Monthly Archives: مايو 2013

النشاط العفوي وأهمية التنظيم

النشاط العفوي وأهمية التنظيم
إن التأكيد على أن سمة النشاط العفوي هي السمة البارزة في النشاط الثوري في الوطن العربي يدعو إلى التأكيد على أهمية البحث في قضية التنظيم. وإذا كان إدخال الوعي الثوري عاملاً هاماً في تجاوز النشاط العفوي، والارتقاء به إلى مستوى العمل الثوري ذي الاستراتيجية الواضحة، والطبقة التي تعي مصالحها، فإن قضية التنظيم هي العامل الثاني المرادف، حيث إنه من الضروري أن يأخذ الوعي الثوري قنواته المنظمة، التي تسهم في خلق حالة ثورية تتسم بالوعي والتنظيم، تستطيع أن تعمق من أزمة الفئات الحاكمة، وتقود إلى انهيارها.
إن تأسيس تنظيم ثوري، سري، ومكافح، هي قضية هامة إلى الحد الذي يضعها في أولويات العمل الثوري. فلا ثورة دون تنظيم ثوري، كما لا تنظيم ثوري دون وعي ثوري.

النشاط العفوي وأهمية التنظيم

عن التدخل في سورية ملاحظات على ملاحظات

يثير الوضع السوري تساؤلات بلا شك، ويطرح الأسئلة، وأيضاً يفضي إلى التشوش. لهذا لا بد من توضيحات مستمرة. فقد أبدى الأستاذ حامد حموي عباس ملاحظات على مقال لي حول التدخل الدولي في سورية (حقيقة التدخل الدولي في سورية ( مداخلة مع الاستاذ سلامة كيلة ) حامد حمودي عباس ،الحوار المتمدن-العدد: 4105 – 2013 / 5 / 27). والملاحظات مبنية على “تقسيم المحاور” كما كان قبل سنوات، دون ملاحظة التغيرات التي طرأت على العالم خلال السنتين الأخيرتين.

وإذا كان الأستاذ حامد لم يجد ما يريد في المقال، فربما يجد ما يريد في مقالات اخرى، لكن أرى أن النقد الذي وجهه لي ينطلق من “التقسيم التقليدي” للمحاور في المنطقة، أي إيران، حزب الله، العراق من جهة، وأميركا، إسرائيل وحلفاؤهما في الخليج العربي من جهة أخرى، “ضمن صراع دولي وإقليمي يراد من نتائجه ان تكون لصالح احدى الجبهتين في نهاية الأمر”. لهذا فالمعركة بالنسبة لحزب الله هي معركة مصير. ولهذا فهو يرى أن تدخل إيران وحزب الله في العراق أمر طبيعي لأنه من غير المعقول أن يجد حزب الله أميركا بديلاً في سورية.
وهو يعيد إلى مرحلة “أرسخ”، حيث يقوم الصراع السلفي ضد المد الشيعي.

لكن يمكن أن أبدي هنا ملاحظات على ما قاله، ينطلق من فهم مختلف للوضع العالمي وواقع الصراع. فأولاً يجب أن نلاحظ بأن الصراع الراهن ليس امتداد للصراع السابق، ولا علاقة له بالسلفية والتشيع، أو بالمحاور التي كانت قائمة قبلاً. فقطر كانت “زعيمة الممانعة” وفي تحالف وثيق مع النظامين في سورية وإيران. وتركيا كانت في حلف إستراتيجي مع النظام السوري وفي علاقة جيدة مع إيران. بالتالي لا بد من فهم مختلف لواقع الاصطفافات الجديدة لا يتأسس على الاصطفافات السابقة.

وثانياً لا يمكن أن نبقى نردد ما كان يقال عن دور أميركا خلال العقود السابقة، ليس لأنها لم تعد إمبريالية، بل لأنها لم تعد قادرة على الفعل كما كانت، فهي متأزمة إلى حد الانكفاء. وبالتالي فإن دعمها للموقف الروسي في سورية ليس نابعاً من خوف من حزب الله والحوثيين وإيران، هذه نظرة قاصرة جداً، بل نتيجة أزمتها العامة التي فرضت عليها التقاسم مع روسيا، ومن ثم التخلي عن الطموح في سورية (وهذا لم يأت الآن، بل كان واضحاً منذ بدء الثورة السورية، أو على الأقل بعد اشهر قليلة منها) ودعم الهنب الروسي لسورية. لا الحوثيين من يخيف، ولا حزب الله الذي يتعرض لأقسى الضربات في القصير (ربما مع الأسف)، ولا إيران. المسألة أكبر من ذلك وأهم بالنسبة لأميركا: وضعها الاقتصادي وأزمتها التي لم تستطع تجاوزها.

لهذا فإن كل الكلام عن “ان المحرك الرئيسي للصراع الدائر في سوريا حاليا هو من نتائج السياسة الامريكية والتي بدأتها في العراق ، ثم رعت بعدها عملية خلق الأسباب الداعية لما سمي بالربيع العربي ، وكل ذلك الهدف منه هو مقاومة المد الشيعي في المنطقة ، الأمر الذي خلق تحالفا سنيا عريضا دخلت فيه القاعدة كطرف دخيل عملا بمبدأ ( عدو عدوي صديقي )” لا معنى له، وهو من مخلفات الفهم الماضي للصراع العالمي. أميركا الآن ليست فاعلاً في الصراع السوري، وما تقوم به الآن هو الضغط على “حلفائها” للقبول بالحل الروسي. وأن أكثر الدول التي تدخلت هي قطر (الحليف السابق للنظام) وتركيا (أيضاً الحليف السابق للنظام) وفرنسا التي كانت تجهد منذ زمن لإيجاد موطئ قدم في سورية. ومن ثم السعودية التي دعمت النظام بشكل مباشر، وبأشكال غير مباشرة، لأن أولويتها لا الصراع السني الشيعي ولا الممانعة والتحالف مع إيران بل كيف تواجه الزحف الثوري الذي بدأ من تونس وتوسّع بسرعة شديدة إلى كل البلدان المحيطة بها (اليمن والبحرين وسورية، وجزئياً الأردن والعراق).

أميركا بالتالي كانت تراقب من بعيد (كما كتبت منذ أكثر من سنة)، ولقد “باعت” سورية لروسيا منذئذ. وكان ضعفها يجعل تركيا تتحالف مع نظام تفرض كل أشكال الحصار عليه سابقاً، هو النظام السوري. وتجعل قطر تسير نحو التحالف مع فرنسا، وتزيد من استثماراتها في أوروبا. وأيضاً تجعل السعودية تتعامل بما يناسب وضعها هي. أما حين تدخلت أميركا فها هي تفرض على “حلفائها” القبول بما لا يريدون: الحل الروسي، وسيطرة روسيا على سورية.

أخيراً، لا أريد أن أذكّر بأن في سورية ثورة، وشعب يريد التحرر من سلطة مستبدة ناهبة. بالتالي فإن أولوية المواقف تنطلق من هنا وليس من أي مكان آخر. من هذا المنظور ستكون الثورة ضد النظام وحلفاء النظام، وكل القوى التي تريد تدمير الثورة أو استغلالها من أجل فرض سلطة تابعة، سواء لقطر وتركيا وفرنسا أو لروسيا وإيران.

كل هؤلاء يخوضون صراعاً من أجل تقاسم السيطرة والنفوذ. وبالتالي فهم ضد الثورة بكا صراعاتهم “الطائفية” أو السياسية أو أي شكل آخر. الأساس هو أن الشعب يخوض ثورة من أجل التغيير، وكل من يقف مع النظام أو يلعب من أجل مصالح ضيقة، أو يخرّب لكي لا تنتصر الثورة، هو عدو الشعب السوري.

المصدر: الحوار المتمدن

وضع المعارضة في سياق الحل الروسي

98fa0331-537f-43dc-87a3-7a0eef1d0f25

الإعلان عن عقد “جنيف2” أوجد تحركات دولية متعددة ومتتالية، لكن الأنظار ظلت متجهة إلى المعارضة السورية، حيث يجب تحديد مشاركة أطيافها كطرف مقابل لوفد السلطة الذي قال الروس إن أسماءه قد تحددت وأرسلت لهم. وإذا كان الطرفان الروسي والأميركي ينشطان من أجل عقد المؤتمر عبر ترتيب “صفوف” السلطة والمعارضة، فإن الحراك داخل المعارضة ذاتها بات واضحاً، والإرباك أضحى كبيراً فيما يتعلق أولاً بمبدأ المشاركة أو عدمها، وثانيا بالحد الأدنى الذي يمكن على أساسه المشاركة؟

وهنا نلمس أن الموقف من بقاء بشار الأسد يعلو قليلاً ويتلاشى، لأنه هو المدخل لكل حل، وهو الأدنى الممكن من أجل الوصول إلى حل يمكن أن يلقى قبولاً من القوى المسلحة أو من الثوار عموماً.

في الأشهر الماضية كان وضع المعارضة ما زال يشير إلى وجود “مركزين” فقط، رغم أن كثيرا من المجموعات والتحالفات والتجمعات قد تشكّل. وظهر أن المركزين يميلان في إطار العلاقات الدولية إلى محورين متناقضين: روسيا/إيران، و”الغرب” الذي يعتبر بديهياً أنه يشمل أميركا وأوروبا وتركيا.

لقد رتبت هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي علاقاتها مع روسيا والصين وإيران، وباتت تراهن على الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الدول من أجل إيجاد “حل سلمي” أو “تفاوضي”، بعدما راهنت طويلاً على “استيقاظ” السلطة من “غفوتها”، ثم على مبادرة الجامعة العربية، ومن ثم على الموفد العربي الدولي (كوفي أنان ثم الأخضر الإبراهيمي)، لكنها وجدت في الروس أخيراً الطريق الممكن لتحقيق “الانتقال السلمي الديمقراطي”. ويبدو الآن أن الطريق بات جاهزاً لذلك، ولهذا ترى قيادات الهيئة أن خيارها كان الأسلم، وأنه أوصل إلى نتيجة كان يمكن الوصول إليها دون كل هذه الدماء.

في المقابل ولد المجلس الوطني بدعم من تركيا وفرنسا. وهو المحور الذي كان يبدو أنه حريص على أن يأتي إلى السلطة بقوى “تمثله”، فتركيا لها مصالح هائلة في سوريا تحققت بعد توقيع الاتفاق الإستراتيجي مع بشار الأسد، وهي تريد أن تحافظ على مصالحها بالطبع. وفرنسا التي ظلت تحاول منذ تسعينيات القرن الماضي أن تجد موطئ قدم لها في سوريا وفشلت (مع شيراك ثم مع ساركوزي)، عادت تحلم بأن يصبح لها مصالح تريدها (ولا ننسى أن فرنسا شيراك هي التي رعت وصول بشار الأسد إلى السلطة، ورعت عملية الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الإداري، قبل أن تكتشف أن كل ذلك لا يجعلها بديلاً عن الهوى الأميركي لدى النخبة الجديدة).

ولهذا بات المجلس مدعوماً من هؤلاء، وجرى العمل من قبلهم لكي يصبح هو “الممثل الشرعي الوحيد” للثورة والشعب. لكن يبدو أن الفيتو الأميركي (المخفي حينها) كان يمنع تحقيق هذه النقلة التي كانت تفترض الانتقال إلى مرحلة التدخل العسكري لفرض المجلس سلطة بديلة، وحيث كان واضحاً أن أميركا ليست في وارد التدخل إطلاقاً، وتبيّن فيما بعد أن لها سياسة أخرى في سوريا خصوصاً. ولهذا تعثر المجلس الوطني، ودخل في متاهات الوعود الدولية دون أن يكسب شيئاً، لكنه ظل مرتبطا بهذا المحور رغم ذلك.

وكان واضحاً منذ البداية أن الإخوان المسلمين هم الذين يمسكون بكل مفاصل المجلس، فهم من صانعيه بحجمهم أصلاً (وإنْ بالتعاون مع إعلان دمشق وبعض الليبراليين الهامشيين)، وظلوا يتحكمون بسياسته بدعم من ذاك المحور. ولقد هيمنوا عليه مباشرة بعدما أصبح تشكيل الائتلاف الوطني حتمياً، حيث كانت الضغوط الدولية تفرض تجاوز المجلس، وتجاوز سياساته لمصلحة سياسة أخرى تريدها الولايات المتحدة.

هذا الائتلاف الذي ظهر من أجل “الدخول في الحوار مع السلطة” كما روّج المجلس الوطني، ظهر أنه قد فرض على المجلس أن يشارك فيه. وقد ظهرت آثار تلك الهيمنة المباشرة على المجلس لاحقاً كما سنرى. فقد كانت المسألة تتعلق منذئذ بترتيب وضع المعارضة الخارجية للمشاركة في حل ترعاه روسيا وأميركا، وهو ما لم يكن واضحاً حينها لكثير من المعارضين انطلاقاً من قناعة لديهم بأن الصراع الأميركي الروسي ما زال كما هو، وبالتالي فإن إمكانية التفاهم مستحيلة، وإن أميركا في صف المعارضة الخارجية وإنْ كانت غير متحمسة كثيراً لدعمها، وعرقلت أكثر من مشروع لتعزيز دورها، أو لزيادة الدعم السياسي و”العسكري” للمعارضة.
الدور الأميركي في تشكيل الائتلاف كان لافتاً، لكن تبيّن أن الإخوان سيطروا عليه أيضاً، لهذا حينما بدأ النشاط الأميركي من أجل تقدم الائتلاف نحو الحل عبر تقديم مبادرة “حسن نوايا” ظهر الفشل، حيث ظهر أن أغلبية في الائتلاف ترفض ذلك، فتقدم معاذ الخطيب بمبادرة باسمه فُرضت على الائتلاف فيما بعد (بشربكات مضافة إليها من أجل إفشالها)، وربما ما فرضها هو الشعور بأن جزءاً مهماً من “الجيش الحر” (أو الكتائب المسلحة) ومن الشارع، يدعمها.

