باتت الدول التي تحمي الرأسمال، وتفرض سطوته عالمياً مهددة بالضعف نتيجة الأزمة. وأصبحت “أحادية القطب” من الماضي في عالم فوضوي بلا أقطاب، على الرغم من التصارع الذي يجري تعزيز مواقع دول على حساب أخرى. وباتت الأزمات تهدد بانفجارات شعبية، ليس في الأطراف فقط، وهذا مؤكد، وظهر في الثورات العربية، بل في “أطراف المراكز”، أي في البلدان المعتبرة ضمن البلدان الرأسمالية، لكنها في محيطها. مثل جنوب أوروبا وشرقها بالنسبة لكل من ألمانيا وفرنسا خصوصاً، وأميركا اللاتينية بالنسبة لأميركا، وجنوب شرق آسيا بالنسبة لليابان. على الرغم من أن بلداً، مثل روسيا، مهدد بثورة كذلك، فما زال يعتبر من “أطراف المراكز”، على الرغم من أنه يعتقد بأنه إمبريالية يجب أن تحظى بالأسواق والسيطرة والدور العالمي المميز. هو إمبريالية لم تستطع أن تحل مشكلات التوتر الاجتماعي الداخلي، نتيجة عجزها إلى الآن عن السيطرة على الأسواق، ونتيجة انخراطها في النظام المالي الدولي، وبالتالي، خضوعها لأزماته.
تفرض هذه الوضعية أن ينطلق كل منظور يسار ثوري من أنه بات علينا أن نتقدم لتجاوز الرأسمالية بالضرورة. بالتالي، يجب نقد رهاب الخروج منها، وتعزيز المنظور الذي يعتقد أن الأوان قد حان لتجاوز الرأسمالية. ومهمة اليسار الثوري تجاوز الرأسمالية في مسار يفضي إلى الاشتراكية.
ما هو البديل؟ هل هي الاشتراكية؟
ربما في البلدان الأكثر تقدما يمكن أن نتحدث عن الانتقال إلى الاشتراكية. لكن، في الأطراف سينحكم الوضع بالضرورة لتجاوز الرأسمالية، أما ما هو البديل؟ فهذا يفرض رؤية مسألتين، الأولى تخلف البنى، وغياب قوى الإنتاج، وبالتالي، تشكّل طبقات متعددة مشاركة في التغيير (كتلة تاريخية). والثانية أن تجاوز الرأسمالية ليس ممكناً إلا بدور قيادي للعمال والفلاحين الفقراء، أي ليس تلك الفئات من البرجوازية الصغيرة، أو الوسطى، التي سرعان ما تتراجع أو تساوم، وأصلاً لا تحمل مشروعاً تغييرياً حقيقياً.
هذا أمر يحتاج إلى بحث آخر. لكن، ما يهم هنا هو التأكيد على أن كل يسار ما زال ينطلق من “حتمية استمرار الرأسمالية” لن يكون قادراً على الاستمرار في المرحلة المقبلة، حيث إن منطقه الإصلاحي سوف يسقط أمام عمق الأزمات المجتمعية، وإزاء توسيع حالة الإفقار التي سوف تستمر بها الرأسمالية بأشكال أكثر فظاعة ووحشية، وهي تعاني من أزمتها المميتة.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

“المظلومية السنية” في سورية

سلامة كيلة: العربي الجديد

بعد أربع سنوات من الثورة في سورية، أصبح الأمر يتعلق بـ “مظلومية سنية”، وليس بثورة ضد نظام استبدادي مافيوي، حيث بات الأمر يتعلق بـ “حق طبيعي” لـ “الأكثرية السنية” أن تكون الحاكمة، لكن “الأقلية العلوية” استأثرت بالسلطة. هذا منظور أستاذ كبير، هو صادق جلال العظم، لكنه بات يتكرر من “نخب” وأناس ركبوا الثورة، ويراد لنا أن نقرّ بأنه حقيقة باتّة، لا نقاش فيها.

