Monthly Archives: مايو 2011

بعد خطاب أوباما أميركا والثورات العربية

بفرح ألقى باراك أوباما خطابه عن الثورات التي اجتاحت الوطن العربي، كأنّه صانعها بجد، وكأنه يضمن مآلاتها بكل ثقة. ربما بعد الرعب الذي اجتاح كلاً من الولايات المتحدة والدولة الصهيونية مما يجري في الوطن العربي، يحق له التقاط هذه اللحظة لكي يعبّر عن فرحه. فهو يعتقد بأنه حاصر الثورة في تونس والثورة في مصر من خلال «لعبة ذكية» تمثّلت في انقلاب قيادة الجيش على الرئيس وإعلانها التزام «مطالب الشعب». ويظنّ أنّه أغرق الثورة في ليبيا بالدماء، وماطل طويلاً في سقوط علي عبد اللّه صالح في اليمن، وسحق الثورة في البحرين عبر السعودية، وسيطر على الحراك في كل من عُمان والأردن والجزائر والمغرب، لكن أيضاً، وضع النظام السوري في زاوية حرجة يمكن أن تجعله يقبل الشروط الأميركية. وبالتالي، ينطلق أوباما من أنّه بصدد إعادة بناء المنطقة تأسيساً على المصالح الاقتصادية الأميركية، التي لم يخفِ ذكرها في خطابه.

هذا الوضع يفرض علينا أن نعيد بناء «الصورة» لكي يكون الموقف الأميركي واضحاً، وكي نفهم مآلات الثورات كذلك.
فقد عملت الإمبريالية الأميركية (والإمبرياليات الأخرى كذلك، لكن أساساً أميركا) على إعادة صياغة المنطقة منذ عقود، وهدفت الى ضمان السيطرة على الاقتصاد وتكريس التبعية السياسية، وبالتالي ضمان هيمنة أميركية صهيونية طويلة المدى. وأول ما عملت عليه هو تغيير التكوين الاقتصادي في هذه البلدان واستيلاد طبقة مافيويّة تحكم وتنهب. وكان «خبراء» البنك الدولي كرماء في إغداق النصائح بشأن أهمية السياحة والعقارات وأسواق الأسهم، وبالتالي التخلي عن الصناعة القائمة وإهمال الزراعة وتحويل الأرض الى «مدن حديثة». وهو الوضع الذي فرض الزيادة الكبيرة في استيراد كل السلع تقريباً، الصناعية والزراعية والخدمية، التي باتت الرأسمالية معنية بتصديرها بعدما طوّرت الزراعة وأصبحت تعاني الفائض هنا كذلك، ممّا أفضى الى ربط محكم لبنية الاقتصاد المحلي بالطغم المالية الإمبريالية. فصار المال المضارب حراً في النشاط، وصارت الأسواق تستورد منتجات إمبريالية، وبات المجتمع مجالاً لعملية نهب شاملة.

وفي الوقت ذاته، تكوّنت نخب مافيويّة عائلية من حول السلطة، أصبحت هي السلطة، وباتت ملحقة بالطغم المالية الإمبريالية، وتابعة في سياساتها للسياسة الإمبريالية الأميركية خصوصاً. لقد أصبحت ملحقة «أكثر مما يجب»، أي أصبحت أداة إمبريالية. وعملت الإمبريالية على تدعيم طابعها البوليسي القمعي، وتشكيلها في نظم «قوية ومستقرة»، في مجتمع باتت أغلبيته مهمشة، إما بالبطالة أو بضعف الأجور، في وضع باتت أسعار السلع فيه عالمية. هذا الوضع طاول النظمَ كلّها. ربما لم تكن سوريا قد تكيّفت تماماً مع هذه التبعية، رغم أن «رجال الأعمال الجدد» ساروا في المسار ذاته من حيث التكوين الاقتصادي وبنية السلطة. وتمركز الخلاف حول سلطة تدافع عن قوتها وتحكّم رجال الأعمال الجدد فيها، وميل أميركي لبناء «دولة ديموقراطية»، أي هشة يمكن التحكم فيها. بمعنى أن الخلاف لم يطاول الاقتصاد، الذي هو أساس السيطرة الإمبريالية،

أو حتى السياسات، حيث كان يمكن التفاهم على «إنهاء الصراع»، وعلى الدور الإقليمي لسوريا.
لذلك، حين بدأت الثورات، كان الذهول الأميركي بادياً (كما الخوف الصهيوني). وتسرّبت أكثر من إشارة عن «المفاجأة» الأميركية. فقد انطلقت من أن التفتيت الطائفي كفيل بحرف مسار الصراع الطبقي، حيث يندفع المهمشون إلى حروب عبثية تحت أوهام عملت الولايات المتحدة والنظم على زرعها. واعتقدت زمناً أنّها استطاعت أن تجد المعادلة الصحيحة هنا. فالمهمّشون يجب أن يأكلوا بعضهم بعضاً. وسنلمس ذلك من خلال ارتباكها في التعامل مع الوضع التونسي ثم المصري، حيث سارعت الى الالتفاف على الثورة من خلال «طرد الرئيس» عبر الجيش. في تونس نجحت، وفي مصر ارتبكت نتيجة عناد مبارك. وسنلمس أن قيادة الجيش في هذين البلدين على صلة بالولايات المتحدة، وبالتالي كان يمكن أن تفتح طريقاً لترتيب بديل يعيد إنتاج السلطة ذاتها، وهو الأمر الذي توضح من خلال تمسك قادة الجيش بالنمط الاقتصادي من جهة، والمعاهدات والاتفاقات من جهة أخرى.

ثمّ جاءت الثورة في ليبيا لتعطي فرصة للإدارة الأميركية، ذلك أنّ القذافي يمتلك أسلحة متطوّرة قادرة، حسب توقُّع مسؤول الأمن القومي الأميركي، على سحق الثورة. وبالتالي، يمكن ترقّب انتصار القذافي لجعله علامة على فشل الثورات، ووقف توسُّعها الى بلدان أخرى. فقد ماطلت الولايات المتحدة أكثر من شهر قبل التدخّل، ثم تدخّلت على أمل تحقيق تقسيم ليبيا، وظلّت تعمل على إنهاك الثورة تحت حجة الدعم الجوي. وربما كانت الآن لا تريد انتصار الثورة، بل تعمل على التدمير والإنهاك من أجل دور أكبر في ما بعد. وفي اليمن، لم تخفِ أميركا دعم علي عبد الله صالح، ولم تضغط من أجل رحيله، بل أمدته بأسلحة، وما زالت لا تميل الى رحيله، بل تراهن على إنهاك الثورة التي تملأ الشوارع من دون أن تتمكّن من اقتحام القصر الجمهوري والاستيلاء على السلطة. لهذا، يتجمّد الصراع الى أن يتخثّر، وربما تفشل الثورة كما تراهن أميركا. وسنلحظ هنا، كما في ليبيا، أنّه ليس لدى الولايات المتحدة بدائل عن هؤلاء، وهو الأمر الذي لا يدفعها الى فعل ما فعلته في كل من تونس ومصر. وذلك من دون أن ننسى أنها دعمت سحق الثورة في البحرين من جانب قوات سعودية، وتخاف من ثورة في السعودية ذاتها.

ربّما كان التأخّر في حسم الصراع في كل من اليمن وليبيا قد انعكس على سرعة توسّع الثورات، وهو ما يظهر الآن في سوريا، لكنّ الأهمّ هنا، هو أنّ هذا الزمن من التعثّر أو التطوّر البطيء للثورات، وتوقّفه في بعض البلدان، أو عدم توسعه في أخرى، سمح للولايات المتحدة بأن تعيد صياغة استراتيجيتها لتضمن بقاء بنى النظم، على المستوى الاقتصادي وعلى صعيد الارتباط بسياساتها، دون أن تتجاهل «ضرورة تجديدها» كي تمتص جزءاً من الأزمة المجتمعية.

