Monthly Archives: نوفمبر 2011

بعد انتصارات الإسلاميين: الفارق بين الإسلام التركي والإسلام الإخواني

قبل النجاح الذي حققته حركة النهضة في الانتخابات التونسية كانت تجري المقارنة بين حزب العدالة والتنمية التركي والأحزاب الإسلامية في البلدان العربية، من منطلق بأن “الإسلام العربي” يشابه “الإسلام التركي”. وقد يصبح الميل لتكرار هذا التشابه أكبر بعد هذه الانتخابات، بعد أن أصبحت حركة النهضة القوة الأساسية في الخريطة السياسية التونسية، والتي ستشكل الحكومة، ويكون لها اليد الطولى في صياغة الدستور الجديد. فكل هؤلاء إسلاميون، وسيكون الإسلام التركي مثالاً للإسلاميين القادمين حديثاً إلى السلطة. هذا ما ينتجه منطق سطحي لا يرى سوى “الطابع العام”، “الظاهر”. حيث هؤلاء وأولئك يلتزمون الإسلام. بعيداً عن التفكير في “التعبير الطبقي” لهذا وذاك. أو تلمس جوهر البرنامج الذي يطرحه هذا وذاك.

لم يجرِ الالتفات إلى الردود على تصريح أردوغان في القاهرة الذي دعا فيه إلى تطبيق العلمانية. ولم يُلحظ الامتعاض الشديد الذي ظهر من جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قد استقبلته بحفاوة شديدة حينما وصل مطار القاهرة. ولقد “غمغمت” المسألة لمصلحة الاستمرار في إيجاد التطابق بين الإسلامين. لكن هل يمكن أن نعتبر بأن انتصار الإسلاميين في بعض البلدان العربية بعيد الانتفاضات التي حدثت، هو تكرار لتجربة الإسلام التركي؟

لا بد من أن نعيد الذاكرة إلى الطريقة التي تشكل فيها حزب العدالة والتنمية التركي، فلا شك في أن هذا التأسيس كان يؤشّر إلى الفارق الذي يقوم بين الإسلامين: الإخواني والتركي. فحزب العدالة مثّل القطيعة مع حزب الرفاه (أو حزب الفضيلة) الذي كان يتزعمه أربكان، الذي أصبح رئيساً للوزراء لثلاث سنوات ثم وُضع في السجن بتهمة تأسيس حزب ديني. وهذا الحزب هو “الفرع” التركي لجماعة الإخوان المسلمين، التي تدعو لتطبيق الشريعة وتأسيس دولة إسلامية. وإذا كانت شعبية الإسلاميين قوية في تركيا نهاية تسعينات القرن الماضي، نتيجة الفساد الكبير، وخصوصاً لدى النخبة السياسية، وأزمة رفض أوروبا قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي، والفقر العام الذي كانت تشهده غالبية الشعب التركي، فإن علمانية تركيا كانت تمنع النشاط على حزب ديني مما فرض حظره مرة بعد أخرى، ثم اعتقال زعيمه وسجنه.

هذا الوضع هو الذي دفع شباب “الإخوان” إلى التقدم نحو بلورة صيغة جديدة، تنطلق من “الفصل” بين الدين كعبادات وتقاليد وثقافة، وبين السياسة التي يجب أن تكون مدنية. ولهذا جرى تأسيس حزب العدالة والتنمية كحزب علماني ينطلق من فصل الدين عن الدولة. وقبل، في البدء، حتى الشكل “المتطرف” للعلمانية التركية، التي تتدخل في المعتقد والسلوك. وبهذا لم يعد هذا الحزب إسلامياً، واستمراراً لجماعة الإخوان المسلمين، بل أصبح حزباً علمانياً ذو خلفية ثقافية إسلامية. وهو الأمر الذي فتح الصراع بينه وبين حزب أربكان الذي ظل حزباً إسلامياً إخوانياً.
وإذا كان قد بدأ في “عقلنة” الطابع المتطرف للعلمانية التركية، فليس من أجل تجاوزها بل من أجل أن لا تكون في حرب مع الدين. وهو الآن في وضع المعبّر عن البرجوازية التركية في ميلها لتحقيق توضّعها في النمط الرأسمالي من موقع أنها طرف مكافئ وليست تابعاً. هنا يمكن القول بأن هذا الحزب يميل لأن يكون مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية في بعض بلدان أوروبا، من حيث أنه حزب علماني، ويترابط مع البرجوازية، رغم الطابع الأخلاقي المحافظ الذي يحكم أعضائه وميوله.

