Monthly Archives: أغسطس 2015

اليسار وتجاوز الرأسمالية

كانت بلدان عديدة، خصوصاً في أميركا اللاتينية، تندفع “نحو اليسار” مع بداية القرن الجديد. وأوصلت الانتخابات عدة رؤساء منه إلى سدة الحكم. عبّرت الظاهرة عن الأزمة التي تعيشها هذه البلدان، نتيجة النهب الطويل الذي مارسته الرأسمالية، وأفضى إلى الفقر والتهميش والبطالة، ككل ما يجري حين تسيطر الرأسمالية، في ظل سياسات تعممت في أميركا اللاتينية، منذ سبعينيات القرن العشرين، وفرضت اللبرلة خياراً وحيداً، فراكمت الفقر والمديونية.
والآن، نجد أن بلدان جنوب أوروبا تعاني من أزمة كبيرة نتيجة المديونية (عانت منها بلدان أميركا اللاتينية) التي فرضت وصول هذه البلدان إلى حافة العجز. وبالتالي، قاد إلى أن تفرض الدول والبنوك الدائنة شروطاً قاسية، من أجل تحصيل الفوائد المترتبة على الديون، تمثلت في سياسة التقشف التي عنت إفقار الطبقات الأفقر، والفئات الوسطى. الأمر الذي أدى إلى أن يميل الشعب إلى انتخاب اليسار، يسار جديد متشكل من مجموعات يسارية وشباب يساري ونقابات، تبلور في “أحزاب”، كما في اليونان (حزب سيريزا) وإسبانيا (حركة بديموس)، وربما يتبلور في بلدان أخرى. وصل إلى السلطة في اليونان، ويمكن أن يصل إلى السلطة في إسبانيا قبل نهاية العام.

في أميركا اللاتينية
لكن، ما يبدو واضحاً منذ تجارب أميركا اللاتينية، وما يظهر الآن، أن اليسار الذي وصل إلى السلطة لا يمتلك حلاً يسارياً، على الرغم من أن نجاحه بني على أن الشعب يريد حلاً يسارياً، ينهي النهب والاستغلال والفقر والبطالة والتهميش، حيث إن ما تحقق في بلدان أميركا اللاتينية (البرازيل وفنزويلا وأورغواي وبارغواي، والأرجنتين، وغيرها) إصلاح محدود في الاقتصاد، هدف إلى أن يخفف فقر الشعوب الأصلية وتهميشها، وكذا بعض الفئات الفقيرة، في ظل استمرار السياسة الرأسمالية، وحتى الإيغال في تعميم اللبرلة، كما في البرازيل. فقد حكم حزب العمال البرازيلي منذ بداية القرن الجديد، في ظل مديونية عالية وعجز مالي، وإفقار شديد، خصوصاً للشعوب الأصلية والسود. واستطاع أن ينهي المديونية، وأن يحقق تحسيناً في وضع الفقراء. وتحسّن الوضع الاقتصادي للبرازيل، ونهضت الصناعة، لتبدو أنها تسير في مسار أن تكون قوة عالمية. لكن، ما يبدو الآن أن الأزمات باتت تطل من جديد، حيث تعمقت الخصخصة، وأصبح الرأسمال الخاص يسيطر على معظم الاقتصاد، بما في ذلك الطرق والمياه، أي أصبح يبحث لاستغلال البنية التحتية كلها، بما في ذلك الصحة والتعليم. ولهذا، بات الحكم “اليساري” يعيش مأزقاً، وبات الشعب يسير نحو المواجهة معه.

“ما يبدو واضحاً منذ تجارب أميركا اللاتينية، وما يظهر الآن، أن اليسار الذي وصل إلى السلطة لا يمتلك حلاً يسارياً، على الرغم من أن نجاحه بني على أن الشعب يريد حلاً يسارياً”