ما هو مطروح في هذا المجال هو إعادة بناء السلطة السياسية من خلال دمج جماعة الإخوان المسلمين وتجديد النخب «العفنة» بأخرى أقل عفونة، أو لم يُكتشف بعد مدى عفونتها. يظهر ذلك واضحاً في تونس من خلال التوافق مع الحكومة الجديدة، ويظهر في مصر من خلال التوافق مع المجلس العسكري الذي يتولى إعادة صياغة السلطة بما يحافظ على جوهرها الطبقي (سلطة المافيا) وسياستها، ووضعها في «العلاقات الدولية». وهذا مطروح في فلسطين والأردن وسوريا، كما مصر وتونس.

لقد رسمت الولايات المتحدة استراتيجية مشابهة نهاية القرن الماضي، لكنّ حاجتها إلى «عدوّ» فرضت عليها أن تخترع «الحرب على الإرهاب»، الذي كان يجب أن يكون إسلامياً كي تنجح الاستراتيجية. ولقد انتهت هذه الحاجة منذ أن أعلن باراك أوباما التصالح مع الإسلام في خطاب القاهرة، وعمّد ذلك بـ«قتل» بن لادن، لكي ينفتح أفق إعادة بناء النظم على أساس المشاركة «الإسلامية، بعدما قيل إنّ هؤلاء هم قوة المعارضة الرئيسية، رغم أن الثورات في تونس ومصر واليمن وسوريا أوضحت غير ذلك.

إذاً، فكّرت الإدارة الأميركية في «التغيير» بعدما عادت الثورات في سياق الالتفاف عليها إلى «دفاترها القديمة» التي تجاوزها الزمن. فقد قامت هذه الثورات لأنّ كتلة مجتمعية هائلة باتت مهمشة، ولأن النظم هي الحامي لهذا التهميش. وكان شعارها الأساس: الشعب يريد إسقاط النظام، النظام الاقتصادي قبل النظام السياسي. وكل الحلول الأميركية المنفّذة عبر المافيا المحلية تقفز عن ذلك لمصلحة التغيير في شكل السلطة، ربما لجعلها «أكثر ديموقراطية»، لكنه لا يغير من النمط الاقتصادي الريعي الذي هو الشكل الأفضل للمصالح الإمبريالية. إلّا أنّ الثورات ستكسر حتماً عملية الالتفاف الأميركي من أجل تحقيق تغيير عميق في النمط الاقتصادي، وفي البنية السياسية وفي كل السياسات الأخرى، فما من إمكان لتغيير النمط الاقتصادي دون الصراع مع الإمبريالية، كما مع الدولة الصهيونية. هذا هو «روح» شباب الثورة في كل الوطن العربي.

المصدر: الأخبار

Advertisements

المقاومة والممانعة في زمن الانتفاضات العربية

لم تثر الثورة التونسية أي هاجس، مقابل إثارة الثورة المصرية كلّ المكنون العربي المناهض لنظام حسني مبارك، الذي أصبح ملحقاً بالإمبريالية الأميركية، ويخضع للسياسة الصهيونية. وأصبحت الثورة ثورة ضد كامب ديفيد، لا ثورة الشعب المصري من أجل العمل، ورفع الأجور والدولة المدنية. ولقد كان هناك انسجام شعبي عربي مع النخب في الموقف من هاتين الثورتين، وأصبح الأمل كبيراً في التغيير وهزم الإمبريالية، كما لم يظهر ما يشير الى أنّ ما يجري مخالف للمسار الثوري.

حتى الثورة في اليمن، وُضعت في السياق ذاته، لكن مع الانتفاضة في ليبيا، بدأ من يتشكّك في الثورة فيها، وخصوصاً مع الدعوات الى التدخل الدولي، ومن ثم إقراره. وأصبحت الثورات محل تشكيك بعد الثورة في سوريا، فأضحت كل الثورات العربية «من صنع أميركي». وظهر بعد التغيير الذي حصل أنّ قادة الجيش، الذين ركبوا الثورة في تونس ومصر، لم يقطعوا مع الولايات المتحدة ولم يغيّروا في الوضع كثيراً، رغم كلّ ضغوط الشارع، حيث بدا أنّ الثورات قد «صُنعت»، من أجل تبديل نظم مهترئة بأخرى فتية.

في سوريا، طُرحت مسألة المقاومة بحدّة، وخصوصاً حماس وحزب الله. فما مصيرهما إذا حصل تغيير في سوريا؟ الصورة النمطية التي كانت قد ترسخت لدى النخب في لبنان والأردن خصوصاً، قامت على أنّ الموقف «الممانع» للنظام في سوريا، هو الركيزة لكلّ من حزب الله وحماس. وبالتالي، فإنّ أيّ تغيير سيكون أميركياً بالضرورة، وفق السياق الذي باتت توضع فيه الثورات العربية، وكانت سوريا «أنصع» مثال عليه. فهل التغيير السوري سيقود الى تصفية المقاومة؟

سنشير الى أنّ حماس انفتحت على مصر، وعادت جزءاً من سلطة أوسلو، ولقد باتت منذ زمن مع هدنة طويلة، وكبح إطلاق الصواريخ، كما بات وضعها مرتبط بالتحوّلات العربية من زاوية «الحلم الإخواني»، فهؤلاء أصبحوا قوة قادرة على السيطرة على البرلمان والمشاركة في الحكومة في كلّ من مصر وتونس، وربما في بلدان عربية أخرى. يظنون أنّ زمنهم قد أتى، ولهذا نقاش آخر، لكن المهم هو أنّ المقاومة باتت هي حزب الله، فهل سيتضرر الحزب من التغيير في سوريا؟ ربما نعم، وربما لا، فمن يقومون بالثورة هم ممن كانوا يدعمون حزب الله خلال السنوات الماضية، وهم مع المقاومة ومواجهة الإمبريالية والدولة الصهيونية، ويمكن ملاحظة ذلك في الشعارات التي تتعلق بالجولان، وفي رفض أميركا. رغم ذلك، يمكن تلمّس أنّ أيّ تحوّل سيغيّر من طبيعة العلاقة. هذه مشكلة ولا شك، لكن لا بد من ملاحظة مسألتين، الأولى تتعلق بمأزق حزب الله قبل هذه الحالة الثورية، والثانية سياق الثورات العربية، وما يمكن أن توصل إليه.

فحزب الله في مأزق نتيجة طابعه «الطائفي» (أيّ لكونه منحصراً في طائفة)، وإذا كان هذا الجانب ليس ذا أهمية حين كانت المسألة تتعلق بالتحرير، فقد أضحى إشكالية بعدما أصبح للحزب دور داخلي. وما حصده حين هزم الجيش الصهيوني في 2006، خسر نصفه حينما أصبحت المسألة تتعلق بالسلطة. فهو لا يستطيع السيطرة، ليس نتيجة قوته، بل نتيجة طابعه الطائفي رغم قوته، ولم يعد ممكناً التوصل الى توافق طائفي، وأصبحت المقاومة تعني ردع أيّ هجوم صهيوني فقط. وفي هذا الوضع كان يحتاج الى سوريا، وخصوصاً على أرضية التحالف السوري ـــــ الإيراني. هنا ستكون المسألة الطائفية مشكلة للحزب وتفرض تحالفات محدَّدة، سيبدو أيّ تغيير سوري خطراً عليها. وهذا ما يتبدى لِطَيْف من داعمي المقاومة، أو المتاجرين بها. وكلية هذا الوضع، كانت نتاج أوضاع عربية قامت على قسمة النظم والقوى الى «معتدلين» (أي ملحقين بالإمبريالية) و«ممانعين» رغم تشوش معنى الممانعة (التي كنت قد استخدمتها منذ 2002 في توصيف النظم التي ترى الإمبريالية الأميركية أنّها لم تُخضع بما يكفي وحان وقت إخضاعها). وكانت تبدو كموقف سياسي لا كتكوين اقتصادي طبقي، إذ سارت سوريا، خلال العقد الماضي، خطوات هائلة نحو اللبرلة. هذه اللبرلة التي لا أسس تناقض جدية فيها مع النمط الرأسمالي المسيطر. بالتالي، ستبدو الممانعة متوقفة على «شعرة»، لكي تنتهي بعدما أصبحت القاعدة الاقتصادية متوافقة مع ما تريده الإمبريالية في الأطراف (أي نظام اقتصادي ريعي، قائم على الخدمات والاستيراد والعقارات والسياحة).

