Monthly Archives: يونيو 2011

إلى أين يتجه الوضع السوري؟

رغم شدّة القمع الذي يمارس ضد المتظاهرين، واستخدام القوة العسكرية والرصاص الحي، لا يبدو أنّ الانتفاضة في سورية تتراجع. فالأعداد تتزايد، والمناطق تتوسع، حتى المدن التي تستباح عسكريّاً تعود لتتظاهر من جديد. هناك قطاع من الشعب، يتوسع باستمرار، قرر التظاهر من أجل التغيير، وهو لا يزال مصمماً على ذلك، رغم كل العنف الذي يواجه به. وهناك السلطة التي قررت منذ البدء استخدام كلّ قوتها العسكرية من أجل ألا تتوسع التظاهرات، وأن يُرعَب الشباب من خلال القتل والاعتقال والتعذيب العنيف في السجن.

ولا شك في أنّه ليس كلّ الشعب يتظاهر، بل إنّ نسبة الذين يتظاهرون ربما تصل إلى 10% من الشعب مثلاً (وهذا مهم إذا قارنا ذلك بنسبة الذين انتخبوا كل مؤسسات الدولة، إذ لم تبلغ النسبة تلك)، لكن قيمة هذه النسبة تتمثل في أنّها تقوم على تراكم احتقان يطاول ما يقارب الـ80% من الشعب. ذاك الذي أفقر نتيجة البطالة (30% من القوى العاملة)، والفقر نتيجة الأجر المنخفض جداً (ربما 40% من القوى العاملة، وربما أكثر). وبالتالي، فإنّ عدم المشاركة هو نتاج «الرعب» الذي يوجده العنف الذي يمارس، لكن يمكن أن يشارك هؤلاء في لحظة ما. وهو ما يظهر في المدن التي تعرّضت للعنف وتمردت، إذ نجد أنّ الشعب كلّه يشارك في التظاهرات. إلى الآن، هناك ما يمكن أن نطلق عليه توازناً بين قوة الشعب المشارك وقوة السلطة. ولهذا لا تزال التظاهرات على قوّتها، بل تتصاعد وتتوسع. لكن لا يزال العنف على أشده، إذ تنتقل القوى العسكرية من مدينة إلى أخرى.
اللافت هو أنّ المدن التي تجري السيطرة عليها عسكرياً تعود إلى التظاهر حال انسحاب الجيش منها، أو تبقيها السلطة تحت الحصار العسكري/ الأمني لمنع تظاهرها. ولهذا بات واضحاً أنّ هناك مناطق «خارج السيطرة»، بمعنى أنّ كل سكانها باتوا يشاركون في الانتفاضة، مثل حوران، والرستن وتلبيسة، ومعرّة النعمان ودير الزور وحماة. في ضوء ذلك، كيف يمكن أن تتطوّر الانتفاضة؟ هل سينكسر وضع التوازن لمصلحة السلطة أم لمصلحة الشعب، أم لن يكون ممكناً كسره؟ وبالتالي، هل يمكن أن ينحرف الصراع إلى دهاليز الطائفية، أو ينجرّ إلى ما يسمح بالتدخل الإمبريالي؟ المسألة تتعلق بقوة الشعب وصلابته، وهذا ما يظهر واضحاً، وبالتالي بالزمن الممكن لاستمرار هذا التوسع في الحراك. فتلك الصلابة ستفتت قوة السلطة بنحو طبيعي، حيث القدرة المالية للدولة باتت مهزوزة، وتوسيع فرق الجيش التي تدخل الصراع سوف يظهر العجز عن السيطرة عليها أمنياً، فهي تخضع لسيطرة أمنية في تحركاتها، وفعلياً، نتيجة كون هؤلاء الجنود والضباط هم من الشعب الذي بات يُسحق في كلّ المدن والبلدات التي ينتمون إليها. بمعنى أنّ السلطة لن تبقى على قوتها التي بدت عليها خلال الفترة الماضية، وإذا كانت قوتها لم توقف الشعب عن الحراك فإنّ تراجع قوّتها سوف يدفع الحراك إلى التصاعد أكثر. لهذا تكمن الأولوية الآن في الدفع بالانتفاضة إلى الأمام، وعدم استعجال تقديم الحلول، فهذا يربك الانتفاضة ذاتها لأنّه يزيد من تردد المترددين، بدل انخراطهم فيها. ولا شك في أنّ كلّ حديث السلطة عن الحوار هو من أجل ذلك، أي من أجل القول بأنّ الأمور تصل إلى حل عبر الحوار، وليبقى المترددون في أماكنهم. وهنا لا بد من ملاحظة مجمل المشكلات التي تعوق التوسع الشامل للانتفاضة من أجل حلّها، هذا هو المهم الآن.
