Monthly Archives: يونيو 2010

تركيا «زعيمة» الشرق!

ربما يكون الموقف الأخير للحكومة التركية في ما يتعلق بقافلة الحرية هو الذي يستأهل بكل الاهتمام، ويمثل تغيراً مهماً يجري، لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: كيف نفهم هذا الموقف؟

لا بد من أن نلاحظ أن تركيا كانت منخرطة في سياسات الحلف الأطلسي، كونها جزءاً منه، وفي ذلك كانت في تحالف وثيق مع الدولة الصهيونية، وكانت المرتكز الأميركي الثاني بعدها (بعد فقدان المرتكز الإيراني سنة 1979). لكنها كانت تطمح إلى أكثر من ذلك، فعملت على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لأن لها موطئ قدم في أوروبا، لكن سنوات من «الزحف» للحصول على الموافقة الأوروبية باءت بالفشل. ولن نبحث هنا في أسباب ذلك، ولا في الأسباب التي جعلت البلدان الأوروبية الرئيسية ترفض انضمامها، أو تماطل لعقود أقنعت النخب التركية بأن أوروبا لا تفتح لها أبواب الانضمام. ويمكن أن يكون هذا الشعور الذي تلمّسه الشعب قبل النخب هو الذي أفضى إلى نجاح التيار الإسلامي المرتبط بالشرق (حزب أربكان الذي طرد من الحكومة لأنه ليس علمانياً، وهو جزء من حركة الإخوان المسلمين)، ثم إلى نجاح حزب العدالة والتنمية المنشق عن حزب أربكان في سياق تشكيل «إسلام علماني»، لكنه يحمل الميل الشرقي، رغم أنه عمل على تطبيق كل الشروط التي طالب الاتحاد الأوروبي بها لتسهيل الانضمام إليه.

وأظن بأن التحوّل الأهم تمثل في ميل البرجوازية التركية إلى الاتجاه شرقاً كي تكون قوة لها وزنها بدل أن تكون ملحقة في سياق أوروبي متبلور ويمتلك التطور الأعلى. هنا نلمس أن هذه البرجوازية بدأت في السير نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الشرق (البلاد العربية والإسلامية) على أمل أن تصبح قوة مهيمنة، وخصوصاً أنها الأكثر «تطوراً» بين برجوازيات كل هذه البلدان. وهنا باتت مصالحها تتطابق مع حزب العدالة والتنمية، وأصبح هذا الحزب أكثر مقدرة على المسك بالسلطة، وهو الأمر الذي جعله يتجه إلى ثلم سيطرة الجيش وتهميش دوره السياسي. وهذا ما تحقق جزء منه في السنوات الماضية، ويخوض الحزب معركة من أجل إكماله من خلال التغييرات الدستورية التي يسعى إلى إنجاحها عبر استفتاء شعبي. وسنلمس أن حكم حزب العدالة والتنمية قد وفّر للبرجوازية بيئة اقتصادية أفضل من خلال الاستقرار الذي أوجده بعد عقود من عدم الاستقرار الحكومي، وكذلك من خلال الحرب التي شنّها ضد الفساد المستشري الذي كان يضرّ بمجمل الاقتصاد.

هذا الميل فرض حتماً تغيير التصورات عن العلاقة بالدولة الصهيونية، واختلال العلاقة التي تقيمها الولايات المتحدة بين مرتكزيها. لكن تركيا تقدمت ببطء في تغيير طبيعة العلاقة مع الدولة الصهيونية حيث عملت على «التخفيف» منها، وعدم صدم «المشاعر» أكثر مما كانت تعمل على قطع العلاقة أو الدخول في صدام. فهذه ربما انبنت على تصورات أخرى، أو كانت نتاج ما هو أكثر من هذا الميل الشرقي.

باتت سياسة تركيا الشرقية هي مركز سياستها العالمية إذا تلمسنا تطورات الوضع العالمي بعد الأزمة المالية التي حدثت في أيلول/ سبتمبر 2008، فسنلحظ أن الضعف الذي باتت تعيشه الولايات المتحدة وأوروبا، وبالتالي تفكك الهيمنة الإمبريالية الأميركية وضعف إمكانية هيمنة قوى أخرى، فرض بروز قوى جديدة باتت تسعى لأن تكون جزءاً من القوى المهيمنة، التي منها الصين وروسيا، ومنها أيضاً الهند والبرازيل، وهي قوى تمتلك مستوى من التطور أضعف من البلدان الرأسمالية الأساسية لكنها مؤهلة ــــ كما تعتقد ــــ لأن تصبح قادرة على أن تكون مثلها. وقد سمحت الأزمة لها بأن تطور من قدراتها لكي تفرض ذاتها، ولتكون جزءاً من «عالم متعدد الأقطاب». هل تنجح؟ ربما لا، لكن المهم هنا هو أن تركيا باتت تعتقد أنه أصبح بمقدورها أن تدخل هذا العالم. وبالتالي باتت مطامحها أكبر من أن تقبل بدور «خجول»، وتغلغل بطيء في الشرق. لقد اعتقدت أنها باتت المهيأة لأن تصبح هي مركز الشرق وممثله في العالم المتعدد الأقطاب. وهذا الوضع ربما جعلها تندفع أكثر نحو الشرق من أجل أن تفرض هيمنتها، حيث إن تحوّلها إلى قوة عالمية يرتبط بهذه الهيمنة التي سوف تقود إلى انتقالها إلى مرحلة أعلى في التطور تكون قادرة عبرها على أن تصبح قوة عالمية.