إذن، لسنا إزاء ثورة شعبية من أجل “الحرية والكرامة”، كما يتكرر، بل نحن إزاء حراك “السنة” من أجل استعادة “موقعهم الطبيعي كأكثرية” في السيطرة على السلطة. بالتالي، عدنا إلى فكرة أن “الثورة سنية ضد نظام علوي”، الفكرة التي حكمت قطاعاً من المعارضة، وأرادت للثورة أن تكون كذلك، وبالتالي، أسهمت في إيصالنا إلى تمدد داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام وكل الأصوليات المدمرة.
إذا انطلقنا من هذا المنظور، يمكن، أولاً، أن نبرر ما جرى في العراق، حيث انطلق قطاع طائفي من الشيعة من فكرة “المظلومية الشيعية” التي حكمتها “أقلية سنية”. وبالتالي، أن نقبل ما جرى هناك. وهذا مناقض للواقع، و”رجعي” بكل معنى الكلمة، حيث أعاد العراق قروناً إلى الوراء.
وثانياً، كيف نبرر التصاق تجار دمشق وحلب “السنة” بالنظام إلى الآن، ولهم نصيب في السلطة، بغض النظر عن النسب الحاكمة بينهم وبين المافيا التي تشكلت من قلب السلطة، وتحكم الثانية بالأولى. دافعوا عن السلطة وما زالوا، وفي ذلك يدافعون عن سلطتهم، وليس عن “نظام علوي”.
وثالثاً، مناطق الساحل السوري في ظل “النظام العلوي” من أفقر مناطق سورية، أي أنها لم تكن مستفيدة من السلطة، كما يستفيد تجار دمشق وحلب. وإذا كان سكانها وقفوا، كما يقال، مع السلطة فيجب أن نبحث عن السبب، لا أن نركن إلى تحليل طائفي مسبق، يقسم الشعب إلى طوائف. وكانت فكرة أن الثورة سنية ضد نظام علوي من المسائل التي أخافت هؤلاء (إضافة إلى نشاط إخواني وضخ إعلامي أصولي، يريد أسلمة الثورة، وتهافت نخب إزاء هذا الضخ الإعلامي). حيث بدل أن تُطرح المطالب الحقيقية، جرى العمل على طرح منظور يقوم على أساس طائفي.
هنا، أقول إن المظلومية، إذا اردنا استخدام هذا التعبير، هي مظلومية الفئات المفقرة التي نهبتها البرجوازية المسيطرة بشقيها، “السني والعلوي”، وليست مظلومية طائفة يعتقد بعضهم أن حقها الطبيعي أن تكون هي السلطة (أي أن يكونوا هم السلطة تحديداً).
وكان التنظير لمفهومي الأغلبية والأقلية، بالمعنى الديني الذي بدأ مع برهان غليون في كتابه “بيان من أجل الديمقراطية”، يقود إلى هذا التصور عن المظلومية، حيث ترسّخ، بناءً على ذلك، لدى قطاع من النخب، فهم يقوم على قسم الصراع إلى أغلبية سنية ضد نظام علوي، وهو تصوّر يظهر الآن بشكل فاقع، مستغلاً أن بيئة الثورة كانت في “المناطق السنية”، من دون سؤال عن سبب الشغل العنيد من السلطة والإخوان المسلمين والدول الإقليمية على حشر الثورة هنا، والعمل على إعطائها هذا التوصيف.
بالعودة إلى “المظلومية السنية”، أقول إن داعش والنصرة وجيش الإسلام تحكم باسم السنة، وعمر البشير في السودان يحكم باسم السنة، وهي كلها ضد شعوبها، تنهبها وتستبد بها. بمعنى أن المظلومية هي الغطاء لنظم مستبدة ناهبة أصولية (كما في إيران والعراق). ولا يتعلق الأمر بمظلومية طائفة، بل بظلم شعب من خلال نهبه وقمعه، وما يتكرر في سورية يهدف إلى ذلك، حيث تسعى فئات، باسم المظلومية، إلى السيطرة على السلطة، وممارسة ممارساتها.
لنعد، إذن، إلى الشعار الذي رفعه الشباب: “لا سلفية ولا إخوان، الثورة ثورة شبّان”. شبان معطلون، مفقرون، مهمشون، ومقموعون. هؤلاء هم من صنع الثورة.