إذن، في إطار التوازن الراهن نلمس أنّ الزمن يدعم تصاعد قوة الانتفاضة رغم كلّ ما يمارس من عنف. وهذا يفتح على تغيير مهم في ميزان القوى، لمصلحة الانتفاضة. لكن هنا تُطرح مسألة الشكل الممكن للتغيير، هل هو الشكل المصري أم الشكل اليمني أم شكل جديد؟ وما هي البدائل؟ هل طرح مسألة الدولة الديموقراطية كافٍ، أم أنّ الوضع يفرض أكثر من ذلك؟ هذا ما يمكن أن يُفتح النقاش حوله. لكن ما يلفت الانتباه هو وجود نخب تعتقد بأنّ الأمور تنجرف إلى الفتنة، كما سماها الصديق ميشيل كيلو، أو إلى الصراع الطائفي، كما يشار في الغالب، أو تسير نحو مأزق لأنّ طرفي الصراع لن يستطيعا الحسم، وبالتالي تدخل سوريا في نفق من التآكل. يفرض هذا التحليل الاستعجال في المبادرة إلى تقديم حلول، والمبادرة إلى فتح خطوط من أجل انتقال سلس للسلطة، تحت إشراف السلطة ذاتها (أو بالتعاون مع بعض أفرادها). وإذا كان من الخطأ الفادح على تطوّر الانتفاضة التخويف والاستعجال لأنّه يزيد من تردد المترددين في المشاركة، فلا بد من أن نلمس أنّ الوعي الماضي يتحكم في تحليل الحاضر لدى تلك النخب. فلا يبدو أنّ النخب لمست أساس الانتفاضة، وظلّت تنطلق من أحلامها، ففهمت الانتفاضة انطلاقاً من ذلك (الحرية والكرامة)، وبالتالي ظلّت في وعي ماضوي، لتصل إلى تحليل ماضوي، أي تجاوزه الواقع. فلا شك في أنّ مشكلات تقف في وجه توسع الانتفاضة، منها تخوف بعض الفئات الاجتماعية من المآل الذي يمكن أن تؤدي إليه. فما بديل إسقاط النظام؟ وما الأهداف التي يتظاهر كل هؤلاء من أجلها؟ ولماذا تخرج من الجوامع، وتكرر شعارات «دينية»؟ لقد لعب الإعلام الرسمي دوراً في التخويف، من خلال فيلم المجموعات السلفية والإمارات السلفية، ومن خلال تخويف الطوائف. ويمكن أن يصعّد في هذا السياق دفاعاً عن سلطة المال والأمن. لكن هل هذا الاحتمال ممكن؟ وهل، بالتالي، ليس من خيار سوى الإصلاح، أو الحوار أو أي كلمة يمكن أن توضع في هذا الموضع؟
حين تكون الفرضية خاطئة، ستكون النتيجة فاسدة. إنّ سوء فهم الظروف التي أفضت إلى الانتفاضة، سيقود حتماً إلى استمرار التحليل القديم الذي ظلّ يرى الصراع الطائفي أو التبلور الطائفي، حتى دون تحديد في ما إذا كان أساسه قائماً. لكن حين يصل الوضع إلى مرحلة القول إنّ الفئات المفقرة والمهمشة تبادر إلى الانتفاض، سيصبح واضحاً أنّ الصراع سياسي بامتياز، وهو صراع مع السلطة، ومن ثم يسقط كل الحشو الثقافي الذي تفرضه الأديان والطوائف، ويصبح الهدف هو إسقاط السلطة. ما هو في قاع الانتفاضة هو الإفقار والبطالة والتهميش، وهو الذي فرض منطقاً جديداً بات يحكم وعي الشباب الطبقات الشعبية. ويشمل ذلك كل الطبقات دون ميل إلى تصنيف طائفي أو ديني، لم تعد هناك حاجة إليه، نتيجة توضّح الصراع، كصراع ضد سلطة تمثل فئات راكمت الثروة. وإذا كان هناك من شك بدايةً في هذا الأساس، وتخوّف طائفي، فإنّ صيرورة الصراع ستوضح أنّ المسألة تتعلق بذلك تحديداً، أي بأن الانتفاضة هي نتاج الوضع المتشابه لدى كل هؤلاء، بغض النظر عن لغو النخب، وتخويف السلطة، والخوف الكامن الذي يسمح في لحظة بنجاح خطاب التخويف. الخوف الكامن من مواجهة حقيقة أنّ المطلوب بات يتمثّل في الانتفاض من أجل التغيير. لهذا لن تقود التخوّفات، وربما التعصب الأوّلي، التي برزت في الفترة الماضية، إلى تطوّر يفضي إلى صراع طائفي. على العكس، سوف يتوضح في سياق تطور الانتفاضة أنّ المسألة المطروحة هي مسألة سلطة ونهب وفساد، تعانيها كلّها كل الطبقات المفقرة، بغض النظر عن طوائفها وأديانها، وأنّ المسألة بالتالي تتعلق بنظام بديل. نظام اقتصادي وسياسي، وليس تغيير شكل السلطة فقط، أو ترقيعها. فالإفقار العام نتج من استغلال شكل السلطة الاستبدادي، من أجل النهب الاقتصادي وتركيز الثروة بيد قلّة تتحكم بالقرار الاقتصادي والسياسي والأمني. هذا الفهم هو الذي يزيد من توسّع الانتفاضة، ويوصلها إلى مفاصل قاتلة تفرض التغيير. بالتالي، ما لا بد منه هو التركيز على تطوّر الانتفاضة وتجاوز التخوفات، ووقف التخويف النخبوي. الأفق لا يزال مفتوحاً، والتغيير حتمي، بعد كلّ هذه الصلابة والقوة التي تمتلكها الطبقات الشعبية. فلم يعد من خيار سوى التغيير.

