Monthly Archives: يوليو 2015

عن عبد الناصر

في ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، انتشرت التعليقات التقييمية حول ما جرى، وبدا أن هناك عدم معرفة بما حدث، خصوصاً لدى الشباب، وأن الموقف مما جرى مبني على حكم بعدي، صدر عن الموجة التي تمركزت حول الخطاب الديمقراطي. فأصبح الحكم سلبياً نتيجة دكتاتورية جمال عبد الناصر. وبعضهم مدَّ الأمر لكي يعتبر نظم أنور السادات وحسني مبارك إلى الآن استمراراً لنظام عبد الناصر.
كان النظام السياسي الذي نشأ بعد انقلاب الضباط على النظام الملكي دكتاتورياً، حيث انحكم لقرار فرد، ولتحكم أجهزة أمنية وبيروقراطية دولتية، لكن هذا جزء من الحقيقة، إلا إذا انطلقنا فقط من منظور ليبرالي ديمقراطي، لا يلمس سوى البنية السياسية للدول، متجاوزاً وضع الشعب، ومبتعداً عن لمس طبيعة الاقتصاد والطبقات. بالتالي، سيكون النظام دكتاتورياً و”كل دكتاتورية في النار”.
لا يفسر هذا الحكم لماذا كان النظام دكتاتورياً؟ وهل كان هناك بديل ديمقراطي حينها؟ وكل إشارة إلى الحكم الملكي و”الديمقراطية” التي كانت قائمة تتجاهل أن القرار في هذا النظام “الديمقراطي” كان للاحتلال الإنجليزي ثم للملك، ولأن الديمقراطية شملت فئة قليلة من الشعب، بينما كان 90% منه مغيباً عن كل سياسة، ويعاني من التخلف والجهل والأمية. ومن ثم، فإن أول خطوة ديمقراطية لا بد أن تتمثل في تعميم التعليم وإنهاء التخلف والفقر والجهل، فالديمقراطية تحتاج إلى شعب مسيَّس، وليس إلى شعب يعاني الجهل والتهميش.
المشكلة العميقة التي كانت تحكم المجتمع تمثلت في البطالة والفقر والتهميش في ظل نظام شبه إقطاعي، وفي احتجاز التطور الصناعي والتطور بشكل عام. حيث كان يجب إزالة الإقطاع والرأسمالية التابعة وإنهاء الاستعمار، ومحاولة التقدم من أجل تعميم العلم والثقافة وبناء الصناعة وتحقيق مستوى معيشي “لائق”. هذا ما تحقق في ظل “الدكتاتورية”. على الرغم من أن طبيعة الفئات التي حكمت كونها، في الغالب، ذات طابع ريفي، عمل بعضها على نهب الرأسمال المتمركز بيد الدولة (القطاع العام)، وكانت بساطة الوعي لديها وقرب ارتباطها بالريف يجعل ثقتها توضع بمن “يمجدها”، ويتبعها بغض النظر عن مؤهلاته.
إذن، حققت التجربة نقلة، وتوقفت ثم انهارت. انهار الإقطاع وتفككت بنى تقليدية ووعي تقليدي. لكن، لم يتشكّل بديل يحلّ محلها. وربما ساعدت شمولية السلطة على أن يتغطى نهب فئات في السلطة، هذه التي شكلت “رجال الأعمال الجدد” (أو كما سمته مجلة الطليعة سنة 1968، البروز الرأسمالي الكبير). وقادت مسار التحوّل المعاكس، حيث قامت بتصفية التجربة ونهب القطاع العام، وتدمير التعليم.
تمثلت المشكلة، هنا، في أن فئات ريفية قامت بالتجربة، في الغالب عبر الجيش (لا يستطيع الفلاحون تشكيل حزب خاص بهم)، ومن ثم عبّر عن طموح الريف في الانتقال الطبقي، وهذا ما تحقق عبر السباق الذي جرى عبر الدولة، فالريف كان يريد التخلص من الإقطاع، لكنه كان يريد الترسمل، بالتالي، كانت الدولة المعبر لذلك. لهذا، حققت التجربة تقدماً وتحولات، ثم انهارت، والمجتمع في وضع مختلف عما كان قبل الثورة.
لماذا قامت فئات ريفية بذلك عبر الجيش؟ هذه حالة “خاصة”، لأن الريف لا يستطيع التغيير من دون قيادة المدينة، منذ انتصار البرجوازية إلى ثورة أكتوبر. استطاعت ذلك لأن الأحزاب التي كان عليها أن تغيّر، من الليبراليين والشيوعيين، لم تطمح إلى التغيير، في وضع مجتمعي كان يعجّ بالصراع الطبقي، وينزع نحو التغيير. المشكلة هنا تُحمَّل للشيوعيين الذين كانوا يأنفون الوصول إلى السلطة، ويريدون تطوراً ديمقراطياً بورجوازياً، في وضع عالمي لا يسمح بذلك. هذه أخطاء حركة حدتو حينها، التي كان لها ثقل في مجلس قيادة الثورة، لكنها أرادت النظام البرلماني، في وضع مجتمعي مخلَّف، لا يعطي أكثر مما أعطى في ظل النظام الملكي.

