Monthly Archives: مايو 2013

النشاط العفوي وأهمية التنظيم

النشاط العفوي وأهمية التنظيم
إن التأكيد على أن سمة النشاط العفوي هي السمة البارزة في النشاط الثوري في الوطن العربي يدعو إلى التأكيد على أهمية البحث في قضية التنظيم. وإذا كان إدخال الوعي الثوري عاملاً هاماً في تجاوز النشاط العفوي، والارتقاء به إلى مستوى العمل الثوري ذي الاستراتيجية الواضحة، والطبقة التي تعي مصالحها، فإن قضية التنظيم هي العامل الثاني المرادف، حيث إنه من الضروري أن يأخذ الوعي الثوري قنواته المنظمة، التي تسهم في خلق حالة ثورية تتسم بالوعي والتنظيم، تستطيع أن تعمق من أزمة الفئات الحاكمة، وتقود إلى انهيارها.
إن تأسيس تنظيم ثوري، سري، ومكافح، هي قضية هامة إلى الحد الذي يضعها في أولويات العمل الثوري. فلا ثورة دون تنظيم ثوري، كما لا تنظيم ثوري دون وعي ثوري.

النشاط العفوي وأهمية التنظيم

Advertisements

عن التدخل في سورية ملاحظات على ملاحظات

يثير الوضع السوري تساؤلات بلا شك، ويطرح الأسئلة، وأيضاً يفضي إلى التشوش. لهذا لا بد من توضيحات مستمرة. فقد أبدى الأستاذ حامد حموي عباس ملاحظات على مقال لي حول التدخل الدولي في سورية (حقيقة التدخل الدولي في سورية ( مداخلة مع الاستاذ سلامة كيلة ) حامد حمودي عباس ،الحوار المتمدن-العدد: 4105 – 2013 / 5 / 27). والملاحظات مبنية على “تقسيم المحاور” كما كان قبل سنوات، دون ملاحظة التغيرات التي طرأت على العالم خلال السنتين الأخيرتين.

وإذا كان الأستاذ حامد لم يجد ما يريد في المقال، فربما يجد ما يريد في مقالات اخرى، لكن أرى أن النقد الذي وجهه لي ينطلق من “التقسيم التقليدي” للمحاور في المنطقة، أي إيران، حزب الله، العراق من جهة، وأميركا، إسرائيل وحلفاؤهما في الخليج العربي من جهة أخرى، “ضمن صراع دولي وإقليمي يراد من نتائجه ان تكون لصالح احدى الجبهتين في نهاية الأمر”. لهذا فالمعركة بالنسبة لحزب الله هي معركة مصير. ولهذا فهو يرى أن تدخل إيران وحزب الله في العراق أمر طبيعي لأنه من غير المعقول أن يجد حزب الله أميركا بديلاً في سورية.
وهو يعيد إلى مرحلة “أرسخ”، حيث يقوم الصراع السلفي ضد المد الشيعي.

لكن يمكن أن أبدي هنا ملاحظات على ما قاله، ينطلق من فهم مختلف للوضع العالمي وواقع الصراع. فأولاً يجب أن نلاحظ بأن الصراع الراهن ليس امتداد للصراع السابق، ولا علاقة له بالسلفية والتشيع، أو بالمحاور التي كانت قائمة قبلاً. فقطر كانت “زعيمة الممانعة” وفي تحالف وثيق مع النظامين في سورية وإيران. وتركيا كانت في حلف إستراتيجي مع النظام السوري وفي علاقة جيدة مع إيران. بالتالي لا بد من فهم مختلف لواقع الاصطفافات الجديدة لا يتأسس على الاصطفافات السابقة.

وثانياً لا يمكن أن نبقى نردد ما كان يقال عن دور أميركا خلال العقود السابقة، ليس لأنها لم تعد إمبريالية، بل لأنها لم تعد قادرة على الفعل كما كانت، فهي متأزمة إلى حد الانكفاء. وبالتالي فإن دعمها للموقف الروسي في سورية ليس نابعاً من خوف من حزب الله والحوثيين وإيران، هذه نظرة قاصرة جداً، بل نتيجة أزمتها العامة التي فرضت عليها التقاسم مع روسيا، ومن ثم التخلي عن الطموح في سورية (وهذا لم يأت الآن، بل كان واضحاً منذ بدء الثورة السورية، أو على الأقل بعد اشهر قليلة منها) ودعم الهنب الروسي لسورية. لا الحوثيين من يخيف، ولا حزب الله الذي يتعرض لأقسى الضربات في القصير (ربما مع الأسف)، ولا إيران. المسألة أكبر من ذلك وأهم بالنسبة لأميركا: وضعها الاقتصادي وأزمتها التي لم تستطع تجاوزها.

لهذا فإن كل الكلام عن “ان المحرك الرئيسي للصراع الدائر في سوريا حاليا هو من نتائج السياسة الامريكية والتي بدأتها في العراق ، ثم رعت بعدها عملية خلق الأسباب الداعية لما سمي بالربيع العربي ، وكل ذلك الهدف منه هو مقاومة المد الشيعي في المنطقة ، الأمر الذي خلق تحالفا سنيا عريضا دخلت فيه القاعدة كطرف دخيل عملا بمبدأ ( عدو عدوي صديقي )” لا معنى له، وهو من مخلفات الفهم الماضي للصراع العالمي. أميركا الآن ليست فاعلاً في الصراع السوري، وما تقوم به الآن هو الضغط على “حلفائها” للقبول بالحل الروسي. وأن أكثر الدول التي تدخلت هي قطر (الحليف السابق للنظام) وتركيا (أيضاً الحليف السابق للنظام) وفرنسا التي كانت تجهد منذ زمن لإيجاد موطئ قدم في سورية. ومن ثم السعودية التي دعمت النظام بشكل مباشر، وبأشكال غير مباشرة، لأن أولويتها لا الصراع السني الشيعي ولا الممانعة والتحالف مع إيران بل كيف تواجه الزحف الثوري الذي بدأ من تونس وتوسّع بسرعة شديدة إلى كل البلدان المحيطة بها (اليمن والبحرين وسورية، وجزئياً الأردن والعراق).

