Monthly Archives: أبريل 2012

سلامة كيلة.. الماركسي الإنسان

عائداً من مصر التي شارك ثوارها ميدان تحريرهم من الديكتاتورية، كان سلامة كيلة واثقاً بأن حراكاً وثورة مماثلين لا بد وأن تشهدهما سورية قريباً! وطبيعي أن تسأل نفسك وأنت تستحضر تاريخاً من القهر والإخضاع اللذين دمرا المجتمع وإنسانيته: ما الذي يعرفه هذا الماركسي السوري-الفلسطيني-الأردني فيمنحه كل هذه الثقة؟ أو لربما، ما الذي لا يعرفه فيجعله يعيش وهم التفاؤل؟!

حين تندلع ثورة الكرامة، وينقلب “رفاق” كثر على مبادئهم المعلنة حتى أيام؛ يغدو الجواب الأول عن سر تلك الثقة أن كيلة كان مطلعاً على المؤامرة الإمبريالية الكونية التي تم إعدادها لنظام “الممانعة والمقاومة!”، بل كان أكثر من ذلك، متورطاً فيها تخطيطاً وتنفيذاً طالما أن الثورة السورية كانت لديه أملاً مبكراً لم يتوان عن الدفاع عنه منذ اليوم الأول لتحققه وحتى اعتقاله يوم الثلاثاء الماضي!

لكن هذا الجواب يفرض سؤالاً آخر: هل كان كيلة إسلامياً مندساً، أو عميلاً أميركياً-صهيونياً لسنوات وسنوات بين صفوف اليسار؟ وإلا، بدون صفة الخيانة هذه، كيف يمكن لماركسي-يساري المشاركة مبكراً جداً في مؤامرة يؤكد القائلون بها إنها إسلامية-أميركية؟! أما إن لم يكن مندساً أو عميلاً، فلربما يستطيع “الرفاق” استجداء النظام السوري إخراجهم من “مأزق اعتقال كيلة” بدعوى أن السرطان اللعين الذي ينهش جسده منذ سنوات قد نال من رجاحة عقله، ونال من “ممانعته ومقاومته”. لكن دقائق قليلة جداً مع الرفيق الصلب، شديد حضور الذهن، تكفي تماماً للتشكيك في كل تقارير الأطباء، وإلا فالتشكيك في فتك كل أمراض السرطان.

سلامة كيلة، كان وما يزال ماركسياً وفياً، عروبي الهوى والانتماء. أما تنبؤه بالقادم المأمول فلم يكن أبداً بسبب معرفته عن “المؤامرة الكونية” وتورطه فيها، بل هو بسبب معرفته بحقائق الدمار والخراب الذي ألحقه الاستبداد بسورية الوطن لأجل سورية النظام. وإذ هو بهذه المعرفة لا يختلف أبداً عن كثير من “رفاق المؤامرة” الذين يعلنون تأييدهم للنظام في مواجهة إنسانية الشعب السوري استناداً لذرائع خرافية ساذجة، إلا أن كيلة اختلف عن هؤلاء “الرفاق” بانحيازه لإنسانيته، وبما يؤكد أنه لأجلها وحدها، ووحدها فقط، اعتنق الماركسية. وهذه الإنسانية هي وحدها أيضاً التي جعلت كيلة ثابتاً على مواقفه واثقاً بها بين جمهرة الرفاق المرتعدين المرعوبين من انتصار الإسلاميين في مرحلة ما بعد الثورة التونسية والمصرية. ببساطة، يظل لدى كيلة أن “الإنسان العربي أولاً”.

سلامة كيلة، ورفاق مبدئيته الحقيقيون، يرد اليوم الاعتبار والألق للفكر الماركسي والانتماء العروبي الإنسانيين. وهو بذلك، في المقابل، يعري صدق مبادئ وانتماء كثير من الرفاق الذين ضحوا بالإنسانية على مدى عقود لأجل أنظمة استبدادية، كاشفا عن المؤامرة الحقيقية والمتورطين فيها.. ضد الشعوب.

المصدر: جريدة الغد

Advertisements

عن «الإرهابي» سلامة كيلة

بدر الإبراهيم

النظام السوري يقاتل الإرهابيين.
هكذا تقول الدعاية الرسمية للنظام، ثم يزفّ لنا السيد بشار الجعفري من نيويورك خبراً ساراً: أطلقنا عشرة آلاف معتقل ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء!

إذا كان النظام يقاتل الإرهابين، فماذا يفعل الآلاف من غير الإرهابيين في سجونه؟! هذا جزء بسيط من حكاية خطاب إعلامي لا يجيد سوى كذب الهواة المُضحك.

يفجّر اعتقال سلامة كيلة قنبلة في وجه كل من كرر على الناس الحديث عن بدء عجلة الإصلاحات بالدوران في سوريا.
الإصلاح كذبة أخرى لم يصدقها إلا من أراد العيش خارج الواقع. مثقف يساري عروبي أصيل يعود إلى السجون السورية بعد أن سُجن سابقاً لثمانية أعوام. هكذا يعامل النظام المثقفين الأحرار المستقلين. لا يرغب بسماع أصواتهم، ويودعهم السجون مراتٍ لعلهم يصمتون.

يخالف سلامة كيلة نوعية المثقفين «القوميين الممانعين» الذين تصدّرهم لنا الآلة الإعلامية السورية، ووسائل الإعلام الحليفة لها؛ فهؤلاء يتمثل دورهم «القومي» في تمجيد الأشخاص وتنصيبهم حراساً للفكرة القومية ومخلصين لشعوبهم دون غيرهم، في ما يشبه الاصطفاء الإلهي. ويقدمون مع هذا الأمر خطاباً يزاوج بين التخوين والعنصرية: «الأعراب المتخلفون أذناب الصهيونية».

يصدر هذا الخطاب العنصري الفوقي باسم العروبة من دون حياء أو خجل، ترافقه حملة تخوين لكل المثقفين العروبيين الذين لا يرتضون المشاركة في حفلة ردح عنصرية باسم الممانعة.