المصدر: العربي الجديد

عن اليونان وإسبانيا واليسار

أحدثت انتكاسة اليونان هزّة لدى الشعب اليوناني. لكن، أيضاً لدى كل الذين عقدوا أحلاماً على يسار جديد يمثله حزب سيريزا. وربما تفضي إلى قطع الطريق على حركة بديموس في إسبانيا، حيث ربما تفقد كثيرين ممن أرادوا التصويت ليسار جديد، نتيجة الشك في يسارية الحركة، خصوصاً أنها، أيضاً، لا تحمل برنامجاً واضحاً، فيما عدا رفض التقشف.
مسارعة رئيس الوزراء سيبراس، إلى توقيع الاتفاق مع الدائنين والاتحاد الأوروبي، أحدثت شرخاً في الحزب نفسه، الذي يتشكّل من كتلة صغيرة في اليمين، لكنها مهيمنة، وكتلة كبيرة في الوسط، وثالثة وازنة في اليسار الجذري. لهذا، ربما يتصاعد الصراع نحو الانقسام السريع، وأيضاً نحو فرط الحكومة والسير نحو انتخابات جديدة، أو تحالف جديد، لا يكون حزب سيريزا المسيطر فيه. لكن، الأهم هنا هو كيف يمكن أن يتجذر الحزب أو يتفكك؟ كتلة الوسط هي التي سوف تحسم الأمر. لكن، من الواضح أن وضع الحكومة سوف يكون صعباً، نتيجة رفض قسم من أعضاء حزب سيريزا التصويت لمصلحة الاتفاق.
لا شك أن الحراك الشعبي سوف يؤثر كثيراً في الصراع داخل الحزب، حيث يمكن أن يشدّ من أزر الوسط، فيميل أكثر نحو اليسار. وهنا، إذا سقطت الحكومة، وجرت انتخابات جديدة، يكون الحزب مؤهلاً لأن ينتصر من جديد. لكن، على ضوء برنامج حاسم في القطع مع الدائنين، ومع الاتحاد الأوروبي، ومع البنوك المحلية والبورجوازية عموماً، أو يصبح قادراً على شلّ أية حكومة، يمكن أن تتشكل من تحالف أحزاب اليمين ويمين حزب سيريزا، في حال نجح هؤلاء في تشكيل حكومة.
هل تسمح التجربة بتحقيق هذا التطور في اليسار، بحيث يصبح حاملاً برنامج تغيير حقيقي، وليس برنامج رفض؟ ربما يعتمد ذلك، بالتحديد على مدى توسّع الحراك الشعبي، وربما، أيضاً، على تفاعل الحزب الشيوعي (حصد 6% من الأصوات) مع الحدث، وميله إلى التفاهم مع التحوّل الجديد الممكن، وأساساً امتلاكه برنامجاً جذرياً.
في إسبانيا، سوف يرى الشعب هنا، وإسبانيا تتحضّر للانتخابات في نوفمبر/تشرين أول المقبل، أن بديموس نسخة عن سيريزا، وبالتالي، ربما يميل إلى الاستنكاف عن التصويت، الأمر الذي سيضعف حركة بديموس بالتأكيد، ويجعلها تفشل في الوصول إلى السلطة. الحدث اليوناني مؤثر هنا، كما كان من قبل. لكن، هذه المرة بشكل معكوس. وبالتالي، انتكاسة اليونان ربما تضرّ بإسبانيا. وهي بالضرورة ستضرّ فيما إذا ظلت حركة بديموس بما هي عليه، كحركة ترفض، من دون بديل حقيقي، يقطع مع الاتحاد الأوروبي والدائنين والبورجوازية الإسبانية، حيث ستبدو للشعب الإسباني يساراً شكلياً، متهافتاً، وانتهازياً، يريد الوصول إلى السلطة فقط.
هل ستتجذر بديموس قبيل الانتخابات؟ هذا ما يجعلها قادرة على النجاح، وإلا فإن السقوط يمكن أن يكون مصيرها. حيث لم تعد الشعوب قادرة على قبول الحلول الإصلاحية، بعد أن بات الرأسمال يعمل على نهبها، ودفعها نحو الفقر. وآليات ذلك باتت مرتبطة، في جزء منها، بالانخراط في الاتحاد الأوروبي الذي يفرض عليها شروطاً تهيء الأرضية لنهب الرأسمال، بعد أن جرى توريط دول عديدة في المديونية التي هي استثمار رأسمالي، وليست مساعدة أو “تسهيلات بنكية”، لكي تتجاوز الدول أزمتها المالية، التي نتجت، أصلاً، عن نهب الرأسمالين، المحلي والدولي، الأمر الذي يضع الشعوب أمام مسار يفرض القطع مع الرأسمال، من أجل وقف النهب، وإعادة بناء الاقتصاد بشكل مستقل، يخدم الشعب وليس الرأسمال.
بالتالي، تجذر الشعوب مواقفها، وهذا ما يفرض بناء يسار جذري. بعد أن ظهر أن اليسار العالمي بات إصلاحياً وانتهازياً، وفي غير وارد التغيير، وظهر أن المحاولات الأولى لتبلور يسار جديد ما زالت تحمل من إرث اليسار السابق الكبير من العيوب والسوء.
أزمة اليسار البديل هي أزمة العالم اليوم.

المصدر: العربي الجديد

ما بعد الاتفاق النووي مع إيران

أخيرا جرى التوقيع على الاتفاق النووي بين الغرب وإيران بعد مفاوضات طويلة، حيث كان واضحا منذ أشهر أن الاتفاق منجز، وأن ما يجري يتعلق بـ”تهيئة الأجواء” في كل من أميركا وإيران لقبوله.

ورغم التركيز على تعقيدات تتعلق بمسائل حساسة، فإن كلا الطرفين كان يعتقد بأن الأمور تسير نحو الاتفاق.

ولا شك أن الأمر كان يتعلق بكل من أميركا وإيران بالأساس، وكان كل طرف يعرف “نقاط ضعف” الطرف الآخر، حيث استخدمت أميركا العقوبات الاقتصادية إلى المدى الأقصى، وفرضت حصارا على البنك المركزي الإيراني، وهو ما أفقد إيران القدرة على الاستفادة من المداخيل النفطية نتيجة أن النفط يباع بالدولار حصرا، الأمر الذي جعل حصول إيران على مداخيلها النفطية مستحيلا، حيث يجب أن يمر الدولار عبر البنك المركزي الأميركي الذي يقوم بمصادرتها في الحال بدل تحويلها إلى البنك المركزي الإيراني.

“انهيار الاقتصاد الإيراني فرض على إيران أن تناور، لكن أن تقبل في الأخير ما هو ممكن من أجل الوصول إلى رفع العقوبات قبل انهيار الدولة، لهذا كانت تشدد على أن تُرفع العقوبات من لحظة توقيع الاتفاق، وهو ما حصلت عليه بعد مناورات متعددة”

هذا الأمر جعل الاقتصاد الإيراني في وضع صعب، وأشرف على الانهيار، وبالتالي كان على النظام الإيراني أن يناور، لكن أن يقبل في الأخير ما هو ممكن من أجل الوصول إلى رفع العقوبات قبل انهيار الدولة. لهذا كان يشدد على أن تُرفع العقوبات من لحظة توقيع الاتفاق، وهذا ما حصل عليه بعد مناورات متعددة.