أميركا بالتالي كانت تراقب من بعيد (كما كتبت منذ أكثر من سنة)، ولقد “باعت” سورية لروسيا منذئذ. وكان ضعفها يجعل تركيا تتحالف مع نظام تفرض كل أشكال الحصار عليه سابقاً، هو النظام السوري. وتجعل قطر تسير نحو التحالف مع فرنسا، وتزيد من استثماراتها في أوروبا. وأيضاً تجعل السعودية تتعامل بما يناسب وضعها هي. أما حين تدخلت أميركا فها هي تفرض على “حلفائها” القبول بما لا يريدون: الحل الروسي، وسيطرة روسيا على سورية.

أخيراً، لا أريد أن أذكّر بأن في سورية ثورة، وشعب يريد التحرر من سلطة مستبدة ناهبة. بالتالي فإن أولوية المواقف تنطلق من هنا وليس من أي مكان آخر. من هذا المنظور ستكون الثورة ضد النظام وحلفاء النظام، وكل القوى التي تريد تدمير الثورة أو استغلالها من أجل فرض سلطة تابعة، سواء لقطر وتركيا وفرنسا أو لروسيا وإيران.

كل هؤلاء يخوضون صراعاً من أجل تقاسم السيطرة والنفوذ. وبالتالي فهم ضد الثورة بكا صراعاتهم “الطائفية” أو السياسية أو أي شكل آخر. الأساس هو أن الشعب يخوض ثورة من أجل التغيير، وكل من يقف مع النظام أو يلعب من أجل مصالح ضيقة، أو يخرّب لكي لا تنتصر الثورة، هو عدو الشعب السوري.

المصدر: الحوار المتمدن

وضع المعارضة في سياق الحل الروسي

98fa0331-537f-43dc-87a3-7a0eef1d0f25

الإعلان عن عقد “جنيف2” أوجد تحركات دولية متعددة ومتتالية، لكن الأنظار ظلت متجهة إلى المعارضة السورية، حيث يجب تحديد مشاركة أطيافها كطرف مقابل لوفد السلطة الذي قال الروس إن أسماءه قد تحددت وأرسلت لهم. وإذا كان الطرفان الروسي والأميركي ينشطان من أجل عقد المؤتمر عبر ترتيب “صفوف” السلطة والمعارضة، فإن الحراك داخل المعارضة ذاتها بات واضحاً، والإرباك أضحى كبيراً فيما يتعلق أولاً بمبدأ المشاركة أو عدمها، وثانيا بالحد الأدنى الذي يمكن على أساسه المشاركة؟

وهنا نلمس أن الموقف من بقاء بشار الأسد يعلو قليلاً ويتلاشى، لأنه هو المدخل لكل حل، وهو الأدنى الممكن من أجل الوصول إلى حل يمكن أن يلقى قبولاً من القوى المسلحة أو من الثوار عموماً.

في الأشهر الماضية كان وضع المعارضة ما زال يشير إلى وجود “مركزين” فقط، رغم أن كثيرا من المجموعات والتحالفات والتجمعات قد تشكّل. وظهر أن المركزين يميلان في إطار العلاقات الدولية إلى محورين متناقضين: روسيا/إيران، و”الغرب” الذي يعتبر بديهياً أنه يشمل أميركا وأوروبا وتركيا.

لقد رتبت هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي علاقاتها مع روسيا والصين وإيران، وباتت تراهن على الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الدول من أجل إيجاد “حل سلمي” أو “تفاوضي”، بعدما راهنت طويلاً على “استيقاظ” السلطة من “غفوتها”، ثم على مبادرة الجامعة العربية، ومن ثم على الموفد العربي الدولي (كوفي أنان ثم الأخضر الإبراهيمي)، لكنها وجدت في الروس أخيراً الطريق الممكن لتحقيق “الانتقال السلمي الديمقراطي”. ويبدو الآن أن الطريق بات جاهزاً لذلك، ولهذا ترى قيادات الهيئة أن خيارها كان الأسلم، وأنه أوصل إلى نتيجة كان يمكن الوصول إليها دون كل هذه الدماء.

في المقابل ولد المجلس الوطني بدعم من تركيا وفرنسا. وهو المحور الذي كان يبدو أنه حريص على أن يأتي إلى السلطة بقوى “تمثله”، فتركيا لها مصالح هائلة في سوريا تحققت بعد توقيع الاتفاق الإستراتيجي مع بشار الأسد، وهي تريد أن تحافظ على مصالحها بالطبع. وفرنسا التي ظلت تحاول منذ تسعينيات القرن الماضي أن تجد موطئ قدم لها في سوريا وفشلت (مع شيراك ثم مع ساركوزي)، عادت تحلم بأن يصبح لها مصالح تريدها (ولا ننسى أن فرنسا شيراك هي التي رعت وصول بشار الأسد إلى السلطة، ورعت عملية الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الإداري، قبل أن تكتشف أن كل ذلك لا يجعلها بديلاً عن الهوى الأميركي لدى النخبة الجديدة).

ولهذا بات المجلس مدعوماً من هؤلاء، وجرى العمل من قبلهم لكي يصبح هو “الممثل الشرعي الوحيد” للثورة والشعب. لكن يبدو أن الفيتو الأميركي (المخفي حينها) كان يمنع تحقيق هذه النقلة التي كانت تفترض الانتقال إلى مرحلة التدخل العسكري لفرض المجلس سلطة بديلة، وحيث كان واضحاً أن أميركا ليست في وارد التدخل إطلاقاً، وتبيّن فيما بعد أن لها سياسة أخرى في سوريا خصوصاً. ولهذا تعثر المجلس الوطني، ودخل في متاهات الوعود الدولية دون أن يكسب شيئاً، لكنه ظل مرتبطا بهذا المحور رغم ذلك.