تميّز طرح سلامة كيلة بالوضوح والانسجام مع الذات والفكر اليساري، وسط تيه اليساريين بأحزابهم ومثقفيهم وبعض
جمهورهم.

هو اليسار الذي وجد نفسه في موقع أقرب للنظام من الفقراء المنتفضين في أرياف سوريا، والذي أصدر بياناً باهتاً عن اعتقال مثقف يساري بارز كسلامة كيلة، وما عاد قادراً على اتخاذ الموقف الصحيح في معارك الشعوب من أجل الحرية والكرامة.
هذا اليسار في حالة تخبط منذ سنوات كرّسها موقفه اليوم، ومعه يتخبط المقاومون وينحازون إلى حساباتهم السياسية الضيقة، ويراكمون الخسائر الأخلاقية والسياسية.

«من واجب المثقف أن يكون معكراً لصفو السلطة». هكذا يقرر المفكر الراحل إدوارد سعيد، وهو ما تبناه سلامة كيلة بامتياز، فقرر ألا يكون مثقفاً «نفطياً» مسترزقاً، ولا أن يدخل في حاشية سلطة الممانعة، فيبرر الاستبداد بشعارات المقاومة.
قرر سلامة أن يكون نقدياً بما تحمله الكلمة من معنى شامل لا تفقده الحسابات السياسية والأيديولوجية صدقيته.
سلامة كيلة فلسطيني احترم فلسطين، ولم يقبل استخدامها بندقية تُصوَّب ضد مطالب الناس، وهذا بالتحديد ما يزعج الآلة الإعلامية المدافعة عن الاستبداد: المبدئيون الذين يفضحون زيف توظيف الشعارات والعناوين المتعلقة بفلسطين والمقاومة في معركةٍ ضد مطالب شعبية عادلة.

هؤلاء «الإرهابيون» الذين يمثلون خطورة كبيرة على الدعاية الإعلامية «المُمانِعة»، مثل سلامة كيلة، لا حل معهم سوى الحبس، واتهامهم بـ«إضعاف الشعور القومي»، و«توهين الأمة».
هي مشكلة بالفعل: في العالم العربي هناك من لا يزال يعتقد بقدرة السجن والمنع على قطع وصول الأفكار وتحقيق انتصارات إعلامية. الأدوات القديمة غير فاعلة في مشهد جديد ومختلف كلياً، وهذا بالضبط ما يجعل المأزق في سوريا متفاقماً، رغم ادعاءات مثقفي الآلة الإعلامية الرسمية أنّ الأزمة «خِلْصِت».

بعد الربيع العربي، سقط عدد من المثقفين المعروفين لأسباب مختلفة. منهم من انحاز إلى أنظمة استبدادية في وجه إرادة الشعوب، ومنهم من تناقض موقفه بين ثورة وأخرى بدوافع سياسية أو أيديولوجية، ومنهم من اختار المعارضة لينقلب على مبادئه وأفكاره ويسلم نفسه للغرب ليتحكم بحركته، بعد أن كان في أطروحاته يرفض مركزية الغرب وتدخلاته. سلامة كيلة أحد الناجين من السقوط الثقافي هذا، ومهما كان الاختلاف مع إحالته الانتفاضة في سوريا إلى أسباب اقتصادية/اجتماعية، واستخدام الأدوات الماركسية لبناء مشهد صراع طبقي هناك، فإنّ الرجل كان منسجماً مع نفسه، ومتصالحاً مع مطالب الناس، والأهم متصالحاً مع إنسانيته.

لا يعني اعتقال مثقف أكثر من تعريف الناس بأفكاره التي تتحرر أكثر وتنطلق لتحاصر السجّان.
الحرية لسلامة كيلة ولمن طالب بحريتهم.

المصدر: الأخبار

دمشق بين الجبهتين الداخلية والخارجية

أعلن «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية»، على لسان مديره أنور البني صباح أمس، اعتقال الكاتب سلامة كيلة فجر الثلاثاء في دمشق من قبل «عناصر من أحد الأجهزة الأمنية السورية لم تعرف هويتهم». كتحية تضامن مع زميلنا الذي ألف السجون السورية طويلاً، ننشر آخر ما أرسله لصفحة رأي في «الأخبار»