أصلاً هذا الوضع الاقتصادي، الذي مركزَ الثروة وهمّش كتلة كبيرة من الشعب، هو الذي فرض الثورات في البلدان العربية، ومنها سوريا. من هذا المنظور، لا بد من رؤية آفاق الثورات في البلدان العربية، والتغيير الذي ستفرضه. نظرية المؤامرة لا موقع لها هنا، وهذا المنطق هو نتاج عقل نخب سطحية، كانت طيلة العقود الماضية عاجزة عن رؤية الواقع، وعن فهم أزمات الشعوب، لذلك لم تفهم ما جرى، ولم تفهم أيضاً لماذا استطاعت الرأسماليات المسيطرة إبقاء سيطرتها، رغم التغيير في الأشخاص وشكل السلطة. وبدلاً من أن تتحمل مسؤوليتها التي فشلت فيها طيلة العقود الماضية، وتسمح لأن تكون الثورات عفوية، وتقاد من شباب جدد يمتلكون الجرأة والإصرار على التغيير، بقيت تنظر عن عجز الشعب ولا مبالاة الشباب، وتمسكت بأشكال أصولية مختلفة.

لا شك في أنّ الثورة تعيش مأزقاً، ومرحلتها الأولى تتسم بسيطرة قوى مختلطة، وباستمرار السلطة الطبقية ذاتها، ولا يجري الميل لتغيير النمط الاقتصادي الذي همّش كل هذه الكتلة، لكن من قال إنّ الثورة قد وصلت الى نهايتها؟ ذو العقل السطحي هو وحده الذي يرى الأشكال وما جرى دون تلمس ما يمكن أن يجري. سأقول إنّ الثورات العربية التي ستطاول كل البلدان، لأنّها أصبحت تشهد النمط الاقتصادي ذاته، ستفرض تحقيق تغيير عميق في الوضع العربي. فليس من الممكن لملمة الوضع الشعبي، بعدما انكسر حاجز الخوف وتدفقت كتلة هائلة من الشباب الى الميدان السياسي. أمر سيفرض نشوء أحزاب جديدة برؤية عميقة للواقع، تقوم على تصعيد الصراع مع الإمبريالية والدولة الصهيونية، ومن أجل الوحدة والتطور، لأنّ تجاوز التهميش سيفرض تأسيس نمط اقتصادي منتج يقتضي القطع مع النمط الرأسمالي والصراع معه، وبالتالي تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي.

وانطلاقاً من ذلك، أصبح على كلّ مقاوم وكلّ قوة مقاومة أن تتكيّف مع هذا الوضع الثوري الجديد، لا أن تمسك بتحالفات تكتيكية في مواجهة حركة الشعب، وخصوصاً أنّ الصراع بات واضحاً، كصراع طبقي وطني، وهو ما يجعل الأشكال التي لا تتكيّف مع ذلك دون أهمية وجدوى.

المصدر: الأخبار

الماركسية والعمال في الثورة الراهنة (تصور للنقاش)

انفجرت الثورات في العديد من البلدان العربية في موجة متتابعة لا تبدو أنها وصلت إلى نهايتها، حيث لازالت بلدان لم تدخل جدياً في المجرى الثوري الراهن. لكن الأمور تسير نحو ثورة شاملة ستطال كل البلدان العربية بما في ذلك السعودية والخليج. ولاشك في أن لهذا التتابع معنى فرض على الإعلام الرأسمالي التحدث عن ثورات عربية أو ثورة عربية، وهو الوضع الذي يفرض علينا كماركسيين أن نلتقط هذه اللحظة من زاويتها هذه، من أجل العودة إلى طرح مشروع تحرري عربي يهدف إلى الاستقلال والوحدة والتطور المجتمعي.

لكن لا بد كذلك من أن نلتقط اللحظة الثورية في كل بلد من أجل تحديد دور العمال والفلاحين الفقراء، وبالتالي دور الحزب العمالي الذي يعبّر عنهم. خصوصاً وأن الوضع يتسم بعجز عام في كل الأحزاب الماركسية ظهرت واضحة في الثورات التي حصلت، رغم أنه كان بعض الأحزاب دور معيّن لم يصل إلى أن يعلب الدور القيادي الضروري من أجل انتصار حقيقي للثورة. ولهذا بات واضحاً أنه في ثنايا الصراع لا بد من أن يتبلور الحزب الثوري الذي يعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء من أجل تحقيق الانتصار.

لقد ظهرت الثورات كثورات “شباب” نتيجة المشاركة الواسعة للشباب فيها، ولدورهم “القيادي” المستقل فيها. ولا يبدو ذلك مستغرباً لأن الشباب هم العنصر المندفع والديناميكي كما كان في كل الثورات في العالم، لكن لا بد من أن نلاحظ أن الطبقات المفقرة قد لعبت دوراً كبيراً في كل هذه الثورات، سواء فيها ضمن الكتل البشرية الهائلة التي تحركت أو اعتصمت، أو من خلال الدور الأولي الذي قامت به حينما انفجرت ضد الاضطهاد الطبقي الذي تعيشه، أو نتيجة الإضرابات التي قامت بها خلال الثورات. بمعنى أن الطبقات الشعبية ومنها العمال والفلاحون الفقراء كانت في صلب النشاط الثوري، وإنْ كانت لم تتحرك كطبقات بل اندمجت في الجموع البشرية الهائلة التي فرضت التغيير.

ما يجب أن نتلمسه في كل هذه الثورات هو، رغم ذلك، أن الصراع الطبقي لم يتخذ شكله إلا في لحظات محدَّدة، ومثلت الثورات اختلاطاً طبقياً بدا أن “الشباب” هو الذي يقوده، وهنا شباب الفئات الوسطى في الغالب. هذه إشكالية رغم أن هناك من يعتبر أنها ميزة، لأن هذا الوضع فرض أن تكون الأهداف الديمقراطية وتأسيس دولة مدنية هي الأهداف التي تناضل من أجل تحقيقها هذه الثورات، رغم أن الأهداف المطلبية المعيشية كانت مطروحة وواضحة، وكانت في أساس حراك العمال والفلاحين الفقراء وقسم مهم من الفئات الوسطى. وبالتالي لأن العمال والفلاحين الفقراء لم ينخرطوا في الثورة كطبقة، ومن خلال أطر تعبّر عن مصالحهم (أي النقابات أو حتى الأحزاب).

ثم أن حلول “الشباب” محل الأحزاب في قيادة الحراك وتوجيه الثورة كان يعبّر عن نقص فادح. وهنا أشير إلى مصر خصوصاً، حيث بدا واضحاً أن الدعوة إلى الاحتجاج تحولت إلى ثورة مفاجئة لقادتها الشباب كما فاجأت كل الأحزاب والنظام ذاته. ولقد كانت الأحزاب ليست في وارد إمكانية الثورة رغم كل أشكال الاحتجاج التي اجتاحت مصر طيلة عقد من الزمن، وتمحور نشاطها على “النضال الديمقراطي” بعيداً عن مطالب الطبقات الشعبية، وأزماتها، والاحتقان الذي كان يتصاعد داخلها. وهو الوضع الذي فرض تهميش الأحزاب الماركسية وهامشية دورها.

وهو الوضع الذي فرض أن تستطيع الثورة هزّ بنيان السلطة بطرد حسني مبارك وزج “نخبة” من المافيات التي نهبت مصر طيلة عقود في السجون، لكن لم يكن دور المجلس العسكري في طرد مبارك من أجل فرض الأهداف التي طرحتها الثورة، أي إسقاط النظام وبناء نظام جديد تحدَّد في تأسيس مجلس رئاسي يعد لدستور جديد يفتح الأفق لتأسيس دولة مدنية، بل جاء لقطع الطريق على هذه الإمكانية. فهو جزء من البنية الطبقية لنظام مبارك الممثل للرأسمالية المافياوية، التي نهبت كل ثروة مصر خلال السنوات الثلاثين الماضية. لهذا يحاول تقديم اقل قدر من التنازلات الحقيقية على صعيد طبيعة الدولة، وبنيتها. ولقد دفع نحو تعديل دستوري بدل صياغة دستور جديد، والى انتخابات سريعة لن تسمح إلا بانتخاب شخصيات قديمة طالما لم تتبلور قوى الثورة. ومن ثم أصدر قانوناً ينظم العمل الحزبي أسوأ من سابقه، وأوغل في إصدار قانون منع التظاهر. دون أن يغيّر شيئاً فيما يتعلق بالتكوين الاقتصادي الذي كان في أساس اندفاع الطبقات الشعبية للثورة.