وكان واضحاً منذ البداية أن الإخوان المسلمين هم الذين يمسكون بكل مفاصل المجلس، فهم من صانعيه بحجمهم أصلاً (وإنْ بالتعاون مع إعلان دمشق وبعض الليبراليين الهامشيين)، وظلوا يتحكمون بسياسته بدعم من ذاك المحور. ولقد هيمنوا عليه مباشرة بعدما أصبح تشكيل الائتلاف الوطني حتمياً، حيث كانت الضغوط الدولية تفرض تجاوز المجلس، وتجاوز سياساته لمصلحة سياسة أخرى تريدها الولايات المتحدة.

هذا الائتلاف الذي ظهر من أجل “الدخول في الحوار مع السلطة” كما روّج المجلس الوطني، ظهر أنه قد فرض على المجلس أن يشارك فيه. وقد ظهرت آثار تلك الهيمنة المباشرة على المجلس لاحقاً كما سنرى. فقد كانت المسألة تتعلق منذئذ بترتيب وضع المعارضة الخارجية للمشاركة في حل ترعاه روسيا وأميركا، وهو ما لم يكن واضحاً حينها لكثير من المعارضين انطلاقاً من قناعة لديهم بأن الصراع الأميركي الروسي ما زال كما هو، وبالتالي فإن إمكانية التفاهم مستحيلة، وإن أميركا في صف المعارضة الخارجية وإنْ كانت غير متحمسة كثيراً لدعمها، وعرقلت أكثر من مشروع لتعزيز دورها، أو لزيادة الدعم السياسي و”العسكري” للمعارضة.
الدور الأميركي في تشكيل الائتلاف كان لافتاً، لكن تبيّن أن الإخوان سيطروا عليه أيضاً، لهذا حينما بدأ النشاط الأميركي من أجل تقدم الائتلاف نحو الحل عبر تقديم مبادرة “حسن نوايا” ظهر الفشل، حيث ظهر أن أغلبية في الائتلاف ترفض ذلك، فتقدم معاذ الخطيب بمبادرة باسمه فُرضت على الائتلاف فيما بعد (بشربكات مضافة إليها من أجل إفشالها)، وربما ما فرضها هو الشعور بأن جزءاً مهماً من “الجيش الحر” (أو الكتائب المسلحة) ومن الشارع، يدعمها.

لكن قام الإخوان بخطوة زادت في الإرباك حينما طرحوا تشكيل حكومة انتقالية (وكانوا قد رفضوا الفكرة من قبل)، وفرضوا التصويت على انتخاب رئيس لها، تبيّن أن الفائز منهم. لهذا استقال معاذ الخطيب من رئاسة الائتلاف، وأصدر خطباً نارية طالت من يرسل التكفيريين ومن يريد فرض قيادة على الثورة، وعن تقاعس الدول الغربية وكذبها، فأوضحت كل “البيئة” التي نشطت فيها هذه المعارضة.

الضغوط أعاقت تشكيل الحكومة وربما أفشلتها (وهذا هو الأرجح)، و”الدول الداعمة” جرى الضغط عليها أميركياً، أو ترتيب وضعها لكي تحصل مقابل خسائرها (تركيا خصوصاً)، وجرى العمل على “توسيع الائتلاف” بقوى “ديمقراطية” توازن ثقل الإخوان، ومن ثم دفعها في المسار التفاوضي، الأمر الذي يفرض أن يوافق الائتلاف على المشاركة، فقد قرر الروس والأميركيون الدعوة إلى مؤتمر “جنيف2” الشهر القادم (يونيو/حزيران)، وباتوا يدفعون لكي يتشكل وفد المعارضة الخارجية التي وضعت في زاوية ضيقة، لأنها إذا لم تشارك سيجري تشكيل تحالف جديد بدون الإخوان (وبعض أطراف المعارضة الأخرى الملتصقة بهم) يشارك في المؤتمر، وفي الوقت ذاته سينتهي الدعم لكل معارض لهذا المؤتمر، خصوصاً بعدما دعمه “أصدقاء سوريا” تحت الضغط الأميركي (أو في سياق الترتيب الأميركي لا فرق)، وبات واضحاً أن من يرفض سيُعزل.

لهذا فإن الحاضرين في إسطنبول لترتيب أمر الائتلاف هم في وضع حرج، لأن المسار قد تحدد من قبل “الحليفين” روسيا وأميركا القادرين على ضبط حركة المعارضة نتيجة تهافتها على الارتباط بهاتين الدولتين، خصوصاً هنا المجلس الوطني (الذي صار هو الائتلاف الوطني بعد السيطرة على هذا الأخير) الذي صمم منذ البدء على ربط المسألة السورية بالتدويل، وركّز كل نشاطه من أجل أن يستجلب التدخل “الخارجي” (الغربي أو الإمبريالي)، وتعاقد مع الدول الخاسرة في الصراع العالمي على بيع سوريا لها، قبل أن يكون واجهة قوى “دولية” تريد السيطرة على سوريا.

هيئة التنسيق كما أشرنا تبدو فرحة لأن حليفها هو الذي فاز بسوريا في إطار التقاسم العالمي. أظن أن ما تفكّر به هو أن المطلوب هو تحقيق حل “سلمي”، وتحقيق “الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية”. طبعاً الحل “السلمي” بات ممكناً ربما بعد كل هذه الوحشية التي مارستها السلطة، وهذا الدمار الذي حققته بكل جدارة. وربما نصل إلى شكل نظام “ديمقراطي”، لكن يجب أن لا ننسى أن من سيشارك في الحل، عليه أن يوقع على كل “العقود الاقتصادية” التي وقعها قبل أقل من سنة “الرفيق المناضل” قدري جميل، والتي تؤكد السيطرة الروسية على النفط والغاز، وتفتح السوق السورية للسلع الروسية والرأسمال الروسي، أي للنهب الروسي بالتحديد.
فإذا كان الخوف من السيطرة الإمبريالية الأميركية هو الذي دفع إلى التفاهم مع الروس، سنجد أن الروس أيضا قادمون لفرض سيطرة إمبريالية.