هنا باتت سياستها الشرقية هي مركز سياستها العالمية، وهذا ما يجعلها في تصادم مع الوضع الذي تأخذه الدولة الصهيونية ضمن الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة. فتركيا تسعى لأن تهيمن هي وليس الدولة الصهيونية. وبالتالي أصبح من الواجب تقزيم إسرائيل، وربما كان ذلك هو أساس التصعيد الذي باتت تمارسه بعد «أسطول الحرية»، والذي يقوم على الضغط الشديد عليها و«وضعها تحت القانون» بعدما كانت، وما زالت، فوقه. لكن يجب أن نلحظ أن ذلك لا يعني أنها باتت معنية بتحرير فلسطين أو إنهاء الدولة الصهيونية، فإن أكثر ما تريده هو تقزيم دورها، وتحوّل تركيا إلى «زعيمة» الشرق.

هل سينجح ذلك؟

ليس من السهل أن تنجح هذه الاستراتيجية، لأنه رغم وضع تركيا الاقتصادي الذي لا يعاني مشكلات كبيرة كما في اليونان أو إسبانيا أو البرتغال، إلا أن الأزمة العالمية سوف تطالها، وهي تعاني مشكلات يمكن أن تتطور أكثر. كما أن اللاعبين الكبار، سواء أميركا أو أوروبا، أو حتى اللاعبين الجدد مثل الصين، سوف يعملون على تقويض هذه الاستراتيجية. فالشرق العربي خصوصاً أكثر حساسيةً من أن يترك لسيطرة تركية. ورغم أن هيلاري كلينتون أشارت إلى أن تركيا كما الدولة الصهيونية هي حليفة لها، فإن الدولة الصهيونية هي المرتكز الأول والأساس بالنسبة للولايات المتحدة، وهي نتوء لها، وقاعدة اقتصادية مستقبلية لا إمكانية لأن تستقل عنها، بينما سيفضي توسع تركيا إلى تحوّلها إلى قوة إقليمية مسيطرة. لهذا ستجد تركيا ذاتها في صراع مع الولايات المتحدة ربما يقود إلى هزة اقتصادية أو انقلاب عسكري يطيح كل هذه الاستراتيجية.

وإذا كان كل هذا الصراع مفيداً على صعيد القضية الفلسطينية لأنه يسهم في كشف «وحشية» الدولة الصهيونية، فإن الخطر هنا هو أن العرب هم الغائب الكبير، رغم أن القضية هي قضيتهم والصراع يجري على ثرواتهم.

المصدر: الأخبار

عام على خطاب أوباما في القاهرة: هل ستتغيّر السياسة الأميركية؟

هل ستتغير السياسة الأميركية؟
هذا ما يطالعنا منذ خطاب أوباما في القاهرة، وهو يطالعنا بين الفينة والأخرى، لكن على نحو مرَضي مستمر. وكأننا لا نفعل سوى أن ننتظر التغيّر في السياسة الأميركية، لهذا نلتقط كل «اختلاف» مع الدولة الصهيونية، أو «نندلق» على تصريح هنا أو هناك، ونميل دائماً للقول بأن السياسة الأميركية قد اختلفت. ورغم تكرار هذه النغمة مئات المرات خلال العقود الخمسة الماضية دون أن يتحقق تغيّر ما، فإن استمرار تكرارها دون الوقوف لحظة للتفكير في مراهناتنا، يعني أننا لا نراهن على حل «مشكلاتنا» سوى عبر تغيّر السياسة الأميركية. إننا، بالتالي، لا نراهن على إمكانية تطوير قوانا، أو مقدرتنا على تغيير الوضع، بل نراهن على التغير في أميركا. حيث إن تكرار فشل المراهنة على التغيّر يجب أن يدفع إلى التأمل على الأقل، وبالتالي أن يجري الخروج من هذا «المستنقع». أما استمرار الأمل في التغيّر فيعني بالتحديد أننا في حالة من العجز لا تسمح بأي فعل، أو تدفع إلى أي مسار لتغيير الوضع، أو أمل في تطوير قوانا الذاتية.