سلامة كيلة

بعد أكثر من عام على بدء الثورة، يمكن طرح السؤال: إلى أين وصل الوضع السوري؟ فقد حاولت السلطة أن تشيّع بأنّها حسمت الأمر، رغم أنّها زادت من عنفها من خلال التدمير الممنهج لبعض المدن، وتوسيع القصف ليطاول كل المناطق التي تشهد حراكاً كبيراً، ووسعت من حملات الاعتقال. وظهر بأنّها تخوض حرباً شاملة على كل رقعة سورية، وهو الأمر الذي يوضح أنّها لا تزال غير قادرة على وقف الثورة. وظهر في الفترة الأخيرة أنّها محمولة على «الحليف الخارجي»، أي روسيا والصين وإيران، أكثر مما هي محمولة على قوتها الداخلية. لهذا يتضح الآن أنّ المسألة تتعلق بالمصير الذي سوف تؤول إليه هذه السلطة أكثر مما يتعلق بوضع الثورة الذي يتضح كل يوم أنّها مستمرة. فقد باتت تشمل كل مناطق سوريا تقريباً، وصار واضحاً أنّ حلب ودمشق أصبحتا مشاركتين بقوة، وهما المدينتان اللتان كانتا المثال لوقوف جزء كبير من الشعب مع السلطة. هناك بعض المناطق التي لم تشارك بعد نتيجة الخوف والتخويف الطائفي الذي مارسته السلطة، وأكثر الخوف هو من النظام البديل انطلاقاً من التخوّف العام من وصول «الإسلاميين» إلى السلطة. لكن هذا الأمر سيختلف في الفترة المقبلة نتيجة الأفق الذي بدأ يتّضح للثورة ذاتها.
وهذا الوضع هو الذي فرض على السلطة الانتقال داخلياً إلى خوض الحرب الشاملة، وخارجياً الاتكاء على «الحلفاء الروس».
داخلياً، لن تفيد الحرب في هزيمة الثورة. يمكن أن تضعف الميل العسكري إليها نتيجة عدم التكافؤ، لكنّها لن تستطيع وقف الحراك الشعبي الذي بدأ وليس من الواضح بأنّه يتراجع، رغم كلّ العنف الممارس، وكلّ الدموية التي يواجَه بها المنتفضون. ولا شك في أنّ إبقاءه في «مستوى منخفض» يحتاج إلى استنفار كل أجهزة السلطة القمعية، والاستعانة بآخرين من هنا وهناك. وهو الأمر الذي يستهلك السلطة ويهلك الدولة نتيجة «العجز عن التمويل» الطويل الأمد، وانهيار «الروح المعنوية»، وتفكك القوى التي تُدفع إلى الحرب. ولكن أيضاً العجز عن استمرار توفير «الحماية الدولية» للسلطة من قبل الروس.
وهذا الوضع يفرض أحد أمرين، إما تراجع قدرة الاستنفار وتراخي الأجهزة القمعية، وهو الأمر الذي يقود إلى تصاعد الانتفاضة و«احتلال الساحات» كما يحلم المنتفضون، وبالتالي سقوط السلطة، أو تفكك داخلي كبير يطيح السلطة بشكل أو بآخر، لكي يُفرض حل يوقف القتل ويحقق بعض مطالب الشعب المنتفض.
خارجياً، لن يستطيع الروس حماية السلطة إلى ما لا نهاية، وخصوصاً وهم يرون عجزها عن الحسم وضعفها الداخلي. وإذا كان دورهم مهماً في دعم السلطة، لا سياسياً فقط بل أكثر من ذلك (وهم يتحملون جنائياً ما يحدث من قتل وتدمير)، فإنّ وضعهم العالمي سوف يكون مرتبكاً أكثر، إذ يخسرون «النقلة» التي قاموا بها (مع الصين) حينما حاولوا «وقف العربدة الأميركية» في مجلس الأمن، وعملوا على فرض إيقاع «نظام عالمي جديد». فالولايات المتحدة (التي لا تريد إسقاط النظام، الآن على الأقل) تعمل في إطار سياسة إنهاك الروس في مشكلة عويصة (ربما تكون شبيهة بما جرى للاتحاد السوفياتي في أفغانستان، من دون أن يعني ذلك التدخل العسكري الروسي كما حدث هناك)، تغذيها الدموية التي تمارسها السلطة، والتي تُظهر الروس كمدافعين عن «همجية» لا مثيل لها. إذاً، أميركا (والدولة الصهيونية كذلك) لا تريد نهاية قريبة للصراع في سوريا، وليست معنية بانتصار الثورة، ربما على العكس، تريد تكريسها بعد أن تُنهك، وتحكم قبضتها عليها (ورجال الأعمال الجدد الحاكمون يريدون اللحاق بها منذ زمن). وربما تعتقد بأنّها تستطيع ذلك من خلال إنهاك الروس من خلال عجزهم عن إيجاد حل، والدفاع المستمر عن السلطة. والروس من خلال تمسكهم بالسلطة ودفاعهم المستميت عنها يخسرون كل ما حاولوا تحقيقه على صعيد عالمي. كل ذلك دون أن يربحوا سوريا. وروسيا بذلك توضح أنها أصبحت إمبريالية، لكن من دون أن تستطيع ممارسة الإمبريالية على نحو صحيح، يفضي إلى خدمة مصالح رأسماليتها. ربما ذلك نتيجة سيطرة رأسمالية مافيويّة فيها. لهذا فهي إلى الآن تبرز كإمبريالية غبية. طبعاً، حتى فيما إذا تراجع الروس عن الفيتو في مجلس الأمن، ليس هناك ميل إلى التدخل العسكري في سوريا، بل إنّ الدول الإمبريالية تميل إلى تأزيم الوضع وتخثره كما أشرنا قبلاً. ولذلك سيبدو أثر الموقف الروسي في «شد» بنية السلطة أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما يسمح فقط في إطالة أمد الصراع من دون أن يفضي إلى سقوط السلطة. هل سيتغيّر الموقف الروسي؟ بالتأكيد، وربما بدأ. لكن يجب ملاحظة أنّ دورهم سيكون أضعف، وإذا كانوا قد طرحوا حلّاً يشبه الحلّ اليمني عبر تسليم السلطة لنائب الرئيس وتشكيل حكومة «وحدة وطنية» (أو مجلس انتقالي) لقيادة مرحلة انتقالية، وهو الحل الذي رُفض من قبل السلطة، فإنّ العزف على مستوى أدنى للحل، أو حتى الحفاظ عليه لم يعد ممكناً بعد تصعيد القتل والاجتياح العسكري من قبل السلطة، وتصاعد العنف بشكل لا سابق له. فلا الحل دون الرحيل ممكن، ولا تلفيق «وحدة وطنية» يمكن أن يسهم في الوصول إليه. فقد تجاوز الصراع كل الحلول الشكلية التي يطرحونها وبات يحتاج إلى حل حقيقي. وأول مسألة هي التخلي عن «حمل» السلطة وحمايتها كيفما كان، وهذا ممكن، دون الخوف من تدخل «غربي» ليس قائماً، أو التهويل من ذلك لتبرير سياسة هي ضد الشعب السوري. لقد عجزت السلطة عن الحسم بأقصى درجات العنف، واستهلكت خلال ذلك بنيتها وتماسكها، وباتت تتداعى. ولن ينقذها «الحليف الدولي»، لا روسيا ولا الصين ولا إيران أو حزب الله. إنّ فعل سنة وشهر من الثورة يتضح اليوم في ما آلت إليه السلطة من عزلة وعجز وضعف. فحين يصمم الشعب على التغيير، لا أحد يمكن أن يوقف ثورته إلا تحقيق التغيير. هذه بديهية تعلمناها من التاريخ، وهي ماثلة أمام أعيننا اليوم، حين تدمّر القذائف والصواريخ (التي لم تطلق على الدولة الصهيونية) أحياء ومدناً. سنة 2011 هي ليست سنة 1980، والخطة التي نجحت آنذاك هي فاشلة اليوم، إذ إن فئة صغيرة طائفية ليست هي التي تخوض الصراع، بل الشعب.

