Monthly Archives: أغسطس 2011

تركيا والاستحقاق السوري: تغيير في السياسة لا في نظام الأسد

كل يوم مناسب لاستعادة الكلام في الموقف التركي من الانتفاضة السورية، كل يوم يزداد التأكد من أن أنقرة مستعجلة على قيام الرئيس بشار الأسد بتغيير سياساته حتى لا يتغيّر نظامه ويضيع «الكنز السوري» من أيدي الأتراك

سلامة كيلة

كان واضحاً أن الموقف التركي في حالة ارتباك حيال الوضع السوري برمته، والموقف من نظام الرئيس بشار الأسد خصوصاً؛ فقد ضغطت أنقرة في البداية من أجل إصلاحات «عميقة»، وطرحت على دمشق تطبيق جملة من المقترحات قبيل اندلاع الانتفاضة السورية من شأنها تحقيق التعددية السياسية والانتقال إلى دولة ديموقراطية من دون أن تجد آذاناً صاغية في دمشق. لكنّ تصاعد الضغط الأوروبي والأميركي، والميل إلى اتخاذ قرار في مجلس الأمن بحق نظام الأسد، قد يتضمن تدخلاً عسكرياً، فرض على تركيا تصعيد لهجتها لتصل إلى مرتبة التهديد، وهو ما لاقى ترحيباً من بعض المتظاهرين السوريين.

خطوة تلاها تلويح من رجب طيب أردوغان باحتمال أن تعمل حكومته مع «المجتمع الدولي» في الشأن السوري، قبل أن يخفت الصوت التركي ويصمت. غير أنّ النبرة التركية العالية عادت لتتصاعد من جديد بعدما استأنفت الولايات المتحدة وأوروبا تشدُّدهما إزاء السلطات السورية، وهو ما تزامن مع زيارة رئيس الدبلوماسية التركية أحمد داوود أوغلو لدمشق، وخرج من لقاءاته فيها بما يوحي أن حكومته قد أعطت مهلة أسبوعين للسلطة السورية لكي تحقق الإصلاح الموعود. وإذا كان هذا الموقف قد أثار غضب المتظاهرين على اعتبار أنه «لعب بالدم السوري»، فإنّ الدعوة التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما لتنحي الأسد لم تلقَ بدورها قبولاً تركياً.
من هنا يُطرح السؤال: ماذا تريد الحكومة التركية؟ هل هي مع تغيير السلطة في سوريا أم مع بقائها؟
مَن فهم طبيعة العلاقة التي نشأت بين الحكومة التركية ونظام الأسد، وخصوصاً بعد عام 2008، يمكنه التأكيد أن تركيا تميل إلى استمرار السلطة السورية، لا تغييرها، وأن توترها العالي نشأ عن أن هذه السلطة لم تتفهم الوضع الذي هي فيه، والذي يفرض تغييراً «حقيقياً» في بنيتها يسمح بمشاركة قوى معارضة، وخصوصاً من «الإخوان المسلمين»، بعدما قامت الحكومة التركية بدور وسيط منذ أكثر من سنتين لتحقيق مصالحة مع النظام بهدف إشراك «الإخوان» في السلطة. ويمكن الإشارة إلى أن هذا التوتر التركي إزاء الملف السوري يعود للظهور كلّما تجدد الكلام على احتمالات تدخُّل «دولي» في سوريا، هو نتيجة شعور أنقرة بأن كل تدخل دولي يمكن أن يفقدها مكاسبها التي تحققت خلال السنوات الأخيرة. وبالتالي، فإنّ نغمة موقفها ترتبط بمدى استجابة السلطة السورية لدعوتها إلى تحقيق الإصلاح كما تراه هي، لا كما رسمه حكام دمشق. بالتالي، يلاحظ المراقب أنه كلما غضّ «المجتمع الدولي» من نظره إزاء الحدث السوري، تراجعت تركيا عن نغمة نقدها، وكلما تصاعد الضغط وأصبح الميل إلى التدخل قائماً، رفعت من هذه النغمة. هكذا يمكن فهم التصريح الأخير للرئيس التركي عبد الله غول، أمس، ومفاده أنّ تركيا «فقدت ثقتها بالإدارة السورية»، مذكراً بأن بلاده «بذلت جهوداً كبيرة وقدمت مساهمات في سوريا، ودعمت الشعب السوري؛ لأن الشعب هو الأهم». وفيما قال غول إنه يتابع التطورات في سوريا يومياً، وإنه يتلقّى تقارير استخبارية عمّا يحصل في كل مدينة سورية، أوضح أنه «بصراحة، فقدت تركيا ثقتها بالقيادة السورية».
وفي سياق النبرة النارية إزاء دمشق، نقلت وكالة الأناضول التركية الحكومية عن الرئيس عبد الله غول إشارته إلى أن «الوضع بلغ مرحلة باتت التغييرات عندها غير كافية وفات أوانها». وتابع قائلاً: «يُقال إن الأحداث انتهت، ثم يقتل 17 آخرون. كم سيكون العدد (القتلى) اليوم؟ من الواضح أننا بلغنا نقطة سيكون معها أي شيء غير كافٍ وفات أوانه. لقد فقدنا الثقة».
بتعبير آخر، تريد الحكومة التركية أن تبقى هي الماسكة الأولى دون سواها بالوضع السوري، ولا تريد إخلاء الساحة لأي طرف آخر، ولا حتى للولايات المتحدة، ذلك أن سوريا بالنسبة إلى أنقرة، وإلى البورجوازية التركية بالدرجة الأولى، هي كنز لا يجوز التفريط به.
لقد نُظر لتركيا طويلاً كمخلب أميركي في المنطقة، وكحليف للدولة الصهيونية كذلك. وكان ذلك صحيحاً لعقود طويلة، لكن لا يمكن اليوم قول الأمر نفسه، ليس لأن أنقرة انقلبت ضد واشنطن، لكن لأن الأزمة المالية العالمية قد أسست لوضع جديد فرض على البورجوازية التركية إعادة بناء أولوياتها، بعدما ظلت لعقود ملحقة برأس المال الإمبريالي، وعملت طويلاً لكي تصبح جزءاً من أوروبا التي ظلّت أضيق من أن تتسع لها. هذا الوضع هو الذي فرض التحوّل في مزاج الشعب التركي نحو «الشرق» من خلال انتخاب حزب «العدالة والتنمية».
هذا الوضع دفع بتركيا إلى أن تكون على اختلاف مع السياسة الأميركية ومع السياسة الإسرائيلية. وانطلاقاً من ذلك، أصبحت سوريا سوقاً وبوابة مهمين جداً في إطار هذه الاستراتيجيا الجديدة، وخصوصاً أن النظام في دمشق يتعرض لحصار أميركي وضعه في «محور» آخر بالتحالف مع إيران. هكذا كان ممكناً «القفز» لتحقيق «تحالف استراتيجي» يوفر ظرفاً مناسباً لسيطرة اقتصادية تركية في كل الشرق، بعدما باتت السلطة السورية في وضع يجعلها تندفع بتسرُّع لقبول هذا التحالف كي تفك الحصار المفروض عليها، وتوازن تحالفها الإيراني أو تعززه، تحديداً لأن تركيا أيضاً كانت تميل إلى التحالف مع إيران.
لقد حصلت البورجوازية التركية على اتفاقات اقتصادية مهمة من السوريين، وتعزَّز وضع سوريا ممراً للسلع التركية الذاهبة إلى الأردن ولبنان، وخصوصاً السعودية والخليج، وهو ما أدّى، من ضمن جملة تداعيات، إلى تعزيز انهيار الصناعات النسيجية والزراعة السوريتين. جميعها عناصر جعلت من تركيا معنية بالوضع الداخلي السوري، وباستقرار النظام فيه. ويبدو واضحاً أن تركيا تريد من السلطة السورية أن تغيّر، لكن لا تريد تغييرها، وهي تلاحظ أن دمشق لا تعي عمق المشكلات، وبالتالي لا تزال تطرح حلولاً شكلية لها، وهو ما يمثّل خطراً على استمرار السلطة وربما يفضي إلى تغيير يُخرج تركيا من المعادلة.
خلاصة القول أنّ ما يهم الحكومة التركية هو استمرار السلطة القائمة، مع تعديلها بما يسمح بتحقيق «دولة تعددية»، انطلاقاً من تفاهم مع جماعة الإخوان المسلمين تحت إشرافها، حتى إن أنقرة قد تسعى إلى توافق مع إيران على الوصول إلى ذلك بعدما أصبح واضحاً أنه ليس من الممكن قمع الانتفاضة، وخصوصاً أن الإيرانيين بدأوا يشعرون بخطورة الوضع في سوريا.

المصدر: الأخبار

ماذا يجري في الوطن العربي؟

ما الذي يجري في الوطن العربي؟ هل هو حراك شعبي أم انتفاضة أم ثورة؟
مع زحمة ما جرى في البلدان العربية تداخلت المفاهيم، ودخلنا في متاهات نقاش مشوَّش، ومشوِّش. فماذا نسمي ما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، وكذلك المغرب والجزائر والأردن والبحرين؟ هل هو حراك شعبي؟ أم هو انتفاضة شعبية؟ أم أنّه ثورة شعبية؟ وما الأساس الذي يسمح بالتحديد أصلاً؟ هل هو الحجم أم النجاح والفشل؟ أو طبيعة الأهداف؟
إذا كانت المصطلحات والمفاهيم مشوشة عموماً في الخطاب السياسي العربي، فإنّ ذاك التشوش يظهر واضحاً في تناول المصطلحات التي باتت محورية في الأشهر الأخيرة، نتيجة الثورات ذاتها التي غمرت كلّ الوطن العربي، وبالتالي تفضي إلى سوء فهم، وسوء حوار، نتيجة التحديد العشوائي لمصطلحات هي في صلب النقاش الجاري. ربما تلك من سمات الخطاب السياسي العربي عموماً، وهي السمة التي تجعل التنافر والعجز عن الوصول إلى توافق، والتفهّم المتبادل، من الأمور «الطبيعية»، لأنّ الأولويات غير متوافق عليها، وأقصد المصطلحات والمفهومات. بالتالي، ما معنى تلك المصطلحات/ المفهومات؟
إنّ كلّ نشاط شعبي من أجل مطالب هو حراك، سواء كانت جزئية أو «فئوية» أو شاملة. لذلك، يمكن أن يكون الحراك إضراباً عمالياً أو تظاهرة، أو توقيع عريضة. بمعنى أنّ المصطلح يتضمن فعلاً ما لمصلحة فئة أو طبقة أو شعب، بغض النظر عن الشكل الذي يتخذه، والهدف الذي يسعى إليه، سواء تعلق بتحقيق مطلب بسيط، أو طالَبَ بإسقاط النظام.
أما الثورة، فهي التحرّك من أجل تغيير النظام، بغض النظر عن الشكل الذي تتخذه، سواء كان الإضراب العام أو العصيان المدني أو الانتفاضة الشعبية، أو الثورة المسلحة، وأيضاً بغض النظر عن النتيجة التي يمكن الوصول إليها، أكانت الانتصار أم الهزيمة أم تحقيق جزء من المطالب. لذلك، الثورة حراك هدفه التغيير، لا الإصلاح أو تحقيق بعض المطالب الجزئية، وهي تحرك الشعب عموماً أو طبقة منه (أو ربما جزء له طابع قومي معيّن) من أجل التغيير. بمعنى أنّ كلّ صدام مع السلطة الطبقية السياسية كسلطة، هو ثورة، بغض النظر عن الآليات وعن النتائج. من ثم سنلمس أنّ الانتفاضة هي كلّ تحرك شعبي يهدف إلى التغيير من خلال التظاهر والإضراب، وكلّ أشكال الاحتجاج غير المسلحة. وهنا تكون الانتفاضة هي شكل الثورة، فيكون النضال المسلح أو العصيان المدني أو الإضراب العام أشكالاً أخرى لها. بمعنى أنّ الانتفاضة هي شكل من أشكال التغيير تقوم على تحرك الشعب عبر آليات التظاهر وأشكال احتجاج أخرى. ويمكنها أن تتحوّل في لحظة إلى انتفاضة مسلحة، حين تتحوّل أداة التظاهر من الشعارات وأشكال الرد البسيطة على قمع النظم (الاشتباك بالأيدي، العصي، الحجارة، وحرق الدواليب) إلى حمل السلاح من أجل السيطرة على مراكز السلطة، للاستحواذ عليها. يختلف ذلك عن النضال المسلح الذي يبدأ بإنشاء مجموعات صغيرة تتدرب على استخدام السلاح وتهاجم أجهزة السلطة وجيشها، لتتطور إلى جيش مسلح بديل يستطيع السيطرة على السلطة. تنجح تلك الحالة غالباً في مواجهة قوى الاحتلال، أكثر مما تنجح في إطار الصراع الطبقي المحلي، بينما سيبدو ضرورياً لانتفاضة شعبية أن تتحوّل إلى انتفاضة مسلحة حين تعيش مأزق السيطرة على السلطة، نتيجة قوّة الأجهزة الأمنية/ العسكرية لدى السلطة.
الحراك، بالتالي، هو كلّ نشاط شعبي لتحقيق مطالب، والثورة هي الحراك الذي يسعى إلى تحقيق المطالب عبر تغيير النظام، والانتفاضة هي شكل حراك الشعب في مواجهة النظام. وهنا ليس مهماً ربط ذلك بالمآل الذي يمكن أن يفضي إليه الحراك: الانتصار أو الهزيمة أو الإصلاح، فالثورة تنتصر أو تنهزم، أو تغيّر قليلاً، لكنّها ثورة. وكلّ حراك شعبي عام يتمظهر في شكل تظاهر وأشكال احتجاج أخرى هو انتفاضة، بغض النظر عن نتيجتها، نجحت أو فشلت.
لذلك يمكن القول إنّ ما يجري في الوطن العربي هو حراك، وهو انتفاضة، وهو ثورة كذلك، لأنّه انتفاضة لا حراك فقط. إنّه ثورة لأنّه يهدف إلى إسقاط النظم عبر الشعب، وهو انتفاضة لأنّه يتخذ شكل التظاهر والإضراب والاعتصام. كلّ ذلك بغض النظر عن النتيجة التي يمكن أن يوصل إليها: هل نجح في تحقيق الأهداف التي طرحها أم فشل في ذلك.
هذا التحديد يسمح لنا بأن نتلمس «مشكلات» الحراك، وتحديد «نقاط الضعف» فيه، والأسباب التي جعلته يسير إلى ما يسير إليه من عجز عن تغيير حقيقي للنظم، ومحاولات الالتفاف عليه. فهناك مشكلة كسر قوة السلطة والسيطرة عليها، من أجل تحقيق التغيير الذي يحقق مصالح الطبقات الشعبية. وهناك مشكلة توضيح مجمل المطالب والأهداف التي يقوم عليها إسقاط النظم. وبالتالي مشكلة تحوّله إلى اعتصام «سلبي» بدل أن يفضي إلى زحف من أجل السيطرة على أجهزة السلطة.
فبعكس الإضراب العام أو العصيان المدني أو الثورة المسلحة، التي تنطلق كلّها من «إرادة واعية» (سواء بفعل وجود أحزاب أو نقابات) فإنّ الانتفاضة هي في الغالب حراك عفوي يبدأ نتيجة ظروف محدَّدة تدفع قطاعات مجتمعية كبيرة إلى النزول إلى الشارع للتعبير عن غضبها وتمردها، وسعيها إلى رفض الوضع الذي تعيشه، وبالتالي مطالبتها بالتغيير الذي يعني تحقيق مطالب أو إسقاط النظام، أو البدء بالمطالبة بمطالب معينة تتطور إلى طرح إسقاط النظام. والنتيجة التي يمكن أن تصل إليها، تعتمد على اندماج أحزاب فيها (وهذا يفترض أنّها تعي وضع الشعب، وتتلمس مشكلاته، وبالتالي تستعد لأداء دور واضح حين يثور)، هي متوافقة مع مطالب الشعب. وما يبدو واضحاً في الوطن العربي أنّ هذا الوضع غائب نتيجة عجز الأحزاب، وعجزها عن فهم وضع الشعب وتلمس ممكنات ثورته.
إذاً، الانتفاضة هي الشكل العفوي لتعبير الشعب عن تمرده، لذلك تجهض في الغالب. بمعنى أنّها لا تحقق مطالب الشعب، وإنْ استطاعت إسقاط حكّام وتغيير شكل النظم. وهي لا تنتصر إلا إذا ترابطت مع فعل سياسي واضح، يعبّر عن مصالح هؤلاء المنتفضين. يشهد الوطن العربي انتفاضات من هذا القبيل، إذ ليس من أحزاب تعبّر عن الطبقات الشعبية، وما يمكن أن يتحقق في حده الأقصى هو تغيير ديموقراطي لا يقود إلى تغيير النمط الاقتصادي، هو ما يحقق مطالب تلك الطبقات. لقد انطلقت الانتفاضات كتعبير عن حراك سلمي لا يريد الانتقال إلى أيّ شكل من أشكال العمل المسلح، على أساس أنّ السلمية هي القوة التي تفرض القدرة على مواجهة نظم مسلحة حتى العظم، لذلك، نجد أنّها تسير نحو استعصاء أو إلى تغيير «من فوق»، من خلال قيادات الجيش التي هي جزء من النظام القديم. ما يجري هو حراك ثوري يتخذ شكل الانتفاضة السلمية، ونحن نشهد عثراتها ونلمس نقاط ضعفها نتيجة طابعها العفوي، لكن ليس من الممكن أن تتوقف دون تحقيق التغيير العميق، وإنْ على مراحل.