لكن قام الإخوان بخطوة زادت في الإرباك حينما طرحوا تشكيل حكومة انتقالية (وكانوا قد رفضوا الفكرة من قبل)، وفرضوا التصويت على انتخاب رئيس لها، تبيّن أن الفائز منهم. لهذا استقال معاذ الخطيب من رئاسة الائتلاف، وأصدر خطباً نارية طالت من يرسل التكفيريين ومن يريد فرض قيادة على الثورة، وعن تقاعس الدول الغربية وكذبها، فأوضحت كل “البيئة” التي نشطت فيها هذه المعارضة.

الضغوط أعاقت تشكيل الحكومة وربما أفشلتها (وهذا هو الأرجح)، و”الدول الداعمة” جرى الضغط عليها أميركياً، أو ترتيب وضعها لكي تحصل مقابل خسائرها (تركيا خصوصاً)، وجرى العمل على “توسيع الائتلاف” بقوى “ديمقراطية” توازن ثقل الإخوان، ومن ثم دفعها في المسار التفاوضي، الأمر الذي يفرض أن يوافق الائتلاف على المشاركة، فقد قرر الروس والأميركيون الدعوة إلى مؤتمر “جنيف2” الشهر القادم (يونيو/حزيران)، وباتوا يدفعون لكي يتشكل وفد المعارضة الخارجية التي وضعت في زاوية ضيقة، لأنها إذا لم تشارك سيجري تشكيل تحالف جديد بدون الإخوان (وبعض أطراف المعارضة الأخرى الملتصقة بهم) يشارك في المؤتمر، وفي الوقت ذاته سينتهي الدعم لكل معارض لهذا المؤتمر، خصوصاً بعدما دعمه “أصدقاء سوريا” تحت الضغط الأميركي (أو في سياق الترتيب الأميركي لا فرق)، وبات واضحاً أن من يرفض سيُعزل.

لهذا فإن الحاضرين في إسطنبول لترتيب أمر الائتلاف هم في وضع حرج، لأن المسار قد تحدد من قبل “الحليفين” روسيا وأميركا القادرين على ضبط حركة المعارضة نتيجة تهافتها على الارتباط بهاتين الدولتين، خصوصاً هنا المجلس الوطني (الذي صار هو الائتلاف الوطني بعد السيطرة على هذا الأخير) الذي صمم منذ البدء على ربط المسألة السورية بالتدويل، وركّز كل نشاطه من أجل أن يستجلب التدخل “الخارجي” (الغربي أو الإمبريالي)، وتعاقد مع الدول الخاسرة في الصراع العالمي على بيع سوريا لها، قبل أن يكون واجهة قوى “دولية” تريد السيطرة على سوريا.

هيئة التنسيق كما أشرنا تبدو فرحة لأن حليفها هو الذي فاز بسوريا في إطار التقاسم العالمي. أظن أن ما تفكّر به هو أن المطلوب هو تحقيق حل “سلمي”، وتحقيق “الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية”. طبعاً الحل “السلمي” بات ممكناً ربما بعد كل هذه الوحشية التي مارستها السلطة، وهذا الدمار الذي حققته بكل جدارة. وربما نصل إلى شكل نظام “ديمقراطي”، لكن يجب أن لا ننسى أن من سيشارك في الحل، عليه أن يوقع على كل “العقود الاقتصادية” التي وقعها قبل أقل من سنة “الرفيق المناضل” قدري جميل، والتي تؤكد السيطرة الروسية على النفط والغاز، وتفتح السوق السورية للسلع الروسية والرأسمال الروسي، أي للنهب الروسي بالتحديد.
فإذا كان الخوف من السيطرة الإمبريالية الأميركية هو الذي دفع إلى التفاهم مع الروس، سنجد أن الروس أيضا قادمون لفرض سيطرة إمبريالية.

ما يمكن أن يستفاد منه موضوعياً هو أن الحل يستطيع أن يحقق الانتقال من هذا الشكل الدموي الوحشي لصراع السلطة مع الشعب، إلى شكل عليه ملامح الصراع الديمقراطي. لكن هذا يستلزم شطب الفئة التي مارست كل هذه الوحشية، وتأسيس دولة ديمقراطية، بينما سيبقى الشعب يخوض صراعه من أجل التغيير العميق الذي يحقق مطالبه.

من الواضح أن روسيا وأميركا تسيران الآن بسرعة نحو عقد المؤتمر، فاللقاءات تتسارع قبل انعقاد اللقاء بين كل من بوتين وأوباما الشهر القادم، والخطوات العملية تجري “بحيوية”، وكأننا على أبواب الوصول إلى حل.

المصدر: الجزيرة

المفكر كيلة لـ الشرق: أمريكا قدمت تنازلات مهمة لروسيا.. وتدعم رؤيتها للحل في سوريا

باريس – معن عاقل

تزداد الضغوط على المعارضة السورية المجتمعة في إسطنبول منذ عدة أيام، بينما تدور النقاشات والخلافات بين أطرافها في مستويين الأول هو توحيد المعارضة وتوسيع الائتلاف وانتخاب رئيس جديد له، أما الثاني فهو قرار المشاركة في مؤتمر جنيف الذي يخشى كثير من المعارضين حضوره دون أي ضمانات برحيل الأسد وتحقيق طموحات الشعب السوري، ويلعب حلفاء المعارضة الغربيون والعرب دوراً مهماً في هذه الاجتماعات كما سربت بعض الأوساط من إسطنبول للقبول بجنيف 2 كخيار وحيد لحل الأزمة السورية سياسياً.

وأكد المفكر والكاتب اليساري سلامة كيلة لـ«الشرق» أن الصراع داخل الائتلاف الوطني السوري يدور حول قرار الذهاب إلى جنيف2، وأن هناك أطرافاً داخل الائتلاف تعاني التهميش من قيادته التي تسيطر على القرار السياسي داخل الائتلاف، مشيراً إلى أن المجلس الوطني السوري تشكل بتوافق ودعم قطري تركي فرنسي، معتبراً أن التوافق الروسي – الأمريكي الجديد أنهى دور المجلس الوطني الذي يسيطر عليه الإخوان المسلمون، ما يعني ضرورة تعديل وزنهم وتمثيلهم داخل الائتلاف الوطني، الذي يشكل تعبيراً عن التفاهم الدولي الجديد.

وحول طبيعة هذا التفاهم الروسي – الأمريكي بشأن الأزمة السورية بعد اتفاق كيري – لافروف على عقد جنيف 2، رأى كيلة أن الولايات المتحدة قدمت تنازلات مهمة للروس في سوريا، وأنها تدعم رؤيتهم لحل الأزمة السورية، وقال: «الأمريكان يعملون سماسرة عند الروس لتسويق حلهم».
وأوضح كيلة أن أسس الحل الروسي المقترح في جنيف2 تقوم على سلطة سورية جديدة بمشاركة النظام ومعارضة الخارج ومعارضة الداخل كأطراف في السلطة المستقبلية ما يعني ضرورة تهميش دور الإخوان المسلمين وقوى إعلان دمشق، قائلاً: «الإخوان سيرمون بكل ثقلهم لتوسيع الائتلاف، وإلا سيوجد البديل الذي يلغيهم ويكتسب الشرعية سريعاً، وهم يعرفون ذلك جيداً ولذلك يفاوضون للحصول على أفضل وضع ممكن ولا يمكنهم رفض الذهاب إلى جنيف». واعتبر كيلة أن داخل نظام دمشق طرفان أحدهما يرى ما يجري في سوريا هو تدمير ممنهج للوطن ويمثله نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع، والآخر بقيادة الأسد المعتمد على خيار الحل الأمني والعسكري ويعتقد أنه لا حل إلا باستمرار القتل.

وأكد كيلة أن روسيا غير متمسكة ببقاء الأسد، وأن الحل واضح لديها منذ أكثر من عام ويبدأ برحيل الأسد عن السلطة أو على جثته بعد المجازر التي ارتكبها، متوقعاً مقتل الأسد قبيل أي حل لامتصاص نقمة الشعب الثائر من جهة، ولتنفيس الاحتقان ضد العلويين الذين وضعهم بشار في مواجهة الثورة عن طريق إشراكهم في تصفيته.

ونوه كيلة بأن القرار الأوروبي بتسليح المعارضة جاء في سياق الضغط على السلطة للقبول بالتفاهم الروسي – الأمريكي، وأن ايران في النهاية سترضخ للإرادة الروسية لأن الأخيرة قادرة على نزع الغطاء الدولي عنها، مضيفاً أن ضعف النظام هو ما دفع حسن نصرالله للكشف عن وجهه مؤخراً، وهو ما يدفع إيران لتجنيد فيالق للقتال في سوريا، مستبعداً تدهور الوضع نحو صراع طائفي أو أهلي، لأن الأمور ستتجه في هذه الحالة إلى الفوضى الشاملة، وهذا ليس في مصلحة روسيا.
وأكد كيلة أنه ضد هذا الحل المقترح في مؤتمر جنيف لأنه عملياً يبيع سوريا لروسيا، لكن الإيجابي فيه أنه ينقل الصراع إلى الحيز السياسي، وهو ما يعتبر خطوة جيدة ستقدم فائدة للناس، وستوقف العنف العسكري والأمني.

المصدر: الشرق

التدخل الدولي في سورية

ظلت السلطة السورية تعتقد بأنها قادرة على «المواجهة»، خصوصاً أنها تمتلك «جيوشاً جرارة» من القوات المسلحة والأمن والشبيحة. لكن تطورات الصراع أوجدت اختلالاً كبيراً في وضعها فرض هذا التدخل السافر لحزب الله والسلطة الإيرانية. ولكي تصبح قوات هؤلاء وأولئك أساسية في الصراع المباشر، بعد أن لعبت إيران دوراً لوجستياً مهماً، وقامت بتدريب آلاف من «الجيش الوطني» (أو الشبيحة) على طريقة الحرس الثوري. وشاركت من خلال إرسال القناصة وربما الطيارين كذلك.

كانت السلطة تعتمد أساساً على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وإلى حد معيّن على الوحدات الخاصة. ولقد عملت على إدخال قطاعات من الجيش تحت إشراف الشبيحة والأمن كي لا يحدث انشقاق فيها. لكن تطور الصراع وتوسعه إلى كل سورية تقريباً، ومن ثم الانتقال إلى العمل المسلح بعد اشهر من سلمية الثورة، فرض تزايد الاحتقان لدى قطاعات الجيش إلى حدّ بات يمكن أن يتوسع الانشقاق فلا يعود انشقاق أفراد بل يصبح انشقاق وحدات عسكرية كاملة. وأدى ارتباك الشبيحة والأمن بعد توسع الثورة إلى العجز عن ضبط حراك الجيش، لهذا جرى تحييد كتلة أساسية منه عبر وضعها في معسكرات مغلقة دون إجازات أو اتصالات.

هذا الأمر كان يفرض تراجع السلطة عن كثير من المناطق لكي تحافظ على «مناطق إستراتيجية» بالقوى التي تستطيع تحريكها. ولقد سرّع استخدام السلاح من قبل الثوار في هذه العملية، وفرض أن يجري الحفاظ على المدن، ودمشق خصوصاً. لكن خلال كل ذلك كانت «القوة الصلبة» التي تستخدمها قد أصيبت بضربات قوية، خصوصاً أنها هي «العنصر الفاعل» في الصراع منذ البدء. ولهذا ظهر أن عليها التراجع أكثر، رغم أن أي تراجع جديد سوف يعني انهيار السلطة.

وإذا كانت السلطة تحاصر حمص وحماة وحلب ودير الزور فقد ظهر أن دمشق ذاتها باتت شبه محاصرة، وأن إمكانية التقدم للسيطرة عليها باتت قائمة. أو على الأقل أن أي معركة هنا سوف «تقصم ظهر» الباقي من «القوة الصلبة». لهذا باتت السلطة بحاجة ماسة لدعم عسكري مباشر وليس لخبرات وتقنية فقط. وهو الأمر الذي جعل الصراع يجري الآن ليس مع السلطة فقط بل مع حزب الله ومع السلطة الإيرانية. والشعب السوري يخوض الآن هذا الصراع العنيف وهو يكمل طريقه لإسقاط النظام.