المصدر: العربي الجديد

عن عبد الناصر

في ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، انتشرت التعليقات التقييمية حول ما جرى، وبدا أن هناك عدم معرفة بما حدث، خصوصاً لدى الشباب، وأن الموقف مما جرى مبني على حكم بعدي، صدر عن الموجة التي تمركزت حول الخطاب الديمقراطي. فأصبح الحكم سلبياً نتيجة دكتاتورية جمال عبد الناصر. وبعضهم مدَّ الأمر لكي يعتبر نظم أنور السادات وحسني مبارك إلى الآن استمراراً لنظام عبد الناصر.
كان النظام السياسي الذي نشأ بعد انقلاب الضباط على النظام الملكي دكتاتورياً، حيث انحكم لقرار فرد، ولتحكم أجهزة أمنية وبيروقراطية دولتية، لكن هذا جزء من الحقيقة، إلا إذا انطلقنا فقط من منظور ليبرالي ديمقراطي، لا يلمس سوى البنية السياسية للدول، متجاوزاً وضع الشعب، ومبتعداً عن لمس طبيعة الاقتصاد والطبقات. بالتالي، سيكون النظام دكتاتورياً و”كل دكتاتورية في النار”.
لا يفسر هذا الحكم لماذا كان النظام دكتاتورياً؟ وهل كان هناك بديل ديمقراطي حينها؟ وكل إشارة إلى الحكم الملكي و”الديمقراطية” التي كانت قائمة تتجاهل أن القرار في هذا النظام “الديمقراطي” كان للاحتلال الإنجليزي ثم للملك، ولأن الديمقراطية شملت فئة قليلة من الشعب، بينما كان 90% منه مغيباً عن كل سياسة، ويعاني من التخلف والجهل والأمية. ومن ثم، فإن أول خطوة ديمقراطية لا بد أن تتمثل في تعميم التعليم وإنهاء التخلف والفقر والجهل، فالديمقراطية تحتاج إلى شعب مسيَّس، وليس إلى شعب يعاني الجهل والتهميش.
المشكلة العميقة التي كانت تحكم المجتمع تمثلت في البطالة والفقر والتهميش في ظل نظام شبه إقطاعي، وفي احتجاز التطور الصناعي والتطور بشكل عام. حيث كان يجب إزالة الإقطاع والرأسمالية التابعة وإنهاء الاستعمار، ومحاولة التقدم من أجل تعميم العلم والثقافة وبناء الصناعة وتحقيق مستوى معيشي “لائق”. هذا ما تحقق في ظل “الدكتاتورية”. على الرغم من أن طبيعة الفئات التي حكمت كونها، في الغالب، ذات طابع ريفي، عمل بعضها على نهب الرأسمال المتمركز بيد الدولة (القطاع العام)، وكانت بساطة الوعي لديها وقرب ارتباطها بالريف يجعل ثقتها توضع بمن “يمجدها”، ويتبعها بغض النظر عن مؤهلاته.
إذن، حققت التجربة نقلة، وتوقفت ثم انهارت. انهار الإقطاع وتفككت بنى تقليدية ووعي تقليدي. لكن، لم يتشكّل بديل يحلّ محلها. وربما ساعدت شمولية السلطة على أن يتغطى نهب فئات في السلطة، هذه التي شكلت “رجال الأعمال الجدد” (أو كما سمته مجلة الطليعة سنة 1968، البروز الرأسمالي الكبير). وقادت مسار التحوّل المعاكس، حيث قامت بتصفية التجربة ونهب القطاع العام، وتدمير التعليم.
تمثلت المشكلة، هنا، في أن فئات ريفية قامت بالتجربة، في الغالب عبر الجيش (لا يستطيع الفلاحون تشكيل حزب خاص بهم)، ومن ثم عبّر عن طموح الريف في الانتقال الطبقي، وهذا ما تحقق عبر السباق الذي جرى عبر الدولة، فالريف كان يريد التخلص من الإقطاع، لكنه كان يريد الترسمل، بالتالي، كانت الدولة المعبر لذلك. لهذا، حققت التجربة تقدماً وتحولات، ثم انهارت، والمجتمع في وضع مختلف عما كان قبل الثورة.
لماذا قامت فئات ريفية بذلك عبر الجيش؟ هذه حالة “خاصة”، لأن الريف لا يستطيع التغيير من دون قيادة المدينة، منذ انتصار البرجوازية إلى ثورة أكتوبر. استطاعت ذلك لأن الأحزاب التي كان عليها أن تغيّر، من الليبراليين والشيوعيين، لم تطمح إلى التغيير، في وضع مجتمعي كان يعجّ بالصراع الطبقي، وينزع نحو التغيير. المشكلة هنا تُحمَّل للشيوعيين الذين كانوا يأنفون الوصول إلى السلطة، ويريدون تطوراً ديمقراطياً بورجوازياً، في وضع عالمي لا يسمح بذلك. هذه أخطاء حركة حدتو حينها، التي كان لها ثقل في مجلس قيادة الثورة، لكنها أرادت النظام البرلماني، في وضع مجتمعي مخلَّف، لا يعطي أكثر مما أعطى في ظل النظام الملكي.