المصدر: الأخبار

أزمة الثورات العربيـة

كان الأمل كبيرا بتحقيق التغيير بعد اندلاع الثورات فى أكثر من بلد عربى، لكن يبدو الوضع الآن وكأن شيئا لم يحدث، وأن دم الشهداء قد ذهب دون نتيجة. فقد جاءت نتائج الانتخابات التى جرى الترتيب لها على عجل بقوى كانت هامشية فى الثورات أو لم تشارك جديا فيها، التى ظهر أنها لا تحمل حلولا لمشكلات الشعب الذى قامت الثورات على أكتافه.

إذن، الشعب يثور لكى يطالب بالعمل والأجر الذى يجعله قادرا على العيش، وبتحسين الظروف العامة، وتحقيق الديمقراطية الحقيقية وبناء الدولة المدنية، ويصل إلى الحكم قوى ليست فى وارد كل ذلك. هذه هى الأزمة التى تعيشها الثورات، والتى تؤسس لحالة يأس لدى قطاعات اعتقدت بأنها قد فتحت أفق مرحلة جديدة.

هل الثورات فى أزمة؟ أم أنها ليست ثورات بالأصل، بل حراك استفادت منه بعض القوى لتعزيز مواقعها؟

●●●

لا شك فى أن وصول قوى إلى السلطة عبر الانتخابات لا تختلف فى توجهاتها عن النظام السابق هو الوضع الذى تشكل قبيل الثورات من زاوية وضع الأحزاب المعارضة بالتحديد. فقد كانت الأحزاب التى تصدرت المشهد العالمى، والعربى، فى صيرورة انهيار بعد أن استنفدت «شعبيتها» على ضوء نتائج التجارب التى خاضتها. فاليسار بعمومية أحزابه كان ينهار عالميا (التجارب الاشتراكية)، ويكاد يتلاشى عربيا نتيجة انهيار تجارب الأحزاب القومية، وعجز أطياف اليسار عن أن تنفك عن الاتحاد السوفييتى من جهة، والنظم القومية من جهة أخرى. وبالتالى نهضت الثورات واليسار فى اضمحلال (مع استثناءات محدودة)، ويميل طيف كبير منه نحو اللبرلة التى هى أصلا فى أساس التهميش والإفقار الذى بات يلف الشعب.

فى المقابل، كانت تبدو القوى الإسلامية كقوى ناهضة تقاوم الإمبريالية، وتعارض النظم، وتقول بأنها البديل. لكنها فى الواقع كانت فى تعارض مع الإمبريالية نتيجة السياسة الإمبريالية ذاتها التى قامت منذ الحادى عشر من سبتمبر بـ«اختراع عدو»، هو «الإسلام». كما كانت فى تعارض مع النظم نتيجة الخلاف والصراع حول المصالح والسيطرة والدور أكثر من أى شىء آخر. وبالتالى فإن رؤيتها وبرنامجها لا يتعلقان بمشكلات المجتمع الاقتصادية والمعيشية، ولا يتوافقان مع تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، حيث إن الحكم هو لله، وهم من ينفذه عبر تفسيره الخاص للشريعة.

المشكلة الأولى التى ظهرت هى أن الشعب الثائر قبل بأول مناورة قامت بها الطبقة الرأسمالية المسيطرة، فاعتقد بأن رحيل الرئيس هو رحيل للنظام بمجمله، وأن الجيش كما رُسم فى المخيلة العربية بعد انقلابات الخمسينيات هو الذى سيحقق مطالب الشعب. وإلى أن أفاق من هذا الوهم كانت المرحلة الانتقالية قد رُتبت بين هؤلاء والإسلاميين انطلاقا من توسيع محدود للديمقراطية يتمثل فى «تحسين وضع الانتخابات» بهدف إدخال هؤلاء فى السلطة، والحفاظ على النمط الاقتصادى مع توفير ظروف أفضل للفئات الطبقية التى تعبّر عنها القوى الإسلامية. والتوافق على تقاسم السلطة فى شكل يسمح بالقول إن ثورة الشعب قد أوصلت المعارضة إلى السلطة، وأن هذه باتت هى السلطة.

بالتالى يمكن القول بأن الشعب الذى صنع الثورات لم يحمل إلى السلطة القوى التى تحمل مطالبه لكى تجرى التغيير الضرورى فى النمط الاقتصادى وبنية الدولة الذى يحقق هذه المطالب. والسبب فى ذلك هو الانهيار الذى أصاب تلك القوى فى السنوات الماضية، فشلها وميل جزء كبير منها إلى اللبرلة التى تجعله غير معنى بتلك المطالب. لهذا بدأت الثورات عفوية، وظلت عفوية، رغم دور بعض الشباب تحديدا فى تنظيم الحراك دون رؤية استراتيجية واضحة، ومع تشوش فى الأهداف. وهو الأمر الذى أفضى إلى «عدم الانتباه» إلى لعبة العسكر، أو لعبة الرأسمالية المافياوية المسيطرة.

لكن السؤال الأهم هنا هو: هل هذا التحول الشكلى سوف يوقف الحراك الشعبى؟

إلى الآن، لا يبدو ذلك ممكنا، حيث يستمر الحراك فى تونس ومصر والمغرب واليمن، بالضبط لأن مطالب الشعب لم تتحقق، وإذا كانت الانتخابات قد أوهمت فئات بأن الإسلاميين يحملون حلولا لمشاكلهم فإن الأمر سينقلب قريبا بعد أن يتوضح أنها عاجزة عن ذلك، أو أنها تتمسك بالأساس الذى قامت عليه النظم التى قامت الثورات ضدها. وبهذا سوف يتوسع الحراك ويستمر، وسوف النظم ذاتها ضعيفة نتيجة العجز عن الحكم.