لِمَ كل هذا الصراع لحماية السلطة من قبل حزب الله وإيران؟

من الواضح أن المعركة هنا بالنسبة لهما هي معركة «مصير»، وهذا الأمر هو الذي فرض هذا التدخل المباشر. وربما كان حزب الله منقاداً في هذه المعادلة، أو تائهاً عن تغيرات الوضع العالمي، لهذا يعتقد بأن البديل عن السلطة السورية هو بديل «أميركي». رغم أن تصاعد تدخله ترافق مع وضوح مسار الصراع الدولي، ورجحان الكفة لمصلحة روسيا التي باتت أميركا الإمبريالية تقرّ لها بـ «مصالحها الحيوية» في سورية، وبالتالي تؤكد بأن البديل هو ليس أميركياً بل سيأتي عبر الدعم الروسي. ولهذا لن يكون في تناقض مع حزب الله، بل سيخضع لمنطق السياسة الروسية التي لازالت تتحالف مع إيران وتدافع عنها في المحافل الدولية. ربما كانت المسألة خاصة بإيران ذاتها، التي باتت تعتبر أن «سقوط دمشق» تهديد لها، وهو الخطوة الأولى لإسقاط السلطة فيها. وباتت تعتقد بأن المعركة الفاصلة ضد «الاستكبار الغربي» (وأميركا بالتحديد) هو في دمشق.

وهذا يطرح مسألة أثر التوافق الأميركي الروسي على حل في سورية ينطلق من مبادئ جنيف، على الموقف الإيراني ذاته. خصوصاً أن الحل هو حل روسي مدعوم أميركياً، وأن إيران مضطرة للخضوع للموقف الروسي نتيجة الدعم الروسي لها على الصعيد الدولي. وبالتالي هل أن هدف حماية السلطة الآن، وتحقيق بعض الانتصارات هو من أجل تعزيز وضع السلطة في المفاوضات التي دعت إليها كل من روسيا وأميركا، أم أنها أبعد من ذلك وتهدف إلى إنقاذ سلطة منهارة؟

بالتأكيد لن يحمي السلطة الآن لا حزب الله ولا إيران، فقد وصلت إلى وضع من الصعب إنقاذه. وهذه المعادلة لا ترتبط بالعمل المسلح في الثورة فقط بل ترتبط أساساً بأن الثورة ذاتها قد هزّت بنية السلطة، وجعلت قوى أساسية فيها ليست معها، ولهذا باتت في غير صالح السلطة ذاتها. فمعظم الجيش لم يعد «جيش السلطة»، وهو الأمر الذي جعلها تضعه في معسكرات مغلقة، وبالتالي بات مضاداً لها. لهذا تقلصت قوتها الفعلية كثيراً، ولقد تعرضت كذلك لضربات أفضت إلى خسائر كبيرة فيها. بالتالي لم يعد تدخل هؤلاء قادراً على إنقاذ السلطة، الأمر الذي يفرض القول إن ما يجري في القصير وبعض المناطق الأخرى هو محاولة لتعزيز وضع السلطة قبل التفاوض فقط.

في كل الأحوال ليس من حل دون نهاية لنظام بشار الأسد، فكل عناصر الصراع يرتبط سيرها في مسار جديد بتحقيق ذلك. وكل من يتوهم بأن بقاء بشار الأسد ممكن لا يكون قادراً على فهم الوضع بعمق. حيث أن كل المعادلات باتت مرتبطة بترحيله.

المصدر: الحياة

سلامة كيلة: أميركا ستتبنى «حلاً روســـياً» يتضمن رحيل الأسد

خالد محمود – القاهرة

أعرب المفكر والناشط الفلسطيني سلامة كيلة، المبعد عن سورية، عن قناعته باتجاه واشنطن لتبني «حل روسي» للأزمة السورية، يتمثل في إبعاد عائلة الرئيس السوري بشار الأسد وأركان نظامه، وترتيب فترة انتقالية، مشيرا في حوار مع «الإمارات اليوم»، بالقاهرة، أن موسكو ستلعب وبرضا أميركي دور الضابط، لجذب كل الأطراف المحلية والاقليمية، بما فيها «حزب الله» وإيران إلى «تفاهمات».

وقلل كيلة من أهمية السيناريوهات الاعلامية «في دور (القاعدة)، ومخاوف الحرب الطائفية»، مشددا على أهمية تذكر الطابع السلمي والشعبي والوطني للثورة السورية، والذي بدأت وانتهت به الأحداث.

وقال كيلة «إن الولايات المتحدة تدعم من اللحظة الأولى بهدوء، وحاليا بقوة، سيطرة روسيا على ملف الأزمة السورية، وسيتضح هذا أكثر وأكثر في تجليات لقاء الرئيسين الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين، حيث أرسل الأول إشارات ضمنية يعرب فيها عن رغبة واشنطن في تركيب حل أميركي ـ روسي يصب في مصلحة موسكو، في إطار التقاسم العالمي الجدي للادوار، ورغبة أميركا في الانسحاب من الشرق الأوسط، لمصلحة التركيز على آسيا والباسيفيكي، ولقطع الطريق على تحالف روسي مع الصين، التي تعتبرها اميركا الخطر الحقيقي عليها».

وأضاف كيلة أن أميركا تعتبر روسيا (راعية النظام الوليد)، الذي سيخلف حكم الأسد، وسيتخذ الحل شكل مفاوضات بين وفد من المعارضة وآخر من السلطة، يكون الأخير من شخصيات تحظى بقبول نسبي من نشطاء الثورة والمعارضة والشارع السوري، «وسيكون مسار تفاوضها النهائي، إنهاء نظام الأسد وأركان نظامه».

وعن صعوبة قبول نظام الأسد بمفاوضات تستهدف الإطاحة به، ويمكن ان تنتهي به الى السجن أو المحاكمة، وأن أصحاب القرار بالتفاوض هم أنفسهم المتورطون في مذابح وجرائم، قال كيلة إن البنية الصلبة للسلطة في سورية تتفكك حاليا باطراد، وقطاعات واسعة من النظام باتت مقتنعة بأن ليس هناك من مخرج، وقد عبر عن هذا نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في تصريحاته الأخيرة، وتحول السلطة عبر التفاوض سيكون أشبه بالانقلاب الصامت، بل لربما يحدث قبلها أو أثناءها انقلاب بالمعنى الحرفي، فالوضع اليومي الميداني أصبح جحيماً يصعب تحمله، والوضع الاقتصادي يتأزم والحياة الاجتماعية تدمر، والجميع يبحث عن مخرج».

وقال كيلة إن «الوضع على الجانب الآخر، أقصد معسكر الثورة السورية، لا يخلو من تعقيدات جوهرية، تساعد في الاتجاه نفسه، فعلى الرغم من التقدم العسكري للثوار فإن السلاح غير كاف، وحسم الصراع مع الجيش النظامي صعب، وهناك إشكالات وصراعات في المناطق التي انسحب منها الجيش النظامي بين الجيش السوري الحر، وجبهة النصرة، وهناك ايضا ممارسات تكفيرية لجيش النصرة ضد المدنيين تحفزا لمعارك داخلية، ما يجعل قطاعات متعاظمة من الشارع السوري البسيط، ونشطاء الثورة السورية، والمسلحين، من غير الراغبين في جذب الثورة الى متاهات ايديولوجية، مع الحل السياسي طالما وفر لهم هدف الإطاحة بنظام الأسد».

ونفى كيلة ما يتعمد البعض إشاعته عن «سلفية وإخوانية أو قاعدية» الثورة السورية، مؤكداً أن الثورة انطلقت سلمية، ونادت بإسقاط نظام بشار الأسد الاستبدادي، ورفعت شعارات تنادي بعودة سورية إلى الديمقراطية، بل وكانت تهتف في الشوارع «لاسلفية ولا إخوانية»، لكن النظام قمعها في الشوارع بوحشية، فعاد الشباب (مكايدة) ليؤكدوا ما سبق ونفوه، «واعتبر بعضهم ان إعطاء الثورة شكلا دينيا هو الرد المناسب على النظام».

وأوضح أنه «علينا ايضا أن ندرك أن جزءا من الانطباع حول إخوانية وسلفية وقاعدية الثورة، رسخه النظام كفزاعة يخيف بها الخارج والداخل والإقليم، وجزء آخر تسببت فيه أسماء الكتائب وأشكال المسلحين، وهي إشارات منطقية لمقاتلين يحملون سلاحاً، من اجل قضية ومتدينين بالاسلام في مجتمعاتنا، كما أن علينا أن نميز بوعي بين حالة التدين البسيطة والطبيعية في شعوبنا، والتوجهات الايديولوجية المتأسلمة والمتطرفة».

وأضاف كيلة أن «الاخوان المسلمين» موجودون في حلب وحمص بشكل أساسي، «والنصرة» في الشمال، وأن الطرفين يشكلان ‬15٪ من قوات الثورة، وهناك مجموعات اتخذت أسماء دينية للحصول على الدعم المادي، وآخرون فعلوها من قبل التحدي، لكن في كل الأحوال لا يجب التوقف كثيرا عند هذه المحطات، ومحاولات اختزال الثورة فيها، «خصوصا ان المعركة لإنهاء سيطرة الاسلاميين على الثورة جارية توازيا، وعلى عكس مصر، سيتم حسمها قبل انتصار الثورة».

وفي ما يخص تصريحات الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، بشأن عدم سماح أصدقاء سورية (الأسد) بسقوطها، والدور الايراني المتوقع في مواجهة الحل الروسي الأميركي، قال كيلة «إن لبنان ذاته وبيئة إقليمية بكاملها ستتغير مع الحل، الشيعة سينفضون من حول (حزب الله)، إذا تمسك بهذا النهج، وسيكون بمثابة انتحاره، لكن في ظل تغيرات لن يفعل أو بالادق لن يستمر، والحل سيتضمن مواءمات مع حزب الله ومراعاة قدر من المصالح الايرانية».

وشدد كيلة على براغماتية وعدم مبدأية العلاقة بين سورية بشار الأسد والنظام الايراني، وبالتالي «حزب الله»، وذكر بأن دمشق ظلت تلعب على توازن إقليمي بين علاقتها بالرياض وطهران، بما يشي بأن ايران و«حزب الله» سينصرفان ساعة الحقيقة الى مصالحهما المباشرة والجديدة.

واستبعد كيلة ما تردده وسائل إعلام حول المآل الطائفي المحتمل للثورة السورية، وقال «إن عشرات المجازر التي ارتكبها النظام لم يتم الرد عليها بشكل طائفي، على الرغم من قدوم المنفذين من قرى بعينها، وهناك قرى علوية كاملة متماسة مع مناطق الجيش الحر والنصرة لم تمس».

وأضاف أن «الأسد وزمرته لا دين لهم سوى المال والسلطة، وهم استغلوا كل الأطراف والتمايزات والطوائف بشكل رديء لمصلحتهم، والذين يقولون بـ (علوية) نظام الأسد عليهم التذكر ان السلطة اعتمدت مثلا على قطاعات من (تجار السنة) لتمويل نظامها، والصراع ليس سنياً علوياً، وليس طائفياً، الصراع بين شعب حر، يحلم بالديمقراطية وسلطة ديكتاتورية غاشمة».

المصدر: الإمارات اليوم

مصر بعد «الإخوان» … «بروفا» ثورة جديدة

الحراك الاجتماعي لم يتوقف في مصر على رغم الثورة والانتخابات، وتغيير الرئيس و «النخبة» الحاكمة. ومن يتابع حركة الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات، ومختلف أشكال العصيان، يعتقد أننا ما زلنا في أواخر أيام حسني مبارك. ومن يتابع الحراك السياسي يلاحظ أن الأمور لم تختلف سوى بتغيير الأسماء المستهدفة، حيث تبدو التكتيكات المعتمدة هي ذاتها، وتنطلق من المنظور ذاته، كأن ثورة لم تحدث، وكأن «أحجار الشطرنج» لم يختلف سوى لونها. وتغرق المعارضة في سياسة «الحشد» ضد أخونة الدولة، وهناك من يميل إلى اعتبار أن اساس الصراع الآن هو الصراع «المدني» ضد الأسلمة، أو صراع الدولة المدنية ضد الدولة الدينية.

بالتالي، بينما تتصاعد موجة الاحتجاج، ويتوسّع الاحتقان الاجتماعي، ويصبح واضحاً أن «وضع الناس» هو الأولوية الحاسمة، تتوه المعارضة في تكتيكات لا معنى لها سوى تدعيم سلطة الإخوان من جهة، ومن جهة أخرى ترك الشارع لتطوره العفوي، ولظهور بعض الميول المربكة. الشباب يتجذر في سياق الصراع من أجل فرض مطالب الطبقات التي يمثلها، من الفقراء عموماً، لكنه لم يبلور بعد الرؤية والسياسات، ولم يعرف كيف ينتصر.

ما حدث في الذكرى الثانية للثورة المصرية بروفا لثورة مقبلة حتماً. في مرة سابقة اقتحم الثوار قصر الاتحادية لكنهم لم يريدوا السيطرة عليه، فقط كان الأمر تبليغاً بأن هدفهم قد يصبح القصر إذا لم يتحقق ما يريدون. اليوم يحاول الشباب اقتحام القصر بالقوة. ليست القوة هي ما يلفت هنا، بل حالة الانتقال من السلبية إلى الهجوم، من الاعتصام في الساحات «حتى يسقط النظام» إلى الهجوم على مراكز السلطة من أجل السيطرة عليها.

