Monthly Archives: يناير 2013

هذه ليست حرباً ضد عصابات بل حرب انتقام من الشعب

كــانت السلــطة تبرر استخدامها السلاح منذ بداية الثورة بوجود «عصابات إرهابية» أو مجــموعات سلـــفية، لكن تبيّن بعد عام وأشهر أن الأشهر الستة الأولى من الثورة لم تشهد وجـــود مسلحين كما اعترف بشار الأسد، وأيضاً فاروق الشرع. بمعنى أن الخطاب الذي تعـــممه كان كاذباً، وهو الأمر الـــذي يفـــرض التشكيك في كل الخـــطاب الذي استخدمته منذ البداية، وطــبعاً إلى الآن.

إذاً، استخدام السلاح كان قراراً سلطوياً بالأساس، وكان كل الخطاب الإعلامي تغطية على ذلك. وهو ما يعني بأن كل التطورات التالية كانت نتاج هذا الأمر. لكن سنلحظ بأن السلطة طوّرت استخدامها السلاح، من استخدام الأسلحة الخفيفة والاعتماد أكثر على عنـــاصر الأمن والشبيحة إلى استخدام الجيش في شـــكل أساسي بعد أن وجدت هؤلاء عاجزين عن وقــف تــــوسع الثورة. ظهر ذلك واضحاً بعد الـــتظاهرة الكبيرة في حماة، حيث قررت السلطة زج الجيش في الصراع بشكل حاسم، والذي على ضوئه استقال وزير الدفاع علي حبيب (وقيل إنه قتل). بالتالي كانت هذه الخطورة سابقة لتسلح الثورة (نهاية تموز/يوليو 2011). فأصبح تكتيكها يتمثل في اقتحام المدن والقرى بقوة الجيش، وتركها لسيطرة الأمن والشبيحة.

وبعد ان جرى استخدام السلاح من قبل الشعب (بعد أيلول/ستمبر 2011، وخصوصاً بعد تشرين الأول/أكتوبر) كرد على العنف السلطوي، أخذ الصراع يتجه نحو التصعيد العسكري، إلى أن أصبح الجيش (خصوصاً هنا الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) أداة المواجهة. لكن ظل الأمر يتعلق بالسيطرة على المدن والأرياف من أجل «ضبط الأمن». وظل التركيز على قتل المتظاهرين هو السياسة التي تقوم بها من أجل إنهاء الاحتجاج الشعبي.

الأمور تصاعدت بعد أن توسعت الثورة، وأصبح عديد المناطق خارج سيطرة السلطة. وهنا كان الهجوم على بابا عمرو هو مفصل التحوّل، حيث ظهر أن السلطة لم تعد معنية بالقتل فقط بل أصبحت معنية بالتدمير كذلك. وكان ذلك يفسّر بأنه نتاج سيطرة المسلحين على هذه المناطق، التي كان بالفعل هناك سيطرة عليها من قبل المسلحين. لكن كان يبدو واضحاً بأن السلطة لم تعد تواجه المتظاهرين فقط، بل باتت غير معنية بالتدمير الذي يتحقق، وربما أصبحت تعتبر أن التدمير يمكن أن يكون رادعاً كافياً لوقف توسع الثورة وتصاعدها. وفي كل الأحوال كانت تواجه مناطق سيطر عليها مسلحون وخرجت عن سيطرتها. أي كان ما يجري هو تدمير ناتج من «الحرب»، بغض النظر عن أن كل العنف الذي مورس منذ البداية ليس مبرراً ولا يمكن تبريره أصلاً. ما نشير إليه هنا هو «المنطق العسكري» الذي يقود إلى ضرورة ممارسة أو عدم ضرورتها.