المصدر: الأخبار

Advertisements

في سورية: الخوف من الفتنة الطائفية؟

يسكن بعض النخب خوف عميق من “فتنة طائفية” تغذّ الخطى سورية نحوها. ولهذا تميل إلى التخويف، وتعمل على “لملمة” الصراع. ولا شك أنّ صورة سنة 1980/ 1982 لازالت متّقدة لديهم، وبالتالي لازالوا يرون في المجتمع ما كان عليه آنئذ. وربّما يعتقد البعض بأنّ الأمور هي أسوأ الآن.

أظنّ أنّ هذه النخب لم تلتقط اللحظة الراهنة. وبالتالي لا تعرف ما يجري في الواقع (في الواقع وليس في الإعلام). لم تعتقد بأن هؤلاء المفقرين الشباب يمكن أن يكونوا بهذه القوّة، وأن يتَحََدوا ما أخاف كثير من هذه النخب طيلة العقود الماضية، إلى حدّ الشعور بالعقم. وهو الوضع الذي أوجد الأوهام بأنْ لا حلّ إلا بتدخّل خارجيّ، فالشعب خانع ومستكين، والسلطة قوية، قوية إلى أبعد حدّ. وفي الواقع سيظهر بأنّ العقم هو الذي أوجد هذه الصورة. كما سيظهر بأنّ العجز هو الذي يولّد الأوهام حول الصراع الطائفيّ.

هل في سورية طائفية؟ ما حاولته حركة الإخوان المسلمين سنة 1980 هو شكل من أشكال الصراع الطائفيّ، لكنّ ردّ السلطة كان طائفياً أيضاً. ولا شكّ في أنّ دموية الصراع حينها قد أوجدت احتقانات طائفية، لكنّ ما بقي هو تشقّقات حمّلتها بعض النخب أكثر ممّا تحتمل. وجاء الهجوم الإمبريالي الأميركي بعد سنة 1990 لكي يؤسّس لصراعات طائفية من خلال الدفع نحو تقسيم البلدان العربية، وهو ما ظهر في العراق بعد احتلاله. وكان يبدو أنّ وضع سورية يحمل ميلاً لتمزّق طائفيّ بعد أن توسّعت موجة الأصولية الإسلامية. وكان يظهر أواسط العقد الماضي وكأنّ الدفع الإمبريالي هو نحو ذلك.

لكن هل نستطيع قول كلّ ذلك الآن؟ ليس بعد الثورات في عدد من البلدان العربية بل بعد الثورة في سورية ذاتها؟. فقد أشير في أكثر من بلد عربي بأن ما كان يبدو كصراع طائفي تلاشى، وظهر أنّ الذي خلفه هي النظم ذاتها، التي تريد تفكيك المجتمع لكي تستطيع الحكم.

ما ظهر إلى الآن يفرض علينا أن نعيد النظر في رؤيتنا لما كان يجري “تحت”، أي ليس على السطح بل في العمق. لقد كانت الملاحظة العامة هي ميل الشباب إمّا نحو التأسلم أو نحو العبثية. وعملت جهات إعلامية عديدة على تكريس هذا الانقسام المتناقض من منظور أنه يبعد الشباب عن السياسة والصراع انطلاقاً من الظروف الصعبة التي يعيشها. وكانت هذه الصورة تجعل النخب (بدل أن تحلل الظاهرة) تصدر الأحكام الفظة ضد هؤلاء الشباب. وانطلاقاً من ذلك يتأسّس الخوف من الصراع الطائفي، حيث هناك تعصب وأصولية من جهة، وهناك شباب عبثي هو غير معنيّ بما يجري من جهة أخرى.

لكن حين نتلمس الوضع الآن، والشباب هو الذي يلعب هذا الدور البطولي، لا بدّ لنا من أن نحلل الحالة سوسيولوجياً. إنّ الأساس هنا هو أن هذا الشباب بات يعيش أفقاً مسدوداً، سواء نتيجة العجز عن دخول الجامعة بسبب التشديد في القبول، أو نتيجة العجز عن إيجاد فرص عمل سواء بعد التخرج أو الذين ظلوا دون تعليم. وهو المأزق الذي كان يوجد أعباء عائلية تزيد من إرهاق الأهل، وتشكيل حالة من الحرج العميق. لقد تصاعدت البطالة، وتوسع الفقر، بحيث أصبحت إمكانية العيش مرهقة. في هذا الوضع، وأمام سلطة استبدادية لا تسمح بأيّ تعبير، ولدى شباب لا يعرف السياسة ولا يريدها أصلاً (نتيجة ثقافة البيئة)، لا يكون من حلّ سوى مقاومة العجز بما هو روحيّ، لهذا بدت العودة إلى التدين ضرورية وشملت فئات واسعة. فالدين يقدّم عزاءً روحياً يهدئ من عمق الأزمة، ويسمح بالتكيف مع الوضع القائم. طبعاً في المقابل تكون العبثية حالة هروب من الأزمة ذاتها، من خلال عدم التفكير في الأزمة ذاتها والتعلق بكل ما يُخرج من الواقع (الأغاني الهابطة والمقاهي والرياضة، وجاء النت ليفتح أفقاً لذلك). وكان كل ذلك يرتبط بانهيار الأحزاب السياسية عموماً، وبـانهيار الأيديولوجية كذلك.