هل يمكن القول بأن الإسلاميين في البلدان العربية هم في هذا المسار؟
إن الفارق بين هؤلاء وحزب العدالة والتنمية هو ذاته الفارق بين هذا الحزب وحزب أربكان. وإذا كان راشد الغنوشي يعطي التطمينات فإن المسألة ليست لفظية بل تتعلق في بنية “الأيديولوجية” التي تحكم حركة النهضة، والتي رغم كل ميلها “التحرري” الذي حاولت إظهاره خلال السنوات السابقة لن يكون قادرة على تجاهل أنها تنطلق من الشريعة، وفي الشريعة “لا اجتهاد بما فيه نص”.

لقد حاولت جماعة الإخوان المسلمين بفروعها العربية أن تظهر خلال العقد السابق بمظهر الحزب الذي يتبنى الديمقراطية، ويعمل من أجل تأسيس نظام ديمقراطي ينطلق من التعددية، وتساوقت مع الموجة الديمقراطية العربية. وكان الغنوشي وحسن الترابي وعصام العريات (فيما بعد) من الذين جرى اعتبار أنهم يمثلون إسلاماً جديداً، لكن حكم الترابي لم يُشر إلى ذلك. ولقد توضحّت الأمور أكثر بعيد انتصار الانتفاضة في مصر، حيث أصرّت جماعة الإخوان المسلمين على التمسك بالبند الثاني من الدستور حين جرى الاستفتاء على تعديله، هذه المادة التي تنص على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، والتي كانت مدخل فرض “الأسلمة” خلال العقود الثلاث الماضية. والأهم التصريح الذي أدلى به المرشد العام للجماعة (بفروعها المختلفة وليس الفرع المصري فقط) محمد بديع، حيث أصبح الإخوان يعتقدون بأنهم السلطة أو على بعد خطوة منها، والتي تؤكد بأنه قد ثبت بعدم إمكانية فصل الدين عن الدولة. وتأكيد بعض قيادات حزب العدالة والحرية (واجهة الجماعة) بأنه سوف يجري تطبيق الشريعة بالتدريج.

لا أظن بأن كل ذلك سوف يتحقق، فنحن في وضع ثوري لن يسمح بالتوقف دون تحقيق تغيير جذري، لا مكان لهذه الأفكار فيه، لكن أشير إلى ذلك لتحديد الفاصل الكبير بين “الإسلام التركي” وهذا “الإسلام”. حيث أنه يعمل على تأسيس دولة دينية لم يعد الأتراك معنيون بها، وليست سياستهم السعي لتحقيقها. فهم يؤسسون من أجل الدنيا، والدنيا هي “نهضة تركيا” وتحوّلها إلى قوة عالمية. فقط أصبحوا واجهة برجوازية تريد أن تهيمن على المنطقة لكي تكون قوة عالمية مكافئة للرأسماليات الأخرى، التي ترى أن وضعهم في تراجع، وأنه يمكن لها أن تكون واحدة من عالم متعدد الأقطاب. بينما لا يخرج منطق الإسلاميين في البلدان العربية عن القبول بالليبرالية المنفلتة. فهم مع تقديس الملكية الخاصة، والحرية الاقتصادية، وأيضاً ينطلقون من أن التجارة هي أساس الاقتصاد. وهذا هو المنطق الليبرالي المعمم، والذي أوصل البلدان العربية إلى لحظة الانفجار. ولهذا فهم لا يمتلكون حللاً لمشكلات حقيقية، مثل الأجر والعمل والتعليم، وتطور الاقتصاد، لهذا يميلون إلى التركيز على “قيم أخلاقية”، و”أحكام شرعية”، لا تفعل سوى إعطاء غطاء “مقدس” لنهب الليبرالية واقتصادها الريعي.

