كتب وأبحاث

النشاط العفوي وأهمية التنظيم
إن التأكيد على أن سمة النشاط العفوي هي السمة البارزة في النشاط الثوري في الوطن العربي يدعو إلى التأكيد على أهمية البحث في قضية التنظيم. وإذا كان إدخال الوعي الثوري عاملاً هاماً في تجاوز النشاط العفوي، والارتقاء به إلى مستوى العمل الثوري ذي الاستراتيجية الواضحة، والطبقة التي تعي مصالحها، فإن قضية التنظيم هي العامل الثاني المرادف، حيث إنه من الضروري أن يأخذ الوعي الثوري قنواته المنظمة، التي تسهم في خلق حالة ثورية تتسم بالوعي والتنظيم، تستطيع أن تعمق من أزمة الفئات الحاكمة، وتقود إلى انهيارها.
إن تأسيس تنظيم ثوري، سري، ومكافح، هي قضية هامة إلى الحد الذي يضعها في أولويات العمل الثوري. فلا ثورة دون تنظيم ثوري، كما لا تنظيم ثوري دون وعي ثوري.

النشاط العفوي وأهمية التنظيم

_____________________________________________________________________________________

مصائر الشمولية سورية في صيرورة الثورة

أنشر هنا مقالات كتبت في العقد الأول من هذا القرن، وهو العقد الذي أصبح فيه بشار الأسد رئيساً. وهي تعالج التحوّلات التي جرت في الاقتصاد والسياسة، وتنطلق من تقييم عام لطبيعة السلطة وآليات تشكلها منذ تسلّم العسكر البعثيون السلطة.
وبالتالي فهي تشمل التكوين العام للسلطة والأسس التي جعلتها كذلك، ثم التحولات التي طالتها خلال العقود الأربعة إلى حين وفاة حافظ الأسد. وبالتالي التحولات الاقتصادية التي حدثت وأفضت إلى انتصار الليبرالية، التي كانت في أساس انفجار الانتفاضة الشعبية التي بدأت في 15 آذار/ مارس سنة 2011.

ومن ثم تناول البيئة السياسية التي تشكلت خلال هذا العقد، والتي كانت تدفع نحو تحقيق التغيير في سورية عبر ضغط دولي فشل في النهاية.
وبالتالي تناول وضع المعارضة، وأزماتها، والمسار الذي سلكته، والذي كان يفضي إلى تهميشها وهامشيتها.
لكن لا بد من ملاحظة متحولين حدثا خلال السنوات الأخيرة، المتحوّل الأول داخلي، ويتعلق بالوضع الاقتصادي، حيث انتصرت اللبرلة نهائياً سنة 2006/ 2007، حيث تحقق الانفتاح الكامل وباتت الأسعار عالمية، وتعرّضت القطاعات الصناعية والزراعية لوضع أفضى إلى انهيار كبير فيها، كما انتهى الدعم الذي كانت تحققه الدولة عن كل السلع الأساسية، فيما عدا الخبز، وتراجع دعم التعليم والصحة. وتمركزت الثروة بيد أقلية ضئيلة بينما أفقرت كتل كبيرة. وأصبح الاقتصاد متحكماً فيه من قبل “رجال الأعمال الجدد” سليلي موظفي الدولة الفاسدين والذين نشطوا مع المافيات الدولية. وهو الأمر الذي جعل الانتفاضة الشعبية أمراً لا بديل عنه. وهذا ما عالجته في كراس مستقل (من أجل حزب للعمال والفلاحين الفقراء في سورية، الواقع الراهن ومهماتنا).
والمتحوّل الثاني عالمي، حيث أن “الهجمة” الإمبريالية التي عالجت أسسها في المقالات التي نشرتها سنوات 2001 إلى 2007، والمنشورة هنا، تراجعت بفعل الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وتفاقمها بعد إذ، والى الآن. والتي أفضت إلى تغير مهم في الوضع الدولي يقوم على ضعف “القبضة” الإمبريالية الأميركية، وهزال أوروبا، وبدء تقدم روسيا والصين كقوى عالمية تحاول أن تأخذ حصتها في إطار تقاسم الأسواق. وهو الأمر الذي أفضى إلى تراجع وضع أميركا العسكري في المنطقة، وانتقال تركيزها على الباسيفيك، وجعل دورها في “الشرق الأوسط” هو حماية مصالحها النفطية، دون أن تستطيع أوروبا (والحلف الأطلسي) “ملئ الفراغ”. وبهذا سقط مشروع الشرق الأوسط الموسّع، بتراجع التأثير الخارجي الإمبريالي.
كلا العاملين فرضا انفجار الانتفاضة، وجعلا الوضع الداخلي هو الأساس في كل عملية التحوّل التي تجري.
الآن، انفجرت الانتفاضة الشعبية، وهي مستمرة. وبهذا فقد فتحت على مرحلة جديدة.

