Monthly Archives: مارس 2012

سوريا فى الصراع العالمى

يظهر الآن بأن الوضع السورى بات ينحكم للوضع العالمى أكثر مما ينحكم لوضع داخلى يتمثل فى تصاعد الانتفاضة وتوسعها. وبات الدور «العربى» الذى يتحقق من خلال الجامعة العربية، والصراع الروسى الأمريكى/ الأوروبى، هو المسيطر على مجريات الواقع الذى تؤسسه الانتفاضة. وهو ما جرى ويجرى استغلاله من قبل السلطة لتصعيد «الحسم العسكرى»، وتصعيد القتل والتدمير.

●●●

«المجلس الوطنى» سعى جاهدا منذ البدء لـ «تدويل» المسألة، من خلال نقل الملف السورى إلى مجلس الأمن الدولى. وبعد تردد قامت الجامعة العربية بهذه المهمة. لكن المفاجأة كانت فى الفيتو الروسى الصينى الذى أوضح حدود «اللعبة» على الصعيد الدولى. والمشكلة التى تظهر واضحة هى أن الوضع الدولى قد تغيّر خلال السنة الأخيرة، ولم تعد التوازنات التى نشأت بُعيد انهيار الاتحاد السوفيتى قائمة الآن. فقد استعادت روسيا مقدرتها الاقتصادية، وحافظت على قدرتها العسكرية، لكن الأهم هنا هو أن أمرىكا والنظام الرأسمالى دخلا منذ سنة 2008 فى أزمة كبيرة فرضت تراجع مقدرة كل البلدان الرأسمالية.

أمريكا مأزومة اقتصاديا، وهى مهددة بانهيار مالى جديد، وبالتالى لم تعد مقدرتها الاقتصادية تحمل الدور العسكرى الذى حاولته منذ سنة 1990 خصوصا، أى بمحاولة السيطرة على العالم. وأوروبا تعيش الخوف من انهيار مالى يطيح باليورو وبالوحدة الأوروبية، وهناك تخوّف من انهيار دول عديدة مثل اليونان وإيطاليا واسبانيا. وفى هذا الوضع فقدت أمريكا مقدرتها على السيطرة العالمية، وهو الأمر الذى أوجد فراغا دفع إلى أن تتقدم دول لكى تصبح قوة عالمية موازية على الأقل. وهذا ما جعل روسيا تتقدم، وتتوافق مع الصين، وتؤسس تحالفا مع الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا (المسماة بالدول البازغة)، لكى تفرض معادلة عالمية جديدة.

لهذا عمدت روسيا والصين إلى تغيير إيقاع الوضع العالمى، من خلال فرض «حقائق» جديدة تمنع أمريكا من أن تصبح لاعبا أوحد. وربما أن توقف التمدد الأمريكى على الصعيد العالمى، هو لمصلحة عالم جديد متعدد الأقطاب، أو ثنائى القطب.

وبالتالى حين يصبح الملف السورى مدوّلا سوف يخضع لضعف أمريكا وتراجعها من جهة، وتقدم الروس من جهة أخرى. وفى هذه المعادلة تكون السلطة هى الأقوى، والمستفيدة من التدويل. ولن يكون مفيدا كل «النشاط العربى» الذى يدفع نحو ذلك، أو يميل لأن يلعب الدور البديل عن أمريكا. فهو فى ذلك يضعف موقف الانتفاضة بدل أن يساعدها. وإضافة إلى أنه يجعل التركيز على الدور العربى والنشاط الدولى مجالا لكى تعمد السلطة إلى حسم الصراع على الأرض. وهو ما شهدناه منذ شهر تقريبا، والذى تمثل فى هجوم عسكرى تحت عنوان «الحسم».

●●●

فى هذا الوضع الدولى لن يكون ممكنا التدخل العسكرى. وأمريكا كما اشرنا لم تعد فى وارد حرب جديدة سيكون التدخل فى سوريا مدخلا لها. وهى ليست على استعداد لتسليح المعارضة لأن ذلك سوف يقود إلى حرب كذلك، ربما نتيجة رد السلطة على أى دعم عسكرى سواء عبر تركيا أو عبر الأردن. والتصريحات فى هذا الصدد كثيرة من قبل مسئولين كبار فى الإدارة الأمريكية، إضافة إلى تصريحات مسئولين أوروبيين. الأمر الذى يجعل كل مراهنة على الخارج هى تضييع للوقت (إضافة إلى أضرار كثيرة تؤسس لها). ومن ضمن ذلك ستكون المراهنة على عسكرة الانتفاضة من خلال التسليح من الخارج (رغم دعوات ووعود زعماء دول الخليج).

ربما هذا يكون أفضل للانتفاضة ذاتها، لأن كل تدخل عسكرى إمبريالى يستجلب التدمير والقتل (طبعا أكثر مما يحصل الآن، لأنه سيكون من طرفين وليس من طرف السلطة فقط)، ولأن التسلح سيوجد ميزان قوى هو لمصلحة السلطة المتفوقة عسكريا إلى حد كبير، وحيث يقود التسلح إلى تماسك الجيش وليس تفككه أو انشقاقه. وبالتالى، لكى تعود الانتفاضة إلى مكمن قوتها الذى هو طابعها الشعبى (ولن أقول سلميتها) الذى يقوم على حراك الآلاف ومئات الآلاف فى كل مناطق سورية. والذى وحده يربك السلطة، ويشل قوتها، رغم كل العنف الذى تمارسه.

●●●

الوضع الإقليمى، كما الوضع العالمى، متوتر نتيجة ما يحدث فى سوريا، من أجل ضمان السيطرة، أو الاستفادة فى الصراع العالمى للحصول على تنازلات فى مناطق أخرى. وكل ذلك يكلف دما سوريا، لكن هذا من طبيعة مصالح الدول الإمبريالية، من أمريكا إلى روسيا. ولا شك فى أن اللعب فى هذا الملعب ليس فى صالح الثورة على الإطلاق. لهذا لابد من العودة إلى الأساس، الذى هو الشعب الذى ينتفض، من أجل بلورة فعله بشكل يخدم استمرار توسع الثورة، خصوصا أنها وصلت إلى ما كان يعتبر «معاقل» السلطة و«قاعدتها الشعبية»، أى دمشق وحلب والساحل.

المصدر: الشروق

عام على اندلاع الحراك الشعبي: الثورة السورية للمبتدئين

تجاوزنا منذ أيام العام من عمر الثورة السورية، ورغم طول المدة إلا أنّ هناك ثورات امتدت سنتين أو ثلاث سنوات، لكن نأمل أن تنتصر سريعاً. وما يلفت في الثورة السورية هو البطولة التي يتسم بها هؤلاء الفقراء الذين يدافعون عن عيشهم، وطالبو الحرية الذين يريدون هدم الاستبداد. لكن يبدو أنّنا مطالبون بشرح مبسّط للمبتدئين في فهم الثورات، بعدما سيطرت السطحية، وتاه البعض في أوهامه الأيديولوجية، أو سوء فهمه للوضع، فبدأ يقارن ما يجري على نحو هلامي بما يعرفه عن معنى الثورات، أو بصيغة أيديولوجية حفظها، أو انحكم لمرض عضال اسمه «الإمبريالية».

بدايةً، يجب القول إنّ سوريا في 2011، هي ليست سوريا في 1970 أو 1980، أو حتى 1990. لقد تغيّرت كثيراً، إلا من مسألة واحدة هي طبيعة السلطة الاستبدادية الشمولية. فقد نُهب «القطاع العام» إلى حد الإفلاس، وتلاشت «الحقوق» التي حصل عليها العمال والموظفون والطلاب وكل الفئات الاجتماعية، وانتهى دور الدولة في الاستثمار وتطوير البنى التحتية وضمان التعليم والصحة. كذلك، سيطرت فئة مارست النهب المنظم طيلة عقود ثلاثة (1970 ــ 2000). فئة فرضت اللبرلة (2000 ــ 2007)، وهيمنت على نسبة كبيرة من الاقتصاد، وخصوصاً بعدما فرضت «سيطرتها» على الرأسمالية التقليدية من خلال شركة خاصة. وأصبحت تبحث عن أفق الترابط مع الرأسمالية الإمبريالية، بدأ عبر الرأسمال الخليجي، وكذلك عن توافق مع «الإمبريالية».

وإذا كان الاستبداد الطويل يؤسس الوعي بضرورة الديموقراطية لدى فئات مجتمعية، ويُشعر المجتمع بضرورة الحرية، فقد أصبح الوضع أكثر تعقيداً بعدئذ، نتيجة الإفقار العام الذي نتج عن البطالة العالية والأجر المتدني، وخصوصاً بعدما أصبحت الأسعار عالمية بفعل الانفتاح الاقتصادي.

ورغم الحديث عن «الإصلاح والتطوير» الذي بدأ في 2000، لم يتحقق شيء على صعيد بنية السلطة الشمولية، وظلت الوعود تتكرر دون أن يحدث ما يشير إلى تقدم ما. ما تحقق، كما أشرنا، هو انتصار الليبرالية على نحو كامل. الأمر الذي أضاف كتلاً بشرية كبيرة متأزمة ومحتقنة لأنّها لم تعد تستطيع العيش أو العلاج أو تعليم أبنائها.