هذا هو، ربما، الموضوع الأهم الذي تبلور بعد عامين من عمر الثورة، التي ما زالت مستمرة على رغم الهبوط والصعود اللذين تعيشهما. ولا شك في أن الوعي والخبرة قد تراكما لدى الشباب الذي هو مصمم على استمرار الثورة، ويخوض الصراع طيلة هذين العامين. ونجد أيضاً أن قطاعات شعبية راهنت على الإسلاميين اكتشفت أن سلطتهم لم تختلف عن سلطة حسني مبارك، وأن الأمور لم تتغيّر، بل ربما تغيّرت نحو الأسوأ. ولهذا عادت الى ممارسة أشكال الاحتجاج المختلفة، الأمر الذي جعل الوضع الآن شبيهاً بما كان عليه في السنة الأخيرة من حكم مبارك.

ذلك كله يؤشّر إلى عودة لتبلور «وضع ثوري»، ظهر في تظاهرات ضخمة، بات مقصدها «قصر الاتحادية». لكن يبقى أن هناك ما هو «ملتبس» أو «ضائع». فما الهدف الآن؟

في ثورة 25 يناير كانت قد تجمعت مطالب الطبقات الشعبية تحت هدف «إسقاط النظام». وكان واضحاً أن حق العمل والحد الأدنى للأجور وأرض الفلاحين، والتعليم والصحة والبنية التحتية، كلها تقتضي إسقاط النظام. وإذا كان قد تلخص هذا الهدف في رحيل مبارك في 11 شباط (فبراير)، فإن الشعب اكتشف أن من وصل إلى السلطة اكتفى بذلك كتعبير عن «إسقاط النظام»، وأن هدف الديموقراطية والدولة المدنية قد ابتسر إلى انتخابات محسّنة جزئياً عما كان في زمن حسني مبارك. هذا الأمر هو الذي فرض استمرار تحرّك قطاعات من الشعب، وقبول قطاعات أخرى بما تحقق على أمل أن يحدث نقلة في الوضع. الآن لا يظهر أن شيئاً تحقق، خصوصاً مع اتباع سياسات اقتصادية قديمة-جديدة من جانب حزب الحرية والعدالة (الإخوان) ومع إقرار دستور بطريقة سيئة وميل واضح لهيمنة شاملة تحاولها الجماعة.

لكن، ما يبدو واضحاً هو أن الهدف الذي يلمّ كل ذلك ما زال غائباً. حيث تتوزع الشعارات بين «إسقاط الدستور»، و «إسقاط حكم المرشد»، أو «إسقاط حكم الإخوان». وأيضاً تسير المعارضة (جبهة الإنقاذ) إلى الضغط من أجل انتخابات ديموقراطية. فالذين يعتقدون أن الديموقراطية هي الطريق يعتبرون أن شعار إسقاط الرئيس خاطئ، وبالتالي لا يطرحون إسقاط النظام، وقد ركزوا على إسقاط الدستور.

والشباب لا يزال مشوشاً، حيث لا يزال في «الوضع السلبي» الذي ينطلق من هدف الإسقاط فقط من دون أن يمتلك بديلاً واضحاً. وهو متردد أيضاً لأنه رفع هدف إسقاط النظام وانتهى حسني مبارك من دون أن يتغيّر شيء تقريباً، وبالتالي بعضه يرفع هدف إسقاط حكم الإخوان وبعضه يحس أن في ذلك تكراراً لما كان في 25 يناير. لهذا يتقدم من أجل السيطرة على مراكز السلطة، لكنه يبدو متردداً كذلك نتيجة هذا التشوش.

وعلى رغم الميل الى اعتبار أن المطالب الاجتماعية هي الأساس، وأن العمل يجب أن ينطلق منها، إلا أن صياغة ذلك في رؤية ما زالت قاصرة. بمعنى أن الفهم العميق لمعنى إسقاط النظام لم يتبلور بعد، حيث يكون حين معرفة أنه يعني بالضبط إسقاط الطبقة المسيطرة وتغيير جذري للنمط الاقتصادي القائم.

في هذه الحالة تنشأ نزعات متعددة. نزعة الميل إلى العنف، خصوصاً بعد ممارسات جماعة الإخوان العنيفة ضد المتظاهرين. وهي نزعة تنتشر لدى قطاعات من الشباب من الفئات الوسطى. ونزعة الميل إلى الفوضى، والممارسات الفوضوية، التي تبرز لدى قطاعات من الشباب من الفئات الوسطى أيضاً. لكن يمكن تلمّس انتشار الوعي بأهمية التنظّم، والميل الى بلورة رؤية للثورة ومطالبها، وكيف تتحقق. وسنلمس أن هناك من الشباب من لا يزال يراهن على «طريق الانتخابات»، ومن أصبح مقتنعاً بأن الثورة من جديد هي الطريق الضروري، ومن لا يزال «يعترف» بشرعية الانتخابات التي أتت بمحمد مرسي لكنه يريد إسقاط الدستور، وهناك من أصبح رافضاً لكل «الطريق الديموقراطي».

في الواقع، سنجد أن كل أشكال الاحتجاج الاجتماعي في تصاعد وتوسع، كل أشكال تجريب إسقاط السلطة ايضاً خصوصاً في المدن الرئيسة.

 

لكن الثورة تقدمت

كل هذا الوضع يشير إلى أن الثورة تقدمت، وأن الخبرات تتراكم، كذلك الوعي، لكن لم تصل بعد إلى اللحظة التي يتحدد فيها الهدف بوضوح ليلمّ الشعب في ثورة جديدة. وهنا يمكن أن نلمس أن الوعي لم يوصل إلى تحديد الهدف، فلا يتعلق الأمر بإسقاط النظام فقط، بل يتعلق بالإجابة عن سؤال: ما هو النظام؟ الشخص أو الحزب او السلطة السياسية أو كلية التكوين الاقتصادي السياسي الذي يمثّل مصالح طبقة هي المسيطرة في الأخير عبر واجهة سياسية؟

إن الدخول في «الطريق الديموقراطي» من دون أن يتحقق ما يحل مشكلات شعب لم يعد قادراً على تحمّل الوضع الذي يعيشه، فرض أن يتبلور الوعي لدى الشباب بأن المطالب الاجتماعية هي في الصدارة. لكن ينتشر الميل الذي يقول بالضغط من أجل فرض «برنامج اقتصادي» يحقق تلك المطالب في ظل النمط الاقتصادي القائم. وهو ميل يكرر إصلاحية السياسيين بإصلاحية اقتصادية. وربما يستهوي ذلك قطاع من الشباب، لكنه سيصل إلى أفق مسدود، لأن الأمر يتعلق بالبنية الاقتصادية بكليتها. أي البنية القائمة على أساس ريعي (خدمات، عقارات، سياحة، استيراد، بنوك)، وهي البنية المطابقة لمصالح الرأسمالية المسيطرة. وهذه البنية هي التي أسّست لارتفاع عدد العاطلين من العمل، والأجر المتدني، وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، وليس من الممكن حل المشكلات الناجمة عنها عبرها هي، بل لا بد من تجاوزها.

هذه هي الخبرة التي بتنا بحاجة لأن يكتسبها الشباب، لكي تفتح على الاقتناع بأن الأمر يتعلق بإسقاط الطبقة المسيطرة وليس «الضرب» على هوامشها عبر التركيز على الأشخاص أو الأحزاب أو الأشكال. وبالتالي السعي الجدي من أجل بلورة بديل ثوري ينطلق من إسقاط الطبقة الرأسمالية المسيطرة وفرض سلطة الطبقات الشعبية.

في الأخير، الأمور تتحضر بالتأكيد. فالشعب يتدرب على اقتحام القصر والسيطرة على مراكز السلطة. والوعي يتراكم بما يسمح بصياغة رؤية وأهداف واضحة تقود إلى تحقيق تغيير جذري. والميل الى التنظّم، والشعور بالحاجة إلى حزب يقود الصراع، في تصاعد. وأيضاً الشعب يتلمس أن القوى القائمة لا تحمل حلولاً لمـشكلاته الـجـوهرية التي جعلته غير قادر على أن يســتمر في الوضـعية الـتي هو فيها. لهـذا نقـول إننـا في سـياق ثـورة مقبلة.

المصدر: الحياة

¿Se acerca la solución rusa?

Texto original: Aljazeera
Autor: Salama Kayleh
Fecha: 15/05/2013
El anuncio de un acuerdo ruso-estadounidense en torno a una solución para Siria tal vez haya sorprendido a algunos que consideraban que “la lucha internacional” se sigue librando entre el “imperialismo estadounidense” y el “socialismo ruso”.
Pero era algo “natural” a la luz de los acontecimientos internacionales que han seguido a la crisis financiera y que han afectado a EEUU en primera instancia y le han hecho revisar su expansión en el mundo y sus alianzas. Ello también le ha obligado a trabajar para lograr un consenso con Rusia en cuestiones internacionales, de cara a evitar una alianza de Rusia con China que le cierre la posibilidad de seguir siendo una gran potencia tras convencerse de que su potencial para “gobernar el mundo” ya no es tal.
Como ya hemos dicho muchas veces, Rusia luchaba para obtener a Siria tras perder sus alianzas con la de caída la Unión Soviética, y con la tendencia del nuevo capitalismo en Siria a mirar hacia Occidente, especialmente EEUU, donde los nuevos hombres de negocios padecían una pasión occidental. Tras reducirse sus capacidades marítimas necesitó aún más a Siria como lugar en que poner su pie en el Mediterráneo, un proyecto que comenzó en 1981 y que se detuvo por las presiones estadounidenses sobre Hafez al-Asad. En consecuencia quería una resolución internacional sobre “sus intereses legítimos en Siria”, especialmente de EEUU.
EEUU se alejó de la zona después de que sus prioridades en la región se limitaran a Asia y el océano Pacífico y por ello, se quedó mirando lo que sucedía en Siria “desde lejos” sin ninguna injerencia directa y tal vez tampoco indirecta, y decidió no llevar a cabo una intervención militar ni armar a la oposición, insistiendo en que la solución es política.
Su necesidad de acercarse a Rusia le permitía, por tanto, desentenderse de Siria después de creer poco después de la ocupación de Iraq que podía lograr un cambio en ella en el marco de la “reconfiguración” de la zona sobre una base sectaria.Pero fracasó (al parecer como resultado de la competición por el dominio de Siria entre Turquía, que logró un peligroso acuerdo estratégico, y Francia, que apoyaba el cambio de poder; pero hay quien veía que todo impulso estadounidense de dominar Siria debía detenerse, y quizá aquí destaca el papel de Sarkozy del que se decía que había destapado el golpe militar que se estaba preparando).
Así era natural que se lograra un acuerdo EEUU-Rusia de “vender” Siria a Rusia, a cambio de los intereses en otros lugares que podremos apreciar tal vez tras el encuentro entre Obama y Putin el próximo mes.
Obama, desde 2012, ha declarado que “Rusia debe patrocinar la etapa de transición en Siria, como sucedió en Yemen”. Pero Rusia entonces apoyó el salvaje ataque militar que comenzó contra Baba Amro, y después contra todas las ciudades y regiones de Siria, partiendo de su miedo al dominio por parte de los combatientes armados sobre las ciudades en caso de que comenzase un traspaso de poder (como declaró Lavrov, ministro de Exteriores ruso, en una entrevista con los ministros de Exteriores árabes en la Liga Árabe en aquel momento).
Con ello, se metió hasta el fondo en el fango sirio y se convirtió en cómplice de la lucha, una lucha que se extiende en vez de retroceder, y donde la fuerza de las brigadas armadas ha aumentado en vez de descender, y ya dominan amplias zonas de Siria.
Tal vez, la “estupidez imperialista” rusa ha empujado a EEUU a explotar esto para alargar la lucha y expandir la destrucción y la muerte, y así debilitar a Siria como país y dejársela destruida a Rusia en herencia. Sin embargo, la política estadounidense sigue partiendo de que Siria es una porción para Rusia.
EEUU se ha beneficiado de la magnitud del papel de las fuerzas armadas y del retroceso de las capacidades de las autoridades, y también de la incapacidad rusa de comprender que abandonar a Bashar al-Asad y hacer realidad un proceso de transición de poder es una necesidad, para convertirse en parte de la solución. EEUU pidió a Rusia que llevara a cabo el traspaso de poder, pero el fracaso ruso obligó a la vuelta de EEUU como parte de la solución: Rusia necesita el papel de ayudante de EEUU.
A pesar de las declaraciones que insinuaban la existencia de disputas entre ambos lados sobre “la interpretación” de los puntos del acuerdo de Ginebra, había un “plan efectivo” para lograr unos puntos del acuerdo. EEUU jugó el papel de “broker” para organizar a la oposición siria “exterior” (la interior ya la habían organizado los rusos), lo que le hizo implicarse en una solución según el diseño ruso.
Eso es lo que se vio cuando se creó la Coalición Nacional Siria, y es el papel que juega después de que los Hermanos dominen la Coalición, y se haya provocado el fracaso de la iniciativa de Moaz al-Jatib, pues se intenta rediseñar la situación para ser parte de la solución.
Ello ha quedado patente en los intentos estadounidenses de que los Amigos de Siria adoptaran el Acuerdo de Ginebra según la interpretación rusa, y de frenar a los países que han trabajado desde el inicio de la revolución en conformar una alternativa que sirva a sus intereses, o que ha apoyado a fuerzas fundamentalistas y salafistas para llevar a Siria a una lucha sectaria que aborte la revolución.
Rusia, por supuesto trabaja para organizar a las fuerzas en el poder que pueden formar parte de la solución, y quizá trabaje también para frenar el papel iraní, especialmente porque Rusia es quien protege a Irán internacionalmente, y por tanto, no puede chocar con él.
En este contexto, se conforma el gobierno de transición “con plenos poderes”  y se echa tierra sobre “la era asadiana”. Naturalmente, el punto de divergencia que siempre aparece es “el futuro de Bashar al-Asad”, pues EEUU apuntaba la necesidad de que dimitiera mientras Rusia se negaba a que su dimisión fuera el preludio de la solución, y partía de la necesidad de dejar el asunto para una etapa posterior.
¿Estamos entonces ante una solución cercana?
Quizá. Y así es como parece según lo que está sucediendo en la práctica, pues parece claro y sin ningún tipo de duda que hay un acuerdo ruso-estadounidense. En cuanto al resto de detalles, pueden ser tratados cuando se haga realidad, ya que no es necesario que dicho acuerdo lleve a una solución rápida y pueden aparecen complicaciones que retrasen la posibilidad de lograr una solución. No obstante, el horizonte de la solución está claro y el camino hacia él ha comenzado a pavimentarse.
Sin embargo, creo que para que la solución tenga éxito, debe de quedar claro que esta exige el “fin” de Bashar a-Asad, una cuestión importante para lograr dos puntos esenciales. El primero convencer a los sectores principales del pueblo de que se ha logrado un paso importante, pues no es posible una “estabilidad” sin ello, y tampoco es posible convencerse de que un paso dado taerá “la calma” sin que termine el gobernó de la familia Asad. Al menos este paso ha de darse, como en el resto de países árabes que han presenciad revoluciones y donde se ha acabado con los presidentes.
Lo segundo es rebajar la tensión que se ha acumulado durante la revolución y que ha puesto a varios sectores del pueblo contra el resto. No discutiremos aquí el contexto que ha impuesto eso, pero las fuerzas del régimen no podrán mantenerse en el poder (en el marco del gobierno de transición) sin un paso como este. Esto recaerá sobre todos los que empujaron a que se perpetraran todas estas masacres y toda esta destrucción.
A la luz de todo esto, puede decirse que el paso puede darse, pero el objetivo de la revolución iba más allá de la eliminación de cargos, y si la realidad objetiva impone ahora este diseño, las peticiones del pueblo seguirán siendo el motor de la movilización popular continua, que no se detendrá hasta que cambie el modelo económico y se funde un Estado democrático y civil.