في فنزويلا، حيث رفع هوغو شافيز شعار اشتراكية القرن الواحد والعشرين، وكان يعتبر نفسه “ماركسياً”، ويريد تحقيق الاشتراكية. لم يفعل سوى تحسين وضع السكان الأصليين، ووضع الفئات المفقرة، على الرغم من امتلاك فنزويلا النفط. ولقد بات النظام الذي بناه يتآكل، ويعيش مأزقاً، حيث لم يجرِ التقدم نحو حسم الصراع مع البورجوازية بالقوة، ولم يؤسس اقتصاداً اشتراكياً، أو يمكن أن يكون بديلاً عن الرأسمالية. وأخذت مشكلات مجتمعية تتفاقم، مع اقتصاد مأزوم، وفقر أخذ يعود بسرعة. وفي وضع تبدو الرأسمالية قوية، وتتهيأ للوثوب إلى السلطة. وبدا مادورو شبحاً يسير نحو محو الطموحات الكبيرة، أو يظهر العجز عن تحقيق تلك الطموحات. ولهذا، بات إما أن يتحوّل إلى الشكل البرازيلي، أن يظل “اشتراكياً” بالاسم، ويعيد تعزيز دور الرأسمال، أو يسقط في انتخابات ستأتي بالرأسمالية إلى السلطة.
في بلدان أخرى، مثل الإكوادور وباراغواي، جرى تحسين وضع السكان الأصليين، وتحسين الوضع الاقتصادي، لكن أيضاً تعود أزمات الفقر والتهميش واستغلال الرأسمال، لكي تفعل في الشعب ما يدفعه إلى المقاومة. في الأرجنتين، ربما أوقف اليسار انهيار البلد، لكن ليس من حلول مطروحة سوى تحسين جزئي في وضع الفئات المفقرة. وفي تشيلي، قام الحزب الاشتراكي بأكبر عملية خصخصة.
يرتبط الأمر هنا بـ “وعي” يحكم هذا اليسار، فقد انطلق من أنه لا يستطيع “الخروج” من العالم القائم، عالم الرأسمالية، وليس ممكناً أن يكون خارج العولمة، وبالتالي، ليس من طريق أمامه سوى “الإصلاح المتدرج” وتحسين أحوال الفئات الأفقر. إذن، هو “إصلاح” في ظل النمط الرأسمالي المهيمن، ويمكن القول إن الدولة، وفق هذا المنظور، تتحوّل إلى “جمعية خيرية”، لأنها تركز على “تحسين معيشة” الفئات الأفقر، ولا ترى أن الأمر يتعلق بما هو أكبر من ذلك تحقيق هذا التحسين بالذات، أي تجاوز الرأسمالية، حيث ليس من إصلاح في ظلها.
لهذا، نلمس خبو ألق تلك التجارب التي كانت تظهر تجارب جديدة وملفتة ليسار يستطيع الوصول إلى السلطة بالانتخابات. وبالتالي، إنها الشكل الجديد لليسار الذي يستطيع أن يكون المنتصر. وأصبح المطلوب تشكيل يسار تشبهها، فهذه هي “اشتراكية القرن الواحد والعشرين”.

في اليونان
والآن، نجد أن اليسار في اليونان يناور انطلاقاً من الأمر نفسه، حيث إنه يريد تخفيف آثار التقشف على الشعب، من دون أن يتقدم أكثر من ذلك، فقد تسارع إفقار العمال والفلاحين والفئات الوسطى في اليونان في العقود السابقة. ولحل أزمات الدولة، أو هكذا ادعت الطبقة الرأسمالية التي حكمت، حلّت مشكلة “عجز الموازنة” عبر الاستدانة، الأمر الذي أوصل إلى أن يصبح هدف الاستدانة تسديد أقساط الديون، ما رفع نسبة الديون إلى الدخل القومي إلى مستوى عال. وأصبحت اليونان مهددة بالإفلاس، ما دفع الدول الدائنة (خصوصاً ألمانيا وفرنسا وصندوق النقد الدولي) إلى فرض سياسة تقشفية شديدة الوطأة، وهو ما حدث مع إسبانيا.
تصاعدت الصراعات الاجتماعية في اليونان منذ سنة 2010، لكن سياسة التقشف فرضت أن يتشكل يسار جديد، هو خليط من يسار شيوعي تمرّد على سياسات الحزب الشيوعي “الكلاسيكية”، و”الإصلاحية”، والمترددة. ويسار تروتسكي وماوي، ومتطرف، ونقابات، وحتى فوضويين. كان منطلقه مقاومة سياسة التقشف ورفضها. لهذا، نجح في الانتخابات، وأصبح هو الذي يحكم (بتحالف مع حزب يميني صغير). ودخل في مفاوضات لتخفيف سياسة التقشف، وليس لإلغائها، ويبدو أن المفاوضات متعثرة، الأمر الذي يطرح الحل البديل الذي يتمثل في رفض سداد الديون، والخروج من منطقة اليورو، وإعادة هيكلة الاقتصاد. ما تحقق إلى الآن هو رفض الشروط التي يطرحها الدائنون، واللجوء إلى الاستفتاء على الخروج من منطقة اليورو. وهذا جيد إذا تحقق. لكن، هل سيبقى اليسار موحداً؟ وقادراً على تقديم بديل حقيقي؟