هذا الأمر اختلف بعدئذ، حيث بدأ يظهر أن السلطة انتقلت إلى استخدام الطائرات والصواريخ والقصف المدفعي. وإذا كان ذلك يعبّر عن عجز في السيطرة على الأرض، وتقلّص المقدرة العسكرية في ما يتعلق بالقوات البرية، سواء نتيجة توسع مقدرة الثورة أو نتيجة انتشار الشعور بالانشقاق لدى قطاعات الجيش الأمر الذي فرض «تحييدها» (عبر وضعها في المعسكرات من دون إجازات أو تواصل). إذا كان الوضع قد آل إلى ذلك فإن طريقة استخدام الطائرات والصواريخ والقصف المدفعي لم تعد تشير إلى أن ما يجري هو مواجهة مع «مجموعات مسلحة». فتدمير أحياء كاملة لأن فيها مسلحين يُظهر بأن الأمر أوسع من هزيمة هؤلاء أو قتلهم، حيث يمكن من المنظور العسكري اتباع سياسات عسكرية لا تؤدي إلى كل هذا الدمار. خصوصاً أن السلاح الذي يمتلكه هؤلاء ليس متطوراً أو ثقيلاً، بل هو سلاح خفيف بكل المقاييس (ومع كمية ذخيرة محدودة). بمعنى أن «قوة النيران» المستخدمة أكبر بكثير من قدرات المسلحين على الأرض. وكل منظور عسكري سيشير إلى هذا الأمر بوضوح.

ربما يكون السبب تقليص الخسائر لدى «العدو»، وهذا أمر يقوم به الاحتلال عادة، الذي يتقصد أيضاً التدمير الأكبر والقتل الأكثر. وبالتالي نحن إزاء تقلص مقدرة السلطة من حيث عديد الوحدات العسكرية التي تستخدمها.

لهذا أشرت إلى أن معظم وحدات الجيش باتت «خارج الصراع» نتيجة أنها باتت مجال شك بـ «ولائها» وميل الكثير من عناصرها إلى الانشقاق. وبالتالي يتوضّح أن السلطة باتت ضعيفة، و «تترنح»، وأنها لم تعد قادرة على الحسم العسكري. وهذا ما اشار إليه فاروق الشرع في مقابلته الأخيرة مع جريدة «الأخبار»، ولامسه بشار الأسد في خطابه الأخير.

من هذا المنظور يمكن أن نصل إلى أن ما يجري ليس سياسة تهدف إلى هزيمة «العدو»، لأن الشك في الانتصار هو الذي يهيمن على بنى السلطة، وربما هناك الكثير من أفرادها بات مقتنعاً بأن الأمر تجاوز ذلك، وأنه يتعلق بالخسارة والفشل، وبالتالي انتظار السقوط. أظن أن هذا الأمر هو الذي يقبع في أساس «الإستراتيجية العسكرية» التي تتبعها السلطة، والذي يعني أن الممسكين بالسلطة، والذين يشعرون بأن نهايتهم باتت قريبة، باتوا يمارسون سياسة انتقام وليس سياسة انتصار. وهي السياسة التي تقوم على ممارسة المجازر الوحشية بكل معنى الكلمة، والتدمير الشامل، والقتل الممنهج. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بمؤيدين ومعارضين، أو شعب وعصابات مسلحة، بل بات يتعلق بأن الشعب ككل يجب أن يذوق الانتقام ما دام تمرّد على «الإله» الحاكم. هذا «الإله» الذي أصبح فوق سورية وفوق كل الشعب. ولا شك أن الكثير من الشعارات التي تطرح من قبل الشبيحة أو تكتب هنا أو هناك يوضح هذه العقلية التي تتحكم في سلطة مافياوية بالأساس.

الجرائم التي تظهر تشير إلى هذه العقلية، حيث تغيب الإنسانية، ويظهر وكأن الذين يقومون بذلك «مهلوسون»، مثل ما ظهر في ليبيا، وقبلها في لبنان خلال الحرب الأهلية. هناك وحشية تمارس لا تعبّر عن سعي لانتصار بل تشير إلى ميل لانتقام. فلماذا يرفض الروس تحويل ملف السلطة إلى محكمة الجنايات الدولية؟ فهم سيكونون مشاركين بالضرورة. الأمر هنا هو أكبر من سياسي.

المصدر: الحياة

سياسات المعارضة المصرية وحراك الشعب

4e54db24-bea0-4bed-94a7-957c11d27759

كانت الخطوة المهمة التي تحققت نهاية سنة 2004 هي إطلاق شعار “لا للتمديد، لا للتوريث”، الذي رفعته حركة كفاية، والذي تطور إلى شعار “يسقط حسني مبارك”، وهو الشعار الذي حكم نشاط الأحزاب المعارضة، والنخب كذلك، في الوقت الذي كان ينفتح فيه أفق الصراع الطبقي عبر إضرابات العمال في المحلة وحلوان، وحراك موظفي الضرائب العقارية، وتحركات العديد من المناطق المتضررة من سطوة مافيا السلطة.