إذن، حزب العدالة والتنمية حزي علماني بخلفية ثقافية أخلاقية إسلامية، وأحزاب الإخوان المسلمين هي أحزب أصولية دينية. أحزاب يتقوّم نشاطها على “تطبيق الشريعة”، في وضع تجاوز ذلك منذ زمن طويل، وأصبح هذا التطبيق طريق التدمير الاقتصادي والمجتمعي (كما جرى في السودان)، وتعميم الفساد والنهب.

بالتالي فإن كل “إسلام” يريد تمثّل حزب العدالة والتنمية لا بد له من أن يكون علمانياً. وهذه الدعوة هي ما أثار حفيظة الإخوان المسلمين حينما طرحها أردوغان في القاهرة.

المصدر: الحوار المتمدن

الحراك الأردني ومأزق النخب

بعد تونس، أشعلت الانتفاضة في مصر الحراك الشعبي في الأردن، حتى قبل سقوط حسني مبارك. وربما لأول مرة، تعج عمان بتظاهرات ضخمة، دعماً لمصر، لكن لكي تطالب بـ«الإصلاح». استمر الوضع على ذلك شهراً تقريباً، ثم بدأ العدد يتناقص، والحماسة تخبو. وهو الوضع الذي لا يزال قائماً، إذ يزيد العدد قليلاً أو كثيراً، لكن في حلقة تضم الأحزاب السياسية المعارضة، وبعض النخب. يزيد العدد حينما يشارك حزب جبهة العمل الإسلامي، وهو قلما يشارك، وحين يفعل فمن أجل الضغط على النظام فقط.

لكن تلك «الهبة» أفضت إلى ما يمكن أن نطلق عليه انفلات الحراك الاجتماعي، الذي تمثل في انتشار أشكال الإضراب والتظاهر والاعتصام، في العديد من المدن والقرى في الجنوب، وأحياناً في الشمال. مع توسّع نشاط لجنة المتقاعدين العسكريين، واللجنة المعنية بتأسيس نقابة للمعلمين. فقد حدثت إضرابات عمالية متعددة في مناطق مختلفة، وحالات احتجاج في العديد من المدن الجنوبية. وهو حراك لا يزال مستمراً، وقد يتوسع، مع تقلص الحراك الأساسي في عمان، ومراوحته بين الحيوية والسكون.

ولقد بدا حراك عمان كحراك لنخب، سواء الأحزاب أو حتى الشباب والشخصيات المتعددة الاتجاهات. وهو ككل حراك نخبوي، خضع لتجاذبات سياسية كانت تفقده الفاعلية الضرورية. فقد بدا أنّه دون هدف: فهل هو مع الإصلاح أم مع التغيير؟ ورغم أنّ الحراك العربي رفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، لم نلحظ أنّ هذا الشعار قد تكرر في التظاهرات، حتى في فترة الأعداد الكبيرة. وبدا واضحاً أكثر أنّ النخب لا تريد طرح ذلك الشعار، لذلك تاهت في نقاشات حول الهدف من الحراك، بعدما أصبح واضحاً أنّه «إصلاحي»، لا تغييري. وكان ذلك الموضوع الذي أفضى إلى تشتت واختلاف. فهناك من بدأ المطالبة بـ«ملكية دستورية»، وهو مطلب كان يتردد منذ مدّة، دون أن يصبح مجال توافق، أو حتى فهم. فما الذي تعنيه الملكية الدستورية؟ البعض ركّز على أنّ المطلوب هو أن تكون الحكومة منتخبة من البرلمان، من الحزب الذي يحظى بأكبر عدد من المقاعد فقط. والبعض رأى أنّ المطلوب هو تحديد صلاحيات الملك، كما في بريطانيا أو إسبانيا، وأن تصبح السياسة من صلاحية الحكومة التي يؤلفها البرلمان المنتخب.

