Monthly Archives: يونيو 2013

حوار: سورية: الحل والحرب والفوضى

الحوار الأسبوعي رقم 27

عنوان الحوار: سورية: الحل والحرب والفوضى

ضيف الحوار: سلامة كيلة

تاريخ الحوار: 27-6-2013

خاص مجموعة يساري


المداخلة

الحل والحرب والفوضى:
السؤال المطروح في الوضع السوري هو: هل أن الأمور تسير نحو حل سياسي أو نحو الحسم العسكري؟ في وضع متداخل و”فوضوي”. ولا شك في أن معركة القصير ودخول حزب الله وإيران على خط الحرب، والشعور بأن السلطة باتت قادرة على تحقيق تقدّم وحتى الحسم بعد كل هذا الدعم، قد أوجد حالة من الاحباط وربما اليأس لدى قطاع عريض من المشاركين في الثورة أو الداعمين لها. بالتالي بدت قتامة تلفّ الجو تؤثر سلباً على وضع الثورة، وتعطي أفضلية للسلطة.
أولاً: نشطت التحركات السياسية في الفترة الماضية في اتجاه الوصول إلى حل سياسي عبر مؤتمر جينيف2، الذي شكّل نقطة التوافق الأميركي الروسي، وبات المدخل لحل “الأزمة السورية”. ما هو هذا الحل؟ ربما يتلخص في تشكيل حكومة انتقالية تضم السلطة والمعارضة “كاملة الصلاحيات”، أي تصبح هي السلطة الفعلية التي تدير أمور البلد في المرحلة الانتقالية. وفي الصيغة المطروحة ليس من ذكر لوضع “الرئيس”، رغم أن السلطة تُظهر التمسك به، والمعارضة “تشترط” تنحيته كمدخل للوصول إلى حل. بالتالي يطرح السؤال: هل ستكون المرحلة الانتقالية تحت حكم بشار الأسد؟
رغم ذلك لمسنا أن ترتيبات تجري على الأرض من أجل “إنجاح” جينيف2. حيث بذلت الإمبريالية الأميركية مجهوداً من أجل تهميش دور قطر، وقلب مواقف كل من السعودية وتركيا وفرنسا. كما تعمل على ترتيب أمر المعارضة “الخارجية”، أي تلك التي تبعت الدول “الغربية” (الإمبريالية)، بما يؤدي إلى تهميش وضع الإخوان المسلمين وسيطرة قوى توافق مسبقاً على ما بات يسمى “الحل الروسي” الذي هو مبادئ جينيف1 وفق الرؤية الروسية، وتحت إشراف روسي، حيث باتت أميركا تقرّ بأحقية روسيا في السيطرة على سورية.
ولقد حصل هذا الحل على موافقة مجموعة الثماني التي انعقدت في بريطانيا، كما على موافقة “أصدقاء سورية” في اجتماعهم في الدوحة. لهذا كان يبدو بأن الأمور تسير نحو “الحل السياسي”. ورغم الآراء المختلفة حول هذا الحل إلا أن كل الانتباه توجه إلى جينيف.
ثانياً: لكن خلال ذلك بدأت السلطة هجوماً شرساً على بلدة القصير بقوى عسكرية من حزب الله، بعد أن باتت مشاركة الحزب علنية، إضافة إلى مشاركة قوى عراقية (عصائب أهل الحق، التنظيم الأكثر طائفية والتابع للمخابرات الإيرانية، والذي كان جزءاً من التيار الصدري، فصل وهدر دم زعيمه بعد أن ارتكب مجازر في بغداد انطلقت من تحقيق التطهير الطائفي)، وأخرى إيرانية (كتائب أبو الفضل العباس والحرس الثوري).
لقد عانت السلطة من انهيار في الوضع العسكري بعد أن بات جزء مهم من الجيش خارج كل إمكانية لزجه في الصراع نتيجة التوتر العالي الذي بات يحكم عناصره، الذين هم من الشعب الذي ثار، والذي بات يتعرّض لكل هذا القتل والتدمير والوحشية. وهذا الوضع هو الذي فرض على السلطة الانسحاب من مناطق كثيرة والسعي للاحتفاظ بالمدن والطرق الرئيسية والمواقع الإستراتيجية، ولا شك كان الانتقال للعمل المسلح عنصراً مساعداً على ذلك، لكن لا نستطيع القول بأنه بسبب العمل المسلح. من جهة أخرى تعرّضت “القوة الصلبة” التي استخدمتها السلطة منذ البدء (الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة والشبيحة والمخابرات الجوية) لخسائر كبيرة، جعلتها عاجزة عن المواجهة، الأمر الذي أوضح بأن ميزان القوى قد بات مختلاً لقوى الثورة، هذه القوى التي لم تستطع استثمار الوضع نتيجة تشتتها وسوء فهمها للحرب وقلة السلاح والذخيرة كذلك.
لهذا كان هناك استعجال لعقد مؤتمر جينيف2 قبل أن تتهاوى السلطة، لكن شهدنا تدفق الدعم الخارجي، والتسليح الروسي، ومن ثم البدء بالهجوم من أجل السيطرة على المناطق التي فقدتها السلطة. فبدأت بالقصير، وحاولت التقدم في حلب، وتقدمت في تل كلخ، وهي تحاول في الغوطة الشرقية والمنطقة الجنوبية من دمشق، وفي بعض مناطق حوران، كما في دير الزور.
هل تريد السلطة الحسم العسكري؟
ربما، وهذا ما دفع أميركا التي كانت ترفض التدخل العسكري أو تسليح المعارضة تعطي الموافقة على تسليح المعارضة، وجعل “أصدقاء سورية” يؤكدون على أنهم لن يسمحوا بتغيير ميزان القوى، بل يصرون على الذهاب إلى جينيف2 في ظل ميزان القوى القائم. وهو الأمر الذي يعني رفض سقوط حلب خصوصاً، وتحقيق انتصارات للكتائب المسلحة، دون أن يصل الأمر إلى تحقيق انتصار.
ثالثاً ظهر أثر وجود جبهة النصرة واضح مع بدء هجوم السلطة. حيث اتهمت في حوران بأنها تعاونت مع السلطة، وكشف عن حمايتها لخط أنابيب النفط الذاهب إلى بانياس. كما أنها بدأت في ممارسات قمعية جداً، وقامت بإعدامات عديدة، أربكت المناطق “المحررة”. خصوصاً هنا في حلب وأدلب، حيث تركز السلطة هجومها. ربما يكون ذلك جزءاً من إرباك “الجبهة الخلفية” التي تتعرض لهجوم سلطوي بهدف “تحريرها”.
ولا شك في أن ممارسات الجبهة تصاعدت في الفترة الأخيرة، ودفعت قطاعات شعبية للتظاهر ضدها. وباتت الهيئات الشرعية تراقب أنفاس الناس، وتحاسب من منظور قروسطي فظيع (ضد التدخين، واللباس للنساء خصوصاً، والكلام الشعبي). فقد صدّقت أنها سلطة الله على الأرض، وهي لا تلتفت إلى الصراع مع السلطة بقدر التفاتها لفرض سلطة سوف تجعل الشعب يكفر بها و… بـ “الثورة”.
في هذا الوضع أي الخيارات سوف يتحقق؟
ربما كانت هناك قوى في السلطة تريد الحسم العسكري، خصوصاً بعد أن تعززت قواها بقوى طائفية تدعم بقاءها في السلطة، مثل حزب الله وإيران. لكن كما يبدو أن روسيا تسير نحو تحقيق حل سياسي، ربما أرادت تعديل ميزان القوى من أجل تحقيق شروط أفضل في جينيف2، أو قبول المعارضة بما تطرح دون تردد أو “شروط”. وبالتالي الوصول إلى جينيف2 بقوى موافقة مسبقاً على حل جاهز منذ البدء. ولا شك في أن الدعم العسكري المحدود للجيش الحر سوف يجعلها تقتنع بأنْ ليس أمامها سوى الذهاب إلى جينيف2 دون محاولات اللعب بميزان القوى.
في كل الأحوال ربما يكون الحل السياسي قد بات أقرب.
سلامة كيلة


الحوار

عديد نصار:
لازالت مسألة الثورة السورية محل تجاذب واختلاف حاد خصوصا بين قوى اليسار. ولا زالت مدعاة للبحث والتدقيق والنقاشات وطرح الرؤى والنظريات نفسها بأشكال متناقضة كل يستخدمها بالطريقة التي تخدم نظرته المسبقة إلى الأمور. ولكن الثورة مستمرة منذ ثلاثين شهرا والصراع على اشده بين نظام لم يتوانى عن كل اشكال القتل والتدمير والتهجير والتعذيب وشعب لم يتراجع رغم كل ذلك ورغم ما تعرضت له ثورته من مؤامرات ومن محاولات التفاف وركوب …
واليوم يطالعنا أطراف النظام الرأسمالي العالمي بمبادراته لـ”الحل السلمي” بعد أن دمر ما دمر وقتل من قتل وهجر من هجر على مدى الشهور الثلاثين المنصرمة من عمر الثورة.
من هي الأطراف التي تطرح مبادرتها وتحديدا في جنيف 2؟ وهل سوف ينعقد هذا الجنيف 2؟ ومتى ؟ ومن هي الأطراف السورية التي سوف تشارك؟ وما هي صدقية تمثيلها على الأرض؟
كيف ستكون صياغة الحل السلمي؟ وما هي فرص وضعه موضع التنفيذ؟ وما هي فرص استمراريته؟
وماذا عن الطغمة التي ارتكبت الفظائع بحق سورية وشعب سورية؟
هذه الأسئلة وسواها مما يطرح أعضاء هذه المجموعة، سنحاول البحث عن إجابات لها مع الرفيق سلامة كيلة في حوار الليلة.
باسم إدارة المجموعة دعوني أرحب بكل المساهمين في هذا الحوار من خلال الأسئلة والمداخلات راجيا أن تكون محددة واضحة ومختصرة حتى نصل إلى الفائدة منها.
كما دعوني باسم إدارة مجموعة يساري أن أرحب بالرفيق سلامة كيلة الذي عودنا على طول الأناة والصبر علينا في حوارات مطولة ومفيدة.
أهلا وسهلا بالجميع.

Salameh Kaileh:
أهلا بكل الحاضرين وآمل أن يكون الحوار مثمرا
وشكرا لتقديم عديد

Rachid Hababa:
سؤالي للرفيق سلامة كيلة كيف تنظر للوضع بعد معركتي القصير وصيدا وما مدى تشابك الوضعين السور واللبناني ومحاولة الأمبريالية العالمية جر لبنان “بشعبه” وطوائفه للمستنقع السوري؟

Gaddour Maayouf:
لقد بلغ الصراع اليساري اليساري ذروته مع قيام ما سمي بالثورة السورية ، فبين مؤيد ومعارض زاد الإنقسام الذي وصل درجة التقاتل، والعجيب أن كلا التيارين يظن أن له مكانا في سوريا الغد، إذا ما سقط النظام أو إذا ما بقي، مع أنهم متأكدون فعلا من انهم أبعد من سيكون من المستفيدين في كلتا الحالتين، فمستقبل سوريا لن يختلف عن مشروعين، إما سوريا البعث إذا ما نجح النظام في الصمود، وهذا لن يختلف على الصيغة القديمة للنظام والذي ستظاف إلى مشاكله الكثيرة كمشكلة إعادة الإعمار مع كل ما ستحمله من نتائج ، أو دولة الميليشيات الإسلامية بقيادة الإخوان والسلفية على الطريقة اللييبية أو المصرية وهي أبعد ما يكون عن الديموقراطية، وأما للمنظرين أقول أرجوكم يكفينا سذاجة فلم تنجح أي ثورة عربية في ان تقيم نظاما ديموقراطيا، بل ذهبت الامور بالعكس وصار اليوم الخطر يهدد الفتات من الحريات والحقوق التي وهبتها الديكتاتوريات السابقة لشعوبها، وتحولت المطالب الشعبية من حرية وكرامة إلى شريعة ونقاب ولحية، وصارت حرية العمل النقابي كفرا وتمردا على الحاكم الشرعي، وكالعادة يتحمل البسطاء من أبناء الشعب نتائج السياسات الفاشلة التي لا تسعى لحل مشاكل شعوبها وبناء نموذج إقتصادي وإجتماعي جديد بقدر سعيها للسيطرة على مقاليد السلطة ومؤسسات الدولة.

Salameh Kaileh:
بالنسبة للقصير وصيدا، كان طبيعياً أن يؤدي تدخل حزب الله في سورية الى توتر في لبنان، فلبنان منقسم أصلاً، ويعيش مشكلات لم تحل. وربما يظهر التأثير بشكل أكبر فيما بعد، لكن لا أظن أن كل الكلام عن صراع طائفي سيكون صحيحاً، الصراع يتخذ شكلا جديداً مع بدء الثورات في المنطقة، ورغم المظاهر الطائفية التي تظهر هنا أو هناك، سيتوضح الصراع بشكل أكبر ويتأسس على مطالب الناس التي هي لا تتعلق بالدين بل بالعيش.

Salameh Kaileh:
أما عن اليسار فيبدو أن الثورة السورية قد أوضحت طبيعة اليسار، وفرضت تحقيق فرز عميق سوف يؤدي الى إهالة التراب على قوى وثقافة يسارية سادت وكانت سطحية الى أبعد حد، حيث يظهر ذلك واضحا الآن، وخصوصا في الموقف من الثورة السورية.

Fiesal Al Aawar:
– حول قمة الثماني :
يرى البعض الآخ، ان البيان في ظاهره، بدا و كأنه يلبي طلبات بوتين. لكن، كما ارى، فقد كان البيان بمثابة دق ناقوس الخطر بدبلوماسية بالغة، أمام الروس، وافهامهم ان لكل لعبة نهاية. و قد تلقفت دول الخليج المهتمة بالشان السوري، هذا الانذار، و هناك تحركات قوية في مجال ارسال اسلحة الى الثوار ستصل خلال ايام. بل ان هناك من يقول بأن انواعا متطورة من الاسلحة وصلت فعلا الى الاردن ريثما يتم نقلها عبر درعا الى الثوار في شمال سوريا و جنوبها.

– حول فكرة “أحقية روسيا في السيطرة على سورية” :
هي فكرة ليست فكرة صحيحة على الاطلاق. فمنذ الاتفاق الاولي بين الروس و الامريكيين حول مؤتمر جنيف كان هناك غموض وعدم وضوح مرده ان ليس هناك اتفاق على الجزئيات، و في التفاصيل تكمن الشياطين. وينطبق الامر نفسه على جنيف2 . فهناك نقاط كثيرة عالقة لم يتم الاتفاق عليها.

– حول “الاستعجال لعقد مؤتمر جينيف2 ” :
الروس هم من يطالبون يوميا، باستعجال عقد مؤتمر جنيف2 . و ان عقد مؤتمر جنيف، قبل أوانه، سيكون فاشلا بكل معنى الكلمة. و لعبة “عض الاصبع” أصبحت واضحة، و مكشوفة بين الروس و الامريكيين، هذا بعد أن تجاهل الامريكيون الروس طويلا في سعيهم لاطالة عمر النظام الأسدي.

– حول فكرة الحسم العسكري:
ليس هناك فكرة حول ضرورة الحسم العسكري، لا لدى الروس ولا لدى الامريكيين. فجلّ ما تهدف اليه الضغوط الامريكية هو وضع الاسد في موقف ضعيف يلزمه بالمشاركة في جنيف و تسليم السلطة ، و هذا ما لا تريده روسيا.

Salameh Kaileh:
لكن الأمور لا تسير نحو إما بقاء “البعث” أو الإسلاميين، هذا التحديد هو نتاج منطق شكلي لم يرَ الأسباب العميقة للثورات والى ماذا ستؤول. وما يجري في مصر الآن ربما يوضح بدقة أن الإسلاميين فشلوا وأن الشعب الذي انتخبهم بعضه لا يميل إليهم لأنهم إسلاميين بل ظن أن لديهم حلولا، والآن يعمل على قلعهم.

Rachid Hababa:
نسمع أن لبنان 18 طائفة والقوى التي تود إسقاط النظام الطائفي لم تصمد أكثر من 3 أشهر بمسيرات ووقفات قليلة مقارنة مع حمى الاحتجاج التي اجتاحت العالم العربي، اليوم نسمع أن من تصدى للأسير ومليشياته إلى جانب الجيش اللبناني في صيدا هي قوى محسوبة على الأنظمة الطائفية، كيف يمكن ان تقيم الوضع اليوم الرفيق سلامة، خصوصا بعد التمديد للبرلمان والحكومة في لبنان وإستمرار لبنان 18 طائفة؟ هل لبنان بمنآى عما يجري في سوريا؟ وهل مازال لبنان محط أطماع أمبريالية صهيونية خصوصا بعد مرور 30 سنة عن خروج الفلسطينيين من بيروت ومرور 7 سنوات على تحييد حزب الله وعدم السماح له من طرف الدولة باستخدام ترسانته العسكرية ضد الكيان الصهيوني؟

Salameh Kaileh:
حول بيان قمة الثماني، ما هو أساسي فيه هو دعم الحل الروسي، أما أنه يمكن أن تحدث خلافات أو يجري افتعال خلافات فهذا أمر ممكن، لكن على أرضية الحل الذي تتعهده روسيا. وبالتالي يمكن أن يكون هدف افتعال خلافات هو إطالة أمد الصراع قليلاً، ربما كما حدث بعد جنيف1، لكن الأمر الآن واضح أكثر بأن الكل مجمع على الحل، فقط هناك محاولة لكسر “انتصار” السلطة في القصير، أو منعها من الانتصار في حلب قبل الذهاب الى جنيف2.

Gaddour Maayouf:
يسعدني كثيرا أن أشارك في هذا الحوار ، أرجو أن يقدم لنا الرفيق سلامة رأيه في طبيعة المستفيدين والراكبين على الثورات او قل الإنتفاضات ، ألا يرى الرفيق أن ما حصل ويحصل بالعالم العربي ليست سوى إنتفاضات غير مؤطرة ويسهل الركوب عليها ؟ أليست الثورة تتطلب أولا ثورة فكرية وما أبعدنا عن ذلك ؟ كيف يمكن الوقوف مع إنتفاضات ترعاها دول لا تملك حتى شعوبها مجالس بلدية تدعم القوى السلفية والإخوانية لا القوى الديموقراطية كما فعلت في ليبيا وتفعل اليوم في سوريا ؟ لماذا نتغافل دائما على ان الإسلاميين هم المستفيدون دائما من الثورات ؟ هل تتصور فعلا ان الإسلاميين في مصر او في تونس اليوم يقبلون التنحي ؟ وحتى ان تنحو فالصندوق سيعيدهم للغياب الفكري التام وسيطرة الفكر الكهنوتي المرتبط بالدين في المجتمعات العربية ؟ لماذا تصر على أن الطائفية مجرد شبح وهي حقيقة تنمو وتنمو مع سيطرة الإسلاميين على الحكم وتواطئ بعض قيادات اليسار التي ترضى بان تكون غطاءا لهم ؟ ها إننا نرى اليوم تقسيم المجتمع إلى طوائف متصارعة ليست فقط عرقية أو دينية بل تخطى ذلك حسب الإنتماء الفكري ؟ شكرا

Salameh Kaileh:
حول الأطماع الإمبريالية لا بد من دراسة الوضع الدولي جيداً، حيث أن الرؤية الأميركية السابقة انتهت، وأن الوضع يسير لتنافس دولي، روسي أوروبي أكثر منه روسي اميركي على المنطقة. ولهذا فإن كل التصورات السابقة ستكون خاطئة إذا ظللنا نكررها وكأنها قائمة الآن. أظن أن الصراع يتخذ شكلاً طبقياً أكثر بعد الأزمة المالية الإمبريالية. وهذا ما يظهر في الثورات العربية، وما سيتوضح أكثر في الفترة القريبة القادمة. يمكن أن تجري محاولات لجر الصراع الى منحى طائفي كما حاولت السلطة في سورية أو كما تحاول جبهة النصرة، لكن الأمور باتت تسير في مسار آخر.

Rachid Hababa:
ملاحظة: العديد من الثورات كانت لصالح البرجوازية (نموذج الثورة الفرنسية – نموذج ثورة بولونيا – نموذج إسقاط تشاوسيسكو) في البلدان العربية دائما تنظر البرجوازية أنها ممكن أن تحقق أطماعها من خلال الأنظمة الرجعية أو في بلدان تحكمها تشكيلات رجعية إيران والسودان نموذجا.

Fiesal Al Aawar:
أظن أن الصراع يتخذ شكلاً طبقياً
—————————————–
ترى كيف استدل الاستاذ سلامه على هذه المسالة ليصل الى نتيجة مفادها ان الصراع يتخذ منحى طبقيا ؟

Rachid Hababa:
إذا فرضنا جدلا أن للدول الثمانية اطماعا في سوريا، فما هي فرص نجاح قمة جنيف 2 خصوصا بعد تغير فاعل آخر في المنطقة ( انقلاب قطر الأبيض) وتخوف الكيان الصهيوني من سقوط ترسنات سوريا العسكرية في يد الملشيات السلفية ( قصف مخزن السلحة قبل شهر ونيف) و إمكانية إقامة دول طالبانية على الحدود مع الكيان الصهيوني؟

Salameh Kaileh:
حول الثورات، هي ثورات لأن الشعب نهض من أجل التغيير ولا ينقص منها تسميتها انتفاضات لأن الانتفاضة هي شكل الثورة حين تعتمد على الحراك الشعبي. وبالتأكيد حين لا يكون هناك أحزاب تعبّر عن الشعب المفقر سيستفيد من الثورات التي تهز النظم قوى أخرى شبيهة بالنظم، ولقد استفاد الإخوان من الوضع، ويمكن البحث في اسباب ذلك الذي لم يكن مفاجئا. لكن ما يجري تناسيه هو أن الشعب الذي ثار ثار ليس من أجل ان يعبر عن غضبة سريعة وانتهى الأمر بالتالي يستقر الأمر للإخوان، بل ثار لأنه لم يعد يستطيع العيش أصلا، بالتالي لن يعود الى السكينة إلا بتحقيق تغيير عميق. لهذا يثور الآن في مصر ضد الإخوان. السيء هو أن قطاعا كبيرا من اليسار بدل أن يشارك الشعب ثورته ويرى أبعادها يقف متفرجاً يندب وينوح لأن الإسلاميين سرقوا الثورة.

مجيد القضماني:
سؤال للرفيق سلامة بعد التحية والسلام: تقول في سلسلة مقالاتك الرائعة التي تنشرها مؤخرا “الجزيرة نت”، إننا نعيش إرهاصات ولادة عالم جديد.. نعيش بدايات هذا التحول العالمي…. وفي هذا السياق تفسر لماذا “تخلت” الولايات المتحدة الامريكية عن سوريا لروسيا.. وأن “قمة الثماني كانت المرحلة ربما الأخيرة في هذا المسار”… سؤالي: هل سيكون صحيحا الاستنتاج بناءا على ذلك، أن الثورة دخلت مرحلة العجز ان لم نقل الفشل عن فعل اي شي نوعي يؤدي الى تجنب هذه النهاية؟ واذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً، ما هي باعتقادك خياراتنا البديلة ؟ ما الذي يجب أن نحاول فعله للتقليل من حجم الخسارة..؟ وشكراً

Salameh Kaileh:
هذا الأمر يجعلنا نرى حدود دور الإسلاميين الذي هو ملء للفراغ الحاصل، وسقطوا لأنهم لا يملكون حلولا لشعب يريد حلولا سريعة.