وهذا الأمر يشير إلى تكلس بنية السلطة، وتأكد عدم إمكان إصلاحها. على العكس، فإنّ التحوّل الاقتصادي الليبرالي وهيمنة «رجال الأعمال الجدد» كان يفرض استمرار السلطة الاستبدادية الشمولية، لا التخلي عنها، إذ إنّ «النمط الاقتصادي» الذي فرضه هؤلاء، ذو طابع احتكاري مافياوي، وبالتالي يريد سلطة عنفية من أجل ضمان احتكاره، وقمع كل إمكان للقيام بالاحتجاج. ولهذا لم يكن الإصلاح سوى «خطاب إعلامي» يغطي استمرار السيطرة الشمولية على المجتمع. ولا يزال الأمر كذلك، بعدما أصبح واضحاً أنّ الإفقار عمّ المجتمع، وأنّ الثروة باتت محتكرة لفئة ضئيلة.

كان انتصار الليبرالية واحتكار «الفئة الجديدة» يدفع على نحو طبيعي للتكيّف مع الطغم الإمبريالية (وبالتالي مع الدول الإمبريالية)، وذلك ما كان واضحاً منذ ما بعد احتلال العراق في 2003، لكن المنطق الأميركي في السيطرة كان يؤسس لاختلاف كبير. السلطة كانت تتوهم أنّها أقامت علاقة وثيقة مع أميركا، بعدما خضعت لشروط كولن باول، وأميركا كانت تعدّ لتغيير هذه السلطة انطلاقاً من رؤيتها «الجديدة» القائمة على تكوين نظم طوائفية. إذن، كانت الرأسمالية الجديدة تعتقد بأنّها قادرة على التفاهم مع أميركا، بينما كانت تلك في سياق مشروع آخر يفترض تغيير السلطة في سوريا. اتّضح ذلك الأمر في مسألة اغتيال رفيق الحريري، ومحاولة الاستفادة منها للقيام بانقلاب داخلي، كان مصيره الفشل (بمساعدة تركيا كما أشار داوود أوغلو، وساركوزي حين كان وزيراً للداخلية، الذي بدأ عهده كرئيس بتبني السلطة السورية).

هذا الأمر فرض على السلطة أن توّثق علاقتها بإيران (عقد التحالف الاستراتيجي في هذا الوقت، لا قبل ذلك)، وتركيا التي أصبحت حليفاً استراتيجياً، وروسيا عبر نقل النشاط الاقتصادي للفئة المسيطرة إلى هناك. وبالتالي، أصبحت السلطة في تشابك مع إمبريالية أخرى. وهذا الوضع هو الذي يعطيها ميزة الآن. فقد حمت ذاتها بالتنازل لكل من إيران وتركيا وروسيا، وربط مصالحها الاقتصادية معها. وكان ذلك يتوافق مع انتصار الليبرالية محلياً، ويؤسس لتشابكها مع السوق الرأسمالي خارجياً، ككل العلاقات بين رأسمالية محلية والإمبريالية (وهنا يجب ألا ننسى أنّ روسيا الآن هي ليست الاتحاد السوفياتي، بل هي دولة إمبريالية). ولقد حاولت أميركا بعد تسلّم أوباما إعادة العلاقة، لكن كان الوضع قد استقر على «تحالف» سوري مع إيران، تركيا وروسيا. ومن هذا الموقع «المتناقض» مع أميركا استمرت السلطة في دعمها لحزب الله، ودعمت حركة حماس. بدأ الحراك من قبل شباب يطمح إلى الحرية بالتخلص من سلطة استبدادية شمولية، بعضهم ديموقراطي الاتجاه، وبعضهم يساري الاتجاه، لكنّ العديدين منهم كانوا يطمحون فعلاً إلى الحرية دون أن يكون لهم خلفية فكرية أو سياسية، بل يريدون أن يحسّوا بأنّهم مواطنون لهم دور وفاعلية. ولهذا بدأوا في الرد على خطاب السلطة «الشخصاني»، فبدل شعار «الله، سوريا، بشار، وبس» صار «الله، سوريا، حرية، وبس». وأمام الإذلال الطويل جاء: «الشعب السوري ما بينذل».

لكن درعا فتحت على بدء انفجار الاحتقان الاجتماعي (الطبقي والسياسي) الذي تراكم عقوداً، وتوّسع في الريف الذي عانى انهياراً نتيجة سياسة اللبرلة، وكذلك المدن المهمشة، وبات يعم كل سوريا تقريباً. وإذا كان الوضع لا يسمح بتحديد أعداد المشاركين، فإنّ الإشارة إلى أنّ نسبة البطالة هي 30% تقريباً من القوى العاملة، وخصوصاً بين الشباب، وأنّ الحد الأدنى للأجور هو أقل من ثلث ما هو ضروري (هذا قبل انهيار الليرة)، وأنّ الريف قد عانى انهياراً زراعياً كبيراً، توضح أنّ نسبة المتضررين اقتصادياً هم كتلة هائلة (المجموع هو قريب من 80% من الشعب)، هي بالتأكيد ليست مع السلطة.

خلال أول تظاهرة في سوق الحميدية، اعتُقل بعض من شارك فيها، لكنّ المحتجين في درعا يوم 18 آذار 2011، الذين طالبوا بمطالب محلية، منها الإفراج عن أطفال معتقلين، وكف يد الأمن عن النشاط الاقتصادي لكونهم في «أراضٍ حدودية»، وُوجهوا منذ اللحظة الأولى بالرصاص. وهو الأمر الذي أوضح السياسة العامة التي تريدها السلطة، التي قررت المواجهة العنيفة، من اللحظة الأولى، خوفاً من انفلات الشارع والسيطرة على الساحات، لأنّها تعرف ماذا فعلت بهذا الشعب. بمعنى أنّ القرار الأول لديها كان استخدام السلاح. ولذلك احتاجت إلى «مبرر» يغطي هذا العنف، الأمر الذي أفضى إلى كتابة سيناريو المجموعات المسلحة السلفية، أو الإخوان المسلمين، ثم تشكيل الإمارات السلفية لتبرير اقتحام المدن، ثم وجود طرف ثالث لتبرير القتل والقنّاصة. وبدأ تضخيم دور الأصولية (أو على الأصح اختراع دور للأصولية والإخوان)، وأصبحت مهمة الإعلام الرسمي تلفيق كل ما يخدم هذه «الصورة المفترضة» للثورة. أما «المؤامرة الإمبريالية»، فقد جرى اللعب على وتر تموضع السلطة في المحاور العالمية، واستغلال الموقف ضد الإمبريالية، من أجل تعميم ما يجري وكأنّه مؤامرة إمبريالية، رغم الموقف الأميركي المتردد منذ البدء، والصهيوني الذي يميل إلى عدم سقوط السلطة، وأيضاً التعلّق بتصريحات ومواقف عابرة، رغم أنّ الحدث السوري يفرض أن تدلي كلّ الدول الإمبريالية وغيرها برأي فيه. ومن الطبيعي أن يكون لهذه الدول مواقف، المهم ما الذي يجري في الشارع، ولماذا ثار الناس. فأول أبجديات فهم الثورات هو هذا.

أخيراً من يُرد أن يجد الأعذار في رفض الثورة، فسوف يقع على الكثير من الأخطاء والخطايا في الحراك، وخصوصاً من المعارضة التي كانت أهم عون في تأخير سقوط السلطة كل هذا العام، لكن من هو مع الشعب المضطهَد لا بد له من أن يكون مع الثورة، ومن ثم أن يفضح كل الأخطاء، ويسقط من يريد، ويتهم كل من يميل إلى الدعم الإمبريالي أو يتحدث بمنطق طائفي، أو يخطئ في التكتيك أو الشعار.

المصدر: الأخبار

سوريا أيضًا تنتظر التغيير

يبدو أن السلطة السورية قررت الحسم العسكرى، كما قررت تحقيق «الإصلاح» على طريقتها. لقد صاغت دستورا «جديدا» نجح بنسبة 89% من أصل 57% شاركوا فى الاستفتاء، كما قالت، رغم أن المشاهدات العيانية كانت تشير إلى مشاركة هزيلة. وإذا كان «الدستور الجديد» قد تنازل عن «الاشتراكية» لمصلحة قوى السوق، وثبّت النص الذى يشير إلى دين رئيس الدولة، وإلى أن الفقه الإسلامى هو مصدر رئيسى للتشريع، فقد أبقى على هيكلية الدولة، كما فى الدستور السابق، والقائمة على محورية وضع الرئيس، وتحكمه فى كل مفاصل السلطة. فرغم الإشارة إلى فصل السلطات سنجد بأنه فوق كل هذه السلطات والمقرر فيها أو الضامن لها. «التقدم» الوحيد تمثل فى إقرار «التعددية السياسية»، لكن وفق قانون للأحزاب يربط الموافقة بلجنة تابعة للسلطة التنفيذية.

بمعنى أن «الإصلاح» الذى أُنجز لم يحقق تغيّرا فى بنية الدولة، حيث الدستور والقوانين التى أُقرت (ومنها قانون الإعلام) لم تغيّر فى طبيعة السلطة كونها تتحكم فى كلية الوضع، بما فى ذلك من يكون معارضا. بالتالى يمكن القول بأن السلطة ظلت كما هى رغم سنة من الانتفاض الشعبى الذى يطالب بإسقاط النظام. ولهذا يتوضّح تماما مدى «التكلس» الذى يحكمها نتيجة مصالح الفئات التى باتت تتحكم فى الاقتصاد، وتمارس كل أنواع النهب.