في هذا الوضع كان يمكن اللعب بالمسألة الطائفية بالتأكيد، حيث يمكن جرّ فئات إلى صراعات على أساس تعصّبيّ. لكنّ ما لاحظناه هو تحوّل هؤلاء إلى مقاتلين من أجل التغيير. فجأة، وفي لحظة، أصبح هؤلاء قوّة تغيير هائلة، ربما صدمت النخب ذاتها، كما أرعبت النظم. إن فهم العمق الذي جعل هؤلاء يتخذون هذه السياقات يمكن أن يفسّر لنا التحوّل الممكن الآن. فعزاء الروح لم ينقذ من الموت جوعاً بعد تفاقم الأزمات الاقتصادية مع تصاعد الأسعار دون زيادة في الأجور، ومع توسع البطالة، وانسداد أفق الهجرة بعد الأزمة المالية الإمبريالية. والعبثية باتت عبئاً ثقيلاً في وضع تراجيدي. لهذا كان لا بدّ من الإقدام من أجل فتح الأفق بكسر ما يمنع ذلك، ألا وهو السلطة. هنا تحوّل الصراع إلى صراع سياسي بامتياز، لأنه يهدف إلى هدم السلطة التي تشكّل سداً أمام المقدرة على العيش بعد أن أصبحت الحماية لفئات نهبت إلى حدّ التخمة، وراكمت الأموال، وسيطرت على الاقتصاد، وحرفت الاقتصاد من تكوينه “التقليدي” (الزراعي والصناعي) إلى تكوين ريعيّ يستطيع توظيف نسبة محدودة من السكان (ربما أقل من 20%)، ومن نمط محدَّد لا يستوعب الكتل التي باتت خارج كل العملية الاقتصادية أو تهمشت فيها.

وإذا لم يكن هؤلاء الشباب يمتلك ثقافة سياسية، فقد فهم بالممارسة أن أزمته تتلخص في السلطة، وأيضاً بات رده واضحاً. لم يعد يلتفت إلى التمايزات التي توجدها “الأيديولوجية” الإسلامية، ولا أصبح يبحث عن اللون الطائفي للسلطة، فكل ذلك ليس هو الأساس، ولا يعني شيئاً، لأن المسألة لا تبدو هنا بل في تمركز الثروة لدى فئة ضئيلة، وإفقار الآخرين. وفي استخدام السلطة لضمان هذا التقسيم الطبقي. وبهذا سيكون كل “التشوش الثقافوي” بلا معنى، وكل الحاجة إلى ما يسكّن دون حاجة. وتصبح المسألة هي مسألة شعب ضد سلطة.

هذا ما يبدو مترسخاً لدى الشباب الذي تقدّم من أجل التغيير. فهو يريد العمل والأجور الأفضل، لكنه يصطدم بجدار السلطة فيطالب بالحرية. ويصبح كل ما هو ماضويّ خارج السياق، ولا حاجة له، لأنّ الأمر يقتضي البحث في الأفق المستقبلي الذي يحتاج إلى وعي سياسي بالتحديد. لهذا لم تفلح كل محاولات الزجّ الطائفي، أو التحريض للأقليات الدينية والطائفية، وتخويفها من بعبع السلفية والإخوان المسلمين. فقد ردّ الشباب بشعار واضح: لا سلفية ولا إخوان. وإذا كانت بعض الأقليات متخوّفة فلسوف توضّح في سياق الصراع الممتدّ بأن المسألة تتعلّق بخوف داخلي من التقدّم لكسر حاجز الخوف رغم الظروف الاقتصادية غاية الصعوبة التي تعيشها، وستكتشف بأنها تتشابه مع كل هؤلاء الذين تقدّموا لخوض الصراع الطبقي.

إن الشعور بأن الحياة تساوي الموت فرضت أن تصبح المسألة هي مسألة قلب الواقع القائم وتأسيس واقع جديد يفتح الأفق على الحياة الحقيقية. هنا يتراجع الماضي حتى والثقافة التي تجري الممارسة انطلاقاً منها هي ثقافة ماضوية، ويصبح البحث عن ثقافة جديدة هو ما يحكم هؤلاء. وهنا تبرز أهمية الدولة المدنية الحديثة والمواطنة، وكل ما يؤسس لحداثة حقيقية. إن ما يتأسس لدى هؤلاء هو خلاصة الصراع الذي حكم العقود الماضية، سواء من أجل وضع اقتصادي أفضل أو من أجل الدمقرطة أو كذلك في مواجهة السيطرة الإمبريالية والصهيونية. وهذه مسألة تبدو واضحة لأن هؤلاء المفقرون يعرفون بحدسهم الترابط بين النهب الداخلي والعلاقة مع الإمبريالية، ويتحسسون الخطر الذي تشكله هذه.