ما يمكن أن يستفاد منه موضوعياً هو أن الحل يستطيع أن يحقق الانتقال من هذا الشكل الدموي الوحشي لصراع السلطة مع الشعب، إلى شكل عليه ملامح الصراع الديمقراطي. لكن هذا يستلزم شطب الفئة التي مارست كل هذه الوحشية، وتأسيس دولة ديمقراطية، بينما سيبقى الشعب يخوض صراعه من أجل التغيير العميق الذي يحقق مطالبه.

من الواضح أن روسيا وأميركا تسيران الآن بسرعة نحو عقد المؤتمر، فاللقاءات تتسارع قبل انعقاد اللقاء بين كل من بوتين وأوباما الشهر القادم، والخطوات العملية تجري “بحيوية”، وكأننا على أبواب الوصول إلى حل.

المصدر: الجزيرة

المفكر كيلة لـ الشرق: أمريكا قدمت تنازلات مهمة لروسيا.. وتدعم رؤيتها للحل في سوريا

باريس – معن عاقل

تزداد الضغوط على المعارضة السورية المجتمعة في إسطنبول منذ عدة أيام، بينما تدور النقاشات والخلافات بين أطرافها في مستويين الأول هو توحيد المعارضة وتوسيع الائتلاف وانتخاب رئيس جديد له، أما الثاني فهو قرار المشاركة في مؤتمر جنيف الذي يخشى كثير من المعارضين حضوره دون أي ضمانات برحيل الأسد وتحقيق طموحات الشعب السوري، ويلعب حلفاء المعارضة الغربيون والعرب دوراً مهماً في هذه الاجتماعات كما سربت بعض الأوساط من إسطنبول للقبول بجنيف 2 كخيار وحيد لحل الأزمة السورية سياسياً.

وأكد المفكر والكاتب اليساري سلامة كيلة لـ«الشرق» أن الصراع داخل الائتلاف الوطني السوري يدور حول قرار الذهاب إلى جنيف2، وأن هناك أطرافاً داخل الائتلاف تعاني التهميش من قيادته التي تسيطر على القرار السياسي داخل الائتلاف، مشيراً إلى أن المجلس الوطني السوري تشكل بتوافق ودعم قطري تركي فرنسي، معتبراً أن التوافق الروسي – الأمريكي الجديد أنهى دور المجلس الوطني الذي يسيطر عليه الإخوان المسلمون، ما يعني ضرورة تعديل وزنهم وتمثيلهم داخل الائتلاف الوطني، الذي يشكل تعبيراً عن التفاهم الدولي الجديد.

وحول طبيعة هذا التفاهم الروسي – الأمريكي بشأن الأزمة السورية بعد اتفاق كيري – لافروف على عقد جنيف 2، رأى كيلة أن الولايات المتحدة قدمت تنازلات مهمة للروس في سوريا، وأنها تدعم رؤيتهم لحل الأزمة السورية، وقال: «الأمريكان يعملون سماسرة عند الروس لتسويق حلهم».
وأوضح كيلة أن أسس الحل الروسي المقترح في جنيف2 تقوم على سلطة سورية جديدة بمشاركة النظام ومعارضة الخارج ومعارضة الداخل كأطراف في السلطة المستقبلية ما يعني ضرورة تهميش دور الإخوان المسلمين وقوى إعلان دمشق، قائلاً: «الإخوان سيرمون بكل ثقلهم لتوسيع الائتلاف، وإلا سيوجد البديل الذي يلغيهم ويكتسب الشرعية سريعاً، وهم يعرفون ذلك جيداً ولذلك يفاوضون للحصول على أفضل وضع ممكن ولا يمكنهم رفض الذهاب إلى جنيف». واعتبر كيلة أن داخل نظام دمشق طرفان أحدهما يرى ما يجري في سوريا هو تدمير ممنهج للوطن ويمثله نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع، والآخر بقيادة الأسد المعتمد على خيار الحل الأمني والعسكري ويعتقد أنه لا حل إلا باستمرار القتل.

وأكد كيلة أن روسيا غير متمسكة ببقاء الأسد، وأن الحل واضح لديها منذ أكثر من عام ويبدأ برحيل الأسد عن السلطة أو على جثته بعد المجازر التي ارتكبها، متوقعاً مقتل الأسد قبيل أي حل لامتصاص نقمة الشعب الثائر من جهة، ولتنفيس الاحتقان ضد العلويين الذين وضعهم بشار في مواجهة الثورة عن طريق إشراكهم في تصفيته.

ونوه كيلة بأن القرار الأوروبي بتسليح المعارضة جاء في سياق الضغط على السلطة للقبول بالتفاهم الروسي – الأمريكي، وأن ايران في النهاية سترضخ للإرادة الروسية لأن الأخيرة قادرة على نزع الغطاء الدولي عنها، مضيفاً أن ضعف النظام هو ما دفع حسن نصرالله للكشف عن وجهه مؤخراً، وهو ما يدفع إيران لتجنيد فيالق للقتال في سوريا، مستبعداً تدهور الوضع نحو صراع طائفي أو أهلي، لأن الأمور ستتجه في هذه الحالة إلى الفوضى الشاملة، وهذا ليس في مصلحة روسيا.
وأكد كيلة أنه ضد هذا الحل المقترح في مؤتمر جنيف لأنه عملياً يبيع سوريا لروسيا، لكن الإيجابي فيه أنه ينقل الصراع إلى الحيز السياسي، وهو ما يعتبر خطوة جيدة ستقدم فائدة للناس، وستوقف العنف العسكري والأمني.

المصدر: الشرق

التدخل الدولي في سورية

ظلت السلطة السورية تعتقد بأنها قادرة على «المواجهة»، خصوصاً أنها تمتلك «جيوشاً جرارة» من القوات المسلحة والأمن والشبيحة. لكن تطورات الصراع أوجدت اختلالاً كبيراً في وضعها فرض هذا التدخل السافر لحزب الله والسلطة الإيرانية. ولكي تصبح قوات هؤلاء وأولئك أساسية في الصراع المباشر، بعد أن لعبت إيران دوراً لوجستياً مهماً، وقامت بتدريب آلاف من «الجيش الوطني» (أو الشبيحة) على طريقة الحرس الثوري. وشاركت من خلال إرسال القناصة وربما الطيارين كذلك.