وإذا كان من الضروري تصعيد الصراع من أجل فرض المطالب الأساسية تلك، فإن الطابع “الهلامي” لقوى الثورة، وطفو الفئات الليبرالية يجعل طبيعة السلطة القادمة هي سلطة ليبرالية ديمقراطية دون برنامج اقتصادي مختلف عن الوضع القائم، سوى ربما في تحسين جزئي للأجور وبعض المشاريع الاقتصادية دون تغيير الطابع الريعي للاقتصاد، أو إعادة الأرض للفلاحين وتطوير الزراعة، أو إعادة ملكية الدولة للمشاريع والمصانع التي بيعت واسترداد الأموال المنهوبة، أو إعادة دور الدولة الاقتصادي سواء في التحكم بالعلاقة مع السوق العالمي وإخضاع الأجور والأسعار لقيم محلية أو الاستثمار في الصناعة والزراعة. لهذا سيبدو واضحاً أن المشكلات الأساسية للطبقات الشعبية لن تحلّ، وأن صراع العمال والفلاحين سوف لن يتراجع، على العكس يمكن أن يتطور، ويجب أن يتطور.

في إطار هذا الوضع يصبح ضرورياً تنظيم نشاط العمال والفلاحين الفقراء، وهو الأمر الذي يعني بالضرورة:
1) تنظيمها في نقابات واتحادات ولجان للدفاع عن مصالحها، ولاستمرار مطالبتها بأجور أعلى وبالعمل، وبتحسين شروط العمل والضمان الاجتماعي. هذا ما يجب أن يتيحه الوضع الديمقراطي القائم الآن، والذي يمكن أن يفرض في إطار دولة مدنية.

2) بناء حزب يعبّر عن مطامح العمال والفلاحين الفقراء، حزب ماركسي يسعى إلى تطوير الصراع الطبقي من خلال تنظيم الطبقة وتوضيح رؤيتها وتحديد سياساتها. والحزب هنا هو ليس نخبة بل حزب العمال والفلاحين الفقراء. بمعنى أن بنيته يجب أن تكون من هؤلاء، وأن تندمج “النخبة” الماركسية بهم، لأن مهمتها هي تطوير صراعهم هم بالذات، وليس مزاولتها النشاط السياسي بالمعنى الليبرالي الديمقراطي.

الآن، لا بد من دور حقيقي للعمال والفلاحين الفقراء، وكذلك للحزب الذي يعبّر عن مطامحهم ويطرح رؤاهم، وينظم نشاطهم. لقد انقضت مرحلة في الصراع أفضت إلى هزّ السلطة القديمة، هذه السلطة التي لازالت تقاوم التغيير، وإذا كانت قد ضحت بفئة من المافيات التي حكمت خلال السنوات الماضية فإنها تعمل جاهدة على تكريس النمط الرأسمالي الريعي، والسلطة المستبدة. وإذا كان يجب أن يتمحور الصراع الآن على فرض دولة مدنية، فإن تطوير صراع العمال والفلاحين الفقراء من أجل مطالبهم هو المدخل لتطوير دورهم اللاحق، وتنظيم نشاطهم في خضم الصراع، وتحديد الرؤية التي تحكم العمل من أجل انتقالهم إلى لحظة استلام السلطة.

بالتالي لا بد من دعم الحراك من أجل فرض المطالب الأساسية التي تهدف إلى بناء دولة مدنية، وفي الوقت ذاته تنظيم نشاط العمال والفلاحين الفقراء، وتعميق مطالبهم، وأيضاً من ثم العمل على بناء إستراتيجية النضال الماركسي، إستراتيجية تنطلق من فهم الواقع الطبقي وتوازن القوى الطبقية، وكيفية تطوير نضال هؤلاء لكي يتبلوروا في طبقة مقاتلة من أجل استلام السلطة.

هذه هي المهمة الجوهرية التي تنتصب الآن، والتي عليها يتوقف تطور الصراع الطبقي، وتصبح إمكانية الانتصار كبيرة، وهي المهمة الملحة التي سوف يفرزها الواقع، لأننا في خضم صراع لن يتوقف إلا بتحقق البديل الضروري لتجاوز الواقع القائم. لم يعد الواقع القائم ممكن الاستمرار، هذه مسألة لا بد من أن تكون واضحة ومؤكدة، ولهذا يحمل الواقع إمكانية تبلور حزب عمالي. حزب العمال الاشتراكي، الذي يطوّر صراع العمال والفلاحين الفقراء، ويرسم الإستراتيجية التي تفضي إلى تحقيق التغيير. التغيير الذي يعني إنهاء الطبقة الرأسمالية المسيطرة لمصلحة هؤلاء، بالتحالف مع كل الفئات الوسطى والمهمشة. فلا شك في أن مسألة الدولة (أو مسألة السلطة) ترتسم الآن بوضوح شديد، ومن لا يفكّر فيها سوف يتخلف عن الواقع، ويلقى جانباً. حيث أن الدولة المدنية الحديثة ليست ممكنة إلا عبر تغيير الطبقة المسيطرة وفرض سلطة العمال والفلاحين الفقراء، وأيضاً بالتحالف مع الفئات الوسطى وكل المهمشين. ليست المسألة الآن هي مسألة “النضال الديمقراطي” بل مسألة التغيير الثوري. ورغم ضرورة النضال الآن من أجل فرض الدولة المدنية فإن تحققها سوف يفرض انتقال العمال والفلاحين الفقراء إلى موقع الطبقة المسيطرة، لأن الرأسمالية القائمة في المستوى الاقتصادي هي رأسمالية مافياوية أسست لاقتصاد ريعي، وليس بإمكانها أن تكون غير ذلك في إطار ترابطها مع الطغم المالية الإمبريالية. وهي ليست معنية بتأسيس دولة مدنية بالتالي. وكل الفئات الوسطى الآن لا تحمل مشروعاً للتغيير الاقتصادي (كما كان الوضع في نهاية أربعينات القرن الماضي)، بل تحمل أحلام الدمقرطة والدولة المدنية. لهذا ليس إلا العمال والفلاحين الفقراء هم من يحقق ذلك.

هذا الأمر يفرض التفكير الجدي في الحزب العمالي، في الوعي الذي يمتلكه وفي بنيته، في إستراتيجيته وأهدافه، كما في الخطوات الضرورية من أجل تأسيسه في خضم الصراع القائم. لهذا لا بد من التأكيد أولاً على أنه يجب أن ينطلق من وعي الواقع، وهو الأمر الذي يفرض البحث العميق في التكوين الاقتصادي والطبقي، وفي التناقضات وطبيعة الصراع، وفي الوضع العالمي الذي أسسته الطغم الإمبريالية. وثانياً أن يؤسَّس على أساس ماركسي واضح، بمعنى أن ينطلق من المنهجية الماركسية، وأقصد الجدل المادي، بعيداً عن أي “منظومات” مسبقة، وعن أي إطار أيديولوجي مسبق، حيث لا بد من تأسيس الرؤية المطابقة لوضع العمال والفلاحين الفقراء في الواقع الراهن في أفق الانتقال إلى الاشتراكية. وهذا لن يتحقق إلا من خلال الانطلاق من الجدل المادي الذي يؤسس لفهم علمي للواقع القائم، وبالتالي لإستراتيجية ثورية صحيحة. وثالثاً أن يتأسس من العمال والفلاحين الفقراء لأنه حزب هؤلاء وليس حزب الفئات الوسطى، رغم أنه يضم بعض من هذه الفئات، أي تلك الفئات التي تتمثل الماركسية وتتجاوز مصالحها الضيقة لتكون جزءاً من العمال والفلاحين الفقراء. وهي الفئة التي تقدّم الرؤية والسياسات والتنظيم، لكن كل ذلك من خلال العمال والفلاحين الفقراء، وليس من خلال الفئات الوسطى. ورابعاً أن يعي أنه يعمل على تطوير الصراع الطبقي من أجل تحقيق التغيير وتحويل هؤلاء إلى طبقة حاكمة. وبهذا فهو حزب التغيير الثوري لعلاقات الإنتاج القائمة في أفق الانتقال إلى الاشتراكية.