●●●

ما ينقص، كان ومازال، هو القوى التى تحمل مطالب الشعب، وتعمل على أن تفرض سلطة الشعب من أجل تحقيقها. والأزمة فى الثورات هى هنا بالتحديد. الشعب سوف يقاتل إلى أن يفرض بديله، لكنه يحتاج إلى القوى التى تنظم وتوضح وتقود الصراع. وإذا كانت القوى القديمة عاجزة فإن الشباب هم من سيفتح على فعل سياسى جديد، نابع من الشعب، ومعبر عن مطالبه. بالتالى يمكن القول بأن المرحلة الأولى من الثورات قد أضعفت النظم، وكشفت عجز المعارضة، لكنها فتحت الباب واسعا على أن ينتظم الشعب فى سياق يفرض تحقيق التغيير الجذرى.

المسألة هنا تتمثل فى أن الشعب لم يعد يمتلك ترف التراجع عن الثورة، وأنه بالتالى لن يعود إلى السكينة الطويلة التى ظل فيها سابقا، لهذا نقول بأن الثورة قد بدأت للتو.

المصدر: الشروق

هل تُسقط الانتفاضات العربية النخب الرثة أيضاً؟

من المنظور المنطقي، كان تغليب «الاستراتيجي» على الواقعي جزءاً من إشكالية فهم الوضع السوري تعيشها النخب الماركسية، وهو المنظور الذي يمكن أن نسميه مع ياسين الحافظ المنظور السياسوي، إذ ظهر أنّ «التموضعات العالمية» هي التي حكمت النظر إلى ما يجري في سوريا، وكان وجودها في موقع مختلف مع الدول الإمبريالية «القديمة»، وفي علاقات حسنة أو تحالف مع قوى تتصارع مع هذه الإمبريالية، هو الذي يقود إلى استنتاج سريع بأنّ ما يجري هو «مؤامرة إمبريالية».

ولا شك في أنّ الإمبريالية الأميركية عملت منذ ما بعد احتلال العراق على تغيير السلطة في سوريا من منظور المشروع الهادف إلى السيطرة على المنطقة، والذي سمّي مشروع الشرق الأوسط الموسّع. وبالتالي، من المنظور السياسي كان واضحاً أنّ الميل الإمبريالي الأميركي للسيطرة على العالم، استهدف وضع السلطة السورية. ولقد جاء اغتيال رفيق الحريري في سياق الضغط من أجل تغيير تلك السلطة. هذه حقائق لا بد من أن تكون واضحة، وهي تشير إلى أنّ وضع النظام السوري لم يكن قد تكيّف مع العولمة الإمبريالية وخضع لسيطرتها وفق الأسس التي تبلورت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والقائمة على تشكيل نظم «طوائفية»، كما جرى في العراق.

وإذا كانت السلطة قد سهّلت لسيطرة «رجال الأعمال الجدد» (ناهبي القطاع العام قبلاً)، وسمحت بسيطرة اللبرلة وفق الوضع الاقتصادي الذي تفرضه مؤسسات العولمة (صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والشراكة الأوروبية)، وفي مصلحة أقلية عائلية خصوصاً، فإنّ تجاهل «الأزمة المالية العالمية» في 2008 (التي هي أزمة الرأسمالية ذاتها) سوف يبقي التحليل ذاته قائماً، ويفضي إلى الإكثار من الحديث عن الإمبريالية وعن المؤامرة، ويقود «حتماً» إلى اعتبار أنّ كل ما يجري في سوريا هو «مؤامرة إمبريالية». المقاربة السياسية لم تسمح بفهم عمق الأزمة هذه، ولا تشكك في أنّ وضعاً عالمياً جديداً يتشكل. ذلك رغم أنّ البعض ضخّم من الانهيار الأميركي وانتصار الممانعة، لكنّه الآن نسي كلّ تحليله المضخّم. وبالتالي ما يجب فهمه هو طبيعة الوضع العالمي الآن، وهل أنّ السياسات الإمبريالية لا تزال كما كانت قبل 2008 أم تغيرّت؟

لقد جرى التركيز بعد 2007 على «هزيمة أميركا في العراق»، حينما قررت الولايات المتحدة توقيع اتفاق «الانسحاب» منه، وعلى تحوّل ميزان القوى الإقليمي لمصلحة قوى الممانعة بعد هزيمة الدولة الصهيونية في لبنان في تموز 2006. لكن حين مسّت الانتفاضات سوريا، جرى التعاطي وكأنّ الوضع هو كما كان منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991. وبالتالي عاد الجميع إلى تذكّر «مشروع الشرق الأوسط الجديد»، والتعاطي وكأنّ أميركا لا تزال في «عز» قوتها، وأنّ الوضع العالمي لا يزال خاضعاً لسطوتها. ورغم التهويل اليوم من دور روسيا، لا ينظر إليها كإمبريالية بل كحليف كما في زمن الاتحاد السوفياتي، رغم أنّها هي الآن إمبريالية. وهذا أحد المتحوّلات التي حدثت بعد أزمة 2008. فقد أدت الأزمة إلى تضعضع وضع أميركا الاقتصادي، وخطر انهيارها بعد انفجار فقاعة الرهن العقاري في 15 أيلول/ سبتمبر 2008. وأفضى حلّ أزمة الديون التي تراكمت لمصلحة البنوك التي باتت مهددة بالانهيار، إلى تراكم مديونية الدولة الأميركية، ووصولها إلى مرحلة الخوف من انهيار الدولة. ولحقت أوروبا بأميركا، من خلال أزمة بنوكها التي فرضت على الدول سداد الديون، ما راكم مديونية هائلة على الدول. ولهذا سارت الدول في سياق خطط تقشفية شديدة التأثير على الشعوب. فبات العالم دون قوة مسيطرة، كما حدث بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهر أنّه يتشقق إلى محاور، ويؤسس لـ«تعددية
قطبية».