لهذا سيبدو الميل لتحقيق الحسم العسكرى أمرا لا غنى عنه، من أجل تثبيت سلطة «جمهورية مطلقة» (هى اقرب إلى السلطة الأمبراطورية)، باتت فى خدمة «رجال الأعمال الجدد» الذين هم ذو صفة عائلية (مع حواشى)، وباتوا يسيطرون على ما يقرب من 60% من الاقتصاد السورى، ويعتقدون بأن هذا الشكل السلطوى الشمولى هو وحده الذى يكرّس سيطرتهم الاقتصادية، ونهبهم. وبالتالى بات واضحا بأن إزالتهم هى ضرورة من أجل تغيير طابع السلطة الاستبدادى الشمولى، وبناء دولة مدنية ديمقراطية.

فمنذ أكثر من شهر وحمص للتعرض للقصف فى ظل حصار شديد، خصوصا بابا عمرو الذى سقط أخيرا بعد أن شهد تدميرا واسعا، ومئات القتلى. وكذلك شمل «الهجوم» ريف دمشق ودرعا وإدلب والرستن ودير الزور، فى إطار استراتيجية عسكرية تهدف كما يظهر إلى تصفية كل «البؤر المسلحة» وإنهاء الانتفاضة. ومن الواضح بأن الروس والإيرانيين ليسوا بعيدين عن هذا الهجوم، من خلال المشاركة بأشكال مختلفة.

هل يفضى ذلك إلى هزيمة الثورة؟

 ●●●

إذا كانت قوة السلطة العسكرية قادرة على حسم الصراع مع المسلحين (الذين هم من العسكريين المنشقين، ومتطوعين) نتيجة الاختلال الكبير فى ميزان القوى، فإن قوة الانتفاضة نتجت عن طابعها الشعبى، الذى يتوضّح كل يوم أنه يتوسع، بينما تفقد السلطة كل قاعدتها. أولا نتيجة الشعور بأنها عاجزة عن الانتصار، فبعد سنة يظهر واضحا أنها فشلت فى إسكات الحراك، وفى وقف توسعه، ليشمل اليوم كل سورية. فحلب ودمشق دخلتا الصراع (وهما المدينتان اللتان كانتا تعتبران المثال للطابع «الشعبى» للسلطة)، الذى بدأ يمتد إلى قرى الساحل كذلك، التى كانت تعتبر أساس «القوة الصلبة» التى تعتمد السلطة عليها. ولهذا التحوّل آثار كبيرة على مآل الصراع.

وربما كان الهجوم العسكرى الشديد هو من أجل الحسم قبل تبلور نتائج هذا التحوّل الشعبى، لكن يمكن أن نلمس بأن وضع الدولة المالى بات صعبا للغاية نتيجة استنفاد السيولة التى فى تصرفها، بسبب ضخامة الأموال التى تنفق على الجيش والشبيحة، والصراع اليومى. وهو الأمر الذى فرض ضخ عملة بدون رصيد رفعت التضخم بسرعة شديدة، حيث فقدت الليرة السورية نصف قيمتها تقريبا. وهو الأمر الذى رفع الأسعار وأطاح بالقدرة الشرائية لكل كبيرة من المواطنين، فى ظل ركود اقتصادى نتج عن الصراع ذاته، ويكاد يودى بكل القطاعات الاقتصادية، وهو الوضع الذى جعل منطوق التجار والفئات الوسطى التى كانت مستفيدة من الوضع الاقتصادى الذى شكلته الرأسمالية الحاكمة، هو رحيل السلطة التى بات واضحا بأنها عاجزة عن الحسم.

●●●

السلطة بالتالى تحاول لملمة الوضع وهى تشارف على الانهيار، لكن فى وضع شعبى يندفع إلى «الحسم» كذلك. لكن ما يبدو ممكنا هو حدوث تحوّل فى السلطة ربما يفتح على تحقيق انفراج ديمقراطى. هذا يعنى إزاحة الجزء المتكلس من السلطة (وهو الجزء المسيطر الآن) ربما فى إطار «خيار مصرى/تونسى، أو حتى يمنى. هذا ما يبدو حتميا فى ظل وضع السلطة الآن، رغم «المعركة المصيرية» التى تخوضها فى حرب حقيقية ضد الشعب. وهو ما يفرض على القوى الإقليمية (إيران) والدولية (روسيا والصين) أن تتقبل أمرا واقعا لا فكاك منه. لكى تحافظ على مصالحها قبل أن تندفع الأمور فى سياق يُخرج سورية من «حلفها».

المصدر: الشروق

الدستور كنهاية للإصلاح… وكشاهد على السلطة في سورية

نتائج الاستفتاء على الدستور تشير إلى مشاركة كبيرة في ظل وضع كالوضع الذي تمرّ به سورية، لكن كان الحضور في التصويت قليل، وربما أكثر مما يُتوقع، رغم الإجبار الذي تمثل في أشكال عديدة. وهو بلا شك تصويت هزيل ينمّ عن الحالة التي وصل إليه الوضع ووصلت إليه السلطة. حيث بقايا شاحبة لـ “مؤيدين”.

فقد جرى التصويت على دستور “إمبراطوري”، يمكن تلخيص طبيعة السلطة التي يقررها بـ: السيادة للشعب الذي يتنازل عنها “طوعاً” للرئيس الذي هو فوق السلطات جميعاً، والضامن لها، دون أن يحاسب من أي من السلطات التي من المفترض أن تحاسب رئيس السلطة التنفيذية (الذي هو الرئيس)، مثل مجلس الشعب. هنا يلخّص الشعب بالرئيس، وهذا ما يتوضّح في الصورة التي تعمم منذ عقود. فهو فوق، ومستمر.

هذه هي الخطوة الأخيرة في الإصلاح كما رسمت في مصفوفة متوالية، لكنها الخطوة الأخيرة في وضع سلطة لم يعد ممكناً لها الاستمرار. فقد أصرت على أن تبقى كما هي بالضبط. وكل التغيير الذي يهلَّل له لا يعدو أن يكون شكلياً، لأن حزب البعث وضع في المتحف منذ زمن، وبالتالي لا قيمة لشعب المادة الثامنة التي تنص على أن الحزب هو القائد للدولة والمجتمع، اللذين كان لهما قائد أوحد هو الرئيس. و”التعددية السياسية” التي تقررت كإنجاز كبير لا تعدو أن تكون إضافة لغوية، نتيجة أن الذي يقرر حق الأحزاب الجديدة في ممارسة نشاطها هي السلطة التنفيذية التي هي طرف وليس جهة محايدة كما يجب أن يكون، بمعنى أن الذي يقرر هو حزب/ سلطة هو في تساوٍ مع أي حزب جديد أمام القانون كما يُفترض، ولهذا كان يجب أن يقرر حق أي حزب في ممارسة نشاطه هيئة دستورية مستقلة، أو يتّبع تقديم إشعار بتشكيل أي حزب دون إذن بالموافقة، على أن تقدم وزارة الداخلية اعتراضها إلى القضاء في حال رأت في دستور الحزب مخالفة للدستور. وبالتالي ظل رضا السلطة هو الأساس في قبول الأحزاب أو رفضها. والإصرار على البقاء في الهيكلية ذاتها يعني أنه لا يمكن امتصاص أي من عناصر الأزمة التي فجّرت كل هذا الصراع.

لكن سنلمس بأنه لا معنى لكل هذا التصويت والإصلاح أصلاً، حيث أن وضع السلطة بات صعباً للغاية رغم كل العنف الذي تمارسه، وإعلانها بأنها قد بدأت عملية الحسم، واحتلت بابا عمرو. وسيكون كل ما جرى نافلاً مثل رزمة الإصلاحات التي أعلن عنها. وربما أوضح شحوب التصويت هذه النهاية.

طبعاً، رغم تصعيد الميل لتحقيق الحسم، فإن متحولات أساسية فرضت ذاتها على وضع السلطة تشير إلى أنها لم تعد قادرة على الاستمرار. فالسلطة قررت أن تستمر كما هي، في ظل دعاية أنها تتغيّر. وما هو أهم هو التحوّلات في الواقع. فما ظهر من خلال الاستفتاء هو أن تحولاً كبيراً طال الفئات التي كانت تدافع بشراسة عن السلطة بداية الانتفاضة. فالفئات التجارية (في دمشق وحلب خصوصاً) باتت ترى بأن الركود الاقتصادي والتضخم يودي بوضعها، ويقود إلى انهيارها. كذلك الفئات الوسطى التي كانت مستفيدة من النمط الاقتصادي الذي شكلته الرأسمالية الحاكمة (النمط الريعي)، تجد بأن استمرار الوضع على ما هو عليه يدمّر وضعها. لهذا بات منطوقها يقول “بدنا نخلص”، أي “لا بد من الرحيل”، ما دامت السلطة لم تستطع إنهاء الانتفاضة. وهذه هي القاعدة الاقتصادية التي اتكأت عليها السلطة، ودعمت الشبيحة لأشهر. كذلك نتلمس تحرّك الساحل الذي جرى الدفع العنيف من قبل السلطة لإبقائه متماسكاً حولها، حيث أن كل تمرّد هنا يعني فقدان كلية تماسك السلطة.