Salameh Kaileh:
وفي وضع ثوري كهذا يسقط كل ما هو “ثقافوي” أو “أصولي” لمصلحة ما هو ثوري، هذا هو الأساس الذي يدفعني للقول بأن الطائفية تنتهي وتتلاشى أمام مسار التطور الثوري.

Salameh Kaileh:
أما كيف هو صراع طبقي كما سأل الأستاذ فيصل، فلأن السبب الجوهري لحراك الناس هو اقتصادي طبقي، اي البطالة والفقر، إلا إذا انطلقنا من تصور ذهني مجرد عن الصراع الطبقي، كما يجري فيما يخص الثورة التي باتت تربط بشروط سوف تجعل في كل التاريخ أن ليس من ثورة.

Gaddour Maayouf:
مع إحترامي، ولكن كيف يمكن أن نقف أمام الراديكالية المتأسلمة من إخوان وسلفية وهم يلقون الدعم من العالم أجمع، أناس يهددون إما بسلطتهم أو بصوملة الأوطان وهذا ما يحصل في ليبيا مثلا وما يحصل في سوريا ؟ هل فعلا نملك قيادات يسارية في العالم العربي تقدر مفهوم القيادة ؟ ألا ترى معي ان اليسار العربي ككل مازال سجين الماضي ومازال يستعمل نفس الخطاب الخشبي ؟ ألا تى أنه اليوم إبتعد عن الشعب ليظل فقط سجين المقاهي الثقافية ؟ ألا تراه مسؤولا مباشرا على تأزم الاوضاع وإنحراف الثورات عن اهدافها بالخطاب الذي يتبناه ؟؟ شكرا

Rachid Hababa:
خلاصة قولك ان لبنان يحتاج إلى ثورة حقيقية لإسقاط النظام الطائفي الذي شئنا ام أبينا تعشش فيه ثقافة التطرف قوميا، شيعيا، سنيا ومسيحيا، ولكن يبقى السؤال هل لبنان تتوفر فيه شروط هذه الثورة خصوا أن ظلال الحرب الأهلية لازالت جاثمة عل العقول والقلوب، في الأيام العشرة الماضية ومع متابعتي لما يجري ارتد بعض أصدقائي عن انتماءاتهم اليسارية والديمقراطية ليجدوا لهم ملجئا في حضن طائفتهم، في ظل ظروف كهاته ماهي إمكانيات وفرص نجاح هذه الثورة بلبنان؟

Salameh Kaileh:
الرفيق راشد، الدول السبع سلمت المصالح في سورية لروسيا بعد أن كان كل من فرنسا ودولا أخرى تريد تحقيق مصالحها فيها، نتيجة الضغط الأميركي الذي ساوم الروس على سورية مقابل مسائل اخرى يمكن ان نلمسها قريباً. وربما كانت إزاحة حمد جزء من تسهيل الحل الروسي لأن قطر كانت تسعى لفرض بديلها (مع تركيا وفرنسا) وأعتقد بأنه أزيح بعد ان عزز تحالفاته الأوروبية على حساب العلاقة مع أميركا. أما الخوف من الأصولية فهو “دعاية إعلامية” لأن القوى الأصولية “تحت السيطرة”.

Fiesal Al Aawar:
ارى بان الثورة ليست ثورة طبقية، ولا هي ثورة قومية، بل هي ثورة تحررية داخلية ضد الظلم والاستبداد و قمع الحريات. و اتجاهها العام هو اتجاه ليبرالي ديموقراطي. فهي بالأساس لم ترفع شعارا طبقيا واحدا. والثورات تقاس بما ترفع من شعارات. اليس كذلك؟

Rachid Hababa:
نحن كيساريين يجب ان نكون متقائلين ومؤمنين بغد أفضل ممكن وبروح مفعمة بالأمل، أكيد أن التجارب والسياقت تختلف ولكن على الرفاق في الشرق أن يولوا وجوههم شطر المغرب ليطلعوا على التجارب الوحدوية اليسارية إنطلاقا من تونس مرورا بالجزائر والمغرب وصولا لموريتانيا، والنموذج الذي يعجبني كثيرا نموذج “الجبهة الشعبية” التونسية الذي أسسه الرفيق الشهيد شكري بلعيد بمعية الرفيق حمة همامي وآخرين، كما ان لغة اليسار في المغرب واطروحاته عرفت تطورا مهما مقارنة مع الشرق.

Fiesal Al Aawar:
ليس من مؤشر على ان الامريكيين سلموا الروس الملف السوري. و لا تعتبر مسالة ازاحة امير قطر مبررا كافيا للتدليل على ذلك. فها قد استلم السعوديون الملف السوري بدلا من قطر. وسمعنا البارحة عن اسلحة امريكية متطورة (لكنها محدودة العدد) قد وصلت الى الاردن عن طريق السعودية ريثما يتم ايصالها الى الثوار عن طريق الاردن .

Salameh Kaileh:
الرفيق مجيد، منذ البدء كان واضحاً بأن ليس من إمكانية لانتصار الثورة (ككل الثورات العربية) بالضبط نتيجة غياب القوى المعبرة عن الشعب المفقر، ولهذا ما تستطيعه الثورات هو هزّ السلطة وبدء فكفكتها، وهو الأمر الذي يسمح بدخول قوى لا تختلف عن السلطة لركوب الثورة والوصول الى السلطة. لكن الأمر لا ينتهي هنا كما اشرت قبلا. في سورية الوضع هكذا، لهذا ضعفت السلطة ويمكن أن يكون ممكناً أن يتحقق تحول فيها يقود الى مرحلة انتقالية لا تغيّر شيئاً كثيراً في الوضع ولا تحقق مطالب الشعب. لكن في سورية تحديداً إذا تحقق انتقال من العنف العاري الذي تنمارسه السلطة الى الصراع السياسي بحدوث التغيير يكون قد تحقق خطوة يمكن أن تسمح بإعادة بناء الفعل السياسي في الشارع وتطوير الصراع واستمرار الثورة.

Salameh Kaileh:
الرفيق قدور، يبدو أن مسألة الثورة وما تعني غائبة عن التحليل الذي تقدمه، فالشعب يتحرك فقط حين يصل الى حافة الموت جوعاً، وحينها تبدو له الأمور في “قمة الوضوح، فيعرف عدوه جيداً، لهذا تسقط كل الأفكار الذهنية المسبقة. وهذا هو الأمر الذي يجعله يخوض الصراع الى أن يحقق مطالبه. لا أخاف من الدعم الخارجي، خصوصاً وأن القوى الإمبريالية تعيش أزمة عميقة لا حل لها، وباتت عاجزة عن التأثير الجدي في الأحداث. وأن الخطاب الديني الطائفي لم يعد معبرا عن مطامح الشعب. وكل ذلك يجعل القوى الأصولية في أفول كامل. أما اليسار فاليسار التقليدي ميت، ويتأسس يسار من بين الشعب الذي يقاتل الآن.

Gaddour Maayouf:
الرفيق رشيد ، أنا كتونسي أؤكد لك ان اليسار التونسي لا يختلف كثيرا عن اليسار المشرقي ، فهو أيظا مازال سجين الخطاب النخبوي بعيدا عن الطبقة الشغيلة مصدر قوته الطبيعية، ولإثبات ما أقول فإن الجبهة ورغما عن كل تضحياتها فهي لا تمثل اليوم خيارا جديدا ذا وزن، فالحزبان الأكبيران هما حزب الإخوان وحزب الدساترة (الحزب القديم) وهما الحزبان اللذان يمثلان قوة عبر حضورهما القوي الفعلي في مؤسسات الدولة، سيطرتهما على سبر الآراء، اما الجبهة فمازالت لم تتخط خسارتها الكبيرة في الرفيق شكري الذي تمت تصفيته لأنه فعلا كان من القادة القلائل المالكين لكاريزما السياسية قيادية، ومنذ رحيله صارت الجبهة اشبه بفرق الإستعراضات الشعبية بقيادة حمة صاحب المقولة الشهيرة (نم) ، ومن يومها ما تزال الجبهة نائمة وغير قادرة على التعاون مع الكتلة الديموقراطية وقيادات في مرحلة المراهقة السياسية عبر تتبنيهم أفكارا إخوانية وإفتعال المشاكل مع الكتلة الديموقراطية.

Fiesal Al Aawar:
لا يمكن ان يتحقق انتقال من العنف العاري الذي تمارسه السلطة الى حراك سياسي صرف ما لم يتم التخلص من السلطة نفسها والتي دفعت الشعب الى اتباع هذا النمط من الصراع القائم .

Salameh Kaileh:
الرفيق راشد ربما كان وضع لبنان معقداً نتيجة مرحلة الحرب الأهلية التي اتخذت طابعا طائفياً، لكن أظن بأن الانهيار الاقتصادي والأزمة المجتمعية سوف تقود الى نهوض شعبي كبير، خصوصاً مع أزمة “القوى الإقليمية الممولة”. والتحولات الثورية في المنطقة.

Salameh Kaileh:
الرفيق فيصل الثورات لا تقاس بما ترفع من شعارات بل تقاس بما تحمل من مطالب، حيث أن الشعب البسيط يحمل مطالبه ومع الأسف ليس هناك من القوى من عمل على تحويلها لشعارات للثورة. رغم أنه في تونس ومصر كان الأمر واضحا منذ البدء، وتعلق بالعمل والأجر. لهذا أصبح الشعار هو عيش حرية عدالة اجتماعية.

Fiesal Al Aawar:
نعم، الشعارات هي المطالب والمطالب هي الشعارات. فهل لاحظت في الثورة السورية اية مطالب طبقية ؟

Salameh Kaileh:
في سورية عملت النخب على إخفاء هذه المطالب التي كانت مطروحة من قبل الشباب المفقر.

Fiesal Al Aawar:
اذا و بكل بساطة هي ليست ثورة طبقية . و علينا الا نحملها ما لا تحمل من توجهات .

Fiesal Al Aawar:
ثم ان النخب لم تخحف شيئا. فالمظاهرات لم ترفع اية مطالب سوى اسقاط النظام .

Gaddour Maayouf:
الرفيق سلامة ، سعيد حدا بهذا الحوار الثري ، ولكن ليس من السهل أن ترى وطنك يدمر ويسير نحو المجهول، قد يكون الدمار على الطريقة السورية او الليبية وقد يكون تدميرا للدولة ومؤسسات الدولة عبر الأخونة للمؤسسات وفسح المجال أمام القوى الراديكالية التكفيرية كما يحصل اليوم في تونس أو في مصر، الحقيقة أننا لم نر بديلا حقيقيا ، فبعد سقوط الديكتاتوريات المتعاقبة وجدنا أنفسنا اليوم ندافع على الفتات من الحقوق التي وهبتنا إياها تلك الديكتاتوريات ، والعجيب أن قياداتنا لم تفهم بعد قانون اللعبة، بل حلت محل النظام البائد عبر الخطابات الخشبية، ومع مرور الوقت صرنا نرى إنسدادا في الأفق، إلى أين نتجه ؟ هل من الممكن إنقاذ الوضع ؟ كيف من الممكن ان يخلق اليسار الجديد في غياب التأطير وفي غياب الوعي ؟ كيف يمكن أن تخاطب شعبا صار اليوم مقسما إلى فرق كثيرة كل يؤمن بما لديه ويكفر غيره ؟ كيف يمكن أن نؤسس لمجتمع ديموقراطي تعددي حر في مجتمعات تقدس قيودها ؟ الأمور معقدة جدا رفيقي ولم أعد أفهم شيئا …

Salameh Kaileh:
وهذا واضح في وضع الأغلبية الشعبية التي تعيش في حالة فقر شديد وبطالة عالية. أتعتقد بأن عاطلا عن العمل سيقاتل من أجل الحرية ويتناسى أنه يحتاج الى عمل لكي يعيش أولاً؟

Fiesal Al Aawar:
اتفقنا على ان الثورات تقيم بما تقدم من مطالب وترفع من شعرات. والثورة السورية لم ترفع شعارا او مطلبا طبقيا. وغاية ما اريد قوله هو توقفوا يا سادتي اليساريين عن هذه النظرة النمطية للثورات. ولنقيم الثورات بما هي عليه فعلا .
و شكرا . فقد وصلت الفكرة حول طبقية الثورة السورية .

Salameh Kaileh:
الرفيق قدور، لست خائفاً من التفتت ومن الإسلاميين أولاً، فهؤلاء استنفدوا دورهم يرحلون. المشكلة في أن الشعب يريد التغيير الذي يحقق مطالبه في العمل والأجر والتعليم والصحة والحرية، بوعيه البسيط دون قوى فعلية تمثله حقيقة. اليسار القائم ميت كما أشرت، لهذا ستكون المراهنة على أن الشباب الثوري الذي كسر حاجز الخوف ودخل ميدان الصراع السياسي، هذا الشباب سوف يطور تجربته ويراكم الوعي ويتثقف طبعاً بجد) لكي يؤسس يساراً حقيقيا مرتبطاً بالشعب المفقر، ويعبّر عنه حقيقة. هذا هو المجهود الضروري الآن، خصوصاً من قبل من لديه خبرة ووعي، ويريد تحقيق تغيير فعلي.

Salameh Kaileh:
شكرا رفيق فيصل، نحن مختلفون، وما أقول هو ليس تحميل الثورة بغير ما تحمل سنكتشف كما في مصر أن اي قوة تصل السلطة لا تحقق التغيير العميق في الاقتصاد سوف تواجه ثورة ضدها.

Gaddour Maayouf:
أشكرك رفيقي ، ولكن لم أفهم بعد ما المطلوب في هذه المرحلة الحرجة، هل المطلوب أن نسير نحو ثورات لا قيادات فيها؟ هل نصمت أمام السيطرة الإخوانية فقط لأنها ساهمت معنا في هذه الثورات ؟ هل سنظل ننتظر وننتظر نضج الشباب الثوري ؟ وحتى وإن أسقطنا الإخوان، من سيضمن لنا ان لا تتحول بلداننا إلى صومال جديدة خاصة أن هذه الأحزاب مسلحة ؟ ثم قد يتحول الصراع إلى صراع سلطة بين القوى الثورية اليوم، لا أقول هذا من باب الإنهزامية بل فقط من باب التفكير العميق قبل التحرك، فالتضحية والثورة لا قيمة لهما إذا لم تترجم إلى واقع سياسي جديد يبنى على مفهوم الدولة الديموقراطية والتعددية … سعيد جدا بهذه المشاركة … تحياتي

Rachid Hababa:
السؤال الذي من المفترض ان نطرحه اليوم أين قوى اليسار الحقيقية في هذا الخليط، أكيد ثمة يسار جديد ارتبط بتجارب السبعينيات والثمانينيات وهو غير متورط في تجارب التسيير والتدبير ولم يكن مواليا لأي من الديكتاتوريات، تمة تجارب أخرى في التسعينيات ( نموذج الطلبة الدبمقراطيون التقدميون في المغرب) وتمت تجارب أخر في العشرية الأولى وهناك شباب يساري عرف ثوريته ويساريته على أرض الواقع مع بزوغ هذه الثورات، لما لم يعد اليسار اليوم قادرا على طرح البدائل؟ طرح المبادرات التي من الممكن ان تعرف التفافا شعبيا؟ يطرح برامج واستراتيجيات تكون قابلة للتحقق؟ لما اليسار اليوم لم يعد له ذلك البريق وذلك الانجذاب الذي كان له بالأمس؟

Salameh Kaileh:
الرفيق راشد أظن أن المطلوب اولاً هو البحث في بلورة بديل يساري حقيقي، مرتبط بالثورات ويحاول أن يطور نشاط العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. هذا يحتاج الى رؤية والى وعي. وهنا الصعوبة لأن الشباب الثورة يبدأ الآن بالتثقف ومراكمة الخبرة. لهذا هناك وقت يمر، دون أن يعني ذلك عدم السعي لتسريع عملية بناء القوى. وطرح الرؤى التي تعبّر عن مطالب الشعب.

Salameh Kaileh:
شكرا رفيق قدور، لا اقول لا أن نصمت ولا أن ننتظر علينا الفعل في الثورات وفي بلورة بديل يساري حقيقي، هما معاً يجب أن يكونا في أجندتنا. وكلما فعلنا أكثر سرّعنا في بلورة البديل الذي يمكن أن يصبح فاعلاً في الثورات وقادراً على أن يوصلها الى الانتصار الحقيقي بوصول الطبقات المفقرة الى السلطة.

Salameh Kaileh:
الثورات قائمة شئنا أم لا، فالشعب تمرد دون استشارة احد وسيقى متمرداً الى ان يحقق مطالبه. هذا ما يجب أن نبني عليه كل نشاطنا القادم.

مجيد القضماني:
رفيق سلامة… باعتقادك هل هناك مصادر قوة لدى الحراك، او لنقل مكامن ضعف لدى النظام، لم يتم استثمارها حتى الان، ولربما تؤدي الى إعادة خلط الاوراق ووضع الجميع أمام تطور نوعي جديد..؟ أم أن الوقت قد تأخر في ظل هذه الظروف الدولية “المثالية” التي تحيط بالنظام الاسدي..؟

Adeed Nassar:
أعود لأذكر الرفاق والأصدقاء بموضوع الحوار:
سورية: الحل والحرب والفوضى. نرجو أن تحاولوا حصر أسئلتكم ومداخلاتكم حول هذه العناوين خصوصا في ظل الموقف الدولي المطروح واستمرار التدمير الممنهج لسورية على يد النظام وحلفائه والتحولات التي تصيب الثورة السورية المستمرة.
ويمكن أن أضيف في النقطة الأخيرة:
ربما يلاحظ الرفيق سلامة والمتابعون أن القوى التي استغلت الثورة أو التي حاولت الالتفاف عليها لأهداف بعيدة عن أهداف الثورة أو التي زجت لتخريب الثورة .. جميع هذه القوى ومنذ ما قبل القصير تراجعت بشكل هام عن المشاركة في القتال ضد النظام وتحاول فرض سيطرتها ونموذجها المتخلف في المناطق التي أصبحت خارج سيطرة النظام، وأحيانا في إطار تنسيق معين مع النظام ذاته كما تفعل جبهة النصرة حين تزوده بالنفط لقاء التمويل.
أعتقد ان في هذا التطور، وحيث أن الصدام اصبح أمرا لا مفر منه مع المجتمع الثائر، فإن هذه القوى، لهذا السبب ولأسباب أخرى، سوف تتراجع حكما ويتقلص دورها على الأرض بحيث يصبح وجود قوى سياسية ثورية تترجم واقع الثورة أمرا لازما.
أود ان من الرفيق سلامة التعليق على هذه الملاحظة.
وشكرا

Rachid Hababa:
ثمة امور أخرى لم نخض فيها إرتباطا بالملف السوري، استمرار الدعم الايراني- العراقي، مساندة حماس للقوى الاسلامية في سوريا، مايحدث في البحرين واليمن مع الحوثيين، صورة حسن شحاتة وهو يسحل في مصر، أليس هناك ثمة براميل بارود منصوبة الفتيل ومستعدة للاشتعال في أي لحظة بين الشيعة والسنة على طول الخليج؟ وكل هذا أليس في صالح الأمبريالية التي مافتئت توجه أبواقها الاعلامية العربية والأجنبية لتصوير الحرب على اساس انها حرب دينية لتتحول انظار العالم عن عملية نهب خيرات ومقدرات الوطن العربي واستمرار حمايتها لربيبتها “اسرائيل”؟

Salameh Kaileh:
الرفيق مجيد ربما كان تأخر الوقت لاستثمار عديد من الأوراق، لهذا ونتيجة الفوضى التي تعيشها الثورة والميل للسيطرة على المناطق وإدخال النصرة كعنصر تخريب، سيكون الحل السياسي هو الأقرب. لكن لا يعني ذلك محاولة تنظيم الثورة ما استطعنا، وهنا يجب فضح الإسلاميين من الإخوان الى النصرة، وتهميشهم وابعادهم عن مواقع الثورة، ومحاولة تنظيم العمل المسلح لمواجهة القوى التي أتت بها السلطة من الخارج ومحاولة كسب الصراع. وأيضاً إبعاد الائتلاف والأحزاب عن تمثيل الثورة.

Salameh Kaileh:
الرفيق راشد، يجب النظر للإمبريالية في واقعها الجديد وليس كما كانت في العقود السابقة. لقد لعبت بالمسألة الطائفية، وكذلك عملت النظم. وحاولت تأسيس صراع سني شيعي، ودفعت الصراع في العراق الى حال الاقتتال الطائفي بمجهود إيران والقاعدة. لكن الأمور باتت بعد الأزمة الإمبريالية والثورات العربية بحاجة الى نظر جديد. الركود كان يسمح باللعب بالمسألة الطائفية أما حين يثور الناس فالأمر مختلف جداً.

Rachid Hababa:
يعني ثمة امل مع القليل من الوعي في إمكانية قيام ثورات عربية ثانية لتصحيح الوضع ووضع الثورة على سكتها الصحيحة، ثمة فاعل آخر لم نناقشه هو العسكر خصوصا مع ما راج عن تقديم رشيد عمار قائد الجيش التونسي انه قدم استقالته، وعملية الضغوطات التي يقوم بها السيسي في مصر التي يعطي معها الانطباع أنه يهدد بالاستقالة، هل العسكر مستعد اليوم للعب نفس الدور الذي لعبه منذ سنتين؟ يعني الوقوف على الحياد؟

Salameh Kaileh:
بالنسبة لجبهة النصرة هي الآن في صراع مع الشعب الذي أزاح السلطة من مناطقه، وسوف يتطور هذا الصراع حيث يظهر الدور المساعد للسلطة الذي تقوم به هذه الجبهة خصوصاً. في الرقة مظاهرات ضدها، وفي حلب أيضاً. وبالتالي يجب السعي لتصفيتها لكي تتقدم الثورة.

Salameh Kaileh:
الرفيق راشد أكيد الأمل كبير، أكثر من ذلك هناك طريقة عريضة يجب أن توصل الى تغيير عميق، لن يمنعها أحد، لكنها ربما تتأخر نتيجة غياب البديل اليساري. أما عن الجيش فهو حامي الطبقة الرأسمالية الحاكمة والمصالح الإمبريالية، كان ولازال العنصر المؤثر. بالتالي لن ينتهي دوره إلا حين تحقيق ثورة قادرة على تحقيق التغيير العميق.