في المقابل، باتت أميركا معنية بـ”التحالف” مع إيران، لأنها تعتبر أن الخطر الأكبر هو ذاك القادم من الصين، ولهذا اعتبرت أن أولويتها هي منطقة الباسيفيك (آسيا والمحيط الهادي)، وانطلقت من ضرورة كسب الدول المحيطة بالصين في سياق ضمان حصارها في حال أرادت تطوير الصراع.
ولأن أميركا ما زالت تعتبر أن الخليج العربي هو “جزء من الأمن القومي الأميركي”، كما قرر مبدأ كارتر (سنة 1980)، فقد باتت معنية بوجود “حائط صد” أمام الصين لكي لا تتمدد نحوه، رغم وجود القواعد العسكرية الأميركية هناك.

كما أنها وهي تتراجع عالميا تريد ضمان استقرار الخليج، وكسب إيران يساعد على ذلك، لهذا كانت العقوبات التي فرضتها على إيران من أجل الوصول إلى توافق وليس من أجل “هزيمتها”، والنظام الإيراني يعرف هذه الحاجة الأميركية، لهذا ظل يناور إلى آخر رمق، فحصل على ربط رفع العقوبات بالتوقيع على الاتفاق النووي.

أما غير ذلك فإن الاتفاق يشل مقدرة إيران لسنوات طويلة عن تطوير قدرتها النووية، وهنا يظهر نجاح السياسة الأميركية، لكن يجب ملاحظة أن كل طرف بات يستطيع القول إنه نجح في “فرض شروطه”، والأمر هنا يتعلق بمسائل شكلية وليس بجوهر البرنامج النووي.

ربما كان قبول أميركا والدول الأخرى ربط رفع العقوبات بالتوقيع هو ما أثار الخوف لدى قطاع كبير من المتابعين، لأنه يعني أن إيران باتت قادرة على دعم وجودها في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن بعد أن ظهر في الفترة الأخيرة أنها باتت عاجزة عن تمويل الحروب في هذه البلدان. هذا الأمر ربما هو ما أثار أكثر التخوفات، وأطلق التكهنات بشأن أن أميركا قد أطلقت يد إيران في المنطقة، وفرض انتشار جو من السلبية والتشاؤم.

أظن أن في ذلك تسرع، وأيضا سوء فهم كبير، فربما لم ينتبه البعض إلى أن الحل الذي جرى التوصل إليه في ما يتعلق بربط رفع العقوبات بتوقيع الاتفاق تمثل في إعطاء مدة تسعين يوما بين توقيع الاتفاق رسميا، بما في ذلك إقراره في مجلس الأمن، وتطبيقه، لهذا لا بد من محاولة فهم ما يمكن أن يجري خلال هذه المدة.

“لم ينتبه البعض إلى أن الحل الذي جرى التوصل إليه في ما يتعلق بربط رفع العقوبات بتوقيع الاتفاق تمثل في إعطاء مدة تسعين يوما بين توقيع الاتفاق رسميا -بما في ذلك إقراره في مجلس الأمن-، وتطبيقه. لهذا لا بد من محاولة فهم ما يمكن أن يجري خلال هذه المدة”

لا شك أن أميركا ضمنت توقيع الاتفاق، ولهذا سوف تنتقل إلى البحث في الوضع الإقليمي. وقد أشار باراك أوباما منذ أيام إلى أن إدارته عاكفة على صياغة رؤية للسياسة الأميركية في كل من سوريا والعراق واليمن، بالتالي لا بد من رصد ما يمكن أن يجري على ضوء ذلك. ولا شك في أن أميركا تريد التحالف مع إيران، لكن ذلك لا يعني التسليم لها بما تريد، خصوصا أن لأميركا مصالح أخرى لا تتوقف عند إيران.

فالعراق بالنسبة لها جزء من الخليج العربي، وحين احتلته كانت معنية بأن تهيمن عليه، حتى وهي تعطي إيران حصة فيه عبر فرض سيطرة “قوى شيعية” كلها تابعة لإيران. وقد اختل الأمر بعد انسحابها الذي فرضته الأزمة المالية التي انفجرت في سبتمبر/أيلول سنة 2008، والتحول الذي حصل في إستراتيجيتها بالتوجه وإعطاء الأولوية لمنطقة الباسيفيك.

لكن خطأ نوري المالكي باستغلال داعش (تنظيم الدولة) لكي يعود إلى السلطة جعل أميركا تعود عبر “الحرب ضد داعش” (أو الحرب بداعش) لكي تعيد بناء السلطة في العراق بما يجعلها هي المهيمنة، وتضخيم داعش واللعب بها يهدف إلى ذلك، فالعراق بلد نفطي يجب السيطرة عليه، ولقد شُمل بمبدأ كارتر.

لهذا لن تتخلى عنه لإيران، على العكس سوف يتصاعد الصراع في الفترة القادمة من أجل إضعاف سيطرة إيران على السلطة، وتهميش قواها، وبناء سلطة جديدة تخضع للسيطرة الأميركية. هذا ما بدأته منذ صيف سنة 2014، وهي مستمرة به، ولن يكون ممكنا تراجعها عنه.

ولكن هل البديل هو سوريا؟ لا أظن، فأميركا منذ بداية سنة 2012 “تبرعت” بسوريا لروسيا، رغم أن نفوذها هناك لم يكن قائما، وهذا “التبرع” هو جزء من المفاوضات الأميركية الروسية لـ”تقاسم العالم”، حيث إن حاجة أميركا لحصار الصين تفرض عليها التحالف مع روسيا، وبالتالي تقاسم الحصص معها، ولأن روسيا منشدة للتواجد في سوريا، وقد حصلت على مصالح كبيرة بعد الثورة نتيجة دفاعها “المستميت” عن النظام في المحافل الدولية، ولأن أولوية أميركا الجديدة (منطقة الباسيفيك) تعني التخلي عن “الشرق الأوسط”، فقد قبلت أن تكون سوريا من حصة روسيا. ورغم الخلاف الكبير الذي نشب بعد الأزمة الأوكرانية، فقد ظل المنظور الأميركي يقوم على دعم وجود روسيا في سوريا.

ربما الآن بات الأمر أكثر أهمية بالنسبة لأميركا في ما يتعلق بإبعاد إيران عن سوريا، فقد وقعت الاتفاق النووي معها رغم المعارضة الشديدة من قبل الدولة الصهيونية، ورغم الخوف الكبير لديها، وهو ما أثار الحساسية في العلاقات بين الطرفين، وربما يهيئ لمشكلات كبيرة.