كانت السلطة تعتمد أساساً على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وإلى حد معيّن على الوحدات الخاصة. ولقد عملت على إدخال قطاعات من الجيش تحت إشراف الشبيحة والأمن كي لا يحدث انشقاق فيها. لكن تطور الصراع وتوسعه إلى كل سورية تقريباً، ومن ثم الانتقال إلى العمل المسلح بعد اشهر من سلمية الثورة، فرض تزايد الاحتقان لدى قطاعات الجيش إلى حدّ بات يمكن أن يتوسع الانشقاق فلا يعود انشقاق أفراد بل يصبح انشقاق وحدات عسكرية كاملة. وأدى ارتباك الشبيحة والأمن بعد توسع الثورة إلى العجز عن ضبط حراك الجيش، لهذا جرى تحييد كتلة أساسية منه عبر وضعها في معسكرات مغلقة دون إجازات أو اتصالات.

هذا الأمر كان يفرض تراجع السلطة عن كثير من المناطق لكي تحافظ على «مناطق إستراتيجية» بالقوى التي تستطيع تحريكها. ولقد سرّع استخدام السلاح من قبل الثوار في هذه العملية، وفرض أن يجري الحفاظ على المدن، ودمشق خصوصاً. لكن خلال كل ذلك كانت «القوة الصلبة» التي تستخدمها قد أصيبت بضربات قوية، خصوصاً أنها هي «العنصر الفاعل» في الصراع منذ البدء. ولهذا ظهر أن عليها التراجع أكثر، رغم أن أي تراجع جديد سوف يعني انهيار السلطة.

وإذا كانت السلطة تحاصر حمص وحماة وحلب ودير الزور فقد ظهر أن دمشق ذاتها باتت شبه محاصرة، وأن إمكانية التقدم للسيطرة عليها باتت قائمة. أو على الأقل أن أي معركة هنا سوف «تقصم ظهر» الباقي من «القوة الصلبة». لهذا باتت السلطة بحاجة ماسة لدعم عسكري مباشر وليس لخبرات وتقنية فقط. وهو الأمر الذي جعل الصراع يجري الآن ليس مع السلطة فقط بل مع حزب الله ومع السلطة الإيرانية. والشعب السوري يخوض الآن هذا الصراع العنيف وهو يكمل طريقه لإسقاط النظام.

لِمَ كل هذا الصراع لحماية السلطة من قبل حزب الله وإيران؟

من الواضح أن المعركة هنا بالنسبة لهما هي معركة «مصير»، وهذا الأمر هو الذي فرض هذا التدخل المباشر. وربما كان حزب الله منقاداً في هذه المعادلة، أو تائهاً عن تغيرات الوضع العالمي، لهذا يعتقد بأن البديل عن السلطة السورية هو بديل «أميركي». رغم أن تصاعد تدخله ترافق مع وضوح مسار الصراع الدولي، ورجحان الكفة لمصلحة روسيا التي باتت أميركا الإمبريالية تقرّ لها بـ «مصالحها الحيوية» في سورية، وبالتالي تؤكد بأن البديل هو ليس أميركياً بل سيأتي عبر الدعم الروسي. ولهذا لن يكون في تناقض مع حزب الله، بل سيخضع لمنطق السياسة الروسية التي لازالت تتحالف مع إيران وتدافع عنها في المحافل الدولية. ربما كانت المسألة خاصة بإيران ذاتها، التي باتت تعتبر أن «سقوط دمشق» تهديد لها، وهو الخطوة الأولى لإسقاط السلطة فيها. وباتت تعتقد بأن المعركة الفاصلة ضد «الاستكبار الغربي» (وأميركا بالتحديد) هو في دمشق.

وهذا يطرح مسألة أثر التوافق الأميركي الروسي على حل في سورية ينطلق من مبادئ جنيف، على الموقف الإيراني ذاته. خصوصاً أن الحل هو حل روسي مدعوم أميركياً، وأن إيران مضطرة للخضوع للموقف الروسي نتيجة الدعم الروسي لها على الصعيد الدولي. وبالتالي هل أن هدف حماية السلطة الآن، وتحقيق بعض الانتصارات هو من أجل تعزيز وضع السلطة في المفاوضات التي دعت إليها كل من روسيا وأميركا، أم أنها أبعد من ذلك وتهدف إلى إنقاذ سلطة منهارة؟

بالتأكيد لن يحمي السلطة الآن لا حزب الله ولا إيران، فقد وصلت إلى وضع من الصعب إنقاذه. وهذه المعادلة لا ترتبط بالعمل المسلح في الثورة فقط بل ترتبط أساساً بأن الثورة ذاتها قد هزّت بنية السلطة، وجعلت قوى أساسية فيها ليست معها، ولهذا باتت في غير صالح السلطة ذاتها. فمعظم الجيش لم يعد «جيش السلطة»، وهو الأمر الذي جعلها تضعه في معسكرات مغلقة، وبالتالي بات مضاداً لها. لهذا تقلصت قوتها الفعلية كثيراً، ولقد تعرضت كذلك لضربات أفضت إلى خسائر كبيرة فيها. بالتالي لم يعد تدخل هؤلاء قادراً على إنقاذ السلطة، الأمر الذي يفرض القول إن ما يجري في القصير وبعض المناطق الأخرى هو محاولة لتعزيز وضع السلطة قبل التفاوض فقط.

في كل الأحوال ليس من حل دون نهاية لنظام بشار الأسد، فكل عناصر الصراع يرتبط سيرها في مسار جديد بتحقيق ذلك. وكل من يتوهم بأن بقاء بشار الأسد ممكن لا يكون قادراً على فهم الوضع بعمق. حيث أن كل المعادلات باتت مرتبطة بترحيله.