وهذا ما يجعل الأفق القادم مفتوحاً على تغيير عميق في طبيعة الصراع، والفهم، والدور. إنّ تجاوز الفقر والتخلف والتهميش هو مرتبط حتماً بصراع كبير. وهو الأمر الذي يفرض فهم أننا تجاوزنا الماضي الذي كان يخيف من زاوية مقدرة الإمبريالية على فرض منطقها، بما فيه الصراع الطائفي، وأن المسألة تتعلق بصياغة أفق المستقبل. ولا شك في أن هذه النقلة في الوعي لدى الشباب هي أرضية بناء دولة مدنية حديثة، وفي صالح الطبقات الشعبية.

المصدر: الأوان

عن جمعة العشائر والدولة المدنية

الجمعة الماضية كانت جمعة العشائر، وقبلها كانت جمعة الحرائر. المفارقة هي أن الاسم الذي كان مقترحاً لهذه الجمعة هو: جمعة الدولة المدنية، والفارق واضح بين التسميتين، والمؤشّر أوضح.

مقترح الدولة المدنية كان من بعض لجان التنسيق التي تلعب دوراً أساسياً في الداخل، وتسمية جمعة العشائر جاءت من موقع على النت يرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، ويتابع من الخارج، هو موقع الثورة السورية ضد بشار، والذي كان قد سمّى جمعة سابقة بجمعة الحرائر. ولهذا التحديد أهمية لأنه يوضح الفارق بين الثورة ومغزاها، وما يرتّب البعض، بالتواشج مع أجهزة إعلامية (وأساسها قناة «الجزيرة») لمستقبل سورية.

لكن ما يبدو أن الأمور قد وصلت إلى النهاية، وبالتالي لا بد من «قطف ثمار» الثورة، لدى هذه القوى، ما يؤثر سلباً في الثورة ذاتها، ويؤخر انتصارها، حيث إن إعطاء الثورة طابعاً طائفياً أو عشائرياً هو المكمل لمنطق السلطة التي تدفع الى تحويل الصراع إلى صراع طائفي بدل أن يكون صراع الشعب ضد السلطة التي تدافع عن مافيات نهبت وتحكمت في الاقتصاد وأفقرت معظم قطاعات المجتمع.

الشباب الذي يقاتل من أجل التغيير يريد العمل والحياة الأفضل والدولة المدنية. وقد رفع شعارات واضحة في هذا المجال، منها شعار لا سلفية ولا إخوان، والثورة ثورة شباب، والشعب السوري واحد (أي ليس مكونات)، حتى وهو يستخدم بعض الكلمات الدينية التي هي ثقافته بعدما جرى تدمير كل الثقافة السياسية. وهذا الأمر هو الذي فرض اقتراح أن يكون شعار الدولة المدنية مؤشراً على أحد أهداف الثورة، وفي الوقت ذاته كتوضيح لمن لا يريد الفهم أن الشباب يرفض الدولة الدينية، وأنه يطمح بدولة مدنية.

وهذا الشباب هو الذي يقتحم الصراع ضد آلة القتل، وهو يعرف أنه يمكن أن يستشهد في أي لحظة. فهو يريد التغيير بعدما وصل إلى أن لا بديل عن التغيير. وبالتالي فهو الذي يقرر، وهو المعني بتحديد الشعارات والأهداف والخطوات، فهو الذي يقاتل على الأرض. وقد أظهر هامشية كل القوى السياسية، التي تدّعي أنها القوة الأكبر، والتي تعرف حجمها. وهو في ثورته أظهر عقم هذه القوى وفشلها الطويل الأمد.

لكن منذ البدء كان هناك من يريد الركوب. ووجدنا أن قوى في الخارج بدأت تسيطر على الإعلام، وتؤسس المواقع التي تدّعي أنها تمثل الثورة السورية، ويخرج بعض ممثليها على الفضائيات بكلام طائفي سخيف، وتهويش لا يخدم أحداً. ثم انتقلت الأمور خطوة نحو ترتيب «بديل» عن السلطة في الخارج، يضم القوى الأصولية والعشائر وبعض الليبراليين الذين لا يعرفون التمييز بين المدني والعشائري والطائفي (إنطاليا وبروكسل). وعلى رغم أنها تراجعت عن طرح موضوع المجلس الوطني الانتقالي وكتابة دستور جديد، فإن الدور الذي تلعبه هو هذا بالتحديد.

على كل، من حق أي أحد أن يحاول الركوب، كما من حقنا أن نكشف ذلك. لكن لا بد من مواجهة هذا الخطاب الأصولي المتخلف، الذي يجعل الثورة سهلة المنال من جانب النظام والمترددين لأنه يعطيها طابعاً طائفياً متخلفاً. ومن ثم لا بد من توضيح أن هذا الخطاب هو خطاب خارجي، لا علاقة له بالثورة.