مصائر الشمولية سورية في صيرورة الثورة

_____________________________________________________________________________________

ملاحظات حول أزمة الماركسية في الوطن العربي
(فصل من كتاب “مشكلات الماركسية في الوطن العربي” الصادر عن دار التكوين في دمشق)

دعوة للمراجعة
التأكيد أن الماركسية العربية في أزمة، لا ينبع من تصور نظري، بل ينبع من التنائج التي آلت إليها في الواقع. حيث غدت معظم الأحزاب الشيوعية على هامش الحركة الاجتماعية، وغدت أفكارها غريبة، لا تمت للواقع بصلة. ولأنها غدت كذلك فقد أخذت في التفكك والتفتت، دون ملاحظة اختلافات فكرية وسياسية عميقة، وبدا أن الاختلافات في الغالب هي تنظيمية محدودة. كما انتشرت الماركسية خارج إطار هذه الأحزاب، من خلال تأسيس أحزاب أخرى، أو في إطار الحركة الثقافية، لكن بشكل مبعثر ومتعثر ومرتبك، وإن شكلت كتلة كبيرة، لها تأثيرها.
إن غياب دورها الفاعل، والعجز عن تحقيق أهداف طرحتها الحركة الواقعية، وبالتالي تفككها، ونشوء أحزاب ومجموعات وقوى ماركسية جديدة، متناقضة، وأحيناُ “متناحرة” مع الأحزاب القديمة، ومن ثم العجز عن تأسيس حزب عربي يعبر عن مصلحة الطبقة العاملة العربية، وعن جماهير الفلاحين الفقراء، ويستطيع أن يلعب دوراً فاعلاً في تحقيق مصالحها، في الوقت نفسه الذي يسعى إلى تحقيق أهداف العرب في هذه المرحلة. وكانت النييجة، هذا التشتت والتضارب والتوزع، الذي يكتنف الماركسية العربية، وانتشار “الصراع الفكري” الذي لا يعبر عن اختلاف حقيقي، بل عن تناقض جزئي، في بعض المواقف، وبعض الاستنتاجات، دون ملاحظة اختلاف في المنهجية، منهجية التفكير، حيث ظلت المنهجية التبسيطية (الستالينية/الماوية) هي السائدة. والمشكلة ليست في الاتفاق في المنهجية، بل في المنهجية ذاتها، لأن هذه التبسيطية أدت إلى العجز عن بلورة تصورات مطابقة للوقع، والعجز عن بلورة الأهداف التي تخدم مصلحة الطبقة العاملمة والفلاحين الفقراء، ومصلحة العرب في تطلعهم نحو التحرر والتقدم.
والآن، بعد هذا التاريخ الطويل من توّطن المار كسية في الوطن العربي، وبعد هذا التاريخ الطويل لانتصار الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، ثم اكتساحها ما يقرب من نصف سكان المعمورة، تهتز صورتها، فلا تعود ذلك المثال، النموذج، كما حدث مع البورجوازية من قبل، فيتقهقر الاندفاع العفوي. بل إنه يتجه إلى اللاهوت ذاته، إلى الدين، حيث أصبح يبدو المثال الممكن الوحيد، بعدما تهاوت الأمثلة، وفرغت الجعبة من متاعها الحديث، لتبدو كسرة الخبز القديمة، المتلونة بعفونة القرون، هي الحل، هي المثال، لأنها تشبع معدة فارغة، بغض النظر عما ستفعله بعد لحظات.
إن إشكالية الماركسية العربية، وخفوت بريق المثال العالمي، دفع بهؤلاء الفقراء الذين قفزوا من ظلمات القرون الوسطى واللاهوت، إلى أكثر لحظات الحضارة تقدماً، ونقصد المثال الاشتراكي، دفعهم إلى ظلمات القرون الوسطى من جديد، فتدافعوا زرافات ووحداناً إلى صفوف القوى الظلامية والطائفية، لكي يجذروا شتات القوى الحديثة، ويعملوا على اقتلاع كل جذور الفكر الحديث (القومي، الليبرالي، الاشتراكي). إنهم يرون المثال في الماضي، فيقاتلون من أجله، كما قاتلوا من أجل الاشتراكية، ومن أجل المشروع القومي العربي، من دون أن يعرفوا أن المشكلة ليست في البريق الذي يبهر العيون في لحظة، وإن كان يمكن أن يمثل الحل حقيقة، بل إن المشكلة في فهم مكنون هذا البريق.
إذن، لقد انعكست أزمة الماركسية العربية، وأزمة النظام الاشتراكي، على طبيعة موقف فئات واسعة من الجماهير من الماركسية ومن الاشتراكية، وهنا الأزمة الأعوص والأخطر، فإذا كانت كل الحلول التي تبحث في الاستقلال والتقدم، خارج إطار الحل الماركسي، غيرممكنة، وبالتالي فهي لا تعدو أن تكون وهماً، فإن الحل الماركسي هو الحل الوحيد الممكن. وإن تحقيق التقدم لا يتحقق إلا في إطار البحث في طريق الوصول إلى الاشتراكية. لذلك فإن القفز عن البحث في الأزمة، أو الالتفاف عليها، سوف يعمقها، ويزيد في توريط العرب في مآس وويلات جديدة، لأن الوطن سوف يستمر في لوك ذاته، في تدمير ذاته ما دام الأفق غائباً، والحلول المتداولة تزيد من التفكك والتفتت والتدمير.
إن الخروج من الأزمة إذن، لا يعني فقط تجاوز الماركسية العربية مشكلاتها الذاتية، بل ويعني أيضاَ أن تنفتح الآفاق، أمام خيار في التطور، يغدو أكثر فأكثر، الوحيد الممكن في هذا العصر، الخيار الوحيد القادر لا على استقطاب حركة شعبية واسعة فقط، بل على دفعها نحو تحقيق تقدم فعلي.
لهذا ندعو إلى الحوار وإلى مناقشة كل هذه القضايا، من أجل تحديد جوهر الأزمة التي تعيشها الماركسية العربية، من أجل توضيح أفضل للمشكلات التي رافقتها خلال تاريخها الطويل، ومن ثم ألقت بها في متاهة التفكك.