المصدر: الأخبار

عن الوضع الطبقي للانتفاضة السورية

في كل الانتفاضات العربية، كان الحراك يتخذ شكل الجموع، حيث لا تمييز بين طبقة وأخرى، وحيث لا تمييز بين شيوخ وشباب على رغم أن الكتل «المقاتلة» كانت من الشباب. ولا شك في أن الانتفاضات العفوية هي هكذا، حيث تخرج الجموع بعد حدث ما، أو مسألة محدَّدة، من دون أن ينظمها أحد، ومن دون أن تعتمد الاصطفاف الطبقي في التحرك. إنها كتل وجموع تملأ الشوارع في شكل مفاجئ، باختلاط بين طبقات مختلفة تعاني وضعاً متشابهاً من حيث الحالة.

في سورية بدأت فئات شبابية مفقرة أو من فئات وسطى مفقرة حراكاً بتأثير الثورات العربية (تونس ومصر، ثم ليبيا)، كانت مسألة التحرر من كبت طويل و «نمذجة» للسلوك مديدة، هي المحرّك الأول لديها. لكن هذه الفئات كانت محدودة ولم تثر حراكاً قوياً. في درعا كان انهيار الريف يؤثر في وضع أصبح يتعرّض لسطوة مافيا السلطة على المنطقة، من خلال السيطرة على الأرض بحجة أنها أرض حدودية تخضع للقانون 49 الخاص بذلك. ولهذا تحوّل الأمر بسرعة إلى انتفاضة بعد قمع دموي لمحتجين على هذا الوضع.

وقد جاء التوسع الأولي في مناطق ريفية، من دوما وريف دمشق إلى بانياس وتل كلخ، وصولاً إلى إدلب وجسر الشغور. لكن مدناً تحرّكت، من اللاذقية إلى حمص ودير الزور والقامشلي، إلى حماة.

لم يتحرّك كل الريف، حيث بقيت مناطق من ألوان «طائفية» معينة متخوّفة أو مترددة. ولم تتحرّك كل المدن، حيث بقيت المدينتان الأهم خارج الحراك تقريباً، وهما دمشق وحلب.

لماذا هذا التوضّع إلى الآن؟ وما هي مطالبه؟

من الواضح أن المسار الاقتصادي الذي تحقق خلال السنوات السابقة هو الذي أفضى إلى ذلك. سنلمس أن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي مورست بتسارع خلال العقد السابق قد أفضت إلى لا تكافؤ في التنافس مع السلع التي باتت تستورد من جهة، والى لا تكافؤ في العلاقة بين الأسعار والأجور من جهة ثانية. وهو الأمر الذي وضع قطاع الزراعة تحت ضغط شديد نتيجة ارتفاع أسعار البذور والأســمدة، والمازوت، الأمر الذي فــرض كلفة عالية على الإنتاج لا يحتمله وضع السوق الذي بقيت الأجور متدنية فيه… ممــا قاد إلى تراجع فيها، ثم انهيار تأثر بعــوامل طبيعية أخرى. وفــرض تــوسّع الإفــقار في مجمل الريف، هجرة أكثر من مليون فلاح مــن الــجزيرة السورية ليعيشوا علــى هوامش المدن.

وهذا ما حصل لبعض قطاعات الصناعة التي انهارت بفعل المنافسة التي أتت بها سياسة الانفتاح، مثل صناعة الغزل والنسيج، بعد السماح بالاستيراد من الصين ثم تركيا.

لكن الانفتاح الاقتصادي فرض أن تصبح الأجور في وضع لا يسمح بعيش كريم لقطاعات واسعة من الموظفين والعمال، حيث توسعت الفجوة بين الأجور (التي كان الحد الأدنى فيها هو 6 آلاف ليرة سورية في القطاع العام، وأدنى من ذلك في القطاع الخاص.

ووفق دراسات حكومية، فإن الحد الأدنى يجب أن يكون 31 ألف ليرة سورية) والأسعار التي باتت تطابق السعر العالمي (خصوصاً في المواد المعيشية الأساسية)، وربما تزيد عن ذلك نتيجة احتكار فئة من التجار المرتبطين بالسلطة وحولها. ولما كانت السلع الأساسية وغير الأساسية قد باتت مستوردة، فقد نشأ اختلال كبير في الوضع المعيشي لقطاع واسع من الطبقات الشعبية. وهو ما انعكس تدهوراً أكبر في بنية الاقتصاد الذي شحّت السيولة فيه بعد أن تمركزت بأيدي «رجال الأعمال الجدد»، ونهضت فئة ممن يتعاملون مع «القطاع الجديد» (أي التكنولوجيا الحديثة)، ومن المقاولين وبعض التجار المقربين، وشريحة من الأطباء والمهندسين والمحامين والمهنيين عموماً.

على ضوء ذلك، يمكن ملاحظة أن انهيار الزراعة فرض تحرّكاً كبيراً في الريف والمدن القريبة منه (درعا، حمص، حماة، القامشلي)، وهو تحرك فلاّحي شمل صغار الملاّك ومتوسطيهم، وربما بعض كبار الملاّك (نسبياً، نتيجة صغر الملكية أصلاً).

لكن سنلمس تردد العمال على رغم الأجر المنخفض، سواء الذين يعملون لدى الدولة أو لدى القطاع الخاص. فلم يتحرّك العمال كعمال بعد، على رغم مشاركة بعضهم في التظاهر ضمن الجموع.

ويبدو تخوّف موظفي الدولة واضحاً، على رغم الأجر المنخفض كذلك. فالخشية من فقد الوظيفة يدفعهم حتى إلى المشاركة في «المسيرات المؤيدة»… وعلى رغم التذمّر، فإنهم لا يزالون ينساقون في مسيرات ليسوا مقتنعين بها. وهو الأمر الذي يوضح أن حاجز الخوف لــم يكسر بعد، حتى من أجل رفض المشاركة فــي هذه المسيرات. وسنلمس التردد الأكبر لدى الفئات الوسطى المهنية، التي يشارك بعضها في شكــل فــردي، لكنها لم تنزلق للمشاركة في الحراك بعد إلا في بعض المدن (دير الزور، حماة). وأيضاً سنجد أن متوسطي التجار (وحتى الكبار منهم) هم مؤيدون للحراك، لكن في شكل خفي خوفاً على رأس المال، وانتظاراً لتحول ميزان القوى لكي يصبحوا هم «القائد» والمستفيد.

هذه الوضعية توضح أن الحجم الأكبر للحراك هو من فئات مفقرة، سواء نتيجة البطالة (التي تبلغ أكثر من 30 في المئة، خصوصاً بين الشباب) أو نتيجة الأجر المتدني، ولا يزال منحصراً في مناطق ريفية ومدينية أقرب إلى الريف أو هوامش المدن، أكثر مما هو في المدن الأساسية، إلى الآن على الأقل. وهي فئات كانت «خارج السياسة» عموماً نتيجة الاستبداد العنيف الذي أفرغ المجتمع من كل إمكانية لنشوء وعي سياسي، أو لتبلور ثقافة حقيقية. وحيث انعزلت الأحزاب السياسية، خصوصاً تلك المعارضة عن كل هذه البيئة، منحصرة فــي أطــر مــدينية ضيقة نتيجة الاستبداد، لكن أيضاً نتــيجة أزماتها، واستمراء الانقطاع عن الطبقات الشعبية، وبالتالي الانحسار في نخب مدينية في الغالب.

وهي الوضعية التي تؤشر إلى المطالب التي يهدف إليها كل هؤلاء، بغض النظر عن الشعارات التي تتكرر… لكن إسقاط النظام لا شك يعني كذلك إسقاط النظام الاقتصادي الذي أنتج كل هذا الانهيار الاقتصادي، وكل هذا التمركز للثروة، وبالتالي كل هذه البطالة والفقر، وانهيار التعليم والصحة.

المصدر: الحياة

الانتفاضة السوريّة: مشكلات وحلول

-1-

مشكلات الشعارات والأهداف

أشهر مرّت على الثورة في سوريا، توسعت خلالها إلى حدّ كبير، بعدما كانت قد بدأت في درعا، فهي الآن تشمل معظم الأرض السوريّة. لكن الملاحظ أنّها تتمركز في الريف أكثر من المدن، رغم مشاركة مدن مهمة مثل حمص وحماه واللاذقية ودرعا ودير الزور. وتقف بعض «الطوائف» متخوفة إزاءها، أو مترددة في المشاركة، وهو الأمر الذي يضعفها، ويؤخر انتصارها.

ما يجب ملاحظته أولاً هو أنّ الانتفاضة كانت «قبل أوانها»، فقد تعممت اللبرلة في سوريا قبل سنوات قليلة. إذاً، لقد تفجّر الوضع السوري «قبل الأوان»، لكنّه تفجّر. ولقد فرض ذلك نشوء مشكلات، في الواقع لا بد من ملاحظتها. ونقول «قبل أوانها» رغم أنّ الانفتاح الاقتصادي قد فرض تحرير الأسعار، وبالتالي خضوع المواطن للسعر العالمي للسلع، رغم ضآلة الأجور والارتفاع الهامشي لها. ورغم تراجع دور الدولة في التوظيف، وفي دعم التعليم والصحة، وفي الإنفاق الاستثماري، ظلّت تستوعب أعداداً كبيرة من الموظفين، وخصوصاً أنّ القطاع العام بقي مهملاً، من دون تصفيته. وبهذا ظلّت فئات اجتماعية تعتمد على الدولة، رغم ضآلة رواتبها. وكان الاحتقان المتصاعد، الذي كان يظهر في حالات تململ وتذمر، لم يصل بعد إلى كسر حالة الرهبة من مواجهة السلطة، والإحساس بأنّ أي بديل هو أفضل من الراهن.