لهذا سينطلق المنظور الأميركي تجاه سوريا، ليس من التقاسم مع روسيا فقط، بل كذلك من ضرورة إبعاد إيران عن سوريا إرضاء للدولة الصهيونية، وتحقيق ذلك يعني ترتيب وضع نظام في سوريا ليس معاديا للدولة الصهيونية، خصوصا أن روسيا “صديقة حميمة” للدولة الصهيونية، لكنه يعني أيضا خنق حزب الله الذي سيفقد الطريق إلى طهران، وسيكون محاصرا بأطراف لا تريده، وهذا ما يمكن أن يشل حركة الحزب، وقد يفتح على تجريده من السلاح، وربما استثارة قاعدته الاجتماعية بعد كل الخسائر التي نتجت عن حربه ضد الشعب السوري.

إذن، سيكون الشغل الأميركي على ترتيب سلطة في سوريا غير تابعة لإيران، بل مهيمن عليها من قبل روسيا (أو ربما تبدو كذلك فقط نتيجة التداخل الممكن مع أطراف أخرى). وهذا يعني العودة إلى مبادئ جنيف1، والانطلاق إلى جنيف3 تحت الرعاية الأميركية الروسية.

“الاتفاق النووي سيفتح على ترتيب وضع المنطقة، لكن ليس بهيمنة إيران بل بتقليص دورها، وعبر إعطائها امتيازات في العراق واليمن، هي أقل مما يريد الإيرانيون، لكنهم لا يستطيعون الحصول على أكثر مما هو ممكن”

ولا شك أن اتصال بوتين بأوباما للحديث عن سوريا له معنى بعد أن ظل الروس يتجاهلون ذلك، و”يتدللون” على أميركا، فقد شعر الروس بأن إيران هي التي تهيمن الآن على السلطة في سوريا، وأن مقدرتهم وحدهم على ترتيب السلطة بما يحقق المصالح الروسية لم تعد كبيرة، لهذا لجأ بوتين إلى أميركا التي تمتلك أوراق ضغط كبيرة، معتمدا عليها في ترتيب وضع سلطة خاضعة له وليس لإيران.

في اليمن، من الواضح أن أميركا لا تريد إنهاء الحوثيين، وهذا ما يظهر من خلال موقف الأمم المتحدة، وخصوصا من خلال مبعوثها إلى هناك. لكن هذا لا يعني أنها تريد تسليم اليمن للحوثيين، بل تريد أن يكون الحوثيون جزءا مؤثرا في الدولة المقسمة بين السعودية وإيران، حيث يعود حزب الإصلاح وتعود القبائل التي هي عصب السلطة، وهذا يرضي السعودية، مع إشراك الحوثيين عبر “موقع مميز” في السلطة، وهذا يرضي إيران.

لهذا فإن التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني سيفتح على ترتيب وضع المنطقة، لكن ليس بهيمنة إيران بل بتقليص دورها، وعبر إعطائها امتيازات في العراق واليمن، هي أقل مما يريد الإيرانيون، لكنهم لا يستطيعون الحصول على أكثر مما هو ممكن.

ربما كانت مدة التسعين يوما هي الفترة التي ستعمل الإدارة الأميركية فيها على هذا الترتيب قبل أن تتدفق الأموال على إيران، هذه الأموال التي سوف يجري العمل على نهبها عبر المشاريع التي ستطرح لتطوير حقول النفط، وتحديث أسطول الطيران والبنية التحتية. وهي المسائل التي سوف تثير التنافس بين حلفاء الأمس، من ألمانيا وفرنسا إلى أميركا، ومن روسيا إلى تركيا.

المصدر : الجزيرة

“اليسار اليوناني” يخفق

نجح حزب سيريزا اليساري في اليونان، بالضبط لأنه رفض سياسة التقشف، والشروط المجحفة التي وضعها الدائنون (صندوق النقد الدولي والبنوك الأوروبية)، وعمل على إعادة البحث في تلك الشروط، وعلى أساس وقف سياسة التقشف. وحين أصرّ الاتحاد الأوروبي والدائنون على شروطهم، قرّر الحزب إجراء استفتاء عليها، ولقد رفض الشعب اليوناني تلك الشروط، بنسبة قاربت 65%. وظهر أن اليونان تسير نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وسوف توقف سداد فؤائد ديونها، وطالب بعضهم في الحزب بإلغاء الديون ومصادرة أموال الرأسمالية اليونانية التي تسببت في مراكمة تلك الديون، وهي من استفاد منها. لكن الحزب لم يأخذ في الاعتبار رفض الشعب، حيث قدّم “خطة جديدة” وافقت دول الاتحاد الأوروبي عليها. تنص على زيادة عائدات الضرائب وترشيد رواتب التقاعد وتحرير سوق العمل. وما اعتبر رئيس الوزراء، سيبراس، أنه انجاز هو تجنيب نقل الأصول اليونانية إلى الخارج، وانهيار النظام البنكي فقط. وما “تحقق” هو إعادة جدولة الديون من دون تخفيضها، بمعنى أن ما تحقق في الاتفاق الجديد هو “تحسين جزئي” في الشروط من دون المسّ بها.
وبالتالي، نفهم هنا لماذا استقال وزير المالية، المشاغب الأكبر، ضد الدائنين والاتحاد الأوروبي، عقب التصويت بلا على الشروط الأوروبية، حيث فهم أن الـ لا هذه تنفيس لرفض الشعب من أجل الوصول إلى اتفاق، وليس من أجل رفض الشروط والتصميم على رفض سياسة التقشف، وكل شرود الدائنين، حتى وإنْ قاد ذلك إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، والعودة إلى العملة اليونانية، الدراخما. ولا شك في أن ما جرى يعني أن الحزب الذي ظهر تجديداً لليسار، وبديلاً عن الأحزاب اليسارية، سوف يعاني من موته الآن، بسرعة لا مثيل لها. ولسوف يفقد شعبيته كذلك بسرعة لا مثيل لها. ومن ثم يتحوّل إلى أداة جديدة بيد الرأسماليتين، اليونانية والأوروبية.
طبعاً، كان واضحاً أن الحزب الذي تشكّل “على عجل”، وانطلاقاً من سياسة “رفضية” (رفض سياسة التقشف وشروط الدائنين)، يضم تيارات متعددة، بعضها جذري، وبعضها نقابي مطلبي، لكن بعضها إصلاحي بكل معنى الكلمة. وكان يشار إلى سيبراس الذي أتى من صفوف الحزب الشيوعي ممثلاً لهذا التيار الإصلاحي الذي من السهل عليه التحوّل إلى الليبرالية، كما أوضحت تجارب “التجديد” التي يطرحها شيوعيون سابقون. حيث تشرّب هؤلاء فكرة أن زمن تجاوز الرأسمالية لم يحن بعد، وأن بلداً وحيداً لا يستطيع الانتقال إلى الاشتراكية. وبالتالي، ليس من الممكن سوى تحسين في بنية الرأسمالية باتجاه “عدالة ما تشمل الفئات الأفقر، و”تشذيب” في التكوين الاقتصادي، يراعي عدم رمي الشعب في الفقر بسرعة. فالنمط الرأسمالي ما زال قائماً، لن يكون ممكناً تجاوزه الآن، بالتالي، الهدف هو “تحسين” الأوضاع بشكل ما.
لهذا أظهر سيبراس “منجزاته” بأن أشار إلى تجاوز بيع أصول يونانية (بعض الجزر) للدائنين، وأنه منع انهيار النظام البنكي، بالعودة إلى المديونية، لكي تنهب البنوك وتستقر. على الرغم من أن الحل يفرض انهيار النظام البنكي، مع إعادة تأسيسه على أسس جديدة، بعيدة عن سيطرة الطغم المالية الأوروبية (الفرنسية الألمانية)، من خلال الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو.
سوف تدفع هذه الخطوة إلى تفكك حزب اليسار. لكن، أيضاً إلى تصاعد الحراك الشعبي، بالضبط لأن الشعب لم ينتخب سيريزا من أجل ذلك، بل من أجل إنهاء سياسة التقشف. بالتالي، نحن في بداية طريق من الصراع الذي يفرض تأسيس يسار آخر، جذري، ومعني بتجاوز الرأسمالية، هذه المسألة التي ما زالت تخيف “اليسار القديم”، وأطرافاً في اليسار الذي يتشكّل “على عجل”. والشباب اليساري الذي كان في صلب تجربة حزب سيريزا يمكن أن يكونوا هم أساس ذلك.