هذا يعني بأن خيار الرحيل بات عاماً. وستبدو السلطة كذلك في وضع متأزم إلى حدّ كبير، حيث فقدت قدرتها المالية، وباتت عاجزة عن توفير السيولة الضرورية لاستمرار مقدرتها على الصراع. لهذا أغرقت السوق بعملة دون رصيد، مما أفضى إلى بدء انهيار الليرة، حيث فقدت إلى الآن ما يقارب الـ 50% من قيمتها. وهو الأمر الذي يعني ارتفاع مقابل في الأسعار يزيد من توتر كل الطبقات الشعبية، وغير الشعبية. لكنه يعني ميل الدولة إلى الإفلاس المالي. ولازالت مضطرة إلى طباعة المزيد من العملة، وبالتالي تحقيق المزيد من الانهيار وارتفاع الأسعار نتيجة التضخم. لقد باتت ميزانية الدولة دون مداخيل كافية، وهو الأمر الذي سيدفع إلى انهيار اقتصادي شامل.

إذن، لا شعبية للسلطة الآن، وأيضاً باتت على شفا الإفلاس. لكنها تخوض حرباً شاملة من أجل حسم الصراع. ربما بسرعة قبل الوصول إلى لحظة الانهيار. لكن لا يبدو أن الحسم العسكري في بعض المناطق، مثل بابا عمرو أو إدلب، يمكن أن يوقف الانتفاضة، التي باتت تتوسع (فلم يعد ممكناً المباهاة بأن حلب ودمشق هي مع السلطة). لكن سنلمس أيضاً بأنه حتى الوضع العسكري للسلطة لم يعد مريحاً، ليس نتيجة تصاعد استخدام السلاح ضدها، بل لأن الاحتقان بات أعلى في كل الجيش. وربما نشهد تحوّلاً في وضعه، لكن سيكون واضحاً بأنه لم يعد قادراً على إنهاء الانتفاضة.

بالتالي فقد أتت محاولة الحسم العسكري لكي توقف كل هذا الانهيار في وضع السلطة، لكن الأمور لا تسير في هذا المجرى. الأهم هنا هو أن السلطة باتت تعتمد اعتماداً كلياً على “الخارج”، سواء عبر الحامل الروسي الذي بات يعمل مباشرة على الأرض. أو من خلال التحالفات الإقليمية التي استنفرت كل مجهودها لكي تحمي حليفها. وفي هذا السياق تأتي خطابات حسن نصرالله المتتالية في الفترة الأخيرة. أو عبر الإعلام حيث تكاد جريدة الأخبار (التي أكتب بها) تتحوّل إلى نسخة ورقية لقناة الدنيا. أو من خلال الحشد من “الإعلاميين” و”السياسيين” اللبنانيين والأردنيين، الذين باتوا وكأنهم في “حرب تحرير” شاملة ضد الانتفاضة والشعب السوري.

كل ذلك تجاوزه الزمن، وربما نكون قد أصبحنا في لحظة تحوّل كبيرة.

المقال الذي نشر في جريدة الأخبار بعنوان آخر يوم 7/3/2012 مشطوب منه النص حول الجريدة ذاتها.

المصدر: فايسبوك سلامة كيلة

سورية: هجاء السلاح

هذا هو عنوان كتاب للصديق حازم صاغيّة، كنت في اختلاف مع منطقه فيه، حيث أنني مع كل مقاومة مسلحة للاحتلال، ولهذا «أمدح» السلاح. لكن ما جعل عنوان الكتاب يصبح عنواناً لمقالي هو ما نشهده من ضجة ترتفع في سورية تدعونا: «إلى السلاح».

الدموية التي تمارس بها السلطة، والعنف الذي يطاول الشعب، والقتل اليومي، كل ذلك يدفع إلى تجاوز العقل نحو الغريزة، التي تفرض الرد بالطريقة ذاتها. هذا وضع طبيعي في أتون الصراع، ولهذا يميل قطاع من الشباب إلى السلاح، أو يستسهل البعض استخدام السلاح. لكن حين تتعلق المسألة بمن ينشط في السياسة، أو يدّعي التمثيل السياسي، يكون الأمر في غاية الخطورة، وأيضاً الجهل. فالسلاح الذي يعطى كلعبة للأطفال هو ليس لعبة، بل هو أكثر شيء لا يمكن أن يكون لعبة.

«المجلس الوطني» يقرر الانتقال إلى السلاح. ويجري الضغط من أجل أن يصبح «الجيش الحر» هو أساس المعارضة. والإعلام الداعم يكرر المعزوفة، ليصبح البديل من التدخل الخارجي الذي جرى الترويج له منذ خمسة اشهر، والذي توضّح أنه غير ممكن، وليكون الخيار الوحيد الحاسم الآن.

خمسة أشهر من تضييع الوقت كذلك؟

ربما أسوأ. فالفكرة يجرى تداولها في ضوء نجاحات تحققت عبر استخدام السلاح، حيث ساهم ذلك في استمرار التظاهر وتوسعه من خلال شلّ نشاط أجهزة الأمن والشبيحة، وبالتالي توفير الظرف لتظاهرات كبيرة ومستمرة. وكانت هذه الخطوة تطوراً مهماً في مسار الانتفاضة. وهذا أوجد حالة من النشوة، بدأت تُدفع إلى أبعد من هذا الدور للسلاح، ليصبح هو أساس الصراع ضد السلطة، وليصبح «الجيش الحر» هو المنقذ هذه المرة من كل قوة التدمير التي تمارسها السلطة. وليظهر كبديل من الانتفاضة، ومن سلميتها، وشعبيتها. ويتحوّل الصراع إلى صراع جيش ضد جيش في ظل معادلة صعبة. فالجيش هو الذي ينشق منه جنود وضباط، ويعيش حالة توتر عالية نتيجة الوضع الذي يُفرض عليه من السلطة. وكل ما يمكن أن يتشكل الآن عسكرياً هو مجموعات صغيرة، سواء من المنشقين عن الجيش أو من المدنيين، وهي غير قادرة مهما كان تدريبها على أن تواجه جيشاً يمتلك كل أنواع الأسلحة.

المشكلة تتمثل في أن كل الذين يدعون إلى التسلح والحرب لا يمتلكون أي فهم بالحرب، وهم يتعاملون مع المسألة كـ «فزعة عرب» أكثر مما يتعاملون معها كعلم هو أساس الانتصار، وليس جرأة المقاتلين التي لا تؤدي وحدها إلى شيء فعلي. فأكثر ما يمكن في وضع كالوضع السوري هو تشكيل مجموعات صغيرة نتيجة التفوق العسكري الكبير لدى السلطة. وهذا ما أفاد في دعم التظاهرات، أما حينما أصبح الوجود مكشوفاً فقد أصبح من السهل تدميره بكل الوحشية التي تمارسها السلطة.

في وضع كوضع الانتفاضة السورية كان يمكن أن تتحوّل الانتفاضة الشعبية إلى انتفاضة مسلحة فيما توافرت قوة سياسية لديها إستراتيجية واضحة منذ البدء، حيث تدفع إلى أن يحمل الشعب السلاح. لكن في وضع غياب القوى السياسية المنظمة، سيميل قطاع إلى التسلح بينما يميل آخرون إلى التخلي عن التظاهر والنشاط «السلمي» لأن السلاح فرض تحوّل الصراع إلى صراع عسكري، وأيضاً سيدخل على الخط كثير من الموتورين والعصابات و «مستغلي الحروب»، يهددون الشعب ذاته… تسلب وتقتل وتفرض «منطقها» (الأصولي أحياناً). وهو ما يسمح للسلطة بأن تخترق الانتفاضة وتعمّق التخريب فيها لكي تفشل. هذا ما يشار إليه اليوم في أكثر من مدينة أو منطقة.

بالتالي ليس رفض التسلح هو نتيجة «ميل مسالم»، أو اقتناع بـ «السلمية»، بل نتيجة كونه لا يوجد ما يجعله ممكناً. وهو غير ممكن في الوضع السوري في شكل كبير. وأصلاً لم تنجح كل الحروب المسلحة ضد النظم، لأن قوة السلطة تبقى أكبر. وظل إسقاط النظم معتمداً على قوة الشعب. الحروب الأهلية فاشلة ومدمرة وفق خبرات كل الشعوب، والنظم هي الأقوى فيها. ولن يختلف الوضع الآن، في هذه المسألة، عما حدث بين عامي 1979 و1982 خلال صراع الإخوان المسلمين مع السلطة. ولا يفيد هنا كل هذا الزخم الشعبي القائم الآن، لأنه سيتلاشى مع تحوّل الصراع إلى صراع عسكري. لكن يبدو أن الإخوان المسلمين يريدون تكرار الجريمة القديمة بأخرى جديدة، وينساق معهم بعض المتسرعين للوصول إلى السلطة، الذين يضمهم المجلس الوطني، الذي لعب دوراً سيئاً في توهيم المنتفضين بأن التدخل العسكري الخارجي قريب، فدفعهم للتقدم بأسرع مما كان يفرض الواقع، ليجدوا أنفسهم في «مصيدة» السلطة، هذه السلطة التي كانت تدفع منذ البدء لتسليح المنتفضين كي تكرر سيناريو تلك السنوات من الثمانينات من القرن الماضي. وهي اليوم تنفذ الخطة ذاتها التي طُبقت عامي 1980 و 1982 في حماة. وهو ما يعيد إنعاش الأمل لديها بحسم المعركة بعدما وصلت إلى حالة عميقة من اليأس.

لهذا يجب «هجاء السلاح»، وما نريده هو سحب الجيش من سيطرة السلطة لكي تنكسر، ولا نريد تحويله إلى قوة قتال معها. هذا ما يحتاج إلى جهد حقيقي. فما دام معها لن يكون ممكناً تشكيل جيش يستطيع «هزيمته» في الوقت الضروري لانتصار الانتفاضة، بل إن أي عسكري حقيقي يعرف أن ذلك يحتاج إلى سنوات لا تحتمل الانتفاضة انتظارها.