سنلاحظ أنّ الانفتاح الاقتصادي، الذي اكتمل منذ أواسط العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، فرض انهيار الصناعات، حتى تلك التي كانت تعدّ من إرث سوريا، مثل الصناعات النسيجية، وكذلك انهيار الزراعة وفقدان سلع استراتيجية مثل القطن والقمح. ولذلك، نجد أنّ الحراك بدأ وتوسع في الريف، أكثر من المدن. من درعا وريفها إلى ريف دمشق، إلى بانياس وإدلب وجسر الشغور، إلى القامشلي. وربما يشبه ذلك الوضع التونسي، إذ انطلقت الانتفاضة من الريف ووصلت إلى المدن فانتصرت.

لا شك في أنّ أكثر من 80% من السكان دون خط الفقر، سواء نتيجة البطالة أو نتيجة ضآلة الأجر، لكن نسبة الذين باتوا يعيشون في فقر شديد، والعاطلون من العمل (نسبتهم تبلغ ما يقارب 30%)، ومن بلغ الاحتقان لديهم حده الأقصى، هم أقل من ذلك. ونلمس بأنّ أثر انهيار الريف واضح في الحراك، كما يمكن أن نلمس التأثر بانهيار الصناعات، في بعض المدن فقط. وسنلمس أنّ وضع الفئات الوسطى في المدن لم يصل بعد إلى حدّ الأزمة العميقة، فنسبة منها يعيش على نحو جيد، وأخرى لا تزال تقاوم الفقر. كما أنّ بعضاً منها استفاد من التحوّل الاقتصادي الذي حدث، في السنوات الأخيرة، نحو التركيز على الخدمات والتكنولوجيا الحديثة والعقارات والسياحة والمصارف. ويظهر ذلك أنّ الفئات المهنية لم تشارك جدّياً بعد.

أدى هذا الوضع إلى جعل «الشرارة» الأولى في درعا لا تتوسع سريعاً في باقي سوريا، كما حدث في تونس مثلاً، أو في اليمن حتى. وربما لم يحدث ما حدث فيما لو حصلت مسألة درعا في وضع عربي راكد، فقد وقعت أحداث مشابهة لها من حيث المطالب سابقاً، وحلّت بـ«هدوء». مطالب أهل درعا كانت تتعلق بالمنطقة نفسها، وتتعلق بالأرض التي سيطر عليها متنفّذو السلطة، واعتقال الأطفال وتعذيبهم، وتطوّرت إلى تغيير المحافظ ومسؤول الأمن السياسي. وحاول هؤلاء حلّها من خلال الحوار مع السلطة، من دون جدوى. لكن لا بد من أن نلاحظ انعكاس الوضع الثوري العربي، الذي بدأ مع تونس ووصل إلى مصر، وتفجّر في اليمن وليبيا، على تحوّل تلك الحالة المتكررة إلى ثورة. وسنلمس ذلك الانعكاس في مستويين. الأول يتعلق بالطابع «الشبابي» للثورات في تونس ومصر واليمن. ولا شك في أنّ تلك الوضعية هي أمر طبيعي في مجتمع تفوق نسبة الشباب فيه 60% من المجتمع، وتعيش نسبة كبيرة منهم في حالة عطالة من العمل. في سوريا الوضع مشابه، وبالتالي أثّر حراك الشباب في البلدان العربية على الشباب هنا، الذي بدأ في التفاعل مع الأحداث في مصر وليبيا واليمن، وأصبح يفكّر بحراك سوري، وهو الأمر الذي أطلق الدعوات على الإنترنت لتظاهرات هنا أو هناك. وبدأ الأمر في الدعوة الى تظاهرة في 15 آذار/ مارس، ثم للتضامن مع المعتقلين في 16 آذار/ مارس، ومن ثم الدعوة إلى تظاهرات في 18 آذار/ مارس، وهي الجمعة التي كانت درعا قد قامت خلالها باحتجاج من أجل مطالبها.

يتعلق الأمر الثاني باستفادة السلطة من أسباب نجاح الثورات في تونس ومصر. فقد استنتجت بأنّ نجاح تلك الثورات نتج من السماح للحراك بأن يتراكم على الأرض، ويفضي إلى اعتصامات في الساحات. وبالتالي، رُسمت استراتيجية المواجهة انطلاقاً من ضرورة سحق كل محاولة اعتصام، وكل تحرّك منذ البدء. وأصبحت هذه الاستراتيجية تعتمد على استخدام العنف الشديد، منذ البدء. لذلك، ووجهت مطالب سكان درعا بالعنف، منذ اللحظة التي تجمعوا فيها يوم الجمعة 18 آذار/ مارس. فقد تدخلت قطاعات من الجيش (الوحدات الخاصة والفرقة الرابعة)، وجرى استخدام الرصاص الحي فوراً، ما أفضى إلى سقوط شهداء.

أدى هذا الرد إلى عكس ما أرادته السلطة، فقد تصاعد الاحتجاج في درعا، وكلّ حوران، وباتت المنطقة كلّها خارج السيطرة، ثم أصبح مادة حقيقية للشباب المتحمس الذي بدأ الدعوة الى التضامن مع درعا. أثمر ذلك توسع الحراك إلى بانياس ودوما، وبعض مناطق ريف دمشق، واللاذقية. ومن ثم أصبحت الردود العنيفة للسلطة مادة للتوسع المتتالي، فوصلت الاحتجاجات إلى حمص ودير الزور، ثم إلى القامشلي وحماه وإدلب وريف حلب، وبالتالي إلى كل الريف السوري تقريباً. كل ذلك خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 15 آذار/ مارس.

يعدّ ذلك التوسع بطيئاً إذا قارناه مع الوضع التونسي خصوصاً، وحتى اليمن (وضع مصر مختلف)، وهو الأمر الذي يشير إلى أنّ نضج الاحتقان لم يكن متساوياً في كل سوريا. وبدا أنّ الريف هو الأكثر تضرراً واحتقاناً، بعد الانهيار الزراعي الذي حصل في السنوات الثلاث الأخيرة، بينما لم يتحرّك العمال مثلاً. ربما تحرك بعضهم كأفراد ضمن التظاهرات التي تجري، لكن لا يزال الحراك ضعيفاً في مناطق التمركز العمالي. والفئات الوسطى المدينية، لم تزل دون حراك حقيقي، رغم مشاركة أفراد منها في الحراك. وبالتالي أوجد ذلك جملة مشكلات أساسية، لا تزال تؤثر على الحراك ذاته، وتعرقل توسعه السريع.

منطق توسع الانتفاضة

كما أشرنا، إذا كانت الدعوات على الإنترنت قد بدأت في 15 آذار/ مارس (وبعضها قبل ذلك، وإن كان على نحو طائفي قذر)، فقد بدأت الانتفاضة فعلياً في 18 آذار/ مارس، مع بدء الحراك في درعا، والرد الوحشي للسلطة عليه. إذ واجهت السلطة احتجاجاً شعبياً باستدعاء الوحدات الخاصة والفرقة الرابعة، وفتح النار على المعتصمين من أجل سحقهم خشية امتداد الحراك. لكن كانت النتيجة معاكسة لذلك، فقد انتفضت درعا وكل حوران.

التضامن مع درعا أصبح هدف الشباب الداعي إلى التظاهر في مناطق عديدة من سوريا، وللاحتجاج على عنف السلطة ووحشيتها. وهذا ما بدأ يحرّك مناطق أخرى، فقد تحركت دوما وبانياس، وهو ما نقل عنف السلطة إليهما، فأصبحتا مادة جديدة للتحريض، فتوسع التضامن ليشملهما مع درعا. ومن ثم بدأ توسع الانتفاضة في صيرورة تضامن متبادل. لكن هذا الزمن كان يسمح للسلطة بالتركيز القمعي على المناطق واحدة تلو الأخرى، وهو ما كان يعطيها قوّة، لأنّها تحرّك قوة قمعية محدودة العدد، وبالتالي كان يمكن نقلها من منطقة إلى أخرى. وبدا أنّ السلطة تستفرد بالمناطق، على نحو متتالٍ، ما دام التوسع في الحراك بطيئاً. لكن العنف الوحشي لم يكن يوقف الحراك، حتى في المدن والمناطق التي كانت «تذبح». على العكس من ذلك، كان يفضي إلى انتقال الانتفاضة إلى مناطق جديدة دون تراجع قوتها في المناطق التي «سحقتها» السلطة، ليظهر بأنّ هذا السحق لا يوقف الثورة بل يوسعها.

لقد حاصرت قوات السلطة درعا ودوما وبانياس، ثم حمص وتل كلخ والمعظمية وداريا، وتلبيسة والرستن، ثم حماه ومعرة النعمان، وإدلب، وأخيراً جسر الشغور. وكانت تقتل دون تردد، وتدمّر دون اكتراث. رغم ذلك كان التوسع مستمراً، فقد كان واضحاً انضمام مناطق جديدة كل أسبوع، وتوسع العدد المشارك في كلّ منطقة، رغم العنف الدموي الذي باتت تمارسه قوات السلطة.

إنّ بطء التوسع كان يشير إلى «عدم تكافؤ نضج الاحتقان»، لكنّه أعطى السلطة مسافة لكي تقمع المناطق، منطقة تلو الأخرى، رغم أنّ ذلك لم يوقف الحراك في المناطق «المنكوبة»، فالصلابة هي ذاتها بعد كل هذا العنف الوحشي. وهنا سنلمس العلاقة بين الاحتقان من جهة، وقوة السلطة ووحشيتها من جهة أخرى، وخصوصاً أنّ الجيش بقي محايداً أو مساعداً، رغم ظهور بعض «الانشقاقات» فيه. بمعنى أنّ الصلابة قائمة، لكن كسر حاجز الخوف بطيء، وهو ما يجعل تآكل قوة السلطة أبطأ مما هو ضروري لانتصار الثورة. وهي المعادلة التي جعلت الشعب لا يسيطر على الشارع بعد، من خلال كسر قوة السلطة، ومن ثم تأخر تفكك السلطة، وتحوّل بعض قواها نحو وجهة تفرض التغيير.

التوسع البطيء، إذاً، كان يسمح للسلطة بهذا العنف المتتالي في المدن والبلدات. لكن التوسع مستمر، والخوف لا يدخل قلوب الشباب الثائر، الأمر الذي سيقود إلى انفجار عام، لا يسمح لقوى السلطة الممكنة بأن تسيطر على الوضع. لكن الوضع ذاك كان يجعل شعارات الحراك تنطلق من مبدأ التضامن مع المدن المحاصرة، وبالتالي كان يخفي المطالب الأساسية التي يتحرك الناس من أجلها. وبدت المسألة كأنّ الموضوع موضوع تحدٍّ من الشعب للسلطة «من أجل الحرية والكرامة»، لأنّ الاحتجاج بات يظهر كأنّه يطال تعدّي السلطة على المواطنين، وأنّ الاعتراض يطال العنف والوحشية، وليس لأنّ هؤلاء الشباب مفقرون ويعيشون وضعاً مزرياً نتيجة البطالة والأجر المتدني والعجز عن التعلم والعلاج. بدا أنّ التضامن هو شكل من أشكال كسر حاجز الخوف الذي سكنهم طيلة سنوات. لقد فجّرت جرأة سكان درعا الجرأة في مناطق أخرى، وفتحت لثورة شاملة تفرض تحقيق التغيير بإسقاط النظام. إسقاط النظام الذي أصبح الشعار الأساس بعد كلّ ذلك العنف في درعا، والذي بدأ يصبح شعاراً عاماً مع التوسع المتتالي الذي تشهده الثورة.

وإذا عدنا إلى المقارنة مع تونس (التي وضعها هو أقرب إلى سوريا من مصر، حيث القمع هو ذاته، وكبت الحراك خلال السنوات الماضية ذاته كذلك) فسنجد الفارق بين مجتمع محتقن إلى حد الانفجار السريع الذي فرض إسقاط الرئيس في أقل من شهر، بينما نجد أنّ عدم وصول الاحتقان حده الأقصى في سوريا جعل التوسع بطيئاً، ويحتاج إلى «محفزات»، كان التضامن مع السوريين في المدن التي تتعرض للعنف الشديد هو رافعتها. لكنّ الوضع ذاك قاد إلى أنْ تُمركز السلطة عنفها، وتنقله من منطقة إلى أخرى، كما قاد إلى تشوش الشعارات، وامتداد الزمن، وآلاف الشهداء والجرحى، وعشرات آلاف المعتقلين. لكن لا بد من أن نلاحظ هنا بأنّ عنف الانفجار التونسي فرض تحوّل الجيش (الذي كان مهمشاً في فترة بن علي) ضد الرئيس، وبالتالي قام بفرض تغيير ينطلق من طرده. بينما نجد تماسك جزء من القوة العسكرية في سوريا، ودفاعها عن النظام، ومن ثم تخوّف القوى الأخرى من التحرك نتيجة ذلك، وهو الأمر الذي لا شك يطيل الصراع، كما شاهدنا في اليمن. إلى أن يصبح ممكناً تحقيق تحوّل في بنية السلطة.

وانطلاقاً من ذلك، لا بد من تلمس مجمل المشكلات التي نشأت من أجل تحديد الصيرورة التي يمكن أن تتطور في الانتفاضة لكي تنتصر. هنا سنلمس مشكلة في الشعارات التي لم تطرح الأهداف بوضوح، ومشكلة تتعلق ببعض النخب التي مالت إلى اللغو بالتخوف من حرب طائفية، ومشكلة في غياب قوى سياسية جعلت الحراك عفوياً ويكتسب الخبرة في الممارسة.

حول الشعارات

بدأت الثورة في تونس بشعارات مطلبية تتعلق بالعمل والأجر، لكنّها تطورت إلى أن وصلت إلى طرح شعار إسقاط النظام. وفي مصر شملت الدعوة إلى إضراب «25 يناير» مطالب الحد الأدنى للأجور، وحق العمل وحل مجلسي الشعب والشورى، والدولة المدنية، لكن قوة الاستجابة دفعت إلى الانتقال السريع إلى شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» في 28 كانون الثاني/ يناير، كون إسقاط النظام هو الذي يحقق تلك المطالب كما جرى في تونس. وفي اليمن وليبيا، بدأ الحراك من أجل إسقاط النظام.