ملاحظات حول أزمة الماركسية في الوطن العربي

_____________________________________________________________________________________
من أجل حزب يمثل العمال والفلاحين الفقراء في سورية

مسائل التنظيم لصيقة الصلة بالفهم المحدد لدور الحزب في أتون الصراع الطبقي. وبالتالي فهي مرتبطة بالثورة ككل. لهذا لن تكون هناك مشكلات تنظيمية منعزلة عن النشاط الثوري. لأن الحزب، المجسد والمعبّر عنه في صيغة تنظيمية، هو تعبير عن حاجة موضوعية تفرضها الظروف العيانية في منطقة معينة، وفي وقت محدد. وبالتالي فإن مشكلات بنيته لصيقة الصلة بهذه الظروف العيانية. وإن كانت التصورات النظرية والتجارب المختلفة، التي هي جزء من تجربة الإنسانية، تعطي رؤى عامة وأواليات، تبعد النظرة الواقعية عن التجريبية، وتعطيها بعداً معرفياً ضرورياً.
وبالتالي حين نتحدث عن الحزب لا نبغي الحديث النظري المجرد، بل نهدف الحديث عن حزب محدد، يلعب دوراً ثورياً في الظروف الراهنة في الوطن العربي. لهذا نجدنا أكثر انشداداً إلى ظروف التجربة العربية، وخصوصاً تجربة الحركة الشيوعية، لأننا نحاول دراسة ظروف معينة هي ظروفنا العربية، وتجربة محددة هي تجربة نضالنا الثوري.