Adeed Nassar:
في الختام تشكر إدارة مجموعة يساري الرفيق سلامة كيلة على هذا اللقاء المفيد كما تشكر كل الذين ساهموا فيه على الروح العالية التواقة إلى بلورة الرؤية اللازمة لتحقيق التغيير الذي تصبوا إليه شعوبنا.
إلى أن نلتقي في حوارات تالية، مجموعة يساري تحييكم ومعكم دائما من أجل بلورة الرؤية الثورية اللازمة لتجذير الثورات الشعبية كي تتمكن بالفعل من تحقيق أهدافها.

Salameh Kaileh:
شكرا لكم

المصدر: مجموعة يساري

المسألة السورية في المساومات الدولية

935c46cc-fdbe-4350-a20b-6842334d756f

بغض النظر عن اختلافات ما زالت قائمة بشأن الملف السوري، فإن قمة الثماني التي انعقدت في بريطانيا اعترفت بدور روسيا في سوريا، وأسست على مبادئ جنيف وفق المنظور الروسي، وبالتالي وضعت جهودها خلف “الحل الروسي”. لقد باتت تعترف مجتمعة بأن روسيا هي المعني الأول فيما يجري في سوريا، وأنها صاحبة الحل فيها.

هذا ما يجعل تناول كل المسائل الأخرى خاضعاً لهذه النتيجة، أي إن كل الخلاف الذي سيبدو على السطح سيكون محكوماً بهذه النتيجة، وليس من أجل تجاوزها وتحقيق حل آخر.

هذا متغيّر عالمي كبير، حيث يجري “التنازل” عن بلد كسوريا لها أهميتها، وكانت أميركا إلى وقت قريب تريد تغيير نظامها لكي تفرض “نظاماً أميركياً”. وحيث ظهر التصارع العالمي على من سيسيطر على وضعها عبر دعم قوى “معارضة” ملحقة به. هذا ما حاولته فرنسا التي باتت تعترف بأن سوريا هي من حصة روسيا في إطار التقاسم العالمي. أو حتى تركيا التي كانت تريد الحفاظ على ما حققته عبر العلاقة مع بشار الأسد.

وهو متغيّر يكسر كل المنظومة “الذهنية” التي تشكلت خلال وبعد الحرب الباردة، والتي انطلقت من ميزان القوى حينها، فكانت أميركا هي “زعيمة العالم الحر” الذي يسعى للسيطرة والهيمنة، وروسيا الدولة السوفياتية التي تدعم حركات التحرر. ليبدو أنْ ليس من معسكرين الآن، وأن المعسكر القائم يعيد اقتسام العالم من جديد.

خصوصاً هنا أن “التخلي” عن سوريا لروسيا سوف يفتح على “توسع روسي” في كل المنطقة التي كانت تعتبر أولوية أميركية لعقود، أي المنطقة العربية. وبالتالي فإذا كانت المسألة السورية هي بداية تحوّل عالمي فهي كذلك بداية تغيّر في وضعية القوى التي تريد الهيمنة على المنطقة.

ما يبدو واضحاً هو أن المنظور التقليدي لفهم الوضع ما زال يتحكم في النظر لدى كثير من القوى، وليس اليسار أو بعض اليسار وحده. حيث تظل أميركا في مركز الحدث “الشرق أوسطي”. وما زال يُنظر إلى أنها كما كانت تعتبر أن هذه المنطقة هي أولويتها، سواء نتيجة وجود الدولة الصهيونية أو نتيجة النفط (رغم أن وجود الدولة الصهيونية قائم انطلاقاً من أهمية المنطقة وأولويتها للإستراتيجية الأميركية).

وإذا كانت الأحداث تتوضح بالتدريج، ولا تصبح “مكشوفة” إلا حينما تكتمل، فإن ما يبقي النظر القديم هو أننا في “لحظة التحوّل” التي لم تكتمل بعد. أي في لحظة تشهد تحولاً عالمياً كبيراً لم تظهر معالمه بعد بشكل واضح. لكن ذلك يشير إلى أن المقدرة على فهم متحولات الواقع ضعيفة أو غير قائمة، ليبقى النظر صورياً لا يعطي سوى المعرفة بما بات “موجوداً”، دون مقدرة على تلمس صيرورة الواقع، وفهم ممكنات تحوّله، والسياق الذي يجري فيه.

ما يتوضّح هو أميركا لم تعد أميركا التي انبنت عليها كل الرؤى القديمة، أي أميركا المسيطرة والمهيمنة على العالم، والتي تريد تغيير العالم بما يحقق مصالحها، وأيضاً تريد الاستفراد به. وأن الرأسمالية القديمة ليست في مجد قوتها كما كانت. ومن ثم أن قوى جديدة باتت تتقدم لكي تسيطر على مناطق نفوذ تلك الرأسمالية. وبالتالي أن عالماً “متعدد الأقطاب” يتشكل، أو يحاول التشكل. ومن ثم أن تقاسماً جديداً يتحقق على ضوء موازين القوى القائمة الآن.
العالم، بالتالي، لم يعد هو العالم القديم، وإنْ لم يتشكل عالم جديد بعد. والأمور تجري أمامنا بشكل يتلمسه كل من يدقق بما يجري. لماذا هذا التحوّل؟ هل ضعفت أميركا بالفعل؟ وهل تعيش الرأسمالية أزمة حقيقية تفرض كل هذا التحوّل؟

النمطية القديمة في التحليل لن توصل إلى نتيجة سوى أن العالم باقٍ كما كان، وأن كل الصراعات هي ذاتها التي حكمته منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكن لا بد من أن نقف ملياً أمام “الأزمة المالية” التي حدثت في 15 سبتمبر/أيلول سنة 2008، والتي أفضت إلى هزة في كل النمط الرأسمالي، وفتحت على انهيار أكبر. ولقد كان أثرها على أميركا هائلاً، وإذا اعتقدت الإدارة الأميركية خلال سنوات 2008 – 2010 أنها قادرة على تجاوزها، فقد اكتشفت بعد إذ أن تجاوزها غير ممكن، وبالتالي لا بد من “إدارة الأزمة” فقط لكي لا تحدث انهيارات أكبر تطيح بالاقتصاد الأميركي.

وإذا كان جرت الإشارة إلى أن ما جرى هو أزمة، فإن الواقع يشير إلى أنها أكبر من ذلك بكثير، فهي “هرم” نمط اقتصادي و”تعفنه” كما كان يشير ماركس. وهي ليست كالأزمات السابقة، وأخطرها أزمة “الكساد العظيم” التي حدثت سنة 1929. وأيضاً ليست أزمة من الأزمات الدورية التي هي في صلب وجود الرأسمالية.

ونقصد “أزمة فيض الإنتاج” التي تفترض توسيع الأسواق، سواء عبر فتح أسواق جديدة أو عبر تصفية “قوى إنتاج” في بلد رأسمالي لتقليص حجم التنافس في السوق. لا شك في أن هذا المظهر هو جزء من الأزمة الراهنة، لكنه الجزء “الأقل أهمية” فيها لأن واقع الرأسمالية اليوم هو أعقد مما كان خلال مراحل نشوئها وسيطرتها العالمية.

فكما كان هناك فيض إنتاج كان هناك كذلك فيض أرباح، تراكمت بعد أن حصلت عملية إشباع التوظيف في كل قطاعات الاقتصاد الحقيقي (الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات) وباتت عبئاً على البنوك.

الآن نجد أن الكتلة المالية التي تنشط في الاقتصاد “الوهمي” (المضاربات في أسواق الأسهم والسندات والسلع والعملة، والتوظيف في ما أسمي المشتقات المالية، وفي الديون) أصبحت هي الأضخم، وهي التي تهيمن على مجمل الاقتصاد. وهو الأمر الذي حوّل الاقتصاد الرأسمالي إلى اقتصاد مضاربات، الأمر الذي جعله يدخل نفق التضخم المتصاعد دون إمكانية لوقف هذه العملية.

وهي العملية التي تقود إلى نشوء “فقاعات” تنفجر بشكل مستمر مدمرة قطاعات اقتصادية وشركات وشعوبا. وأزمة الرهن العقاري التي انفجرت في الولايات المتحدة سنة 2008 أفضت إلى انهيارات كبيرة في قطاع البنوك، حمّلت الدولة عبء حمايتها بمراكمة مديونية هائلة عليها. والآن نجد أن دولاً مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وقبرص تغرق في المديونية، وتقف على شفير الانهيار.

ولأن التراكم المالي يتمركز في أميركا نلمس أن أثر الأزمة هذه أضخم عليها. وإذا كانت قد عملت على “السيطرة على العالم” بعد انهيار الاتحاد السوفياتي من أجل تجاوز الأزمة التي كانت تتراكم لديها، فقد ظهر بعد احتلال أفغانستان والعراق، والنشاط العسكري في مناطق واسعة من العالم، أن الحرب لم تعد هي الحل كما كان في الأزمات السابقة (الكلاسيكية)، بل إنها باتت تعمق الأزمة.

الأمر الذي فرض على إدارة أوباما التراجع عن سياسة السيطرة على العالم، والتخلي عن حلم قيادة العالم الرأسمالي والانكفاء داخلياً لحماية أميركا ذاتها، أولاً من وضعيتها الاقتصادية التي تشير إلى أنها تسير نحو الهاوية، وثانياً من الصين التي باتت تشكل خطراً حقيقياً عليها (الصين تملك تريليونات الدولارات كاش، ومن سندات الخزينة الأميركية، وتتغلغل اقتصادياً في مناطق منافسة).

هذا الأمر فرض على الولايات المتحدة “التواضع”، حيث بدأت في التعامل من منظور مختلف، يقوم على تركيز أولويتها في آسيا والمحيط الهادي أولاً، والإقرار بعجزها عن خوض حروب متعددة ثانياً، وثالثاً التعامل من موقع محاولتها حل مشكلاتها لكي تبقى قوة عالمية وليس القوة العالمية الأولى.

بالتالي كان من الطبيعي أن تصبح هناك مناطق كانت لها السيطرة فيها ميدان مساومة. و”الشرق الأوسط” الذي كان أولوية أميركية لعقود (خصوصاً بعد الحرب الثانية)، بات يحظى بأهمية من الدرجة الثالثة أو الرابعة (مع الاحتفاظ بالأهمية الكبيرة للخليج، ليس من أجل الحصول على النفط، حيث ستصبح أميركا بلداً مصدراً، بل لنهب الأموال النفطية في سياق العمل على حل الأزمة الاقتصادية).

من هذا السياق جرّت أميركا كل “حلفائها” إلى المساومة التي تجريها مع روسيا بشأن سوريا. وأقرت بـ”المصالح الحيوية لروسيا في سوريا”. بالتالي سلّمت حل “الأزمة” و”إنهاء الحرب الدائرة” لروسيا التي هي الداعم الرئيسي للنظام، ومن أجل “بيع” سوريا لروسيا.

قمة الثماني كانت المرحلة ربما الأخيرة في هذا المسار بعد أن فرضت على “أصدقاء سوريا” القبول بالحل الروسي، وباتت تضغط على معارضة الخارج (ذات الهوى الغربي) من أجل القبول بالحل الروسي.

ماذا ستأخذ من روسيا؟ هذا ما سوف يظهر بعد اكتمال الحوار بين الطرفين حول القضايا العالمية التي يجري الحوار حولها من أجل الوصول إلى توافق شامل. فأميركا معنية جداً بالتفاهم مع روسيا، ربما لأنها تخاف من تشكيل تحالف روسي صيني قد يقطع عليها طريق تجاوز أزمتها، ويدفعها إلى انهيار متسارع. فأزمتها كبيرة إلى حدّ أن هذا أمر ممكن.

المصدر: الجزيرة

سمات النشاط الجماهيري ووضع الحركة الماركسية

تنتصر الثورة حينما تتحد الحركة الماركسية بحركة الطبقة العاملة، ليؤسسا معاً النضال الثوري. ولا يتم ذلك إلا حينما تتبنى الحركة السياسية أهداف الجماهير وتدافع عنها، وحينما تندمج بالطبقات التي تعبّر عنها.
هذا الأمر يطرح قضية الارتباط بنشاط الطبقات الشعبية، كما يطرح قضية وضع هذه الطبقات، نشاطها، وتصوراتها.. إلخ. لكنه يطرح أيضاً المهمات التي من الضروري أن تسعى الحركة الماركسية لتحقيقها. وكل ذلك يفرض دراسة الظروف الراهنة، وتحديداً فيما يتعلق بالوضع الجماهيري، ووضع الحركة الماركسية. ومن ثم تحديد دور الحزب الذي يطمح لأن يلعب دوراً ثورياً، يتجاوز الدور الذي باتت تلعبه الحركة الشيوعية الراهنة، وهو في كل الأحوال دور هامشي، ويقوم على الفصل بين السياسي والمطلبي، مما لا يحوّل الصراع إلى صراع طبقي
.
الارتباط بنشاط الجماهير:

إن انتصار الثورة القومية الديمقراطية في الوطن العربي يرتبط أشد الارتباط ليس بمسألة واحدة بل بمسألتين. لقد ساد في المرحلة الماضية، ومازال، منطق يعتبر أن التطور الموضوعي هو الذي سوف يؤدي إلى حدوث التغيير في بنية المجتمع العربي. أي باعتبار أن كل الظروف الموضوعية هي التي سوف تحقق «الحتمية التاريخية»، التي هي انتصار الاشتراكية في نظر البعض(1)، أو انتصار النظام الديمقراطي البورجوازي في نظر آخرين. ولقد عبَّر هذا المنطق عن اتجاه إصلاحي ارتبط بمطامح فئتين مختلفتين، أولهما، الفئات المثقفة التي درست وتعلَّمت وحصلت على شهادات جامعية، وأصبح منطقها يختلف عن المنطق السائد في المجتمع، نتيجة اعتناقها أفكار ومفاهيم جديدة. فأخذت تشعر بأن عليها أن تلعب الدور الرئيسي في قيادة البلاد، لكنها في الوقت نفسه، ضد الثورات، والتغييرات العنيفة (الراديكالية)(2). لهذا رأت أن التطور التدريجي هو خيارها. وهو خيار بورجوازي ديمقراطي (وإن كنا نتحفظ على ذلك، بسبب من العجز عن بلورة اتجاه بورجوازي ديمقراطي حقيقي، رغم أنه يحمل سمات هذا الاتجاه العامة، التي يمثل في أحيان كثيرة، صورة مسخاً).
وثانيهما، الفئات «الثورية» من العمال والفلاحين والمثقفين التي اتبعت الماركسية. لكن ليس الماركسية الثورية، بل «الماركسية الاصلاحية»، ماركسية الأممية الثانية، وماركسية المناشفة في روسيا، التي كانت تعتبر أن الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، قضية «حتمية»، كما هي «حتمية» قضية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، لأن الظرف الموضوعي، هو الذي يقود ـ بشكل حتمي ـ إلى ذلك، فالمجتمعات تنتقل من مرحلة في التطور الطبقي، إلى مرحلة أخرى، وفق قانون محدد. أما دور الحزب فيتمثل في كونه عاملاً مساعداً: مساعدة البرجوازية ضد الاقطاع، لكي تتحقق الثورة الديمقراطية البورجوازية(3). هذه الثورة التي سوف تخلق ـ بشكل حتمي أيضاً ـ طبقة عاملة كبيرة العدد، وقوية(4)، تستطيع هزيمة البورجوازية دون عناء كبير، ومن خلال الطريق البرلماني(5).
إن هذا المنطق يلغي العامل الإرادي، عامل الوعي والتنظيم، ويغلِّب العنصر العفوي، مما يجعل قضية التغيير الثوري حلماً هو أقرب إلى السراب منه إلى التحقق.
كما ساد في المرحلة الماضية، المنطق المقابل، أي منطق تغليب العامل الإرادي، واعتبار أن دور الطبقات الشعبية هو دور هامشي، ثانوي، تابع، لاحق… إلخ. ولقد مثَّل هذا المنطق، موقف فئات نزقة، حاولت تغيير ظروفها بسرعة فائقة، وبالتالي حاولت إلغاء الوضع القائم الذي تعيشه بلمحة بصر. وهذه فئات كانت تهدف إلى الإثراء السريع، لتتحول فجأة من فئات محدودة الدخل إلى فئات ميسورة الحال، أو فئات «ثورية»، لكنها لا تثق بالنشاط الجماهيري، ولا تلقي أي اعتبار للمطالب المعاشية البسيطة، وتعتبر أن قضايا التغيير الثوري هي من صنع الأبطال وحدهم(6)، لهذا لجأت إلى «العنف الثوري»، أو «الدعاية الثورية المسلحة»… إلخ(7).
إذا كان ساد هذان المنطقان في الماضي، وما زالا، فلا بدَّ لنا أن نؤكد اليوم أنهما لم يقودا إلى تغيير. فلا الاتجاه الاصلاحي أدى إلى تحقيق «تراكمات كمية» تسمح بتطور مضطرد يحسِّن من وضع الجماهير، ولا الاتجاه الطفولي أدَّى إلى أن يقرِّر العامل الإرادي مصير الثورة، مما جعل الوطن العربي يعيش دوامة صعبة، قادت إلى الفوضى أحياناً، وإلى عدم الاستقرار أحياناً أخرى، لكنها كرَّست وضع الفئات الحاكمة، وأطالت في عمرها، وإن أدَّت أحياناً إلى سقوط سلطة والاتيان بأخرى، أو تغيير حاكم بحاكم.
لذلك يمكننا الجزم أن الثورة القومية الديمقراطية مرتبطة بمسألتين: الظرف الموضوعي من جهة، والعامل الإرادي من جهة أخرى. وهذه بديهية في الماركسية(8)، رغم أنها بحاجة إلى التأكيد فيما يتعلق بوضعنا، لأنها ليست بديهية في كل الأحوال، ولا هي الفكرة التي تتبناها القوى الماركسية العربية، التي تراوح في سياساتها بين العمل الإصلاحي والعمل الطفولي، بين النضال الديمقراطي البرلماني، وبين الارهاب، المسمَّى بـ«العنف الثوري»(رغم هامشية هذا الاتجاه). لهذا كان من الضروري التأكيد على أهمية الارتباط بنشاط الطبقات الشعبية إذا كنّا نسعى، حقيقة، إلى تحقيق الثورة الجذرية في الوطن العربي.
إن مأزق التغيير يكمن دائماً في قدرة الفئات المسيطرة، أي الحاكمة، على ضبط حركة التطور والنهوض، والتحكم فيها، نتيجة تحكمها بالاقتصاد، من خلال امتلاكها لرأس المال. ولكن أيضاً نتيجة سيطرتها على الدولة، كقوة قمعية كبيرة الشأن. ولكن ثالثاً نتيجة امتلاكها لايديولوجيا تعبِّر عن مصالحها تعبيراً مطابقاً، مما يجعلها قادرة على فهم مصالحها، ومن ثمَّ تحديد السياسة التي تخدم هذه المصالح. هذا في جانب، لكنه جانب واحد، لأنه يمكن مواجهة القوة بالقوة، وهذا يقودنا إلى الجانب الآخر، لأن مأزق التغيير يكمن أيضاً في عدم توفر القوى القادرة على هزيمة الفئات المسيطرة، وبالتالي فتح آفاق التطور والنهوض.
لما كانت القضية هي قضية فئات حاكمة، وطبقات شعبية مضطَهدة ومستغَلة ومحكومة، فإن هذه الجماهير هي القوة المقابلة، التي يقع على أكتافها عبء التغيير. وحين تعاني قضية التغيير من مأزق، يكون السبب الجوهري هو عجز الطبقات الشعبية عن تحقيق هذا التغيير. لماذا؟ لافتقادها المزايا التي تمتلكها الفئات الحاكمة. كيف؟ إن إسقاط الفئات الحاكمة وتحقيق التغيير الثوري يرتبط بمعرفة آفاق هذا التغيير أولاً، أي بمعرفة أهداف الطبقات الشعبية، أهداف العمال والفلاحين الفقراء، والشرائح الديمقراطية الثورية من البورجوازية الصغيرة. وهذا يحتاج إلى الوعي، والطبقات الشعبية أمية أو شبه أمية وبسيطة الوعي، وبالتالي تكون عاجزة عن تحديد أهدافها بوضوح ودقة، رغم أنها تعيش آلاماً كبيرة وتتلمَّس من خلالها «مطالبها» التي تكون في العادة مطالب معاشية. وهنا يكمن المأزق الأول، مأزق غياب الوعي المطابق لمصلحة الطبقات الشعبية. وهذه القضية ناتجة من أن الفئات الحاكمة، المستغِلة، تحرص على ديمومة تخلُّف الجماهير، وعلى عدم امتلاكها الوعي. بل أكثر من ذلك، تحرص على إكسابها وعياً زائفاً(9)، يخدم مصلحتها هي، لهذا فإنه في الظروف الواقعية تتبنى الطبقات الشعبية الايديولوجيا السائدة، النابعة من مصلحة الفئات الحاكمة ـ المستغِلة.
ثم إن غياب الوعي المطابق لمصلحة الطبقات الشعبية لدى الطبقات الشعبية ذاتها، واكتسابها «الوعي الزائف» الذي تدخله الفئات الحاكمة ـ المستغِلة لها، يجعلها، بالضرورة، تبتعد عن أشكال النضال الثوري، وتميل إلى خيارات أخرى مختلفة، فإما العمل من أجل الكسب الفردي، وبالتالي التحوُّل إلى الانتهازية، وهذا ما يصيب الفئات الطامحة من مختلف الطبقات الفقيرة، أو العمل الاصلاحي الذي يقوم على أساس التحسين التدريجي للوضع، أو القبول بالوضع القائم والاقتناع به كـ«قدر إلهي»(10)، وهذا هو موقف الأغلبية عادة، وإن سياسة هذه الاتجاهات لا يمكَّن من وحدة الجماهير ضد مستغِليها، فتبقى قوة ضعيفة، محدودة التأثير.
أما عملية التغيير الثورية فتعتمد تحقيق مصالح الطبقات الشعبية، وبالتالي تعتمد أن تلعب هذه الطبقات دوراً ثورياً لأجل إسقاط الفئات الحاكمة ـ المستغِلة، وتأسيس سلطة جديدة تحقق مصالحها. فبدون الطبقات الشعبية لا يكون ممكناً تحقيق التغيير. ولكي تلعب هذه الطبقات دوراً ثورياً من الضروري إكسابها الوعي المطابق لمصالحها، وإكسابها القدرة على تحقيق هذه المصالح.
وهذا هو دور الحزب، الحزب الذي يمثِّل طليعة على صعيد الوعي، من خلال قدرته على امتلاك المنهج المادي الجدلي كطريقة في الدراسة والبحث والعمل، وقدرته على التعبير عن مصالح الطبقات الشعبية. والحزب الذي يمثِّل القوة المقابلة لقوة وجبروت السلطة من خلال قدرته على أن يصبح طليعة مكافحة، وأن يندمج بالطبقات الشعبية. ولكن أن يمتلك، أيضاً، القوة اللازمة لتحقيق التغيير الثوري. وهذا يطرح قضية الارتباط بالنشاط الجماهيري، بالطبقات. لكن لابدَّ من توضيح مسألتين هامتين هنا، وهما:
أ) أنه رغم السياسات التي تتبعها الفئات الحاكمة ـ المستغِلة تجاه الطبقات الشعبية، والهادفة إلى تحويلها عن النضال الثوري، فإن عمق الأزمات التي تعيشها هذه الطبقات يدفعها إلى خوض غمار النشاط الثوري، وهو نشاط يتسم بالعفوية في الغالب، وبالتالي بعدم ارتباطه بتصور ثوري للتغيير.
ب) أن دور الحزب يتمثَّل في بث الوعي في أوصال الطبقات الشعبية، و«إقناعها» بإستراتيجية التغيير الثورية، وهذا دور دعاوي تحريضي من جهة، ويتمثل من جهة ثانية في السعي لتنظيم نشاطها لكي «يتحوَّل التراكم الكمي إلى تغيير نوعي»، ولكي تنقلب العفوية إلى إرادة، إلى فعل واعي. والحزب في كل ذلك لا يخترع أفكاراً أو «يستورد» مفاهيم، ولا يؤلِّف أشكال تنظيم على هواه، بل يُعمِل الفكر بواقع الطبقات لكي يفهم مصالحها ومطامحها، ومن هذه النقطة ينطلق.
ولقد حددنا ضمناً، فيما طرح سابقاً، القضية التي تجعل من الممكن للحزب أن يرتبط بالنشاط الجماهيري. إن تبني موقف فلسفي يرتبط بقضية التغيير الثوري، الذي بدوره يسمح بتحديد استراتيجية تعبِّر عن أهداف الطبقات الشعبية ومطامحها، ومن ثَّم طرح الشعارات التي تعبِّر عن حاجة هذه الطبقات، هي كلها ما يسمح بالارتباط بنشاط الطبقات، وبالتالي تفتح إمكانيات بث الوعي فيها وتنظيمها، على طريق تحقيق الانتصار الثوري. لهذا فإنه من الضروري الانطلاق من الحركة الواقعية للطبقات بهدف تطويرها. إن تطور العمل الثوري مرتبط بمدى اندماج الحزب بحركة الطبقات. وهذا يقتضي رؤية وضعها ، ومعرفة نشاطها، وعلى أي الأسس تقوم.
وحركة الطبقات هي الحركة العفوية الناتجة عن حالة الفقر التي تعيشها (وهذه هي الحالة العامة في الوطن العربي)، أو عن حالات السيطرة الامبريالية المباشرة (الاحتلال)، وغياب الحريات الديمقراطية (وهي حالات لها أهميتها المعنوية). إن الارتباط بالحركة الجماهيرية يفرض فهم الأزمات التي تعيشها، على الصعيد المعاشي الاقتصادي أولاً، نتيجة اتساع الظاهرة، وليس الغرق في الحديث السياسي السطحي، لأن تحوُّل المجتمع من مجتمع إقطاعي أو شبه إقطاعي (مجتمع كفاف) إلى مجتمع رأسمالي تابع، أدخل الصراع الطبقي بكل حدَّته إلى كل بقاع الوطن العربي، وجعل النضال القومي مرتبطاً أشد الارتباط بالنضال الطبقي. مما أوجد ظروفاً جديدة، تختلف أشد الاختلاف، عن الظروف التي سادت في فترة الاستعمار المباشر. ظروف كون الصراع الطبقي بات هو أساس الصراع القومي، وليس العكس.
وفي هذا الوضع تتقوَّم مهمات الحزب في التالي:
أ) طرح التصور السياسي الشامل، أي استراتيجية العمل الثوري.
ب) ربط مشاكل الطبقات الشعبية بالمشاكل السياسية العامة، أي تسييس الصراع الطبقي، أو التأسيس على الصراع الطبقي، لأن هذا الربط هو في جوهر الصراع الطبقي، في مقابل النضال المطلبي فقط أو النضال الديمقراطي المنعزل.
ج) تطوير حركة الطبقات الشعبية ومحاولة إعطائها بُعدها السياسي المنظم، من خلال تطوير النشاط النقابي والمطلبي، السياسي والثوري، من أجل تحقيق التغيير في مرحلته الراهنة، مرحلة الثورة «القومية الديمقراطية».