واستمر هذا النشاط الذي وصل إلى أن تتحرك قطاعات مجتمعية ومناطقية كثيرة، تطالب بحقوقها. وهي الأرضية التي أسست لأن تتحوّل الدعوة إلى إضراب يوم 25 يناير/كانون الثاني سنة 2011 إلى ثورة عامة. وبالتالي ليس من الممكن فهم الثورة دون تلمس مفاعيل كل ذلك النشاط الذي تراكم طيلة سنوات.

المطالب التي جرت الدعوة للإضراب من أجلها -وهي مطالب تحددت في الحد الأدنى للأجور (1200 جنيه)، وحق العمل، وأرض الفلاحين، إضافة إلى حل مجلسيْ الشعب والشورى “المنتخبين” في سنة 2010، ومحاكمة وزير الداخلية حبيب العادلي- سرعان ما تكثفت في مطلب عام هو “الشعب يريد إسقاط النظام”، الشعار الذي كانت الثورة التونسية قد بلورته للتو.

لكن هذا الشعار تحقق أخيراً في الصيغة التي طرحتها أحزاب المعارضة والنخب، أي أن شعار إسقاط النظام تلخص في إسقاط حسني مبارك (كما حدث أيضاً في تونس)، حيث أدى الإعلان عن تنحي (أو تنحية) الرئيس إلى الشعور بالانتصار الغامر من قبل الشعب المنتفض. بمعنى أن الوعي الذي نشأ عن شعار “يسقط حسني مبارك”، والذي تضمنه خطاب المعارضة، فرض أن تصبح تنحيته هي التحقيق الفعلي لشعار إسقاط النظام.

لكن ما جرى هو أن العسكر هم من حكم، ليصبح الشعار هو “يسقط.. يسقط حكم العسكر”، في الوقت الذي كانت فيه الصيرورة التي فرضها المجلس العسكري تقود حكماً إلى تسلّم الإخوان المسلمين السلطة، وهم الذين رفضوا المشاركة في إضراب 25 يناير، ثم انضموا بعد 28 يناير/كانون الثاني، وحسم الصراع مع الأمن المركزي، لكن سرعان ما بدؤوا المساومة مع عمر سليمان بعد أن أصبح نائباً للرئيس، ومن ثم التوافق مع المجلس العسكري والدفاع عنه، وتغطية سياساته. وبالتالي أصبح الشعار هو “يسقط حكم المرشد”، وأصبح هدف الأحزاب تلك -وكذلك النخب- هو مواجهة الدكتاتورية الإسلامية الزاحفة.

الشعب الذي انتفض, فرح لرحيل حسني مبارك، واعتقد أن الجيش قد حقق الأهداف التي ثار من أجلها انطلاقاً من وهم “التاريخ الوطني” لهذا الجيش، دون أن يميّز بين قيادته التي تكيفت مع سلطة الرأسمال وحكم حسني مبارك، والضباط والجنود الذين هم وطنيون بالتأكيد.

ثم اصطدم مع المجلس العسكري الذي يمثل تلك النخبة المستفيدة والتي باتت جزءاً من بنية السلطة الرأسمالية التابعة، ودفع نحو إسقاط “الفلول”. ولقد راهن جزء منه على الإخوان المسلمين الذين يقولون إنهم يحملون حلاً لمشكلاته، فأصبحوا يسيطرون على مجلسيْ الشعب والشورى، ثم حصلوا على الرئاسة.

لكن اتضح أنهم لا يحملون حلولاً لهذه المشكلات، التي هي اقتصادية في جوهرها وبالأساس. وهي المشكلات التي فرضت انطلاق الثورة أصلاً. لهذا عاد الحراك يتصاعد في كل المناطق، وعادت الإضرابات وكل أشكال الاحتجاج تستحوذ على واجهة الأحداث. وبالتالي عدنا نشهد تراكم الاحتقان وتوسع الحراك، وتصاعد “المزاج الثوري”.

لكن الأحزاب والنخب التي رفعت شعار “يسقط حسني مبارك” ثم شعار “يسقط حكم العسكر”، أصبحت ترى أن إسقاط “حكم المرشد” هو مفصل نشاطها. وكما بنت تكتيكاتها وتحالفاتها السابقة على أساس الشعارين المرفوعين، باتت تبني تكتيكاتها وتحالفاتها على أساس الشعار الجديد: “يسقط حكم المرشد”، أو “يسقط حكم مرسي”، أو “يسقط حكم الإخوان”.