المصدر: العربي الجديد

عن اليونان وإسبانيا واليسار

أحدثت انتكاسة اليونان هزّة لدى الشعب اليوناني. لكن، أيضاً لدى كل الذين عقدوا أحلاماً على يسار جديد يمثله حزب سيريزا. وربما تفضي إلى قطع الطريق على حركة بديموس في إسبانيا، حيث ربما تفقد كثيرين ممن أرادوا التصويت ليسار جديد، نتيجة الشك في يسارية الحركة، خصوصاً أنها، أيضاً، لا تحمل برنامجاً واضحاً، فيما عدا رفض التقشف.
مسارعة رئيس الوزراء سيبراس، إلى توقيع الاتفاق مع الدائنين والاتحاد الأوروبي، أحدثت شرخاً في الحزب نفسه، الذي يتشكّل من كتلة صغيرة في اليمين، لكنها مهيمنة، وكتلة كبيرة في الوسط، وثالثة وازنة في اليسار الجذري. لهذا، ربما يتصاعد الصراع نحو الانقسام السريع، وأيضاً نحو فرط الحكومة والسير نحو انتخابات جديدة، أو تحالف جديد، لا يكون حزب سيريزا المسيطر فيه. لكن، الأهم هنا هو كيف يمكن أن يتجذر الحزب أو يتفكك؟ كتلة الوسط هي التي سوف تحسم الأمر. لكن، من الواضح أن وضع الحكومة سوف يكون صعباً، نتيجة رفض قسم من أعضاء حزب سيريزا التصويت لمصلحة الاتفاق.
لا شك أن الحراك الشعبي سوف يؤثر كثيراً في الصراع داخل الحزب، حيث يمكن أن يشدّ من أزر الوسط، فيميل أكثر نحو اليسار. وهنا، إذا سقطت الحكومة، وجرت انتخابات جديدة، يكون الحزب مؤهلاً لأن ينتصر من جديد. لكن، على ضوء برنامج حاسم في القطع مع الدائنين، ومع الاتحاد الأوروبي، ومع البنوك المحلية والبورجوازية عموماً، أو يصبح قادراً على شلّ أية حكومة، يمكن أن تتشكل من تحالف أحزاب اليمين ويمين حزب سيريزا، في حال نجح هؤلاء في تشكيل حكومة.
هل تسمح التجربة بتحقيق هذا التطور في اليسار، بحيث يصبح حاملاً برنامج تغيير حقيقي، وليس برنامج رفض؟ ربما يعتمد ذلك، بالتحديد على مدى توسّع الحراك الشعبي، وربما، أيضاً، على تفاعل الحزب الشيوعي (حصد 6% من الأصوات) مع الحدث، وميله إلى التفاهم مع التحوّل الجديد الممكن، وأساساً امتلاكه برنامجاً جذرياً.
في إسبانيا، سوف يرى الشعب هنا، وإسبانيا تتحضّر للانتخابات في نوفمبر/تشرين أول المقبل، أن بديموس نسخة عن سيريزا، وبالتالي، ربما يميل إلى الاستنكاف عن التصويت، الأمر الذي سيضعف حركة بديموس بالتأكيد، ويجعلها تفشل في الوصول إلى السلطة. الحدث اليوناني مؤثر هنا، كما كان من قبل. لكن، هذه المرة بشكل معكوس. وبالتالي، انتكاسة اليونان ربما تضرّ بإسبانيا. وهي بالضرورة ستضرّ فيما إذا ظلت حركة بديموس بما هي عليه، كحركة ترفض، من دون بديل حقيقي، يقطع مع الاتحاد الأوروبي والدائنين والبورجوازية الإسبانية، حيث ستبدو للشعب الإسباني يساراً شكلياً، متهافتاً، وانتهازياً، يريد الوصول إلى السلطة فقط.
هل ستتجذر بديموس قبيل الانتخابات؟ هذا ما يجعلها قادرة على النجاح، وإلا فإن السقوط يمكن أن يكون مصيرها. حيث لم تعد الشعوب قادرة على قبول الحلول الإصلاحية، بعد أن بات الرأسمال يعمل على نهبها، ودفعها نحو الفقر. وآليات ذلك باتت مرتبطة، في جزء منها، بالانخراط في الاتحاد الأوروبي الذي يفرض عليها شروطاً تهيء الأرضية لنهب الرأسمال، بعد أن جرى توريط دول عديدة في المديونية التي هي استثمار رأسمالي، وليست مساعدة أو “تسهيلات بنكية”، لكي تتجاوز الدول أزمتها المالية، التي نتجت، أصلاً، عن نهب الرأسمالين، المحلي والدولي، الأمر الذي يضع الشعوب أمام مسار يفرض القطع مع الرأسمال، من أجل وقف النهب، وإعادة بناء الاقتصاد بشكل مستقل، يخدم الشعب وليس الرأسمال.
بالتالي، تجذر الشعوب مواقفها، وهذا ما يفرض بناء يسار جذري. بعد أن ظهر أن اليسار العالمي بات إصلاحياً وانتهازياً، وفي غير وارد التغيير، وظهر أن المحاولات الأولى لتبلور يسار جديد ما زالت تحمل من إرث اليسار السابق الكبير من العيوب والسوء.
أزمة اليسار البديل هي أزمة العالم اليوم.

المصدر: العربي الجديد

ما بعد الاتفاق النووي مع إيران

أخيرا جرى التوقيع على الاتفاق النووي بين الغرب وإيران بعد مفاوضات طويلة، حيث كان واضحا منذ أشهر أن الاتفاق منجز، وأن ما يجري يتعلق بـ”تهيئة الأجواء” في كل من أميركا وإيران لقبوله.

ورغم التركيز على تعقيدات تتعلق بمسائل حساسة، فإن كلا الطرفين كان يعتقد بأن الأمور تسير نحو الاتفاق.

ولا شك أن الأمر كان يتعلق بكل من أميركا وإيران بالأساس، وكان كل طرف يعرف “نقاط ضعف” الطرف الآخر، حيث استخدمت أميركا العقوبات الاقتصادية إلى المدى الأقصى، وفرضت حصارا على البنك المركزي الإيراني، وهو ما أفقد إيران القدرة على الاستفادة من المداخيل النفطية نتيجة أن النفط يباع بالدولار حصرا، الأمر الذي جعل حصول إيران على مداخيلها النفطية مستحيلا، حيث يجب أن يمر الدولار عبر البنك المركزي الأميركي الذي يقوم بمصادرتها في الحال بدل تحويلها إلى البنك المركزي الإيراني.

“انهيار الاقتصاد الإيراني فرض على إيران أن تناور، لكن أن تقبل في الأخير ما هو ممكن من أجل الوصول إلى رفع العقوبات قبل انهيار الدولة، لهذا كانت تشدد على أن تُرفع العقوبات من لحظة توقيع الاتفاق، وهو ما حصلت عليه بعد مناورات متعددة”

هذا الأمر جعل الاقتصاد الإيراني في وضع صعب، وأشرف على الانهيار، وبالتالي كان على النظام الإيراني أن يناور، لكن أن يقبل في الأخير ما هو ممكن من أجل الوصول إلى رفع العقوبات قبل انهيار الدولة. لهذا كان يشدد على أن تُرفع العقوبات من لحظة توقيع الاتفاق، وهذا ما حصل عليه بعد مناورات متعددة.