المصدر: العربي الجديد

المديونية كتوظيف مالي

ينظر إلى عملية الاقتراض، سواء من صندوق النقد الدولي أو من البنوك الدولية، على أنها حل لمشكلات داخلية تتعلق بعجز الموازنة، حيث تكون مصروفات الدولة أكبر من وارداتها لأسباب مختلفة، منها ما يعاد إلى “فشل القطاع العام”، والضمان الاجتماعي ومجانية التعليم، وتحمُّل الدولة فروقات الأسعار في سلع أساسية بين سعرها العالمي وما يناسب الأجر المحلي. كل ذلك حسب ما تكرر في خطاب صندوق النقد الدولي الذي يضغط من أجل فرض الخصخصة.

ولهذا يظهر الأمر وكأن عبئاً ملقى على الدولة فرض ذلك، لهذا يجب أن يُزالَ العبء عبر الخصخصة وتخلي الدولة عن التزاماتها تجاه الطبقات الشعبية. ولحين تحقيق ذلك تأتي “اليد الحنون” لكي تساعد الدولة على إعادة الهيكلة عبر تقديم قروض مالية “سخية”.

هكذا يظهر الأمر في البروباغاندا، وهكذا يروج مفكرو الليبرالية الجديدة. لكن سيبدو الأمر غير ذلك تماماً فيما إذا درسنا عوائد القروض، وكيف أن القرض يتراكم ويكبر رغم دفع المستحقات السنوية (فوائد الديون). وإذا جرى جمع الفوائد التي دُفعت وحدها سنجد أنها أكبر من الدين ذاته. هنا نلمس عملية مزدوجة في تحقيق الربح، حيث تكون الفوائد شكلاً له، ويكون تراكم الدين شكله الآخر. هذا الشكل الأخير يتحقق عبر الاستدانة من أجل تسديد فوائد الديون، وهكذا….

اقرأ أيضا: الديون في الدول العربية: اقتصادات برسم البيع

وبالتالي سنلمس هنا أن نسبة الربحية في توظيف الديون ستكون أعلى بما لا يقاس عن نسبة الربحية في الصناعة أو حتى التجارة والخدمات. لهذا فالديون توظيف جيد ومضمون، ويحقق عبر ذلك وضعاً اقتصادياً يسمح بنشاط استثماري مربح كذلك.

مثلاً، لنأخذ وضع مصر، حيث كانت القيمة الفعلية للقطاع العام في ثمانينيات القرن العشرين تبلغ 360 مليار دولار، وكان قد بدأ الشغل على “الانفتاح الاقتصادي” وبيع القطاع العام، كما بدأت عملية “التصحيح الهيكلي” (هذا هو الاسم “العلمي” لشروط صندوق النقد الدولي)، وأصبحت الدولة بحاجة إلى الديون لتجاوز عجز الميزانية، لتتراكم وتصبح (دون احتساب ما جرى التنازل عنه نتيجة حرب الخليج الأولى) ما يقارب الـ 50 مليار دولار مديونية تسدد أقساطها سنوياً. وكانت قيمة القطاع العام قد تبخرت، حيث كان يباع بحجة تسديد فوائد الديون. ومن ثم كانت تجري الاستدانة من جديد.

إلى أين ذهبت قيمة القطاع العام؟ إلى “رجال الأعمال الجدد” من طرف، والمقرضين والشركات التي وظفت “في السليم” من جهة أخرى. هذا يعني أن الخصخصة لم تكن حلاً لمشكلة بل فاتحة لنهب، حقق الدائنون أرباحاً طائلة منه. هذه هي عملية النهب التي ترافقت مع “الليبرالية المتوحشة”.

بالتالي يجب النظر إلى الديون على أنها توظيف رأسمالي وليست مساعدة، وأنها تحقق أرباحاً طائلة إضافة إلى أنها تفرض تغيير البنية الاقتصادية لمصلحة خصخصة شاملة، وتحكّم الطغم المالية بالاقتصاد المحلي، وبالتالي نهب هذه الطغم عبر التوظيف في مجالات أخرى بعد التسهيلات التي تُفرض على الدولة، والتي بدورها تحقق أرباحاً طائلة كذلك.

من هذا المنظور لا بد من التعامل مع الديون على أنها وسيلة نهب، وأنها حققت أرباحا أعلى من قيمتها، وبالتالي لا يتعلق الأمر بسداد الديون، بل بإلغائها بعدما فرضت فتح الاقتصاد للنهب. الأمر هنا يتعلق بحق طبيعي بإلغاء الديون، وحق المطالبة بالتعويض عن الخسائر التي حدثت من جرّاء نهب طويل تحقق عبرها.