في السابق كان الشعار -أي شعار “يسقط حسني مبارك”، أو حتى شعار “يسقط حكم العسكر”- يجعلها تميل إلى التحالف مع الإخوان المسلمين، لكنها الآن تنقلب تماماً، وتندفع لقبول التحالف مع “العسكر” (أو مع الدولة السابقة، مع البيروقراطية)، وحتى مع “الفلول”، لأن الهدف الأساسي هو إسقاط حكم الإخوان، ومنعهم من التمكن من السيطرة على الدولة، وبالتالي الحكم الشمولي لعقود قادمة. فقد أصبح “العدو” هو الإخوان، ومن ثم يجب التحالف ضدهم من كل القوى التي ترفضهم.

سبب هذا الانقلاب -الذي حدث مرتين سابقاً ويحدث الآن- هو مسألة الأولويات التي تحدد اعتماداً على المنطق الذي يحكمها، والذي ينطلق من أساس “سياسي”، هو الدكتاتورية أو السلطة التي تعمل على فرض سطوتها. السلطة التي تحكم لمصلحة فئة، وتعمل على ضبط نشاط الأحزاب والنخب من منظور سعي هذه الأحزاب والنخب لبناء “دولة ديمقراطية” تعددية.

لكن سنلمس هنا أن هذا المنظور يُحكم أيضاً ليس بتصور ديمقراطي منسجم بل يُحكم بميل “رفضوي”، ميل يقوم على رفض استبداد السلطة وضبط نشاط هؤلاء. وهو المنطق الذي يسمح بالتحالف مع قوى غير ديمقراطية ما دامت ضد السلطة. وهنا سوف نلمس أن هذا المنطق لا يشتمل على أي أساس يتعلق بالوضع الاقتصادي والمعيشي للشعب، ولا بكل البنية الاقتصادية الاجتماعية بل يتمحور حول السلطة، وحول هدف “الديمقراطية” فحسب.

وهذا ما فرض أن يظهر الصراع الآن كصراع بين الدولة الدينية التي يُفترض أن الإخوان يعملون على تأسيسها، والدولة المدنية التي ينضوي تحت لواء تحقيقها كل رافض لحكم الإخوان المسلمين، بما في ذلك بعض أركان نظام حسني مبارك (الذي يبدو أنهم باتوا يُعتبرون من القوى المدنية).

وبالضبط كما كان الصراع ضد نظام حسني مبارك يفرض التحالف مع الإخوان الذين باتوا يعتبرون ديمقراطيين ما دام الهدف هو تحقيق الديمقراطية. بمعنى أن القوى التي تنضوي في التحالف ضد السلطة يُفرض عليها طابعها ليس انطلاقاً من بنيتها هي ذاتها، بل انطلاقاً من “الطابع العام” للمعركة كما تتخيله النخب والأحزاب. وهنا يمكن أن نوضح أن هذه هي عاهة اليسار خصوصاً، التي يمكن أن يكون ما نشير إليه هنا هو نقد عميق لها.

كل هذا الصراع ليس هو الصراع الذي يخوضه الشعب، الذي مال بعضه إلى دعم الإخوان في الانتخابات البرلمانية والرئاسية على أمل أن يقود نجاحهم إلى سياسة تحل مشكلاتهم، وظل بعضه مصرّاً على الاستمرار في الصراع ما دام لم يتحقق أي تغيير في وضعه، وستفرض سياسات الإخوان الاقتصادية تعمّق أزمته ودفعه لكي يقاتل من أجل التغيير الذي سيلمس (وربما لمس) أنه لم يحدث من خلال الانتخابات، التي أدت إلى تغيير شكل السلطة من خلال إلباسها “للمعارضة الإسلامية”، كما كانت تظهر زمن حسني مبارك.

وبالتالي، يمكن أن يندفع الشعب إلى الشوارع من جديد في ثورة أخرى. وسيبدو أن هذا هو الخيار الوحيد أمامه بعد أن فشلت الانتخابات في إيصال حزب يحل مشكلاته. وهو هنا يتقاطع مع سياسة الأحزاب والنخب في التوافق على إسقاط السلطة الجديدة، التي هي سلطة الإخوان، لكن المنظور مختلف تماماً بين كل منهما، حيث إنه يعمل على إزالة “سلطة طبقية” فرضت النمط الاقتصادي الذي أفقره وهمشه، سواء كانت واجهتها حسني مبارك و”رجال الأعمال”، أو المجلس العسكري، أو مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، فالأساس هو تغيير الواقع الاقتصادي وليس الأفراد أو الأحزاب فقط.