ورغم استمرار إدارة باراك أوباما في هجومها سنتي 2009 و2010، فقد ظهر أنّها لم تعد قادرة على ذلك بعدما تراكمت المديونية على الدولة بما جعلها أكثر من الدخل القومي. كما أفضت الأزمة إلى تلمس الولايات المتحدة بأنّ «الحل السحري» لمشكلاتها، القائم على الحروب، لم يعد مجدياً، لأنّ الأزمة ذاتها ليست أزمة تقليدية، كانت الحرب هي الوسيلة المثلى للخروج منها. بل هي أزمة نتجت من هيمنة المال على الرأسمال الذي ظهر عبر الدور الحاسم للمضاربات المالية (في أسواق الأسهم، وعلى السلع الغذائية والنفط وغيرها) وسيطرة التوظيف في المشتقات المالية، وهو الوضع الذي جعل الرأسمالية في وضع انحداري بالضرورة.

انعكس ذلك في تغيير الاستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة، بالتراجع عن عنجهية خوض حربين كبيرتين وحروب صغيرة عديدة في الآن ذاته (استراتيجية رامسفيلد وزير الدفاع في عهد بوش الابن)، والتأكيد على خوض حرب واحدة فقط، ومن ثم تركيزها على منطقة الهادئ، وحصر سيطرتها على الشرق الأوسط بالدور الخاص بالطيران، وتمركز قوات في بعض البلدان الخليجية. وتم تقليص عدد القوات وتقليص ميزانية الدفاع. ولا شك في أنّ الخوف من انفجار «فقاعة جديدة» يسيطر على كل الساسة والاستراتيجيين في أميركا. فالأزمة الاقتصادية لم تعد تحل بالحرب، واقتصاد أميركا أصبح عبئاً على الرأسمالية نتيجة تمركز الكتل المالية الناشطة في المضاربات فيها، وتراجع وضعها الصناعي إلى حد كبير، واعتمادها أكثر فأكثر على الاستيراد، وطباعة كتل ضخمة من الدولارات أكثر مما بات يحتمل العالم. ورغم أنّ روسيا تأثرت بالأزمة المالية، إلا أنّها لم تصبح ضحيتها كما هو الوضع في أميركا وأوروبا. واستفادت الصين من الأزمة في مدّ سيطرتها إلى أوروبا ومناطق أخرى. وأخذت بعض البلدان التي كانت قد حققت بعض التقدم سابقاً، مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا (وحتى تركيا) تتجه إلى أن تفرض قوتها في العلاقات الدولية، ويصبح كلّ منها قطباً جديداً.

في ظل تلك التمحورات، ومحاولات التموضع العالمي، أتت الانتفاضات العربية. أميركا سارعت إلى احتوائها بعد لحظات الرعب التي عاشتها، وكان ذلك سهلاً عليها في كل من تونس ومصر، حيث كانت قيادات الجيش على «علاقات وثيقة» مع الإدارة الأميركية. لعبت في ليبيا واليمن لإطالة أمد الصراع والإفادة منه في تفكيك البنى المجتمعية لإضعاف الدول والسيطرة على مسارها. لكن حين وصل الأمر إلى سوريا، كانت التحوّلات العالمية أصعب من أن يكون لها تأثير فيها. فقد كان وضع أميركا الاقتصادي أصعب، إذ لم يجر تجاوز الأزمة بعد سنتين ونصف من نشوبها، وكانت روسيا قد بدأت سياسة هجومية بعدما «لعب عليها الغرب» في المسألة الليبية. هذا الوضع غيّر من كل السياسات، وبالتالي لم يعد «مشروع الشرق الأوسط الجديد» مطروحاً، أو قابلاً للتطبيق. وأصبحت كل ممكنات التدخل أو الحرب أو السعي لتغيير السلطة مستحيلة. وإذا كان لم يعد ممكناً تحقيق انقلاب داخلي (بعد فشل محاولة غازي كنعان/ عبد الحليم خدام)، فإنّ البديل هو التدخل العسكري، وهذا أصعب، ليس فقط لأنّ أميركا تنسحب، بل لأنّ أي تدخل هنا يعني التحوّل إلى حرب إقليمية ليس من قدرة عليها، وخصوصاً حين تكون مدعومة من روسيا، التي فرضت أن تكون سوريا حصتها في إطار السعي الجديد لتحقيق تقاسم العالم.

لذلك، لا يكفّ مسؤولو البلدان الإمبريالية عن التأكيد على أنّ خيار التدخل غير مطروح على الإطلاق. ولأنّ الوضع كذلك، ظلت الولايات المتحدة تماطل في الموقف من السلطة السورية لأشهر عديدة. وسمحت للحكومة العراقية بأن تدعم هذه السلطة، رغم أنّ العراق هو تحت الاحتلال (كان ولا يزال). وبالتالي، فإن كل مقاربة لا تتوقف عند كل هذه المتغيّرات لن تكون جديرة بفهم ما يجري، لا في سوريا ولا في كل الوطن العربي. ولن يفيد في ذلك التكرار الممل لكلمة الإمبريالية، أو الترداد الببغاوي لمصطلح المؤامرة. فالإمبريالية تتموضع في بنية المجتمع من خلال النمط الاقتصادي الذي يطابق مصالحها، وهذا ما تحقق في سوريا، لكن هذه المرة بدعم الرأسمال الخليجي والتركي والإمبريالية الروسية. بينما لا بد من أن نتخلص من كل إمبريالية، وخصوصاً أنّ التدخل الإمبريالي بات يتحدد في الدور الذي تقوم به روسيا لدعم السلطة، وتبرير كل جرائمها. لقد انتهى عصر التفرّد الأميركي، وبات النظام الرأسمالي ضعيفاً ويعاني من غياب المركز المسيطر، وبالتالي أخذت الرأسماليات في إعادة موضعة ذاتها بما يجعلها قوة أساسية في عالم ينحو نحو التعددية القطبية، رغم أنّه يظهر الآن منقسماً إلى قطبين: أميركا/ أوروبا من جهة، وروسيا/ الصين من جهة أخرى. ومع نهاية التفرّد الأميركي، انتهى «مشروع الشرق الأوسط الجديد»، وأصبح صعباً على الرأسماليات القديمة التأثير الجدي في المسار الذي سيسير فيه الوطن العربي. في هذا الوضع، هل من إمكانية لتدخل عسكري، أو دعم عسكري للمعارضة؟