اليونان تعاني اليوم من أزمة المديونية، وتسير نحو الإفلاس أو تخضع لشروط صندوق النقد الدولي والمصارف الأوروبية، وضغوط الاتحاد الأوروبي. ولقد فُرضت عليها سياسة تقشف قاسية رفضها الشعب، ولم يبقَ سوى إلغاء الديون، وإعادة بناء الاقتصاد بعيداً عن سيطرة الطغم الإمبريالية.

إسبانيا تعيش الأزمة ذاتها، وكذلك إيطاليا، وبلدان شرق أوروبا. كما تعيشها البلدان العربية، وكانت من أسباب امتصاص الفائض وتصديره إلى المراكز، وبالتالي إفقار الشعب.
ما يجب أن يتصدّر الصراع ضد الرأسمالية هو مسألة إلغاء الديون، واعتبار ذلك الحل الوحيد لهذا التوظيف المالي، الذي حقق أرباحاً هائلة للطغم المالية.

المصدر:  العربي الجديد

أزمة اليونان ومصير الرأسمالية

صوت اليونانيون على رفض الشروط التي وضعها الدائنون لاستمرار تقديم القروض، ولا شك أن هذه الخطوة تفتح على وضع جديد قد يؤدي إلى “أزمة عالمية”.

فقد راكمت اليونان ديونا وصلت سنة 2010 إلى 177% قياسا على الناتج القومي، مما يعني أنها باتت على حافة الإفلاس، حيث لم تعد الدولة قادرة على سداد فوائد الديون المتراكمة، وبالتالي باتت بحاجة إلى مساعدة من أجل تجاوز أزمتها.

أدى هذا الأمر إلى قبول صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنوك الدائنة سنة 2012 بتقديم قروض جديدة لتجاوز الأزمة، لكنها فرضت على اليونان (كما فرضت على إسبانيا) سياسة تقشف شديدة لكي تضمن قدرة الدولة على السداد.

“سياسة التقشف التي فرضها الدائنون أفضت إلى تصاعد الاحتجاجات، وإلى نشوء “ميل يساري” جارف تبلور في توحيد نقابات ومجموعات يسارية مختلفة المشارب، وشباب يساري في حزب سيريزا، الذي خاض الصراع ضد سياسة التقشف”

هذه السياسة التي مورست منذ تلك السنة فرضت انخفاضا شديدا في الوضع المعيشي لطبقات متعددة من العمال والفلاحين والفئات الوسطى وغيرها، ربما وحدها البرجوازية اليونانية لم تتأثر بالأمر.

ولا شك في أن انفجار الأزمة المالية العالمية (والأميركية خصوصا) في سبتمبر/أيلول سنة 2008 قد انعكس على اليونان، فزادت الأزمة في صعوبات الاقتصاد. ولهذا شهدنا تحرّكا عماليا ومن طبقات شعبية قد بدأ سنة 2010 قبيل الثورات العربية، لكنه لم يتطور إلى ثورة.

لكن سياسة التقشف التي فرضها الدائنون أفضت إلى تصاعد الاحتجاجات، وإلى نشوء “ميل يساري” جارف تبلور في توحيد نقابات ومجموعات يسارية مختلفة المشارب، وشباب يساري في حزب سيريزا، الذي خاض الصراع ضد سياسة التقشف. ومن ثم وصل إلى السلطة، وطرح على الاستفتاء شروط الدائنين، لتكون النتيجة هي لا.

التوظيف في المديونية
لم يكن تراكم المديونية على اليونان صدفة، حيث أصبحت المديونية توظيفا رأسماليا، رغم أنه يُطرح حلا لأزمة تعيشها الدول تتعلق بالعجز في الموازنة.

ولا شك أن اليونان كانت تعيش وضعا اقتصاديا صعبا قبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وبعد الحصول على المعايير التي تحددت لهذا الأمر، ولذا ظهر أن الحكومة اليونانية قد “زورت” في الأرقام لكي تحصل على الموافقة على انضمامها، وأيضا يمكن القول إن تواطؤا أوروبيا قد حصل.

ولكن الانضمام نفسه زاد في أزمة اليونان، حيث رفع مستوى المعيشة لكي يوازي الوضع الأوروبي، دون أن ترتفع الأجور بالمستوى ذاته. خصوصا مع سياسة الخصخصة التي جرت، واللبرلة التي عممت بشكل كبير. وزاد هذا الأمر من نسبة الاستدانة، الذي ارتفع إلى مستوى هدد بإفلاس الدولة بعد أن باتت عاجزة عن سداد فوائد ديونها. كل ذلك ضمن “لعبة” ضغطت الطغم المالية لكي تتحقق بالتعاون مع البرجوازية اليونانية.

إن مسألة الاستدانة يجب عدم النظر إليها من زاوية الحاجة الداخلية، حيث يجري عادة تضخيم هذا الأمر لتبرير الاستدانة، بل نتيجة حاجة الطغم المالية إلى التوظيف بعد أن أُشبعت إمكانات التوظيف في الاقتصاد الحقيقي، وبالتالي حدوث تراكم مالي هائل في البنوك والمؤسسات المالية يحتاج إلى تحريك كي لا يتآكل نتيجة التضخم.

وكانت مسألة الديون واحدة من أشكال التوظيف التي حققت أرباحا هائلة، وأوقعت الكثير من دول العالم في مأزق، جعلها تقبل بكل الشروط التي يتصدى لطرحها عادة صندوق النقد الدولي الممثل لتلك الطغم المالية، حيث لا تعود الدولة قادرة على سداد فوائد الديون وليس فقط الديون ذاتها التي تتراكم بشكل متسارع. ولهذا يمكن القول إن ما جرى في اليونان، وكثير من البلدان الأخرى، هو عملية نهب بالتشارك مع البرجوازية المحلية وتسهيلها.

والحل حسبما تطرح الطغم المالية هو فرض التقشف على الشعب من أجل نهب المجتمع كي تظل الأرباح تتراكم لديها، فقد نهب “القطاع العام” عبر الخصخصة، وبيعت كثير من “البنية التحتية” التي كانت تعد جزءا من “الحق العام” (المواصلات والاتصالات والصحة والشواطئ وغيرها)، وأصبح مطلوبا تدمير “الوضع المعيشي” للطبقات الشعبية، من خلال تراجع الأجور، وزيادة الضرائب، وخصخصة ما كان “مباحا” (أو عاما).