لهذا فإن منظوره للأحزاب ينطلق من موقفها من واقعه هذا، ومن فاعليتها لتغيير هذا الواقع. وهنا فإن هذا المنظور هو الذي يحدد رأيه في هذه الأحزاب والنخب، ومدى تفاعله معها. بمعنى أنه ليس الصراع ضد الدكتاتورية هو الذي جعله يرفع شعار إسقاط النظام، ولا شعار مواجهة الدولة الدينية أو حكم الإخوان هو الذي يحركه ضد السلطة الآن.

وبالتالي فنحن إزاء مسارين للصراع مختلفيْن ومتباينيْن إن لم يكونا متناقضيْن، رغم التوافق على إسقاط النظام الحالي، أي حكم الإخوان، هذا التوافق الذي سوف يبدو شكلياً. وهو الأمر الذي يجعل الشعب مستمراً في الوضع الثوري، مقابل ميل الأحزاب والنخب إلى الطريق الإصلاحي/الانتخابي.

الشعب أصبح يعرف أن فعله المباشر هو الذي يمكن أن يحقق له ما يريد، لهذا يستمر في حراكه، وتتقلص مشاركته في التصويت، ربما لتعود إلى ما كانت عليه زمن حسني مبارك (10% فقط)، في الوقت الذي يتصاعد فيه حراكه.

الشعب يحركه إحساسه الطبقي، لهذا يرفض كل سلطة لا تنفذ حلاً يجعله يتجاوز مشكلاته (البطالة والأجر المتدني، وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية). لقد رفض نظام حسني مبارك من هذا المنظور، كما رفض حكم العسكر من المنظور ذاته، وهو يرفض الإخوان من هذا المنظور كذلك.
والأحزاب والنخب تحركها مصالحها السياسية التي ترتبط بطبيعة شكل السلطة ومن يحكم فيها، دون لمس المضمون الطبقي لها، أو تعديل النمط الاقتصادي القائم فيها، أو حتى تقديم حل لمشكلات المجتمع تلك، الأمر الذي يُبقي الوضع القائم في هذا المستوى، أي استمرار سلطة الرأسمالية والنمط الليبرالي، اللذيْن كانا في أساس الثورة، وبالتالي هما في تضاد مع مصالح الشعب.

وهنا نلمس المسافة بين صيرورة الصراع الطبقي ومسار الصراع “السياسي”، وهي المسافة ذاتها التي حكمت الصراع قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني سنة 2011، حيث ظلت الأحزاب والنخب تتمحور في صراعها ضد حسني مبارك حول الديمقراطية، وضد الدكتاتور، في الوقت الذي كان فيه الصراع الطبقي يتصاعد بشكل غير مسبوق، ليفضي إلى ثورة كبيرة.

ونجد المسافة ذاتها الآن، حيث يتصاعد الصراع الطبقي بعد أن كان هدأ نتيجة الشعور بـ”الانتصار”، بينما يتمحور فعل الأحزاب والنخب حول “مواجهة التمكين الإخواني”، أو التصدي للدولة الدينية. وهي تكرر السياسة ذاتها (وهنا نخص اليسار الذي هو وحده المعني بتغيير النمط الاقتصادي) بالتحديد لأن منطقها لم يتغيّر، ولا تغيّرت المصالح الطبقية التي تعبّر عنها.

هذا هو “المنطق السياسي” الذي يخفي مصالح طبقية، فيجري الفصل بين السلطة “السياسية” والأساس الاقتصادي الذي تتشكل على ضوئه، وبالتالي تميل إلى التركيز على شكل السلطة وليس على مضمونها الطبقي، وتقرر “تغيير شكل السلطة” فقط دون أساسها الاقتصادي. فهي إما أحزاب ونخب ليبرالية، ولهذا فليست معنية بتغيير النمط الاقتصادي بل بالحلول محل السلطة القائمة. أو يسار يمثل فئات وسطى ما زالت تنساق وراء اللبرلة وترفض التفكير في تغيير النمط الاقتصادي، ومن ثم تركز جل نشاطها على تحقيق الدمقرطة.