المصدر: الحياة

سلامة كيلة: أميركا ستتبنى «حلاً روســـياً» يتضمن رحيل الأسد

خالد محمود – القاهرة

أعرب المفكر والناشط الفلسطيني سلامة كيلة، المبعد عن سورية، عن قناعته باتجاه واشنطن لتبني «حل روسي» للأزمة السورية، يتمثل في إبعاد عائلة الرئيس السوري بشار الأسد وأركان نظامه، وترتيب فترة انتقالية، مشيرا في حوار مع «الإمارات اليوم»، بالقاهرة، أن موسكو ستلعب وبرضا أميركي دور الضابط، لجذب كل الأطراف المحلية والاقليمية، بما فيها «حزب الله» وإيران إلى «تفاهمات».

وقلل كيلة من أهمية السيناريوهات الاعلامية «في دور (القاعدة)، ومخاوف الحرب الطائفية»، مشددا على أهمية تذكر الطابع السلمي والشعبي والوطني للثورة السورية، والذي بدأت وانتهت به الأحداث.

وقال كيلة «إن الولايات المتحدة تدعم من اللحظة الأولى بهدوء، وحاليا بقوة، سيطرة روسيا على ملف الأزمة السورية، وسيتضح هذا أكثر وأكثر في تجليات لقاء الرئيسين الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين، حيث أرسل الأول إشارات ضمنية يعرب فيها عن رغبة واشنطن في تركيب حل أميركي ـ روسي يصب في مصلحة موسكو، في إطار التقاسم العالمي الجدي للادوار، ورغبة أميركا في الانسحاب من الشرق الأوسط، لمصلحة التركيز على آسيا والباسيفيكي، ولقطع الطريق على تحالف روسي مع الصين، التي تعتبرها اميركا الخطر الحقيقي عليها».

وأضاف كيلة أن أميركا تعتبر روسيا (راعية النظام الوليد)، الذي سيخلف حكم الأسد، وسيتخذ الحل شكل مفاوضات بين وفد من المعارضة وآخر من السلطة، يكون الأخير من شخصيات تحظى بقبول نسبي من نشطاء الثورة والمعارضة والشارع السوري، «وسيكون مسار تفاوضها النهائي، إنهاء نظام الأسد وأركان نظامه».

وعن صعوبة قبول نظام الأسد بمفاوضات تستهدف الإطاحة به، ويمكن ان تنتهي به الى السجن أو المحاكمة، وأن أصحاب القرار بالتفاوض هم أنفسهم المتورطون في مذابح وجرائم، قال كيلة إن البنية الصلبة للسلطة في سورية تتفكك حاليا باطراد، وقطاعات واسعة من النظام باتت مقتنعة بأن ليس هناك من مخرج، وقد عبر عن هذا نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في تصريحاته الأخيرة، وتحول السلطة عبر التفاوض سيكون أشبه بالانقلاب الصامت، بل لربما يحدث قبلها أو أثناءها انقلاب بالمعنى الحرفي، فالوضع اليومي الميداني أصبح جحيماً يصعب تحمله، والوضع الاقتصادي يتأزم والحياة الاجتماعية تدمر، والجميع يبحث عن مخرج».

وقال كيلة إن «الوضع على الجانب الآخر، أقصد معسكر الثورة السورية، لا يخلو من تعقيدات جوهرية، تساعد في الاتجاه نفسه، فعلى الرغم من التقدم العسكري للثوار فإن السلاح غير كاف، وحسم الصراع مع الجيش النظامي صعب، وهناك إشكالات وصراعات في المناطق التي انسحب منها الجيش النظامي بين الجيش السوري الحر، وجبهة النصرة، وهناك ايضا ممارسات تكفيرية لجيش النصرة ضد المدنيين تحفزا لمعارك داخلية، ما يجعل قطاعات متعاظمة من الشارع السوري البسيط، ونشطاء الثورة السورية، والمسلحين، من غير الراغبين في جذب الثورة الى متاهات ايديولوجية، مع الحل السياسي طالما وفر لهم هدف الإطاحة بنظام الأسد».

ونفى كيلة ما يتعمد البعض إشاعته عن «سلفية وإخوانية أو قاعدية» الثورة السورية، مؤكداً أن الثورة انطلقت سلمية، ونادت بإسقاط نظام بشار الأسد الاستبدادي، ورفعت شعارات تنادي بعودة سورية إلى الديمقراطية، بل وكانت تهتف في الشوارع «لاسلفية ولا إخوانية»، لكن النظام قمعها في الشوارع بوحشية، فعاد الشباب (مكايدة) ليؤكدوا ما سبق ونفوه، «واعتبر بعضهم ان إعطاء الثورة شكلا دينيا هو الرد المناسب على النظام».

وأوضح أنه «علينا ايضا أن ندرك أن جزءا من الانطباع حول إخوانية وسلفية وقاعدية الثورة، رسخه النظام كفزاعة يخيف بها الخارج والداخل والإقليم، وجزء آخر تسببت فيه أسماء الكتائب وأشكال المسلحين، وهي إشارات منطقية لمقاتلين يحملون سلاحاً، من اجل قضية ومتدينين بالاسلام في مجتمعاتنا، كما أن علينا أن نميز بوعي بين حالة التدين البسيطة والطبيعية في شعوبنا، والتوجهات الايديولوجية المتأسلمة والمتطرفة».

وأضاف كيلة أن «الاخوان المسلمين» موجودون في حلب وحمص بشكل أساسي، «والنصرة» في الشمال، وأن الطرفين يشكلان ‬15٪ من قوات الثورة، وهناك مجموعات اتخذت أسماء دينية للحصول على الدعم المادي، وآخرون فعلوها من قبل التحدي، لكن في كل الأحوال لا يجب التوقف كثيرا عند هذه المحطات، ومحاولات اختزال الثورة فيها، «خصوصا ان المعركة لإنهاء سيطرة الاسلاميين على الثورة جارية توازيا، وعلى عكس مصر، سيتم حسمها قبل انتصار الثورة».

وفي ما يخص تصريحات الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، بشأن عدم سماح أصدقاء سورية (الأسد) بسقوطها، والدور الايراني المتوقع في مواجهة الحل الروسي الأميركي، قال كيلة «إن لبنان ذاته وبيئة إقليمية بكاملها ستتغير مع الحل، الشيعة سينفضون من حول (حزب الله)، إذا تمسك بهذا النهج، وسيكون بمثابة انتحاره، لكن في ظل تغيرات لن يفعل أو بالادق لن يستمر، والحل سيتضمن مواءمات مع حزب الله ومراعاة قدر من المصالح الايرانية».