في هذا السياق تبرز قضية ارتباط الحزب بنشاط الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء كقضية مفصلية، لأن الحزب ليس صانع معجزات، ولأن دوره ليس افتعال الثورات، بل أنه يمارس العمل الثوري في إطار ظروف محددة، تحكمها قوانين معينة ليس من الممكن القفز عنها، بل من الممكن فقط تفعيل العامل الإرادي من خلالها، بما يؤدي إلى تسارع العملية الثورية، بإعطائها طابعها الواعي، مما يجعلها أكثر مقدرة على تجاوز العفوية، وعلى التصاعد وصولاً إلى الانتصار. من هذا المنطلق تبرز أهمية ارتباط الحزب بنشاط الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، الذي لازال يتسم بالعفوية. ولعل مهمة الحزب الأولى هي أن يؤسس لتجاوز هذه العفوية، أو بشكل أدق أن لا يجعلها السمة الأساسية للنضال الجماهيري. هذا هو دور العامل الإرادي الذي يدخله الحزب في نشاط الطبقة، والذي هو جزء من الواقع الذي يعتمد تفعيله على الوعي.
لهذا من الضروري وعي أهمية قضية ارتباط الحزب بالنشاط الجماهيري، قضية حتمية ارتباط الحزب بهذا النشاط. وبالتالي من الضروري تحديد سمات النشاط الجماهيري ذاته، من خلال دراسة الظروف الاقتصادية الاجتماعية التي تعيشها هذه الجماهير، والتي تدفع بالضرورة إلى انطلاق النشاط الثوري وتبلور حركة جماهيرية لها قسماتها. وهنا نحن لا نحاول تجديد “النضال الاقتصادي” أو “النضال المطلبي”، المنفصل عن النضال السياسي، حيث كان يتفكك الصراع الطبقي إلى مطلبي وسياسي، وهو التفكك الذي كان ينتج عن رفض تطوير النضال المطلبي من أجل تحقيق التغيير السياسي، والاكتفاء بالنضالات الاقتصادية من جهة والديمقراطية من جهة أخرى. الأمر الذي كان يحول النضال الاقتصادي إلى نضال ديمقراطي، أو كان يبقيه في حدود النضال الديمقراطي، المنطلق من الاعتراف المسبق بالنمط الاقتصادي الاجتماعي القائم، وبالتالي السعي لـ “تحسينه” فقط، أو لدمقرطته فحسب. وهو ما كان ينحي هدف الوصول إلى السلطة جانباً. وبالتالي لا تعود خصماً، أو هي التعبير عن الطبقة المسيطرة، بل تصبح أباً من واجبه تقديم الهبات لأبنائه المخلصين. ويكون المطلوب هو رفع شعارات جزئية تتعلق بتحسين الوضع المعيشي، أو تخفيف الظلم الطبقي، و”عقلنة” الاستغلال.

بل ندعو إلى الارتباط بنشاط الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية، وإلى تطويره بما يفضي إلى تحقيق التغيير. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال دراسة واقعية لظروفها، وتحديد مشكلاتها، مع اقتناعنا بأن النشاط الجماهيري لن يكون نشاطاً سياسياً هكذا بشكل عفوي، بل أن هذه هي مهمة الحزب على وه التحديد. وهنا يُطرح السؤال: كيف يلعب الحزب هذا الدور؟

هذا يطرح مسألة الحزب، والمهمة التي يلعبها في الصراع الطبقي. فالنشاط الجماهيري الذي هو نشاط عفوي، ينحكم لإشكالين: قصور الوعي لدى الطبقات الشعبية، فرغم إحساسها بمصالحها إلا أنها ملوثة بمفاهيم مناقضة لهذه المصالح، هي من منتوج الطبقة المستغِلة الحاكمة. بمعنى آخر، إن هذه الطبقات تمتلك وعياً زائفاً، وعي لا يعبّر عن مصالحها، بل يجعلها تتكيف مع عبودية الاستغلال، رغم تناقض وجودها الواقعي مع هذا الوعي. ورغم أن ظروفها المعيشية تدفعها إلى تجاوزه. وأن حسها الطبقي يدفعها إلى التمرد عليه. لهذا يجعلها هذا الوعي الزائف تقنع بنمط الاستغلال الذي تعيشه قناعة تامة، مما يحرمها من تصور أنها قادرة على إنهائه. وبالتالي فهي ترى أن الحل هو في تحسين ظروفها من خلال المطالبة والمناشدة والرجاء. من خلال “التوسل”. ومن ثم التمرد والانفجار لحظة شعورها بأن لا خيار أمامها لكي تجدد حياتها. الأمر الذي يجعل وضعها مأزقياً، حيث هي لا تتوصل إلى الطريق الذي يحقق مصالحها. في هذا الوضع يُطرح دور الحزب. وانطلاقاً من ذلك تتحدد مهماته.