في المقابل، باتت أميركا معنية بـ”التحالف” مع إيران، لأنها تعتبر أن الخطر الأكبر هو ذاك القادم من الصين، ولهذا اعتبرت أن أولويتها هي منطقة الباسيفيك (آسيا والمحيط الهادي)، وانطلقت من ضرورة كسب الدول المحيطة بالصين في سياق ضمان حصارها في حال أرادت تطوير الصراع.
ولأن أميركا ما زالت تعتبر أن الخليج العربي هو “جزء من الأمن القومي الأميركي”، كما قرر مبدأ كارتر (سنة 1980)، فقد باتت معنية بوجود “حائط صد” أمام الصين لكي لا تتمدد نحوه، رغم وجود القواعد العسكرية الأميركية هناك.

كما أنها وهي تتراجع عالميا تريد ضمان استقرار الخليج، وكسب إيران يساعد على ذلك، لهذا كانت العقوبات التي فرضتها على إيران من أجل الوصول إلى توافق وليس من أجل “هزيمتها”، والنظام الإيراني يعرف هذه الحاجة الأميركية، لهذا ظل يناور إلى آخر رمق، فحصل على ربط رفع العقوبات بالتوقيع على الاتفاق النووي.

أما غير ذلك فإن الاتفاق يشل مقدرة إيران لسنوات طويلة عن تطوير قدرتها النووية، وهنا يظهر نجاح السياسة الأميركية، لكن يجب ملاحظة أن كل طرف بات يستطيع القول إنه نجح في “فرض شروطه”، والأمر هنا يتعلق بمسائل شكلية وليس بجوهر البرنامج النووي.

ربما كان قبول أميركا والدول الأخرى ربط رفع العقوبات بالتوقيع هو ما أثار الخوف لدى قطاع كبير من المتابعين، لأنه يعني أن إيران باتت قادرة على دعم وجودها في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن بعد أن ظهر في الفترة الأخيرة أنها باتت عاجزة عن تمويل الحروب في هذه البلدان. هذا الأمر ربما هو ما أثار أكثر التخوفات، وأطلق التكهنات بشأن أن أميركا قد أطلقت يد إيران في المنطقة، وفرض انتشار جو من السلبية والتشاؤم.

أظن أن في ذلك تسرع، وأيضا سوء فهم كبير، فربما لم ينتبه البعض إلى أن الحل الذي جرى التوصل إليه في ما يتعلق بربط رفع العقوبات بتوقيع الاتفاق تمثل في إعطاء مدة تسعين يوما بين توقيع الاتفاق رسميا، بما في ذلك إقراره في مجلس الأمن، وتطبيقه، لهذا لا بد من محاولة فهم ما يمكن أن يجري خلال هذه المدة.

“لم ينتبه البعض إلى أن الحل الذي جرى التوصل إليه في ما يتعلق بربط رفع العقوبات بتوقيع الاتفاق تمثل في إعطاء مدة تسعين يوما بين توقيع الاتفاق رسميا -بما في ذلك إقراره في مجلس الأمن-، وتطبيقه. لهذا لا بد من محاولة فهم ما يمكن أن يجري خلال هذه المدة”

لا شك أن أميركا ضمنت توقيع الاتفاق، ولهذا سوف تنتقل إلى البحث في الوضع الإقليمي. وقد أشار باراك أوباما منذ أيام إلى أن إدارته عاكفة على صياغة رؤية للسياسة الأميركية في كل من سوريا والعراق واليمن، بالتالي لا بد من رصد ما يمكن أن يجري على ضوء ذلك. ولا شك في أن أميركا تريد التحالف مع إيران، لكن ذلك لا يعني التسليم لها بما تريد، خصوصا أن لأميركا مصالح أخرى لا تتوقف عند إيران.

فالعراق بالنسبة لها جزء من الخليج العربي، وحين احتلته كانت معنية بأن تهيمن عليه، حتى وهي تعطي إيران حصة فيه عبر فرض سيطرة “قوى شيعية” كلها تابعة لإيران. وقد اختل الأمر بعد انسحابها الذي فرضته الأزمة المالية التي انفجرت في سبتمبر/أيلول سنة 2008، والتحول الذي حصل في إستراتيجيتها بالتوجه وإعطاء الأولوية لمنطقة الباسيفيك.

لكن خطأ نوري المالكي باستغلال داعش (تنظيم الدولة) لكي يعود إلى السلطة جعل أميركا تعود عبر “الحرب ضد داعش” (أو الحرب بداعش) لكي تعيد بناء السلطة في العراق بما يجعلها هي المهيمنة، وتضخيم داعش واللعب بها يهدف إلى ذلك، فالعراق بلد نفطي يجب السيطرة عليه، ولقد شُمل بمبدأ كارتر.

لهذا لن تتخلى عنه لإيران، على العكس سوف يتصاعد الصراع في الفترة القادمة من أجل إضعاف سيطرة إيران على السلطة، وتهميش قواها، وبناء سلطة جديدة تخضع للسيطرة الأميركية. هذا ما بدأته منذ صيف سنة 2014، وهي مستمرة به، ولن يكون ممكنا تراجعها عنه.