القوى التي في الخارج تعمل على فرض إيقاع الثورة، وتساعدها على ذلك علاقاتها الخارجية والترابط الإعلامي الداعم لها. لكنها في كل ذلك تؤخر الانتصار وتزيد عدد الشهداء، حيث إن سياساتها تؤدي إلى استمرار تردد قطاعات مجتمعية هي مهمة في حسم الصراع، والى تشويش لدى النخب أكثر مما هي مشوشة، وتشويش عربي عام يعطي النظام ميزات.

لهذا يجب القول بكل وضوح إن موقع الثورة السورية ضد بشار لا يمثل الثورة، وهو موقع طائفي ويخدم قوى رفضتها الثورة من خلال شعاراتها. وأن أي حراك في الخارج يجب أن يقوم على دعم الثورة في الداخل إعلامياً ومعنوياً فقط، ولا يحق له التواصل مع دول إمبريالية ولا ادعاء تمثيل أي أحد في الداخل، وليس هو من يحدد البديل من هذا النظام.

المصدر: الحياة

سوريا بين 1980 و2011: منطق أم وهم؟

الرد الذي واجهت به السلطة السورية الانتفاضة الشعبية حاول محاكاة الرد الذي واجه به النظام تمرد الإسلاميين نهاية سبعينيات القرن الماضي، وسنوات 1980/1982، أي باستخدام العنف المفرط، الذي يتمثل في القتل المباشر واستخدام الدبابات والقناصة واحتلال المدن. وإذا كان استنتاج السلطة السورية بأنّ «تطيير» زين العابدين بن علي وحسني مبارك جاء لأنّهما لم يستخدما القوة منذ البدء، فقد قررت أن تواجه كلّ تحرك بعنف مفرط يتمثل باستخدام الرصاص الحي، وأصبحت السياسة الضرورية هي العودة الى «خطة» 1980.

لكن سنة 2011 هي غير سنة 1980، ومن لا يلاحظ الفارق الهائل بين التاريخين سوف يفاجأ بالنتائج. ودون أن أتطرق الى الاختلاف الكبير في الوضع الدولي، يمكن تلمس الفوارق الكبيرة في الوضع الداخلي. ليس من أبرز تلك الفوارق أنّ الصراع حينها قد انحصر في بعض مدن الشمال (حماه وحلب وجسر الشغور)، ولم يطل الشعب السوري، كما أنّه اتخذ لوناً أيديولوجياً وطائفياً حينها أكثر من كونه يعبّر عن مطالب طبقات شعبية كما يحدث الآن. لذلك، كان من السهل محاصرة التمرد وسحقه، ما ظهر واضحاً في مدينة حماه.

كانت السلطة حينها في أوج قوتها، لا لأنّها امتلكت قوة أمنية كبيرة وجيشاً قوياً، فتلك كانت نتاج وضع محدّد، بل لأنّ التحولات التي أُحدثت في البنية الاقتصادية والمجتمعية خلخلت التكوين الطبقي القديم. تكوين كان يتّسم بسيطرة طبقة إقطاعية تجارية، وإفقار وتهميش كتلة كبيرة من الريف، وتعريضه لاضطهاد شديد، لمصلحة توسيع كبير للطبقة الوسطى. كلّ ذلك، من خلال قوانين الإصلاح الزراعي وتوزيع الأرض على الفلاحين، وتوسيع التوظيف في الدولة، وبناء الصناعة وتحسين وضع الطبقة العاملة. هذا الوضع كان يجعل كتلة كبيرة إما مؤيدة للنظام أو محايدة، وسمح بأن تكون قوى السلطة الأيديولوجية (حزب البعث) والأمنية (الاستخبارات والجيش) في وضع صلب حول السلطة.

في المقابل، مثّل حراك الإخوان المسلمين (والطليعة المقاتلة) التعبير عن تلاشي وضع فئات اجتماعية تقليدية في المدن، وبعض الأرياف، في سياق تحولات اقتصادية حداثية، إذ كانت تحلّ بعض الصناعات محل الحرف، والتجارة الحديثة محلّ «الدكاكين» التقليدية. وحمل ذاك الحراك أسس الصراع من أجل الدولة الدينية، القائمة على أساس طائفي في مقابل سلطة «قومية»، أو تحمل خطاباً قومياً. وبهذا، فقد كانت التعبير عن ميل «رجعي» في مواجهة وضع كان يشهد بعض الحداثة.
وفي هذا الوضع بدا التمرد محدوداً في دولة كانت لا تزال متماسكة، ولقد قطع حراكاً مدنياً حداثياً بدأه مثقفون ونقابات مهنية (مهندسون ومحامون وأطباء…) من أجل الديموقراطية. فقد كان يعاكس هذا الميل الحداثي من حيث سعيه للعودة الى الماضي، وهنا كانت نقطة ضعفه والتشوه الذي أحدثه، بعدما استغلّته السلطة لسحق كل القوى الديموقراطية المعارضة، وتعميق الطابع الأمني للسلطة.