هذه خلاصة لعقود خمسة من «الأمل في تغيّر السياسة الأميركية». ولا شك في أن التشكل الذي صيغت فيه النظم، حيث هيمنت فئة كومبرادورية ملحقة أصلاً بالرأسمال الإمبريالي، يجعل «خيار الأمل» هو الخيار الوحيد، حتى دون الجرأة على التفكير في خيار آخر، والذي يقصد به الإخراج من الإحراج الذي تسببه السياسة الأميركية. لكن المشكلة تكمن في المثقفين و«السياسيين» الذين هم نتاج بورجوازية صغيرة تتسم بسطحية عالية، حيث إنهم من يكرر هذه النغمة، ويظل يلح عليها وكأنها ستحدث يوماً ما. والأسوأ هو السذاجة التي يتناولون فيها المسائل، والشكلية المفرطة التي تحكم فهمهم المسائل، والتسرع في التقاط المؤشرات دون تمحيص حتى من الزاوية اللفظية. ولهذا ينساقون إلى تكرار آمال موهومة، ويعممون الأوهام في كل الاتجاهات.

طبعاً يجب، ويمكن فهم الأساس الطبقي لهذا الميل، حيث إن الحلم بالرسملة، أي بانتصار الرأسمالية، يجعل الحلم بالترابط مع النمط الرأسمالي حتمياً. لقد كان الميل العام لكل الحركات التي كانت البورجوازية الصغيرة أساسها، هو نحو الترابط مع الدول الرأسمالية حتى وهي ترفع الشعارات «الاشتراكية»، وحتى بعدما فُرض عليها التحالف مع الاتحاد السوفياتي. فكيف سيكون الأمر بعد «تلاشي الاشتراكية» من الشعارات ومن الواقع؟ إن الاندفاع نحو اللبرلة، وحتى «الالتصاق» بالسياسات الأميركية، هو نتاج ذلك.

وإذا كان موقف الرأسمالية الذي يقوم على رفض التطور هو الذي فرض الشعارات الاشتراكية والتحالف مع السوفيات، فإن السياسات الأميركية (كونها زعيمة الرأسمالية) تجعل هؤلاء في وضع مربك، وبالتالي ليس من خيار أمامهم سوى إيقاد الحلم بتغيّر السياسة الأميركية، واستمرار تكرار الجمل ذاتها على مدى العقود الماضية. وسيبدو تهافت المنطق حين العودة إلى كل المراحل التي تصاعد فيها هذا المنطق ومن ثم التقويم على ضوء النتائج الواقعية، حيث كانت السياسة الأميركية تخذلهم. وحين يُتناوَل الصراع العربي الصهيوني سيكون الخذلان كاملاً. فقد كان التوهم الدائم هو تغيّر السياسة الأميركية نحو إنهاء الصراع، وإيجاد حل للقضية الفلسطينية على أساس «حل الدولتين»، وتحقيق التعايش. هذا ما نُظِّر له بعد حرب أكتوبر 1973. وهو ما جرى بعيد الحرب الصهيونية على لبنان سنة 1982. وكذلك بعد الحرب الأولى على العراق سنة 1991، والوجود العسكري الأميركي في الخليج العربي، وهنا ارتفعت وتيرة المراهنة إلى الحد الذي جعل هؤلاء يعتقدون أن دور الدولة الصهيونية السابق قد انتهى بعدما أحضرت الولايات المتحدة جيوشها إلى المنطقة. واتخذ نغمة «أجمل» بعد «التزام» الرئيس بوش بقيام «دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل». ثم أخيراً بعد نجاح باراك أوباما.

لكن ما يميز المراهنة الراهنة هو اتكاؤها على تصريحات و«خلافات» مع الدولة الصهيونية على قضية «جزئية» هي قضية المستوطنات، التي يجري تناولها في سطحية مفرطة. والمثال الأبرز هو تصريح جو بايدن في جامعة تل أبيب، حيث قال «إنكم تعرّضون أرواح جنودنا في المنطقة للخطر». وهو النص الذي كرره تقريباً قائد القيادة المركزية الأميركية في المنطقة دايفيد بترايوس أمام لجنة في الكونغرس. ماذا يعني ذلك؟ إن عدم التدقيق، وبالتالي «الشلف»، جعل الانتباه ينشدّ نحو الخطر الذي يسببه الصراع على أرواح الجنود، وهنا أميركا أكثر حرصاً على أرواح جنودها. وليلتقط «العقل السطحي» هذا الجانب الذي يخص أرواح الجنود، ليصل إلى أن حل الصراع «الفلسطيني الإسرائيلي» سيجنب هؤلاء الجنود هذا المصير. ليصل إلى أن أميركا «باتت تعرف أن دعمها لإسرائيل» هو الذي يجلب عليها «هذه المصيبة». وليستنتج أنها قد أصبحت عبئاً عليها. وليظهر أن جنودها أصبحوا في «الفخ» بالتحديد نتيجة هذا الصراع الذي يجب أن ينتهي.