هل اقترب الحل الروسي؟

69a51a3d-cc5d-4657-ada6-8350e15bc64c

الإعلان عن توافق أميركي روسي حول الحل في سوريا ربما كان مدهشاً للبعض الذي كان يعتقد بأن “المعركة العالمية” ما زالت هي بين أميركا وروسيا، “الإمبريالية” الأميركية وروسيا “الاشتراكية”.

لكنه كان “طبيعياً” على ضوء التحولات العالمية التي تلت الأزمة المالية العالمية، والتي أصابت أميركا بالأساس، وجعلتها تعيد موضعة انتشارها العالمي وتحالفاتها. وفرضت عليها أن تعمل من أجل التوافق مع روسيا في القضايا العالمية، لكي تتجنب تحالفاً روسياً مع الصين يغلق عليها إمكانية أن تظل قوة عظمى بعد أن اقتنعت بأن مقدرتها على “حكم العالم” لم تعد قائمة.

كما أشرنا مراراً، كانت روسيا تقاتل للحصول على سوريا بعد أن خرجت من سياق تحالفاتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وميل الرأسمالية الجديدة في سوريا إلى الذهاب غرباً، وخصوصاً نحو أميركا، حيث إن “رجال الأعمال الجدد” كانوا ذوي هوى غربي. ولقد احتاجت أكثر سوريا بعد أن تقلصت قدراتها البحرية وباتت في حاجة إلى “موطئ قدم” بحري في المتوسط، المشروع الذي كانت قد بدأته عام 1981 وتوقف نتيجة الضغط الأميركي على حافظ الأسد حينها. بالتالي كانت تريد إقراراً عالمياً بـ”مصالحها المشروعة” في سوريا، ومن أميركا خصوصاً.

وكانت أميركا تبتعد عن المنطقة بعد أن حددت أولويتها في منطقة آسيا والمحيط الهادي (الباسيفيك) ولهذا ظلت تنظر لما يجري في سوريا “من بعيد” أي دون تدخل مباشر وربما غير مباشر، فقررت عدم التدخل العسكري وعدم تسليح المعارضة، وظلت تصرّ على أن الحل هو حل سياسي.

بالتالي كان احتياجها لتقارب مع روسيا يسمح لها بالتنازل عن سوريا، بعد أن كانت قد فكرت بعيد احتلال العراق بأن في مقدورها تحقيق تغيير فيها في سياق “إعادة هيكلتها” للمنطقة على أساس طوائفي، لكنها فشلت (كما يبدو نتيجة الصراع التنافسي الذي كان قائماً للسيطرة على سوريا من قبل تركيا التي حصلت على اتفاق إستراتيجي خطير، وفرنسا التي دعمت تغيير السلطة، لكن هناك من كان يرى بأن الاندفاع الأميركي للسيطرة على سوريا يجب أن يتوقف، هنا ربما كان دور ساركوزي الذي قيل إنه أفشى سرّ الانقلاب العسكري الذي كان يحضّر).

بالتالي كان من الطبيعي أن يتحقق التوافق الأميركي الروسي على “بيع” سوريا لروسيا، مقابل مصالح في أماكن أخرى يمكن أن نتلمسها ربما بعد لقاء أوباما وبوتين الشهر القادم.

لقد صرّح أوباما منذ بداية عام 2012 بأن “على روسيا أن ترعى مرحلة انتقالية في سوريا كما حدث في اليمن” لكن روسيا حينها دعمت الهجوم العسكري الشرس الذي بدأ ضد بابا عمرو، ومن ثم ضد كل المدن والمناطق السورية، انطلاقاً من خشيتها من سيطرة المسلحين على المدن في حال جرى البدء بتحقيق نقل السلطة (كما صرّح لافروف وزير الخارجية الروسي وهو يلتقي وزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية حينها).

وبهذا فقد تورطت في الوحل السوري، وباتت شريكاً في الصراع، الذي توسّع بدل أن يتراجع، وحيث زادت قوة الكتائب المسلحة بدل أن تنتهي، وسيطرت على مناطق واسعة من سوريا.

ربما دفع “الغباء الإمبريالي” الروسي أميركا إلى استغلال ذلك من أجل إطالة أمد الصراع، وتوسيع التدمير والقتل، ومن ثم إضعاف سوريا كبلد، وتوريثها لروسيا مهدمة. لكن ظلت السياسة الأميركية تنطلق من أن سوريا هي من حصة روسيا.

ولقد استفادت من تضخم دور القوى المسلحة وتراجع قدرة السلطة، والعجز الروسي عن فهم أن التخلي عن بشار الأسد وتحقيق عملية انتقال للسلطة هو ضرورة، لكي تصبح شريكاً في الحل. فأميركا طلبت من روسيا أن تقوم بتحقيق انتقال السلطة، لكن فشل روسيا في ذلك فرض أن تعود أميركا شريكاً في الحل، أن تحتاج روسيا لدور أميركي مساعد.

ورغم التصريحات التي كانت توحي بوجود خلافات بين الطرفين حول “تفسير” بنود اتفاق جنيف، كان هناك “ترتيب عملي” لتحقيق بنود الاتفاق. ولقد لعبت أميركا دور “السمسار” لكي ترتب وضع المعارضة السورية “الخارجية” (فأمر معارضة الداخل كان قد أصبح مرتباً مع الروس) بما يجعلها تنخرط في الحل وفق الصيغة الروسية.

هذا ما أشير إليه حين تشكيل الائتلاف الوطني السوري، والدور الذي يمارس بعد هيمنة الإخوان على الائتلاف وإفشال مبادرة معاذ الخطيب، حيث يجري السعي لإعادة ترتيب وضعها لكي تكون شريكاً في الحل.
وهذا ما ظهر في السعي الأميركي لكي يتبنى “أصدقاء سوريا” اتفاق جنيف وفق التفسير الروسي. ومن ثم يجري لجم الدول التي عملت منذ بدء الثورة لترتيب بديل يخدم مصالحها، أو التي دعمت قوى أصولية وسلفية في سياق جر سوريا إلى أتون صراع طائفي يفشل الثورة.

وتعمل روسيا طبعاً على ترتيب وضع القوى من السلطة التي يمكن أن تشارك في الحل، وربما تعمل كذلك على لجم الدور الإيراني، خصوصاً أن روسيا هي من يحمي إيران دولياً، وبالتالي لا تستطيع أن تصطدم بها.

في هذا السياق يجري تشكيل حكومة انتقالية “كاملة الصلاحية” ويهال التراب على “العهد الأسدي”. طبعاً كانت نقطة الخلاف التي تثار دائماً هي “مصير بشار الأسد” حيث كانت أميركا تشير إلى ضرورة تنحيته بينما ترفض روسيا أن تكون تنحيته هي المدخل إلى الحل، وتنطلق من ضرورة ترك هذا الأمر إلى مرحلة تالية.

هل نحن إزاء حل قريب إذن؟
ربما، أو كما يبدو فيما يجري عملياً، حيث بات واضحاً التوافق الأميركي الروسي، دون لبس أو شك. أما الباقي فتفاصيل يمكن تذليلها حين تحدث. حيث ليس بالضرورة أن يقود ذلك إلى حل سريع، حيث يمكن أن تظهر تعقيدات مختلفة تؤخر فرض الحل، لكن أفق الحل بات واضحاً، والطريق إليه باتت تخضع لتمهيد.

لكن أظن أنه لكي ينجح الحل يجب أن يكون واضحاً بأن الأمر يتطلب “نهاية” بشار الأسد، فهذا أمر مهم لتحقيق مسألتين جوهريتين، الأولى هي إقناع قطاعات أساسية من الشعب بأن خطوة مهمة قد تحققت، حيث ليس من الممكن أن يحدث “استقرار” ما دون ذلك، وليس من الممكن أن تكون هناك قناعة بأن خطوة تحققت تفرض “الهدوء” دون أن ينتهي حكم “آل الأسد”. على الأقل أسوة بباقي البلدان العربية التي شهدت ثورات أطاحت بالرؤساء.

والثانية هي تنفيس الاحتقان الذي تشكل خلال الثورة، والذي وضع قطاعات من الشعب ضد باقي الشعب. ولن نناقش هنا السياق الذي فرض ذلك، لكن لن تستطيع قوى من السلطة أن تظل في الحكم (في إطار الحكومة الانتقالية) دون خطوة كهذه. وهو الأمر الذي سوف يحمّل من دفع إلى ممارسة كل هذه المجازر ومارس كل هذا التدمير وزر ما فعل.

على ضوء ذلك، يمكن القول بأن خطوة يمكن أن تتحقق، لكن أشير إلى أن هدف الثورة كان أبعد من إزالة أشخاص، وإذا كان الواقع الموضوعي يفرض هذه الصيغة الآن، فإن مطالب الشعب سوف تبقى محركاً لحراك شعبي مستمر، لن يتوقف قبل تغيير النمط الاقتصادي وتأسيس دولة ديمقراطية مدنية.