بالتالي اللعب بالسلاح سهل، لكنه يحرق الانتفاضة. ومن ثم لا بد من أن يبقى وفق الحاجة التي يفرضها التظاهر والحراك الشعبي، على رغم دموية السلطة، هذه الدموية التي تهدف بالضبط إلى دفع المنتفضين تحت وطأة الدم المسفوك إلى «الخطأ» هذا، حيث تجرّهم إلى «ملعبها»، وفي ظل ميزان قوى هو حتماً لمصلحتها.

المصدر: الحياة

الانتفاضة: الواقع والظلال

أصبح واضحاً أكثر مما كان تأثير ثنائية الإعلام/ المعارضة على الانتفاضة السورية. وقد رُسمت للانتفاضة صورة في الإعلام ليست منها. وهنا أقصد الإعلام «المؤيد» لها ولا أقصد إعلام السلطة الذي رسمها منذ البدء (وحتى قبل أن تبدأ) في صورة عممها ولا يزال يكرر تعميمها. ولن يكون مفاجئاً إذا ما تلمسنا بأن الإعلامين يتوافقان في الصورة المرسومة.

هذا الواقع هو الذي زاد «الدوز» المطالب برفض مواقع إلكترونية لأنها لا تخدم الانتفاضة (ومنها موقع الثورة السورية ضد بشار)، أو بالإشارة إلى دور القنوات الفضائية مثل الجزيرة والعربية التي تنقل وجهة نظر وحيدة بعيدة عن الواقع. أو حتى النأي عن عديد «القيادات» التي تملأ الإعلام متحدثة باسم الثورة.

فمن يتابع الإعلام «الداعم» يتأكد من أن رواية السلطة صحيحة، أو يتشوش ولا يعود يعرف شيئاً مما يجري على رغم الوقوف إلى جانب الثورة. حيث أن المنطق العام لهذا الإعلام يريد أن يصوّر الانتفاضة من منظور «أيديولوجي» ضيق ذي طابع «ديني». وللجزيرة هنا الدور الأهم في تصوير الانتفاضة، منذ البدء، بأنها انتفاضة «إسلامية» (هذا إذا لم يكن يسرّب بأنها تقاد من قبل جماعة الإخوان المسلمين). ولهذا يتركز التصوير على اليافطات «المعدة سلفاً» التي تخدم هذا التوجه، من دون ذكر ليافطات أخرى. وإذا كانت في المرحلة الأولى تنوّع في المعلقين الذين تستضيفهم أو تتصل بهم، فقد حصرت المسألة بـ «الهيئة العامة للثورة السورية»، التي هي تشكيل إعلامي له مراسلون على الأرض ولا يمثل التنسيقيات (على رغم أنه يُعرض كممثل للتنسيقيات)، وهو من صنع الإخوان المسلمين. فقد باتت الهيئة المراسل والمعلق لهذه القنوات، وأيضاً المعد للصور واليافطات المطلوبة.

وقناة الجزيرة تهتم هنا بهذا الطابع «الإسلامي» انطلاقاً من «رسالتها الخالدة» التي أصبحت تتعلق بالتحضير ودعم الإسلاميين لكي يحققوا الوعد بالوصول إلى السلطة لإقامة الخلافة كما بشرنا إسلاميو تونس ومصر بعد «انتصارهم» في الانتخابات.

لهذا أصبحت أيام الجمع تسمى من قبل موقع الثورة السورية ضد بشار، رغماً عن التصويت، وتعمم من قبل القنوات الفضائية، وتكتب لها يافطات ترفع في التظاهرات من قبل شباب منتفض لا يهمه اليافطة (وفي الغالب لا يعرف ماذا تقول). ومعظم التسميات كانت فاجعة لتخلفها وأصوليتها، و «بدائيتها» (يكتبها ربما طفل في الصف الأول، أو تكتب لطفل في الصف الأول. لهذا نكزها أبطال كفر نبل في تسمية من العيار ذاته هو: جمعة البرد يقتلني). وإذا كان الإخوان المسلمون يعدون لتشكيل هيئة تحضّر لطلب التدخل العسكري منذ الشهر الأول للانتفاضة، وبدأوا بتسريب اسم المجلس الانتقالي وتغيير العلم تيمناً بليبيا، فقد عملوا على إدخال هذا المنطق إلى الانتفاضة عبر الآلية التي أشرت إليها، وتعمم «الوهم» بدعم عسكري خارجي لم يصل ولن يصل (ومن الأفضل ألا يصل لأنه خطر حقيقي على الثورة ذاتها، كما على البلد). ولقد جرى تسريب ذلك تحت كلمات في غاية «الإنسانية»، حماية المدنيين، التي جرى تفسيرها بأنها تتعلق بإدخال مراقبين وإعلام. ووافق المتظاهرون على هذا الحد ليكتشف بأن المسألة أبعد من ذلك وتتعلق بالتدخل العسكري تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وأيضاً جرى تسويق المجلس الوطني وفق الصيغة ذاتها، على رغم أنه كان لوجود برهان غليون دور في قبوله من قبل قطاعات منتفضة (ولقد خسر ذلك الآن بعد أن توضح هدف المجلس وظهرت سياساته الخاطئة).

بهذا بدت الانتفاضة انتفاضة إسلامية وتستجلب التدخل العسكري الإمبريالي، وهي في الواقع مدنية بحق ووطنية بعمق. فكل هذه الآلاف المنتفضة خرجت لإسقاط نظام ذاقت ويلاته لعقود، من الفقر والبطالة وسوء التعليم والصحة، إلى الممارسات البوليسية والفساد والسحق الشخصي. ولهذا فقد حددت أنها تريد إسقاط النظام مضمنة سقوطه تحقيق ما تفتقده من كل ذلك. وهي هنا لا تحمل رؤية «أيديولوجية»، ولا ميلاً لشكل ديني للدولة، ولا ترى الصراع من منظور ديني أو طائفي. فعلى رغم كل محاولات السلطة تفجير الصراع الطائفي في بعض مناطق التماس فقد فشلت لأن الشباب المنتفض كان يعرف اللعبة، ولا يرى بأن هذا شكل الصراع، على رغم كل ما كان يظهر من «طائفية» مقابلة. وهذا الشباب يأخذ على السلطة عجزها عن تحرير الجولان والتنازل عن لواء الإسكندرون، ويتلمس أخطار الدور الإمبريالي، وظهر ذلك في لحظات كثيرة سابقاً.

والانتفاضة أُظهرت كلعبة بيد المجلس الوطني الذي بات يتصرف أعضاؤه كممثلين حصريين لها، يتحكمون بالشارع ويفاوضون باسمه، ويطلبون التدخل باسمه، ويصدقون بأن اليافطات التي رفعت في التظاهرات هي من مطالب الشارع وصنعه، على رغم أن بعض أطرافهم هي التي طلبت ذلك. فكل من يتلمس الشارع يصل إلى نتيجة وحيدة هي تلك التي لخصها الصحافي جوشوا لانديز بعد أن عاش أياماً في سورية، حيث يقول بأن «الجميع هنا يتجاهل بقصد شبكات النشطاء الضخمة الفاعلة على الأرض بالإضافة لمجموعات المعارضة السياسية المستقلة داخل سورية والتي لا تشكل صدى لأية قوة عالمية». هؤلاء هم «روح» الانتفاضة، وبنيتها الفاعلة، وهم ليسوا مع كل الأحزاب، وكثير منهم لا يريد الحزبية (على رغم ضرورة الحزبية، لكن تجربة المعارضة لم تقدّم ما يشجّع إلى الآن، على رغم أن هؤلاء سوف يتوصلون إلى ضرورة الفعل السياسي والحزبية من خلال تجربتهم ذاتها). وهؤلاء يريدون هم إسقاط النظام وليس غيرهم، أو كما قال ناطق باسم الهيئة العامة للثورة السورية (اختفى عن الإعلام بعدها) إن الانتفاضة حينما انطلقت في 15 آذار (مارس) انطلقت ليس لطلب الحماية الدولية بل من أجل إسقاط النظام.

الصورة التي تعممت في الإعلام، وعبر المعارضة أصبحت عبئاً على الانتفاضة، لأنها تقدّم صورة أخرى غير الصورة الحقيقية لها، وهي الصورة التي تعبّر عن مصالح قوى فيها، تريد أن «تركب» الموجة للوصول إلى السلطة، حتى ولو على «الدبابة الأميركية»، والتي جعلت الانتفاضة تبدو إسلامية من جهة ومرتبطة بالخارج الإمبريالي من جهة أخرى.

لكن من يريد معرفة طبيعة الانتفاضة السورية لا بد له من أن يلامسها مبتعداً عن كل المعارضات التي تمثل أجيالاً مضى زمانها، ولم تعد صالحة، وهي راحلة مع رحيل النظام. والشباب الذي انتفض، وتحمّل كل أشكال العنف هو الذي سوف يرسم أفق المرحلة المقبلة.

نحن إذاً، إزاء «انتفاضتين»، واحدة في الواقع يخوضها الشباب والشعب عموماً، وأخرى هي الكاريكاتور الذي يتعمم في الإعلام وعلى ألسنة كثير من المعارضين في الخارج.