ولكن هل البديل هو سوريا؟ لا أظن، فأميركا منذ بداية سنة 2012 “تبرعت” بسوريا لروسيا، رغم أن نفوذها هناك لم يكن قائما، وهذا “التبرع” هو جزء من المفاوضات الأميركية الروسية لـ”تقاسم العالم”، حيث إن حاجة أميركا لحصار الصين تفرض عليها التحالف مع روسيا، وبالتالي تقاسم الحصص معها، ولأن روسيا منشدة للتواجد في سوريا، وقد حصلت على مصالح كبيرة بعد الثورة نتيجة دفاعها “المستميت” عن النظام في المحافل الدولية، ولأن أولوية أميركا الجديدة (منطقة الباسيفيك) تعني التخلي عن “الشرق الأوسط”، فقد قبلت أن تكون سوريا من حصة روسيا. ورغم الخلاف الكبير الذي نشب بعد الأزمة الأوكرانية، فقد ظل المنظور الأميركي يقوم على دعم وجود روسيا في سوريا.

ربما الآن بات الأمر أكثر أهمية بالنسبة لأميركا في ما يتعلق بإبعاد إيران عن سوريا، فقد وقعت الاتفاق النووي معها رغم المعارضة الشديدة من قبل الدولة الصهيونية، ورغم الخوف الكبير لديها، وهو ما أثار الحساسية في العلاقات بين الطرفين، وربما يهيئ لمشكلات كبيرة.

لهذا سينطلق المنظور الأميركي تجاه سوريا، ليس من التقاسم مع روسيا فقط، بل كذلك من ضرورة إبعاد إيران عن سوريا إرضاء للدولة الصهيونية، وتحقيق ذلك يعني ترتيب وضع نظام في سوريا ليس معاديا للدولة الصهيونية، خصوصا أن روسيا “صديقة حميمة” للدولة الصهيونية، لكنه يعني أيضا خنق حزب الله الذي سيفقد الطريق إلى طهران، وسيكون محاصرا بأطراف لا تريده، وهذا ما يمكن أن يشل حركة الحزب، وقد يفتح على تجريده من السلاح، وربما استثارة قاعدته الاجتماعية بعد كل الخسائر التي نتجت عن حربه ضد الشعب السوري.

إذن، سيكون الشغل الأميركي على ترتيب سلطة في سوريا غير تابعة لإيران، بل مهيمن عليها من قبل روسيا (أو ربما تبدو كذلك فقط نتيجة التداخل الممكن مع أطراف أخرى). وهذا يعني العودة إلى مبادئ جنيف1، والانطلاق إلى جنيف3 تحت الرعاية الأميركية الروسية.

“الاتفاق النووي سيفتح على ترتيب وضع المنطقة، لكن ليس بهيمنة إيران بل بتقليص دورها، وعبر إعطائها امتيازات في العراق واليمن، هي أقل مما يريد الإيرانيون، لكنهم لا يستطيعون الحصول على أكثر مما هو ممكن”

ولا شك أن اتصال بوتين بأوباما للحديث عن سوريا له معنى بعد أن ظل الروس يتجاهلون ذلك، و”يتدللون” على أميركا، فقد شعر الروس بأن إيران هي التي تهيمن الآن على السلطة في سوريا، وأن مقدرتهم وحدهم على ترتيب السلطة بما يحقق المصالح الروسية لم تعد كبيرة، لهذا لجأ بوتين إلى أميركا التي تمتلك أوراق ضغط كبيرة، معتمدا عليها في ترتيب وضع سلطة خاضعة له وليس لإيران.

في اليمن، من الواضح أن أميركا لا تريد إنهاء الحوثيين، وهذا ما يظهر من خلال موقف الأمم المتحدة، وخصوصا من خلال مبعوثها إلى هناك. لكن هذا لا يعني أنها تريد تسليم اليمن للحوثيين، بل تريد أن يكون الحوثيون جزءا مؤثرا في الدولة المقسمة بين السعودية وإيران، حيث يعود حزب الإصلاح وتعود القبائل التي هي عصب السلطة، وهذا يرضي السعودية، مع إشراك الحوثيين عبر “موقع مميز” في السلطة، وهذا يرضي إيران.

لهذا فإن التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني سيفتح على ترتيب وضع المنطقة، لكن ليس بهيمنة إيران بل بتقليص دورها، وعبر إعطائها امتيازات في العراق واليمن، هي أقل مما يريد الإيرانيون، لكنهم لا يستطيعون الحصول على أكثر مما هو ممكن.

ربما كانت مدة التسعين يوما هي الفترة التي ستعمل الإدارة الأميركية فيها على هذا الترتيب قبل أن تتدفق الأموال على إيران، هذه الأموال التي سوف يجري العمل على نهبها عبر المشاريع التي ستطرح لتطوير حقول النفط، وتحديث أسطول الطيران والبنية التحتية. وهي المسائل التي سوف تثير التنافس بين حلفاء الأمس، من ألمانيا وفرنسا إلى أميركا، ومن روسيا إلى تركيا.