هل الصراع مع الاستعمار قبل قيام الكيان الصهيوني كان أيضاً نتيجة ذلك؟ إن السطحية تتحدد هنا، حيث إن الصراع مع الرأسمالية، منذ الاستعمار إلى اليوم، هو نتاج «السياسات الرأسمالية» التي تسعى لفرض السيطرة على المنطقة، وتمارس النهب الفظيع لها. والأخطر هو أنها باتت تحتل العراق، وتنشر قواعدها في الوطن العربي من الخليج إلى المغرب، مروراً بالأردن ومصر واليمن. ألا يفرض ذلك تعرّض جنودها للخطر؟ أليس ذلك مبرراً كافياً لتعرّض جنودها للخطر؟
ثم لماذا أرسلت الولايات المتحدة جنودها إلى هنا؟ أليس من أجل السيطرة والنهب؟ ألا يفرض ذلك أن يتعرض الجنود للخطر؟

الاحتلال يفرض المقاومة، وبالتالي يعرّض الجنود للخطر، وهذا ما حدث ويحدث في العراق، ولن يغيّر من الأمر شيئاً «حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي». كما أن السياسات التي يفرضها الوجود العسكري الأميركي في المنطقة على النظم، والذي يقود إلى نهب الأموال النفطية، ومنع التطور، ومواجهة الميول نحو الوحدة القومية، وبناء الصناعة وتحديث الزراعة، هي التي تجعل «العداء» لأميركا أمراً مستمراً، إضافة إلى دعم الدولة الصهيونية، التي هي مرتكز لسيطرتها وضمان تكريس التكوين المتخلف والمجزأ للوطن العربي. فهذه كلها هي التي تجعل جنودها معرّضين للخطر، وتجعل الصراع معها هو الصراع الأساسي. ويُنظر إلى وجود الدولة الصهيونية من زاوية كونه نتاج السياسة الأميركية وليس مستقلاً عنها. إن النظر للولايات المتحدة وكأنها «طرف محايد»، أو حتى محبَّذ، هو الذي يوجد هذا المطب. وهذه النظرة كما المطب، هما نتاج سذاجة مفرطة كما أشرنا، لكنهما أيضاً نتاج الميل لـ«حب أميركا» الذي يفرضه الطابع الطبقي لهؤلاء المثقفين و«السياسيين». وهو الطابع الذي يفرض تجاهل أن الوجود العسكري الأميركي في العراق يمثّل احتلالاً يفرض المقاومة، ويجعل السيطرة على السوق ونهب النفط، أمراً «طبيعياً» في إطار سيادة الرأسمالية. ولهذا ليس من مشكلة مع الولايات المتحدة سوى «دعمها لإسرائيل»! وحل هذا الأمر يقود إلى القبول بسياساتها، أو على الأصح يزيل الحرج الذي يفرض تمنّع هؤلاء (مثل النظم) عن التعايش مع الدولة الصهيونية، عبر القبول بوجودها على حدود سنة 1967، وربما أكثر، وإقامة علاقات طبيعية معها كونها دولة جارة. والبعض سارع منذ الآن لتحقيق ذلك، علناً أو سراً. معنى كل ذلك هو أن المشكلة الوحيدة التي نعيشها هي عدم الضغط الأميركي من أجل حل «النزاع الفلسطيني الإسرائيلي»، بينما يكون الاحتلال الأميركي أمراً طبيعياً، ويكون النهب والسيطرة على السوق واحتجاز التطور، كلها أمور طبيعية في سياق ضرورة سيادة الرأسمالية.

هل تغيّر أميركا سياستها لكي تزيل الحرج عن هذه النخب، وتلك النظم؟ أجيب، يجب أن يتكيف هؤلاء مع السياسة الأميركية لا أن تغيّر أميركا علاقتها بالدولة الصهيونية، لأن «الرفض الإسرائيلي» هو رفض أميركي أصلاً، حيث يجب فرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة. ولن يغيّر المنطق الساذج والسطحي من كل ذلك، الذي سوف يظل يكرر أوهامه إلى ما لا نهاية.

المصدر: الأخبار

الحركة المناهضة للعولمة: ماذا بعد الأزمة المالية العالمية؟

لم تتوقّف الحركة المناهضة للرأسمالية منذ أن نشأت الرأسمالية. وكانت الحركة الشيوعية العالمية والأحزاب الماركسية الأخرى، هي الحامل للنضال ضد الإمبريالية منذ البدء. كما لعبت حركات التحرُّر القومي هذا الدور خلال مرحلة الحرب الباردة.

لكن أزمة الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في المراكز الرأسمالية في المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية، وخصوصاً بعد فشل «الثورة الطلابية» التي حدثت نهاية ستينيات القرن العشرين، وبالتالي الوصول إلى قناعة بأن السلطة تلوّث السياسيين، أفضت إلى ميل اليسار الذي شعر بالهزيمة وبعجز الأحزاب وتلوّثها، إلى «التراجع عن الأيديولوجيات الكبرى والأهداف الكليّة الراديكالية، ليحلّ محلّها تحقيق انتصارات ملموسة في معارك جزئية محدَّدة». وستحفر هذه الفكرة عميقاً في كل النشاط اللاحق، بما في ذلك حركة مناهضة العولمة، وهي الفكرة التي أسّست للتوتّرات بين السياسي والمجتمعي، وأفضت إلى القول بلا ضرورة السياسي، وبخطره كذلك، دون تحليل لمشكلة السياسي، وأسباب فشله، ودور التكوين المجتمعي في هذا الفشل، وفي تهميش السياسي.