لكن في سوريا، يبدو أنّ التشوش كبير. فقد طرحت تظاهرة 15 آذار/ مارس شعار «الله، سوريا، حرية وبس»، الشعار الذي تكرر في درعا لفترة، وفي بعض المناطق لكنّه تلاشى، درعا التي كانت تطالب بقضايا محلية خاصة. ولا شك في أنّ الشعار كان مربكاً، لجملة أسباب، أوّلها أنّه ردّ على شعار سلطوي أثير هو «الله، سوريا، بشار وبس»، وردود الأفعال توقع دائماً في إرباكات، وكان الإرباك الأكبر يتمثل في تكرار الردّ على خطاب السلطة في الشعارات، إلى الحدّ الذي بدا فيه كأنّه ليس هناك مطالب سوى شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» الذي بدأ طرحه في التوسع وإنْ ببطء. ثم إنّه، ثانياً، أثار شعوراً بطابع ديني ما للحراك، وخصوصاً أنّه ارتبط بالخروج من المساجد في تظاهرات يوم الجمعة. ولذلك مفاعيل إشكالية تحتاج إلى حلول. ثم ثالثاً إنّه ركّز على الحرية «وبس»، بينما مشكلات 80% من المجتمع ليست الحرية فقط، بل أساساً غياب العمل (البطالة) والأجر المنخفض، وانهيار التعليم وتقليص مجانيته بقصرها على نخبة، وانهيار الصحة، وبالتالي عبء العلاج في وضع معيشي صعب، إضافة إلى مشكلات السكن والزواج. وبالتالي، فالحرية ليست هي المطلب الوحيد، ولا المطلب الأول، ستكون مطلباً لدى الطبقات الشعبية المنتفضة فقط لحظة شعورها بضرورة التحرك دفاعاً عن ذاتها التي باتت تساوي الموت، نتيجة الوضع الذي أشرت إليه.

لكن سنلحظ بأنّ طرح هذا الشعار لم يهدف إلى المطالبة بإسقاط النظام، بل كان يتضمن الحرية ضمن النظام، أي الدعوة إلى تغيير بنية النظام الاستبدادية نحو بنية ديموقراطية، لدى طارحيه، أو كان رداً على العنف السلطوي من أجل التخلص من هذه الاستبدادية. وبالتالي، إلى هنا لم يكن شعار إسقاط النظام مطروحاً، فالناس باتوا يشعرون بحقهم في المطالبة بحقوقهم.

وإذا كان شباب متحمس، بعضه يدخل الصراع لأول مرة، وبعضه على تواصل مع أحزاب معارضة، قد طرح الشعار في 15 آذار (ربما بتأثير أحزاب معارضة)، فقد أصبح شعار درعا كتحدّ للقمع العنيف الذي مارسته السلطة في 18 آذار. لكن الأمور سارت نحو شعارات تؤكد التضامن مع درعا خلال تظاهرات بدأت صغيرة، لكنّها توسعت في بعض المناطق. وسرعان ما قاد القمع العنيف في درعا إلى أن يصبح شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» هو الشعار الأساس هناك، وأخذ ينتقل إلى المناطق الأخرى، بعد عنف شديد من السلطة. ويبدو أنّه بعد هذا العنف لم يعد من حلّ وسط، أو مطالبة بإصلاح، ما أدى إلى توسع انتشار الشعار، ليصبح الشعار المركزي في كل التظاهرات. لكن لا بد من أن نلاحظ بأنّه إذا كان أهل درعا يعرفون مطالبهم التي طرحت قبل الحراك، وبالتالي جاء شعار إسقاط النظام كسياق طبيعي لتحقيقها، فإنّ انتقاله السريع إلى المناطق الأخرى قد أدى إلى «القفز »على المطالب الخاصة، ليس بالمناطق فقط بل، بالطبقات الاجتماعية كذلك. وبهذا، فقد بدا أنّه يقوم على «فراغ»، رغم أنّ الشباب كانوا يشيرون إلى العمل والأجور وتدخلات السلطة، والتعليم والصحة. لكن أصبح طرح هذه المطالب كشعارات، بعد انتشار شعار إسقاط النظام، مرتبطاً بالتراجع عن المطلب الأساس ذاك، ومعبّراً عنه.

وإذا كان الانتقال السريع للانتفاضة في درعا، بعد العنف الشديد الذي مورس، قد أفضى إلى الانتقال إلى شعار إسقاط النظام، فقد أصبح الشعار مربكاً في المناطق التي لم تكن قد دخلت الصراع بعد، فبدا أنّها تنتقل إلى الشعار في قفزة لم يكن الاحتقان وحاجز الخوف يسمحان بها. لقد بدا أنّ النزول إلى الشارع ليس من أجل مطالب محدودة يتلمسها المحتجون، بل من أجل هدف كبير طالما صُوّر كمستحيل، وكان يبدو «خارق» للإمكانية. وهو الأمر الذي شلّ إمكانية تجاوز التخوّف والتردد. لكن كان هذا السياق «طبيعياً»، نتيجة الوحشية التي مورست في درعا، لكنّه فرض تأخر دخول مناطق أخرى. وأفضى ذلك إلى مشكلات ترابطت مع «التشقق الطائفي»، فأصبحت المسألة تتعلق بإسقاط النظام دون مطالب توضّح الأسباب التي تفرض ذلك، وبالتالي الأسس التي يجب أن يقوم عليها النظام الجديد. هنا بدت مسألة السلطة مجردة عن كلّ المصالح، سواء من زاوية الفئة الحاكمة التي راكمت الثروة، أو من زاوية المفقرين الذين سُحقوا خلال عملية النهب الطويلة. جعل ذلك الفئات الأكثر فقراً تبدو كأنّها تدافع عن سلطة المال، فقط لأنّها محسوبة (سواء لأنّها تعتقد ذلك أو لأنّ آخرين يحسبونها كذلك) على السلطة، أو أنّ السلطة محسوبة عليها.

الشعارات الأخرى جاءت رداً على خطاب السلطة الذي أصبح يصوّر الحراك كحراك مجموعات سلفية، ويتحدث عن استخدام للسلاح. وأيضاً ربط الحراك بـ«مؤامرة خارجية». لذلك رفعت شعارات «لا سلفية ولا إرهاب الثورة ثورة شباب»، و«لا سلفية ولا إخوان، لا رفعت ولا خدام»، و«لا أميركا ولا إيران». مع تركيز على إسقاط بشار الأسد، أو حديث عن فساد رامي مخلوف، وذي الهمة شاليش.

وظلّ شعار الحرية يتردد، ويبدو أنّه الردّ على القمع والقتل، أكثر من تضمينه معنى واضحاً. وكذلك بقي شعار «التضامن» مع المدن المحاصرة أو التي تتعرض للقصف والقتل هو الشعار المتكرر إلى الآن. وأحياناً يشار إلى الديموقراطية، وأخرى إلى الدولة المدنية.

وبالتالي يمكن تحديد طابع الشعارات التي تكررت بالآتي: جزء يركز على إسقاط النظام، ورحيل الرئيس، أو إسقاطه، وما إلى ذلك وفق التعبيرات المحلية في كل منطقة؛ جزء يكرر تعابير دينية، وخصوصاً «الله أكبر»، و«على الجنة رايحين»؛ جزء يؤكد على التضامن بين المدن والمناطق؛ جزء يطالب بالحرية؛ جزء أقل يلمس المطالب المحلية أو الاقتصادية، ويشير إلى الفساد؛ وجزء أخير محدود، يطرح ما هو وطني (مسألة الجولان).

لكن شاب الحراك ميل كان يتصاعد نحو «الشخصنة»، أي التركيز على الرئيس وعائلته، ونحا البعض لاستخدام تعبيرات «دون سياسية»، أخلاقية، وهو ما كان يشوّه الوضع، ويؤسس لسوء فهم لدى قطاعات لم تنضم. ولقد نشأ ميل «تفريغي» للسباب والشتائم، والتحقير الشخصي، وكلّ ذلك كان يضرّ، فالمسألة ليست شخصية، ولا الصراع كذلك، بل إنّها مسألة سلطة نهبت واستبدت، وبالتالي فشعار إسقاط النظام يتضمن إسقاط السلطة بمجملها، بما في ذلك النمط الاقتصادي الذي تشكل، وسمح بالنهب وتمركز الثروة وتدمير الزراعة والصناعة.

في هذا الوضع، لم يعد واضحاً الهدف من الثورة، سوى إسقاط النظام، الشعار الذي لم يصبح بعد هو الشعار المتوافق عليه في كلّ التظاهرات، ويخيف قطاعات مجتمعية لم تشارك بعد في الثورة، وتتردد قوى المعارضة في طرحه. لقد أصبح مربكاً إلى حد معيّن، لأنّه يجعل طرح أي مطلب يتعلق بالمعيشة أو الدولة المدنية أو الديموقراطية، يبدو أقل من الهدف الأساس، وخصوصاً أنّه ارتبط بشعار الحرية، الأمر الذي فتح الأفق على عمومية لا حدود لها، وبالتالي لا معنى لها. فما البديل من النظام، ما دام الشعار أصبح يتعلق بإسقاط النظام؟ ألا يجب أن يحقق مطالب الطبقات الشعبية التي تقوم الثورة على أكتافها؟ سيسمح ذلك بتحقيق تغيير تقتنصه قوى سياسية برامجها واضحة، وتتعارض في الغالب مع المطالب الشعبية التي فجّرت الثورة، وفي الوقت ذاته يؤسس لارتباكات بين المفقرين الذين هم أساس الثورة. من هنا، يبدو الغموض في الأهداف مشكلة لا بد من تناولها، وهو وضع معاكس لأوضاع تونس ومصر، حيث كانت المطالب واضحة قبل طرح شعار إسقاط النظام.

إنّ الوصول إلى شعار إسقاط النظام لا يجب أن يهمش المطالب الأساسية التي تتعلق بقوى الثورة، العمال والفلاحون والفئات الوسطى، وإلا فلن تتحقق أهداف هؤلاء، ولسوف تقتنص قوى لا تختلف طبقياً عن السلطة الثورة، وتعيد إنتاج السلطة ذاتها بأشخاص جدد ربما. لكن هذا الأمر لن ينهي الثورة، بل سيعيد استنهاض الثورة من جديد، ما دامت لم تحقق مطالب الطبقات الشعبية. ولهذا يجب أن تتحدد الشعارات التي تعبّر عن مطالب الثورة لكي يكون واضحاً بأنّ إسقاط النظام يهدف إلى تحقيقها، لا لكي تقطف قوى أصولية أو ليبرالية ثمارها. من هنا لا بد من التأكيد على المطالب «البسيطة» التي تخص الطبقات الشعبية، وهي ليست بسيطة إلا من حيث الشكل، لكنّها تفتح على تغيير عميق في كلية النمط الاقتصادي. كما لا بد من التأكيد، لا على الحرية فقط، بل على الدولة المدنية الديموقراطية، لكي يكون واضحاً بأنّ الثورة تهدف إلى دولة المواطنين لا الى دولة الطوائف، فتنطلق من مبدأ المواطنة وأنّ الشعب هو مصدر الدساتير والقوانين والسلطات، لأنّ كل ذلك هو الذي يوحد الطبقات الشعبية في الصراع من أجل إسقاط النظام.

-2-

الانتفاضة السوريّة: الحراك بين الطائفية والليبرالية

لم يكن الاحتقان الاجتماعي في سوريا ناضجاً تماماً (كما أشرنا في الحلقة الأولى)، كما كان متفاوت النضج بين منطقة وأخرى. ولذلك لم يكن حاجز الخوف قد انكسر، وظل المفقرون يحصرون دون مقدرة على الانفجار. وربما كان وضع النظام «الممانع» يلعب دوراً في الخشية من الانفجار، فالمسألة هنا تتعلق بالوطن، رغم أنّ «الوعي العام» يعي أنّ المسألة لا تتعلق بالنظام الذي أهلك الداخل تحت شعار مواجهة الدولة الصهيونية، دون أن يحقق شيئاً، وأكْثَرَ من السعي إلى التفاوض والتنازل. كذلك وضع العراق، والخشية من التدخل الخارجي، قد يكونان أديا دوراً في ارتباك تلك الفئات، نتيجة الخشية من الفوضى والحرب الطائفية.

كل ذلك الوضع كان يجعل الاحتقان لا يصل حد الانفجار، كما حدث في تونس أو مصر. فمن جهة، الأزمة الاقتصادية هي أزمة حديثة، ومن جهة أخرى، لم تتعمق لتصل إلى كل المجتمع. وثالثاً كان الوضع المحيط يجعل الصراع ضد السلطة محفوفاً بتخوفات تؤثر في قرار التمرد، وكسر حاجز الخوف.

وهذا ما جعل الحراك يبدأ نتيجة عنف السلطة في التعامل مع قضية محلية، سرعان ما بدأت «تفقأ جراح» المفقرين شيئاً فشيئاً، وتحت شعار التضامن مع درعا، ثم مع دوما، ثم مع بانياس، وحمص وحماه وجسر الشغور و… إلخ. لكن كان ذلك يؤسس لنشوء «مبررات» لتأخر قطاعات اجتماعية في الانخراط في الحراك، ولقد كان «الخروج من المساجد» مؤشراً إلى أنّ الحراك هو حراك أصولي، خصوصاً حينما ترافق مع بعض الشعارات الدينية، وبالأخص أنّ الحراك تسرّب إلى «مناطق سنية»، في الريف (رغم أنّ أهم مدينتين «سنيتين» لم تكونا قد تحركتا بعد جدياً، أي دمشق وحلب). فبدا أنّ «الأقليات» قد أصابها الخوف، وبدأت تصدّق روايات السلطة. لقد انكمشت، وأصابها التوجس، وهذا ما أثر في صيرورة الحراك، وفرض تأخر وصوله إلى نهايته.