“اليسار في اليونان يناور انطلاقاً من الأمر نفسه، حيث إنه يريد تخفيف آثار التقشف على الشعب، من دون أن يتقدم أكثر من ذلك”

هنا، نلمس أن اليسار ما زال يعتقد أن الحل في الوضع العالمي القائم، حيث تسيطر الرأسمالية بقوة (أضع بقوة بين مزدوجين نتيجة أزمة الرأسمالية التي بدأت تفضي إلى هذه التحولات التي توصل اليسار إلى الحكم) لا يسمح بالخروج عن الرأسمالية، حتى في حال الخروج من منطقة اليورو. وستعاني إسبانيا من الوضع نفسه، بعد انتصار اليسار الجديد. وكذلك كل البلدان التي يمكن أن تدخل في هذا المسار، وهي كثيرة وممتدة من إيطاليا والبرتغال وقبرص إلى شرق أوروبا.

أزمة بلا حل مجتمعي
تتمثل الأزمة هنا في أن اليسار يتشكل رد فعل على أزمة، هو يطرح حلاً لها، لكنه لا يطرح حلاً مجتمعياً. وبالتالي، كما في أميركا اللاتينية، يرى أن أي حل لا يمكن أن يخرج عن الرأسمالية. حيث هذه ما زالت قوية ومسيطرة، و”تسحق” كل محاولة للخروج عليها. هذه هي “العنّة” التي باتت تسكن كل تفكير يساري، وهي حكمت يسار أميركا اللاتينية، ويبدو أنها تحكم اليسار الجديد الذي يتشكل في بلدان جنوب أوروبا، وربما يمتدّ إلى شرقها. ربما نقول هذه هي ردة الفعل الأولى ليسار يتشكل في عالم جديد، وربما هي تجربة أولى لقوى شبابية، انغمست في الصراع. وربما هذه القوى الشبابية هي التي ستفتح على بديل حقيقي. لكن، يجب أن نلمس أن هذا الشكل “اليساري” هو التعبير عن منظور بورجوازي صغير يتملك قطاعات يسارية، تحاول أن تجد الحلول في إطار الرأسمالية، ولذلك تحتاج إلى شعارات يسارية، وحتى اشتراكية. لكن ذلك يتحقق حين نصل إلى استنتاج أنه يمكن تجاوز الرأسمالية، بل ويجب تجاوزها، لكي تتحقق مطالب العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، وأنه لا خيار غير ذلك. بالتالي، يقوم البديل على تجاوز الرأسمالية بالضرورة.
ما زال اليسار القديم والمستجد يرى جبروت الرأسمالية السابق، ولم يرَ بعد ضعفها وأزماتها، وربما تفككها. ولم يلمس أن هذه الأزمات المجتمعية التي فجّرت الثورات في البلدان العربية، ودفعت دول جنوب أوروبا، إلى أزمة طاحنة، ووضع شرق أوروبا المزري، وثورة أوكرانيا، كلها جاءت نتاج الأزمة التي طحنت الرأسمالية، وأساسها الأميركية سنة 2008، وهي الأزمة التي لم تلقَ حلاً إلى الآن، وباتت الرأسمالية نفسها تعتقد أن عليها “إدارة الأزمة”، ما دامت باتت عصية على الحل. وهي أزمة مختلفة تماماً عن كل الأزمات السابقة (أزمات فيض الإنتاج والتقاتل على الأسواق)، بالضبط لأنها أزمة “تعفّن” الرأسمالية، حيث سيطر المال على الرأسمال، المال المضارب على الرأسمال المنتج (النشط في الاقتصاد الحقيقي)، الأمر الذي سوف ينتج “الفقاعات” باستمرار، تلك الفقاعات التي يفضي انفجارها إلى انهيارات كبيرة تهزّ البنوك والمؤسسات المالية، وتضع كل الاقتصاد الرأسمالي على كف عفريت.
هذا الأمر هو الذي فرض التوظيف في المديونية منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث تدرّ أرباحاً طائلة. وهو الذي فرض عولمة أسواق المال، وجعل البورصات في مركز الاقتصاد العالمي، كما فرض المضاربة على كل السلع وعلى العملة النقدية، وأسس لمخترعات جديدة، جرى تسميتها المشتقات المالية. حيث الأرباح هنا أضعاف أضعاف نسبتها في الاقتصاد الحقيقي (الإنتاج والتوزيع). لهذا، باتت الكتلة المالية هي الأضخم بنسب عالية (90%) في مجمل الاقتصاد العالمي. وباتت الطغم المالية المسيطرة في الدول الإمبريالية.