المصدر: الجزيرة

الثورة السورية من منظور ماركسي

تبدو الثورة في سورية مشوشة، ويلفها اختلاط كبير. فقد «ظهرت فجأة» دون توقّع، وأصبحت مجالاً لتصوير إيهامي يرضي الذات من قبل نخب وأحزاب. ولهذا خضعت للتشوه «الخلقي» رغم أنها نقية وواضحة إلى أبعد الحدود. وبالتالي باتت هي وليست هي في الوقت ذاته. وأصبحت «صورتها الخارجية» تغطي على واقعها الحقيقي، وتشوهه. وإذا كانت أكثر الثورات العربية بطولة، إلى الآن، في مواجهة نظام وحشي، فإنها تبتلي بأكثر المعارضات هزلاً وهزالاً، وبأكثر الثورات توافقاً على تشويهها من قبل المعارضة والقوى الإقليمية والدولية معاً.
إنها ثورة أبطال حقيقيين، بقيادات هزلية، في مواجهة سلطة مافياوية مجرمة. لكن هذه البطولة سوف تفرض الانتصار، وبالتالي لا بد من فهم عميق لها من أجل تطوير آلياتها لكي تصل إلى ذلك.
 من هنا لا بد للماركسي من أن يفهم واقعها لكي يضع التكتيكات الضرورية لتطورها وانتصارها، ولانتصار العمال والفلاحين الفقراء، والطبقات الشعبية عموماً.
الجوهر والمظهر: واقع الانتفاضة وأشكالها
في النظر إلى الموضوع لا بد من التمييز بين الجوهر والمظهر، أو السبب الجوهري في الانتفاضة والشكل الذي اتخذته. ثم الفعل والشكل الذي يتخذه، فالظاهرة أعقد من أن تبتسر في شكل معين أو في سبب يظهر جلياً.
فما ظهر هو شعار الحرية، وجرى اختصار الأمر في أن هدف الانتفاضة هو الحرية والكرامة. ولقد جرى التركيز على ذلك إلى الحد الذي أظهر بأنه هو هدف الانتفاضة الوحيد، وهو الهدف الذي يحرّك كل المنتفضين بالسوية ذاتها.
ولا شك في أن الاستبداد الطويل ومسخ «الشخصية» من خلال كل الآليات التي تفرضها السلطة منذ دخول المدرسة إلى النشاط في أي من مناحي المجتمع، يفرض ضرورة تحرر الذات. خصوصاً بعد ارتقاء التعليم، ومن ثم التوسع الكبير في التواصل العالمي عبر الوسائل الحديثة، سواء تعلق الأمر بالنت أو بالفضائيات. وهو الأمر الذي أسّس لشعور كبير بـ «الفردية»، وأفضى إلى الشعور بالذات، وبدورها في الشأن العام. فإضافة إلى الإخضاع المستمر عبر المدرسة واتحاد شبيبة الثورة، وفي النقابات والاتحادات، والجامعات، كان التدخل في الشأن العام يعني السجن، وأصبح امتلاك رأي مخالف يعرّض الشخص للمساءلة والسجن.
لهذا أوجد الاستبداد، وأوجدت الشمولية، النقيض الضروري، الذي هو ضرورة التحرر وفرض الديمقراطية من أجل دور فاعل في المجتمع. وبالتالي ظهر واضحاً منذ وفاة حافظ الأسد بأن قطاع من الشباب بدأ يتحسس ضرورة أن يعبّر عن ذاته، وجده جزئياً في «ربيع دمشق»، الذي تلاشى سريعاً تاركاً الشباب في وضع يائس. لهذا كانت ثورة تونس، ثم ثورة مصر، وبالتالي البحرين وليبيا واليمن، هي اللحظة التي دفعت بعض منهم إلى البحث عن نشاط مشابه (خصوصاً وأن تلك الثورات اعتمدت على الشباب بالأساس).
أيضاً إن وطأة التدخل الأمني كان يطال كل مجالات الحياة، وكل نشاط اقتصادي أو ثقافي، أو رياضي، أو حتى ترفيهي. ولهذا كان المواطن يصطدم أينما أشاح وجهه بالأجهزة الأمنية. ولعب الفساد الذي تعمم في كل بنى الدولة دوراً كبيراً في أن يتزايد دور «التحرش» الأمني، والروتين السلطوي، ويصبح عبء السلطة أمراً لا يطاق.
هذه هي الوطأة المباشرة التي تفرض الصراع من الألم، لكن هذا الأمر كان قبلاً، ولقد عانت منه أجيال، دون أن تتمرّد أو تحاول الانتفاض. لقد تحركت نخب ممن ينشط في العمل السياسي (الأحزاب)، وقضت سنوات طويلة في السجون، لكن الطبقات الشعبية لم تتحرّك، ولهذا كانت متهمة من النخب بأنها رُوِّضت، و»خنعت»، و»خضعت» و»تبعثت»، وباتت مستكينة لا يخرج منها شيء. وفعلاً لم تظهر أية تحركات خلال العقود السابقة (وأحداث سنة 1980/ 1982 تخرج عن ذلك لأنها نشأت عن فعل سياسي طائفي). حتى الإضرابات المحدودة، أو أشكال الاحتجاج البسيطة، لم تظهر إلا بشكل محدود في السنوات الأخيرة، ولأسباب اقتصادية.
ما حدث منذ 15 آذار/ مارس سنة 2011 هو التحوّل الكبير الذي يحتاج إلى تحديد الأسباب التي جعلت هذا «الشعب المستكين» يتمرّد بهذا الشكل البطولي؟
كان الاستبداد لازال قائماً، لكن وطأته كانت قد تراجعت منذ سنة 2000. وشمولية السلطة كانت قد بدأت بالتراخي. ما تحوّل هو وضع الطبقات الشعبية نتيجة السياسة الاقتصادية التي حدثت منذ سنة 1991، وخصوصاً منذ سنة 2000. فقد تعممت اللبرلة، وجرى التخلي التدريجي (لكن السريع) عن دور الدولة في الاستثمار والتعليم والصحة والتوظيف، ودعم السلع والحفاظ على التوازن بين الأجور والأسعار، وضبط تأثير السوق العالمي على الاقتصاد المحلي لكي لا تخضع الأسعار لسعرها العالمي. وهو الأمر الذي أسس لانهيار الاقتصاد «المنتج» (الصناعة والزراعة)، وتشكل اقتصاد ريعي محتكر من قبل أقلية عائلية سلطوية (ومحظيين). وفرض انهيار الوضع المعيشي لكتلة كبيرة من الشعب (العمال والموظفون والفلاحون، و جزء مهم من الفئات الوسطى) بعد أن تمركزت الثروة بيد أقلية حاكمة. كما أفضى النمط الاقتصادي الريعي إلى نشوء بطالة كبيرة بلغت ما يقارب الـ 30% من القوى العاملة (وجزء مهم منهم هو من الشباب).
لقد انهارت الزراعة بعد تحقق الانفتاح الاقتصادي والخضوع للأسعار العالمية للمشتقات النفطية والبذور والأسمدة، فتضرر الفلاحون الفقراء والعمال الزراعيون والفلاحون المتوسطون، وحتى بعض كبار الفلاحين. وتوسع «القطاع الخاص» في بعض الصناعات الاستهلاكية، والورش، لكن أجور العمال كانت أدنى من الحد الأدنى الذي قررته السلطة (والذي كان هو ذاته لا يفي بثلث ما هو ضروري). وظلت أجور العمال والموظفون في «القطاع العام» متدنية كثيراً. وتعرّضت الفئات الوسطى التي تنشط في التجارة أو الخدمات، أو تتوفر على «مشاريع صغيرة» إلى انهيار في وضعها، وإفلاس قطاع كبير منها.
هذا هو الوضع الذي تبلور خلال العقد الأخير، خصوصاً في السنوات الخمس الأخيرة. وهي التي اسست لنشوء احتقان اجتماعي كان يختمر «تحت الرماد». وعبّر عن ذاته في أشكال بسيطة من التصريح أو التذمر أو الاحتجاج. لكن كان واضحاً بأن عمق الخوف فرض الانضغاط الأشد، إلى أن تفجّر بُعيد 15 آذار.
إذن ما كان يؤسس لاحتقان كبير هو الوضع الاقتصادي الذي وجدت الطبقات الشعبية ذاتها فيه. لكن ذلك كان يطرح كل المتراكم في العلاقة مع السلطة، من دور الأمن، إلى الفساد والنهب والإذلال والتدخل، والخوف. حيث كان كل ذلك ممكن التحمّل مادام هناك مقدرة على العيش، لكنه يصبح مجال رفض ويجري التمرّد عليه حين ينهار الوضع الاقتصادي.
لهذا فإن ما أسس «القاعدة» الأساس لانفجار الثورة هو هذا التراكم الهائل من الاحتقان نتيجة انهيار الوضع الاقتصادي، الذي تداخل مع مطالب فئات وسطى رفعت شعار الحرية والكرامة.
الآن، لم يبدأ الحراك بمطالب اقتصادية، أو بدأ الانفجار بسبب اقتصادي (كما في تونس)، بل بدأ عبر حراك فئات شبابية ديمقراطية من جهة، لكنه، من جهة أخرى، تفجّر بفعل رد فعل السلطة العنيف على مطالب تتعلق بمنطقة درعا، وهي مطالب تتعلق بتدخل الأجهزة الأمنية والسلطة استناداً إلى قانون يتعلق بالأرض الحدودية للحصول على رشاوي في كل معاملة تتعلق بها. ومن ثم تأثر أطفال بهذا الوضع الاحتقاني، وبالثورات العربية لكتابة شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، ومن ثم سجنهم وتعذيبهم وإهانة وجاهات المدينة. ولقد حسم الرصاص «عقدة الخوف» فتمردت درعا، وأصبح الرصاص هو الذي يكسر حالة الخوف ويحوّل التظاهرات من بضع مئات إلى مئات الآلاف. وأصبح تحدي عنف السلطة هو المسيطر على كل الحراك، وأصبح يهدف إلى «إسقاط النظام». وبالتالي كان من الطبيعي أن تكون الحرية هي بديل الاستبداد، وأن تكون الكرامة هي بديل الذل والإذلال.
بمعنى أن الاحتقان قد تفجّر ليس نتيجة الفعل الذاتي للوضع الاقتصادي بل نتيجة القمع العاري الذي أخذت تمارسه السلطة ضد المحتجين. وهنا كانت سياسة السلطة هي العنصر الأهم في تحقيق تفجّر وانتشار الثورة، كون شدة العنف أفضت إلى كسر حاجز الخوف عكس ما أرادت السلطة، التي اعتقدت بأن القمع العنيف منذ البدء سوف يخمد أي ميل للتحرك الشامل. وهي بذلك دفعت إلى الهاوية وجودها ذاته، لأنها بقمعها العاري فرضت نشوء الضرورة التي تقوم على نفيها. فهذا العنف العاري لا بد من أن يزال، ولن يكون ذلك إلا بزوال السلطة ذاتها.
بالتالي أصبح التخلص من عبء السلطة كلها هو الذي يحرّك الشعب المنتفض. وإذا كان ذلك يشير إلى (أو يفسّر بـ) الحاجة إلى الحرية فقط، كون الشعار هو الحرية، فإن التخلص من عبء السلطة يعني كذلك التخلص من كل الإرث الاقتصادي الذي نشأ في ظلها. فهذا هو الذي يختزن الاحتقان منذ سنوات، ويجعل إمكانية العيش صعبة، وربما مستحيلة، خصوصاً لفئات عاطلة عن العمل أو لا تستطيع توفير الخبز أو الدواء أو التعليم لأبنائها.
في المستوى الآخر، سنجد بأن هذا الجوهر الذي يحكم الانتفاضة أخذ يتمظهر في أشكال لا تعبّر عنه بالضرورة، أو لا تشير إليه. حيث عدا شعار الحرية كهدف يتصل بإسقاط النظام لم يُطرح هدف آخر. حملت بعض الشعارات مؤشرات لمطالب (ضد الفساد مثلاً) لكنها لم تحمل مطالب الطبقات الشعبية.
ونتيجة التدمير الطويل للسياسة كفعل وكثقافة، وحصرها في أحزاب سلطة مهمتها الدفاع عنها، كما في «ثقافة سياسية» هي «خطابات السيد الرئيس» التي باتت تدرّس في المدارس وفي الجامعات بما فيها أقسام الفلسفة، وبالتالي إلغاء الفكر وتعميم «كتابات إنشائية» بدلاً عنه. وحتى إلى تدمير الثقافة بالعموم من خلال المناهج التي باتت تدرّس، وأيضاً من خلال التسرّب من المدارس. نتيجة ذلك استقرت الثقافة التقليدية، وتعممت «الثقافة» الشعبية، وبات الوعي الشعبي العام «تقليدياً»، سهّل نشوء موجة التدين خلال العقد الأخير، والذي نتج بالضبط عن أزمة الشباب الذي كان يتلمس انسداد الأفق. ولهذا بدت «الشعارات» التي تتردد في التظاهرات دينية، وتنطلق من الثقافة التقليدية وليس من وعي ايديولوجي.
هذا الوضع تركبت عليه صورة تغذت من إعلام السلطة الذي أراد أن يصوّر الثورة بأنها حراك أصولي سلفي مرتبط بالإخوان المسلمين، لكي يكتّل الأقليات الدينية والعلمانيين خلفه، ولكي يبرر كل ممارساته البشعة. لكن الصورة تغذت كذلك من معارضة الخارج وامتداداتها الإعلامية (قنوات الجزيرة والعربية والوصال وبردى. وأيضاً مواقع النت خصوصاً هنا موقع الثورة السورية ضد بشار)، حيث استمرأت الأمر فبدأت تعطي الثورة صورة «إسلامية» من خلال التصريحات والمقابلات والتغطية الإعلامية، سرعان ما تطورت إلى فرض أسماء أيام الجمع والشعارات في التظاهرات ذاتها عبر شبكة من «المراسلين» الذين تحوّل بعضهم إلى «مقاول» يخدم رؤية خارجية.