لهذا نجد أن الشعب الذي يخوض الصراع هو المعني بتأسيس التعبير السياسي الذي يحقق مصالحه. وسوف نكتشف أن هذه الأحزاب والنخب تـُعيد تشكيل السلطة ذاتها كلما وصلت إليها، كما فعل الإخوان بالضبط.

المصدر: الجزيرة

الأسباب الموضوعية للحراك الشعبي

b1acc786-cd99-45b8-a47e-c8f1c088ece7

الشعب تعبير ظل مجرداً أو عمومياً، وأساساً هو مصطلح يتكرر دون أن يشير إلى شيء معيّن. ولهذا لم يكن مجالَ فهم من قبل “النخب”، وظلت مشكلاته عصية على الفهم، فقد كانت السياسة ترتبط بما يتعلق بالدولة والأحزاب بالأساس. وهذا الأمر هو الذي جعل ما جرى منذ 17/12/ 2010 في سيدي بو زيد التونسية وامتداده العربي مفاجئاً، وفرض أن يصبح تعبير الشعب مكرراً ومتكرراً، لأن هذه الجموع التي كانت مهملة هي التي فرضت ترحيل رؤساء لطالما جرى اعتبارهم دكتاتوريين عتاة.

إن الثورات التي بدأت في تونس وتوسعت إلى مصر والبحرين وليبيا واليمن وسوريا، وطالت الجزائر وعُمان والعراق والأردن، ولمست السودان والمغرب، هي من فعل الشعب الذي كان خارج كل حساب في الصراع السياسي بين النظم والمعارضة.

وإذا كانت الأحزاب تنطلق من “السياسي” في علاقتها بالنظم، وتركز على مطالب “سياسية” فقط، ومحورت صراعها كأحزاب في العلاقة مع السلطة، وبالتالي دون حسابٍ للشعب، أو توقع بدور له، أو حتى العمل لأن يكون له دور ما، فإن الشعب تحرّك دون انتظار هذه الأحزاب، وفي حركة واقعية انبنت على تجاوزها فعلياً.

وهذا ما يجعلنا نقول بأنه ليس الفعل السياسي هو الذي جعل الشعب ينهض، بل لا بد أن نبحث عن الجذر الذي يسمح لنا بفهم هذا الانفجار الشعبي الكبير بعد عقود من الركود والتكيّف وحتى “الخنوع”، الأمر الذي يفرض أن نبحث في الظروف التي أسست لذلك، والتي أوجدت لحظة “الانقلاب” في “طابع” الشعب، والتي فرضت تحوّل الركود إلى فعل ثوري كبير، والتكيف مع الوضع الذي أوجدته النظم إلى التمرّد عليها، وتجاوز “الخنوع” نحو فرض الإرادة الشعبية.

هذا الوضع الذي فرض أن يتحوّل مصطلح الشعب إلى شعب فعليّ فاعل وقادر، يفرض أن نلمس إشكالية الأحزاب والنخب، لكن بالأساس أن نفهم الأساس الذي حوّل التعبير “المجرّد” إلى وجود فعلي، وجعل “الغائب” هو الذي يملأ الصورة فعلياً.

يمكن أن نقول أولاً بأن العلاقة بين الشعب والنخب كانت مرتبكة دائماً، حيث تكون مطامح الشعب غيرَ مطامح النخب. النخب تنطلق من “الشأن العام”، وتطرح المهمات التي تتعلق بهذا “العام”، لأنه خاصتها بالضبط. والشعب ينطلق من وضعه “الخاص”، أي من مقدرته على العيش، والمسألة الوحيدة التي تفرض تجاوز ذلك هي المسألة الوطنية التي تدفع الشعب لكي ينخرط في الصراع، ربما لأنها تمسّ كيانه ككل.

في الصراع الداخلي إذن هناك “تفارق في المنظور” بين الشعب والنخب. هذا الأمر هو الذي يجعل النخب تميل عادة إلى تجاهل الشعب، وحتى “الاستعلاء” عليه والنظر إليه ككيان هامد، مستكين، خانع. لهذا كان الميل إلى طرح السؤال “لماذا لا يثور الشعب؟” متداولاً لعقود. وظلت النخب تتصرف “وحيدة”، وظنت أنها تقارع النظم “بقوتها”، وهو ما كان يشعرها بالعجز الدائم، ويجعلها تنطلق في رؤيتها من اختلال ميزان القوى “المطلق” والمستمر، ولهذا ظلت إصلاحية أو تعلقت بالمراهنة على “الخارج”.