سمة النشاط الجماهيري

لاشك أن هناك تزايداً في نشاط الحركة الجماهيرية في عدد من الأقطار العربية، يمكن تلمسه من خلال متابعة حركات الإضرابات التي تحدث في كل البلدان العربية. ويمكن ملاحظته بشكل أوضح في الانتفاضات التي حدثت في هذه البلدان تحديداً خلال ثمانينات القرن العشرين. وإذا كان سلاح الإضراب يعبِّر عن نضال الطبقات من أجل تحسين أوضاعها فتلجأ إلى كل وسائل الاحتجاج، فإن الانتفاضة تعبِّر عن مرحلة أعلى من الاحتجاج، تبلغ حد السخط، تستخدم فيها الطبقات الشعبية وسائل عنيفة. ولا يبدو أن هناك تدرجاً في الانتقال من سلاح الإضراب إلى سلاح الانتفاضة، بل إن الانتفاضة غدت تحدث بشكل دوري كلما نشأ اختلال في العلاقة بين الأجور والأسعار، إلى الحد الذي جعل سلاح الانتفاضة سلاحاً أساسياً في تحقيق عملية التغيير في الوطن العربي.
لماذا تحدث هذه الانتفاضات؟
إننا معنيون بتحديد السبب الجوهري لحدوثها فيما إذا كنَّا معنيون بالنضال الواقعي، ومصممون على الارتباط بالحركة الجماهيرية، لأننا نطرح الأهداف التي تطرحها الطبقات الشعبية، وإن كنا معنيين بأن نراها انطلاقاً من رؤية علمية، وأن نضعها في سياق النضال السياسي الشامل. وهذا الذي يجعلنا لا نرى النشاط الجماهيري العفوي فقط، بل نرى إشكالاته في الوقت نفسه، وأن نحدِّد مهام الحزب، في إطار سعيه لتحقيق الثورة الجذرية العميقة. إذن لماذا تحدث هذه الانتفاضات؟ لماذا «تنفجر» الجماهير حين يُصدِر نظام من الأنظمة قراراً يقضي برفع الدعم عن السلع الأساسية، مما يقضي زيادة أسعارها، لكأن هذا الارتفاع «المحدود» في أسعار هذه السلع هو الذي ينقل الإنسان من الحياة إلى الموت؟
يمكن تلخيص السبب الجوهري الذي يؤدي إلى ذلك في مسألتين، هما: بطء النمو الداخلي (أو قد يكون الأدق، في أحيان كثيرة، الحديث عن انعدام النمو، أو النمو السلبي)، بسبب تحويل المجتمع من مجتمع ينتج السلع الضرورية لمعيشة الطبقات الشعبية إلى مجتمع يستوعب السلع المستوردة بشكل متزايد، أي باختصار محدودية الدخل المحلي، ومحدودية نموه. ومن المعروف أن التخلف «المتوارث»، والذي جرى دعمه من قبل الامبريالية العالمية، هو سبب ذلك. لأن الامبريالية العالمية معنية بتكوين أسواق لها تستوعب بضائعها وسلعها، وهذا يفرض وجود مجتمعات غير صناعية، لكي تستورد منتجات الصناعة الرأسمالية، وغير زراعية لكي تستورد، أيضاً، المنتجات الزراعية للرأسمالية. والمسألة الأخرى هي النهب الامبريالي الذي يؤدي إلى خروج جزء هام من الدخل المحلي إلى المراكز الإمبريالية عبر قنوات مختلفة، منها اختلال الميزان التجاري لمصلحة الواردات، وفتح الوطن لاستثمارات رؤوس الأموال الأجنبية والشركات متعددة الجنسية في القطاعات غير المنتجة أساساً، ثم من خلال تهريب الفئات المستغِلة الحاكمة لثرواتها التي نهبتها من الدخل الاجتماعي العام.
وإذا علمنا أن عدد السكان يتزايد بشكل متسارع ـ وهي سمة النمو السكاني في الوطن العربي، حيث يتضاعف عدد السكان كل ربع قرن تقريباً ـ بينما لا ينمو الدخل المحلي بما يوفر مستوى معيشة موازٍ لما كان قبل سنة أو سنتين، نعرف بأن عملية الإفقار في تصاعد. وتزيد من حدة المشكلة تزايد وتيرة التبعية للسوق الامبريالي، التي توجد مسألتين مترابطتين: تزايد أسعار السلع بنسب مرتفعة(11)، وتزايد النهب الذي تمارسه الشركات الاحتكارية(12)، وكذلك تزايد شره الفئات المستغِلة الحاكمة(13). فتستحوذ هذه كلها على جزء هام من الدخل المحلي، مما يفرض تناقص حصة السكان من الدخل المحلي تناقصاً متسارعاً يؤدي إلى إفقار الطبقات الشعبية، إفقاراً مطلقاً، يصل إلى حد الموت جوعاً. عندها لا يكون ممكناً بقاء هذه الطبقات راكدة، خانعة، لأنها لم تعد تستطيع العيش.
هذا ما حدث في مصر عام 1977، وتونس عام 1978، والسودان عام 1979، والمغرب عام 1981، والسودان عام 1982، ثم تونس والمغرب ومصر عام 1984، ومن ثم السودان عام 1985، ومصر عام 1986، والجزائر عام 1988، والأردن عام 1989. ولعل الوضع ينذر بانفجارات جديدة من جديد، في تونس والمغرب، ومصر، والجزائر، و الأردن، وسورية واليمن ودول أخرى، بعد الركون الذي طاول سنوات التسعينات.
والمشكلة التي تؤدي إلى كل ذلك هي السياسة التي تتبعها الأنظمة الحاكمة، وخصوصاً في المجال الاقتصادي(14)، النابعة من مصلحة الفئات المستغِلة الحاكمة، هذه الفئات التي اغتنت نتيجة الدور الذي لعبته في العملية الاقتصادية، حيث عملت في الرشوة والسمسرة. ولهذا شجعت الاستيراد لأنه مجال السمسرة والرشوة، وضربت كل تطور إنتاجي محلي، ففتحت البلاد مشاعاً لنهبها، وأساساً لنهب الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات، هذه الشركات التي تنهب دون حساب، ودون أن تحسب حساباً لفقر الجماهير أو لمصيرها. إن سيطرة فئة تسعى لأن تكوِّن ثروة كبيرة يدفعها إلى تكييف الاقتصاد المحلي في العلاقة مع السوق الإمبريالي بما يخدم هذا الهدف.
ولما كانت ظروف تطور الرأسمالية العالمية لم تعد تسمح بتطور بورجوازي مستقل، يقوم على أساس تطوير جدِّي في الصناعة والزراعة، يحقق فائضاً، تلجأ هذه الفئات من البورجوازية إلى أن تكون وسيطة  تعمل في تسويق السلع المنتجة من قبل الشركات متعددة الجنسيات، لكي تقتصَّ عمولة ـ أو سمسرة ـ، ولكي تنهب الطبقات الشعبية من خلال بيع السلع في السوق المحلي بأسعارها في السوق العالمي. لهذا فهي تستفيد من سيطرتها على جهاز الدولة لكي تصدر القوانين التي تدعم الاستيراد وتسهِّله، وتحطِّم وسائل الإنتاج المحلية، سواء الصناعات التي بنيت خلال قرن من الزمان، وهي صناعات تحويلية ِأساساً، أو الريف كمنتج للمواد الزراعية الأساسية(15).
وتؤدي هذه السياسة إلى حدوث عملية معقدة، تطيح بالدخل المحلي العام، وبالتالي بنصيب الفرد منه:
فأولاً: تؤدي السياسة الاقتصادية التي تتبعها هذه الفئة إلى تناقص نمو الدخل المحلي تناقصاً شديداً، وحتى إلى تناقص قيمته، أي إلى نمو سلبي في قيمة الدخل المحلي.
وثانياً: نهب الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات من خلال بيع سلعها بأسعار مرتفعة في السوق المحلي، مما يؤدي إلى خروج جزء هام من الدخل المحلي، من خلال العجز في الميزان التجاري، كما من خلال الأرباح التي تحققها هذه الشركات من الامتيازات التي تحصل عليها في إطار عملها في الوطن العربي.
وثالثاً: النهب الذي تمارسه الفئات الحاكمة من خلال التحكم بأسعار السلع وبيعها بأسعار باهظة.
ورابعاً: نهب الدولة ـ السلطة الحاكمة ـ المفروض من خلال الضرائب على الأموال والأفراد والسلع.
لهذا يبقى جزء ضئيل من الدخل المحلي الذي هو ضئيل بالأصل، ليوزع على الأغلبية الساحقة من الجماهير، مما يجعلها، مع تزايد النهب الامبريالي، والنهب المحلي، غير قادرة على العيش. ولهذا يزداد فقر الفقراء، وتنعم قلة بجزء هام من الناتج المحلي، وتنهب الشركات الاحتكارية ما يحلو لها. فلا يكون هناك مناص من الانفجار، لأن الطبقات الشعبية لا تستطيع العيش وفق الوضع الذي كانت عليه، حيث يصل النهب الامبريالي إلى مستوى يجعل فئات اجتماعية واسعة لا تستطيع الحصول على ضروريات الحياة، وعندها لا يعود ممكناً بقاء الطبقات الشعبية خامدة هامدة قانعة بقدرها ومصيرها.
ولا نخالنا معنيين بدراسة الأرقام التي توضح كل ما جاء سابقاً، لأننا لا نود تقديم دراسة اقتصادية، لكن يمكننا إعطاء بعض المؤشرات التي توضح ما نحاول تأكيده. تبلغ مثلاً نسبة تكوين رأس المال الثابت، الخاص، والعام، إلى مجمل الدخل القومي في البلدان العربية الفقيرة، للأعوام 79، 80، 81، على التوالي 23%، 25%، 28%، رغم أنها تذهب في معظمها لما يخدم القطاع التجاري. بينما بلغت نسبة الاستهلاك العام والخاص، إلى الدخل القومي لنفس الأعوام، 80%، 86.2%، 87.7%، على التوالي(16). وهذه الأرقام تؤشر إلى غياب نمو القوى المنتجة، مما لا يسمح بنمو متسارع في الدخل القومي. أما على صعيد التجارة الخارجية فقد بلغت نسبة العجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات إلى الدخل القومي للبلدان العربية الفقيرة للسنوات ذاتها، كما يلي: 30%، 28%، 37%، على التوالي، حيث كان العجز 22.825 مليار دولار، 25.441 ملياراً و 35.545 مليار دولار(17). أما نهب الشركات الاحتكارية فالأرقام قليلة حوله، وتشير دراسة أميركية إلى أن الشركات الأميركية ربحت وحدها في العام 1976 مبلغ 27 مليار دولار(18). كما بلغت 7.6 مليارات دولار عام 1985 بالنسبة لمصر وحدها(19).
أما على صعيد التمايز الطبقي فيمكن النظر لوضع مصر كي يتوضح وضع الطبقات الشعبية، حيث يحصل أدنى 44% من الأسر على 20 من الناتج، وأدنى 57% من الأسر على 32% من الناتج، و71% من الأسر على 46% من الناتج(20)، بينما تشير احصائيات أخرى إلى أن 20% من السكان تعيش حالة فقر شديد، و40% في حالة فقر نسبي، بينما يحصل 20% من السكان على 49.5% من الدخل(21).
لهذا فإن حالة الإفقار المطلق التي تعيشها الطبقات الشعبية، تؤدي بالضرورة إلى انفجارات واسعة، تهز عروش، وتطيح بأنظمة. وإذا كانت الانفجارات التي حدثت في العديد من الدول لم تؤد إلى تحقيق التغيير الجذري، فقد أشّرت إلى عمق الأزمة من جهة، وأكسبت هذه الطبقات خبرات نضالية كبيرة من جهة ثانية. لكنها أشّرت أيضاً إلى غياب القوى السياسية القادرة على قيادتها، وخصوصاً هنا القوى الماركسية. مما أصبغ الطابع العفوي على هذه الانتفاضات. وهنا مكمن الضعف في النشاط الجماهيري.

إشكالية النضال العفوي:

كانت نتيجة الانتفاضات التي حدثت هي الفشل،أو حدوث أشكال من التغيير في بعض الحالات، هذا التغيير الذي خدم شرائح من البورجوازية على حساب أخرى، ولم يؤد في كل الأحوال إلى تحقيق التغيير الجذري، الذي يعني انتصار القوى المعبِّرة عن مطامح الطبقات الشعبية صانعة الانتفاضات. ولاشك في أن النضال العفوي المعزول عن النضال السياسي العام الذي تمارسه قوى ثورية، يقود إلى هذه النتيجة، حيث تبقى الطبقات الشعبية دون “عقل” وهدف جوهري. وبالتالي فإن الفراغ الذي يحدث في الحياة السياسية يملأ من قوى مختلفة لا تعبِّر عن مطامح تلك الطبقات. والسبب يكمن في أن النضال العفوي يقوم على أساس مطالب محددة، آنية في أغلب الأحوال، مثل زيادة الأجور، أو الحفاظ على ثبات الأسعار، ولا يعود ينحكم لتصور سياسي يطرح قضية التغيير بأفقها الاقتصادي الاجتماعي والسياسي، أي لا يطرح قضية السلطة. وهذه قضية منطقية فيما يتعلق بطبقات بسيطة الوعي، تتغلغل الأمية في أوساطها، وبالتالي تحكمها الايديولوجيا السائدة، هذه الأيديولوجيا التي تلعب دوراًً مهماً في اقتناعها بأن المطلوب هو «إحقاق الحق»، والحق يعني أن تقدِّم الفئات المستغِلة بعض التنازلات التي تحسِّن من وضع هذه الطبقات الفقيرة، ما دام التمايز الطبقي قضية إلهية. إضافة إلى أن هذه الأيديولوجيا تحصر القضية في جانب مطلبي ضيِّق، لأنها تقنع الناس بأن للسياسة «القادرين على ممارستها»، وهم غالباً الوجاهات والفئات الميسورة (المستغِلة).
ومن يدرس شعارات كل الانتفاضات التي حدثت في الوطن العربي، يلاحظ أنها شعارات تطالب بتحسين الظروف المعاشية. ولقد انتهت حين تحققت بعض المطالب (مثل التخلي عن قرارات وقف الدعم عن السلع، أو التخلي عن قرارات رفع أسعار السلع الأساسية، وخصوصاً الخبز ومشتقاته)، ولم نلمس أي شعار سياسي  يتعلق بطبيعة السلطة السياسية، أو طبيعة العلاقة مع الامبريالية(*). وهذا يشير إلى غياب الحركة الماركسية، وعجزها عن لعب دور في هذه الانتفاضات، لا بل إن دورها في العديد من الانتفاضات التي حصلت كان سلبياً، حيث أدانت معظم التحركات باعتبار أنها أعمال شغب وتخريب، ورأت أن المطلوب هو «التفاهم» مع الأنظمة، من خلال الحوار و«النضال الديمقراطي»، لكي يمكن التوصل إلى حلول شاملة للمشاكل التي تعانيها الجماهير.
لهذا يمكن التأكيد أنه لن تحقق أي انتفاضة الأهداف التي تطرحها الطبقات الشعبية إذا لم تلعب القوى الثورية دوراً مهماً فيها، من خلال تطوير الوعي العام لدى هذه الطبقات. وهذا يستلزم تطوير أساليب الدعاية والتحريض بهدف إكسابها وعياً مطابقاً لمصالحها ومطامحها، ومناقضاً لوعي عدوها (الفئات المستغِلة محلياً، والامبريالية عالمياً). لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يجعل من الممكن أن ترفع الطبقات الشعبية الشعارات السياسية كشعارات مرادفة لشعارات النضال المطلبي، وأن تلعب القوى الثورية دوراً مهماً في تطوير أساليب التنظيم التي تجعل للنشاط الجماهيري جدوى، وتمكِّن من أن تصبح هذه الطبقات قوة لا تقهر.
أما ما يجري حالياً، فيوضح أن الحركة الماركسية غير قادر على لعب أي دور جدِّي.