هنا أصبح مظهر الانتفاضة وكأنها انتفاضة إسلامية «سنية»، وتطالب بالتدخل العسكري الإمبريالي (وكانت هذه هي سيتسة المعارضة الخارجية، خصوصاً الإخوان المسلمين). لقد عوّضت معارضة الخارج عن عدم مقدرة الشباب المنتفض على طرح رؤيته ومطالبه بشكل واضح (أي وفق تصور سياسي) بأن صاغت هي رؤيتها الذاتية معتبرة أنها هي رؤية الثورة. وهذه هي الصورة التي تعممت خارجياً، بما في ذلك على كل من يتابع الفضائيات والنت في سورية. وهو الأمر الذي أسهم في استمرار حالة الفصام بين «الأغلبية» و»الأقليات» التي لا ترى غير هذه الصورة، وبالتالي تصدّق ما يقوله الإعلام الرسمي. وأيضاً مع ملاحظة أن هذه الصورة أخذت في التأثير في بنية الثورة ذاتها في بعض المواقع.
بالتالي فإن هذا التمييز بين جوهر الثورة، وشكل تفجرها، والأشكال التي تظهر فيها، هو أمر ضروري من أجل صياغة «وعي مطابق» لما تهدف إليه الطبقات الشعبية بانتفاضتها هذه.
آفاق الانتفاضة: حسب مصالح الطبقات
وتبدو الثورة كفوران جماهيري، جرى بشكل متتابع، معتمداً التظاهر وسيلة لمواجهة السلطة، ككل الثورات الشعبية العفوية، ككل الانفجارات الاجتماعية. وما كادت ملامح مطالب تبرز حتى طغى شعار إسقاط السلطة، فلم يظهر سوى شعار الحرية والشعب يريد إسقاط النظام.
وهذا الشكل كان يخفي المصالح المحدَّدة للطبقات، وأصلاً لم يُظهر مشاركة واضحة لـ «الطبقات»، بمعنى مشاركة الطبقة كطبقة عبر أشكال واضحة تنظم فاعليها. وبالتالي لم نشهد إضرابات عمالية، أو احتجاجات موظفين، أو نخب، أو تجار، بل شهدنا هذا الاندفاع العفوي نحو الشارع من قبل فئات من الطبقات الشعبية. في هذا الوضع تطغى الشعارات العامة (الأكثر عمومية)، وهي هنا إسقاط النظام وتحقُّق الحرية.
لكن تحت كل ذلك تتخفى مصالح الطبقات المشاركة، ويحدث تصارع مخفي بين «نخب» منها، بهدف سوق الثورة إلى المسار الذي يحقق مصالح هذه النخبة أو تلك (أو هذه الطبقة أو تلك). بالتالي فإن ما هو واضح هو العام، سواء الشعب المنتفض الذي يشكل كتلة موحدة متراصة، ومصممة على إسقاط النظام، أو الهدف الجامع الذي هو إسقاط النظام وتحقيق الحرية. لكن ما هو مخفي هو هذا الصراع الذي يدور من أجل أن تحقق الثورة مصلحة طبقية بعينها.
يظهر ذلك واضحاً في محاولة حصر الانتفاضة في الهدف العام ذاك، وبالتالي ترك كل الأمور الأخرى «إلى ما بعد»، إلى «اليوم التالي». لكن من يمسك الآن بمآلات الثورة سيفرض السياسات التي تناسب مصالحه فيما بعد إسقاط النظام، لهذا فإن المسألة الآن لا تفرض التمسك بالعام، فالعام هو الجامع، لكن كل طبقة تفهم من هذا «العام» ما يحقق مصالحها هي بالذات. وموازين القوى في الثورة بين الطبقات هي التي ستقرر طبيعة البديل الممكن.
هذا الأمر جعل النخب الليبرالية (أفراد وأحزاب) تدفع نحو التمسك بالعام (أي بإسقاط النظام والحرية)، وترفض كل ميل لطرح مطالب الطبقات المفقرة. أي أنها تركز على السياسي الذي يتعلق بإسقاط النظام، وبالتالي يحصر الحرية في الحقل السياسي الذي يعني دمقرطة الدولة، وترفض كل محاولة لتناول الاقتصادي أو المجتمعي بكليته. رغم أن الطبقات الشعبية هي الكتلة الأكبر في الثورة، وهي التي تعاني من الإفقار نتيجة البطالة وتدني الأجور كما أشرنا قبلاً، وهي التي تقاتل بكل قوة وبطولة. وهذه النخب ترفض ذلك بالضبط لأنه يقود إلى محاكمة النمط الاقتصادي الذي يقوم عليه النظام المراد إسقاطه، الذي هو نمط ليبرالي (ريعي مافياوي). فليس من حل لمشكلات البطالة وتدني الأجور إلا بـ «إسقاط النظام الاقتصادي» الذي تقوم على أساسه سلطة الاستبداد والنهب والفساد. وهذا ما لا تريده النخب الليبرالية، التي لا تتناقض مع النمط الاقتصادي القائم (وإنْ اختلفت ما الطابع الاحتكاري له، الذي يجعل العائلة وحواشيها هي المتحكم بكلية الاقتصاد)، وتريد استمراره، متجاهلة أنه الأساس الذي فرض الانفجار الاجتماعي الهائل هذا. وفي محاولتها الهرب من تفسير الانتفاضة بحالة الإفقار، واعتبار بأن الاستبداد هو السبب فيها، تميل للتعمية على الواقع من أجل حصر مطالب الانتفاضة في تغيير شكل السلطة فقط، حيث الديمقراطية هي بديل الاستبداد ونقطة على السطر. وهنا تتحوّل الديمقراطية على أرضية النمط الاقتصادي ذاته إلى شكل انتقال السلطة من أشخاص إلى اشخاص آخرين ليس من اختلاف بينهم من حيث المصالح الطبقية أو حتى ممارسة السلطة. رغم تغيّر شكل السلطة، الذي يمكن أن يكون ضيقاً أو متسع قليلاً، كل ذلك لأن النخب التي تعبّر عن هذا النمط الاقتصادي الريعي تريد ديمقراطية في الحدود التي تساعدها على الحكم وليس الديمقراطية التي تفتح الأفق لصراع طبقي ضدها.
إذن في جوف الثورة تيارين يعبّر كل منهما عن مصالح مختلفة، ومتناقضة في الجوهر، وإنْ كانا يتوافقان اليوم على إسقاط النظام وتحقيق الديمقراطية. وأيضاً إنْ كانت قاعدة تيار منها هي أوسع لأنه يضم الطبقات الشعبية المفقرة، والتيار الآخر يشكل أقلية، رغم أن ما يظهر على السطح يوضّح العكس تماماً، حيث تطفو الفئات الليبرالية، والليبرالية السلفية. والخلاف الجوهري هنا يتعلق بالتغيير الذي يحقق مصالح كل منهما. والذي يتمثل بالتحديد في هل نريد تغيير شكل السلطة لتحقيق «الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية» (وهو الهدف الذي يلخص كل نشاط المعارضة خلال عقدين قبلئذ)، أم نريد تغير الشكل والمضمون، أي كلية النظام بما في ذلك النمط الاقتصادي من أجل إيجاد فرص عمل ورفع الأجور والتعليم المجاني، إضافة إلى تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية؟
وإذا كان صوت الطبقات المفقرة خافت، أو حتى لا يبدو أنه موجود وهي تردد المطلب العام (الحرية وإسقاط السلطة)، أو تتكئ على مخزونها الديني، فإن النخب برعت في حصر الثورة في حدود المطلب الديمقراطي، متحججة أحياناً بأن المطالب الأخرى يمكن أن تُطرح بعدئذ، أي بعد ـاسيس النظام الديمقراطي (وهذا أخطر ما يتضمنه الخطاب الليبرالي)، أو معتبرة بأن الثورة هي أصلاً من أجل الحرية والديمقراطية متكئة على الشعارات التي تتردد في التظاهرات. هذه النخب التي ولدت في ظل عنف السلطة الذي كان يظهر من خلال طابعها الشمولي الذي يفرض «نمذجة» الفرد، أو من خلال القمع العنيف لكل رأي أو احتجاج، هذه النخب أصبحت تطالب بالأقصى الديمقراطي كرد على عملية الاستلاب الطويلة التي عاشتها أو ولدت فيها. لكن دون أن تكون بالضرورة ديمقراطية، حيث أن هدف الحرية هو المضاد لسلطة الاستبداد، وليس بالضرورة أن يحمل في مضمونه مفهوماً ديمقراطياً للدولة أو للعلاقات، وهذا ما يظهر في تكوين النخب والأحزاب التي يظهر واضحاً أن المفهوم لا يعبّر عن تبلور التكوين الذاتي للأفراد، أو الأحزاب التي تطرحها، ومن ثم ليس من الممكن القول بأن هؤلاء يظهروا كديمقراطيين منسجمين.
وهذه النخب تشمل فئات مارست السياسة خلال العقود الماضية، وتعرّضت للاعتقال والقمع، أو تكيفت مرغمة مع الطابع الشمولي للسلطة. أو فئات من الشباب الذي تفتح على الحاجة إلى الحرية، التي تلمسها من خلال التواصل الحديث (النت). وهي في الغالب تنتمي إلى الفئات الوسطى. ومنطقها يقوم على ربط الديمقراطية بالليبرالية الاقتصادية، أو التمسك بالحرية دون تلمس علاقتها بالاقتصاد. بالتالي نجدها تركّز على الحرية والديمقراطية فقط، وترفض كل حديث خارج ذلك بحجج مختلفة، منها أنه يجب التركيز على ما هو مشترك، ومن ثم يجري طرح كل المسائل الأخرى فيما بعد التغيير، أو أن الشعب يريد الحرية فقط مستندة إلى الشعارات التي صاغتها هي وليس الشعب، ورددها الشعب خلفها، وكلٌّ يضمنها مطالبه.
لكن هذا الطرح الذي يعبّر عنه هذا التيار يحقق مطالب قوى طبقية تريد تعديل ميزان القوى في إطار الرأسمالية ذاتها من خلال كسر سلطة الفئات المحتكرة الآن، دون تعديل أو تغيير النمط الاقتصادي القائم. هؤلاء هم التجار والفئات العليا من البرجوازية الصغيرة، وبعض الطامحين إلى الارتقاء الطبقي. فالبرجوازية التجارية التي هي إلى الآن خلف السلطة، تدفع نحو تغيير يعيدها القوة الاقتصادية الأساس، في مواجهة «رجال الأعمال الجدد» (الذين هم العائلة الحاكمة)، هؤلاء الذين يفرضون عليها علاقة تبعية الآن. رغم أن جزء كبير منها لم يشارك في الثورة، أو بدأ «الدعم» متأخراً، بعد أن دعم السلطة طويلاً.
وبهذا فما يقود إليه هذا التيار هو إعادة صياغة للعلاقة بين الفئات الرأسمالية في إطار الطبقة الرأسمالية لمصلحة فئات تشعر الآن بالتهميش، فقط مع تأسيس نظام يستوعب آراء وقوى أوسع، دون أن يعني ذلك تحقيق الديمقراطية الحقة. وربما أمثلة تونس ومصر واضحة في هذا المجال.
هذه الخطوة حين تتحقق لا تحقق مصالح الشعب. الشعب الذي لم يستطع التعبير عن مطالبه، وكرَّر ما رددته الليبرالية، لكن تحقق المطلب الليبرالي لن يجعله يحسّ بأن مطالبه قد تحققت. وهو الأمر الذي يبقي الصراع مفتوحاً، وهذه المرة مع القوى الجديدة. وما هو ضروري من قبل الماركسيين هو التعبير عن مطالبه من الآن، ومعرفة أن صراعه لن يتوقف قبل أن تتحقق هذه المطالب، وأن الليبرالية ليست معنية بتحقيقها، بالتالي يجب أن يكون واضحاً بأن الماركسية هي التي يجب أن تقتح الأفق لتحقيقها، من خلال بلورة العمال والفلاحين الفقراء في طبقة تعي مصالحها وتناضل من أجل تحقيقها.
الانتفاضة والمعارضة
وإذا كانت الثورة عفوية، وانطلقت من فئات شعبية، وبعض النخب الشبابية، وبعض الشباب المسيس، فإن دور أحزاب المعارضة كان غائباً بشكل كبير. لقد فوجئت بما جرى، وحين استفاقت على ما يجري كانت أسابيع قد مرّت. بعض شبابها وأعضائها شارك في الحراك، لكن من منطلق فردي في الغالب، أي دون رؤية أو إستراتيجية، فانساق وراء الحراك أكثر مما كان مؤثراً فيه، أو حاول التأثير في شعاراته وتنظيمة في المراحل الأولى من الثورة قبل أن تشدد السلطة القمع والقتل والتشريد له.
الشباب المشارك كان يبتعد عن المعارضة، ويريد أن يؤسس دوراً خاصاً بعيداً عنها. أما هي فقد تبلورت في كتلتين، الأولى معظمها في الداخل وأسست «هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي»، لم يخرج برنامجها بعد ثلاثة أشهر من الانتفاضة عن أن يكون إصلاحياً، يريد انتقال سلمي وسلس من الاستبداد إلى الديمقراطية، التي تعني تعديلاً جزئياً في الدستور، ومن خلال صيغة ما للتحاور مع السلطة بعد وقف القتل وإطلاق المعتقلين. وهو منطق لم يكن مقبولاً في وضع ثوري أصبح سقفه هو إسقاط النظام. وبالتالي دخلت هذه الكتلة في متاهة الإنتظار مبتعدة عن تطور الصراع الواقعي، وظلت تراهن على «حوار» مع السلطة لم يأتِ، ثم راهنت على الضغوط الخارجية ولازالت.