اليوم، العمل هو بين العمال والفلاحين الفقراء من أجل تطوير الصراع الطبقي، وصولاً إلى اللحظة التي تفرض تفجّر الثورة من جديد، حيث يجب أن تكون الطبقة قادرة على استلام السلطة.

المصدر: الأفق الإشتراكي

موجة الانتفاضات الثانية في الوطن العربي

نشهد الآن الموجة الثانية من الانتفاضات في الوطن العربي، التي باتت تشمل كل من اليمن وليبيا وسورية، بعد أن قُمعت الانتفاضة البحرينية بقوة سعودية، ومع حراك شعبي متفاوت القوة في كل من المغرب والجزائر والأردن والعراق، ومحاولات حراك في لبنان.

الأساس فيها كلها واحد، حتى تلك البلدان النفطية، وهو التكوين الاقتصادي الذي فرض مركزة الثروة وتهميش كتلة واسعة من الطبقات الاجتماعية. والحراك متشابه كذلك، حيث تندفع هذه الطبقات للتعبير عن ذاتها في مواجهة النظم من خلال مظاهرات شعبية، طابعها العام شبابي وإنْ كانت تضم رجال ونساء بأعمار مختلفة. ورغم القمع تفرض جرأة الشباب وقوة الشعب تحقيق التغيير، حيث تتفكك القوة القمعية للسلطة.

لكن ووجه الحراك في البحرين بالتشكيك المعتاد من حيث أنه حراك “شيعي”، و”مرتبط بإيران”، فكل النظم تحاول أن تلصق بهذه الانتفاضات كل الصفات التي تتسم بها هي. ولا شك أنه من الطبيعي أن تتحرك الفئات المهمشة، وهي في البحرين “شيعية” الطابع، رغم أن حراكها لم ينطلق من هذا الانتماء الطائفي بل من كونها باتت مهمشة، إضافة إلى مشاركة فئات أخرى من “طائفة ثانية” كذلك، وهو الأمر الذي كان يوضّح بأن الانتفاضة تنطلق من هذا التهميش في مواجهة سلطة متمركزة بيد عائلة، وتمارس المنع والضبط. وبالتالي كان المطلب السياسي قائماً. وهو هنا لم يكن “إسقاط النظام” بل المناداة بـ “ملكية دستورية”.

المآل كان التدخل السعودي، حيث أن النظام هناك يستشعر الخطر المحدق في تحقيق أي تغيير في الجارة الخليجية، خصوصاً أن في السعودية وضع مشابه من حيث “التقسيم الطائفي” والتهميش، ولكن –أكثر من ذلك وأهم- كتلة كبيرة مهمشة ومفقرة. بالتالي فإن الانتفاضة هناك سوف تفرض الانتفاض هنا. ولقد شهدت السعودية بعض المظاهرات في الرياض، وتعيش احتقاناً عاماً، ربما أفادت “الرشوة” في تأجيل انفجاره، لكنه لن يبقى هكذا إلى زمن طويل. ولسوف تلعب المحرضات الإقليمية دوراً في تسريعه. ولهذا، وتحت الاتهام بالطائفية والارتباط بإيران جرى سحق الانتفاضة بقوة “درع الجزيرة” السعودية. وهنا سيبدو أن كل انتفاضات الخليج سوف ترتبط بالانتفاضة في السعودية ذاتها. لكنها كذلك سوف تصطدم بالوجود العسكري الأميركي. وقبل ذلك يمكن أن تلعب الأموال النفطية دوراً محدوداً في تأخير هذه الانتفاضات.

أما في ليبيا واليمن وسورية فقد واجهت الانتفاضة رداً عنيفاً من قبل النظم، حيث أصبحت القوة العارية هي التي تحكم التعامل مع انتفاضات سلمية، وبدا أن الصراع يتجه إلى منحى دموي. ففي ليبيا ظهر أن نظام القذافي قد أسس فرقاً “أمنية” مسلحة بأحدث الأسلحة، وهي مكونة من مرتزقة أو من فئات باتت ترتبط مصلحياً بالنظام، ولهذا كانت في لُحمة كاملة معه. وفي اليمن ظهر بأن النظام كذلك أسس فرقاً مرتبطة مصلحياً بالنظام، ورغم انشقاق قطاعات من الجيش إلا أن النظام ظل يمتلك القوة القادرة على استمراره إلى الآن. وفي سورية يظهر إلى الآن أن هناك قوة متماسكة ملتحمة بالنظام هي التي تمارس القمع، رغم أن الأمور تبدو في أولها، ولم يظهر أي رد فعل من قبل قطاعات الجيش الأساسية مثلما حدث في ليبيا أو حتى اليمن.

وسنلمس بأن هذه القوى العسكرية تحت سيطرة “عائلية” (أولاد القذافي وأولاد وأخوة علي عبدالله صالح…)، ولقد تشكلت خصيصاً للدفاع عن السلطة وليس لأي شيء آخر.

لقد عمل كل من بن علي ومبارك على تأسيس قوة خاصة للدفاع عن السلطة لكنها لم تستطع الدفاع كما حدث في تونس (البوليس السياسي والأمن الرئاسي)، وهزمت أمام الشعب كما في مصر، رغم أن القوة العسكرية هنا والتي كانت قد بنيت للدفاع عن النظام وقفت في النهاية ضده (الحرس الجمهوري). ولهذا كان “انحياز” قيادة الجيش إلى جانب الشعب قد أفضى إلى سقوط الرئيس، والبدء في تغيير في النظام. لكن في الموجة الثانية بدا واضحاً بأن الجيش أو فرق أساسية فيه هي في تماسك شديد مع النظام، وأنها باتت تدافع عنه بعنف لا مثيل له. فقد حوّل القذافي الصراع إلى حرب حقيقية بين شعب أعزل سلمي وجيش يمتلك أحدث الأسلحة، وقام بمجازر أفضت إلى تدخل إمبريالي، رغم أن الولايات المتحدة كانت تماطل في التدخل وتدفع لأن ينتصر العقيد، وحين تدخلت شوشت ومالت إلى تقسيم ليبيا، وبدا أنها ظلت متمسكة بالعقيد إلى وقت قريب. لقد توضّح بأن العقيد يمكن أن يدمر الشعب، فـ “الشعب الذي لا يحبه لا يستحق الحياة” كما قال. وبدا وكأن الأمر يتعلق بنزل ملك شخصي منه، وأنه لن يغادرها إلا دمار. وبالتالي أعطى كل المبررات لذاك التدخل الإمبريالي.

وفي اليمن ظهر بأن كتلة مهمة من الجيش ملتصقة بالرئيس، وهي تخضع لقيادة أبنائه وأخوته. وبالتالي لازالت تدافع عن النظام، فلم تجري التحوّل الذي يقود إلى رحيل الرئيس. وهذا الوضع هو الذي يفرض الاستعصاء اليمني إلى الآن، رغم الضغوطات الإقليمية والدولية. وسيبدو هنا كذلك بأن الولايات المتحدة لا تريد رحيل علي عبد الله صالح، ولهذا تقدّم الدعم له، فهو الذي فتح لجيوشها أبواب اليمن بحجة محاربة تنظيم القاعدة، الذي توضّح بأنه اختراع النظام ذاته. ولأن الشعب يقاتل سلمياً، وينتظر أن يسقط النظام كما الثمرة الناضجة، يستمر الاستعصاء، رغم رفض كل أحزاب المعارضة والقبائل وكل الشعب له. لكنه أيضاً يمتلك بعض شعبية يحاول أن “يهوّش” بها، ربما كان منطلقها قبلي أكثر من أي انتماء آخر.