فالحزب كونه المعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء يجب أن يكون القادر على امتلاك الوعي المطابق لمصلحة هؤلاء. فهو يمثل، فيما يمثل، الفئة التي تمتلك الفكر، ويحوي مستوى غير المستوى المتعلق بالبناء التحتي والذي تتشكل فيه الطبقة بما هي طبقة، هو مستوى الفكر/الوعي. المستوى الذي يسمح بإنتاج الأيديولوجية المعبّرة عن هذه الطبقة، والمطابقة لمصالحها. وهو هنا يضيف عنصر الوعي/الفكر، حيث هي مهمة جوهرية من مهماته، وضرورة من ضرورات وجوده. وبهذا تتقوم مهمته في إدخال الوعي إلى الطبقة، وبالتالي إلى النشاط الجماهيري. وهنا تُطرح قضية الوعي وعلاقتها بالنشاط الثوري، وموقعها في العملية الثورية بمجملها. وما من شك في أن دور الحزب هنا يتمثل في تحديد التصور الإستراتيجي للعمل الثوري، وتحديد الأهداف، وبالتالي العمل على إقناع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء بها، في سياق العمل من أجل تطوير وعيها عبر هزيمة الوعي الزائف الذي يسكنها، والعمل على تأسيس وعي فلسفي/ سياسي/ اجتماعي مطابق لوجودها.

هذا ما عجزت الحركة الشيوعية العربية عن تحقيقه، حيث ظل الوعي هامشياً. وبدا الحزب أنه لا يضيف سوى الشعارات العامة دون الوعي، ويدور في حدود المطالب دون السعي إلى التغيير. مما أبقى النشاط السياسي نشاطاً عفوياً، وأضعف مقدرة الأحزاب على إيصال الحركة الجماهيرية إلى تحقيق التغيير. بمعنى أن الحركة الشيوعية فشلت في تطوير وعي العمال والفلاحين الفقراء، وتطوير نشاطهم المطلبي بما يجعله نشاط من أجل التغيير الذي يحقق مصالحهم. فظلت تطالب وتناشد وتلتمس الرجاء كما الحركة الجماهيرية ذاتها، وفي حدود مطالبها كذلك، دون وعي بأن تحقيق مصالحها يفرض أن تكون هي السلطة وليس غير ذلك.

الإشكال الثاني هو العفوية التي تجعل النشاط مرتبطاً بردات الفعل. وهنا يجب أن نتحدث عن التنظيم، حيث أن للوعي مسارب تتشربه الطبقة من خلالها، وحيث أن العمل العفوي يفرض تنظيم النشاط الجماهيري، ووضعه في سياقات تجعله قادراً على أن يتحول إلى فعل ثوري حاسم. وليست هذه السياقات من اختراع الحزب دائماً، بل أنها تكون في أحيان عديدة من مبادرات الطبقة، لكن الحزب يدعمها ويطورها وينظمها في إطار السياق العام للنشاط الثوري.

لكن المشكلة الهامة هنا هي مشكلة البنية التنظيمية للحزب ذاته، منظم النشاط الجماهيري. لقد استسهلت الحركة الشيوعية في الماضي اعتماد “صيغة جاهزة” ولدت في إطار ظروف معينة، وبعد تجربة طويلة لها خصوصياتها وإشكالاتها، والتباساتها، وأعني الصيغة الستالينية في التنظيم (التي تسمى عادة الصيغة اللينينية في التنظيم). ولقد كانت صيغة فاشلة، بل سيئة، لأنها أعادت إنتاج البنية البطريركية التقليدية الرائجة في مجتمع ريفي. لهذا كان من الضروري نقد هذه الصيغة الرائجة، ومحاولة رؤية الظروف الواقعية المؤثرة في بنية التنظيم في الوطن العربي، وليس في أي مكان آخر. وبالتالي محاولة تحديد تصورات تنظيمية جديدة.

هذا ما نتناوله. منطلقين من الحركة الجماهيرية التي هي أساس العمل الثوري، لأنها أساس تحقيق التغيير بلا منازع. ونؤكد على ضرورة ارتباط الحزب بها، ضرورة أن يندغم فيها، يندمج فيها. ولكن انطلاقاً من أنه يؤسس لوعي/فكر جديد، ينطلق من الجدل المادي، ليؤسس أيديولوجية تعبر عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء هنا في الوطن العربي. هي انعكاس ليس للواقع كما هو، فربما تكون هذه مهمة تفسير الواقع فقط، بل الواقع كما يجب أن يكون لكي يحقق مصالح هذه الطبقة. بمعنى أنها لا تكون تكراراً للوعي السائد لدي الطبقة، لأنها في ذلك تعيد تأسيس الأيديولوجية المسيطرة، بل أنها تؤسس الوعي المطابق لمصلحة العمال والفلاحين الفقراء. الوعي الذي يعبّر عن كينونتها كما يجب أن تكون.

إذن، الحزب يضيف الوعي والتنظيم لمجمل نشاط الطبقة، لكي يخاض الصراع الطبقي وفق أسس جديدة توصله إلى الانتصار.

من أجل حزب يمثل العمال والفلاحين الفقراء في سورية

_____________________________________________________________________________________

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s