هذا هو طريق المؤامرة الممكن، وهو طريق التدخل في الشأن السوري. وهي الحجج التي تساق لاعتبار أنّ ما يجري في سوريا هو «مؤامرة إمبريالية». أما أن الإمبريالية تتخذ مواقف مما يجري فهذا أمر «عادي»، وتحاول الضغط أو التأثير في الأحداث فهو كذلك أمر «طبيعي». إلا إذا اعتبرنا أنّ على الإمبريالية أن تصمت. رغم ذلك أشرنا إلى التردد الأميركي من اتخاذ موقف واضح من رحيل السلطة إلى فترة قريبة، وميوعة موقفها مما يجري. ولا شك في أنّ وضعها العالمي في جذر هذا الموقف، فهي غير قادرة على التدخل العسكري (ربما لو نشأ الوضع الراهن سنة 2005 أو 2006 كان يمكن أن تتدخل قوة)، وخصوصاً أنّ التدخل في سوريا يمكن أن يفضي إلى صراع إقليمي يحتاج إلى أكثر من تدخل محدود، بل إلى حرب كبيرة، وهذا ما لا تستطيعه أميركا ولا الحلف الأطلسي. أما التسليح فلن يكون أكثر من دعم هامشي إذا قررت، لأنّه يحتاج إلى منطلق هو غير موجود، لا في تركيا ولا في الأردن ولا في العراق ولبنان. لأنّ كل دعم من خلال أي منها يمكن أن يؤدي إلى حرب، وهو ما لا يبدو ممكناً.

هل نعتمد التصريحات التي تصدر من مسؤولي هذه الدول أو نلمس الواقع ونتلمس الوقائع؟

كل الذين ينطلقون من «نظرية المؤامرة» يعتمدون بعض التصريحات التي تطلقها المعارضة السورية أو بعض التسريبات دون لمس الواقع وممكنات أي دور عملي. تلك مشكلة مزمنة لدى «النخب»، لكنّها تتكرر بشكل كاريكاتوري في الوضع السوري. فالموقف يُبنى على التصريحات والتسريبات والتخمينات والنيات، لا على دراسة الوقائع، وفهم ممكنات الواقع، ويؤخذ من كلّ ذلك ما يناسب تحليلاً مجهّزاً مسبقاً. لهذا، بدت المواقف كأنّها خارج سياق الواقع، وفي تناقض معه، وصل إلى حد المهزلة. فالوضع الدولي لا يشير إلى أي إمكانية لتدخل عسكري أو حتى تسليح المعارضة، و«النخب» تنطلق من أنّ التدخل العسكري قائم، والتسليح في أعلى مراحله. ويجري السكوت عن الدموية التي تمارسها السلطة، وتصوّر الانتفاضة كفعل لعصابات مسلحة، استناداً إلى الصورة التي تعممها السلطة ذاتها كونها في الموقع «الممانع». إذاً، المنطق الصوري هو الذي يؤسس لهذه «الجريمة» التي تمارسها بعض النخب، حيث تظل الإمبريالية كشيء جوهري ثابت، ويظل الوضع العالمي منقسماً كما كان، حتى إنّه لا يمكن التفكير بأنّ روسيا تخلت عن أن تكون اشتراكية وأصبحت إمبريالية. لهذا، لا الأزمة الاقتصادية العميقة للإمبريالية أثّرت، ولا جرى الاستنتاج إلى ما يمكن أن توصل إليه. ولا أثّر ذلك، بالتالي، على ميزان القوى العالمي، ومقدرة القوى الإمبريالية فيه. ومن ثم لم يُلحظ التحوّل في الوضع العالمي منذ أيلول/ سبتمبر 2008، حين انفجرت الأزمة المالية للرأسمالية، والتي كانت أعمق من أن تحدَّد بطابعها المالي فقط، بل هي أزمة الإمبريالية وهي «تتعفن» حقيقة. وعلى ضوء ذلك، بدأ انفلات المحاولات لفرض «نظام عالمي» جديد.

هل من رثاثة أكثر من ذلك؟ ربما كانت الانتفاضات العربية ستسقط، لا النظم فقط بل هذه النخب كذلك. وربما كانت هذه النخب قد تلمست أن هذه الانتفاضات هي انتفاضات على منطقها كذلك، لهذا باتت تدافع عن آخر معاقل منطقها القديم. فقد نما الاحتقان في العمق، ومن طبقات انسحقت إلى حدّ «الموت جوعاً»، لم تكن تراها تلك النخب من قبل، لأنّه كان يجب إزاحة أكوام من «الزبالة الذهنية» التي كانت تقف عائقاً أمام رؤية هذا العمق. وهو ما كان مستحيلاً. لهذا، فإنّ هذه الموجة الناهضة من العمق سوف تزيل كل ما فوقها، من فئات مسيطرة، وأفكار، ونخب.

المصدر: الأخبار

السيطرة الكاسحة بصفتها وهماً

شملت موجة الديموقراطية التي انطلقت خصوصاً بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ميل تيارات إسلامية إلى التكيف معها، حيث بدأت في طرح مسألة الديموقراطية، ومال بعضها للحديث عن الدولة المدنية، ومساواة المرأة. في سورية تبنت جماعة الإخوان المسلمين مطالب ربيع دمشق كلها. وفي تونس تبنت أكثر من ذلك ضمن جبهة 18 أكتوبر. وفي مصر أصبحت الجماعة على رأس القوى الديموقراطية.