وفي سورية لازالت القوة هي التي تواجه الشعب، وما يساعد إلى الآن هو أن الحراك الشعبي لم يصل إلى كل قطاعات المجتمع، ليس لأنها مع النظام بل لأنها إما خائفة أو متخوفة. ولسوف تبقى السلطة قادرة على القمع إلى أن تتحرك كل قطاعات المجتمع، حينها لن تفيد القوة، وربما نعود إلى الحل التونسي/ المصري. في ليبيا القوة العسكرية المنضبطة هائلة قياساً لشعب لا يتجاوز عدده الخمسة ملايين شخص وفي مساحة هائلة الاتساع، وتفيد فيها الأسلحة المتطورة، إما في سورية فمهما كانت القوة المتماسكة لن تستطيع قهر الشعب.

إذن، في الموجة الثانية من الانتفاضات أصبحنا في مواجهة العنف العاري، الذي لازال يمنع انتصار الثورات هنا. لكن التأخير ممكن، فقط.

المصدر: الحوار المتمدن

رسالة الى رفاقي الشيوعيين في العراق

الرفاق الأعزاء

لا شك في أن الوضع الذي تشكل خلال السنوات السبع الماضية لم يعد يطرح طريقاً للتخلص من الاحتلال، وبناء الاستقلال إلا عبر دور الماركسيين، بعد أن اصبح واضحاً عجز قوى المقاومة التي اتخذت أشكال دينية أو طائفية، والتي وإن كانت قد وجهت ضربة مهمة لجيوش الاحتلال خلال السنوات الثلاث الأولى إلا أنها تراجعت بعد أن توسعت الصراعات الطائفية، وتعمم القتل، وبعد أن انسحبت الجيوش الأميركية من المدن. وأيضاً بعد أن بدأ تصاعد النضال الشعبي ضد السلطة التي أقامها الاحتلال ونهبت ثروات البلد، في حركة مطلبية مهمة.

إن تكوين العالم الراهن، حيث فرضت الرأسمالية سطوتها على كل مناحي الحياة، وشكلت الطبقات في كل مكان انطلاقاً من سطوتها هذه، هو الذي فرض أن تلعب الطبقة الجذرية: الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، الدور الرئيسي في المواجهة، وإن لم تكن وحيدة في هذا الدور، لكن دورها الفاعل والقيادي هو دور أساسي من أجل تحقيق الانتصار، لأن الصراع في هذا المستوى يحتاج إلى الجذرية ضد الرأسمالية كنمط، والى الوعي العميق: في الرؤية والممارسة، حيث أن معركتنا هي، ليس مع أعتى قوة إمبريالية في العالم فقط، بل وأعتى قوة من حيث تملك العلم والتكنولوجيا والحنكة والمقدرة على المناورة. وهذا الوعي الذي نحتاجه توفره الماركسية لنا، الماركسية بما هي منهجية، منطق تفكير ومنظومة أفكار وانحياز طبقي.

لقد تاهت الحركة الشيوعية في العراق منذ أن ضلت الطريق الذي رسمه قائدها، وقائدنا، الخالد الرفيق فهد، وبعد أن همشت مرحلة الرفيق سلام عادل الذي كان الاستمرار الطبيعي لمرحلة فهد. حيث خضعت لمنطق الماركسية السوفيتية وأصبحت ترى بأن دورها هو دور مساعد لطبقة يجب أن تنتصر هي البرجوازية، وأن ما عليها سوى التحالف معها من أجل تحقيق التطور الرأسمالي، الذي كان محكوماً عليه بالمنع منذ أن أصبحت الرأسمالية نمطاً عالمياً، من قبل الرأسمالية الإمبريالية ذاتها، وبالتالي انقادت خلف وهم اسمه التطور الرأسمالي. ثم فقدت أرضيتها حينما حققت فئات من البرجوازية الصغيرة مهمات أساسية تجاوزت مطامحها، هي التي كانت تلهث في البحث عن برجوازية تحقق أحلامها، ولم يكن من المقدّر لهذه الفئات أن تنتصر إلا بسبب أوهام التطور الرأسمالي التي حكمت كل الحركة الشيوعية في الوطن العربي، وكل الشيوعيين الذين اعتبروا بأن موسكو هي معلمهم، رغم أنها كانت ترسم سياسات تتعلق بمصالحها كدولة، ومن هنا كانت براغماتيتها التي انعكست براغماتية عششت في عقل الحركة الشيوعية. ولهذا تحالفت مع برجوازية صغيرة تتوهم أنها تحقق الاشتراكية، تحت شعار بناء الاشتراكية معاً.

فقد التحق الحزب بهذه الفئات البرجوازية الصغيرة تحت وهم تحقيق الاشتراكية هذه المرة: اشتراكية البرجوازية الصغيرة التي هي ليست اشتراكية، بل صيغة من صيغ التطور الرأسمالي، أو أنها تقود حتماً لتعميم الرأسمالية. وكانت النتيجة تشريد الحزب واندفاع العراق نحو دكتاتورية فظة، وسياسات، وإن كانت تحمل مطامح تحقيق التطور، فقد اتسمت بالخطئية في الرؤية الاستراتيجة لأنها قامت على النزق الذي تتسم به هذه الفئات. وهنا أشير إلى أن الحزب يشارك في هذا المصير المأساوي، ليس لأنه دعم الدكتاتورية وهي تتشكل فقط، بل لأنه بالأساس تخلى عن دوره في التغيير قبل أن تقوم به هذه الفئات، وهو الدور الذي كان يفرضه تشكل النمط الرأسمالي. هنا الجريمة الأولى التي يجب أن نتوقف عندها ملياً ونحن نفكر في صياغة الرؤية التي تحدد دور الماركسية في العراق. لأنها تطرح مسألة الدور الأساس الشيوعيين، ويكون التخلي عن هذا الدور امعاناً في تجاهل تحقيق التطور وخدمة لقوى أخرى ليس بمقدورها تحقيقه.

وبعد “تشرده” التحق بقوى “قومية” متخلفة، رغم الأهداف المحقة التي تطرحها، وهي القوى الكردية التي دعمته في شن كفاح مسلح ضد السلطة، ومن ثم قامت بذبح حركة الأنصار. وبالتالي بات الحزب جزءاً من “العملية السياسية” التي أنشأها الاحتلال كغطاء لاحتلاله، وبات في صف القوى التي تكرس الاحتلال، وإن كانت تتحدث بخجل عن “رحيل القوات الأجنبية”، لكن بعد تحقيق “الاستقرار”. وربما كانت هذه النهاية طبيعية لحزب تربى على التكيف مع الأمر الواقع تحت شعار “العقلانية” وميزان القوى، والدور المساعد. حيث أن غياب الرؤية التغييرية التي حكمته تجعله يتكيف مع كل التحولات، ويلعب دور “الناقد” إن بلغ أقصى الجرأة.

وما من شك في أن هذه النهاية قد وجهت ضربة مؤلمة ليس لتاريخ الحزب الشيوعي وللرفيق فهد (أبو الدعوة لمقاومة الاحتلال وتحقيق الاستقلال) وللرفيق سلام عادل الذي تقدم لاستلام السلطة ومُنع، بل لكل القوى الماركسية ولليسار عموماً، الذي بدا مرتبكاً وتائهاً يلهث بعضه خلف “قوى مقاومة” طائفية وأصولية، أو كان مشتتاً دون هدى، وغارقاً في فصام نتج عن عنف الدكتاتورية التي ظلت ماثلة والوضع يفرض الانتقال إلى المقاومة.
لهذا تطرح اليوم مسألة في غاية الأهمية تتمثل في: كيف يمكن تأسيس قوة ماركسية تمتلك من وضوح الرؤية ما يجعلها تفهم الصراعات الواقعية جيداً، وتمتلك الحزم في خوض النضال ضد الاحتلال والفئات التي تحلقت حوله وأصبحت أدواته، من أجل تحرر واستقلال العراق، ولتأسيس نظام وطني يعبّر عن الطبقات الشعبية، في ممارستها إرادتها وفي تحقيقها مصالحها، وبالتواشج مع كل الماركسيين في الوطن العربي، في أفق تحقيق الاشتراكية.
هذه هي المهمة التي تمثل أمامنا، والتي يجب أن تحظى بنقاش حقيقي هنا. وأن تكون في صلب النقاشات التي يجب أن نقوم بها.