الشعب لا يميل إلى السياسة.. هذه بديهية تبلورت خلال قرون، فهو كشعب ينطلق من “وجوده في الحياة” بعيداً عن السلطة (أو الدولة)، وفي ممارسة علاقاته “الاجتماعية” وإعادة إنتاج الحياة من خلال العمل والتوالد، ولهذا يحتكم إلى هذا الأساس وينطلق منه. ولقد تكيّف الوعي الجمعي مع هذه الوضعية.. هذا الوعي الذي جعل الدولة شيئا آخر، مخيفا وسلبيا. لهذا يعيش بعيداً عنها ويهرب من الاحتكاك بها، ويقبل التكيّف مع سطوتها إلى حدّ كبير.

هذا هو الوضع “الطبيعي” الذي يجعله لا يميل إلى تناول “الشأن العام”، أو الهمس به فقط في الخفاء. وهو الأمر الذي يجعل النظر السطحي يصل إلى الاستنتاج بأن الشعب خانع ومتكيّف وسلبي، خصوصاً حين يتعلق الأمر ببنية السلطة، أي حين يتعلق الأمر بالحريات السياسية والديمقراطية عموماً، وهو الأمر الذي يخصّ النخب بالأساس، ويكون أساس نظرها إلى الواقع.. ولا يبدو أنه من أولويات الشعب الذي يجهد من أجل العيش.

هذه الإشكالية تظهر واضحة حين يكون المجتمع في وضع “استقرار طبقي”، أي حين تكون الأجور كافية للعيش، أو تحقق عيشاً جيداً لقطاع كبير من الشعب. وهذه الوضعية “الساكنة” هي التي تنطلق منها النخب لإصدار الحكم على الشعب، بحيث يظهر كـ”لا مبالٍ” في نظم استبدادية، لأن هذه النخب تنطلق من “السياسي” في الحكم، ووفق نظر يقوم على أساس المنطق الصوري الذي يسمح لها  “بكشف” سكون الشعب دون فهم سبب ذلك، ويقودها إلى افتراض أن على الشعب أن يكون معها من أجل تحقيق هذه “المطالب الكبيرة” التي “تخدم كل المجتمع”، وبالتالي يجب أن تكون من مهمات الشعب وليس من مهمتها هي.

وهذا التحليل الافتراضي هو الذي يجعلها تصدر الحكم على الشعب، ويؤسس “لحقد دفين” نتيجة إبقائها في الصراع السياسي وحيدة دون دعم شعبي. فالشعب يجب أن يكون معها ما دامت تعمل على تحقيق “القيم العليا”، وتعمل من أجل “الشأن العام”.

لكن ليس هذا هو وضع الشعب دائماً، فسوف نلمس أن التاريخ شهد ثورات كبيرة، عفوية، وتتسم بالبطولة، قام بها الشعب وحده، أي بعيداً عن النخب التي كانت تبني “أحلامها” في مكان آخر. وظهر فيها القوة التي تريد تحطيم السلطة، والتي تحمل “الشأن العام” على عاتقها. هذا ما نشهده الآن في الثورات في الوطن العربي.

لماذا يثور الشعب؟ لماذا يتجاوز “سلبيته” فيندفع للتمرد على السلطة التي طالما خافها؟ وبالتالي لماذا يقتحم السياسة من أوسع أبوابها، أي باب الثورة على السلطة؟

لا بد من لمس أن تحرّك الشعوب ينطلق من خلخلة وضعها هي، ما دامت لا تميل إلى السياسة أو تهتم بالنشاط السياسي، بل تنطلق من وجودها. لهذا ظهر في كل الحالات أن تحرّكها ارتبط بموضوع “اقتصادي”، أي بما يقود إلى رفع الأسعار أو تردي وضعها المعيشي.

وهذا أمر يمكن أن يلمس من خلال دراسة الوضع الاقتصادي، خصوصاً مسائل البطالة والأجور والأسعار والخدمات والتعليم والصحة، وأيضاً مسائل السكن والزواج، حيث يوضح كل ذلك مقدرة الشعب أو عدم مقدرته على العيش، وبالتالي يفرض تململه وصيرورة تصاعد التذمر والاحتقان، ويؤسس لرفض السلطة، والميل لتحويلها إلى عدو، الأمر الذي يفرض في لحظةٍ حدوثَ الانفجار الشعبي، ربما نتيجة سبب هامشي، أو نتيجة دعوة واضحة.