ولقد كان الهدف الملموس آنئذ هو مشكلات البيئة، ومشكلات التصحُّر والغازات المنبعثة من الصناعات الكبرى. لهذا نشأت حركات البيئة، وتحوّلت إلى أحزاب في عدد من البلدان الأوروبية، سرعان ما دخلت المعترك السياسي وأصبحت جزءاً من النظام السياسي عبر المشاركة في الحكومات التي ألّفتها الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية (وخصوصاً في فرنسا وألمانيا). ورغم ذلك توسّع الميل للتركيز على «المحدَّد» و«الملموس» بعيداً عن الأيديولوجيا. وتطوّرت النظرة إلى ضرورة تأسيس حركات اجتماعية تمارس هذا الدور القائم على التركيز على قضيّة محدَّدة، وخصوصاً بعد تفاقم أزمة أحزاب اليسار وتكيُّف هذا اليسار مع السلطة الرأسمالية. كما تزايدت أهميّة النقابات والاتحادات الفلاحيّة، وكل الهيئات التي تدافع عن قضايا محدَّدة لفئة أو لطبقة اجتماعية، أو في ما يخصّ الفئات المهمّشة.

هذا التناقض بين السياسي والاجتماعي، والذي كان نتاج وضع أوروبا، بدا أنه يتعمّم ويُطرح كإشكال عالمي. وسنلمس أنه اخترق الحركة المناهضة للعولمة من خلال التركيز على رفض مشاركة الحركات السياسية. ووُضع كمثال في العديد من مناطق الجنوب. لهذا يجب ملاحظته ونحن نبحث في وضع الحركة المناهضة للعولمة. كما يجب أن نلمس طابعه الإشكالي لأنه يشير إلى مرحلة عاد الصراع «الطبقي» فيها إلى شكله «المطلبي» و«النقابي»، محلياً وعلى الصعيد العالمي. وتجاوز أهمية السياسي وضرورته، ومنطلقاً من فشل نمط من الأحزاب لتأكيد رفض السياسة ذاتها، أو على الأقل لتجاهل أهميتها والإقلاع عن ضرورتها لمصلحة نضال ينطلق من المطلبي، دون أيديولوجيا ودون سياسة.

وكان انهيار «دولة الرفاه» والعودة المظفّرة لليبرالية في صيغتها القديمة/ الجديدة (التي باتت تُسمّى الليبرالية الجديدة)، وبالتالي القضم المتتالي لمكتسبات العمال وكل الطبقات الشعبية، وتفاقم النهب الإمبريالي لعدد من مناطق العالم في أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا خصوصاً، كان يؤسّس لبداية حراك اجتماعي مضاد لليبرالية الجديدة، محلّي أو في إطار عالمي. لكنه كان محدوداً ومشتتاً، حيث كانت الحرب الباردة تحدُّ من فاعليته، ولم تكن الليبرالية الجديدة قد انتصرت «نهائياً» بعد.

قامت الحركة على الفصل بين المجتمعي والسياسي، وشدّدت على رفض مشاركة الأحزاب السياسية مؤكِّدة على طابعها الاجتماعي وبالتالي فرض انهيار المنظومة الاشتراكية، وبدء تأسيس «النظام العالمي الجديد»، القائم على تعميم الليبرالية في كل أرجاء العالم، والتأكيد على أحقيّتها لأنها خرجت منتصرة في الصراع الضاري الذي حكم القرن العشرين، فرض أن تتفعّل حركة مناهضة لهذا «النظام العالمي الجديد»، بدأت تتوسّع بدءاً من أوروبا وأميركا اللاتينية، إلى آسيا وأفريقيا. وبدأت منذ سنة 1999 تتبلور في حركة عالمية منظمة، هي المنتدى الاجتماعي العالمي الذي تأسّس في يناير سنة 2001 في بورتو اليغري، وكان ردّاً على المنتدى الاقتصادي العالمي الذي ينعقد منذ سنة 1971 في دافوس في سويسرا، والذي يمثّل مصالح الطغم المالية والشركات الاحتكارية. ولقد أصبح المنتدى الاجتماعي العالمي هو البوتقة التي تجمع كل النشاط العالمي المناهض للعولمة. ومن ثَمّ تشعّب إلى منتديات قارّية في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وأخرى إقليمية في المتوسط والوطن العربي. كما نشأت حركة عالمية مناهضة للحرب الأميركية في السياق ذاته.

ويمكن أن نشير هنا إلى طبيعة تكوين الحركة، والسمات العامة التي وسمتها، من أجل تحديد المشكلات التي تعانيها، وبالتالي الآفاق التي يمكن أن تنفتح أمامها.