وهنا يجب أن أوضح:
1) إن الرؤية لازالت غائمة، حيث يجب أن نحدد بوضوح معنى اليسار الذي نقصده، وأصرّ هنا على أننا –كما أشرت للتو- يجب أن نسعى إلى تأسيس قوة ماركسية، نقدية وجذرية، تنطلق من منهجية الماركسية وليس من بعض نصوصها، تنطلق من الجدل المادي وليس من أفكار قيلت في زمن متقادم، رغم معرفتي بأنه ليست كل الافكار التي تطرح تتقادم، بل يبقى كثير منها مادامت لم تحدث انتقالة تاريخية حاسمة. لكن الذي يحدد قيمة أية فكرة هو البحث في الواقع انطلاقاً من الجدل المادي وليس أي شيء آخر. وبالتالي فإن الأساس هنا هو تمثّل الجدل المادي والبحث في الواقع معاً من أجل بلورة رؤية مطابقة يمكنها أن تؤسس لاستراتيجية ثورية حقيقية.
إن المسألة الأهم هنا هي كيف نفهم الواقع، وبالتالي كيف نؤسس رؤية لتغييره على ضوء المهمات التي يطرحها وانطلاقاً من واقع الطبقات التي نعبّر عنها؟ المسألة هنا لا تتعلق بأهداف فقط، فهذه يمكن تلمسها حسياً، ويمكن التعامل معها عفوياً، بل يجب فهم الصيرورة التي تفضي إلى تحقيق هذه الأهداف. هذه هي مهمة الماركسي، وهذا ما تضيفه الماركسية.
2) إن الهدف المركزي لقوة ماركسية في العراق هو طرد الاحتلال وتحرير العراق، وأي هدف آخر هو مترابط مع هذا الهدف ومؤسس عليه، لكنه لا يحظى بالأولوية ولا يسبقه، الآن والى حين طرد الاحتلال، رغم ضرورة بلورة برنامج متكامل للبديل الماركسي يتعلق بوضع العراق بعد طرد الاحتلال، والتحالفات الممكنة في سياق النضال من أجل التحرير، ولا نكتفي بهذا الهدف فقط، لأن دورها لا يتحدد في طرد الاحتلال فقط رغم أهمية ذلك وأولويته، بل بتأسيس نظام اقتصادي اجتماعي وسياسي بديل، ينطلق من مصالح العمال والفلاحين الفقراء، ومن مصالح بقية الطبقات الشعبية. وبالتالي فنحن هنا بحاجة إلى بلورة بديلنا، لا أن نبقى أسرى هدف واحد مهما كانت أهميته.
وبلورة بديلنا يفرض علينا خوض “صراعات” أخرى مع قوى وطبقات، وإن تكن لا تحظى بالأولوية، أي تبقى ثانوية. لهذا فإن الصراع الأيديولوجي هو الشكل الآخر الذي يحكم علاقتنا بالقوى الطبقية الأخرى المناهضة للاحتلال، وليس من الممكن القيام بذلك دون بديل، دون رؤيتنا لطبيعة التطور الاقتصادي في العراق المستقل، وللخطوات الضرورية لتحقيق مصالح الطبقات الشعبية، وكذلك لشكل النظام السياسي الديمقراطي.
3) لهذا فإن “حرباً أيديولوجية” يجب أن تشن ضد القوى الطائفية التي تعتبر أنها في تناقض مع الاحتلال، حيث أنها فتتت الصراع ضده عبر فتحها لصراعات طائفية ودينية، وبالتالي فتتت البلد، وهو الأمر الذي يصبّ في السياسة الإمبريالية الأميركية التي تسعى إلى تقسيمه إلى ثلاث دول وأكثر.
إن الأساس الوطني حاسم هنا، وكل تعبير طائفي حتى وإن كان ضد الاحتلال سوف يفضي إلى استثارة كل مكنونات الماضي السيئة والمشينة. ولهذا ليس من الممكن بناء تحالفات مع قوى من هذا النمط. يجب أن يكون ذلك واضحاً، رغم أنه يمكن أن يجري في الواقع، في الممارسة، تنسيق ما إذا كان ذلك ضرورياً في سياق العمل المسلح ضد قوى الاحتلال.
إن الهدف هنا، حيث يجب أن يكون واضحاً بأن قيادة القوى الماركسية للمقاومة هي ضرورة، وهي ضرورة حاسمة، لكنها تتحقق عبر الفعل المقاوم والتكتيك الصحيح، وأن هذا الدور أساسي لتوحيد نضالات الشعب في مقاومة شاملة ضد الاحتلال.
4) ومقاومة الاحتلال لا تعني أن العمل المسلح هو الشكل الوحيد، هذا ما يتبادر إلى القوى التي تمارسه الآن، لكن المسألة تتعلق كذلك، والى جانب الحرب، تطوير صراع الطبقات الشعبية ضد الفئة التي جلبها الاحتلال وأصبحت هي السلطة، وممارسة كل الأشكال الممكنة لنضال شعبي يرفض الاحتلال ويكون حاضنة للمقاومة.
إن الصراع هنا هو صراع طبقي كذلك، حتى في شكله الوطني المتمثل بوجود قوات محتلة، ولهذا يجب أن يجري التركيز على تطوير النضالات الشعبية بكل أشكالها، المطلبية والاحتجاجية والنقابية، والسياسية. فالنضال المسلح وحده في وضع كوضع الاحتلال الراهن (وكما كان الاستعمار الانجليزي) لا يكفي، حيث أن تجميع قوات الاحتلال في قواعد وتكليف سلطة عميلة بقمع الشعب وضمان أمن قوات الاحتلال يفرض تطوير الصراع الطبقي والسعي لطرد هذه الفئات التي وافقت أن تكون واجهة له. إن المقاومة المسلحة ضرورة لكن يجب أن تكون جزءاً من النضال الشعبي من أجل بديل يعبّر عنها يُفرض عبر طرد الاحتلال وطرد ملحقاته.
5) يجب أن يكون واضحاً أن احتلال العراق هو جزء من مشروع سيطرة إمبريالية، كان ولازال يستهدف الوطن العربي كله، وهو تكميل لما بدأ منذ سايكس/ بيكو ووعد بلفور، وبالتالي احتلال المناطق المختلفة فيه وإقامة الدولة الصهيونية. وهو تكميل بمعنى الدفع نحو تعميق التفتت بتوسيعه لأن يصبح تفتتاً طائفياً ودينياً وإثنياً، وبالتالي إعادته إلى قرون مضت عبر تدمير كل التطور الذي تحقق.
لهذا ليس من الممكن الانتصار في الحرب إلا بتحويل الصراع ضد الاحتلال الأميركي للعراق إلى صراع ضد الإمبريالية وأدواتها العربية التي هي النظم التابعة والطبقة الكومبرادورية التي تحكمها، وضد الدولة الصهيونية التي هي أداة للطغم الإمبريالية كذلك، من أجل تكريس السيطرة على كل الوطن العربي.
هذه مسألة أساسية، ويجب أن تكون بديهية في وعينا وممارستنا. وبالتالي يجب أن يكون دور القوى الماركسية في العراق هو جزء من دور القوى الماركسية في الوطن العربي التي يجب أن تجابه تلك السيطرة الإمبريالية، وبالتالي أن تجابه النمط الرأسمالي ككل، ووفق توضعاته في كل بلد، لكن بالتشابك والوحدة في البرنامج والرؤية والسياسات، وإن اختلفت أشكال العمل بين بلد وآخر.
فانطلاقاً من الماركسية يمكن أن نحدد بأن تناقضنا الأساسي هو مع الطغم الإمبريالية وقاعدتها الدولة الصهيونية والنظم التابعة في بلداننا، وكل الفئات التي تلتحق بها. وهو التناقض الذي يستوجب تحقيق تحالف الطبقات الشعبية في كل الوطن العربي، وفي كل بلد من بلدانه. دون تجاهل أن علينا نحن الماركسيين يقع عبء الفعل والفاعلية، لأن دورنا هو الحاسم هنا، مهما بدا وضعنا ضعيفاً الآن، وقدراتنا محدودة، وتشتت واقعنا الراهن. هذا طموح لكنه ضرورة. ضرورة حاسمة من أجل الانتصار في كل بلد وعلى الصعيد العربي العام.
6) ونحن هنا ونحن نؤكد على هذه المسألة، نشير إلى أن الطموح العربي من أجل الوحدة في سياق تحقيق التطور، والنضال الموحد من أجل مواجهة السيطرة الإمبريالية وأدواتها، لا يجعلنا نهمل أهمية مشكلة الأقليات القومية التي تعيش في الوطن ذاته معاً. حيث يجب أن تطرح الحلول الصحيحة التي تجعل الوطن هو وطن العرب وكل الأقليات الأخرى.
وإذا كانت الحقوق الثقافية، إضافة إلى حقوق المواطنة، وربما أشكال من الاستقلال الذاتي، هي الحق الذي يجب أن يكون في صلب برنامجنا، فإن وضع الأكراد في العراق ربما يفترض حلاً أوسع في سياق سعي الشعب الكردي من أجل تحقيق استقلاله وتشكيل دولته الواحدة. وإذا كان الصراع مع الاحتلال لا يسمح بأن تصبح هذه المسألة راهنة فإنها يجب أن تكون نصب أعيننا دون شك.
7) إن ما يجب أن يحظى بالاهتمام هو السعي لتطوير صراع الفئات الشعبية المختلفة ضد السلطة التي تكرست في ظل الاحتلال، وقامت بعملية نهب واسعة لخيرات العراق، رغم أن ما تنهبه هو هامش مما تنهب الشركات الاحتكارية الأميركية. ولقد أوجدت من المشكلات ما يحرّض كل الشعب العراقي ضدها وضد الاحتلال، من افتقاد البنى التحتية التي دمرها الاحتلال (من الماء والكهرباء والطرقات والمدارس…)، إلى الوضع المعيشي بالغ الصعوبة، إلى فقدان الأمن والعمل، وانهيار التعليم، والمحسوبية، إلى التحريض الديني والطائفي، وكثير من المشكلات التي تفاقمت في ظل الاحتلال. إن المطلوب هنا هو تحريك طبقي وقطاعي على هذه القضايا من أجل تفعيل الحراك الشعبي وتطوير الصراع الطبقي والوطني، مادام الاحتلال قد جلب النهب من قبل الشركات الاحتكارية الإمبريالية والمافيات العراقية التي نصّبها (رغم كل الحديث عن الانتخابات، ورغم جدية المشاركة فيها من قبل قطاع كبير من الشعب، الذي يجب أن يُلحظ تراجع اهتمامه على ضوء ما يجري، وبالتالي تحوّله إلى اشكال النضال الشعبي). إن هذا الفعل هو أساس الارتباط بحركة الطبقات الشعبية، وأساس دفعها لتطوير صراعها، وأيضاً ربطه بالصراع المباشر ضد الاحتلال، خصوصاً أن ذلك أصبح ممكناً بل أقول حتمياً بعد كل هذا النهب، وبعد موجة الانتفاضات التي عمّت البلدان العربية.