وساعد على ذلك الخوف خطاب معارضة الخارج، وبعض المواقع التي ادعت أنّها تعبّر عن الثورة، وبعض القنوات الطائفية (الوصال)، وبعض المعارضين الذين تلقفتهم القنوات الفضائية. فقد كانت الطائفية واضحة في هذا الخطاب، وبدا أنّها تعتقد بأنّ الثورة هي ثورة «السنّة» ضد السلطة «العلوية»، فاشتغلت على تلك النغمة. وهو الأمر الذي كان يفيد السلطة في تعزيز الخوف لدى قطاعات اجتماعية من الضروري أن تكون في صلب الصراع، فهي الأفقر، والأكثر تهميشاً، والمستغَلة إلى الحد الأقصى. ولقد نشأ خوفها أصلاً من حسابها على السلطة، رغم كل هذا الوضع الذي تعيشه بفعل الخطاب الضيق لدى بعض أطراف المعارضة، طيلة السنوات الماضية، والانطلاق من أنّ النظام يمثّل الطائفة.

لا شك في أنّ ذلك ليس كافياً لكي يحدث الخوف، لكن كان له دور في تأخير كسر حالة الخشية من مواجهة السلطة، خصوصاً أنّ الثورة عانت من تجاهل طرح المشكلات الحقيقية لهؤلاء، ولكلّ المفقرين، الذين تحركوا بشعارات لم تعبّر عنهم بدقة، بعدما أفضى الصدام مع السلطة إلى تحوّل المسألة إلى مسألة إسقاط السلطة، فلم تشر أي من الشعارات إلى المطالب المباشرة لهؤلاء، التي على النظام الجديد تحقيقها. ولم يكن شعار الحرية يكفي لتحديد البديل الذي يؤسس لمجتمع مختلف عما أسسته الديكتاتورية. فقد غاب هدف الدولة المدنية، وغابت المطالب المعيشية، ولم يجرِ التطرق إلى النهب والفساد إلا لماماً. فبدت الثورة وكأنّها بلا أهداف، ودعوة إلى الفوضى، وانتقام من السلطة وما تمثله «طائفياً».

هنا، ربما استعيدت في الوعي صورة تطايرت في السنوات الأخيرة من خلال التصورات والأفكار «التخيلية» للوضع السوري، كما من خلال الممارسات العملية للسلطة. لقد استعيدت صورة الصراع الذي حدث سنوات 1979 ــ 1982، بين الإخوان المسلمين والسلطة. صراع انطلقت فيه جماعة الإخوان من منظور طائفي، ليبدو كأنّه صراع بين «السنّة» و«العلويين»، وليس بين حزب سياسي وسلطة. ولقد ردت السلطة بتحكم «طائفي» في المواقع الأساسية في السلطة، الأمر الذي جعل قطاعات من المعارضة تركز على الطابع «الطائفي» للسلطة، من خلال ربط أقلية دينية (العلويين) بالسلطة، وحتى التشكيك في كلّ معارضة من تلك الطائفة. لقد جرى الربط القسري بين السلطة والطائفة نتيجة سوء تفسير الاعتماد السلطوي على فئة معينة من طائفة محدَّدة، ففُهمت من منظور طائفي بينما لم تكن سوى نتيجة للعلاقات المناطقية التي كانت تضفي ثقة ضرورية لسلطة مسيطر على أجهزتها. في هذا الوضع، وحينما انفجر الصراع بشعارات عمومية (الحرية)، وصلت سريعاً إلى شعار إسقاط السلطة، وبفعل التوسع الأولي في المناطق «السنّية»، وكل ما رافق ذلك من شعارات وتعبيرات، كان طبيعياً أن ترتسم صورة الصراع «الطائفي»، وأن تصدّق بعض روايات السلطة. إذ استثير مباشرة الشعور بأنّ هؤلاء المنتفضين ينطلقون من أنّ السلطة «علوية»، وأنّهم يريدون سلطة «سنّية». ساعد على ذلك ما أشرت إليه من خطاب طائفي لدى قنوات فضائية وأفراد، ومن تعبيرات دينية جرى استخدامها في التظاهرات.

طاول ذلك الوضع المسيحيين الذين شعروا بأنّهم إزاء تغيير سيقود «حتماً» إلى نشوء دولة دينية أصولية. وهو الأمر الذي فرض الاستنكاف، أو حتى دعم السلطة من بعضهم، خصوصاً أنّ وضع مسيحيي العراق ماثل هنا. لهذا بدا أنّ الاستقرار على ما هو قائم، أفضل من التغيير الذي سيأتي بسلطة أصولية.

ولعبت بعض النخب دوراً تخويفياً، إذ بني تحليلها على أنّ الوضع يندفع نحو الصراع الطائفي، نتيجة اقتناعها بوجود احتقان قديم من جهة، ومن خشيتها من أنّ السلطة ستتدخل في هذه المسألة، للحفاظ على سلطتها. وإضافة إلى عجزها عن فهم الواقع (ولهذا لم تكن تتلمس إمكانية الانفجار الاجتماعي)، يبدو أنّها تتخوف من انتصار الحراك الذي يظهر أنّه يحمل، في العمق، بديلاً «شبابياً»، سيحلّ محلها. ولذلك، مالت إلى «المهادنة»، وحبّذت الإصلاح على التغيير، ونادت بحلّ «وسط»، وبتنازل من «الطرفين». وهو أيضاً ما كان يحبط قطاعات ربما كانت تتحفز للمشاركة، نتيجة شعورها بإمكانية «الحل السلمي»، فلماذا كلّ ذاك الدم، إذا كان من الممكن التفاوض على حل؟

وإذا كان تطوّر الثورة لم يشر إلى وجود احتقان طائفي، ولا تحرشات طائفية، ظهر، على العكس، أنّ الشباب يتجاوزون ذلك، وحاولوا تأكيد ذلك من خلال بعض الشعارات التي أتت ردّاً على خطاب السلطة الاتهامي، لكنّ الخوف لا يزال قائماً، ويحتاج إلى حل، رغم أنّ الزمن يلعب دوراً في توضيح المطالب أكثر، كما في توضيح عدم طائفية الصراع، وكونه يتركز على السلطة كسلطة تمارس العنف والنهب. وهو الأمر الذي لا بد من أن يفكك التشنجات، ويقود إلى كشف الأسباب التي تدفع السلطة إلى التخويف الطائفي، والدفع نحو فرض خوف «أقلوي» من الانتفاضة، ومن فرض «تعصب طائفي» مضاد لها. فالوقائع ستشير إلى الجهة المعنية بالاستثارة الطائفية، التي يقوم إعلامها بتعميم الطائفية، ليطرح السؤال عن هدفها من كل ذلك.

الثورة وقوى المعارضة

في وضع التوسع البطيء للحراك، كان يظهر دور بعض القوى في بعض المناطق. فمثلاً في درعا، كان للناصريين دور، وفي دوما كان دورهم واضحاً، وربما في ريف دمشق على العموم لهم دور ما. ولقد كان لشيوعيين دور فردي في العديد من المناطق. غير ذلك، ليس هناك سوى الشباب الذي يخوض الصراع دون خوف من الرصاص. ولقد بدت أحزاب المعارضة بعيدة عما يجري، سوى من خلال الإعلام، وفوجئت بالحراك، أكثر مما فوجئ النظام. ومالت تلك المعارضة إلى تلبيس الحراك سمة واحدة، هي أنّه يهدف إلى الحرية (ولم تستطع قول إنّه يهدف إلى الديموقراطية، لأن ليس من شعار واحد طرح حول ذلك)، والكرامة (بسبب أطفال درعا الذين اعتقلوا وعذبوا وأهينوا، فاستثار ذلك الإهانات التاريخية لدى الشعب). وبالتالي، تكرر خطابها حصراً حول هذا الموضوع. وهي هنا تقصر الصراع حول هدف وحيد عام، وتتجاهل أنّ أساس الحراك هو البطالة والفقر. كما تهرب من تناول ذلك الموضوع، على أساس أنّ الهدف هو التغيير، ثم يجري البحث في المسائل الأخرى. لكن الأساس هنا يتمثل في أنّها تطرح ما لا يتوافق مع المطالب الشعبية، لأنّها تدعم اللبرلة والاقتصاد الحر، والبقاء ضمن النمط الإمبريالي العالمي.

وإذا كانت القوى الخارجية تعدّ لتشكيل «بديل» سلطوي، عماده الإخوان المسلمون، وفي ترابط مع الدول الإمبريالية، فإنّ المعارضة في الداخل تتحرك بين الدفع نحو التغيير والترابط مع المعارضة الخارجية من جهة، ومن جهة أخرى العمل تحت سقف الإصلاحات التي يمكن أن يقدّمها النظام. وهي تعتقد بأنّ الوضع سيفرض على النظام حتماً قبول الإصلاح، لأنْ ليس من خيار أمامه غير ذلك. ولقد تبلورت في تحالف سياسي لا يقطع مع الإصلاح، أو لا يرى غيره. ولا شك في أنّ الطرفين مرتبكان في بلورة تحالف يقوم على برنامج، لأنّ كلا البرنامجين (التغيير، والإصلاح) لا يتوافقان مع «مزاج» الشارع. فالأولون سوف يركزون على الديموقراطية والحريات والتعددية ودولة الحق والقانون، وفصل السلطات (دون العلمنة)، وهذا لا يلاقي قبولاً من الطبقات الشعبية التي تقاتل في الشارع، وتقول بأنّ مطالبها هي العمل والأجور، والتعليم والصحة… ثم الحرية والديموقراطية، وبالتالي تطالب بنمط اقتصادي بديل لا تمتلكه قوى المعارضة هذه. والآخرون يطرحون ما هو دون سقف المطلب الشعبي الآن، أي إسقاط النظام، وبالتالي يخشون من رفض شعبي واضح.

وبهذا، فمن مصلحة الطرفين عدم التقدم لبلورة تحالف سياسي بينهما. وهنا لم أتطرق إلى الخلافات والمشاحنات القديمة التي تجعل الحوار أصلاً صعباً.

لذلك، يبدو دور المعارضة الخارجية خطراً، لأنّها مدعومة «بالسر» من قوى داخلية، ولأنّها مفتوحة الأفق للتعاون مع الدولة الإمبريالية، ويمكن أن تحصل على شرعية ما منها، خصوصاً إذا اندفعت الأمور إلى التدخل الإمبريالي. ولا ننسى أنّ جماعة الإخوان المسلمين، في طبعتها الدولية، وفي تمظهرها التونسي والمصري، باتت في تفاهم مع الولايات المتحدة، وجرى التوافق على أن تكون جزءاً أساسياً في «النظم الجديدة». ولن أدخل هنا في المآلات التي يمكن أن يوصل إليها ذلك، لكن أظن بأنّ هذه القوى لا تمتلك برنامجاً يحل مشكلات الطبقات الشعبية، ورؤيتها تعقد الوضع أكثر مما تحله، وبالتالي ستكون في مواجهة مع الطبقات الشعبية لن تسمح لها بالحكم، أو بالاستقرار في الحكم.

في المستوى الآخر، هناك الطبقات الشعبية والشباب منها، التي تخوض الصراع لكسر الأفق المسدود، وفتح طاقة للأمل في حياة أفضل، وهي القوة الفعلية على الأرض، والجذرية في موقفها، وتعمل على كسر «جبروت» السلطة، مما يقود إلى التغيير. وإذا كانت لا تمتلك وعياً سياسياً، بل تعرف أنّ عليها إسقاط السلطة، وتبدو ثقافتها «البسيطة» (والتقليدية) في مجمل الشعارات التي تبادر إلى طرحها، لكن هناك من الشباب من لديهم دراية سياسية تسهم في الحراك. ولذلك، نجد شباباً يسارياً وقومياً، والى حد ما ليبرالياً، يحاول لعب دور في الحراك، خصوصاً في الإعلام والتنسيق والتنظيم. لكن تلك القوى لم تستطع إلى الآن ضبط إيقاع الشعارات والرؤية. ولذلك يظل الحراك عفوياً، وما ينظمه هو موعد النشاط واسم الجمعة، وبعض النشاطات خلال الأسبوع، مما يسبّب إرباكاً في الحراك، ويجعل التأثير الخارجي كبيراً، ويصبح من يتحكم في الإعلام يستطيع تحميل الحراك ما يريد. وهذا ما بات يظهر في تسمية أيام الجمعة (جمعة الحرائر، وجمعة العشائر)، وفي إبراز الشعارات التي يريد.

وبالتالي نلمس الفوضى في الشعارات، وفي التنسيق، وفي «المعبّرين» عن الثورة، وفي الخطاب الذي يطرح. وما يجعل الثورة مستمرة هو بساطة الطبقات الشعبية التي قررت الاستمرار، رغم كلّ القتل والاعتقال، وحسمها بأنّ الوضع يجب أن يتغيّر لأنّها لم تعد تستطيع الاستمرار في العيش في هذا الوضع الميت. وهي تريد التغيير حتماً، وربما لن تتراجع عن ذلك، ولن تتوقف قبل تحقيقه. إنّها تعي أنّ سبب وضعها المزري هو السلطة التي تحمي المافيات التي نهبت، حتى «شفطت» كل المال المتوفر، وبالتالي لم تبقِ لأحد شيئاً، فتركت البلد «على الحديدة»، وتركت الطبقات الشعبية في وضع مأساوي، دون عمل ودون مقدرة على العيش. السلطة إذن هي هدف هؤلاء، من أجل فتح أفق للعيش. هذا ما يعرفونه بوضوح وبالتأكيد، وما اندفعوا لتحقيقه من خلال إسقاطها.