وشدد كيلة على براغماتية وعدم مبدأية العلاقة بين سورية بشار الأسد والنظام الايراني، وبالتالي «حزب الله»، وذكر بأن دمشق ظلت تلعب على توازن إقليمي بين علاقتها بالرياض وطهران، بما يشي بأن ايران و«حزب الله» سينصرفان ساعة الحقيقة الى مصالحهما المباشرة والجديدة.

واستبعد كيلة ما تردده وسائل إعلام حول المآل الطائفي المحتمل للثورة السورية، وقال «إن عشرات المجازر التي ارتكبها النظام لم يتم الرد عليها بشكل طائفي، على الرغم من قدوم المنفذين من قرى بعينها، وهناك قرى علوية كاملة متماسة مع مناطق الجيش الحر والنصرة لم تمس».

وأضاف أن «الأسد وزمرته لا دين لهم سوى المال والسلطة، وهم استغلوا كل الأطراف والتمايزات والطوائف بشكل رديء لمصلحتهم، والذين يقولون بـ (علوية) نظام الأسد عليهم التذكر ان السلطة اعتمدت مثلا على قطاعات من (تجار السنة) لتمويل نظامها، والصراع ليس سنياً علوياً، وليس طائفياً، الصراع بين شعب حر، يحلم بالديمقراطية وسلطة ديكتاتورية غاشمة».

المصدر: الإمارات اليوم

مصر بعد «الإخوان» … «بروفا» ثورة جديدة

الحراك الاجتماعي لم يتوقف في مصر على رغم الثورة والانتخابات، وتغيير الرئيس و «النخبة» الحاكمة. ومن يتابع حركة الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات، ومختلف أشكال العصيان، يعتقد أننا ما زلنا في أواخر أيام حسني مبارك. ومن يتابع الحراك السياسي يلاحظ أن الأمور لم تختلف سوى بتغيير الأسماء المستهدفة، حيث تبدو التكتيكات المعتمدة هي ذاتها، وتنطلق من المنظور ذاته، كأن ثورة لم تحدث، وكأن «أحجار الشطرنج» لم يختلف سوى لونها. وتغرق المعارضة في سياسة «الحشد» ضد أخونة الدولة، وهناك من يميل إلى اعتبار أن اساس الصراع الآن هو الصراع «المدني» ضد الأسلمة، أو صراع الدولة المدنية ضد الدولة الدينية.

بالتالي، بينما تتصاعد موجة الاحتجاج، ويتوسّع الاحتقان الاجتماعي، ويصبح واضحاً أن «وضع الناس» هو الأولوية الحاسمة، تتوه المعارضة في تكتيكات لا معنى لها سوى تدعيم سلطة الإخوان من جهة، ومن جهة أخرى ترك الشارع لتطوره العفوي، ولظهور بعض الميول المربكة. الشباب يتجذر في سياق الصراع من أجل فرض مطالب الطبقات التي يمثلها، من الفقراء عموماً، لكنه لم يبلور بعد الرؤية والسياسات، ولم يعرف كيف ينتصر.

ما حدث في الذكرى الثانية للثورة المصرية بروفا لثورة مقبلة حتماً. في مرة سابقة اقتحم الثوار قصر الاتحادية لكنهم لم يريدوا السيطرة عليه، فقط كان الأمر تبليغاً بأن هدفهم قد يصبح القصر إذا لم يتحقق ما يريدون. اليوم يحاول الشباب اقتحام القصر بالقوة. ليست القوة هي ما يلفت هنا، بل حالة الانتقال من السلبية إلى الهجوم، من الاعتصام في الساحات «حتى يسقط النظام» إلى الهجوم على مراكز السلطة من أجل السيطرة عليها.

هذا هو، ربما، الموضوع الأهم الذي تبلور بعد عامين من عمر الثورة، التي ما زالت مستمرة على رغم الهبوط والصعود اللذين تعيشهما. ولا شك في أن الوعي والخبرة قد تراكما لدى الشباب الذي هو مصمم على استمرار الثورة، ويخوض الصراع طيلة هذين العامين. ونجد أيضاً أن قطاعات شعبية راهنت على الإسلاميين اكتشفت أن سلطتهم لم تختلف عن سلطة حسني مبارك، وأن الأمور لم تتغيّر، بل ربما تغيّرت نحو الأسوأ. ولهذا عادت الى ممارسة أشكال الاحتجاج المختلفة، الأمر الذي جعل الوضع الآن شبيهاً بما كان عليه في السنة الأخيرة من حكم مبارك.

ذلك كله يؤشّر إلى عودة لتبلور «وضع ثوري»، ظهر في تظاهرات ضخمة، بات مقصدها «قصر الاتحادية». لكن يبقى أن هناك ما هو «ملتبس» أو «ضائع». فما الهدف الآن؟

في ثورة 25 يناير كانت قد تجمعت مطالب الطبقات الشعبية تحت هدف «إسقاط النظام». وكان واضحاً أن حق العمل والحد الأدنى للأجور وأرض الفلاحين، والتعليم والصحة والبنية التحتية، كلها تقتضي إسقاط النظام. وإذا كان قد تلخص هذا الهدف في رحيل مبارك في 11 شباط (فبراير)، فإن الشعب اكتشف أن من وصل إلى السلطة اكتفى بذلك كتعبير عن «إسقاط النظام»، وأن هدف الديموقراطية والدولة المدنية قد ابتسر إلى انتخابات محسّنة جزئياً عما كان في زمن حسني مبارك. هذا الأمر هو الذي فرض استمرار تحرّك قطاعات من الشعب، وقبول قطاعات أخرى بما تحقق على أمل أن يحدث نقلة في الوضع. الآن لا يظهر أن شيئاً تحقق، خصوصاً مع اتباع سياسات اقتصادية قديمة-جديدة من جانب حزب الحرية والعدالة (الإخوان) ومع إقرار دستور بطريقة سيئة وميل واضح لهيمنة شاملة تحاولها الجماعة.