لكن كان هناك أيضاً من يطالب بتحقيق تعديلات دستورية فقط، أو العودة إلى دستور 1951، الذي صيغ في فترة حكم الملك طلال. والهدف، كذلك، هو إنشاء نظام برلماني ديموقراطي.

وفي هذه الفوضى بدا الحراك دون هدف، أو كانت تتعدد المطالب المطروحة وتتناقض، وأفضى إلى انسحاب قوى، وفتور همة أخرى. ولا شك في أنّ كلّ ذلك النقاش لم يكن يلمس مشكلات الناس، الذين بدأوا الحراك في الأطراف، وكانت مطالبهم اقتصادية ومعيشية واجتماعية، ونقابية في الغالب. لهذا كان يبدو أنّ في الأردن حراكين، واحد نخبوي في عمان، وآخر شعبي في الأطراف، دون تواصل، أو مع تواصل قليل، بينهما. في الأول يطغى السياسي، ويحمل تناقضات كثيرة، والآخر مطلبي اجتماعي واضح الأهداف.

فمثلاً، أصبحت مسألة «دسترة فك الارتباط» بين الضفتين، الشرقية والغربية، مجال سجال صعب، ومقذع، كان يفضي إلى تناقض المشاركين في الحراك ذاته، ويؤسس لنشوء (أو تصاعد) نزعة «إقليمية» تحفر على نحو سيّئ في الحراك، إذ أصرّ البعض على أنّ الإصلاح السياسي لا يمكن أن ينجح دون تحويل قرار الملك حسين الصادر في 1988 بفك الارتباط بين الضفة الشرقية والضفة الغربية، بناءً على طلب فلسطيني/ عربي، إلى جزء من الدستور، من خلال تحديد حدود المملكة من جديد، وتحديد من يحق له الجنسية الأردنية. وهي فكرة تطاول جزءاً من الفلسطينيين بالأساس، وارتبطت بميل «شرق أردني» إلى «مقاومة» تحويل الأردن إلى «وطن بديل» للفلسطينيين، انطلاقاً من الحجم العددي للفلسطينيين في الأردن، إذ كان يجري الاعتقاد بأنّ كلّ انتخابات ديموقراطية سوف تسهل حصول الفلسطينيين على أغلبية في البرلمان، تستطيع أن تقلب الأردن إلى فلسطين. لهذا أصبحت مسألة تحديد من هو الأردني مسألة ساخنة، وبات هناك من يعمل على تحديد الانتماء لسنوات طويلة سابقة. وأهمية دسترة فك الارتباط وفق ذلك، تكمن في أنّها تخرج جزءاً من فلسطينيي الأردن من الجنسية، في سياق تقليص «الصوت الفلسطيني»، كأن المسألة الانتخابية سوف تقوم على هذا الفصل بين الأردني الأصل، والفلسطيني الأردني.

ولقد ارتبط ذلك مباشرة بمسألة الوطن البديل، وكما أشرنا، نشأت كصيغة من أجل مقاومته، و«هزمه». ولا شك في أنّ لدى الدولة الصهيونية رؤية لـ«حل القضية الفلسطينية» في الأردن، كانت تسكن الوثائق السرية في الغالب، وتتسرب أحياناً، لكنّها طرحت بـ«فظاظة» بعد تأليف حكومة نتنياهو، التي ضمت تيارات «متطرفة» تعلن أنّ الأردن هي فلسطين، لكن بدل مواجهة المنطق الصهيوني، وتلمس أنّ الأمور تسير نحو نقل المشكلة الفلسطينية إلى الأردن من قبل الدولة الصهيونية، أصبحت المسألة تتعلق (انطلاقاً من منطق ميكانيكي يلبس هذا الموقف لجهات أخرى) بـ«اتهام» فلسطينيي الأردن بحمل هذه الفكرة، وخصوصاً مع بروز سيطرة شخصيات فلسطينية على الحكومة، ثم على مجلس الأعيان، وآخرين. وجرى أيضاً تحميل شخصيات فلسطينية عبء اللبرلة التي اجتاحت الأردن منذ تسعينات القرن العشرين. كأنّ اللبرلة ليست سياسة إمبريالية تفرض من خلال النظام ذاته، في سياق تعميم الليبرالية منذ انهيار الاشتراكية، كما حدث في بلدان كثيرة.