العفوي والسياسي

إذاً أصبحت بعض قوى المعارضة بعيدة عن الطبقات الشعبية منذ زمن بعيد، وغرق بعضها في الليبرالية إلى الحد الذي جعله ينسى أنّ هناك طبقات شعبية، وبات همه يتركز على شكل النظام الذي يسمح له كقوى أن يمارس دوره السياسي، ويندمج في بنية الدولة (وليس بالضرورة السلطة). وقاد ذلك قوى المعارضة إلى عدم توقّع حراك جماهيري بل استخفت بالطبقات الشعبية وبإمكانية نهوضها. إذا كانت قوى المعارضة قد أصبحت كذلك، فقد أوضح انفجار الانتفاضة أنّها خارج الزمن، ربما مع تلمسات محدودة هنا أو هناك.

انفجرت الانتفاضة بقوى شعبية في الغالب، أو بمشاركة شباب مثقف لم يكن قد انتمى إلى أحزاب، خلال عمره السابق، وأصبحت المسألة بالنسبة إليه تتعلق بإسقاط السلطة التي وجد أنّها تشكل حاجزاً إزاء طموحاته، وبالتالي فقد دخل السياسة من «الباب العريض»، لكن دون تجربة سياسية وبوعي سياسي محدود. ولا شك في أنّ المهمة الآن تتمثل في التغيير، أي إسقاط السلطة، وهذا ما يحتاج إلى إرادة وتصميم، وهو ما يتوضّح كل يوم في الصراع الحقيقي، في صراع الشباب في الشارع من أجل التغيير.

لكن طبيعة الصراع الذي بدأ منذ 15 آذار/ مارس تفرض «وعياً سياسياً» من أجل أن تتطور الانتفاضة، وأن تحدد إلى ماذا تهدف، وتبلور صيغة لمرحلة انتقالية ربما تكون قد اقتربت. وإذا كان فاصلاً يقام بين قوى المعارضة والقوى الطبقية التي تخوض الصراع، فإنّ الضرورة تفرض البحث عن أفق سياسي لتلك القوى الطبقية. فالشباب الذي دخل السياسة لا بد له من أن يتبلور في بنية تسمح له بفرض البديل الذي يطمح إليه، بدل أن يترك الوضع لقوى أخرى، في حال غياب هذا الدور، كما حدث في تونس ومصر، وما يحاول شباب اليمن منع حدوثه من خلال سعيهم إلى فرض مجلس رئاسي يختارونه هم.

إنّ عفوية الانطلاق من أجل التغيير الذي يتضمن تحقيق مطالب هذه الطبقات الشعبية الاقتصادية والمطلبية والسياسية، تفرض أن يجري العمل على بلورة أفق سياسي يتضمن تلك المطالب، ويحدد صيغة الانتقال التي تقود إلى تحقيقها. وهذا ما بات ملحاً مناقشته الآن، من أجل ألا يقفز إلى السلطة من لم يكن له دور في الثورة، ويحمل أهدافاً ومطامح تتناقض مع ما أراد الشباب الذي خاضها. لكن دون أن يربك ذلك النشاط العملي من أجل تطوير الثورة، على العكس يجب أن يصبّ في تطويرها.

في كلّ الأحوال، تتوسع الثورة كثيراً، لكنّها تقف عند حدود «الأقليات» (رغم بدء مشاركة بعض منها) وحدود المدينتين الأساسيتين (دمشق وحلب)، وتقف عند تشوش الشعارات، وعدم وضوح الأهداف التي تلي إسقاط النظام، وعدم التوصل إلى لجنة تنسيق عامة (وحتى اللجان المحلية ليست مكتملة بعد). وهي تعيش «تناحراً» بين أطراف وقوى على «ركوبها»، وتغرق في لغو بعض النخب وهواجسهم وتخوفاتهم. يفرض كل ذلك التوقف لتحديد المطلوب الآن. المطلوب في الثورة تطويرها، فنحن لم نصل بعد إلى لحظة الحسم، ولم يصبح الوضع مؤاتياً لتقديم صيغ حول الحلول. ولهذا لا بد من التفكير في تطوير الثورة.

في كل الأحوال الأمور تندفع نحو التغيير، لكن إلى أي أفق؟ إلى ماذا تهدف الانتفاضة؟ وكيف يمكن التعبير عن هذه الأهداف؟ وبالتالي كيف يمكن الوصول إلى تحقيقها؟

تعاني الانتفاضة من العفوية، وليس هناك سوى جرأة الطبقات الشعبية المذهلة، والإصرار على تحقيق التغيير. وبالتالي فهي تعاني من «وحدة الحراك» ومن الانتقال إلى فرض حراك مستمر. ثم هناك الشعارات التي تبدو مشتتة دون شعار ناظم، رغم أنّ شعار الشعب يريد إسقاط النظام هو الذي يتحوّل إلى شعار مركزي. لكن دون ذلك تدور كل الشعارات في فلكه، دون تعبير عن المطالب والأهداف. وثالثاً ليس من دراسة لوضع السلطة ومقدرتها وحدود «مقاومتها»، أو استمرار قمعها. وبالتالي هل يجب الدفع لتطوير الانتفاضة أم يمكن الوصول إلى حل وسط يمكن أن «يُفرض» على السلطة كما يعتقد البعض في المعارضة؟

إذا كانت أطياف المعارضة تحاول التركيز على الحرية مطلباً مركزياً تعتقد بأنّ الانتفاضة قامت من أجل تحقيقه، فإنّ ما يجب أن يكون واضحاً هو أنّ الطبقات الشعبية وصلت إلى وضع مزرٍ، وأنّ تلمسها للحرية نبع من ميلها إلى التمرد، نتيجة وضعها الاقتصادي المزري. وبالتالي، فهي تسعى إلى فتح أفق لوضع اقتصادي يسمح لها بالعيش الكريم أولاً، ولا شك في أنّها كذلك تريد دولة تقوم على الحق في التعبير عن المطالب، والنضال من أجلها، دولة تحترم المواطن وتسهّل تعاطيه مع مؤسساتها، وتقدّم الخدمات الضرورية له حقاً «طبيعياً». لكن يبقى حل مسألة العيش هو الأولوية هنا، والأساس الذي يجعل الطبقات الشعبية تستقر. ولا ننسى أنّ الطبقات الشعبية دعمت النظم التي حققت الإصلاح الزراعي وتوسيع دور الدولة، لأنّها حققت لها وضعاً جديداً مستقراً، رغم كونها نظماً استبدادية. بمعنى أنّ الأولوية هنا، وليست في أي مكان آخر، رغم ضرورة الربط الآن بين الوضع الاقتصادي والدولة المدنية، فهناك فئات متسعة باتت تحس بضرورة الدمقرطة والحداثة، ولأنّ بديل الطبقات الشعبية في المستوى السياسي هو الدولة المدنية، التي هي أساس أي سعي لتحقيق الاشتراكية.

يفرض ذلك الوضع التركيز على المطالب الاقتصادية المعيشية، كما على طبيعة الدولة الجديدة، إذ لا بد من أن يكون جوهر المطالب التي يطرحها الحراك واضحاً، من أجل تجاوز كل ميل للتأويل، يمكن أن يستشفّ من بعض وسائل الإعلام والتصريحات ومواقع الإنترنت التي تتّبع قوى طائفية، أو يمكن أن تستغلّ المنطق الطائفي. كذلك من الضروري أن يظهر هذا الخطاب الطائفي خطاباً «خارجياً»، ليس من صلب الشباب الذي قرّر التغيير، وأنّ الصراع هو صراع بين الطبقات الشعبية والسلطة بما هي حام لـ«رجال الأعمال الجدد» الذين نهبوا المجتمع حتى أفقروه.

لا بد إذن من التعبير عن «روح» الطبقات الشعبية، التي تعني النظام البديل الذي يتضمن حل مجمل مشكلات هذه الطبقات. هذا ما يجب أن يكون واضحاً، وأن لا يغطى بالميول الأصولية لدى بعض القوى، أو الليبرالية لدى البعض الآخر. فليس في أهداف تلك الطبقات ما يشير إلى تأسيس دولة دينية، رغم الثقافة الإسلامية التي تسكن قطاعات منهم، والتديّن الطبيعي الذي يسكن آخرين. ولذلك، لا بد من التشديد على الدولة المدنية، الدولة الديموقراطية العلمانية، التي تستند إلى إرادة الشعب، يكون الشعب هو مصدر التشريع فيها. هنا لم يعد الخلط مفيداً ولا ممكناً، فلا بد من تجاوز سلطة الحزب الواحد والزعيم الأوحد، كما لا يجوز الوقوع في تأسيس سلطة لا تنحاز إلى الإرادة الشعبية. في المقابل لا ينبغي حصر الثورة بمطلب الحرية، لأنّ الحرية هي اللحظة التي يجب أن يعاد خلالها توزيع الثروة بما يحقق المطالب الشعبية. وإذا كانت بعض النخب لا تحمل سوى حلم الدمقرطة واللبرلة، فإنّ المطالب الشعبية لا تتوافق مع ذلك، بل هي ضد اللبرلة على الصعيد الاقتصادي، ما دامت تطالب بحق العمل والأجر المناسب لعيش كريم، والتعليم المجاني والطبابة الفعلية، والضمان الاجتماعي، ولأنّ اللبرلة هي التي أوصلتها إلى الوضع المزري الذي تعيش فيه، ودفعتها إلى الثورة، مما أعاد صياغة جذرية للوضع الاقتصادي. تلك الطبقات مع الحرية والديموقراطية على أساس ذلك، وانطلاقاً منه فقط.

-3-

الانتفاضة السورية: اقتراحات وحلول

لا بد من صياغة الشعارات التي يطلقها المحتجون السوريون في الشوارع، أي تلك التي تكسو شعار إسقاط النظام، بأسس النظام البديل. المسألة هنا ليست عبثية، فالتعبير عن تلك الأهداف من خلال الشعارات سيفرض إنهاء التشويش الذي يُلقى على الثورة، سواء من خلال تحويلها إلى صراع على السلطة فقط، لتكون ثورة من أجل طرد فئة طائفية لمصلحة الإخوان المسلمين والأصولية الإسلامية، أو من خلال عدم لمسها لمشكلات فئات مفقرة لم ترَ في الشعارات ما يقنعها بأنّها معنية بكلّ ذلك الحراك. لقد أثارت بعض الشعارات، والكثير من الإعلام «الخارجي»، تحسسات لدى فئات اجتماعية، بعضها من طوائف وأديان أخرى غير الإسلام، وبعضها علماني، وأفضى تغييب المطالب الأساسية للطبقات الشعبية إلى تحوّل ذلك إلى خوف من لعب النظام على تعزيزه من خلال العمل على تخويف الطوائف من أصولية إسلامية سلفية «زاحفة»، ومن مجموعات إرهابية سلفية. وإذا كانت هذه الفئات لم تكسر حاجز الخوف بعد فإنّ فهم أنّ الثورة تهدف إلى تغيير اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي عميق، سيفتح الأفق لانخراطها في الثورة. فقد تصاعد التخويف، وازداد الضغط على الطوائف، بهدف عدم الانخراط في الثورة، وللدفاع عن النظام، وجرى استخدام الكثير من الديماغوجيا لتكريس الطابع «الأصولي» للثورة، وبالتالي لا بد من التركيز على توضيح الشعارات التي تعبّر عن الأهداف الحقيقية. فالإسقاط بات شعاراً واضحاً، لكن لمصلحة أي بديل؟ لمصلحة العشائر والحرائر والدولة الدينية؟ هذا ما يجب أن يتوضّح من خلال الشعارات لكي يكون واضحاً أنّ البديل هو الدولة المدنية الديموقراطية التي تتضمن حلّ المشكلات المجتمعية، وتستطيع تحقيق مطالب الطبقات الشعبية.

وإذا كانت الظروف الداخلية هي التي يجري تناولها في مواجهة السلطة، إذ إنّ التفارق الطبقي الذي نشأ يفرض تمركز التناقض هنا، فإنّ المسألة الوطنية تدخل في الديماغوجيا التي تواجه الثورة، وخصوصاً أنّ النظام يصنّف بأنّه «ممانع»، وفي تحالف مع قوى تصارع الإمبريالية والدولة الصهيونية (إيران، حزب الله، وحماس). لكن كان واضحاً موقف الثورة من أميركا في الشعارات التي طرحت، وكذلك في تلك التي تناولت الجولان. ولا شك في أنّ الطبقات الشعبية تعي الدور الإمبريالي، وتتلمس أخطار التدخل الإمبريالي، وتتوق لتحرير الجولان (وفلسطين)، ولقد دعمت المقاومة ولا تزال. ويرى الشعب أنّ مآسينا نتاج السيطرة الإمبريالية والوجود الصهيوني، ورأى نتائج الاحتلال الأميركي للعراق.

لكن ظهور الثورة بمظهر الذي يريد إسقاط نظام «ممانع» يوجد تشويشاً ما، يغذي الدعاية التي تقول بأنّ خلف الثورة «مؤامرة إمبريالية». ولقد جرى اللعب على هذا الوتر في سوريا، وأكثر في بعض البلدان العربية. وإذا كان كلّ من يلعبون على هذا الوتر لا يريدون رؤية الوضع الاقتصادي الذي أوجدته الفئة المسيطرة، ويتمسكون بوجود تعارض معيّن فرض الاختلاف مع الإمبريالية الأميركية، وكان يدفع السلطة إلى البحث الحثيث عن نقاط التفاهم، حتى وإنْ جاء عبر الدولة الصهيونية، فإنّ التعبير عن الموقف الوطني للطبقات الشعبية هو أمر ضروري، لا رداً على هذا الخطاب الديماغوجي، بل ليكون واضحاً أنّ التغيير الذي يهدف إلى تغيير الوضعية الاقتصادية التي تشكلت لن يتحقق إلا في الصراع مع الإمبريالية.