وضع الحركة السياسية:

وتكتسب الحركة السياسية طابعها من الظروف التي تولد فيها، والوضع الذي تعيش فيه. وتتحدد مهماتها على ضوء الظروف العيانية التي يعيشها الوطن الذي تولد فيه، والطبقات التي تدافع عنها. هذا إذا أرادت أن تتحول إلى حركة ثورية جذرية، أما إذا افتقدت كل ذلك، فستصبح حركة هامشية، قد تلعب أدواراً مختلفة، لكنها لن تستطيع لعب دور قوة الطليعة.
ولقد ولّدت ظروف النضال ضد الاستعمار القديم الحركة الوطنية العربية منذ بداية هذا القرن، فاصطبغت بصبغة محددة تقوم على أساس رد الفعل ضد سياسات وممارسات القوى الخارجية، وحين انهار الاستعمار القديم وتمكنت بعض القوى الوطنية من الوصول إلى السلطة في عدد من الدول العربية، عجزت عن تحقيق الشعارات التي رفعتها في ميدان البناء الداخلي، وعلى صعيد الوحدة العربية. ولكن التحولات التي حدثت خلال السنوات الثلاثين الماضية، ومنها تصفية بقايا الإقطاع والبورجوازية التقليدية من جهة، ثم تزايد دور «الدولارات النفطية» من جهة أخرى، أوجدت وضعاً طبقياً جديداً، اتسم بـ«الميوعة» والاختلاط، حيث عملت القوى الوطنية على أساس «إلغاء الفوارق الطبقية». ولقد أوجدت هذه التحولات ظروفاً أسهمت في اتساع حجم البورجوازية الصغيرة والوسطى، وحصولها على امتيازات جعلتها تتكيَّف مع الأوضاع الجديدة، وحققت للطبقة العاملة والفلاحين تحسناً مهماً في أوضاعها المعيشية، رغم أن الفروقات الطبقية ظلت كبيرة، حيث كان الـ20% الأغنى في مصر، تحصل على 48.4% من الدخل المحلي سنة 1965، و48.1% في السودان سنة 1969. أما النفط فقد أثر في البنية الطبقية لكل الدول النفطية، وانعكس تأثيره على الدول الأخرى من خلال المساعدات والقروض، وتوظيف رؤوس الأموال، والعمالة.
وأخذ الوضع في التغير مع التحولات السياسية اليمينية التي حدثت منذ عام 1970، والتي كانت نتاج إشكالات المرحلة السابقة في المجال الاقتصادي الاجتماعي، حيث نمت فئات طفيلية استطاعت أن تتحول إلى قوة، وأفرزت تفارقاً طبقياً واسعاً. وقادت هذه التحولات إلى تزايد التبعية للإمبريالية سياسياً واقتصادياً، التي أدت بدورها إلى استشراء سياسة النهب. إن سياسة النهب الامبريالي هذه، والتي أوجدت حالة الإفقار المطلق، أدت إلى إحداث فرز طبقي جديد، اتسم بالاستقطاب الحاد، مما جعل الطبقات الشعبية في البلدان العربية الفقيرة تعيش حالة من الفقر الشديد، وصل لدى قطاعات معنية إلى حدّ الجوع، بينما عاشت فئات قليلة حياة مترفة. لقد ولد هذا الانقسام، وقادت هذه الحالة، إلى انتعاش الحركة الجماهيرية، واندفاعها في نشاط محموم، وإلى تحول ركودها الطويل إلى انتفاضات عارمة. وكلما ازدادت حالة الفقر، بسبب تعمق التبعية كلما تزايدت الانتفاضات، واتسعت وازداد تأثيرها.
لكن اتساع النشاط الجماهيري لم يرتبط بتزايد نشاط الحركة الماركسية، بل في تراجعه وانحداره. وكان ذلك يعبر عن مشكلة تعيشها الحركة الماركسية (سوف يجري تلمس بعض جوانبها لاحقاً). لكن يمكننا أن نتلمس طبيعة علاقتها بالطبقات الشعبية لارتباطه بما نحاول تبيانه في هذا الفصل. ويمكن القول إن الحركة الماركسية العربية اتسمت في السنوات الأخيرة بإحدى سمتين، الأولى: الإصلاحية، والثانية: الطفولية والانقلابية والتآمرية.  وهذه السمة وتلك أبعدا الحركة عن الطبقات الشعبية إلى حد كبير، لأن الاتجاه الإصلاحي، يركز على «ضرورة إقناع» الفئات الحاكمة بتحقيق مطالب محددة، لا تكون ثورية في جوهرها، لهذا يركز الاتجاه الإصلاحي على إقامة علاقات أساسية مع هذه الفئات، ويتكيف مع سياساتها، ربما يحتجّ أو ينتقد لكنه لا يميل إلى الرفض ولا يفكر في التغيير، لهذا فهو يبتعد عن المشاركة في النشاط الجماهيري الثوري. أما القوى الطفولية (الانقلابية، التآمرية)، فإنها تعتقد أن التغيير يتم بتصفية الفئات الحاكمة (مستخدمة أسلوب القتل، أو الانقلاب). وهي انطلاقاً من ذلك لا تعتقد أن للطبقات الشعبية دوراً سوى التأييد. وهذا وذاك لا يجدان كبير دور تقوم به هذه الطبقات سوى «التأييد والدعم والمساندة». وهما معاً، لا يطرحان قضايا الطبقات الشعبية الأساسية، ولا يدافعان عنها، ولا يخوضان معاركها.
ولقد أظهرت الانتفاضات التي حدثت في مصر، وتونس، والمغرب، والسودان (مع استثناء محدود للانتفاضة الأخيرة)، أن القوى السياسية، عدا قوى محدودة، تقف على الحياد، حين يتفاقم الصراع بين الطبقات الشعبية والبرجوازية الكومبرادورية الحاكمة، وتتخذ مواقف مرتبكة مهزوزة، لكنها في جوهرها إصلاحية(22). فهي لا تطالب بإزالة الفئات المستغلة الحاكمة وتأسيس سلطة جديدة تعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية، بل تطالب السلطة القائمة بتحسين أوضاع هذه الطبقات ، أي تخفيف الظلم عنها، وإعطائها بعض الحقوق المحدودة، وهي تأمل من النظام، أن يحقق ذلك. بمعنى أنها تقف عند القضايا المعيشية المطلبية فقط، دون تلمس أنه حتى هذه القضايا لا تتحقق إلا بتغيير السلطة ذاتها.
وإذا كانت الانتفاضة الجماهيرية لحظة زمنية تقيِّم هذه الطبقات من خلالها الحركة السياسية، لأنها وهي تخوض معركة وجودها تكون في لحظة شديدة «الحساسية» و«الرهافة»، تستطيع من خلالها تقييم القوى المختلفة في موقفها من الانتفاضة ذاتها، وفي دفاعها عن المطالب الجماهيرية، وفي دورها في كل ذلك،. لذلك كانت الانتفاضات المتتالية لحظات اكتشفت الطبقات الشعبية أنها وحدها في المعركة، وأن الحركة السياسية تعيش «أحلاماً» غير أحلامها، وهي لا تمت بصلة لأحلامها في التحرر وإزالة الاستغلال.
لهذا نستطيع القول إن الحركة الجماهيرية تتجاوز اليوم الحركة السياسية التي نشأت منذ أكثر من ثلاثة عقود، وتبرزها كحركة إصلاحية. من هنا تأتي مشروعية البحث في تأسيس حزب جديد، حزب يقوم على ماركسية حقة، ويندغم بالطبقة العاملة والفلاحين الفقراء لكي يعبّر عن واقعهم، ويدفعهم للوصول إلى السلطة.

الاقتصاد والسياسة:
النضال المطلبي والنضال الثوري

ركزنا الاهتمام في الصفحات السابقة على مطالب الحركة الجماهيرية المباشرة، والمتعلقة أساساً بالجانب الاقتصادي، ولم نولِِ أي اهتمام للسيطرة الإمبريالية، أو للنضال السياسي، رغم الخطر التي تشكله القوى الإمبريالية، والذي يزداد تفاقماً، ورغم الإشكالات المعقدة التي يطرحها الواقع العياني، التي هي إشكالات أوسع مما تطرحه الطبقات الشعبية راهناً، مثل قضية تجاوز التخلف، وقضية الوحدة القومية مثلاً.. إلخ. فهل يعني الاهتمام بقضايا الجماهير انتقاصاً من النضال ضد الخطر الخارجي (الامبريالي الصهيوني)؟ وهل يعني طرح هدف عملي مثل هدف تبني المطالب الجماهيرية تغليب النضال الداخلي على النضال ضد الخطر الخارجي؟ وهل هناك أولوية في كل هذا النضال الداخلي والخارجي؟ وإذا كانت هناك أولوية على الصعيد النظري من منطلق أن مواجهة القوى الإمبريالية هي الهدف الأسبق قبل الخوض في غمار الصراع الطبقي، فهل يجوز إعطاء الأولوية لذلك في غمار النضال العملي؟ وأساساً هل تأخذ مطالب الطبقات الشعبية بعين الاعتبار؟ وإلى أي مدى؟
وما يزيد من أهمية الإجابة على هذه الأسئلة، «النضال الأحادي» الذي ساد العمل الثوري العربي في السنوات الماضية، حيث انفصم الربط بين النضال الطبقي والنضال القومي، وبين الداخل والخارج، فأولت بعض القوى النضال القومي الاهتمام الأول، وفي أحيان كثيرة الاهتمام الأوحد (النضال من أجل الوحدة، النضال من أجل فلسطين)، وأولت قوى أخرى النضال المطلبي المعاشي (الاقتصادي) الاهتمام الأول والأوحد. وإذا لمس الاتجاه الأول النضال المطلبي فمن بعيد، وبحياء شديد، وعادة مراعاة للنشاط الجماهيري. كما أنه إذا لمس الاتجاه الثاني النضال القومي، فخجلاً وعلى استحياء، وأساساً نتيجة المد الجماهيري العارم. لهذا انفصمت الحركة السياسية، انقسمت على نفسها، وقسمت الطبقات الشعبية، ثم انفصمت عن هذه الطبقات. وكانت الحركة الشيوعية العربية هي التي تعاني من الإرباك الأشد، حيث فصمت بين الطبقي والسياسي، فركزت على المطلبي من جهة، وفي الحدود المطلبية فقط، وعلى السياسي “الديمقراطي” من جهة ثانية، وعلى رفض الاستعمار دون نضال حقيقي ضده.
والآن، فإن أي فصم سوف يؤدي إلى تكرار تجربة فاشلة. لهذا كان من الضروري دراسة الحركة التاريخية الصاعدة، حركة الأمة باتجاه تحررها ووحدتها، وحركة الطبقات الشعبية من أجل تقدمها ونهضتها، من أجل إزالة الاضطهاد والاستغلال اللذين تعيشهما. وإذا كنا نسعى لتحقيق أهداف الأمة وجب علينا أن نربطها بحركة الطبقات الشعبية، لأنها بالأساس أهداف هذه الطبقات. وهذا يعني أن نتبنى مطالبها، أن ندافع عن أهدافها ومطامحها، وأن نبذل كل الجهود من أجل تحقيقها، في التحليل الأخير. لكن أزمات الطبقات الشعبية الملحة، أزمة الجوع والفقر والتخلف من جهة، وتخلف الوعي لديها من جهة أخرى، يجعلانها تخوض النضال المطلبي عموماً، وإن سعت بعض فئاتها إلى خوض النضال السياسي. وهنا لا يجب أن ننسى أن مهمة الحزب الماركسي تتقوم بالضبط في إكساب الطبقات الشعبية الوعي السياسي المطابق لمصالحها ومطامحها من جهة، وتنظيمها لكي تخوض النضال الثوري من جهة أخرى.
ولكي نضع القضية في إطارها الصحيح لابد من شرح لعدد من القضايا التي ترتبط بهذا الموضوع:
1ـ إن نمو الحزب، أي حزب، يرتبط بمدى انسجامه مع الحركة الجماهيرية، مع وضع الطبقات التي يسعى لأن يعبر عنها. والانسجام مع الحركة الجماهيرية لا يكون بطرح القضايا الكبيرة فقط (مثل التحرر والوحدة والديمقراطية)، لأن الطبقات الشعبية تعتبر هذه القضايا –في أغلب تقدير- حلم جميل، لكنه حلم «لا يسمن ولا يغني من جوع» بالنسبة لحالتها الراهنة تحديداً، وهي الحالة التي تكون مدخل اتحاد الحزب بها كطبقة، فالذي يكتوي بالنار لا يريد العسل. وهذا يعني بالضبط أن نربط بين البرنامج العام والمطالب الجماهيرية، وبتحديد المهام العملية التي تقنع الطبقات الشعبية. إننا لا نطرح «حلماً» فقط، بل ونطرح القضايا الواقعية أيضاً، أو بتعبير أدق نطرح الحلم الذي ينطلق من الواقع، حيث أن تحقيق الأهداف العامة هو الأساس الذي يسمح بتحقيق التطور والحداثة، وبالتالي تحقيق تحول في الوضع المعيشي لهذه الطبقات.
وإذا كانت هناك فئات تنسجم مع قضايا مثل قضية تحرير فلسطين، وتتطوع للقتال من أجل تحريرها، أو كانت هناك فئات أخرى تطالب بالديمقراطية والوحدة، فإن كل هذه الفئات ستبقى محدودة العدد، قليلة التأثير إذا لم ترتبط الحرية والديمقراطية والوحدة القومية بمواجهة الجوع والفقر، مادامت حركة الجماهير الأساسية تندفع، كما هو واضح في الكتلة الأساسية في الوطن العربي (الكتلة الأساسية من البشر)، في انتفاضات عفوية حين يهتز وضعها المعاشي، حين تزداد فقراً. فلماذا لا نعتبر هذه هي نقطة البدء لتسييس الحركة الجماهيرية، وإعطائها الوعي السياسي العميق، الوعي الذي يؤهلها لاستيعاب استراتيجية الثورة القومية الديمقراطية(*)، ومن ثَّم العمل من أجل تحقيقها؟ وهذه فكرة جوهرية في الماركسية، حيث أن الإنسان هو المبتدأ، وتحقيق الرفاه هو الضرورة.
ثم هل يستثير الخطر الإمبريالي كل الجماهير العربية لكي نعتبره الخطر الأول؟ على الصعيد النظري يمكن تحديد أن تحرير الأرض يحظى بالأولوية، ثم يجري تحقيق الثورة الديمقراطية، ومن ثمَّ الاشتراكية. وقد ينطبق ذلك على بلاد محتلة (مثل فيتنام قبل تحرير الشمال، وجنوب فيتنام قبل تحريرها)، ولكن وضعنا ليس كذلك، فالأرض المحتلة تشكل جزءاً من الوطن (رغم خطورة دور الكيان الصهيوني، ورغم اتساع دور الإمبريالية الأميركية واحتلالها العراق، وتهديدها كل الوطن العربي)، بينما الجزء الأساسي منه يعيش «مستقلاً» سياسياً، وتابعاً اقتصادياً، وهنا تتداخل السيطرة الامبريالية بأزمة الطبقات الشعبية، ويكون السعي لتحسين أوضاع هذه الطبقات سعياً لإزالة التبعية والتخلف. وهذا يعني ارتباط النضال من أجل «تحسين أحوال المعيشة» بالنضال ضد الإمبريالية، وضد أدواتها (ومن أدواتها الأساسيين الكيان الصهيوني والبرجوازية الكومبرادورية العربية)، وبالنضال من أجل الوحدة القومية. لذلك يمكننا القول إن الخطر الخارجي يستثير الجماهير في المناطق المحتلة (فلسطين، الأحواز، الإسكندرون، سبتة ومليلة…والآن العراق). أما في الوطن العربي فيمكن الإجابة بالنفي، حيث يمكن أن يستثير الخطر الخارجي فئات محددة فقط (خارج نطاق الأرض المحتلة مباشرة)، وقد يستثير عواطف قطاعات واسعة من الجماهير العربية بفعل الشعور القومي، ولكن استثارة كل الجماهير العربية تتطلب عملاً دعاوياً يوجد الوعي بهذه الحقيقة.
لذلك فإن خوض الطبقات الشعبية لمعمعان النضال الاقتصادي يفرض على القوى الماركسية أن تعمل من أجل إقناع الطبقات الشعبية بارتباط قضية تحسين الأحوال المعيشية بقضية السيطرة الامبريالية من جهة، وقضية استحالة النمو وتحقيق الرفاه دون تحقيق الوحدة القومية من جهة أخرى. لكن دون أن يكون شعار تحسين الأحوال المعيشية شعاراً راهناً للقوى الماركسية لا تستطيع إعطاء الحركة الجماهيرية توجهاً استراتيجياً مرتبطاً بتحقيق الثورة القومية الديمقراطية. هذا هو الشكل الواقعي، الذي علينا أن ننطلق منه، والذي نتج عن تحول وضع الوطن العربي من وطن مستعمر إلى وطن تابع بعض أجزائه محتلة.
2ـ إن الخطر الخارجي ليس هو الاحتلال المباشر فقط، إنه في هذه المرحلة يتمثل في السيطرة الامبريالية، التي تعني إخضاع الأسواق العالمية لنشاط الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات(23). وينتج عن إخضاع السوق العربي لنشاط الشركات الاحتكارية حالة إفقار مطلق، تم الحديث عنها في الصفحات السابقة. كما تأتي الإشكالات الأخرى، مثل الاحتلال والتجزئة، من السعي لضمان السيطرة على السوق المحلي. وهذا يعني أن الطبقات الشعبية العربية معنية بمواجهة الخطر الإمبريالي، ولن يتم ذلك إلا على أساس برنامج يعبر عن هذه الطبقات ويمثل مصالحها. وإذا كان تحرير الأرض المحتلة (كما في حالة الوطن العربي)، وتحقيق الوحدة القومية، هما هدفان أساسيان، وضروريان لتحقيق التطور، فإن الطبقات الشعبية، وبحكم عبء الأزمة التي تعيشها، تبتدئ بالأهداف الأكثر تأثيراً في حياتها. إنها ترى في التحرير والوحدة والديمقراطية مطامح مستقبلية، وأهدافاً بعيدة، وأحلاماً جميلة (وهنا نتحدث عن كتلة الجماهير الأساسية)، لكنها تنجذب بقوة إلى القضايا العملية، إلى المشاكل الراهنة، إلى اللحظة الراهنة، أي باختصار إلى وضعها «اليومي». ولذلك فهي تلحظ ارتفاع سعر رغيف الخبز، وتعتبر ذلك قضيتها الملحاحة. إنها تدافع عن قوت يومها لكي يتسنى لها أن تفكر بالتحرير والوحدة والديمقراطية. وحين تعيش حالة من الفقر الشديد، وتشعر أنها على حافة الموت، يكون الحديث عن الوحدة والديمقراطية والتحرير بالنسبة لها وعظاً لا مبرر له، فهي مع تجاوز جوعها أولاً، ثم تسعى لتحقيق القضايا الأخرى. رغم أن هذه الرؤية تحمل إشكالية هامة، وهي أن تجاوز الجوع يقتضي تحقيق القضايا الأخرى. وهذا ما يجب على الحزب الماركسي أن يؤسس الربط فيه.
لذلك فإن «تجاوز الجوع» يرتبط أشد الارتباط بثلاث قضايا جوهرية:
أولها: إن «تجاوز الجوع» يفرض إسقاط الفئات الكومبرادورية الحاكمة، لأن النمط الاقتصادي على تؤسسه، والسياسات الاقتصادية التي تتبعها هي التي تؤدي إلى الجوع والفقر. وثانيهما: الاصطدام بالامبريالية الأميركية ـ تحديداً ـ وأدواتها، لأنها تلعب دوراً مهماً في إفقار الطبقات الشعبية، ولأنها تدافع عن مصالحها أمام أي تهديد محتمل، حيث تلجأ إلى القوة لضمان «عدم انتهاج الدول النامية طريقاً مستقلاً، وبقائها خاضعة للاحتياجات الأساسية للديمقراطية الصناعية»(24). وفي هذا الإطار يطرح الصراع مع الكيان الصهيوني كمنفّذ للسياسة الإمبريالية في الوطن العربي، وثالثها: تحقيق الوحدة القومية لتجاوز التأخر والتبعية معاً. وهذه كلها أهداف الثورة القومية الديمقراطية.
وإذا كان شعار الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية، والسعي من أجل تحسين أوضاعها، هو شعار أولي، فإنه يفضي إلى صيرورة تحقيق الثورة القومية الديمقراطية، ومن هنا يكتسب أهمية راهنة. وإذا كان الحزب الماركسي يتبنى هذا الشعار، فليس لأنه ينزع إلى «النضال الاقتصادي المطلبي» كما ساد في الحركة الشيوعية القديمة، بل لأنه شعار أساسي مادام يعبر عن أكثر قضايا الطبقات الشعبية حساسية والتهاباً. وما دامت هذه الطبقات تخوض هذا النضال وتندفع للدفاع عن قوتها اليومي، وعن حياتها. ولأنه يفضي إلى الإستراتيجية السياسية الشاملة. ومهمة الماركسية الثورية وضع هذا الشعار في سياقه الصحيح. ولهذا يقع على عاتقها عبء طرح هدف إسقاط أنظمة الحكم، وتطوير النضال الجماهيري، من أجل تحقيقه أولاً، والعمل على مواجهة السيطرة الإمبريالية، من خلال تنظيم المقاومة المسلحة، والاهتمام بتأسيس القوى العسكرية اللازمة لتحقيق ذلك. وهي كلما نجحت في تجاوز مشكلة الفقر من خلال إسقاط الفئات الكومبرادورية الحاكمة (رغم أن تجاوز الفقر يحتاج أساساً، لنهوض شامل، يوفر إمكانيات التقدم الاجتماعي، لكن سيكون الأمر نسبي هنا)، وهذه خطوة أولية لابد منها، كلما مهدت الظروف المؤاتية لتطوير الصراع ضد القوى الإمبريالية.
3ـ وهناك قضية نظرية، يبدو أننا بحاجة لإعادة النقاش حولها، رغم أنها نوقشت كثيراً في الماركسية(25)، وهي هل أن للصراع مستوى واحد؟ أجابت الماركسية أن له ثلاثة مستويات، نظري، سياسي واقتصادي(26)، وهي مستويات مترابطة متداخلة، رغم أنه يمكن أن تكون الأولوية لأحدها في لحظة من اللحظات. والأولوية لا تعني تجميد، أو إلغاء المستويات الأخرى، بل تكون مدخلاً لتطورها.
لهذا فإن النضال الاقتصادي المطلبي يعبر عن مستوى في النضال. والنضال السياسي (مواجهة العدو الإمبريالي، تحقيق الوحدة القومية، إسقاط الفئات المستغِلة الحاكمة)، مستوى آخر. والنضال النظري مستوى ثالث. ولقد كانت مواجهة الاستعمار مدخلاً لتحقيق الثورة الديمقراطية في بعض البلدان، وكان النضال المطلبي مدخلاً لتحقيق الثورة الديمقراطية في بلدان أخرى، تبعاً للحالة المباشرة التي تواجهها الطبقات الشعبية.
ثم إن الجماهير العفوية تخوض نضالاً مطلبياً، بينما تخوض الحركة السياسية نضالاً مطلبياً وسياسياً ونظرياً. ومهمتها أن تخرج الطبقات الشعبية  عن أسلوبها العفوي، وليس معارضة «تصور» الجماهير، بتصورها الخاص. ولا يجب أن تنظر من هذه الزاوية لأنها تكون قد وضعت الطبقات الشعبية في صف آخر يقابلها، بينما هي تفعل عبر ومن خلال الطبقات الشعبية. لهذا فحين يجري اعتبار شعار الدفاع عن مصالح هذه الطبقات شعاراً أولياً فلأن نشاط الطبقات الشعبية يتخذ منحى مطلبياً بسبب عمق الأزمة في هذا المجال، حيث إن حالة الفقر هي الطاغية اليوم. ولما كانت الحركة الماركسية تسعى لتحقيق مطامح هذه الطبقات، وبالتالي للارتباط بها، رفعت هذا الشعار، وأعطته الاهتمام الذي يستحق.. بعد ذلك يجب أن تعطي للحركة الجماهيرية أبعادها السياسية والنظرية. وهذا يعني البدء بالاقتصاد (على صعيد النشاط العملي) ما دام النشاط المطلبي الاقتصادي هو البارز على صعيد الحركة الجماهيرية، وهو الدافع لنشاطها. وهذا يطرح الخوض في المستويات الثلاثة:
أ) فالحزب لكي يبلور اتجاهاً نظرياً متماسكاً، ولكي يتبلور كحزب ماركسي ثوري، يخوض النضال النظري ضد الاتجاهات السلفية والطائفية الإصلاحية والطفولية.
ب) وهو لكي يصبح حزباً جماهيرياً، وبالتالي يوفر الظروف التي تسمح بتحقيق الثورة الجذرية، يطرح قضايا الجماهير الملتهبة، فيخوض النضال الاقتصادي المطلبي.
جـ) وهدفه الأساسي هو تحقيق المشروع السياسي الذي يطرحه، من خلال بلورة القوى الثورية، وتطوير نشاط الطبقات الشعبية، ليتحول من نشاط مطلبي إلى نشاط سياسي ثوري يسقط الأنظمة ويحقق الوحدة القومية، ويواجه السيطرة الإمبريالية.
إن تبني شعار الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية (أي خوض النضال الجماهيري) لا يعني أن تكرس القوى الثورية كل جهودها في هذا المجال، لأن من واجبها أساساً تأسيس القوة التنظيمية المتماسكة، القادرة على اكتساب الوعي الثوري. كما أن من واجبها تأسيس التحالفات الضرورية لخوض النضال القومي الديمقراطي، وأشكال العمل النقابي والديمقراطي لتأطير أوسع قطاعات هذه الطبقات. ولكن من واجبها العمل على تأسيس القوى المسلحة من أجل تطوير الصراع ضد الكيان الصهيوني، والاحتلال الأميركي، وللتصدي للخطر الخارجي عموماً. لكن القدرة على تطوير القوى المسلحة ترتبط بتغيير موازين القوى في الوطن العربي لمصلحة القوى الثورية.
إن النضال في الوطن العربي معقد، وهو ذو أشكال مختلفة، منها المطلبي الديمقراطي، ومنها الثوري العنيف، ولا يجوز أن نسقط شكلاً لمصلحة آخر، أو نقلل من أهمية شكل من أحل التهويل بشكل آخر، لأن ذلك سوف يؤدي إلى حدوث اختلالات أساسية، خصوصاً إذا ظل إطار الفهم ينطلق من أولوية مواجهة “العدو الخارجي”.
·         فصل من كتاب “مهماتنا، الثورة ومشكلات التنظيم” منشورات الوعي ط1/ 1986