هذا خط نضالي يجب أن يُمسك، وأن يكون في أساس النشاط الماركسي. لكن يجب أن يترابط مع تطوير النضال ضد الاحتلال، وهو هنا ليس نضالاً شعبياً فقط بل يجب أن يترابط ذلك مع النضال المسلح، حيث لا يخرج الاحتلال دون مقاومة وحرب شعبية تجبره على الهرب. لا يجب أن يكون هناك وهم بأن الاحتلال سوف يخرج في الفترة القريبة القادمة كما يدعي، بل يجب لحظ بأنه سوف ينسحب من المدن ويتمركز في معسكرات ككل الاحتلالات السابقة، وبالتالي سيكون الصراع المسلح معه أصعب، لكن ليس من طريق غير ذلك من أجل تحرير العراق. على الماركسيين أن يكونوا في طليعة النضال ضد الاحتلال، خصوصاً أنهم يملكون ذخيرة هائلة من التجارب في ممارسة حرب الشعب والنضال المسلح. إنهم خبراء في حرب العصابات، وحرب الشعب، وكل أشكال المقاومة المسلحة، والشعبية. ويجب أن يستمر هذا التراث الثرّ، وأن يتطور في شكل من الحروب ربما تكون جديدة في وضع العراق. ولكي تكون في ترابط وثيق مع تطوير الصراع الطبقي وتوسيعه لكي يكون الشكلان مثمران، وليفضيا إلى تحقيق الاستقلال، وسيطرة العمال والفلاحين الفقراء على السلطة، حيث أنها الطبقة الأكثر أهلية لأن تحقق ذلك، بعد ما شهدنا من اشكال للمقاومة فشلت، أو انحصرت نتيجة الشكل الطائفي الذي اتخذته، كما نتيجة الأوهام بأن هزيمة أميركا سهلة.

بعد كل ذلك، إن المهمة المركزية المطروحة الآن هي بناء حزب ماركسي يمثل روح الشعب، ويعبّر عن وطنيته، لكنه يستلهم الاضطهاد والاستغلال الذي يعيشه العمال والفلاحين الفقراء من اجل مستقبل يقوم على أنقاض الرأسمالية. إن تشتت الماركسيين، وتشوش الرؤية وغياب الدور العملي ضد الاحتلال، كلها مسائل يجب أن تنتهي. وليس من الممكن أن يبنى هذا الحزب سوى في خضمّ كل ذاك الصراع، وتأسيساً على تطوير فاعلية الشعب العراقي العظيم.
آمل أن ينظر بالجدية الفائقة للوضع وللمهمات المطروحة، من أجل بلورة استراتيجية نضال ثوري تكون اساس تطوير الصراع بأشكاله المختلفة، فهنا يُبنى الحزب، وهنا يحقق انتصار العمال والفلاحين الفقراء. والعراق بحاجة أكيدة إلى هذا الدور، الذي سيكون رافعة هائلة على طريق تحقيق الانتصار.
وحول التكتيك الراهن
وبعد أرى أن كل ذلك يفرض التمايز الواضح عن كل أشكال “اليسار” الذي لازال يمينيّ الهوى والهوية، “اليسار” الذي يهوى التكيف مع الأمر الواقع وليس فهم الواقع من أجل تغييره، وبالتالي قبول الاحتلال والتشارك مع القوى الطائفية المافياوية في “العملية السياسية”، أو “اليسار” الذي لازال يخضع لمنطق الرأسمال، ويتحالف مع النظم الرأسمالية التابعة (والرجعية)، أو يشارك في نظم ليبرالية مفرطة. فليس من الممكن تأسيس حقيقي لشيوعية مناضلة دون القطع الجذري مع هذا المنطق وتلك القوى.

المطلوب في هذا المجال هو العودة لبذل مجهود من أجل توحيد القوى الماركسية المناضلة، التي تعمل على تجاوز الرأسمالية وتناضل من أجل تحقيق الاستقلال، وتعمل على تطوير الصراع الطبقي في وضع بات الوطن العربي فيه شعلة نضال تقوم بها الطبقات الشعبية، والعمال والفلاحون منهم بالأساس. إن جذرية الصراع الطبقي تفرض جذرية القوى الماركسية لكي تستطيع لعب دور فاعل في هذا الصراع وتطويره، ومن ثم قيادته.

ليس هذا الوقت هو وقت المساومات فيما يخص الماركسية وتمثيل العمال والفلاحين الفقراء، وليس من توافق مع القوى الليبرالية أو المهادنة، أو التي لا تفهم وضع العمال والفلاحين الفقراء وتهمل وضعيتهم وتتجاهل مصالحهم. لهذا لا بد من تطوير الصراع ضد الحزب الشيوعي العربي، وكل الحركة الشيوعية التي لازالت تكرر السياسات ذاتها التي عرفتها منذ عقود، وتلعب الدور الهامشي ذاته الذي تعودت عليه. ولا بد من فضح كل “اليسار” الذي يتكيف مع النظم الرأسمالية التابعة والمافياوية في الوطن العربي، وفضح منطقه الليبرالي والمهادن. من أجل ماركسية ثورية وجذرية وتعبّر حقيقة عن العمال والفلاحين الفقراء في الصراع الطبقي الراهن.

المصدر: الأفق الإشتراكي