إذن، نلمس الآن أن “غير السياسي” هو الذي يقوم بالفعل السياسي الأهم: إسقاط السلطة، لأن الشعب يصل إلى لحظة يحسّ فيها أنه لم يعد قادراً على تحمّل الوضع الذي هو فيه، الأمر الذي يدفعه إلى التمرّد الهائل الذي يقوم به ضد السلطة التي خافها طويلاً، والذي يعتبر أنها السبب في كل الظروف السيئة التي يعيشها، حيث يتحوّل -هنا- السكون إلى ثورة، والخوف إلى جرأة وبطولة، والخضوع إلى تمرّد.. ينقلب الواقع من أساسه، ونشهد ما لم تكن النخب تتوقعه أو تحلم به، وأيضاً تخافه.

هذه اللحظة هي التي تظهر “أصالة” الشعب، وتعبّر عن “روح” الشعب، وهي اللحظة التي تحقق التغيير العميق في مسار التاريخ، والتي بدون فهمها لا يمكن فهم الشعوب ومعرفة دورها الهائل في التاريخ، وبالتالي فهم أن الشعوب هي التي تصنع التاريخ.

إذا كان السياسي يبدأ من الدولة فإن الشعب يبدأ من “العيش”، من الوجود ذاته، حيث إن الشعور بالعجز عن العيش، وبالتالي الشعور “بالموت”، هو الذي يكسر السكون والسلبية، ويؤسس للتمرّد على الوضع الذي هو فيه لأنه لم يعد يستطيع التحمّل.

وهذا يتوضّح من خلال متابعة الأرقام التي تطال الاقتصاد والأجور والبطالة، لكي يتلمّس الوضع الذي وصلت إليه الشعوب، حيث بدت أنها على شفير الانهيار نتيجة التهميش والتفقير، رغم أن هذا لا يعني أن رد الفعل سيتعلق بذلك فقط، لأن تمرّد الشعب يفرض أن يصبح الصراع ليس من أجل “العيش”، بل إن الصراع من أجل العيش يفرض إسقاط النظم والتأسيس لبديل جديد. وخلال ذلك يجري تضمُّن مطالب عديدة، اقتصادية ومجتمعية ومناطقية وسياسية، حيث لا تعود المسألة متعلقة  “بهدف مطلبي”، بل تصبح مسألة إسقاط السلطة كلها.

إن التحولات الاقتصادية التي تفضي إلى تمركز الثروة وإفقار الطبقات الشعبية بما يجعلها عاجزة عن العيش، هي التي تؤسس الظروف لتراكم الاحتقان الاجتماعي، وتشكّل الحالة التي تفرض الثورة في لحظة ربما لا يستطيع أيٌّ كان تحديدها بدقة، حيث يمكن “لمصادفة” أو “حدث عابر” أنْ يكون اللحظة التي تحوّل الاحتقان إلى انفجار كبير: أي ثورة.

في هذه اللحظة لا بد من ملاحظة أن كل “الرتوش الثقافوية” ومخلفات الماضي تتهاوى، كما أن الهدف يكون واضحاً ويتحدد في السلطة ذاتها، ويكون الحلم بتحقيق التغيير الذي يتضمن حلاً لمشكلات الطبقات التي تخوض الثورة. هنا يكون الصراع سياسيا بامتياز، ويكون في أرقى صوره رغم العفوية التي تحكمه حين غياب الفاعل السياسي، أو البديل المبلور في برنامج ورؤية.

فالحسّ العفوي لدى الشعب يكون صافياً إلى أبعد مدى، ويحدد هدفه بصفاء كامل، وهو لا يقيس إلا انطلاقاً من ذلك، مما يجعل كل محاولة للالتفاف على مطالبه تتهاوى، ويظل يخوض الصراع إلى أن يحقق التغيير الذي يحقق له وضعاً يخرجه من واقعه الذي بات لا يطاق. هنا يكون فعل التغيير عميقاً إلى حدّ لا يمكن تجاوزه.

ربما تفشل ثورات الشعوب، لكن ذلك لا يعني الركون والركود، بل يعني التحضير لثورات جديدة.. بالضبط لأن الواقع لم يعد ممكن الاحتمال.

المصدر: الجزيرة