المصدر: الحياة

الخلافة الإسلامية وأوهام العودة إلى الوراء

يعود الإخوان المسلمون للتأكيد على تأسيس الخلافة الإسلامية، بعد سنوات من التأكيد على الديمقراطية والحرية، والظهور بمظهر الذي تجاوز الإنغلاق الأصولي. وبعد النجاح الباهر في الانتخابات التي جرت في تونس والمغرب ومصر. حيث أصبح زعماء في هذا التيار يكررون “فكرة” الخلافة، من تونس إلى مصر، بعد أن اعتبروا بأن هذا الانتصار هو انتصار إلهي، أو معجزة إلهية. لقد اعتبروا بأن الله قد منَّ عليهم بالسلطة بعد عقود طويلة، وربما قرون طويلة، من الحرمان.

إذن، الوعد الإلهي قد تحقق، وبات الإسلاميون على أبواب تأسيس “الخلافة السادسة”. ولقد كانت الانتفاضات العربية هي الآذان بحقق هذا الوعد. وكانت أدواتها النظم ذاتها التي ظلت كما هي رغم رحيل رئيسها، والولايات المتحدة التي عقدت التوافق الضروري بين هذه النظم والإسلاميين. لكي تكون نتائج الانتخابات كما شاهدنا.

لكن للإسلاميين تاريخ طويل منذ أن تشكلت جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928. وهو تاريخ تداخل فيه الصراع ضد الحداثة والتحرر بالتفاهم مع الاستعمار الذي كان يخوض معركته ضد الحداثة كذلك، حيث كان يريد السيطرة والنهب وليس تحديث المستمرات. وأيضاً بالصراع ضد الأحزاب الوطنية والعلمانية، وأحياناً ضد النظام الملكي. لكنها كانت واضحة في صراعها مع موجة التحرر والاستقلال التي تبعت الحرب العالمية الثانية، والتي تُوّجت باستلام الجيش السلطة، وتعبيره عن وضع جديد قام على أساس إنهاء الإقطاع عبر تحقيق الإصلاح الزراعي، وتعميم التعليم ومجانيته، والشروع في بناء الصناعة، وتوظيف كل من يدخل سوق العمل، ونشر العلم والثقافة. والارتماء في أحضان مشايخ الخليج، والتنعّم بالأموال النفطية، خصوصاً بعد الفورة النفطية، وتحقيق تشابك مالي مع هؤلاء، والنشاط من أجل تعميم السلفية الوهابية.

هنا نحن، نلمس التناقض التاريخي بين البنى التقليدية، الاقتصادية والأيديولوجية، التي تبلورت في تكوين الإخوان المسلمين، وبين الحداثة التي تمثلت في انتشار أفكار التحرر والقومية والاشتراكية، والتي كانت تعبّر عن نشوء طبقات جديدة بفعل التأثير الاستعماري، وتبلورت في أحزاب وحركات سياسية عديدة. هذا التناقض الذي لاقى رعاية الرأسمالية الانجليزية التي كانت تعمل على تكريس البنى التقليدية من أجل تحقيق التحوير فيها وفق مصالح الرأسمال الإمبريالي ذاته، وهذه المصالح كانت تتناقض مع كل ميل لتحقيق التطور والحداثة لكي يتحقق النهب الضروري لذاك الرأسمال.

ثم نلمس كيف أصبح الإسلام السياسي جزءاً من مشروع الرأسمال النفطي، الذي استشعر الخطر الذي يمكن أن ينتج عن الميل التحرري العربي من زاوية تهديد “المصدر النفطي” ذاته، كون النفط هو “عربي”. للوصول إلى “توهيب” المنطقة كسدّ في وجه كل الأفكار التحررية.

الأصولية والتمويل المالي السعودي

فأحد تسريبات موقع ويكليكس هو الإشارات الأميركية إلى التمويل السعودي للتنظيمات “الإرهابية”، في العراق وأماكن أخرى. وربما ليس مفاجئاً هذا الموضوع، لكن نحن هنا إزاء “وثيقة” تشير إليه، وبالتالي بتنا نتعامل معه كحقيقة. وهو في كل الأحوال حقيقة، وحقيقة لم تظهر الآن بل نشأت بشكل فاقع منذ عقود أربعة تقريباً، أي بعد الطفرة النفطية بالتحديد. وهذا التحديد لا يعني بأنه قبل ذلك لم يكن هناك دعم سعودي خليجي للقوى الأصولية، والإخوان المسلمين خصوصاً، بل يعني بأن المسألة قد أصبحت في مرحلة أرقى، وتهدف إلى مسائل أعمق.

وإذا كان الصراع في الوطن العربي قد تبلور منذ بداية خمسينات القرن العشرين بين “قوى التحرر والتقدم” وبين “الرجعية”، أي بين النظم التي أسقطت القوى الحاكمة وأعلنت الجمهورية، ودعت إلى التحرر والوحدة والتقدم، وبين النظم التي لم تتغير وظلت على حالها، فقد كانت القوى الأصولية جزءاً من الصراع ضد النظم الجديدة، وترابطت مع نظم السعودية والخليج برباط وثيق (وبدعم مالي هائل)، وأصبحت جزءاً من الصراع ضد التحرر والتقدم. وهذه القوى كانت قد نشأت كذلك منذ البدء، حيث عملت على تكريس “القيم” والتشريع والسيطرة التي كانت قائمة في الأيديولوجية الإسلامية، وبالتالي كانت في صراع مع كل قيم الحداثة والتحرر والقومية والاشتراكية، واعتبرت أن كل هذه القيم هي إلحاد مما يوجب الصراع ضدها. وهنا كانت في صراع عنيف مع الأحزاب التي سعت من أجل التقدم والتحرر، وعملت على تطوير الاقتصاد وبناء الصناعة. وحين وصلت هذه الأحزاب إلى السلطة دخلت في صراع عنيف معها. وحين فشلت هرب كادرها إلى السعودية ودول الخليج، وأصبح يعمل في التجارة (العادية وتجارة الدين) مدعوماً من النظم هناك. ولهذا أصبح جزءاً من التشابك المالي المصلحي الأيديولوجي مع الرأسمال الخليجي. وربما كانت البنوك الإسلامية هي التعبير عن هذا التحالف.

بعد هزيمة حزيران وبدء انهيار “المشروع القومي”، ثم بعد الطفرة النفطية بعيد حرب أكتوبر سنة 1973، أصبحت السياسة تفرض ليس إكمال انهيار المشروع القومي فقط، فهذه ضرورة لكنها قد بدأت بالفعل، بل التأسيس لوضع لا يسمح بنشوء ميل للتحرر والتقدم. فلقد أوضحت تجربة التحرر التي بدأت مع ثورة يوليو في مصر أن انتشار الميل التحرري الوحدوي في بلدان مثل مصر وسورية والعراق سوف يفرض السعي إلى “التوسع” والسيطرة على النفط، حيث “نفط العرب للعرب” كما كان الشعار في عز المد التحرري، وهو أمر يعني انهاء سيطرة “الملوك والأمراء” وإنهاء “تملكهم” للفوائض النفطية. لأن الإطار العربي هو الذي يجمع هذه المنطقة، وبالتالي يكون منطقياً السعي للسيطرة على ثروة عربية من أجل تحقيق التطور الاقتصادي.

هذا الوضع أعطى أهمية أكبر لدور الأصولية، ولنشر الفكر الأصولي (الوهابي خصوصاً، وجماعة الإخوان في “صلة رحم” معها). إن الدفاع عن الذات فرض التحول نحو الهجوم في إطار إستراتيجية إمبريالية تهدف إلى قطع كامل لطريق التطور من خلال تعميم الأصولية والتفكيك الطائفي. ولهذا أصبحت الإستراتيجية “النفطية” تنطلق من تعميم الفكر الوهابي، ونشر الأصولية في كل أرجاء الوطن العربي. ولقد خصصت ميزانيات كبيرة لهذا الغرض، بلغت قبل سنوات قليلة مليار ومائتي مليون دولار في بلد كالسعودية، وهو مخصص لنشر “الفكر” ومساعدة تعميم الوهابية. دون أن نشير إلى المبالغ الهائلة التي وضعت لدعم “المجاهدين” في أفغانستان ضد “الاحتلال” السوفيتي، حيث تقوم المخابرات الأميركية في تدريب الحشود المرسلة من قبل النظم “الرجعية” هذه.

لكن المسألة كانت تتعلق أكثر بالوطن العربي، حيث أن الكتلة الأساسية من الدخل القومي تتمركز في البلدان النفطية، وتتحكم فيها عائلات محدودة تحكم بدعم إمبريالي، وبحماية إمبريالية، وفي الجهة المقابلة يتمركز الفقر والعوز وكتل كبيرة من العرب المفقرين. وهؤلاء هم وقود الثورات، كما حدث في منتصف القرن الماضي، وكما يمكن أن يحدث من جديد. لهذا يجب خوض “حرب استباقية” تهدف إلى تدمير إمكانية تمرّد هؤلاء، والى إخضاعهم لـ “وعي” قروسطي لا يفضي سوى إلى تحقيق التدمير الذاتي. وبالتالي كان يجب أن يتحوّل الصراع من صراع طبقي، وميل تحرري وحدوي، إلى صراع على أساس وعي قروسطي، يقوم على “دين” مفقر من كل قيم سوى قيم شكلانية، ومتطرف رافض لكل “بدعة”، وفاعل في فرض منطقه الشكلاني الذاتي. هذا في مستوى، وفي الآخر “دين” يقرر الجهل قانوناً، يحارب العلم والفكر، ويكرس الفتاوى “فكراً” جامعاً، كما يقرر الثقافة بما هي مبسطات قيلت عن الإسلام، وفهم “مبسط” عن الدين، وفتاوى نشأت في لحظة انهيار الحضارة، وكانت تنطلق من أنه يجب تأسيس “فرقة ناجية”. لهذا كفّرت الآخرين جميعاً، بما في ذلك الأديان الأخرى، وبالتالي عممت سياسة التكفير.