لكن، لا يمكن من أن نقول كلّ ذلك اليوم، فقد أضحى الواقع الاقتصادي هو الأساس الذي يقوم عليه الحراك الراهن، بعدما أصبح التمايز هائلاً بين أقلية نهبت وراكمت مليارات الدولارات، وما زالت تنهب وتراكم، وأغلبية ساحقة لا تمتلك ترف العيش. كلّ ذلك في وضع بات يتسم بتقلص فرص العمل وهامشيتها، بعدما تحوّل الاقتصاد الى اقتصاد ريعي يتمركز في الخدمات والسياحة والعقارات والاستيراد في الغالب. وبهذا، باتت هناك كتلة مفقرة تضم معظم السكان. ولقد أشار الحراك الى أيّ مدى انهار الريف خلال السنوات السابقة، وكيف نشأت ظاهرة الشباب من دون عمل، وكيف انهار التعليم وأصبح العلاج مشكلة.

فالطبقات الشعبية التي أفقرت وتهمّشت هي التي تتحرك اليوم، بعدما سيطرت أقلية على المقدرات الاقتصادية. وفي هذا الوضع لا تعود المسألة مسألة فئة سياسية أو اجتماعية هامشية، بل تصبح مسألة مجتمع عانى التهميش دون آفاق ممكنة، لهذا بات يندفع بقوة هائلة من أجل التغيير.

وهذا ينعكس على تماسك الدولة ذاتها، فلم يعد لـ«الأيديولوجية» موقع في وضع أصبح موظفو الدولة يعيشون على الكفاف، ويعانون الإفقار، ودون مقدرة على تعليم أبنائهم أو طبابتهم. وأصبحت الامتيازات التي تغدقها الأيديولوجية منحصرة في فئة ضئيلة، ما يبرز التمايز العميق بين نخبة تحوّلت الى «رجال أعمال جدد»، وأغلبية باتت تعاني الفقر.
هكذا يختلف ميزان القوى على الأرض، رغم امتلاك السلطة الأسلحة المتطورة، لكن الصراع بات مع المجتمع، وفي وضع لا تبدو الدولة فيه قوية. وإذا كانت مجزرة كتلك التي حصلت في حماه في 1982 ستصبح فضيحة عالمية عبر الإعلام الحديث، وتستثير إمكانات التدخل الإمبريالي، فإنّ الأمر الآن لا يتعلق بمدينة واحدة أو حتى منطقة، بل يتعلق بكل سوريا، وبمطالب مختلفة جذرياً.

الصراع الآن، بالتالي، ليس بين دولة «اشتراكية وقومية» وقوّة أيديولوجية أصولية وطائفية، بل بين سلطة تمثّل فئات راكمت المليارات من خلال نهب ثروة المجتمع والتحكم بكل مفاصل الاقتصاد، وكلّ الطبقات الشعبية. ورغم التخويف الطائفي الذي تقوم به السلطة، يظهر واضحاً أنّ هدف المشاركين في الانتفاضة هو السلطة التي تحمي من نهب، وتقمع كلّ معترض أو متذمر، ولا تسمح بإنشاء نقابات تدافع حقيقة عن العمال والفلاحين والمهنيين. الصراع، بالتالي، ليس بين طوائف المجتمع بل بين طبقات مفقرة والسلطة ذاتها.

من هنا، فإنّ كلّ تفكير في أنّ منطق 1980 يمكن أن ينجح في 2011 هو توهم يستدعيه البقاء في السلطة أكثر من أن يكون واقعياً. فربما يتزايد الشهداء، لكن ليس من الممكن العودة الى الوراء، وبالتالي ليس من الممكن سحق الثورة أو وقفها. فهناك قوى اجتماعية لم يعد أمامها من خيار سوف «هدم الجدار»، من أجل فتح أفق للمستقبل، وفي هذا الوضع لا يمكن هزيمتها. الآن الصراع هو مع الشعب الذي لم يعد يحتمل استمرار الإفقار والبطالة والتهميش. وهو صراع، بالتالي، بين الشعب والطبقة التي تكونت من خلال نهب ثروة المجتمع، وتدافع بأقصى العنف عن مصالحها. مصالحها هي بالذات، بغض النظر عن كلّ الأغلفة الأيديولوجية التي ترددها. الصراع هو حول ذلك، ومن أجل بديل يحقق ظروفاً أفضل للطبقات الشعبية، ويؤسس لدولة مدنية ديموقراطية تسمح لتلك الطبقات بالدفاع عن مصالحها.

أعرف أنّ عماء السلطة لا يسمح بفهم ذلك، لكنّه سيكون واضحاً حينما ينجح شعار الشعب. المهم هو أن نعي أنّ الوضع الآن ليس كما كان في الماضي، وأنّ حراك الناس لا رجعة فيه.

المصدر: الأخبار

ثورات عربية… بالتأكيد

حينما انتقلت الانتفاضة من تونس الى مصر، ومع بدئها في اليمن وليبيا، اندفع بعض «القوميين» لاعتبار أنها ثورة عربية، لكن كان هناك من رد بأن المسألة ليست كذلك، حيث تحركت إيران قليلاً حينها. هذا ما واجه به الصديق حازم صاغية «المنطق القومي» في أحد ردوده على الجو الذي نشأ حينها.