(1) هذا ما تقول به الأحزاب الشيوعية على وجه الخصوص. انطلاقاً من حتمية الانتقال من المشاع إلى الرق، إلى الإقطاع، فالرأسمالية ومن ثم الاشتراكية.
(2) د. حليم بركات «المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي اجتماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 نيسان 1984 (ص 154).
(3) يمكن مراجعة موقف لينين من المناشفة، وخلافه معهم حول هذه النقطة تحديداً، انظر لينين «خطتنا الاشتراكية ـ الديمقراطية في الثورة الديمقراطية» دار التقدم ـ موسكو، والأحزاب الشيوعية العربية تتبنى الخط المنشفي رغم أنها تسمت باللينينية.
(4) يمكن مراجعة موقف تروتسكي من هذه القضية، انظر، دون ذكر المؤلف «سيرة حياة فلاديمير ايليج لينين» مكتبة النهضة ، بغداد، دار الفارابي (بيروت) ط2 نيسان 1975 (ص171)
(5) لا تطرح الأحزاب الشيوعية، هذه القضية بوضوح تام في أدبياتها، لكنها تظهر واضحة للدارس لكل نهجها، خصوصاً أن هذه الأحزاب عادة مع تقلد تجارب أخرى.
(6) انظر بهذا الخصوص، لينين «ما العمل؟» دار التقدم ـ موسكو، وخصوصاً الفصل الخاص بما هو مشترك بين الاقتصادية، والإرهابية (ص99ـ 104).
(7) تظهر هذه الصيغ عندنا، ليست كما ظهرت في البلدان الأخرى، ولكن بصورة مسخ، فلا يكون هناك مناضلون يتبعون طريقاً خاطئاً، بل أدوات تنفذ سياسات أجهزة مخابرات مختلفة.
(8) بهذا الخصوص، يمكن مراجعة، لينين «ما العمل» مصدر سبق ذكره، خصوصاً القسم الرابع الصفحات (131ـ 200).
(9) هذا ما سوف يجري التطرق له في القسم الثاني.
(10) د. حليم بركات، مصدر سبق ذكره (ص167- 168).
(11) بهذا الخصوص، يمكن مراجعة، الأمم المتحدة، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «المجموعة الإحصائية لمنطقة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا 1974-1973» العدد الثامن، بغداد 1985.
(12) منظمة العمل العربية، مكتب العمل العربي «الشركات المتعددة الجنسية، وسياسات الاستخدام والتكنولوجيا في اليلاد العربية» ط1 القاهرة، 1979، ط2 دون تاريخ. وكذلك د. مصطفى الدباس «الاحتكارات الدولية، وممارساتها في الوطن العربي» دمشق 1982 إصدار الاتحاد العام لنقابات العمال في القطر العربي السوري.
(13) يظهر ذلك واضحاً من خلال اتساع رقعة التمايز الطبقي تحديداً
(14) يمكن مراجعة د. فؤاد مرسي «هذا الانفتاح الاقتصادي» دار الوحدة للطباعة والنشر (بيروت) ط2، 1980.
(15) لعل مثال مصر، من أنصع الأمثلة على هذا الطريق، بهذا الخصوص أنظر، عبد القادر شهيب «محاكمة الانفتاح الاقتصادي في مصر» دار ابن خلدون (بيروت) ط1، آذار 1979.
(16) الأرقام مأخوذة من مجموعة من الكتاب «التنمية العربية، الواقع الراهن والمستقبل» مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 تشرين الثاني 1984، (293).
(17) نفس المصدر، واحتسبت من الصفحات (292و293).
(18) بيتر دويجنان ول. هـ غان «الشرق الأوسط في مخططات الولايات المتحدة في الثمانينات» دراسات استراتيجية، المجلد الأول 1980، رقم 7 (ص29) إصدار مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت).
(19) ميشيل كامل «أزمة المعارضة الوطنية بين الفكر والممارسة» اليسار العربي العدد 76ب آذار 1986 (ص9).
(20) د. جنات السمالوطي، بحث مقدم للمؤتمر العاشر للاقتصاديين المصريين، نقلاً عن «الأهرام الاقتصادي» العدد 880 تاريخ 25/12/1985 (ص32).
(*) هناك استثناءات محدودة في هذا المضمار، خصوصاً في انتفاضة السودان عام 1985، نتيجة نشاط القوى السياسية البورجوازية، التي كانت لها اعتراضات حول صيغة الحكم.
(22) يمكن مراجعة، نقد ميشيل كامل لخط المعارضة المصرية، انظر ميشيل كامل «أزمة المعارضة الوطنية…» مصدر سبق ذكره الصفحات (4-9). وأيضاً أديب ديمتري «مصر مبارك وأوهام التغيير» اليسار العربي العدد 76، آذار 1986 الصفحات (10-13).
(*) يجب التوضيح هنا أن تخلف الوعي لا يسمح بأن تستوعب الطبقات الشعبية إستراتيجية الثورة الديمقراطية بكل أبعادها. ولعل الفئات الأكثر وعياً ونشاطاً هي التي تستطيع ذلك، وهي المعنية بتنظيم حراك هذه الطبقات من أجل تحقيقها.
(23) يقول نعوم تسومسكي، إن الدولة الأميركية تسعى «مستجيبة لمطالب أولئك الذين يسيطرون على الاقتصاد المحلي، والنظام الاجتماعي، إلى بناء إطار دولي تزدهر فيه المؤسسات الأميركية»، انظر، تشومسكي «حقوق الإنسان، والسياسة الخارجية الأميركية» مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت) ط1، 1984.(ص7).
(24) نفس المصدر (ص7).
(25) مثلاً يمكن مراجعة لينين «ما العمل؟» دار التقدم ـ موسكو، ولينين «مهمات الاشتراكيين الديمقراطيين الروس» دار التقدم ـ موسكو.
(26) لينين «ما العمل؟» مصدر سبق ذكره (ص33).

سلامة كيلة: السنوات القادمة سنشهد المزيد من الإحتجاج العارم على سياسية نظم الرأسمالية

في حديث خاص حول اندلاع الاحتجاجات الشعبية التركية الاسبوع الماضي بشكل مفاجئ للجميع، حاورت صحيفة “فصل المقال” المفكر الفلسطيني سلامة كيلة الذي وصف هذه الإنتفاضة الشعبية كتكملة للاحتجاجات العالمية في السنوات الأخيرة التي سنشهد المزيد منها في السنوات القادمة.

وقال كيلة ” ما حدث في تركيا مفاجئ للجميع، كان التوقع أن تنفجر المظاهرات في بلدان تعيش أزمة اقتصادية حقيقية مثل اليونان أو ايطاليا، خصوصا وأن تركيا وفي السنوات الأخيرة شهدت تحسنا في الوضع الإقتصادي وخصوصا بعد صعود حزب الحرية والعدالة، بالذات بعد الانفتاح التركي على الشرق بعدما تم رفضها غربيا، فبدأ ميل تركي – اردوغاني للسيطرة على السوق الاقتصادية في الشرق وتصبح تركيا قوة اقتصادية عالمية”.

وأضاف كيلة “أردوغان محمول من قبل البرجوازية التركية، ومثل أي بلد رأسمالي كبير، تطورت الرأسمالية في تركيا وتضاعفت التجارة الخارجية عشرات المرات، وتوسعت أوضاع الناس الصعبة، وهذا نلحظه في العديد من دول العالم خصوصا بعد أزمة الرأسمالية العالمية الأخيرة في عام 2008، فلا أرى أن السبب لإندلاع الاحتجاجات هو الخلاف “العلماني – الإسلامي” في تركيا، فحزب الحرية والعدالة حزب علماني، لكنه ضد العلمانية المتطرفة، وكلنا نذكر بعد فوز الإخوان المسلمين في مصر طالب اردوغان مرسي أن تتحول مصر لدولة علمانية الأمر الذي لم يعجب الإخوان، بل أن الوضع الطبقي للفئات الشعبية هو الأساس وتغير الظروف المعيشية كنتيجة لنهضة الرأسمالية مما أدى إلى تمايز طبقي وحالات فقر واسعة، مع الإضافة الى وجود أحزاب معارضة لأردوغان ايضا عززت هذه الاحتجاجات”.

وأشار كيلة الى أن العالم كله مهيأ لاحتجاجات إجتماعية، فأزمة الرأسمالية عام 2008 لم ولن تحل كونها تختلف عن الأزمات السابقة التي حصلت والتي كانت تُحل وفق الرأسمالية نفسها عبر تجديد الأسواق والدخول لأسواق جديدة من خلال الحروب لتلبية حاجة الإنتاجات، إلا أن الفائض المالي الحالي والذي نتج عن تطور الرأسمالية أصبح غير قادر أن يتم توظيفه في الاقتصاد الحقيقي كونه اصبح مُشبعا، ولم يعد بالإمكان إضافة صناعات جديدة في ظل التنافس الحالي بين الصناعات القائمة، إذ لم يعد المال يمر بأسواق العمل. وتحول الى مال مضارب من خلال المشتقات المالية التي اخترعت لتصريف المال.

وهذا الوضع أدى الى أزمات مستمرة من انهيار البنوك والصناعات الحديثة، وكي تحاول الرأسمالية انقاذ نفسها تقوم بنهب المجتمع وإفقار الناس وهذا شهدناه في جميع الدول الرأسمالية وشهدنا عملية التخلي عن دعم السلع وحماية الناس والإبتعاد عن الرفاه الاجتماعي وزيادة الأسعار وعدم زيادة الرواتب وارتفاع نسب البطالة، الامر الذي يخلق قاعدة حقيقية للاحتجاج الشعبي القابل للانفجار في أي لحظة من الولايات المتحدة مرورا بدول اوروبا حتى ايران وصولا الى الصين.

المصدر: عرب 48

الأسلمة في الثورة السورية

يبدو أن نجاح الإخوان المسلمين في مصر وتونس، والميل العام لانتصار الإسلاميين عموماً، فرض أن يصدّق ما يـــقال عـــن الأسلـــمة في الثورة السورية، من دون تدقيق أو تناول نقدي. لهذا انقلبت مواقف بعض القوى والنـــخب بسرعة شــديــدة من دعــم الثورة إلى التشكك فيها.

لعب الإعلام الخليجي دوراً مهماً في نقل صورة «متأسلمة» عن الثورة السورية منذ البدء، وكان واضحاً أن هناك من يريد الأسلمة، التي كان إعلام السلطة قد جعلها محور خطابه عن الثورة، حيث قرّر مسبقاً أن مواجهة الثورة تفترض تشويهها، لتخويف قطاع كبير من المجتمع (من الأقليات الدينية كما من الغالبية الدينية)، لأنه في ذلك يكسب تماسك قوى اجتماعية خلفه.

ويبدو أن قوى «معارضة» سورية رأت في ذلك فائدة لها، وهنا كان لابتعاد جماعة الإخوان المــسلمين عن سورية بعد الصراع الطائفي الـــذي بدأوه نهاية السبعينات والرد الوحشي للسلـــطة، أن أدى إلى زيادة في التعصب، والفرح بأن تظهر الثورة كـ «ثورة إسلامية»، من دون التفات إلى الأخطار التي يمكن أن تنتج من ذلك، والتــي تعرفها السلطة وتشتغل عليها.

هذا الوضع جعل للثورة صورة في الإعلام هي غير الواقع، حيث كان المطلب الأساسي إسقاط النظام. والمشكلة التي وسّعت من طغيان صورة الإعلام تمثلت في أنها باتت تؤكد «المنظور الغربي» الذي لا يرى في المنطقة سوى أديان وطوائف، وتأسست «أيديولوجية» كاملة تقوم على التخويف من الإسلام (الإسلامفوبيا).

لكن ربما لم يكن هذا الأمر كافياً لتعميم صورة «أصولية» للثورة. فهذا الشكل المنقول إعلامياً كان يتمظهر في «وجود حقيقي» على الأرض، بين المتظاهرين وخصوصاً بعد أن أصبحت الثورة مسلحة. وهو وجود تمثل في اسماء الكتائب المسلحة وفي مظاهر المقاتلين، وفي وجود بعض الكتائب «الإسلامية»، مما كان يظهر طغياناً للمقاتلين «الإسلاميين»، وبالتحديد بعد تشكيل جبهة النصرة.

أولاً، يمكن الإشارة إلى أن الأزمة المجتمعية التي تمظهرت في زيادة البطالة والفقر فرضت أن يميل قطاع من الشباب إلى الأسلمة كعزاء روحي لانسداد الأفق الذي يعيشه. وهذا كان يظهر لدى فئات مجتمعية مختلفة، لكنه كان واضحاً لدى الفئات الأكثر فقراً. وقد اتسم ذلك بكونه «تديناً شعبياً» بلا أدلجة أو انتماء سياسي، ربما في بلدان أخرى كان بعض هؤلاء ينخرط في الحركات «الجهادية»، وفي سورية انخرط البعض في هذه الحركات، لكن الحالة العامة تمثلت في انتشار التدين الشعبي.

هذا ما ظهر في الثورة السورية عبر الشعارات بعد أن استطاعت السلطة تدمير التنسيقيات التي تشكلت مع بدء الثورة والتي كـــانـــت تضم «نخباً» شبابية، وشباباً وكوادر لهم عــــلاقة بالمعارضة (واليسارية خصوصاً)، حيث تزايدت الهتافات التي تشير إلى الدين (الله، والجنة…). لكن هذه المرحلة شهدت أيضاً شعارات مهمة لها دلالات سياسية كبيرة، مثل «لا سلفية ولا إخوان»، في سياق رفض خطاب السلطة الذي كان يركز على سلفية الثورة وإخوانيتها. وهي شعارات شعبية بامتياز، لأن المعارضة كانت تميل الى التقرب من الإخوان المسلمين، وكان خطابها يتمحور حول «سبّ» السلطة. وهو شعار انتشر في كل سورية التي كانت تتظاهر حينها، أي خلال الأشهر الستة الأولى من الثورة.

ثانياً، ربما كان الانتقال إلى العمل المسلح بعد التصاعد الشديد في عنف السلطة، خصوصاً حينما أصبح الجيش قوة الصراع مع الشعب، قد ارتبط بـ «الأسلمة». على رغم أن المسلحين كانوا من المنشقين عن الجيش، ومن المتظاهرين أنفسهم، وهؤلاء وأولئك لم يكونوا «متأسلمين» سوى بالحدود التي أشرت إليها للتو. لكن بدأ يظهر أن أسماء الكتائب المسلحة «إسلامية» وأطلقت اللحى. هذا الوضع بدأ يؤكد خطاب السلطة من جهة، وخطاب الإعلام من جهة أخرى.

في جانب، ارتبط ذلك بـ «التمويل» الذي كان يفرض هذه التسميات، وهو قادم من الإخوان المسلمين خصوصاً (الذين بدوا كواجهة لدول خليجية). ولا شك في أن الانتقال إلى السلاح كان يفرض الحاجة إلى التمويل من أجل العيش كما من أجل الحصول على السلاح. وعلى رغم أن في ذلك مقداراً من الصحة، فإن الأمر ربما كان أعقد من ذلك، حيث ليس من السهولة على شباب تمرّد على سلطة وحشية أن يغيّر من هدفه ببساطة، فقط لأنه يحتاج إلى المال. أظن أن هذه الحاجة ارتبطت، من جانب آخر، بعنصر أساسي يتعلق بالصراع مع السلطة ذاتها، وفي الرد على خطابها.

فإذا كان الشباب قد رد على خطاب السلطة المتهم بأن الثورة «إسلامية» برفض الربط مع السلفيين والإخوان، فقد اصبح الرد بعد أن تصاعدت دموية السلطة وظهرت وحشيتها، هو «تلبُّس الحالة»، أي الانتقال إلى تمثّل الحالة التي تفترضها السلطة. بالتالي أتت هذه الحالة في سياق التحدي الذي يفرضه العنف الوحشي. ولم تأتِ في سياق «أسلمة» بالمعنى الأيديولوجي.

لهذا نجد أن الكتلة السياسية من المسلحين، والذين ينشطون في كتائب ذات تسميات «إسلامية» لا يختلفون عما كانوا، كشباب يريد إسقاط النظام، ومقتنع بـ «لا سلفية ولا إخوان». هذا ما يظهر حين الاحتكاك بهؤلاء، وهو الوضع الذي يرفض الإعلام نقله.

هذا الوضع ربما يوضح أنه يجب التمييز بين الأشكال والصور وبين الواقع الذي لا يزال يشير إلى أن الثورة شعبية على رغم كل هذه الأشكال والصور، وأن القوى الأصولية ما زالت هامشاً فيها.

المصدر: الحياة

تركيا وسوريا.. حسابات الخسارة بعد أمل بالنصر

d15f88c8-a5da-4d4c-98b1-84b799843650

تبدو تركيا هي الخاسر الكبير في سوريا بعد أن ظهر واضحاً حصول التوافق الأميركي الروسي، لأن هذا التوافق “يورث” سوريا لروسيا، وبالتالي تنتهي إمكانية تركيا في الحفاظ على مكاسبها التي تحصلت عليها من بشار الأسد.

وإذا كانت تركيا في حالة توتر مع سوريا خلال التسعينيات نتيجة وجود حزب العمال الكردستاني في أراضيها، كما نتيجة انحياز تركيا للحلف الأطلسي والسياسة الأميركية، هذه السياسة التي كانت تتراوح بين التحسن والتذبذب، ورغم أن الأمر حسم بعد تهديد تركي جدي بضرب سوريا عسكرياً سنة 1998، فقد فتح استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا الطريق لتحسن كبير في العلاقات وصلت إلى حد التوقيع على اتفاق إستراتيجي سنة 2006.

فتركيا التي ملت من انتظار قبولها عضواً في الاتحاد الأوروبي قرر شعبها إيصال حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، الحزب الذي مثّل الحنين إلى “التراث الشرقي” رغم أنه -بعد أن انشق عن حزب أربكان- قد تشكل كحزب علماني. ولهذا أصبح “التوجه شرقاً” هو السياسة التي تحكم الحزب. طبعاً بدءاً من الجارة سوريا.

ولهذا أخذ يطور علاقته مع النظام في دمشق بشكل متصاعد، وعمل على “تثبيت حكم بشار الأسد” سنة 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري كما صرّح داود أوغلو مهندس سياسة الحزب الخارجية. هذه السياسة التي تضمنت أن تصبح تركيا “قوة عالمية” حيث انطلقت الرؤية التركية من ضرورة أن تصبح تركيا مركز الشرق عبر إقامة علاقات تسمح بأن يكون هذا الشرق سوقاً للشركات التركية، وتعزز ذلك بعد الأزمة المالية العالمية سنة 2008، حيث اندفعت الرأسمالية التركية لتعزيز دور أردوغان وسياساته.

وكانت سوريا هي المدخل الضروري، لأنها أولاُ هي السوق الأقرب، وثانياً هي المدخل لسوق السعودية والخليج، حيث إنها طريق الترانزيت إلى هناك، الأمر الذي أفضى إلى توقيع الاتفاق الإستراتيجي سنة 2006 وهو ما سمح بفتح السوق السورية كاملة أمام السلع والشركات، وجعل تركيا “شريكاً عائلياً” للسلطة السورية.

وبموجب ذلك حصلت تركيا على أفضل امتياز في سوريا، وباتت “تثق” بأنها على طريق التحوّل إلى قوة عالمية، وأن عليها “كبح” الدور الإسرائيلي في المنطقة التي باتت تعتبر أنه لها، وهذا الأمر هو الذي فرض “التصادم” مع الدولة الصهيونية.

وإذا كانت أميركا خلال هذه الفترة تعمل على محاصرة السلطة السورية وعلى تغييرها، فقد انطلقت السياسة التركية من مبدأ تثبيت هذه السلطة ودعمها والانفتاح الكامل عليها. بمعنى أن السياسة التركية كانت في تعاكس مع السياسة الأميركية، وكان طموح تركيا لأن تكون قوة عالمية خلف هذا الأمر الذي يعني “الاستقلال” عن أميركا، بل والسعي للتعامل المتكافئ معها كونهما “قوة عالمية”. لهذا كانت السياسة التركية تعمل على إفهام الأميركيين بأن دور الدولة الصهيونية كقوة مسيطرة في المنطقة قد انتهى، وأن تركيا هي “الأَولى” لأنها جزء “أصيل” من الشرق.

وكانت العلاقة الجيدة مع السلطة السورية مسألة محورية في منظور تركيا، بل كانت مدخل كل هذا الطموح “الإمبريالي”.

لهذا حين بدأت الثورة في سوريا جهدت القيادة التركية لإفهام بشار الأسد بأن عليه أن يصلح وضعه بدل أن ينتهي إلى السقوط. الأمر الذي جعلها تسعى لأكثر من ثلاثة أشهر لكي تقنع السلطة السورية بأن الحل الأفضل هو في الإصلاح وليس في العنف.

ولقد قدّمت مقترحات تنطلق من مبدأ الانتقال إلى تأسيس دولة ديمقراطية تعددية. وكانت ترفع النقد أحياناً، لتعود فتخفضه من أجل إنجاح مهمة داود أوغلو في دمشق، إلى أن وصلت إلى قناعة بأن السلطة السورية عاجزة عن فهم الواقع وأنها متشبثة بالحل العسكري اعتقاداً منها أنه سينجح في هزيمة الثورة، بينما كان التحليل التركي يشير إلى أن النظام سيسقط.

هذا الأمر جعل الحكومة التركية تفكّر جدياً في البديل. فهي تريد أن تكرّس ما حققته عبر العلاقة مع بشار الأسد، ولا تريد أن تكتشف أن سوريا قد حكمت من قبل فئات أخرى ليست متوافقة معها، ولا تقبل بالاتفاق الإستراتيجي المتحصل من بشار الأسد. بل يجب أن تبقى سوريا لها.

طبعاً كانت تركيا الأردوغانية في علاقة جيدة مع جماعة الإخوان المسلمين، ولقد سعت -وهي في علاقة جيدة مع بشار الأسد- إلى أن تجري المصالحة بينهما. واستغلت الجماعة الحرب على غزة بداية سنة 2009، وموقف السلطة السورية منها، لكي توقف الصراع معها، وأن تعتبر أنها سلطة وطنية، دون أن تتجاوب السلطة مع هذه المبادرة طيلة سنتين.