وبما أنّ اللبرلة تعني التخلي عن «القطاع العام» وتقليص موظفي الدولة والجيش، وهم في الغالب من أصل شرق أردني، بدت المسألة كأنّها إبعاد الشرق أردنيين من الدولة لمصلحة سيطرة فلسطينية. هكذا جرى تفسير الأمور، ومن ثم «الخوف» من «الوطن البديل» هاجساً يستثير «نعرة» شرق أردنية. رغم أنّ المسألة، تتعلق برؤية صهيونية لا بـ«مشروع فلسطيني». وبهذا، أصبح الصراع بين النخب على موضوع من مع ومن ضد الوطن البديل، رغم أنّ أحداً لم يكن معه، وأنّ الرافضين يبنون مواقفهم على توهمات لا تحليلات علمية. ولما كان الحراك يضم من كل «المنابت»، فقد أفضى افتعال هذه المسألة إلى تشققات، وتلاسنات وصراعات، كانت تنعكس على الحراك فتوراً وإحباطاً.

المسألة الأخيرة التي ربما كانت قاصمة في تلاشي الحراك هي الموقف مما يجري في سوريا. فقد ظهر أنّ ما يجري في سوريا هو أهم مما لا بد من فعله في الأردن، رغم أنّه كان يوحد كل هؤلاء المتصارعين حول القضايا المشار إليها للتو، إذ انتقل الصراع للدفاع عن «الممانعة» في سوريا بالحديث عن المؤامرة، ورفض التدخل الإمبريالي، وبالتالي أصبح النشاط يذهب أكثر في هذا المجرى، وليصبح الحراك الداخلي ضعيفاً أكثر، لكن هذا الموقف كان يطرح الأسئلة عن كيف يمكن طرح مطالب في الأردن، والعمل على خلق حراك شعبي، وانتفاضة كما جرى في تونس ومصر، في الوقت الذي يجري فيه رفض مطالب الشعب السوري والتشكيك فيها؟ فهذا الشعب يطالب بالحرية وإنهاء القبضة الأمنية، وهي مطالب مطروحة في الحراك الأردني. وبالتالي كيف ترفض انتفاضة شعب والمطلوب في الأردن هو تحريك الشعب من أجل الانتفاضة؟ الأسوأ هو أنّ كل المجهود بات يتمحور حول الدفاع عن «سوريا الممانعة».