لذلك، لا بد من التوكيد على المسألة الوطنية في الشعارات، خصوصاً أنّ الجيش بدل أن يحرر الجولان بات يحرر المدن من الشعب. لا بد من أن يكون واضحاً أنّنا لا نريد التغيير من أجل نظام عميل، أو من خلال قوى إمبريالية، بل نريد تغييراً وطنياً. نريد أن تنكسر السلطة من خلال صلابة الشعب، وليس من خلال تدخل إمبريالي. إذ إنّ تحقيق مطالب الطبقات الشعبية يفترض الصراع مع الإمبريالية، التي تصوغ العالم وفق مصالحها فلا تبقي شيئاً للشعوب، ولا تحسب مصير الشعوب أساساً. كما أنّ المشكلة التي أفضت إلى الإفقار، نشأت منذ أن تحقق الانفتاح على النمط الإمبريالي، والتمفصل معه، وتوفير مجال كبير للنهب الذي تقوم به طغم مالية. وبالتالي، نحن نريد نظاماً قادراً على تحرير الجولان، ومواجهة الإمبريالية في كل الوطن العربي، ويقطع مع النمط الإمبريالي لتحقيق التطور والحداثة.

إذن، لا بد من برنامج يطرح مطالب الطبقات الشعبية، ويشير إلى النظام البديل الذي تسعى إلى تحقيقه. ولا بد من أن تتأسس الشعارات على هذه المطالب لكي توضحها، وليكون المطلوب كذلك تنظيم نشاط الانتفاضة، وتوحيد الحراك بما يعطيه القوة، ويسمح باستمراريته. ولأنّ الحراك بدأ عفوياً فقد كان دون تنظيم، ثم بُدئ في تشكيل تنسيقيات محلية ومناطقية. لكن السرية التي تحكم النشاط في ظل القمع الوحشي فرضت أن يكون التعارف بين التنسيقيات بطيئاً، أو يمرّ من خلال «مفاصل» لها رؤياتها، مما أوجد إشكالات في التجربة، جعلت التنسيق دون مستوى الفعل، ويظهر أنّه يُستغل لمصالح قوى بذاتها، رغم الميل العام لدى الشباب إلى الابتعاد عن القوى السياسية. لذلك لا يزال التنسيق دون المستوى، ويظهر فارقاً بين الفعل المحلي، والشباب الذي ينظمه، والتنسيقيات التي يبدو أنّها تمثل نخباً لها «أيديولوجياتها». ورغم أنّها تساعد على تنظيم الحراك وتطوير تواصله يميل البعض منها إلى تجيير هذا النشاط لسياسات «حزبية»، أو حتى فئات وسطى لها مصالحها. فالسريّة هنا تسمح بالتشويش وبعمليات استغلال، وتجيير، وربما يفضي ذلك إلى توترات مع التنسيقيات المحلية التي تعبّر حقيقة عن الحراك، وتعي بحسها السليم ما تريد تهديمه، وتشير إلى ما تريد.

رغم كل ذلك، لا بد من تطوير التنسيقيات. لا بد من إيجاد تنسيقيات في كلّ منطقة وحي ومدينة. كذلك يجب إيجاد الصيغ التي تؤسس لنشوء هيئة عليا تنظم العلاقة بين كل تلك التنسيقيات. طبعاً تقف السرية عائقاً أمام كل ذلك، لأنه ليس من الممكن ارتقاء التنظيم دون المعرفة المباشرة بين الأفراد.

من الضروري اليوم:

1) التوافق على الأهداف العامة للانتفاضة. الأهداف التي تعبّر عن الطبقات المشاركة فيها وليس عن النخب والفئات الوسطى فقط. كذلك فإنّ الأهداف الاقتصادية المطلبية أساسية، لأنّها هي مطالب الطبقات الشعبية المباشرة والأكثر أهمية، ويوصل حلّها وحده إلى استقرار مجتمعي. هنا لا بد من التركيز على البطالة، وتدني الأجور وغياب الضمان الاجتماعي والصحي، وانهيار التعليم. كذلك يجب التركيز على النهب والفساد وتمركز الثروة بيد أقلية ضئيلة وإفقار الطبقات الشعبية، وعلى انهيار الزراعة وتدمير الصناعات، وعلى السيطرة على الأرض وتحويلها إلى عقارات، وعلى الأسعار التي باتت خارج مقدرة الشعب. والخدمات السيئة ومرتفعة السعر.

كذلك لا بد من التركيز على طبيعة الدولة بوصفها دولة مدنية ديموقراطية، وهو المطلب العام بين كل المشاركين، لكنّه غير كاف لتصاعد الانتفاضة، وغير كاف بالنسبة إلى الطبقات الشعبية. لا بد من التأكيد على تحقيق أقصى الدمقرطة في بنية الدولة الجديدة، التي تعطي للطبقات الشعبية أقصى الحرية في التعبير عن مصالحها، وفي الدفاع عنها، والسعي إلى تحقيقها. دولة تنطلق من مبدأ المواطنة الذي يعني المساواة بين أفراد الشعب. ومن أنّ الشعب هو مصدر القوانين، والحق في التظاهر والإضراب وكل أشكال الاحتجاج، الحق في تكوين نقابات مستقلة تدافع عن مصالح أفرادها، وحق الأحزاب دون قيود وقوانين تقيّد هذا الحق.

ثم لا بد من أن يكون واضحاً أنّنا لا نريد التغيير فقط وبأي ثمن، بل نريد التغيير من أجل وطن حرّ مستقل، ولذلك، لا بد من تحديد أنّ الجولان يجب أن يتحرر، وأنّه يجب إعادة بناء الجيش لكي يكون قادراً على ذلك. ثم تحديد أنّ سوريا ليست محايدة في الصراع من أجل فلسطين، أو يمكن أن تكون مع قوى النهب العالمي ضد الشعوب. بالتالي فهي حتماً ضد الإمبريالية والصهيونية، وهي مع التحرر العربي العام.

2) لا بد من تحديد الشعارات انطلاقاً من هذه المطالب وعدم الاكتفاء بـ«ارحل»، أو «الشعب يريد إسقاط النظام»، أو «الحرية»، أو التعبيرات الدينية المعهودة. فليست المطالبة بالعمل أو الأجر تقزيماً للشعار الكبير الذي يتعلق بإسقاط النظام، بل هي تحديد وإشارة لما يجب أن يقوم به النظام الجديد، وهي في الوقت ذاته، توضيح لقطاعات مجتمعية لم تشارك بعد، بأنّ المسألة تخصها مباشرة لأنّها تطرح مطلبها. فما يحصل ليس «حقداً» على نظام، بل مسألة بديل يحقق مصالح طبقات وفئات أوسع، ويسقط النهب والاحتكار.

لا بد من التركيز على البطالة والأجور، والتعليم والصحة، والزراعة والوظائف وغيرها. لا ينبغي التخوّف من أن يؤدي طرح ذلك إلى إجهاض الانتفاضة، لأنّ النظام غير قادر على تحقيق تلك المطالب، فهو عاجز عن تحقيقها، ولو كانت لديه القدرة لفعلها منذ زمن، فقد نهب الاقتصاد وصاغه بما لا يسمح بأن يعيد تقديم الحلول للمشكلات الاقتصادية كلّها، لأنّ الحل يقوم على حساب الفئات التي تحكم ذاتها. أزمة السلطة تتمظهر في الاقتصاد أكثر مما تتمظهر في الدمقرطة، لأنّ الدمقرطة سوف تفتح باب المحاسبة على ما نهب، وتسمح بالتركيز على الفارق الطبقي الهائل. ولهذا يمكن أن تقدم «تنازلات ديموقراطية»، لكنّها عاجزة عن تقديم حلول اقتصادية حقيقية.

3) ترتبط تلك المسألة بدور الفئات المسيسة، ولهذا لا بد من أن تقوم بدورها ذاك. إنّ تدمير التسييس الذي قام به النظام في العقود الماضية، من خلال القمع والاعتقال الطويل، جعل الطبقات الشعبية التي تنتفض اليوم دون «مصطلحات سياسية»، وبالتالي، دون مقدرة على التعبير عن المطالب بنحو محدَّد واضح، مما جعل التعبيرات تنهل من المخزون الثقافي «التقليدي»، أو تبتعد عن «السياسة». وإذا كان هناك من رأى أنّ ذلك هو نتيجة «وعي سياسي أصولي»، فإنّ المسألة تتعلق بنقص في الوعي السياسي، أكثر من أي شيء آخر.

4) لا بد من جهد لكسب الفئات التي لم تنضم بعد، ولا تزال مترددة، خصوصاً أنّ سبب عدم انضمام كثير منها ليس وضعها المعيشي، بل تخوفها من البديل، مع إشارة بعض وسائل الإعلام إلى طابع أصولي للانتفاضة. يفرض ذلك العمل في شقين، الأول: تأكيد مطالب المفقرين، وثانياً: مواجهة كلّ المنطق الطائفي والأصولي الذي يتعمم من خلال الإعلام، وفي تصريحات بعض ممن يرى أنّه من الثورة.

5) بذل جهد أكبر لتنظيم التنسيقيات وتحديد طبيعة نشاطها، وتحقيق الترابط في ما بينها، وعدم التشويش من خلال «اختراع» أسماء لتنسيقيات عامة لا تعبّر عما يجري في الواقع، ووقف الانقسامات التي أوجدتها الخلافات السياسية بين أطراف المعارضة.

صيرورة الانتفاضة واحتمالات التغيير

في تونس ومصر، تقدم الجيش لطرد الرئيس، وادعاء تبنّي مطالب الشعب والعمل على تحقيقها. في اليمن، لم يتحرك الجيش، واستطاع الشعب أن يحتل الشوارع، وأن يبقى معتصماً حتى يسقط النظام. ورغم انشقاق الجيش، ثم محاولة قتل الرئيس، ظهر أنّ التغيير يطرح في صيغتين: من «السلطة» بدعم أميركي، كما في تونس ومصر، فتعاد صياغة السلطة على الأسس ذاتها، وربما بالتفاهم مع بعض الأحزاب. ومن الشباب الذي طلب تشكيل مجلس انتقالي. اما في ليبيا، فقد تشكّل مجلس انتقالي، لكي يكون هو السلطة بعد رحيل القذافي.

كيف يمكن أن تتطور الانتفاضة في سوريا؟ وكيف يمكن أن يجري التغيير؟

ربما لن يكون التغيير مثل تونس ومصر، ولا مثل اليمن أو ليبيا، ويمكن أن يكون خليطاً من كل ذلك. فقد استخدمت السلطة العنف والحرب كما في ليبيا، وبدأ «تشقق» محدود في الجيش، كما في اليمن، لكن لا يمكننا أن نتجاهل إمكانية الخيار التونسي/ المصري. فالصراع لم يتحوّل إلى حرب كما جرى في ليبيا، وإمكانية أن يفرض الشباب سيطرتهم على الشارع، كما في اليمن، تبدو صعبة، وليس من الممكن أن يحدث التغيير من دون تحوّل في السلطة عبر الجيش، كما في تونس ومصر.

الواضح أنّ الانتفاضة تتوسع وتتجذر، ولا يبدو أنّ كلّ قوة السلطة قادرة على وقفها أو سحقها. الشباب والطبقات الشعبية في وضع لم يعد يسمح لهم بالتراجع، لأنّهم تحركوا بعد انتهاء خياراتهم الأخرى، وبالتالي لا تراجع قبل تحقيق التغيير وفق «الشعب يريد إسقاط النظام». وقوة السلطة تتآكل كل يوم، ووضع الدولة الاقتصادي يتآكل كذلك. لهذا فإنّ ميزان القوى بات يميل لمصلحة الانتفاضة، بعدما تكسرت قوى السلطة ودعايتها التي هدفت إلى التخويف والتفكيك، وبات واضحاً أنّ الصراع ليس طائفياً، ولا من أجل الإتيان بسلطة أخرى فقط، بل هو صراع نتج من التفارق الطبقي الهائل الذي بات يحكم البلد، وجعل هذه النسبة العالية من الطبقات الشعبية في وضع التهميش.

لقد سقط منطق القوة أمام صلابة وقوة الطبقات الشعبية. وسقط الخطاب التخويفي من السلفية والطائفية، أمام الممارسة اليومية من قبل الطبقات الشعبية التي لم تُظهر أي ميل طائفي أو ميل لنشوء دولة دينية (سلفية). يتركز الاتجاه العام اليوم على مشاركة كل الطبقات الشعبية بغض النظر عن طابعها «الطائفي أو الديني»، لأنّ المسألة لا تكمن هنا، بل في الوضع المزري الذي أوجدته المافيا الحاكمة.

يشير ذلك إلى عدم إمكانية نشوء صراع طائفي، كما تهذي بعض النخب، أو دفعٍ لحدوث صراع طائفي من أجل تدخل إمبريالي. وكذلك لا يشير إلى إمكانية ألّا تفرض قوى الانتفاضة الحسم، وبالتالي الوقوع في حالة من الاهتلاك المتبادل، بل إلى تطور الانتفاضة وضعف السلطة. وإذا لم يكن ممكناً للانتفاضة أن تنتصر فتفرض بديلها، كما يحاول شباب اليمن، فإنّ تطورها سيفرض ضعف السلطة وتفككها، لأنّها ستكون إزاء خيارين: إما تصعيد العنف والتدمير والقتل في وضع دولي بات يشير إلى إمكانية التدخل (ربما عبر تركيا)، وهذا يعني نهاية السلطة ومصيراً أسود لأفرادها عموماً. أو تفكك السلطة وتحوّل قطاع منها إلى قبول «المطالب الشعبية» كما جرى في تونس ومصر، وبالتالي فتح أفق لتعديل وضعها. وهنا ربما تتبع الطريق المصري، أو ربما التونسي، لكن في كلّ الأحوال، سيصار إلى التخلي عن طابع السلطة الراهن، والدعوة إلى بناء دولة «ديموقراطية»، والدخول في مرحلة انتقالية يتحكم فيها هذا القطاع، وربما بالتنسيق مع قوى معارضة.