1) قامت الحركة كما أشرنا على الفصل بين المجتمعي والسياسي، وشدّدت على رفض مشاركة الأحزاب السياسية (ميثاق مبادئ المنتدى الاجتماعي العالمي)، مؤكِّدة على طابعها الاجتماعي. ولقد ضمّت النقابات العمالية والاتحادات الفلاحيّة، وجمعيات المجتمع المدني، ومراكز الدراسات، والحركات النسائية، وكل الهيئات التي تنشط في إطار مجتمعي (ما دون سياسي)، ومناهضة للعولمة الرأسمالية المتوحّشة. وبالتالي جاءت استمراراً للموجة التي بدأت في أوروبا والتي تحلّلت من الأحزاب السياسية ومن النشاط السياسي في الغالب، لمصلحة النشاط في إطار مطالب محدَّدة. وكان هذا النشاط هو الذي يعطيها طابعها الاجتماعي، حيث يجري العمل لتحقيق هدف واحد (مثل البيئة، قضية المرأة، وضع الفلاحين، والعمل والضمانات العمالية….). وكانت مناهضة الليبرالية الجديدة تتأسّس على مدى انعكاسها على هذه القضية المحدّدة، وهو ما كان يؤسِّس لنشوء النشاط العالمي، ويفرض تنسيق العمل في مواجهتها.

لكن هذه المسألة أوجدت حالة من التوتّر داخل المنتدى والحركة ككل، لأن الكثير من المطالب تصطدم بما هو سياسي، وخصوصاً حينما طُرحت الأهداف العامة للحركات الاجتماعية المتعلِّقة بمواجهة الليبرالية الجديدة والحرب. فهل يمكن مواجهة الليبرالية الجديدة والحرب دون مواجهة الرأسمالية ذاتها؟ وخصوصاً أن هجمة الليبرالية الجديدة أكبر من أن تُواجه في إطار مطالب محدَّدة. لهذا أوجد توحيد البرنامج الذي فرضه توحيد النضالات «برنامجاً» يقارب السياسي. لكن ظلّ التوتّر قائماً بين التركيز على المطالب في إطار العولمة القائمة، كما في إطار النمط الرأسمالي (أي في الدول الرأسمالية)، وبين التفكير في ضرورة تجاوز العولمة والرأسمالية. وكان وجود قطاعات من اليسار داخل الحركة (عبر الهيئات المجتمعية لا من خلال الأحزاب) يغذّي هذا التوتّر، الذي كانت تكبحه هيمنة الحركات الاجتماعية، التي تعمل أصلاً في إطار مطالب محدَّدة ولا تطرح على ذاتها تغيير النمط الرأسمالي.

2) وبالتالي فقد قامت الحركة على تغيير آليات الرأسمالية لا على تجاوزها. وإذا كانت مواجهة الليبرالية الجديدة والحرب توحِّد كل الحركة، فإن نشاط المنخرطين فيها ينطلق من النضال لتحقيق قضايا محدَّدة، مثل إلغاء ديون العالم الثالث، وفرض ضريبة التوبن على حركة رأس المال المالي (المضارب)، وتعديل العلاقات التجارية بما يجعلها أكثر عدلاً، ومساواة المرأة في العمل وفي النشاط السياسي، ومواجهة الأخطار التي تحيق بالبيئة، وضد التمييز، وأيضاً آثار العولمة على الفلاحين في دول الجنوب وبعض دول الشمال، وآثارها على الطبقة العاملة في دول الشمال خصوصاً، والحركة المناهضة للحرب الهادفة إلى الضغط من أجل منع الحروب. أضف الى ذلك قائمة طويلة تنطلق من الضغط على الرأسمالية بهدف تحقيقها، وليس هزيمة الرأسمالية وتأسيس نمط بديل.

بمعنى أن الحركة لم تطرح على ذاتها هزيمة الرأسمالية، بل سعت للقيام بالحملات التي تهدف إلى تحقيق المطالب المحدَّدة، واحدة واحدة، مثل رفض قوانين منظمة التجارة العالمية، وفرض قوانين مختلفة لعلاقات تجارية عادلة ومتكافئة. ومثل رفض نشاط رأس المال المضارب الذي يقود إلى انهيارات اقتصادية في دول الجنوب، ووضع ضريبة على نشاطه تُسدَّد بها ديون تلك الدول وتسهم في تحقيق التنمية فيها. ومثل حماية الزراعة من اندياح العولمة وتعميم الليبرالية الجديدة، وتدمير البيئة نتيجة ميل الرأسمالية إلى الربح دون الاهتمام بالأرض.