كل ذلك كان يتجمع في الوهابية، التي بدأت كحركة مناهضة لـ “الأصنام” لكنها تحولت إلى أيديولوجية تعمم الجهل والتجهيل والتكفير. وهي الحركة التي أصبحت الحليف الأساس للعائلة السعودية في تثبيت سلطتها. ومن ثم أصبحت الأيديولوجية الضرورية لتعميم الجهالة في كل الوطن العربي.

لقد كانت الفورة النفطية لحظة حاسمة في الانتقال إلى مرحلة “تعميم” الأصولية، ولهذا أصبحت ميزانيات الدولة تخصص جزءاً يتصاعد من أجل دعم “نشر الدين”، سواء من خلال طباعة الكتب أو دعم دور النشر والمجلات، أو من خلال تمويل المجموعات التي تقبل النشاط من أجل نشر الوهابية. كما مولت الدولة السعودية “المجاهدين الأفغان” لعقود في الصراع ضد “الإلحاد” السوفيتي، لكن خدمة لإستراتيجية إمبريالية هدفت إلى إضعاف الاتحاد السوفيتي واستهلاكه في حرب طويلة. وهؤلاء هم الذين أصبحوا “زعماء” القوى الأصولية التي ترفع شعار الحرب ضد الغرب، وتقاتل الأديان والطوائف الأخرى، كما وتنشر الجهالة والقيم القروسطية.

إذن، حين تكشف ويكليكس بأن السعودية تمول هذه القوى، فهي تكشف ما هو معروف، وتعطي مستنداً لدور كان ولازال قائماً من اجل أن يتعمم وعي القرون الوسطى، وصراعات القرون الوسطى وقوى القرون الوسطى.
بالتالي يمكن إجمال المسألة في أن المملكة السعودية لمست بأن كل تطور في الوطن العربي سوف يقود إلى طرح المسألة العربية ككل، لأنه يحمل مشروع تحرر ووحدة وتطور عام، يقود حتماً إلى البحث عن إنهاء النظم النفطية التي تمتلك الكتلة الأضخم من الدخل القومي العربي. وهو الأمر الذي يطرح مسألة التحكم العربي بمنابع النفط ووضعه في خدمة التطور العربي العام. ولهذا أصبحت معنية بمنع كل تطور ممكن، كما كانت تفعل الدول الإمبريالية. الأمر الذي طوّر إستراتيجية مشتركة، خصوصاً بعد الطفرة النفطية، تقوم على “تعميم أفكار القرون الوسطى” التي تحصر الدين بما هو شكلي و”أخلاقي” من جهة، لكنها تقوم على رفض كل فكر حديث، سواء الليبرالي أو القومي أو الاشتراكي، وكل فكر تحرري من جهة أخرى. وتنطلق من رفض كل “البنى المادية الحديثة”، وبالأساس بقوى الإنتاج التي تُعتبر هي أساس “استجلاب” الفكر الحديث. وهنا تكون المعركة مع كل الفكر، والثقافة، وبتكريس “ثقافة” تقوم على تكرار مبسطات “دينية”، وكتيبات “أسطورية”، وتكريس العيش “في الماضي” من خلال تمثّل وضع ماضوي هو وضع المجتمع العربي بعد انهيار الدولة “الإسلامية”. أو إلى بساطة شكلية تنسب إلى المرحلة الأولى من نشوء الدولة.

الأساس في هذه المعركة هو ليس نشر الدين كما تدّعي هذه النظم بل تدمير كل وعي ثقافي وتطور فكري، وتهديم كل ميل تحرري وسعي لتحقيق التطور. أي تدمير إمكانية تبلور أفكار وأيديولوجيات تطرح بديلاً تقدمياً يتضمن حل مشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. بالتالي تدمير إمكانية نشوء بديل يتجاوز الطابع الاقتصادي الذي يكرّس هذه النظم ويكرّس الارتباط بالطغم الإمبريالية، الاقتصاد الريعي الذي يسمح بنهب الثروات وإفقار الشعب.

في مستوى آخر كان ضرورياً وجود قوى “فعلية” تحمل الأفكار الأصولية، وتحارب الأفكار التقدمية والقوى التي تحمل مشاريع التطور. هذا تحقق من خلال دعم جماعة الإخوان المسلمين، وتشكيل مجموعات وقوى أصولية مختلفة (السلفية). ومحاولة السيطرة على الجوامع في مختلف البلدان العربية من خلال الدعم المالي وتكريس مشايخ تحمل الفكر الوهابي، لتعبئ ضد كل ميل تحرري، وتكريس “وعي القرون الوسطى”. بمعنى أن الممكلة السعودية عملت على بناء “بنى محلية” تعمم إستراتيجيتها، مدعومة بفيض مالي هائل.

هنا دفعت مليارات الدولارات لكي يُمنع التطور، ويحارب الفكر، وتدمر الثقافة. كل ذلك من أجل تكريس سيطرة عائلة على السلطة، وبالتالي على النفط، وتوظيفه في فساد ذاتي، ووضغه في عجلة الاقتصاد الإمبريالي لخدمة الإمبريالية ذاتها. وهنا عائلة تنهب ثروة عربية ليبقى الشعب مفقراً ومتخلفاً.

وضع الإسلام السياسي

إذن، لقد تشكّلت “شراكة مالية” بين الإسلام السياسي والسعودية خصوصاً، وبات الإخوان المسلمون جزءاً من سياسة مدعومة، رغم أن السعودية لم تقف عند هذا الحد بل عملت على تعميم الوهابية من خلال التواصل “المصلحي” مع رجال دينفي البلدان العربية كلها.

لكن التحوّلات العربية بعد عام 1970 فتحت الباب واسعاً لكي يتمدد الإسلام السياسي ويصبح جزءاً من سياسة النظم التي حكمت بعد هذا العام وقوى اليسار والقومية التي ارتبطت بالمشروع القومي، والناصري خصوصاً. فقد عملت النظم هذه، بالتوافق مع الولايات المتحدة والعربية السعودية على شنّ هجوم مضاد ضد الفكر القومي واليساري، وكل ميل حداثي، وتعميم القيم الأصولية، والدفع نحو هيمنة الحركات الإسلامية. بالتالي كانت الخطوة الأولى داخلية، أي تطال كل بلد سيطرت فيه أحزاب قومية أو يسارية. وكان الهدف هو تصفية إرث عقود التحرر والاستقلال والوحدة القومية.

النقلة الأخرى تحققت مع الانتقال إلى “حرب عالمية ضد الشيوعية” بعد احتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان سنة 1979. فقد بدأ التجييش ضد الشيوعية والإلحاد (والقومية والتحررية واليسار والعلمانية)، تحت شعار “تحالف الإيمان ضد الإلحاد”. وبدأ تشكيل كادر عسكري “سياسي” بتدريب أميركي باكستاني وتمويل سعودي.

لكن هذا السياق فرض الانتقال إلى تطوير الصراع ضد النظم “الأميركية” وغيرها، حيث اصبح هدف مجموعات إسلامية جهادية هو إسقاط النظم والسيطرة على السلطة لإقامة “دولة الخلافة”، وإعلان أمير المؤمنين. وشمل ذلك مصر والجزائر خصوصاً رغم وجود هذا النمط من المجموعات في بلدان أخرى. ولقد ضمّت فئات مهمشة بالأساس اعتمدت أفكار سيد قطب حول “الجاهلية الجديدة”، و”الحاكمية”. وكانت نشأت في مصر أواسط السبعينات من القرن العشرين، وامتدت إلى سورية وبلدان أخرى. ومن ثم اندمجت بـ الحرب ضد الإلحاد” في افغانستان. من ثم لتعود إلى بلدانها وتعيد الصراع ضد النظم.
لكن كانت جماعة الإخوان المسلمين قد مكّنت ذاتها، وأصبحت تلعب دور المعارضة ضد النظم. وهو الأمر الذي وسّعها في الوقت الذي كان فيه اليسار يتراجع وتبهت معارضته، ويصبح ليبرالياً، أو يركّز على الديمقراطية فقط. ولقد حكمت في السودان بعد انقلاب عسكري في تجربة فاشلة منذ سنة 1989.

وأسس حادث 11 سيبتمبر سنة 2001 لأن يصبح الإسلام السياسي هو القوة المواجهة لـ “الإمبريالية”، وان يكون، مع دور حزب الله وتحرير لبنان سنة 2000، ثم دور حركة حماس ضد الاحتلال الصهيوني، هو القوة “البديلة” التي تعبّر عن “الشعب”. وبهذا سيطر الإسلام السياسي على مشهد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. لقد ظهر وكأن الصراع “العالمي” هو بين “الغرب” والإسلام. وكان يبدو أن الإمبريالية الأميركية تعمل على تطبيق نظرية “صراع الحضارات” التي وضعها صمويل هنتنغتون موضع التطبيق. وهو الأمر الذي جعل بن لادن بديل غيفارا، والإسلام السياسي بديل “الشيوعية” واليسار. وأوجد رمزية في الوعي الشعبي لمصلحة هذا الإسلام، الذي تحدد في الأخير بالإخوان المسلمين بعد انهيار التجارب “الجهادية” في العديد من البلدان العربية.