“لا شك أن رفض سياسة التقشف، وبالتالي رفض شروط الدائنين، هو بداية لمسار يمكن أن تكون آثاره خطيرة على أوروبا وعلى الاقتصاد العالمي. فهذا الرفض يمكن أن يتطور إلى وقف تسديد فوائد الديون، وربما لخروج اليونان من الاتحاد الأوروبي”

التحول نحو اليسار
كان وضع الطبقات الشعبية اليونانية صعبا، خصوصا منذ الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008، لكنها ازدادت صعوبة بشكل لافت بعد فرض التقشف على ضوء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية المقرضة (وهي في الغالب بنوك فرنسية ألمانية) سنة 2012.

وإذا كانت الاحتجاجات قد تفجرت سنة 2010 فقد أخذت تتصاعد بعد الاتفاق، وأصبح واضحا أنه يجب مقاومة تلك السياسة التي تفرض التقشف، ورفض البرجوازية التي حكمت طويلا (سواء باسم اليمين أو اليسار)، وبالتالي تنحية “الطبقة السياسية” التي قادت إلى الكارثة.

لهذا تشكّل حزب سيريزا كتوحيد لمجموعات يسارية مناهضة للتقشف، ورافضة للشروط المملاة على اليونان من قبل الدائنين، وأصبح الحزب بسرعة قوة كبيرة نتيجة النقمة التي أخذت تتشكّل في الشارع اليوناني بسبب تلك السياسة التي زادت في إفقار فئات جديدة، وهددت بتحوّل وضع قطاع كبير من الشعب نحو العجز عن الحصول على المستوى القائم الآن.

وقد أدى هذا الأمر لأن يحصد حزب سيريزا الأصوات التي جعلته الحزب الذي يستحق تشكيل الحكومة، وتهميش الأحزاب القديمة، وإظهار ضعف سياسة الحزب الشيوعي الذي لم يحصل إلا على 6% من الأصوات. وبالتالي، رفض الشروط المملاة عبر الاستفتاء الذي جرى يوم 5/7/ 2015.

رفض سياسة التقشف
لا شك أن رفض سياسة التقشف، وبالتالي رفض شروط الدائنين، هو البداية لمسار يمكن أن تكون آثاره خطيرة على أوروبا وعلى الاقتصاد العالمي. حيث إن هذا الرفض يمكن أن يتطور إلى وقف تسديد فوائد الديون، وإذا ما رد الدائنون بطريقة متشددة فإن الأمر سوف يقود إلى خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي يعني فقدان الديون نفسها.

هذا احتمال خطير، لأنه يعني احتمال انهيار بنوك أساسية في أوروبا (فرنسية وألمانية)، الأمر الذي سينعكس على مجمل الاقتصاد العالمي، والأميركي خصوصا، مما قد يؤدي إلى أزمة مالية جديدة تهزّ الاقتصاد العالمي. فقد أصبحت البنوك هي نقطة ضعف النمط الرأسمالي، وباتت بحاجة إلى دعم الدول، وهو الأمر الذي يراكم المديونية على الدول المركزية ذاتها، أي أميركا وفرنسا وألمانيا.
وهي في حالة أميركا وصلت إلى حد مرتفع جدا عن السقف، وباتت تتجاوز الناتج القومي. لكن نجاح الشعب اليوناني في رفض الشروط سوف يسمح بتمدد الحالة اليونانية إلى بلدان أخرى تعاني المشكلات نفسها، خصوصا هنا إسبانيا التي تنتظر نجاح حركة بديموس في الانتخابات نهاية السنة، وربما يحدث الأمر نفسه في إيطاليا والبرتغال وبعض بلدان أوروبا الشرقية. حيث إن “حالة التمرّد” اليونانية سوف تشجّع الشعوب الأخرى على التمرّد. وهو الأمر الذي يعني زيادة الأخطار على الطغم المالية الأوروبية، وعلى مجمل الاقتصاد الأوروبي، وعلى الاتحاد الأوروبي الذي سيجد أنه آخذ في التفكك بعد أن نهبت الرأسمالية الألمانية بلدانه. وبالتالي على مجمل الاقتصاد الرأسمالي كما أشرنا.

لهذا ستكون العلاقة بين اليونان والدائنين حساسة، ولا تسمح بتهوّر من قبل هؤلاء، بل يمكن أن تسير الأمور ليس نحو التصعيد بل نحو المناورة “طويلة الأمد” نسبيا. والمراهنة هنا ستكون على تفكك حزب سيريزا نفسه. ولكن ربما تفلت الأمور مع تصاعد الضغوط الشعبية الداخلية بما يفرض على حزب سيريزا التشدد بدل القبول بحل “وسط”.

“ربما تشير استقالة وزير المالية، الذي كان يعتبر الشخص الأكثر تشددا ضد الدائنين، بعد التصويت بـ(لا) على شروط الدائنين، إلى أن الحكومة الجديدة لا تريد الذهاب إلى النهاية في الصراع مع الدائنين، بل تريد تعديل شروط التقشف فقط”

وضع حزب سيريزا
ربما تشير استقالة وزير المالية، الذي كان يعد الشخص الأكثر تشددا ضد الدائنين، بعد التصويت بلا على شروط الدائنين، إلى أن الحكومة الجديدة لا تريد الذهاب إلى النهاية في الصراع مع الدائنين، بل تريد تعديل شروط التقشف فقط. وأعتقد أن ذلك صحيح بشكل ما، حيث إن الحزب الذي قام على سياسة رفضية (أي رفض سياسة التقشف) يحوي تيارات متعددة، بعضها إصلاحي وبعضها متشدد.

فهناك في الحزب من يريد ليس إلغاء الديون فقط بل كذلك مصادرة أموال البرجوازية اليونانية التي كانت وحدها المستفيدة من الديون المتراكمة على اليونان. لكن في المقابل هناك من لا يريد الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولا القطع مع الدائنين، بل يريد تخفيف آثار سياسة التقشف على الشعب. ومن هؤلاء رئيس الوزراء نفسه.