الكتلة الأخرى تبلورت بعد أكثر من ستة أشهر في «المجلس الوطني السوري»، وهي تتوضع في الخارج ولها وجود داخلي من خلال إعلان دمشق. والمجلس هو نتاج حراك معارضة الخارج منذ نهاية شهر نيسان، وبدء انعقاد المؤتمرات منذ نهاية شهر أيار (إنطاليا، ثم اسطنبول، وبروكسيل). وكان واضحاً بأن تقليد التجربة الليبية القائمة على التدخل الإمبريالي هو الذي يحكم مسارها، من إتخاذ الإسم ذاته (المجلس الوطني) إلى تغيير العلم، إلى التوجه إلى الخارج من أجل التدخل. وتحويل الثورة إلى «مناحة» نتيجة تصويرها كمجزرة ترتكبها السلطة، وليس كثورة ضد السلطة، بهدف استجرار عطف هذا الخارج.
كان الميل في الفترة الأولى من الثورة (15/3 إلى نهاية شهر آب) يتمثل في تشكيل قيادة موحدة للثورة من التنسيقيات والهيئات التي نشأت خلال الثورة. لكن كانت السلطة إلى نهاية شهر آب قد ضربت كل الفاعلين الأساسيين على الأرض. و لقد أخذ الشعور بضرورة وجود القيادة السياسية يتنامى بعد شهر رمضان وانكشاف الوهم الذي تعمم بالحسم خلاله. فطُرحت مسألة «وحدة المعارضة»، ثم جرى تشكيل المجلس الوطني في جو من التهليل الإعلامي، والحاجة الداخلية والدفع الخارجي لإظهار القبول الداخلي به، لكي يصبح هو «الممثل الشرعي والوحيد»، ومن ثم يتقدم لطلب التدخل الخارجي. ولقد انكشف دوره سريعاً، ودخل في أزمة فرض «إعادة تشكيل المعارضة» عبر تأسيس الائتلاف الوطني من المجلس الوطني والمنشقين عنه، لكن وفق توجه مختلف قليلاً يميل إلى «الحوار» بعد أن ظهر أن هناك استعصاءً وأن السلطة تدمرّ البلد وأن «الغرب»، خصوصاً أميركا، هو اقرب إلى الحوار عبر الدور الروسي.
والآن، تلاشى «التطبيل» وعاد يلفّ الحراك شعور بالحاجة إلى قيادة سياسية.
هذا الأمر يؤشر إلى الانفصال بين الحراك الشعبي وأحزاب المعارضة، ويؤكد  على أنه حراك شعبي بامتياز.
والآن، ماذا تمثل المعارضة بالنسبة إلى الشعب؟ لا أشير هنا إلى الدور، فقد أوضحته للتو، لكن أشير إلى المصالح. فماذا تمثل المعارضة من حيث المصالح؟
سأشير إلى أن هذا الانقسام الحاد الذي يلفّ المعارضة لا ينعكس في السياسات العامة التي تطرحها فيما يتعلق بـ «البديل» المطروح للسلطة القائمة. فهي تتفق على مسألة «الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية»، سواء «عبر السلطة» أو عبر نفيها. والرؤية العامة التي انتشرت خلال العقد الأخير خصوصاً (وبعضها منتشر منذ ثلث قرن) تنصبّ على تغيير شكل السلطة نحو تأسيس «دولة ديمقراطية». وهذا ما توضح في برامج كل الأحزاب المعارضة، وبرامج تحالفاتها المشتركة. الخلاف الوحيد يتمثل في النظر إلى «العالم»، فهل نحن ليبراليون إلى حدّ التحالف مع الرأسمالية (وكانت تلخص في أميركا)، أم أننا «ديمقراطيون» معادون للسياسة الأميركية؟
أي أن الاختلاف هو في التوضّع العالمي لسورية، هل تكون ضمن السيطرة الإمبريالية أو تكون خارجها؟ وخارجها يحيل إلى استمرار السياسة «التحررية» التي سادت منذ نهاية أربعينات القرن العشرين، والتي كان البعث من ضمنها.
ولا شك في أن هذا الاختلاف مهم، لكن ما هو مطروح كـ «بديل» للوضع القائم هو الديمقراطية. أي أن كل النشاط الذي قامت المعارضة به سابقاً، والذي تسعى عبره الآن، يتمثل في تغيير «المستوى السياسي» للدولة، أي تأسيس دولة ديمقراطية (بغض النظر عن حدود هذه الديمقراطية، ومدى انسجام هذه المعارضة مع الديمقراطية كتكوينات). إن «الهدف المركزي» هو تأسيس «نظام ديمقراطي تعددي». ليبدو أن الخلاف هو في إستراتيجية الوصول إليه. المجلس الوطني يستخدم الثورة والشهداء ودموية السلطة من أجل تدويل القضية السورية واستجرار التدخل العسكري الإمبريالي. وهنا تقع إستراتيجية «الندب» و»العويل»، وتحويل الثورة إلى مناحة. أما هيئة التنسيق فقد ظلت تنتظر أن يقود الضغط الشعبي إلى اقتناع السلطة بضرورة التغيير من أجل تحقيق انتقال سلس للسلطة نحو دولة ديمقراطية تعددية. وظلت تقوم إستراتيجيتها على الضغوط على السلطة (الجامعة العربية، روسيا، وكوفي عنان) من أجل تحقيق ذلك.
وإذا كانت كلا المعارضتين تريدان ذلك، فإن الأساس الذي جعلهما كذلك هو توافقهما أيضاً على أنه ليس من الممكن هزيمة السلطة، فهي أقوى من أن تزيلها قوى محلية. وهو ما يُظهر نخبوية عالية لا تعتقد بأن الشعب قادر على التغيير. وأصلاً انهما لا تريان شعب، بل جموع أُخضعت خلال حكم البعث الطويل، من خلال الآليات التي اتبعها. لهذا ظل الشعب خارج كل حساب. وظل وضعه خارج المعرفة. فانحصر دورها في «الصراع مع السلطة» من أجل تغيير شكلها، ببقاء الأشخاص (كما كان يظن البعض) أو بدونهم.
هذا «الوعي» الذي يحكمها هو الذي جعلها لا تتلمس مشكلات الطبقات الشعبية التي كانت تتضخم، وتحصر سياساتها في «النضال الديمقراطي» من أجل تغيير شكل السلطة بتحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.
هذه المعارضة مثلت النخب التي تريد «الحرية» من أجل أن تجد لذاتها مكاناً في التكوين السياسي (الدولة). ولقد بررت ذلك بخطاب ليبرالي واضح، أو من خلال التفاف ينطلق من «أولوية الديمقراطية» وتوحيد كل القوى من أجل تحقيقها، ومن ثم يمكن بعد ذلك لكل حزب أو طبقة أن يطرح مطالبه. وهنا كانت تريد أن تُسند من قبل الشعب (الذي لا تراه) لتحقيق انتقال في السلطة يجعلها جزءاً من البنية السياسية السائدة، ومن ثم يمكن لهذا الشعب أن يطرح مطالبه. لكنها تكون قد أصبحت هي السلطة التي تقمع كل نشاطه من أجل مطالبه، حيث تعتبر بأنها هي التي تعي كيف تتحقق هذه المطالب. فتطلب منه الانتظار والتحمّل إلى أن تجد «اللحظة المناسبة» لذلك، كما نسمع اليوم في خطابات الإسلاميين في تونس ومصر، وحتى «الديمقراطيين» مثل الرئيس الجديد لتونس المنصف المرزوقي.
هذا هو «الخبث» الليبرالي الذي يريد تضييع مطالب الشعب من أجل أن تتحقق مطلب النخب الليبرالية، والتي تتمثل في الوصول إلى السلطة فقط.
وحين بدأت الثورة بهتاف «الله، سورية، حرية وبس»، وهتاف «حرية»، طار الليبرلي فرحاً لأن الشعب يحمل مطلبه هو بالذات، رغم أن من أدخل هذين الهتافين هو «نخب» من الشباب المتأثر بـ «ربيع دمشق»، أي بثقافة هذه المعارضة. وكان عجز الطبقات الشعبية عن طرح مطالبها، وحاجتها إلى من «يلقنها»، هو المسرب الذي بلور الخطاب الذي يقول بأن الشعب هو الذي يريد الحرية والكرامة فقط. وأن يجري الصراع ضد كل من يطرح مطالب «اقتصادية» تخص هذه الطبقات، بحجة أن هذا خطاب يساري مقحم على الثورة. ولا شك في أن سوء معرفة هؤلاء بوضع الطبقات الشعبية من حيث نسبة البطالة وتدني الأجور وانهيار التعليم والصحة، وانهيار الزراعة والصناعة، هو الذي يجعلهم يصدقون ما اخترعوه. ومن ثم لا يلقون بالاً لوضع مزرٍ تعيشه الطبقات الشعبية.
إن البديل الذي يطرحه هؤلاء يقوم على مرتكز أساسي هو تغيير شكل السلطة دون المسّ بأساسها الاقتصادي، وتعديل التوازن بين فئات الرأسمالية المسيطرة بما يضعف أو ينهي «رجال الأعمال الجدد» (أو بعضهم على الأقل). لكن مع استمرار النمط الليبرالي سائداً، بما هو نمط ريعي يتمركز حول العقارات والسياحة والخدمات والبنوك والتجارة. وتجاهل ضرورة إعادة بناء الصناعة وتطوير الزراعة والبنى التحتية. وهي المسائل التي تسمح بحل مشكلة البطالة والأجر المتدني، وتعيد فرض ضرورة تطوير التعليم وضمان الصحة.
أي إبقاء المشكلات ذاتها بالنسبة للطبقات الشعبية، عبر التركيز على السلطة السياسية فقط. وهذا الوضع هو الذي يجعل أطراف المعارضة تحصر كل المطالب في «الحرية والديمقراطية»، وتشدد الهجوم على كل دعوة لطرح مطالب الطبقات الشعبية. وتحاول تحقيق ذلك ليس من خلال الشعب بل من خلال «السلطة» أو «الخارج»، لضمان الحفاظ على النمط الاقتصادي ذاته.
بالتالي فإن المعارضة بمجملها تمثل تلك النخب التي تعبّر عن الرأسمالية التي تريد تعديل ميزان القوى السياسي داخل السلطة من أجل تعديل ميزان القوى الاقتصادي لمصلحتها. عن طريق توسيع القاعدة الاقتصادية السياسية للسلطة، من خلال إنهاء احتكار فئة لها، وتحقيق تقاسم اقتصادي يعتمد على «لعبة ديمقراطية». وهي تريد سَوق الثورة إلى إعادة إنتاج السلطة على أساس الواقع الاقتصادي ذاته، في شكل جديد. ولكي تصبّ في مصلحة رأسمالية تشعر بأنها قد تهمشت خلال العقود السابقة، ومن أجل احتكار جديد ينهي احتكار الفئة المسيطرة الآن (العائلة).
من ضمن ذلك يأتي ميل «الأسلمة» الذي تحمله جماعة الإخوان المسلمين، الذي لا يختلف في التوجه الاقتصادي عن كل ما ذكرنا، لأنها تنطلق من اللبرلة كذلك، لكنها أصبحت تعتقد بأن الزمن هذا هو زمنها لفرض «حكم الشريعة». وإنْ كانت لا تجاهر اليوم بذلك، وتميل لتكرار ما كانت تقوله جماعة الإخوان المسلمين في مصر قبل انتصارها الانتخابي، أي العمل من أجل دولة مدنية ديمقراطية (ووثيقة العهد التي قدّمتها تعبّر عن ذلك). وهي تجهد الآن من أجل «أكل» الثورة عبر السيطرة العسكرية عليها، في سياق سعيها لأن تكون هي بديل السلطة.
إذن، الثورة التي وقودها هم الفقراء، يدعي تمثيلها سياسياً نخب لا تعرف مشكلات هؤلاء الفقراء، وليست معنية بأن تعرف أصلاً. لأن كل ما يهمها هو كيفية الوصول إلى السلطة من أجل تحقيق تغيير شكلي لا يلمس تلك المشكلات. الثورة بالنسبة لها مطية فقط.
لهذا، فإن الأمر يطرح دور القوة المعنية بوضع الطبقات الشعبية، وإذا كان الليبراليون يعتبرون أن كل من يطرح مطالبها هو من اليسار، فإن هذا الأمر صحيح تماماً، حيث لم يعد معني بوضع الشعب سوى اليسار، لأن كل نخب الرأسمالية والفئات الوسطى هي ليبرالية حتى العظم، وهي تنطلق من ضرورة تكريس الرأسمالية بوضعها القائم، أي الريعي التبعي المافياوي. وقلة منها من يتلمس مشكلات الشعب، أحياناً من منظور أخلاقي. وما تريده هو مشروعها و»حريتها»، و»فرديتها»، وسلطتها.
هنا لا بد من النظر إلى دور العمال والفلاحين الفقراء، الذين يجب أن يكونوا أساس القوة الفاعلة في الصراع من أجل انتصار بديل حقيقي. هذا البديل الذي يجب أن يبلوره اليسار.
الدراسة جزء من كتاب «ثورة حقيقية، منظور ماركسي للثورة السورية»
المصدر: دمشق