“كل يسار ما زال ينطلق من “حتمية استمرار الرأسمالية” لن يكون قادراً على الاستمرار في المرحلة المقبلة”

لكن، باتت الدول التي تحمي الرأسمال، وتفرض سطوته عالمياً مهددة بالضعف نتيجة الأزمة. وأصبحت “أحادية القطب” من الماضي في عالم فوضوي بلا أقطاب، على الرغم من التصارع الذي يجري تعزيز مواقع دول على حساب أخرى. وباتت الأزمات تهدد بانفجارات شعبية، ليس في الأطراف فقط، وهذا مؤكد، وظهر في الثورات العربية، بل في “أطراف المراكز”، أي في البلدان المعتبرة ضمن البلدان الرأسمالية، لكنها في محيطها. مثل جنوب أوروبا وشرقها بالنسبة لكل من ألمانيا وفرنسا خصوصاً، وأميركا اللاتينية بالنسبة لأميركا، وجنوب شرق آسيا بالنسبة لليابان. على الرغم من أن بلداً، مثل روسيا، مهدد بثورة كذلك، فما زال يعتبر من “أطراف المراكز”، على الرغم من أنه يعتقد بأنه إمبريالية يجب أن تحظى بالأسواق والسيطرة والدور العالمي المميز. هو إمبريالية لم تستطع أن تحل مشكلات التوتر الاجتماعي الداخلي، نتيجة عجزها إلى الآن عن السيطرة على الأسواق، ونتيجة انخراطها في النظام المالي الدولي، وبالتالي، خضوعها لأزماته.
تفرض هذه الوضعية أن ينطلق كل منظور يسار ثوري من أنه بات علينا أن نتقدم لتجاوز الرأسمالية بالضرورة. بالتالي، يجب نقد رهاب الخروج منها، وتعزيز المنظور الذي يعتقد أن الأوان قد حان لتجاوز الرأسمالية. ومهمة اليسار الثوري تجاوز الرأسمالية في مسار يفضي إلى الاشتراكية.
ما هو البديل؟ هل هي الاشتراكية؟
ربما في البلدان الأكثر تقدما يمكن أن نتحدث عن الانتقال إلى الاشتراكية. لكن، في الأطراف سينحكم الوضع بالضرورة لتجاوز الرأسمالية، أما ما هو البديل؟ فهذا يفرض رؤية مسألتين، الأولى تخلف البنى، وغياب قوى الإنتاج، وبالتالي، تشكّل طبقات متعددة مشاركة في التغيير (كتلة تاريخية). والثانية أن تجاوز الرأسمالية ليس ممكناً إلا بدور قيادي للعمال والفلاحين الفقراء، أي ليس تلك الفئات من البرجوازية الصغيرة، أو الوسطى، التي سرعان ما تتراجع أو تساوم، وأصلاً لا تحمل مشروعاً تغييرياً حقيقياً.
هذا أمر يحتاج إلى بحث آخر. لكن، ما يهم هنا هو التأكيد على أن كل يسار ما زال ينطلق من “حتمية استمرار الرأسمالية” لن يكون قادراً على الاستمرار في المرحلة المقبلة، حيث إن منطقه الإصلاحي سوف يسقط أمام عمق الأزمات المجتمعية، وإزاء توسيع حالة الإفقار التي سوف تستمر بها الرأسمالية بأشكال أكثر فظاعة ووحشية، وهي تعاني من أزمتها المميتة.

المصدر: العربي الجديد

“المظلومية السنية” في سورية

سلامة كيلة: العربي الجديد

بعد أربع سنوات من الثورة في سورية، أصبح الأمر يتعلق بـ “مظلومية سنية”، وليس بثورة ضد نظام استبدادي مافيوي، حيث بات الأمر يتعلق بـ “حق طبيعي” لـ “الأكثرية السنية” أن تكون الحاكمة، لكن “الأقلية العلوية” استأثرت بالسلطة. هذا منظور أستاذ كبير، هو صادق جلال العظم، لكنه بات يتكرر من “نخب” وأناس ركبوا الثورة، ويراد لنا أن نقرّ بأنه حقيقة باتّة، لا نقاش فيها.