المصدر : الجزيرة

“اليسار اليوناني” يخفق

نجح حزب سيريزا اليساري في اليونان، بالضبط لأنه رفض سياسة التقشف، والشروط المجحفة التي وضعها الدائنون (صندوق النقد الدولي والبنوك الأوروبية)، وعمل على إعادة البحث في تلك الشروط، وعلى أساس وقف سياسة التقشف. وحين أصرّ الاتحاد الأوروبي والدائنون على شروطهم، قرّر الحزب إجراء استفتاء عليها، ولقد رفض الشعب اليوناني تلك الشروط، بنسبة قاربت 65%. وظهر أن اليونان تسير نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وسوف توقف سداد فؤائد ديونها، وطالب بعضهم في الحزب بإلغاء الديون ومصادرة أموال الرأسمالية اليونانية التي تسببت في مراكمة تلك الديون، وهي من استفاد منها. لكن الحزب لم يأخذ في الاعتبار رفض الشعب، حيث قدّم “خطة جديدة” وافقت دول الاتحاد الأوروبي عليها. تنص على زيادة عائدات الضرائب وترشيد رواتب التقاعد وتحرير سوق العمل. وما اعتبر رئيس الوزراء، سيبراس، أنه انجاز هو تجنيب نقل الأصول اليونانية إلى الخارج، وانهيار النظام البنكي فقط. وما “تحقق” هو إعادة جدولة الديون من دون تخفيضها، بمعنى أن ما تحقق في الاتفاق الجديد هو “تحسين جزئي” في الشروط من دون المسّ بها.
وبالتالي، نفهم هنا لماذا استقال وزير المالية، المشاغب الأكبر، ضد الدائنين والاتحاد الأوروبي، عقب التصويت بلا على الشروط الأوروبية، حيث فهم أن الـ لا هذه تنفيس لرفض الشعب من أجل الوصول إلى اتفاق، وليس من أجل رفض الشروط والتصميم على رفض سياسة التقشف، وكل شرود الدائنين، حتى وإنْ قاد ذلك إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، والعودة إلى العملة اليونانية، الدراخما. ولا شك في أن ما جرى يعني أن الحزب الذي ظهر تجديداً لليسار، وبديلاً عن الأحزاب اليسارية، سوف يعاني من موته الآن، بسرعة لا مثيل لها. ولسوف يفقد شعبيته كذلك بسرعة لا مثيل لها. ومن ثم يتحوّل إلى أداة جديدة بيد الرأسماليتين، اليونانية والأوروبية.
طبعاً، كان واضحاً أن الحزب الذي تشكّل “على عجل”، وانطلاقاً من سياسة “رفضية” (رفض سياسة التقشف وشروط الدائنين)، يضم تيارات متعددة، بعضها جذري، وبعضها نقابي مطلبي، لكن بعضها إصلاحي بكل معنى الكلمة. وكان يشار إلى سيبراس الذي أتى من صفوف الحزب الشيوعي ممثلاً لهذا التيار الإصلاحي الذي من السهل عليه التحوّل إلى الليبرالية، كما أوضحت تجارب “التجديد” التي يطرحها شيوعيون سابقون. حيث تشرّب هؤلاء فكرة أن زمن تجاوز الرأسمالية لم يحن بعد، وأن بلداً وحيداً لا يستطيع الانتقال إلى الاشتراكية. وبالتالي، ليس من الممكن سوى تحسين في بنية الرأسمالية باتجاه “عدالة ما تشمل الفئات الأفقر، و”تشذيب” في التكوين الاقتصادي، يراعي عدم رمي الشعب في الفقر بسرعة. فالنمط الرأسمالي ما زال قائماً، لن يكون ممكناً تجاوزه الآن، بالتالي، الهدف هو “تحسين” الأوضاع بشكل ما.
لهذا أظهر سيبراس “منجزاته” بأن أشار إلى تجاوز بيع أصول يونانية (بعض الجزر) للدائنين، وأنه منع انهيار النظام البنكي، بالعودة إلى المديونية، لكي تنهب البنوك وتستقر. على الرغم من أن الحل يفرض انهيار النظام البنكي، مع إعادة تأسيسه على أسس جديدة، بعيدة عن سيطرة الطغم المالية الأوروبية (الفرنسية الألمانية)، من خلال الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو.
سوف تدفع هذه الخطوة إلى تفكك حزب اليسار. لكن، أيضاً إلى تصاعد الحراك الشعبي، بالضبط لأن الشعب لم ينتخب سيريزا من أجل ذلك، بل من أجل إنهاء سياسة التقشف. بالتالي، نحن في بداية طريق من الصراع الذي يفرض تأسيس يسار آخر، جذري، ومعني بتجاوز الرأسمالية، هذه المسألة التي ما زالت تخيف “اليسار القديم”، وأطرافاً في اليسار الذي يتشكّل “على عجل”. والشباب اليساري الذي كان في صلب تجربة حزب سيريزا يمكن أن يكونوا هم أساس ذلك.

المصدر: العربي الجديد

المديونية كتوظيف مالي

ينظر إلى عملية الاقتراض، سواء من صندوق النقد الدولي أو من البنوك الدولية، على أنها حل لمشكلات داخلية تتعلق بعجز الموازنة، حيث تكون مصروفات الدولة أكبر من وارداتها لأسباب مختلفة، منها ما يعاد إلى “فشل القطاع العام”، والضمان الاجتماعي ومجانية التعليم، وتحمُّل الدولة فروقات الأسعار في سلع أساسية بين سعرها العالمي وما يناسب الأجر المحلي. كل ذلك حسب ما تكرر في خطاب صندوق النقد الدولي الذي يضغط من أجل فرض الخصخصة.