بالتالي فإن “لا” التي نتجت عن الاستفتاء لا تعني نهاية الأمر، بل تعني العودة للمناورة مع الدائنين من أجل شروط أفضل. وفي هذه المعادلة سوف يدخل الحزب نتيجة الميل الإصلاحي الذي سوف يفرض نفسه، في تمزقات وانشقاقات، تضعف الحزب كقوة تقاوم سياسة التقشف، وتدفع إلى إعادة صياغة الحكومة بتحالفات جديدة أقل رفضا لتلك السياسة.

ورغم أن ذلك سوف يقود إلى الاتفاق مع الدائنين بشروط “أفضل”، لكنها في الواقع هي نفسها، بحيث لن تلغي تأثيرها على الشعب الذي دخل في حالة من انهيار وضعه المعيشي وفقدانه للحقوق التي تحصّل عليها في السابق، وهو أمر خطير، ولكنه لن يوقف الاندفاع الشعبي نحو اليسار، حيث إن انهيار الوضع المعيشي مع استمرار سياسة التقشف -حتى وإن كانت مخففة- سوف يعزز الميل نحو اليسار، ويدفع نحو التجذير وليس تكيف الشعب مع الأمر الواقع.

في كل الأحوال سوف يؤدي ما حدث في اليونان إلى زيادة تمرّد شعوب أخرى، لكن كذلك إلى تجذّر الصراع في اليونان وفرز القوى أكثر.

لقد مال الشعب اليوناني نحو اليسار، وسوف يتعمق هذا الميل مع زيادة صعوبة وضعه المعيشي. وإذا كان حزب سيريزا لا يمثّل يسارا جذريا الآن فإن تطور الصراع سوف يقود إلى ذلك.

المصدر: الجزيرة

أميركا مع مَنْ في سورية؟

تشير آخر التصريحات الأميركية إلى رفض واشنطن المنطقة العازلة في الشمال السوري، وهو المقترح الذي تطرحه تركيا. وقبلها قررت تدريب “مقاتلين معتدلين” من المعارضة السورية، فقط للحرب ضد داعش، وطلبت ممن وافق على التدريب أن يوقع رسمياً أن مهمته تتمثل في ذلك فقط، ولا علاقة له بالصراع ضد السلطة.
يطرح هذا سؤالاً عن طبيعة موقف الولايات المتحدة من النظام السوري، ومن الصراع في سورية. هل تسعى إلى “إسقاط النظام”، وافتعلت كل هذه “المؤامرة” من أجل ذلك، كما يشير الخطاب الممانع وخطاب النظام نفسه، أم أنها في مكان آخر يظهر الآن واضحاً؟
لم يكن لدى السلطة، واليسار الممانع خلفها، سوى أن يدعيا أن الثورة من فعل “مؤامرة إمبريالية” ضد سورية، “الدولة الممانعة والتي تدعم المقاومة” و”الدولة التنموية التي أبت الانخراط في النمط الرأسمالي”. لم يكن لديها غير هذا الخطاب، على الرغم من أن الموقف الأميركي منذ البدء كان “باهتاً”، ومتردداً. وفي الواقع، عمل على كبح كل محاولة للتدخل من دول إقليمية، وموّه على المعارضة وضللها، وشوش على الثورة عن قصد. فقد رفض تدخل “الناتو” حين طَرحته تركيا وفرنسا، وماطل لكي لا يتحقق التدخل، ونجح. وكان واضحاً أنه يقرر، على الأقل منذ بداية سنة 2012، أن سورية من حصة روسيا في عملية تقاسم عالمي بين إمبرياليات تجري، خصوصاً هنا بين أميركا وروسيا. ومن ثم عملت على تحوير وضع معارضة الخارج لكي تقبل بجنيف1 أساساً للحل، بعد تهميش سيطرة الإخوان المسلمين فيها. وعلى الرغم من أنها دعمت “الإخوان” في دول أخرى، فهي لم تدعمهم في سورية، لأنها لم تكن تفكّر في ترتيب الوضع السوري، أصلاً، بعد أن “انسحبت” من “الشرق الأوسط” الصغير.
وظهر الأمر في منع إيصال سلاح “نوعي” إلى الكتائب المقاتلة، ربما فلت الأمر في الفترة الأخيرة، وجزئياً فقط، لأن منع إيصال مضادات طيران ما زال قائماً، وهو السلاح الأكثر ضرورة لهزيمة السلطة لشلّ قوتها الجوية التي تفرض واشنطن منع انهيارها. وما زالت تمنع تركيا من أن تتدخل مباشرة، وتتقصد إحراجها والضغط عليها.
لهذا، حينما كان يقال إن أميركا تتلطى خلف الفيتو الروسي، حينما كانت موسكو تتشدد لمنع استصدار أي قرار يدين النظام السوري، كانت تتحجج به، لكي لا تظهر موقفها واضحاً، في وضع كانت تريد اللعب فيه على المعارضة خصوصاً، والسماح بالقول إن أميركا مع سقوط بشار. وما يجري الآن من تحويل للصراع من صراع ثورة ضد النظام إلى “حرب ضد داعش” يوضح الهدف الأميركي. باتت تتدخل في سورية من دون أن يعترض الممانعون ولا النظام. على العكس، يجري التأكيد على أولوية الحرب ضد داعش وعلى التنسيق. وهي تفعل ذلك، بالضبط، لأن أولويتها هي أولوية السلطة نفسها، أي سحق الثورة. بعد الثورات العربية لم تعد أولويات أميركا نفسها التي كانت قبلاً (تغيرت أصلاً بعد نجاح أوباما)، فقد أصبح سحق الثورات الهدف الأساس، لأنها تعي أن العالم الرأسمالي في أزمة عميقة لم تحلّ ولن تحل، وبالتالي، سيعني امتداد الثورات، من تونس إلى سورية، مروراً بكل الدول الأخرى، امتدادها إلى العالم. وإذا كانت قد اشتغلت على تدمير فكرة الثورة، منذ نشر خطاب العولمة، فقد أصبحت معنية بعد انفجارها على تدميرها فعلياً، وتشويهها لكي يتكرّس تدمير الفكرة، على أساس أن ذلك سينهي الثورات في عالم بات مختزناً بالثورة.
لا شك أن الممانعين كانوا يضحكون في سرهم، لأنه ظهر أن أميركا في صفهم، وليس في صف الثورة (يعرفون جيداً أنها ليست مؤامرة)، في وضع يشعرون به أن نظامهم في دمشق يسقط، ربما لولا أن أوباما خرج، أخيراً، ليقول بحكومة سورية موحدة لقتال داعش من دون بشار الأسد.

المصدر: العربي الجديد