إذن، لسنا إزاء ثورة شعبية من أجل “الحرية والكرامة”، كما يتكرر، بل نحن إزاء حراك “السنة” من أجل استعادة “موقعهم الطبيعي كأكثرية” في السيطرة على السلطة. بالتالي، عدنا إلى فكرة أن “الثورة سنية ضد نظام علوي”، الفكرة التي حكمت قطاعاً من المعارضة، وأرادت للثورة أن تكون كذلك، وبالتالي، أسهمت في إيصالنا إلى تمدد داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام وكل الأصوليات المدمرة.
إذا انطلقنا من هذا المنظور، يمكن، أولاً، أن نبرر ما جرى في العراق، حيث انطلق قطاع طائفي من الشيعة من فكرة “المظلومية الشيعية” التي حكمتها “أقلية سنية”. وبالتالي، أن نقبل ما جرى هناك. وهذا مناقض للواقع، و”رجعي” بكل معنى الكلمة، حيث أعاد العراق قروناً إلى الوراء.
وثانياً، كيف نبرر التصاق تجار دمشق وحلب “السنة” بالنظام إلى الآن، ولهم نصيب في السلطة، بغض النظر عن النسب الحاكمة بينهم وبين المافيا التي تشكلت من قلب السلطة، وتحكم الثانية بالأولى. دافعوا عن السلطة وما زالوا، وفي ذلك يدافعون عن سلطتهم، وليس عن “نظام علوي”.
وثالثاً، مناطق الساحل السوري في ظل “النظام العلوي” من أفقر مناطق سورية، أي أنها لم تكن مستفيدة من السلطة، كما يستفيد تجار دمشق وحلب. وإذا كان سكانها وقفوا، كما يقال، مع السلطة فيجب أن نبحث عن السبب، لا أن نركن إلى تحليل طائفي مسبق، يقسم الشعب إلى طوائف. وكانت فكرة أن الثورة سنية ضد نظام علوي من المسائل التي أخافت هؤلاء (إضافة إلى نشاط إخواني وضخ إعلامي أصولي، يريد أسلمة الثورة، وتهافت نخب إزاء هذا الضخ الإعلامي). حيث بدل أن تُطرح المطالب الحقيقية، جرى العمل على طرح منظور يقوم على أساس طائفي.
هنا، أقول إن المظلومية، إذا اردنا استخدام هذا التعبير، هي مظلومية الفئات المفقرة التي نهبتها البرجوازية المسيطرة بشقيها، “السني والعلوي”، وليست مظلومية طائفة يعتقد بعضهم أن حقها الطبيعي أن تكون هي السلطة (أي أن يكونوا هم السلطة تحديداً).
وكان التنظير لمفهومي الأغلبية والأقلية، بالمعنى الديني الذي بدأ مع برهان غليون في كتابه “بيان من أجل الديمقراطية”، يقود إلى هذا التصور عن المظلومية، حيث ترسّخ، بناءً على ذلك، لدى قطاع من النخب، فهم يقوم على قسم الصراع إلى أغلبية سنية ضد نظام علوي، وهو تصوّر يظهر الآن بشكل فاقع، مستغلاً أن بيئة الثورة كانت في “المناطق السنية”، من دون سؤال عن سبب الشغل العنيد من السلطة والإخوان المسلمين والدول الإقليمية على حشر الثورة هنا، والعمل على إعطائها هذا التوصيف.
بالعودة إلى “المظلومية السنية”، أقول إن داعش والنصرة وجيش الإسلام تحكم باسم السنة، وعمر البشير في السودان يحكم باسم السنة، وهي كلها ضد شعوبها، تنهبها وتستبد بها. بمعنى أن المظلومية هي الغطاء لنظم مستبدة ناهبة أصولية (كما في إيران والعراق). ولا يتعلق الأمر بمظلومية طائفة، بل بظلم شعب من خلال نهبه وقمعه، وما يتكرر في سورية يهدف إلى ذلك، حيث تسعى فئات، باسم المظلومية، إلى السيطرة على السلطة، وممارسة ممارساتها.
لنعد، إذن، إلى الشعار الذي رفعه الشباب: “لا سلفية ولا إخوان، الثورة ثورة شبّان”. شبان معطلون، مفقرون، مهمشون، ومقموعون. هؤلاء هم من صنع الثورة.

المصدر: العربي الجديد