الحركة لم تطرح على ذاتها هزيمة الرأسمالية، بل سعت للقيام بالحملات التي تهدف إلى تحقيق مطالب محدَّدة هذا المنطق التراكمي الذي يهدف إلى تغيير الآليات ولا يهدف إلى تغيير النمط المؤسِّس لها هو الذي يحكم الحركة، ويدفع إلى التركيز على طابعها الاجتماعي، لأن السياسي هو الذي يفرض البحث في تأسيس نمط بديل، وهذا ما زال خارج اهتمام الحركة ككل، ولقد تأكد ذلك في آخر لقاء للمنتدى الاجتماعي العالمي في البرازيل رغم أن الصراعات حول العلاقة بين السياسي والاجتماعي وصلت إلى حالة تفجر أضعفت المنتدى حيث ابتعدت قوى عديدة باتت معنية بالنضال السياسي أكثر من مراهنتها على هذا النمط من النشاط.

3) لهذا كانت الحركة ضد العولمة المتوحِّشة دون أن تُحدِّد البديل، سوى شعار «عالم آخر ممكن»، الذي وإنْ كان يوحي بتجاوز الرأسمالية، فإنه في الواقع يقوم على مبادئ رافضة ومنطق «إصلاحيّ». أي إنه يهدف إلى إصلاح النمط الرأسمالي (رغم أن هذا الإصلاح يمكن أن يقود إلى تجاوزه). لهذا يبدو أن بعض المشاركين يسعى لإزالة الطابع الوحشي للعولمة ورفض الليبرالية الجديدة دون رفض الرأسمالية كنمط. وبعضها الآخر يميل إلى تجاوز الرأسمالية، لكن في إطار نشاط مجتمعي دون سياسي، وهذا ما يقوده إلى مأزق، ويفرض عليه دفع الحركة إلى ما هو سياسي، رغم أن مكوِّناتها تنبني على قوى تنشط لتحقيق هدف محدَّد (مطلبي)، كونها تُدرج في إطار المهمات الاجتماعية. وبديل الرأسمالية يصوغه السياسي بالأساس، وتمارسه الأحزاب السياسية، دون أن نتجاهل دور الحركة المجتمعية التي تدعم ذلك.

فالمنتدى الاجتماعي العالمي الذي يضمّ أشتات الحركة هو «لحظة كونية»، يجتمع سنوياً «من أجل اقتراح أفكار، والتشاور ديموقراطياً، وصياغة بدائل، ومشاركة الخبرات»، و«ليس مهمته تنظيم حملات أو تقرير أفعال معيّنة، ولا إصدار إعلانات أو وثائق، فالمنتدى مكان للقاء والحوار حول الأفكار والمقترحات». وهنا يبرز طابعه الفكري أو الحواري من أجل بلورة البدائل. وهو هنا يضمّ الحركات الاجتماعية وهيئات المجتمع المدني ومراكز الدراسات.

لكن الحركات الاجتماعية المشاركة في المنتدى دون غيرها من الهيئات المشاركة هي التي تُصدر بياناً ختاميّاً، وتتوافق على تنظيم الحملات وتركيز النشاط. وهي حركات نشأت محلياً، ولها نشاطها في إطار بلدانها، من أجل أهداف اجتماعية محدَّدة، ولا تسعى لأن تصل إلى السلطة بل تهدف إلى تركيز الحملات من أجل مطالب معيّنة (مثل «فلاحون بلا أرض» في البرازيل، وحركات الفلاحين في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وحركات العاطلين من العمل، والنقابات العمالية….). وهي في الإطار العالمي تتضامن من أجل مطالب محدَّدة كذلك، في مواجهة الليبرالية الجديدة، والدول والهيئات التي تسعى إلى فرضها. كما في مواجهة الحرب وبناء الحملات من أجل منعها. أو النشاط العالمي في مواجهة قضايا باتت عالمية، مثل البيئة ونشاط رأس المال المضارب وديون الجنوب وآثار الليبرالية الجديدة.

بمعنى أن النشاط العملي يتمركز في الحركات الاجتماعية من أجل تحقيق أهداف معيّنة. لكن المنتدى يلعب دوراً في بلورة البدائل لقضايا «كبرى»، مثل التجارة الدولية، الشركات العابرة للقومية، تدفقات رأس المال المالي، ديون الجنوب، والفقر والبطالة، والعمل، والاقتصاد التعاضدي، والتنمية المستدامة، والسكان الأصليين، وسكان الريف والحضر، والصحة … ألخ. ولقد تناولت المناقشة في المنتدى الاجتماعي العالمي الأوّل سنة 2001 مسألة مواجهة العولمة النيوليبرالية.

وفي هذا الوضع ما زالت الحركة تتمترس حول الاجتماعي، وبالتالي من أجل التغيير الجزئي لكن المطّرد لآليات الليبرالية الجديدة وآثارها، دون أن يكون هدف تجاوز الرأسمالية مطروحاً على بساط البحث أو الممارسة، الذي هو وحده سياسي بامتياز.