وكان من الطبيعي أن تعتبر تركيا الأردوغانية جماعة الإخوان المسلمين هم مفصل البديل الذي تريده أن يحكم سوريا. فدعمت تشكيل المجلس الوطني السوري، الذي كان “الغلاف” لجماعة الإخوان المسلمين، حيث تحكموا منذ البدء بكل مفاصله، وأصبحوا هم من يقرر في كل سياساته. ولقد دعم المجلس كذلك من كل من قطر وفرنسا، ليصبح هو “السلطة البديلة” التي تخدم مصالح هؤلاء.

إذاً، تركيا الأردوغانية لم تكن ضد بشار الأسد، على العكس فقد كسبت منه الكثير، اقتصادياً وسياسياً (توقيع التنازل عن لواء الإسكندرون)، لكنها رأت أنه سيسقط ولهذا يجب أن تكون قادرة على فرض بديلها الذي يحافظ على مكتسباتها التي تحققت بالعلاقة مع بشار الأسد. ومن ثم وجدت في جماعة الإخوان المسلمين هذا البديل (مع الغطاء الليبرالي الضروري لنجاح السيطرة الإخوانية). ولقد تحكمت في مسار المجلس بشكل كامل، وحصلت منه على “عقود” اقتصادية ووعود مسبقة.

الآن، ينتهي كل شيء. فقد اكتشفت تركيا أن أميركا تبيع سوريا لروسيا، وأن الحل لن يأتي إلا عبر التوافق الأميركي الروسي الذي يعترف بـ”المصالح الحيوية لروسيا في سوريا”. خصوصاً أن السلطة السورية قد وقعت عقوداً مهمة مع الجانب الروسي، منها كل العقود التي كانت قد جرى توقيعها مع تركيا، إضافة إلى النفط والغاز. بالتالي لم تعد هناك إمكانية لفرض بديل تركي. وأيضاً ضاع المفصل الأساسي في السياسة التركية التي تعتمد السيطرة على الشرق.

وهذا يعني كذلك أن حظوظ القوى التي دعمتها قد انتهت، خصوصاً هنا جماعة الإخوان المسلمين.

لكن يبدو أن تركيا قد حصلت على “جائزة ترضية”، رغم أنها ليست في أهمية الخسارة. فقد نشطت أميركا لإعادة ترتيب العلاقة التركية الإسرائيلية، ونجح أوباما في الحصول على اعتذار من نتنياهو عما جرى لأسطول الحرية، وطلب كيري من تركيا أن ترعى وضع الدولة الصهيونية.

ويمكن القول بأن تركيا كسبت ما خسرته حينما قررت أن تصبح هي القوة المسيطرة في الشرق، والذي دفعها للصراع مع الدولة الصهيونية. فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين كبيرة كذلك. وأن يجري الاعتراف بأن عليها “رعاية” الدولة الصهيونية أمر يرضي “غرورها”.

كذلك جرى توقيع اتفاقات اقتصادية ضخمة مع السعودية. ثم ربما كانت هناك وعود بأن تظل سوريا هي الممر لسلعها إلى السعودية والخليج، وأن يبقى السوق السوري مفتوحاً أمامها. خصوصاً وأنها في علاقة جيدة مع روسيا، ولقد وقعت اتفاقات اقتصادية ضخمة معها، رغم الخلاف على إمدادات الغاز، التي يجري التنافس بين البلدين حول طرقها، والخلاف حول سوريا ومن يحصل على “حصة الأسد” فيها.

ما يبدو الآن هو أن تركيا قد غيّرت موقفها من حلفائها، فقد دعمت توسعة الائتلاف الوطني، هذه التوسعة التي كانت ترفضها جماعة الإخوان المسلمين لأنها سوف تنهي سيطرتها على الائتلاف. ولقد ضغطت بشدة على الجماعة لكي تقبل التوسعة، بالتوافق مع السعودية وأميركا وفرنسا (التي غيّرت موقفها كذلك).

وهذا يعني أن “السمسرة” الأميركية لمصلحة روسيا قد جعلت كل هؤلاء يقبلون بالحل الروسي. وأن يعملوا معاً لترتيب وضع الائتلاف كي يقبل الذهاب إلى جينيف 2، بقبول “مسبق” بمضمون هذا الحل بما هو واضح في النص وما هو مرتب “تحت الطاولة”.

وبالتالي تخسر تركيا الأردوغانية وحلفها في سوريا لمصلحة روسيا، وهذا يطرح السؤال حول طموحاتها التي تنطلق من جعل تركيا قوة عالمية، خصوصاً بعد الثورة التي بدأت هناك.

المصدر: الجزيرة

نحو تأسيس ماركسي جديد

نحن في مرحلة تفرض إعادة بناء الفعل السياسي، حيث تبدو الأحزاب “الشيوعية” و”الاشتراكية” و”الماركسية” في حالة موات طويلة الأمد. وحيث يبدو الواقع المتفجر بحاجة لقوى جديدة، ليس من حيث الأسماء والأشكال بل من حيث الفهم والمضمون والفعل. فالثورات أظهرت مدى تهميش وهامشية كل تلك القوى، كما أظهرت بالآن ذاته الحاجة الملحة لقوى تنظم هذه الثورات، وتؤسس رؤيتها وبدائلها وإستراتيجيتها.

ومهما كان الاسم الذي يمكن أن نوصّف فيه هذه القوة أو هذا الحزب: ماركسي، شيوعي، اشتراكي، يساري، فإن الأساس هنا هو أن الماركسية كمنهجية وأداة تحليل وفهم وهدي في الممارسة هي التي يجب ان تكون منطلق كل فعل جديد. وأن تمثّلها يتمظهر في مقدرتنا على وعي الواقع القائم ووعي صيرورته، الأمر الذي يؤسس لمعرفة دورنا في هذه الصيرورة القائمة على صراع الطبقات.

نحن في مرحلة جديدة تؤشر إلى أن أحزاب قد شاخت، وأنها باتت في عداد الموتى. تضيقت وانعزلت عن الطبقات، وهرمت، ولقد تكلست وتحدد خطابها في جمل وشعارات ومنطق تفكير هي أصلاً من قادها إلى هذا المصير الماساوي، ولم تعد تساعدها بالتالي الآن على التكيف مع وضع جديد، يتسم بالديناميكية بعد الثورات التي حدثت. في الوقت الذي باتت أجيال من الشباب المفقر والمعطل تندفع للانخراط في الفعل الثوري، ويتجه جزء مهم منها نحو “اليسار”، بالضبط نتيجة وضعه ذاك.

لكن قبل التأسيس من جديد لا بد من النقد، حيث يجب “تصفية الحساب” مع “الماضي اليساري” من أجل ماركسية حقة، علمية وثورية. ومن أجل حزب ماركسي ينهض من صفوف العمال والفلاحين الفقراء، ويكون قادراً على تشكيل “كتلة تاريخية” عبر تشكيل تحالف طبقي يضم الفلاحين المفقرين والبرجوازية الصغيرة المفقرة. ولكي يكون ممكناً للثورات أن تحقق المطالب العميقة التي يطرحها الواقع، وتعيد بناء التكوين المجتمعي لمصلحة هؤلاء.

أولاً: أزمة الشيوعية ونهاية الحركة القديمة

نتجت أزمة الحركة السياسية ليس عن القمع العاري فقط، لقد لعب هذا العامل دوراً لاشكّ في ذلك، لكن يجب أن نلحظ مشكلاتها البنيوية التي سبقت التحوّلات التي قامت بها “النظم القومية”، والتي تفاقمت بعدها، خصوصاً بعد انحسار الصراع الطبقي وتحوّل الكتلة العريضة إلى قاعدة للسلطة الجديدة، الأمر الذي جعل تلك الحركة في وضع مختلف لم تستطع التكيّف معه، وربما كان الوضع ذاته قد تجاوزها. كما أنها لم تسعَ إلى إعادة النظر في بنيتها وتصوّراتها بعمق، ولم تطوّر وعيها طيلة العقود السالفة، الأمر الذي أبقاها دون رؤية حقيقية ودون مقدرة على وعي الواقع. فأصبحت حركتها استجابة لفعل السلطة، مما وسمها بالتعامل انطلاقاً من ردود الفعل، وحصرها في المستوى السياسي.

و كانت التحوّلات الاجتماعية توجد ظرفاً مفارقاً، وبيئة غير مؤاتية للفعل السياسي. لتأتي سطوة السلطة وآلتها القمعية تكميلاً لوضع، لكنها قادت إلى تدمير الحركة السياسية وكذلك تدمير السياسة في المجتمع. ولهذا باتت استجابة التمرّد والرفض في هذه المرحلة لدى بعض القطاعات ترتبط بـ «الوعي العادي» لدى الفئات الاجتماعية، أي الوعي الديني (بمعناه التقليدي الشعبي). وهذا ما أوجد إشكالية جديدة، حيث أن هذا الوعي لا يؤسِّس لرؤية واضحة للواقع، ولا يطرح بديلاً يتجاوزه. على العكس من ذلك فهو يؤسِّس لاستنهاض تناقضات الماضي التي هي عبء على صيرورة التطوّر، وعلى عملية التغيير، كما على مواجهة الأخطار.

و إذا كان الخيار الذي ينتصر هو خيار: الليبرالية، والديمقراطية المغروسة في شقوق الماضي وثلومه، والميل الإنكفائي (السوروي) المتنازل عن المسألة الوطنية، والمتكيّف مع العولمة الإمبريالية. فإن خياراً آخر يجب أن يُطرح، وأن يُعمل على بلورته، خيار يمثّل الطبقات الشعبية، خصوصاً العمال والفلاّحين الفقراء وكلّ الفئات المهمّشة في الريف والمدينة، الأمر الذي يدفع إلى إعادة صياغة الوعي والتصوّرات والتكتيك، المعبّرين عن كلّ هؤلاء. وهذا ما يجب أن تقوم به قوة ماركسية اشتراكية مستندة إلى العمال والفلاحين الفقراء، ومطورة صراعهم الطبقي ضد الرأسمالية
الجديدة والقديمة معاً.

لكن هذا الأمر يفرض تحديد المشكلات الأساسية للحركة الشيوعية وكل القوى الماركسية التي نشطت خلال العقود السابقة، من أجل بلورة تصوّرات تتجاوزها، بالاستناد إلى وعي جديد بالواقع، وانطلاقاً من منهجية ماركسية منفتحة تستند إلى المنهج المادي الجدلي. وفي هذا الإطار يمكن ملامسة ست مشكلات جوهرية اخترقتها وتحكّمت في تكوينها. ولقد طال ذلك الحركة الشيوعية كما طال الحركات الماركسية (اليسار الجديد) التي حاولت تجاوزها دون أن تفلح في ذلك، حيث بدت الاختلافات سياسية أكثر مما هي جذرية تطال كلية البنية، أو بالأساس تطال الوعي وتمثّل الماركسية، رغم أن هذه الاختلافات كانت تضع الحركة الشيوعية والحركات الماركسية في موقع التعارض وأحياناً التناقض. ورغم أن هذه المشكلات تحتاج إلى بحث مطوّل، إلا أن الضرورة تفرض تلخيصها في التالي:

1) الوعي المحدود بالماركسية، والانطلاق من أنها نصوص مكتملة غير قابلة للخطأ، وغير قابلة للإضافة. بمعنى أنها أصبحت تتضمّن «كلّ العلم»، الأمر الذي جعل هذه النصوص بديل الواقع، أو الواقع المحدّد مسبقاً. لهذا لم يتبلور الميل لوعي الواقع والبحث فيه من أجل الوصول إلى قوانينه المحدّدة في المكان والزمان. وبهذا غابت المسألة الأهمّ في الماركسية التي هي منهجيتها التي تسمى الجدل المادي، والتي هي أساس وعي الواقع وفهم متحوّلاته وتحديد رؤى تحويله.
و لقد جرى التعرّف على الماركسية عبر الماركسية السوفييتية في الغالب، فجرى الالتزام بمبادئها وتصوّراتها السياسية. وهذه الماركسية هي التي حوّلت الماركسية من طريقة في التفكير إلى «نصوص مقدّسة»، الأمر الذي قاد إلى العماء من خلال بنية فكرية تحدِّد الواقع مسبقاً، وبالتالي تؤسس لحركة لا أساس واقعي لها، بعيدة عن مشروع الطبقة التي تطرح أنها تعبّر عنها، وبالتالي جعل كلّ العمل السياسي ضائعاً خلف أوهام.
هنا يمكن القول بأن النقلة الضرورية في الوعي لم تتحقق، فظل الوعي “تقليدياً” رغم الطابع الحداثي الذي يتغطى به. ولهذا ظلت تفكر من منظور منهجية قديمة عبرت عن عقل أحادي تشرّب الموروث التقليدي بدل أن يقطع معه. لهذا ركنت إلى النقل والحفظ، وتكرار النصوص والأفكار، دون وعي كنهها، وتمثل منهجيتها. وكان كلّ ذلك يشير إلى الفشل في وعي كنه الماركسية والإفادة منها من أجل وعي الواقع القائم في بلادنا. حيث ظلّت طريقة التفكير القروسطية هي المسيطرة، هذه الطريقة التي لا تستطيع تجاوز الشكل إلى المضمون، والجزء إلى الكلّ، ولا يمكنها فهم أن الواقع متحوّل. لهذا أبدلت مفرداتها التقليدية بمفردات ماركسية، واستمرت تنظر إلى العالم والأشياء من منطلق: مع أو ضد، وكذلك: إما، أو. الأمر الذي جعلها لا تستطيع مسك سوى حلقة واحدة، هي في الغالب ما هو مكشوف، وما يؤثر عليها مباشرة.

2) وحيث فقدت وعي الواقع فقد كانت سياسوية، أي تلامس «السطح السياسي» المتعلّق بالحدث والتحرّكات والنشاط السياسي الذي تقوم به الدول أو الأحزاب وما ينتج عنه من أحداث، دون أن تغوص في أساساتها ودون أن تبحث عن مسبباتها. لهذا فهمت الفكر على أنه البحث في المجرّدات، وفهمت الوعي على أنه «المعرفة الزائدة» عن حاجة العمل السياسي. وباتت معنية بالحدث أو التصريح الصحفي أو التحرّك السياسي، من أجل تحديد موقف مباشر، والذي يكون غالباً مع أو ضد، التأييد أو الشتم.
و هذه ممارسة تشير إلى الدور الانفعالي المتأثر بفعل ما، وبالتالي الذي يرى ما يحدث (أو ما يظهر على السطح) دون ملامسة مسبباته وفهم جذوره. مما أسّس لأن يتحوّل «فعلها» إلى ردّ فعل، وبالتالي باتت تلهث خلف الأحداث دون أن يكون لها المقدرة على التأثير فيها أو فعلها. لقد كان منطقها يتأسس وفق “مفهوم الهوية” الأرسطي، لهذا كانت الأمور تتحدد في: مع أو ضد. وهنا كان التناقض يعني رفض شيء ما، طبقة أو سلطة أو سياسة، الأمر الذي يجعل السياسة المتبعة هي المعكوس فقط. ليصبح الصراع مع البرجوازية هو تمجيد في البروليتاريا، والتشدد في فرض “دكتاتوريتها”. والصراع مع السلطة هو نقد لآلياتها السياسية، ولسياساتها فقط. ورفض الاستغلال الرأسمالي يعني طرح القضايا المطلبية للعمال، وليس المشروع السياسي لهم. وهو الأمر الذي أوجد “نضالاً سياسياً” من أجل الحريات أو الديمقراطية، ورفض لسياسات “خارجية” تمارسها السلطة، هذا من جهة، ونضال مطلبي فقط من جهة أخرى. بما يعني أن السياسة هنا لم تكن تعني المشروع الطبقي للعمال في سعيهم الوصول إلى السلطة لتحقيق نمط بديل، بل عنت نضال من أجل تحقيق مطالب معيشية من جهة، ومطالب “ديمقراطية” و”وطنية” من جهة أخرى، تلك التي تتعلق بسياسات إقليمية أو عالمية.
وهنا كان غياب الوعي بالماركسية بما هي طريقة في التفكير سبباً جوهرياً في ذلك، الأمر الذي جعلها تنحكم للممارسة العفوية العشوائية القائمة على ردود الأفعال، وعلى برنامج مطلبي محدود الأفق.

3) وبالتالي فقد غلبت عليها النظرة التكتيكية، أي الانطلاق من الحدث ذاته فقط الذي بات هو «الحلقة المركزية»، والمحدَّد اعتباطاً (أي دون دراسة شاملة للواقع)، والذي غالباً ما كان نتيجة الشعور المباشر بوطأة الحدث، الذي هو السياسي المتمثّل في السلطة، مما كان يجعل الديمقراطية هي «الحلقة المركزية»، أو الاحتلال الأمر الذي كان يفرض البحث عن التحرّر الوطني.
و لاشك في أن المنطق السياسوي كان يقزّم الواقع إلى مستوى واحد هو المباشر (أي السلطة)، الأمر الذي كان يحدّد التكتيك في الوقوف معها أو ضدها. وإذا كان مفهوم «الحلقة المركزية» في الماركسية يعنى أن «اللحظة الراهنة» تفرض تكتيكاً محدّداً هو ما يشكّل الحلقة المركزية، فإن ذلك لا يكون إلا عبر بحث شامل في الواقع وتحديد لكل مشكلاته، وبالتالي للمهمات التي يطرحها. من هنا يكون التركيز في لحظة على مهمة ضرورة يفرضها الصراع الواقعي، وهي ضرورة متحوّلة، أي أنها ليست ثابتة لمدى متوسط أو طويل، بل تتعلّق بـ «اللحظة» ( بـ «الآن»)، وليس بالمدى المنظور. ولأن الواقع متحوّل فإن الحلقة المركزية متحوّلة، على ضوء المهمات العامة التي يطرحها الواقع في المستويات: الوطنية، وبالتالي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية كذلك.
إن غياب الوعي العميق والشامل فرض معالجة «السطح السياسي» فقط، وحوّل مهمة اللحظة الراهنة إلى مهمة إستراتيجية. لهذا باتت “الحركة هي كل شيء أما الهدف النهائي فلا شيء” كما كان يقول بيرنشتاين. إن الطابع الشكلي للوعي كونه لازال قروسطياً كان يجعل الحدثي (اليومي) في أساس السياسة، وفي أساس تحديد التكتيك، لكن دون رؤية إستراتيجية ووعي عميق بالواقع، وبالتالي تحديد واضح للخطوات الضرورية، والتي هي وحدها تستطيع أن تؤشر على المسألة الضرورية في كل لحظة، ومن ثم تفرض التكتيك الضروري. وهو ما كان يجعل حركتها عشوائية، وبلا تراكم يطور من قوتها.
لقد كان تعلقها بـ “السطح السياسي” يجعل تكتيكها مركزاً هنا، ويخضع لمتحولات الأحداث دون ارتباط بالوقائع التي تنحكم هذه الأحداث لها، لأن تلك الوقائع كانت غائبة، أو منفصلة عن السياق العام للتفكير. لهذا ظل التكتيك منحصراً في “مقاومة الاستعمار” في البلدان المحتلة، دون فهم لطبيعة التكوين والمقاومة والدور. أو مواجهة النظم دون معرفة بواقعها الطبقي، وبكيفية تطوير نضال الطبقات من أجل التغيير، وبتركيز على المستوى السياسي، والقضايا المطلبية كما أشرنا للتو.

4) وغياب وعي الواقع جعلها تكرِّر ما عممته الماركسية السوفييتية بخصوص المسألة القومية (و الذي كان سلبياً)، كما بخصوص المشروع الصهيوني، وأيضاً فيما يتعلّق بالمهمات الديمقراطية. وإذا كانت لم تطرح تحقيق الاشتراكية فقد طرحت التطوّر الديمقراطي البرجوازي (أي بقيادة برجوازية) كخيار، في وضع كانت البرجوازية عاجزة عن فعل شيء (سنوات 1937- 1964). وحين استلمت الأحزاب القومية وعملت على تحقيق المهمات الديمقراطية (تحت شعار أنها تحقّق الاشتراكية)، وبضغط سوفييتيّ قبلت التحالف معها لتحقيق «الاشتراكية» (التي لم تكن أكثر من أوهام فئات فقيرة ريفية). أو طرحت تحقيق الاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا في وضع لم يكن قد تجاوز القرون الوسطى وكان يحتاج إلى تحقيق مهمات ديمقراطية (الإصلاح الزراعي والتصنيع وتحديث التعليم والفكر ومؤسسات الدولة والديمقراطية والعلمنة). لقد كان الانطلاق من الرؤية التي عممتها الماركسية السوفييتية كارثياً هنا، لأن «الصورة الذهنية» التي نقلتها كانت تتعلّق بوضع البلدان الرأسمالية، الأمر الذي رسم الصراع الطبقي كما هو في هذه البلدان دون ملاحظة الواقع المختلف الذي تعيشه والذي كان لازال يتسم بأنه زراعيّ متخلّف، مما أدى إلى تهميش مسألة الفلاحين التي كانت جوهر الصراع نتيجة أن البنية الزراعية كانت هي البنية الأساسية من حيث عدد السكان ومن حيث الإنتاج.
لهذا لم تستطع وعي الواقع العربي، ووعي مشكلاته. وصاغت «برنامجها السياسي» انطلاقاً من المفاهيم التي نقلتها الماركسية السوفييتية. فكان يجب أن تهمّش المسألة القومية لأنها نزعة برجوازية. وكان يجب أن تدعم تطوّر الرأسمالية لأن الانتقال إلى الاشتراكية يفرض انتصار الرأسمالية أوّلاً. وكان يجب أن تركّز على العمال لأن الصراع هو بين البرجوازية والبروليتاريا، وبهذا أهملت الفلاحين. وكان يجب رفض الديمقراطية لأنها من صنع البرجوازية. وكان يجب القبول بالدولة الصهيونية لأنها أمر واقع، ولأن الإتحاد السوفييتي في إطار صراعه العالمي قبل بوجودها كما قبل بتقاسم العالم مع الدول الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية.

5) وكان كلّ ذلك يجعلها تنطلق من القبول بالأمر الواقع دون التفكير بتغيير الواقع، سواء في العلاقة مع السلطة حينما تؤيدها وتميل للتكيّف معها، أو وهي في المعارضة حينما تخضع لقوّة فيها. إن رؤيتها التي تنطلق من التأييد أو الرفض كانت تجعلها لا تطرح مسألة دورها هي بالذات، ولا تسعى للبحث عن فاعلية تمارسها لكي تتحوّل إلى قوّة، خصوصاً أنها لم تطرح في الغالب مسألة التغيير، ولم تعتبر أن دورها الأساس هو تحقيق التغيير، وبالتالي تطمح لأن تلعب دوراً قيادياً.
إن غياب تحليل الواقع منعها من أن ترى الدور الذي يجب أن تلعبه، وهو الدور الذي يشكّل ضرورة في مسار التطوّر. حيث ظلّت تفكّر من منطلق أنها تلعب دورها «في الظلّ» خلف قوى أخرى، وبالتالي كانت تخضع لمتطلبات تلك القوى، وتنشط انطلاقاً من برامجها. ولهذا لم تطرح على نفسها مهمة الوصول إلى السلطة، وظلّت هذه المسألة مكبوتة لأنها «مرعبة»، الأمر الذي جعلها تنطلق من أن السلطة هي لقوى أخرى.
البحث هنا ينصبّ على الفاعلية والإرادة، وعلى الاقتناع بأن للماركسيين دون ريادي في قيادة عملية التغيير، وأن مهمتهم تتمثّل في تفعيل الحراك المجتمعي من أجل إيصاله إلى مرحلة من القوّة تؤهله لفرض سلطة تمثّله. هذا الدور المبادر والمواجه والطامح، والقادر على أن يفعّل صراع الطبقات، وأن يجعله يتطوّر في اتجاه تغيير ميزان القوى الواقعي لمصلحة الطبقات الشعبية، هذا الدور هو ما كان ينقص القوى الماركسية.