هذا الأمر أطلق الفرح لدى بعض النخب الليبرالية واليسارية والقومية التي اعتبرت بأن تطوراً مهماً يطاول الإسلام السياسي، وأنه أصبح في صفّ القوى الديموقراطية متجاوزاً «طرحه القديم»، الذي يُعترف بأنه أصولي وماضوي. وأصبحنا نتلقى من هؤلاء تحليلات «عميقة» حول القطيعة التي تحققت، وكيف أن الإسلام السياسي ينتقل إلى الدولة المدنية والحداثة. وبالتالي يجري التشبيه بوضع أوروبا وكيف أن المسيحية تعلمنت، حيث يصبح ذلك جزءاً من «الإصلاح الديني» الذي نقل المجتمع إلى الحداثة.

ولقد دفع ذلك إلى تعزيز العلاقة مع هذه القوى، وحتى التحالف معها، من أجل تحقيق الديموقراطية والدولة المدنية. وإلى قبول صدارتها وقيادتها وحكمها. ومن ثم الترويج ل «صورتها الجديدة»، المدنية والديموقراطية.
الثورات العربية قلبت المعادلات، وكشفت ما هو جوهري في طبيعة هذه القوى. فقد سخرت «العناية الإلهية» الثورات العربية من أجل أن تصل إلى السلطة في بعض البلدان العربية (تونس والمغرب ومصر)، على رغم أنها تعتقد بأن هذه العناية ستحملها إلى السلطة في كل البلدان العربية، وربما الإسلامية. فماذا فعلت؟

تذكروا بأنهم يحققون «رسالة إلهية»، وأن عليهم أن يقيموا الدين، وأن تكون الشريعة هي مصدرهم. وحتى أن يقيموا الخلافة كما لمّح بعضهم (الخلافة السادسة وفق التوانسة، والخلافة الإسلامية وفق المصريين). وأن يعودوا إلى تطبيق «حكم الدين». وأصبحت الديموقراطية تعني انتخاب الغالبية التي تقرر إلغاء الديموقراطية، أو تقزيمها. والدولة المدنية هي «دولة الإسلام»، بديلاً عن الدولة العسكرية. وبالتالي عدنا إلى «السلطة الدينية» التي تحاول أن تفرض ذاتها على المجتمع.

ربما كان كل ذلك مفاجئاً لليبراليين الذين روّجوا ل «تحرر» الإسلاميين، أو سيكون مفاجئاً للذين ما زالوا يروجون لأنهم لم يقعوا تحت محك التجربة الذاتية (في سورية مثلاً)، حيث لا تكفي التجارب الأخرى. لكن كل تحليل منطقي كان يوصل إلى أن الإسلام السياسي لن يخرج من «جلده»، وسيبقى ملتزماً ب «حكم الدين» بصرف النظر عن كل أحاديثه عن الحرية والديموقراطية، التي هو بارع في البراغماتية حين يجد ضرورة إلى ذلك. فما دام ينطلق من النص الديني سيعود إلى الفكرة المفْصل التي تكرست في الإسلام، التي هي أنه «لا اجتهاد بما فيه نص»، ونظام الحكم، والاقتصاد، والمرأة، هذه أمور فيها نص صريح.

هم الآن «أقوياء»، وبالتالي ليسوا في حاجة إلى البراغماتية، بل إلى الوضوح. بهذا أصبحوا واضحين فيما يطرحون، وهو الطرح الأساس في كل دعوتهم منذ البدء. ليظهر بأن كل ما قالوه خلال عقد من الزمن هو خطاب زائف. وأن الإخوان المسلمين لن يصبحوا شيئاً آخر لأن منطقهم يقوم على «الإسلام هو الحل» من خلال «تطبيق الشريعة». هذا هو جوهرهم، المعبّر عن المصالح التي يمثلونها، والتي بات واضحاً – وفق تصريحات الكثير من قادتهم – أنها لا تختلف عن مصالح الفئات التي حكمت قبلهم، ولهذا يؤكدون استمرار النمط الاقتصادي الذي ساد زمن بن علي وحسني مبارك، وهو النمط الذي أفضى أصلاً إلى الثورة.

وهو الأمر الذي سيجعل استمرار الثورة أمراً محتماً، والآن ضد «النظم الجديدة» التي يسيطر عليها الإسلاميون.
وإذا كان شعورها بقوتها، و «العناية الإلهية» التي حلت عليها، هما ما جعلها «تتراجع» عن كل ما طرحت خلال عقد من الزمن في مواجهة نظم استبدادية، فإن الثورات ذاتها هي التي جعلتها تصل إلى السلطة، ليس نتيجة «شعبيتها» بل نتيجة أن الولايات المتحدة وهي تعيش أزمتها، ويتراجع دورها العالمي، وأرعبتها الثورات في البلدان العربية، عملت على تدعيم نظمها القائمة لضمان مصالحها. وهذا فرض مشاركة الإسلاميين، الأمر الذي فرض «تحالفاً» يدعم وصولهم إلى السلطة كطرف متحالف مع قوى أخرى. وهي الرأسمالية المافياوية الحاكمة التي احتكرت السيطرة الاقتصادية والسياسية سابقاً، وباتت في حاجة بعد الثورات إلى قوى تدعم وجودها لكي تنقذ سلطتها. ولهذا وسّعت قاعدتها السياسية، وستوسع قاعدتها الاقتصادية من خلال القوة التي للإخوان المسلمين (ورأس المال المتداخل معهم).

بالتالي فإن الثورة التي لم تسقط النظم، بما هي نظم اقتصادية سياسية، نتيجة غياب الأحزاب السياسية التي تعبّر عن الشعب بالأساس، قادت إلى محاولة الطبقة المسيطرة (وأميركا) إعادة بناء سلطتها عبر إشراك الإسلاميين. وكان يجب أن يحكموا وفق رؤيتهم وانطلاقاً من أنهم الممثل للشعب، على رغم أن مصالحهم هي مصالح الطبقة المسيطرة ذاتها. لهذا عادت فكرة «الخلافة الإسلامية» لتتردد. وتعمم الوهم بأن المنطقة كلها آتية على «سيطرة إسلامية» كاسحة. وتطاير فرح غامر لدى هؤلاء بمجد يتعالى. وسلطات لا حدود لها، ونعيم.

لكن، الشعب يريد إسقاط النظام.

المصدر: الحياة