لهذا يمكن الإشارة إلى عدد من المسائل التي تفتح الأفق لوضوح النشاط العالمي، والحركة الاجتماعية المناهضة للعولمة الليبرالية، أولاها: تتعلّق بطبيعة العلاقة التي تربط العولمة بالرأسمالية، هل العولمة الراهنة هي منتوج الرأسمالية في المرحلة التالية لانهيار المنظومة الاشتراكية؟ أم أنها نتاج التطوّر الموضوعي لـ«قوى الإنتاج»، وخصوصاً للثورة العلمية التكنولوجية؟

وأشير هنا إلى أن العولمة هي الآليات الرأسمالية لإعادة إنتاج النمط الرأسمالي، على ضوء انهيار المنظومة الاشتراكية، وثقل الرأسمال المالي (المضارب) في إطار كتلة الرأسمال، وأزمة الرأسمالية، وخصوصاً أزمة الاقتصاد الأميركي، ومن ثَمّ الثورة العلمية التكنولوجية (الإنترنت، الفضائيات….)، التي وُظّفت في سياق إعادة الإنتاج تلك. حيث يسعى الرأسمال المالي إلى فرض صيغة للعالم تسمح له بالنشاط الحرّ دون حدود أو ضوابط. كما أن الاستثمار في الإنترنت يفترض السوق العالمي. وأزمة الاقتصاد الأميركي تفترض صيغة للسيطرة تسمح باحتكار الشركات الإمبريالية الأميركية للأسواق في البلدان الاشتراكية السابقة كما في الجنوب، وفي العالم عموماً. وكذلك فإن الرأسمال يسعى لفتح الحدود لتسهيل نشاطه الاستثماري.

ثانياً: هل الحركة ضد العولمة الليبرالية المتوحّشة، أم أنها ضد النمط الرأسمالي ككل؟ ولا شكّ في أن التحديد هنا مهمّ وضروريّ، لكن ذلك يفرض البحث السياسي ضرورة، وخصوصاً في ما إذا كانت المسألة لم تعُد هي مسألة الشكل الليبرالي المتوحّش للعولمة، وغدا هذا الشكل يُعتبر من مظاهر النمط الرأسمالي ذاته.

وثالثاً: هل المطلوب هو تعديل الآليات التي تفرضها العولمة الليبرالية المتوحّشة، أم نفي العولمة ككل وتكوين بديل مجتمعي؟ هنا تُطرح العلاقة بين السياسي والمجتمعي، أو بين النشاط المحدَّد والمركَّز في نقاط، وبين التغيير الشامل للنمط الرأسمالي. وبالتالي هل المطلوب هو نشاط الحركات الاجتماعية من أجل تعديل آليات العولمة الليبرالية المتوحّشة، أم نشاطها المترافق مع نشاط الأحزاب من أجل تغيير النمط الرأسمالي؟

هذه مسائل مطروحة في كل النقاشات التي تجري في إطار المنتديات الاجتماعية، لكن الحدود العامة الراهنة تتعلّق في الاحتجاج على آثار العولمة الليبرالية الجديدة، والسعي لمواجهة هذه الآثار، وتقديم حلول على ضوء النقاشات التي تجري في إطار المنتديات، وتركيز الحملات من أجل الضغط لتحقيق هذه الحلول. والاقتناع بأن النشاط لتحقيق أهداف محدَّدة يمكن أن يقود إلى تحقيقها دون التفكير بتغيير العالم الرأسمالي.

لكن الحوار الذي انطلق منذ تأسيس المنتدى الاجتماعي العالمي يمكنه أن يفتح الأفق لبحث الوضع العالمي بعمق، وبالتالي التوصّل إلى استنتاجات تفضي إلى ربط مواجهة آثار العولمة الليبرالية المتوحّشة بتغيير النمط الرأسمالي، وكذلك ربط نشاط الحركات الاجتماعية بنشاط الأحزاب التي يمكن أن يكون الحوار في أوساط المنتدى، كما الحوار العام حول الرأسمالية والبدائل، مفيداً في إعادة تأليفها.

وإذا كان للحركات الاجتماعية استراتيجيّتها الوطنية، وعملت في إطار المنتدى الاجتماعي العالمي للتنسيق في النشاط المشترك، فإن ضرورة السياسي تفرض تنسيق الجهود العالمية، لكن مع وضع استراتيجيّات وطنية للتغيير، لأن تغيير النمط الرأسمالي العالمي يفترض التغيير عبر الدول الوطنية، في إطار رؤية عالمية عامة مضادة للرأسمالية، وهادفة إلى تأسيس نمط بديل.

لا شك في أن تفجّر الأزمة المالية العالمية منذ أيلول 2008 أظهر ضعف الحركة الاجتماعية العالمية، وعجزها عن تطوير نشاطها العالمي. فالعالم بات يغرق في أزمات مجتمعية بدأت في التوسع على ضوء الأزمة المالية والآثار التي خلّفتها على العمال والفلاحين في كل العالم، والتي تنذر بتصاعد الصراعات الطبقية في مرحلة جديدة عاصفة. وهو الوضع الذي يفرض إعادة صياغة الاستراتيجيات التي تسمح بتطوير الصراع ضد الرأسمالية كنمط وليس ضد سياساتها الليبرالية المتوحشة، وضد حروبها الإمبريالية فقط.

المصدر: الأخبار