في كل الأحوال، لن يخرج البديل السوري عن ذلك كما أظن. فانتفاضة الشعب ستنعكس على الجيش، وضغطها سيفرض تفكك «النواة الصلبة» في السلطة، وكلاهما سيفرضان تحقيق تغيير «سلطوي»، لكنّه يفتح الأفق لديموقراطية ما، دون تعديل جدّي في الوضع الاقتصادي، كما حدث في تونس ومصر، وما يمكن أن يحدث في اليمن. وهو الأمر الذي سيفرض استمرار الصراع لتغيير عميق، وليس من أجل تغيير شكل السلطة جزئياً، ومشاركة أحزاب لا تحمل برنامجاً يتضمن إمكانية حل مشكلات الطبقات الشعبية والاقتصاد عموماً.

بالتالي، سوف ينفتح الأفق لمسار ديموقراطي، ربما مشوش ومقزّم، ومنضبط، لكنّه سيفتح على إمكانية إعادة بناء الأحزاب السياسية التي تعبّر عن الطبقات الشعبية، وخصوصاً العمال والفلاحين الفقراء، الذين سيكون أمامهم دور أساس بعدئذ، لأنّهم القادرون على تحقيق التغيير الجذري، المتعلق بتغيير النمط الاقتصادي الذي تكوّن بالترابط مع النمط الإمبريالي.

في هذا الوضع لا بد من التأكيد أنّ المطلوب واقعياً هو التالي:

أولاً: تطوير الانتفاضة وتوسيعها، لكي تشمل الطبقات الشعبية كلّها خصوصاً، وبالتالي السيطرة على المدن والبلدات والمناطق. وهذا يعني كسر قوة السلطة عبر الحراك المستمر، اليومي. فليس من أفق واضح دون ذلك، إلا إذا تفككت السلطة أسرع من ذلك، نتيجة تأثر بنية الأجهزة والجيش بالحراك، وشعور أطراف في السلطة بأنّ لا خيار سوى بالتغيير المنضبط. إنّ توسيع الانتفاضة هو الهدف الآن، وهو الضرورة.

ثانياً: تنظيم الانتفاضة عبر تطوير التنسيقيات وتكوينها في بنية متماسكة، وتحويلها إلى قيادة فعلية للحراك.

ثالثاً: يجب الدفع نحو تحقيق ديموقراطية قصوى، من خلال فرض مرحلة انتقالية من قوى فعلية يحددها المجلس العام، أو من خلال الضغط على من يحاول أن يغيّر من قوى السلطة. المهم هنا، وفي ظل موازين القوى الطبقية القائمة، هو ان تكون الديموقراطية أساساً لنضال الطبقات الشعبية، من أجل تحقيق مصالحها. إنّ غياب القوى السياسية المعبّرة عن تلك الطبقات، يمثّل نقطة ضعف كبيرة في سياق الوصول إلى ما هو أبعد من ذلك. ولذلك لا بد من التركيز على أقصى ما يمكن من دمقرطة. ليس من السهل تحقيق ذلك، لأنّنا في كل الأحوال الممكنة للتغيير سنصطدم بقوى سياسية ليست ديموقراطية، أو تريد الالتفاف على الانتفاضة للحفاظ على مصالحها.

الانتفاضة السوريّة وأهدافها

إذا كانت الانتفاضة التونسية قد رفعت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» يومين قبل ترحيل زين العابدين بن علي، وكان شعار الانتفاضة المصرية من اليوم الثالث لها، ومن ثم كان شعار الانتفاضات في اليمن وليبيا منذ اليوم الأول، فقد رُفع في سوريا بعد أيام من الاجتياح العسكري لمدينة درعا، وفي مواجهة العنف والقتل اللذين مورسا ضد متظاهرين سلميين، ومن ثم بدأ يأخذ مكانه في المدن الأخرى، على نحو متتال.

وإذا كانت المطالبة بالعمل والأجر هي المحرّك الأول في تونس، وأيضاً في مصر (مع إضافة محاسبة وزير الداخلية وحلّ مجلسي الشعب والشورى)، وبالتالي أصبح لشعار الإسقاط معنى اقتصادي سياسي، فقد بدأت من درعا بمطالب محلية، منها مسألة السيطرة على الأرض من قبل مافيا السلطة. وأفضى شمول الشعار إلى ما يشبه الفراغ في المطالب، ربما سوى مطلب الحرية، الذي بدا كمضاد للتسلط فقط. هل الانتفاضة السورية دون مطالب، وشعار إسقاط النظام لا يحمل مضموناً بديلاً؟

تخوّفات كثيرة نتجت عن ذلك الغموض، وخصوصاً أنّ الشعارات العامة التي ترفع في التظاهرات لا تحمل ما يشير إلى هدف غير ذلك، وهو الأمر الذي يفتح على أقاويل وتخوفات واستغلال، أقلّها القول إنّ المسألة تتعلق بإبدال سلطة بسلطة فقط، وإن كان يجري ذلك تحت شعار الحرية. هذه نقيصة في الانتفاضة السورية، ولا شك في أنّها تؤثّر في مسارها، لأنّ الغموض يزيد التردد لدى فئات لا بد لها من أن تنخرط فيها. يترافق ذلك خصوصاً مع «المسحة الدينية» التي تلف الشعارات التي تتردد، ويُفهم منها منحى سياسيّ طائفيّ، رغم أنّها ليست أكثر من التعبير العفوي البسيط لشباب مفقر، أبعد عن السياسة والثقافة طيلة عقود.

من غير المنطقي أن يتقدم شباب ثائر لكي يواجه كلّ هذا العنف دون أن يكون قد نتج ذلك عن سبب ما، وبالتالي دون هدف محدّد. هذه بديهية، لكن الوضع كان يُظهر أن لا أهداف لهؤلاء، ربما سوى الحرية التي لا تعني شيئاً ما دامت لم تحدَّد. لذلك، من غير المنطقي ألا تكون الانتفاضة التي تهدف إلى إسقاط النظام دون أهداف واضحة، هي مطالب الطبقات الاجتماعية التي تشارك فيها، وخصوصاً الشباب المفقر الذي هو محورها، لكن ربما كان تعميم شعار إسقاط النظام قبل «التعبير الذاتي» لهذه الفئات قد جعل المطالب دون مستوى الهدف، وهو الأمر الذي أوجد إشكالية «الفراغ». رغم أنّ التغيير يهدف إلى تحقيق مطالب الذين يخوضون الصراع، وإلا لبدا الصراع عبثياً.

لم يخلق ذلك الوضع إرباكات لدى فئات اجتماعية فقط، هي معنية بالانتفاضة، ووضعها يشابه الكتلة الكبيرة من المنخرطين فيها، بل جعل أيضاً الانتفاضة مجال تصارع بين تيارات فكرية سياسية، إذ بات الاتجاه المهيمن في الانتفاضة السورية، وفي النخب المعارضة، يميل إلى محورتها حول مسألة الحرية والتعددية، دون لمس لأي من المشكلات التي كانت في أساس نشوئها، على العكس من ذلك، باتت تنفي بالقطع الأساس الاقتصادي المطلبي للغالبية المشاركة فيها، فأصبحت هي انتفاضة من أجل الحرية والكرامة، ليس أكثر من ذلك، وأصبح هدفها نزع الاستبداد فحسب. وهي هنا تُظهر أنّها حريصة على بقاء التكوين الاقتصادي الذي تعمم في السنوات الأخيرة، فقط مع نزع احتكار فئة قليلة هي السلطة الراهنة، ومع توسيع الحرية الاقتصادية. هي الحرية التي جلبت الوضع المزري الراهن لكتلة مجتمعية كبيرة، وهي بالضبط التي دفعتها إلى التمرّد والثورة على وضع لم يعد محتملاً من ناحية المقدرة على العيش، نتيجة البطالة العالية والأجر المتدني (والهزيل)، ومع انهيار التعليم وتلاشي الضمان الاجتماعي، في وضع أصبحت فيه السلع مستوردة في الغالب، وبالسعر العالمي (مع إضافة احتكارية كذلك).

بالتالي، يجري صراع على الانتفاضة حتى قبل انتصارها، ويجري السعي إلى تحقيق التغيير في شكل السلطة، من سلطة استبدادية إلى دولة تعددية، دون تغيير التكوين الاقتصادي الذي بات يهمّش ما يقارب الـ80% من المجتمع. تكوين فرض انهيار الزراعة والصناعة، وتمحور الاقتصاد حول القطاعات الريعية (الاستيراد والسياحة والخدمات)، ومن ثم لفظه، لأنّه كذلك، هذه الكتلة الكبيرة من الأيدي العاملة خارج العملية الاقتصادية (البطالة). ولا شك في أنّه أمام القمع الدموي، لن تظهر سوى الشعارات العامة، مثل الحرية وإسقاط النظام، لكن ذلك لا يعبّر عن مطالب الطبقات الشعبية، بل يعبّر عن حدها الأعلى من أجل تحقيق مطالبها. فقد باتت متيقنة أنّ تحقيق هذه المطالب لا يكون عبر هذه السلطة، بل يفترض أن تتحقق على أنقاضها. وهو الأمر الذي أوصل إلى شعار إسقاط النظام.

هنا نلمس مشكلات البطالة والأجور والتعليم والطبابة والسكن، كمشكلات جوهرية تعانيها الكتلة الأساسية من المجتمع، ومن المنتفضين. وهي نتاج السياسة الاقتصادية التي مورست خلال العقدين الماضيين تحديداً، وحوّلت الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي. وانهيار وضع الفلاحين، وانهيار الصناعة نتجا عن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي جعلت الاقتصاد في وضعية تنافسية سيئة، فأكمل ذلك ما بدأ مع النهب وسوء الإدارة، اللذين حكما مجمل الاقتصاد عقوداً أربعة سابقة. ومن ثم، ليس من الممكن القول إنّ مطالب العمل والحد الأدنى للأجر والتعليم المجاني وحق السكن والضمان الاجتماعي ليست من مطالب الطبقات الشعبية التي تخوض الصراع بقوتها وصلابتها، وهي وحدها ستحسمه.

إذاً، هذه مطالب جوهرية لقطاع كبير من المنتفضين، وهي مطالب يمكن غضّ النظر عنها من جانب المعارضة والنخب، لكنّها ستكون المحدِّد الأخير لمآل الانتفاضة. فهي تمثل صلب الحراك المجتمعي، وأساس الانتقال إلى دولة مستقرة، حتى وإن استطاعت النخب تجاهلها في التغيير الراهن نتيجة غياب التمثيل السياسي لذلك القطاع، وسيطرة الطابع الليبرالي الديموقراطي على القوى السياسية القائمة. وسيكتشف الذين سيسارعون إلى تقزيم الانتفاضة أنّ «روح الشعب» التي كسرت سلطة مستبدة، قادرة على الانتقال إلى كسر كلّ التفاف عليها. فالمسألة الجوهرية في تلك الانتفاضة وكلّ الانتفاضات العربية تتمثل في التغيير العميق للنمط الاقتصادي، بالعودة إلى دور أساسي (ولا أقول مركزي، خشية الرعب الذي يمكن أن يصيب الليبراليين) للدولة، ولكونها القادرة على حماية السوق من منافسة غير متكافئة، والتوظيف الواسع في قوى الإنتاج. لكن لا يعني ذلك أنّ أهداف الانتفاضة هي تلك فقط، ورغم أنّ تغيير النمط الاقتصادي يفرض تغيير طابع السلطة من حيث الأساس، فإنّ «الميل الديموقراطي» ليس طارئاً على الانتفاضة، بل هو أصيل لدى قطاعات مجتمعية متسعة، من الفئات الوسطى خصوصاً، وعلى نحو عام. وبالتالي ليس من الممكن سوى أن تفضي الانتفاضة إلى دولة مدنية ديموقراطية. تلك ضرورة، وهي هدف لا بد من أن توصل الانتفاضة إليه، لكن من الضروري كذلك السعي إلى أن تكون دولة مدنية ديموقراطية حقيقية، دون الالتفاف على ذلك عبر تقديم دولة ديموقراطية مشوهة، لا تقوم على المواطنة، وغير علمانية، ولا تستند إلى إرادة الشعب.

بالتالي فإنّ للانتفاضة السورية أهدافاً واضحة، وإن كانت الشعارات لا تعكسها، وكان حديث النخب والمعارضة يبسترها. أهدافها فرض حق العمل والأجر المناسب لعيش كريم، والتعليم المجاني (والعلمي)، والطبابة المجانية وحق السكن، والدولة المدنية الديموقراطية، واستعادة الجولان كنتيجة للتغيير الداخلي، وبالتالي موقف من الإمبريالية والصهيونية، الآن وبعدئذ.
المطلوب من أجل ذلك نظام اقتصادي اجتماعي سياسي بديل. وهذا يعني الصراع مع كلّ الفئات الليبرالية التي تنطلق من استمرار النمط الاقتصادي القائم، بعد عزل الفئة المحتكرة الآن. فالمشكلة ليست فقط مع هذه الفئة، بل أيضاً مع النمط الاقتصادي الذي يقوم على الانفتاح الشامل، ويحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد مستورد وريعي.

المصدر: الأخبار