لكن، ما يبدو واضحاً هو أن الهدف الذي يلمّ كل ذلك ما زال غائباً. حيث تتوزع الشعارات بين «إسقاط الدستور»، و «إسقاط حكم المرشد»، أو «إسقاط حكم الإخوان». وأيضاً تسير المعارضة (جبهة الإنقاذ) إلى الضغط من أجل انتخابات ديموقراطية. فالذين يعتقدون أن الديموقراطية هي الطريق يعتبرون أن شعار إسقاط الرئيس خاطئ، وبالتالي لا يطرحون إسقاط النظام، وقد ركزوا على إسقاط الدستور.

والشباب لا يزال مشوشاً، حيث لا يزال في «الوضع السلبي» الذي ينطلق من هدف الإسقاط فقط من دون أن يمتلك بديلاً واضحاً. وهو متردد أيضاً لأنه رفع هدف إسقاط النظام وانتهى حسني مبارك من دون أن يتغيّر شيء تقريباً، وبالتالي بعضه يرفع هدف إسقاط حكم الإخوان وبعضه يحس أن في ذلك تكراراً لما كان في 25 يناير. لهذا يتقدم من أجل السيطرة على مراكز السلطة، لكنه يبدو متردداً كذلك نتيجة هذا التشوش.

وعلى رغم الميل الى اعتبار أن المطالب الاجتماعية هي الأساس، وأن العمل يجب أن ينطلق منها، إلا أن صياغة ذلك في رؤية ما زالت قاصرة. بمعنى أن الفهم العميق لمعنى إسقاط النظام لم يتبلور بعد، حيث يكون حين معرفة أنه يعني بالضبط إسقاط الطبقة المسيطرة وتغيير جذري للنمط الاقتصادي القائم.

في هذه الحالة تنشأ نزعات متعددة. نزعة الميل إلى العنف، خصوصاً بعد ممارسات جماعة الإخوان العنيفة ضد المتظاهرين. وهي نزعة تنتشر لدى قطاعات من الشباب من الفئات الوسطى. ونزعة الميل إلى الفوضى، والممارسات الفوضوية، التي تبرز لدى قطاعات من الشباب من الفئات الوسطى أيضاً. لكن يمكن تلمّس انتشار الوعي بأهمية التنظّم، والميل الى بلورة رؤية للثورة ومطالبها، وكيف تتحقق. وسنلمس أن هناك من الشباب من لا يزال يراهن على «طريق الانتخابات»، ومن أصبح مقتنعاً بأن الثورة من جديد هي الطريق الضروري، ومن لا يزال «يعترف» بشرعية الانتخابات التي أتت بمحمد مرسي لكنه يريد إسقاط الدستور، وهناك من أصبح رافضاً لكل «الطريق الديموقراطي».

في الواقع، سنجد أن كل أشكال الاحتجاج الاجتماعي في تصاعد وتوسع، كل أشكال تجريب إسقاط السلطة ايضاً خصوصاً في المدن الرئيسة.

 

لكن الثورة تقدمت

كل هذا الوضع يشير إلى أن الثورة تقدمت، وأن الخبرات تتراكم، كذلك الوعي، لكن لم تصل بعد إلى اللحظة التي يتحدد فيها الهدف بوضوح ليلمّ الشعب في ثورة جديدة. وهنا يمكن أن نلمس أن الوعي لم يوصل إلى تحديد الهدف، فلا يتعلق الأمر بإسقاط النظام فقط، بل يتعلق بالإجابة عن سؤال: ما هو النظام؟ الشخص أو الحزب او السلطة السياسية أو كلية التكوين الاقتصادي السياسي الذي يمثّل مصالح طبقة هي المسيطرة في الأخير عبر واجهة سياسية؟

إن الدخول في «الطريق الديموقراطي» من دون أن يتحقق ما يحل مشكلات شعب لم يعد قادراً على تحمّل الوضع الذي يعيشه، فرض أن يتبلور الوعي لدى الشباب بأن المطالب الاجتماعية هي في الصدارة. لكن ينتشر الميل الذي يقول بالضغط من أجل فرض «برنامج اقتصادي» يحقق تلك المطالب في ظل النمط الاقتصادي القائم. وهو ميل يكرر إصلاحية السياسيين بإصلاحية اقتصادية. وربما يستهوي ذلك قطاع من الشباب، لكنه سيصل إلى أفق مسدود، لأن الأمر يتعلق بالبنية الاقتصادية بكليتها. أي البنية القائمة على أساس ريعي (خدمات، عقارات، سياحة، استيراد، بنوك)، وهي البنية المطابقة لمصالح الرأسمالية المسيطرة. وهذه البنية هي التي أسّست لارتفاع عدد العاطلين من العمل، والأجر المتدني، وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، وليس من الممكن حل المشكلات الناجمة عنها عبرها هي، بل لا بد من تجاوزها.

هذه هي الخبرة التي بتنا بحاجة لأن يكتسبها الشباب، لكي تفتح على الاقتناع بأن الأمر يتعلق بإسقاط الطبقة المسيطرة وليس «الضرب» على هوامشها عبر التركيز على الأشخاص أو الأحزاب أو الأشكال. وبالتالي السعي الجدي من أجل بلورة بديل ثوري ينطلق من إسقاط الطبقة الرأسمالية المسيطرة وفرض سلطة الطبقات الشعبية.

في الأخير، الأمور تتحضر بالتأكيد. فالشعب يتدرب على اقتحام القصر والسيطرة على مراكز السلطة. والوعي يتراكم بما يسمح بصياغة رؤية وأهداف واضحة تقود إلى تحقيق تغيير جذري. والميل الى التنظّم، والشعور بالحاجة إلى حزب يقود الصراع، في تصاعد. وأيضاً الشعب يتلمس أن القوى القائمة لا تحمل حلولاً لمـشكلاته الـجـوهرية التي جعلته غير قادر على أن يســتمر في الوضـعية الـتي هو فيها. لهـذا نقـول إننـا في سـياق ثـورة مقبلة.

المصدر: الحياة