6) ولقد كانت هذه القوى غير ديمقراطية في بنيتها، حيث ظلّت تميل إلى «التكوين التقليدي» القائم على العلاقات البطركية، وعلى التمايز بين المستويات «المقامات»، كما على ميل كلّ فرد إلى أن ينظر لذاته على أنه «الفرد المكتمل» وبالتالي مطلق الصحة وكامل المعرفة، رغم عدم اضطلاعه على الثقافة والمعرفة، ورفضه القراءة والبحث. وهو ما كان يجعل المسئول قريباً من الإله.
و لاشك في أن استمرار بنية الوعي التقليدي كان يفرض استمرار العلاقات التقليدية، مما أدى لأن تتحوّل إلى «طائفة مغلقة» يسيطر عليها زعيم.

لكلّ ذلك، في اللحظة التي كان يجب أن تلعب دوراً فاعلاً وقيادياً (منذ تأسيس الحركة الشيوعية، وخصوصاً منذ سنة 1937، إلى انتصار الناصرية في مصر سنة 1952، والبعث في سوريا والعراق سنوات 1963 و1969) رفضت ذلك، وراهنت على مشروع برجوازيّ مجهض مسبقاً ومسدود الأفق. وحينما انتصرت الحركة القومية وأجرت تحوّلات مجتمعية، بات منطقها وباتت برامجها من الماضي، وتجاوزها الزمن، لتلتحق بالسلطة الجديدة، وأصبحت جزءاً من تكوينها رغم دورها الهامشي، وليفجّر ذلك بنيتها ويفتتها. لقد أضاعت الوقت المؤاتي للتغيير برسمها إستراتيجية تقوم على الالتحاق بالبرجوازية، لهذا التحقت بالفئات الوسطى. لكن انشقاقاتها والميول الماركسية الجديدة التي نشأت داخلها في الغالب، قرّرت أن تغيّر بعد أن أصبح الوضع غير مؤاتٍ نتيجة فعل الحركة القومية الذي قلت البنية الطبقية وحقق استقراراً طويلاً نتيجة ذلك.

و بالتالي لم تلامس كلّ محاولات تجديد الحركة الماركسية (وهي الموجة التي مثلت تشكل اليسار الجديد)، التي بدت كردّ فعل على سياسات الحركة الشيوعية، الوضع الجديد. ورغم تأكيدها على الإرادة وعلى ضرورة التغيير واستلام السلطة، فقد كان التكوين الطبقي الواقعي يشهد «وضعاً انتقالياً» قام على دعم الطبقات الشعبية للسلطة الجديدة أو على الأقل عدم الميل لمواجهتها، الأمر الذي جعل التغيير مستحيلاً. وربما كان هذا الوضع هو الذي أنتج كلّ تشوّهاتها. وكذلك ربما كانت إرادويتها تلك وفي الوضع المشار إليه، هي التي أنتجت ميلها الراهن، الاستسلامي الليبرالي، والمعادي للماركسية كذلك. لقد «تكسّرت» وهي تحاول إسقاط السلطة دون جدوى، الأمر الذي أقنعها بأن هذه السلطة هي كلية القوّة والجبروت، ولم تلحظ أن المشكلة تكمن في وعيها وفي رؤيتها للواقع ذاته، وبالتالي خوضها الصراع في لحظة خاطئة تكتيكياً.

إذن، لقد غابت الرؤية المبنية على وعي الواقع، مما قاد إلى سياسة خاطئة وتكتيكات في غير أوانها، وبنية تنظيمية ليست ديمقراطية. لقد إنبنت رؤيتها على تصور ينطلق من دورها الداعم لطبقة أخرى، هي البرجوازية، من أجل تحقيق “المرحلة الرأسمالية”، ولهذا كيفت مجمل سياساتها انطلاقاً من هذا المبدأ، فكانت ترفض أن تنظم العمال والفلاحين في سياق يجعل هؤلاء هم السلطة، عبر تطوير صراعهم الطبقي، لأنها كانت تنطلق من أن مهمات الواقع الديمقراطية هي من اختصاص البرجوازية، وهو الأمر الذي جعل موقفها من السلطة منوط بتولية البرجوازية في إطار نظام ديمقراطي، بينما تطرح هي المطالب المعيشية لهذه الطبقات في إطار مطلبي إصلاحي وليس في إطار ثوري طبقي. كما تكيفت مع البرجوازية التي كانت تهادن الاستعمار وتقبل في الحدود السياسية التي رسمها، وبالتالي فقد نظّرت للقطر/ الأمة. وأيضاً ابتعدت عن طرح قضية الفلاحين، التي كانت هي جوهر الصراع الطبقي آنئذ، نتيجة الموقف ذاك من البرجوازية. وبالتالي لم تعبر عن جوهر الصراع الطبقي، وتجاهلت الشعور القومي، كما لعبت على الشعور الوطني. لهذا تهمشت بعد أن أفضى تفاقم الصراع الطبقي إلى التغيرات التي أشرنا إليها. وكل محاولات تجاوز هذا المنطق إما كانت ردة فعل تطرفت في وضع لم يكن مؤاتياً، أو لم تنضج كفاية ومالت نحو اللبرلة.

ثانياً: حول البديل
من أجل ماركسية مناضلة

و إذا كانت الظروف الجديدة تفرض تأسيس تحالف واسع ديمقراطي وعلماني يدافع عن الطبقات الشعبية في مواجهة السيطرة الإمبريالية والليبرالية الجديدة والميل الأصولي الطوائفي ومن أجل الاستقلال والتطوّر، فإن البدء بتأسيس القوّة المعبّرة عن العمال والفلاحين الفقراء والمهمّشين يبدو ضرورة من أجل هؤلاء، كما من أجل ذاك التحالف، وبالأساس من أجل تحقيق الاستقلال والتطوّر والتفاعل مع كل القوى المقاوِمة في الوطن العربي في سياق السعي لتحقيق المشروع القومي الديمقراطي العربي. ولاشكّ في أن تبلور هذه القوّة سوف يدعم التحالف الواسع ويزيد من فاعليته. لهذا من الضروري تحديد طبيعة هذه القوّة، خصوصاً أن كل الأحزاب الشيوعية والماركسية فشلت في أن تكون قوّة تغيير وباتت تعاني من أزمات عميقة، وهي ككلّ الحركة السياسية مفككة ومنعزلة وهرمة، وبعيدة عن قاعدتها الطبقية، ودون توجّهات واضحة، ويخترقها الميل الليبرالي والاستسلام لميزان القوى الراهن الذي يشير إلى التفوّق الأميركي المطلق.

و إذا كان الحزب الشيوعي قد تشرذم إلى خمسة أو ست أحزاب. وإذا كانت قد نشأت أحزاب ماركسية أخرى مثل حزب العمال الثوري وحزب العمل الشيوعي والبعث الديمقراطي (إضافة إلى الأحزاب الماركسية الكردية). فإن الكادرات الشيوعية في الغالب باتت خارج كلّ تلك الأحزاب. وإذا كانت الأحزاب قد باتت هرمة، فإن خبرات ووعي مشكلات التجربة الطويلة يحملها أفراد في هذه الأحزاب ومن الكادرات التي باتت خارجها. وبالتالي فإذا كان العمل الماركسي ينطلق من السعي لإدخال الشباب معترك الصراع الطبقي، فإن الدور الملقى على هؤلاء مهمّ وضروريّ من أجل المعرفة والخبرة والتجربة، في سياق السعي لإعادة التأسيس.

وفي إطار هذا الوجود للأحزاب القديمة، والتشتت الذي يعيشه عدد كبير من الماركسيين، يجب البحث عن الصيغة الممكنة لبناء حزب مترابط مع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكلّ المهمّشين، ومتلاحم مع كلّ الطبقات الشعبية. يضمّ كل المجموعات والأفراد المعنيين بذلك، في الأحزاب وخارجها، وموجه للقطاعات الشابة والنشطة من هذه الطبقات، انطلاقاً من مبادئ أساسية يمكن تلخيصها بالأمور التالية:

أ) التمسّك بالماركسية كونها منهجية وليست «نصوصاً مقدّسة»، وهي طريقة في التفكير هدفها فهم الواقع، وليست «مجرّدات نظرية» قيمتها معنوية، ولا هي نصوص قالها ماركس أو إنجلز يجب الالتزام بها كونها باتت مقدّسة، وليست كذلك تصوّرات للواقع مسبقة التحديد. إنها بالأساس طريقة في التفكير تنطلق من الجدل المادي الذي تبلور مع ماركس استناداً إلى هيغل. وبعد ذلك يمكن التأكيد على قوانين توصّل إليها ماركس وإنجلز (و ربما آخرين)، لكن تحديد هذه القوانين مرتبط بالجدل المادي ومؤسَّس عليه ولا يمكن أن يتمّ بالتالي بمعزل عنه. ولأن «الماركسية الدارجة» عمّمت قوانين انطلاقاً من أنها قوانين ماركسية، من الضروري الحذر وإعادة البحث في الماركسية بما هي القوانين العلمية المتوافقة مع الجدل المادي.
بمعنى أن المرتكز الأساسيّ هو المنهجية، وانطلاقاً منها يمكن تحديد كلّ ما هو علمي في الماركسية، من قوانين وتصوّرات ومفاهيم وغيرها. لهذا يجب الانطلاق من أفق مفتوح، ومن تفكير جديّ في مناقشة كلّ المفردات والتصوّرات الماركسية التي نعرفها، من أجل الانطلاق من منهجية ماركسية متماسكة حين البحث في الواقع الراهن.

بـ) إن العمل الماركسي يهدف إلى التعبير عن العمال والفلاحين الفقراء وكلّ الفئات الاجتماعية المعنية بمصالح هؤلاء. بمعنى أن الحزب الماركسي هو الحزب الذي يدافع عن المصالح الطبقية لهؤلاء، ويعمل معهم من أجل مطالبهم الراهنة، ومن أجل تحقيق حلمهم في الاشتراكية. والحزب هو الاندماج بين الثقافة الماركسية وهذه الطبقات، أي بين المثقفين الذين يحملون الرؤية الماركسية وهذه الطبقات، بحيث يتشكّل النشاط من هذا الترابط، ويصبح الصراع الطبقي هو ذاك الممتلك رؤية وبرامج وخطط عملية لطبقات ضد الطبقة المهيمنة. الحزب هو عناصر مثقفة تندمج في جموع هذه الطبقات لتفعيل وتنظيم نشاطها، وبلورة مصالحها ومطامحها في رؤية واضحة تشكّل البديل للخيار المهيمن. الأمر الذي يجعل بنيته منغرزة في الطبقات، ونشاطه هو نشاطها المنظّم الذي يسعى لتحقيق هدف واعٍ.
و الحزب ينطلق من أن وجوده مرتبط بالتكوّن داخل الطبقات التي يعبّر عنها بالأساس، بالإضافة إلى كلّ من ينضمّ من الفئات الوسطى انطلاقاً من وعي عميق بضرورة الاندماج في هذه الطبقات من أجل تحقيق أهدافها. ودون أن يتكوّن الحزب داخل الطبقات لن يستطيع أن يكون قوّة تغيير، ولا أن يكون حزباً ماركسياً.
و بالتالي فهو يسعى لأن يقود نشاطها الاعتراضي لتحقيق مطالب معيشية، وأيضاً نشاطها من أجل تأسيس بديل مجتمعي ينطلق ليس من مصالحها فقط، بل من مصالح المجتمع ككل كذلك.

جـ) يؤكد على الثقافة والوعي، وبالتالي على دراسة الماركسية لبناء القدرات المنهجية، ودراسة الواقع من أجل فهمه وتأسيس التصوّرات الضرورية لتغييره. لكن يؤكد في الوقت ذاته على «العملية» والنشاط، لهذا فهو يجمع بين الخبرات النظرية والمعرفية العالية والقدرات العملية والتنظيمية والتخطيطية الكبيرة. حيث أن أهمية الوعي والمعرفة يتحدّدان في قيمتهما العملية، أي في إضاءتهما الواقع بما يفضي إلى تغييره، وفي مساعدتهما على تحديد الممارسة والتكتيك الصحيحين. وبالتالي فإن الوعي هو الذي يسهم في المقدرة العملية، لأنه يؤسِّس لفهم الواقع وفهم صيرورته وتحوّلاته وطبيعة القوى فيه، وبالتالي العمل الضروري انطلاقاً من هذا الواقع للوصول إلى تحقيق الأهداف الممكنة والضرورية في آن من أجل التطوّر.
و إذا كان الواقع يفرز تناقضاته، ويُنتج انفعالات الطبقات المفقرة، فإن الوعي هو الذي يؤسّس لآليات وتكتيكات ضرورية من أجل أن يتحوّل النشاط العفوي إلى فِعل منظّم، انطلاقاً من تحديد الأهداف العامة واختيار التكتيك المناسب. وهنا الوعي لا يطال المفاهيم والبرامج والتحليل السياسي فقط، بل يطال العمل ذاته. لهذا فإن الوعي الأعلى يقود إلى عمل أكثر إنتاجية وتأثيراً ودقة.

د) لهذا فهو ليس دوغمائياً، يرى الواقع كما يرى تحوّلات الواقع، فهو لا ينطلق من أفكار مسبقة بل من مبادئ عامة ومنهجية هدفها تحليل الواقع. الأمر الذي يجعله دائم النظر إلى الواقع نظرة نقدية فاحصة لكي يستكشف التغيّرات فيه، ولكي يحدّد الخطوات الضرورية على ضوء ذلك.
و إذا كان يتمسّك بالمبادئ وبأهداف الطبقات التي يسعى للتعبير عنها، فإنه يسعى لتتبّع حركة الواقع ومتغيّراته من أجل أن يحدِّد التكتيك الضروري في كلّ لحظة.
إضافة إلى أنه دائم النظر إلى تجربته ونشاطاته بعين نقدية فاحصة ومدقِّقة، من أجل أن لا يقع في الأخطاء القاتلة.
إن رفض الدوغما يعني أن يظلّ النقد أساس المعرفة، وأيضاً أساس العمل. وأن يظلّ الشكّ عنصراً جوهرياً في المعرفة والممارسة. لأن اليقين نسبي، ولا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال الشكّ ذاته.

ذ) يعرف أن التحوّلات الواقعية تفرض تحوّلات في الأولويات والتحالفات، بمعنى أن تكتيك العمل تفرضه تحوّلات الواقع انطلاقاً من المبادئ العامة والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها. ولهذا فهو يزاوج بين الرؤية التي تمثّل تصوّراً راهناً وبعيد المدى، وبين الخطوة العملية في لحظة محدّدة. وينحكم للرؤية وليس للحظة، وإلا أصبحت «الحركة هي كلّ شيء أما الرؤية فلاشيء»، وبات ينحكم للعفوية وردود الفعل وليس للفعل. ولحركة الآخرين وليس لحركته الذاتية.
وهنا للوعي أهمية هائلة لأنها أساس معرفة متحوّلات الواقع والتكتيك الضروري المناسب في اللحظة المحدّدة.

ر) أن ينطلق من برنامج واقعيّ، يجيب على مشكلات الواقع. حيث يجب أن نلحظ أثر الأيديولوجيا في رسم الواقع في إطارات مسبقة التحديد، لهذا يجب أن يكون الواقع هو أساس الرؤية لأنه أساس العمل، وما تقدّمه الماركسية هو طريقة في التفكير وليس تصوّرات جاهزة. الأمر الذي يفرض أن تنبع البرامج من الواقع وانطلاقاً من مشكلاته.
وإذا كان الحزب يسعى لتحقيق الاشتراكية انطلاقاً من تعبيره عن الحلم الأساس للطبقة العاملة وللفلاحين الفقراء وكلّ المهمّشين، وانطلاقاً من كونه ماركسياً كذلك، فإنه الآن يسعى لتحقيق المهمات الديمقراطية الضرورية من أجل تحقيق التطوّر وتشكيل مجتمع مدنيٍّ حديث هو الأساس في أن تصبح الاشتراكية خياراً ممكناً، وبالتالي تحقيق الانتقال إلى الاشتراكية من خلال الديمقراطية.
لكن يجب أن نلحظ بأن ذلك لن يتحقّق وفق المسار الذي تحقّقت فيه الثورة الديمقراطية في أوروبا. لأن الواقع مختلف، وهو ما يفرض صيغة أخرى لم تعُدْ البرجوازية قادرة عليها، نتيجة عالمية النمط الرأسمالي بالذات. لهذا يجب تحقيق المهمات الديمقراطية في إطار طبقي مختلف ولمصالح طبقية مختلفة، لأن ذلك هو ما يحقِّق هذه المهمات. وحيث ليس من الممكن الانتقال إلى الاشتراكية دون إنجاز المهمات الديمقراطية المتعلّقة بتطوير قوى الإنتاج من خلال بناء الصناعة وتحديث الزراعة وتطوير البنية التحتية، وتحديث التعليم والثقافة والعلم، وتشكيل المجتمع القائم على مبدأ المواطنة والدولة الديمقراطية، وإنجاز المسألة القومية.
وإذا كان دور الحزب الماركسي المعبّر عن الطبقات آنفة الذكر يسعى لتحقيق مصالحها، فقد بات معنياً في تحقيق كلّ تلك المهمات من أجل ذلك.

ز) والحزب هنا يحدِّد مهمات هي أوسع من أن تقتصر عليه، لأنها حلم طبقات أخرى كذلك، وبالتالي هدف تيارات سياسية عديدة، وإنْ انطلاقاً من مصالح طبقية مختلفة. الأمر الذي يفرض التحالف مع كلّ القوى التي تتوافق على تلك المهمات. وهو تحالف طبقي مع الفئات الوسطى، وعبر أشكال متعددة، وسياسي مع القوى التي تعبّر عن هذه الفئات.
و هنا يجب أن نلحظ التوافق والتناقض بين هذه القوى التي يجب أن تتحالف من أجل تحقيق المهمات الديمقراطية، وأن تتصارع في إطار ديمقراطي، وأيضاً أن يسعى كلّ منها لأن يكون القوّة الأساسية في التحالف. لكن دون تحالف ليس من الممكن تحقيق تلك المهمات، وهذه مسألة يجب أن تكون واضحة ومحدّدة.
و لاشكّ في أن التوافق على المهمات العامة ( أي التي تتعلّق بالمجتمع)، لا يلغي التناقض في المصالح الطبقية، وبالتالي حول طبيعة النظام الاقتصادي الضروري من أجل تحقيق التطوّر، وشكل السلطة التي تحقّق هذا التطوّر أو تخدم المصالح الخاصة لهذه الطبقة أو تلك. وفي هذا الإطار يجب التأكيد على تحقيق النظام الديمقراطي العلماني.

س) حزب ديمقراطي، ينطلق من التنوّع وتعدّد الآراء ومن الاختلاف. ويشكّل هيكليته انطلاقاً من ذلك. وإذا كان من الضروري أن يجري التوافق على مبادئ أساسية وبرنامج محدَّد، فإن كلّ القضايا النظرية والمتعلّقة بالواقع وبالنشاط التي تعترض العمل، تبقى مجال حوار واختلاف وتصارع ديمقراطي.
لهذا فهو ينطلق من أن التنوّع سمة أساسية للحزب الطامح لأن يصبح قوّة تغيير. وإذا كان يسعى لتحقيق الديمقراطية في المجتمع، ويؤسِّس دولة ديمقراطية، فيجب أن يكون هو أوّلاً ديمقراطيّ.
و انطلاقاً من ذلك يمكن صياغة الهيكلية المناسبة، التي تسمح بتوحيد «الاتجاه» والعمل دون أن تمنع الحوار والانتقاد والتنوّع. ودون أن تلغي التكتلات والمحاور التي يمكن أن تنتج عن الاختلاف.

ش) وهو مرن، ويعمل بأشكال مختلفة، علنية وسرّية. سياسية ونقابية واجتماعية. وعلى برنامج يعبّر عن الطبقات التي يسعى لتمثيلها، ونقاط توافق مع تحالف عريض. كما على نشاطات اجتماعية تقوم على مطلب واحد لفئات محدَّدة، أي قضايا مطلبية ونوعية (العمال، الفلاحون، المرأة، المهنيون، وقضايا الديمقراطية والحريات عموماً).
لهذا فهو يؤسِّس لتحالفات متنوّعة ونشاطات مشتركة متعدِّدة. كما يمارس وفق آليات متنوّعة وفق الظرف الموضوعي، دون قسر مسبق لآليات العمل، ودون التزام شكل محدّد يمكن أن يكون قاصراً. الأمر الذي يفرض العمل في مستويات متعدِّدة وفق الأشكال الممكنة. وهو هنا يجمع بين العمل السياسي والعمل النقابي المطلبي، وكلّ الأشكال الضرورية التي يفرضها الواقع.

ص) يكون جزءاً من حركة ماركسية عربية، وينطلق من أنه معنيّ بالمشكلات الأساسية في الوطن العربي انطلاقاً من أن العرب أمة يجب أن تتوحد، وأن المشروع الصهيوني هو مشروع ضد العرب عموماً وبالتالي يجب أن يواجه في إطار عربيّ، وأن الاحتلال الأميركي للعراق والسيطرة الأميركية على الوطن العربي يجب أن تواجه في إطار مقاومة عربية شاملة. وأن التطوّر الاقتصادي والاجتماعي لن يتحققا إلا في إطار عربي.
و بهذا فهو يعمل لتحقيق الثورة القومية الديمقراطية في الوطن العربي، التي تحلّ المسألة القومية العربية، ومسألة القوميات المتداخلة مع العرب (الأكراد)، وكذلك مسألة الأقليات القومية (الأكراد في سوريا والتركمان والأرمن وجنوب السودان)، وأيضاً مسألة المجموعات البشرية التي كانت في أصول العرب ( الأشوريون والسريان والآراميون والكلدان والأمازيغ).

ض) ويلعب دوراً عالميّاً ضد النمط الرأسمالي، والعولمة المتوحشة، والليبرالية الجديدة، من أجل عالم متكافئ ومتعاون وينبني على المساواة والتضامن. وهو يسعى لأن يعاد تأسيس الحركة الأممية العالمية، انطلاقاً من كونها تحالف أحزاب ماركسية، ومركز تنسيق بينها في مواجهة الرأسمالية.

المصدر: الحوار المتمدن