وبهذا أصبحوا قوة سياسية فاعلة، وتمتلك أموالاً هائلة، ولديهم رمزية تشير إلى أنهم “معارضة”، وضد أميركا و”إسرائيل”. وضموا فئات تجارية قوية، وأسسوا لعلاقات اجتماعية عبر “العمل الخيري”.
لكن مشاركتهم في الانتفاضات كانت هزيلة. في تونس بدأت الانتفاضة ونجحت وهم غائبون. وفي مصر قرروا عدم المشاركة وطالبوا باصلاحات فقط، وشاركوا بعض حدوث الانتفاضة ووضوح قوتها. وفي ليبيا ساعدوا دون أن يكونوا القوة الأساس. وفي سورية ليس لهم دور فعلي سوى عبر الإعلام والنشاط الخارجي. وفي الأردن هم مع الإصلاح والتفاهم مع النظام. وفي المغرب شارك اتجاه في حركة 20 فبراير ثم انسحبوا. وفي اليمن هم جزء من أحزاب المعارضة رغم مشاركة “شبابهم”.
ويبدو اليوم أنهم الذين يحصدون نتائج الانتخابات لكي يحكموا في تونس ومصر والمغرب، وربما في بلدان أخرى. هل هي “معجزة إلهية” كما اشار بعض الإسلاميين، وما يسكن في وعيهم جميعاً؟ هل أن “الوعد الإلهي” يتحقق؟

هذا ما يهيمن على وعي “المنتصرين”. ربما لم يعتقدوا بأنه يمكن لهم أن يصلوا السلطة، أو أن “الشرط الأميركي” سوف يصلهم فيتحقق الوعد.
وهل تحقق ما أرادته السعودية من كل المليارات التي صرفتها دعماً للأصولية الوهابية، بوصول الإسلاميين إلى السلطة في كل هذه البلدان العربية؟
كل الانتصارات إلهية؟

في السابق كانت الهزائم إلهية كما بشرنا محمد متولي شعراوي وكثير من المشايخ، فقد عاقبنا الله على الكفر الذي غمرنا. واليوم أصبحت الانتصارات إلهية كذلك، كما “يكرز” علينا بعض المشايخ. فقد اعتبر حسن نصرالله انتصار تموز سنة 2006 انتصاراً إلهياُ متجاهلاً كل الجهد الذي بذل لبناء قوى عسكرية قادرة على المواجهة، أو بالتالي، رغم بناء القوى العسكرية القادرة، معتبراً بأن الدولة الصهيونية لا تهزم إلا بـ “قرار إلهي”. ولهذا فإن كل مجهودنا لا قيمة له، ولن يكون مؤهلاً لتحقيق الانتصار دون هذا “القرار الإلهي”. إذن، لمَ نجهد من أجل بناء القوى؟ ونتعب في التفكير في مواجهة الإمبريالية؟ يكفينا “السراط المستقيم” لكي نحقق انتصارنا.

والآن، أصبحت الثورات العربية “معجزة إلهية”، وأصبح طرد الرؤساء “انتصاراً إلهياً”. هذا هو “الوعي العام” الذي يحكم الإسلاميين الذين باتوا يعتقدون بأن هذه المعجزة الإلهية ستأتي بهم إلى الحكم حتماً. ولهذا يتحضرون ليل نهار، ويتصرفون على هذا الأساس حتى قبل “الانتصار”. ربما وصلهم “الوعد الإلهي”؟

من حق كل أن يفكّر بالطريقة التي يريد، لاشك في ذلك، لكن لا بد من القول بأن الشعوب هي التي صنعت كل ذلك. لقد انهزمت وانتصرت نتيجة وضعها هي. ولكل حالة أسبابها لدى الشعوب ذاتها. وبالتالي لا بد من التأكيد على أن الشعوب هي التي تصنع مصيرها، وأن نضالها هو الذي يحقق انتصارها.

بالتالي فما الذي جعل القوى الأصولية التي لم تشارك جدياً في الانتفاضات تصل إلى السلطة عبر انتخابات “ديمقراطية”؟
هنا لا بد من تلمس صيرورة الوضع خلال العقود الأربع السابقة، التي أفضت إلى انهيار كل البدائل الأخرى، خصوصاً اليسار. والرمزية التي لحقت بالإسلاميين في سياق الصراع العالمي والمحلي كما أشرنا للتو. ولكن لا بد من أن نلمس الموافقة الأميركية على إدماج الإسلاميين بالنظم التي عملت على تشكيلها بعيد انتصار الانتفاضات، أو من خلال القطع على انتصار الانتفاضات عبر عملية الالتفاف التي قام بها الجيش، والتي حافظت على الطبقة المسيطرة ذاتها (وهي طبقة مافياوية)، وبالتالي التفكير في إعادة إنتاج النظم ذاتها من المنظور الطبقي، لكن مع تغيير الشكل السياسي عبر إشراك قوى توافق على ثوابت النظام القديم، وتريد أن تكون مشاركة في السلطة، أو هي السلطة.

جملة هذه العناصر هي التي أفضت إلى أن يحصد الإسلاميون نتائج الانتخابات. وأرقام نجاحها ليست مرعبة، حيث أنها حصدت 18% من أصوات الذين يحق لهم الانتخاب، وفي المغرب أقل من ذلك بقليل. أما في مصر فقد ساعدهم المجلس العسكري من خلال اصدار قرار بدفع غرامة تبلغ 500 جنيه على كل من لا يشارك في التصويت، وهو الأمر الذي جعل ماكينة الإسلاميين التنظيمية، ومقدرتهم المالية، الوسيلة التي جذبت المصوتين (من الفقراء خصوصاً) لمصلحتهم (فقط بفعل توفير وسيلة توصيلهم لصناديق الاقتراع بعد تخويفهم من دفع الغرامة). وهنا لا يمكن حساب الحجم الفعلي هؤلاء، الذي لن يكون أكثر مما لهم في تونس والمغرب. رغم الحجم الأكبر الذي حصلوا عليه في البرلمان.

لهذا فإن الفراغ السياسي، والرمزية، والمقدرة التنظيمية المالية، وأساساً الحظوة السلطوية الأميركية، هي التي أوصلت الإسلاميين إلى السلطة. وبالتالي ليس وصول الإسلاميين إلى السلطة هو انتصار لهذه الثورات بل صفقة مع النظام القديم الذي اضطر إلى إعادة صياغة ذاته، وبمباركة أميركية.

السلطة الجديدة

وبالتالي الثورات إلى الآن لم تنتصر، رغم أنها ضعضعت النظم وأضعفت إمكانية سيطرتها.
فكما أشرت، الثورات لم تنتصر بعد لأن الطبقات الشعبية التي خاضتها لم تحقق مطالبها، هذه المطالب التي لا تتحقق إلا بتغيير عميق في النمط الاقتصادي للنظم، وهو الأمر الذي لا يستطيعه الإسلاميون لأنهم مع النمط الاقتصادي الريعي القائم، ومع إعطائه “شرعية دينية”. ولقد صرحوا بذلك في تونس ومصر، حيث اشار العديد من قادتهم بأنهم لم يختلفوا مع السياسة الاقتصادية لنظام بن علي وحسني مبارك، ولهذا سوف يستمرون فيها. وهم ليسوا قادرين على تحقيق الديمقراطية لأنهم يعيدون الأمر لله في وضع يفرض أن يكون الشعب هو مصدر التشريع والسلطات. ويميّزون بين المواطنين الذين يقاتلون الآن معاً في الانتفاضات على أساس الدين والطائفة، وهو ما يتناقض مع أبسط قيم الديمقراطية.

بمعنى، أنه إذا كانت فئات اجتماعية قد صوتت لهؤلاء على أمل أن يحلوا مشكلاتها، فإن تجاهلهم لهذه المشكلات، وتصميمهم على الاستمرار في السياسة الاقتصادية ذاتها التي أفضت إلى الانتفاضات، سوف يجعل كل المراهنين عليهم ينقلبون مناضلين ضدهم، مع فئات لازالت تقاتل في الشارع من أجل العمل والأجر، والتعليم المجاني، والصحة المجانية. وآخرين يناضلون من أجل الدولة المدنية في مواجهة كل الدعوات الآن لإقامة “الخلافة الإسلامية”. أي أن كل الطبقات الشعبية التي انتفضت ضد بن علي وحسني مبارك سوف تنتفض من جديد من أجل تحقيق المطالب ذاتها. وهنا سوف تتلاشى “الخلافة الإسلامية”، ويصبح الإسلام السياسي هو الذي سيسقط.

لقد أصيب الإسلام السياسي بالغرور الشديد بعد النجاح الذي حققه، لأنه بالضبط لم يعرف لماذا انتصر بعد أن كان دوره هامشياً في الانتفاضات. ولسوف يفيق من نشوته هذه على وقع انتفاضة جديدة تطيح به وبأوهامه. وتفتح الأفق لانتصار الحداثة ومصالح الطبقات الشعبية، والدولة المدنية الديمقراطية. وهنا سوف يطاح بكل أوهام ملوك النفط وسياساتهم.
بالتالي ما يجب أن نعرفه جيداً هو:

أن الشعب هو وحده الذي يفرض الانتصارات، إنه زمن الشعب، هل نعيد الاعتبار لهذه الكلمة؟

المصدر: مركز المعلومات البديلة