ولهذا يظهر الأمر وكأن عبئاً ملقى على الدولة فرض ذلك، لهذا يجب أن يُزالَ العبء عبر الخصخصة وتخلي الدولة عن التزاماتها تجاه الطبقات الشعبية. ولحين تحقيق ذلك تأتي “اليد الحنون” لكي تساعد الدولة على إعادة الهيكلة عبر تقديم قروض مالية “سخية”.

هكذا يظهر الأمر في البروباغاندا، وهكذا يروج مفكرو الليبرالية الجديدة. لكن سيبدو الأمر غير ذلك تماماً فيما إذا درسنا عوائد القروض، وكيف أن القرض يتراكم ويكبر رغم دفع المستحقات السنوية (فوائد الديون). وإذا جرى جمع الفوائد التي دُفعت وحدها سنجد أنها أكبر من الدين ذاته. هنا نلمس عملية مزدوجة في تحقيق الربح، حيث تكون الفوائد شكلاً له، ويكون تراكم الدين شكله الآخر. هذا الشكل الأخير يتحقق عبر الاستدانة من أجل تسديد فوائد الديون، وهكذا….

اقرأ أيضا: الديون في الدول العربية: اقتصادات برسم البيع

وبالتالي سنلمس هنا أن نسبة الربحية في توظيف الديون ستكون أعلى بما لا يقاس عن نسبة الربحية في الصناعة أو حتى التجارة والخدمات. لهذا فالديون توظيف جيد ومضمون، ويحقق عبر ذلك وضعاً اقتصادياً يسمح بنشاط استثماري مربح كذلك.

مثلاً، لنأخذ وضع مصر، حيث كانت القيمة الفعلية للقطاع العام في ثمانينيات القرن العشرين تبلغ 360 مليار دولار، وكان قد بدأ الشغل على “الانفتاح الاقتصادي” وبيع القطاع العام، كما بدأت عملية “التصحيح الهيكلي” (هذا هو الاسم “العلمي” لشروط صندوق النقد الدولي)، وأصبحت الدولة بحاجة إلى الديون لتجاوز عجز الميزانية، لتتراكم وتصبح (دون احتساب ما جرى التنازل عنه نتيجة حرب الخليج الأولى) ما يقارب الـ 50 مليار دولار مديونية تسدد أقساطها سنوياً. وكانت قيمة القطاع العام قد تبخرت، حيث كان يباع بحجة تسديد فوائد الديون. ومن ثم كانت تجري الاستدانة من جديد.

إلى أين ذهبت قيمة القطاع العام؟ إلى “رجال الأعمال الجدد” من طرف، والمقرضين والشركات التي وظفت “في السليم” من جهة أخرى. هذا يعني أن الخصخصة لم تكن حلاً لمشكلة بل فاتحة لنهب، حقق الدائنون أرباحاً طائلة منه. هذه هي عملية النهب التي ترافقت مع “الليبرالية المتوحشة”.

بالتالي يجب النظر إلى الديون على أنها توظيف رأسمالي وليست مساعدة، وأنها تحقق أرباحاً طائلة إضافة إلى أنها تفرض تغيير البنية الاقتصادية لمصلحة خصخصة شاملة، وتحكّم الطغم المالية بالاقتصاد المحلي، وبالتالي نهب هذه الطغم عبر التوظيف في مجالات أخرى بعد التسهيلات التي تُفرض على الدولة، والتي بدورها تحقق أرباحاً طائلة كذلك.

من هذا المنظور لا بد من التعامل مع الديون على أنها وسيلة نهب، وأنها حققت أرباحا أعلى من قيمتها، وبالتالي لا يتعلق الأمر بسداد الديون، بل بإلغائها بعدما فرضت فتح الاقتصاد للنهب. الأمر هنا يتعلق بحق طبيعي بإلغاء الديون، وحق المطالبة بالتعويض عن الخسائر التي حدثت من جرّاء نهب طويل تحقق عبرها.

اليونان تعاني اليوم من أزمة المديونية، وتسير نحو الإفلاس أو تخضع لشروط صندوق النقد الدولي والمصارف الأوروبية، وضغوط الاتحاد الأوروبي. ولقد فُرضت عليها سياسة تقشف قاسية رفضها الشعب، ولم يبقَ سوى إلغاء الديون، وإعادة بناء الاقتصاد بعيداً عن سيطرة الطغم الإمبريالية.

إسبانيا تعيش الأزمة ذاتها، وكذلك إيطاليا، وبلدان شرق أوروبا. كما تعيشها البلدان العربية، وكانت من أسباب امتصاص الفائض وتصديره إلى المراكز، وبالتالي إفقار الشعب.
ما يجب أن يتصدّر الصراع ضد الرأسمالية هو مسألة إلغاء الديون، واعتبار ذلك الحل الوحيد لهذا التوظيف المالي، الذي حقق أرباحاً هائلة للطغم المالية.

المصدر:  العربي الجديد