وعلى رغم أن الإعلام الغربي، والأحزاب، قد أصبحت تطلق على ما يجري إسم الثورات العربية، وتحدثت عن تشكيل «شرق عربي جديد»، فلا يمكن الآن تجاهل أن الثورات هي عربية، وقد توسعت الى معظم البلدان العربية، ويمكن أن تشملها كلها، من دون أثر كبير في بلدان غير عربية. على العكس، فقد أصبح كل حراك في بلد غربي يستوحي التجربة العربية. وأصبح ميدان التحرير مثال يُستوحى.

أولاً، ليس مستغرباً أن تحدث ثورات مشابهة في بلدان غير عربية، فمن يدرس التكوين الرأسمالي الذي فُرض على العالم يلحظ التشابه الشديد في الظروف الاقتصادية والوضع المعيشي لكتل كبيرة من السكان. ويلمس نسب البطالة والإفقار الواسعين. فقد حولت السيطرة المالية على النمط الرأسمالي ليس في تكوين المراكز الرأسمالية فقط بل كذلك في تكوين الأطراف كلها. لهذا ساد النمط الاقتصادي الريعي القائم على السياحة والعقارات والاستيراد والبنوك وأسواق السهم، مع تهميش شبه كامل للزراعة والصناعة. وهو الوضع الذي فاقم البطالة حيث إن هذه القطاعات لا تستوعب سوى نسبة محدودة من العمالة، وذات النوعية الخاصة. وفرض الحفاظ على أجور متدنية على رغم الانفتاح الشامل على السوق العالمي، ومن ثم سيادة الأسعار العالمية للسلع في السوق المحلي.

حتى بلدان أوروبا الجنوبية والشرقية مرشحة لثورات بعد الأزمة التي علقت فيها الدول، والتي فرضت التقشف وزيادة نسب البطالة.

لكن اللافت أن الثورات الى الآن ما زالت عربية، عربية بكل معنى الكلمة. لماذا في الوطن العربي؟ ولماذا طابعها العربي؟
ربما يتوضح ذلك في ما بعد، لكن اللافت هو أنها كذلك. ما يمكن أن نشير إليه هو أن السياسة الإمبريالية منذ ثلاثة عقود ركّزت على هذه المنطقة، وعلى رغم نشاطها من أجل التشديد على تشكّلها من «دول مستقلة»، ودفعها نحو حروب طائفية تفرض إعادة تقسيمها على اساس ديني طائفي، فقد ظلت تتعامل معها كمنطقة واحدة، حتى حينما تحدثت الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط الموسّع تمركز فعلها في الوطن العربي على رغم احتلالها أفغانستان وإغراقها باكستان في صراعات داخلية، وعلى رغم «الطابع الديني» لصراعها.

لقد ركّزت في الاقتصاد على النهب الشامل، وصاغت البنى الاقتصادية كما أشرت للتو، طبعاً بـ «التعاون» مع رجالات السلطة الذين باتوا رجالات أعمال جدداً. وركّزت على الصراعات الطائفية. ودعمت كل عنجهية الدولة الصهيونية ووحشيتها. كما احتلت العراق وأوجدت قواعد عسكرية على طول الوطن وعرضه. وكان بادياً أنها تحارب «القومية العربية»، وأنها تريد تكريس الدولة الصهيونية كقوة مسيطرة على أنقاض العرب. بمعنى أنه كان واضحاً أنها تتعامل مع الوطن العربي كوطن واحد، وأنها تعمل من أجل تفكيكه.

هذا الربط بين النهب والإفقار من جهة، وبين التفتيت والتفكيك من جهة اخرى، كان يولّد الأساس لاسترجاع «الشعور» الذي كان يراد شطبه، أي الشعور العربي. فإذا كانت الإمبريالية تعمل على تكسير هذا التكوين من أجل ضمان نهبه لزمن طويل، فإن الاستقلال والتطور يفرضان الانطلاق منه. لهذا استعيد الوعي العربي، وهو واضح لدى قطاعات الشباب الذي شارك في الثورات، حيث لم تعد المسألة هي مسألة اسقاط نظام فقط بل باتت مسألة مصير منطقة بأكملها. وهو الوعي الذي هيأ لتفاعل شباب الثورات والدعم المتبادل في ما بينهم، وتبادل الخبرات، ومن ثم رفع قضية فلسطين الى حيّز واضح.

المسألة لم تعد مسألة انتقال عدوى ثورات، بل هي مسألة وعي بترابط وضع المنطقة. فـ «العدو» واحد، وإذا كانت النظم هي العدو الأول الذي يجب أن يزال، فإنها مدعمة من الولايات المتحدة وتابعة لها الى الحدود القصوى. وهي حامية للدولة الصهيونية، وتتكيف مع وجودها ومع دورها المهيمن في السيطرة الأميركية العامة. وهو العدو الذي ينهب الثروات، ويدمر الاقتصاد، وبالتالي يغلق إمكانات العمل والعيش، ويفرض الإفقار والتهميش.

إن السحق الشديد الذي مورس خلال العقود الثلاثة الماضية من الإمبريالية والدولة الصهيونية، وبالتالي النظم، هو الذي فرض تفجّر البلدان العربية قبل غيرها من جهة، وترابط تفجّرها من جهة أخرى، لتعيد طرح المسألة العربية من جديد، ولتعود مسألة مركزية في الصراع العالمي.

المصدر: الحياة