في هذا الوضع، ظل الحراك في الأطراف مستمراً ويتطور، بينما بات حراك النخب يتخبط، يضعف ويشد، وسرعان ما يتراجع، دون رؤية واضحة حول الهدف من الحراك، إذ لم يحسم بعد هل مطلوب الإصلاح فقط (وخصوصاً أنّ الملك أجرى عملية إصلاح هامشية) أو لا بد من وضوح الهدف الذي يعني تجاوز الخطوط الحمر، والتوافق مع الانتفاضات العربية من أجل تحقيق تغيير عميق في كل الوضع العربية، يطاول النمط الاقتصادي والبنية السياسية والموقع العالمي. وبالتالي هل يمكن أن يطرح هدف تأسيس جمهورية ديموقراطية في نظام ملكي؟ فإذا كانت التغييرات التي حدثت في الخمسينات لم تمس هذا الموضوع في بعض البلدان العربية، ومنها الأردن، فمن المؤكد أنّ الموجة الجديدة سوف تصل إلى هذا الحد، ولا بد من أن تصل إلى هذا الحد، وبالتالي بدل الخشية من لمسها من الضروري وضعها في الأفق. ولا يجوز أن يحكمنا التردد في هذا المجال، إذ لم يعد ممكناً الاستمرار في هذا النمط من النظم. ولهذا لا بد من تجاوز كل هذا النقاش الهامشي والمسيء، سواء حول الدسترة (لأنّ المسألة لا تحل عبر الانتخابات وحساب ميزان القوى على أساس «إقليمي»)، أو حول الوطن البديل (فهي فكرة صهيونية، إسقاطها يتحقق عبر تأسيس دولة وطنية)، ومن ثم تحديد الهدف (وإن لم يطرح الآن) الذي هو: إسقاط النظام.
لكن، لكي يتوسع الحراك كيف يمكن تحقيق الربط مع الحراك المطلبي في الأطراف؟ لقد حاولت بعض النخب تقليد ما جرى في مصر خصوصاً، من خلال التركيز على حشد «مليوني» في العاصمة، في وضع لا يسمح بذلك. فقد شهدت مصر حراكاً طبقياً وسياسياً كبيراً طوال السنوات العشر السابقة، وهو الأمر الذي جعل الوضع يحتاج إلى لحظة لكي يتحوّل إلى انتفاضة على النحو الذي جرت فيه، بينما كان الحراك الأردني نخبوياً، ومن قبل الأحزاب طيلة الفترة الماضية، مع بعض الإضرابات هنا أو هناك في السنوات الأخيرة. ولقد توضّح في الأردن أنّ الوضع «ليس ناضجاً» لانتفاضة، بالتالي من المهم العمل على تطوير حركات الاحتجاج في الأطراف، ربما زحفاً على العاصمة. وإذا كان الحراك الأول قد فتح الباب لتحركات اجتماعية، فعلينا أن نوسعها من أجل إعادة بناء الحراك الذي يفضي إلى انتفاضة. وهنا لا بد من التركيز على أشكال الإضراب والاحتجاج والمطالبة في كل المناطق، من أجل أن تفضي إلى انتفاضة. بمعنى أنّ الحراك المطلبي سابق لانتفاضة سياسية، وممهد لها.

وإذا كانت الحركة الاجتماعية متواصلة، فما يبدو ضرورياً هو عمل النخب على نحو صحيح، وأيضاً بعيداً عن تكتيكات الأحزاب التي تلعب من أجل الضغط على السلطة. فالأساس هو تطوير حركة الاحتجاج الاجتماعي لأنّها تمثل الحراك الشعبي الحقيقي.

المصدر: الأخبار

حين نفشل في فهم التحولات الكبرى

بعد الحرب العالمية الثانية، كانت المنطقة تغلي. وقد نهضت الشعوب لكي تغيّر، لكن الأحزاب التي كان من المفترض أن تتلمس هذا السياق، وأن تبني رؤيتها واستراتيجيتها على أساسه، كانت غارقة في أوهام الانتظار (رغم وجود أحزاب حقيقية وقتها). ولهذا، حين دخل الجيش ميدان السياسة حسبت هذه الأحزاب بأن ما يجري هو انقلابات أميركية في سياق إعادة ترتيب وضع المنطقة من قبل الاستعمار الجديد، أي الأميركي. فنهض التشكيك بما يجري، ليصبح ما يجري هو مؤامرة إمبريالية من أجل تجديد السيطرة.

لكن التغييرات التي تحققت، سواء في الاقتصاد أو في التعليم أو في السياسة، أسقطت كل هذه الاتهامات التي انبنت على تحليل مبسط وشكلي تمثّل في أنه ما دام الجيش هو أداة النظم العميلة، وهو الذي عمل على إزاحتها، فما يجري بالتالي من فعل الاستعمار الجديد الذي يريد تجديد سيطرته. فأظهرت تلك التغييرات كم هو العقل سطحي وشكلي في فهمه للواقع. ولأنه كذلك، فقد ألقى على الانقلابات كل أحلامه بعد أن تيقّن بأنها من فعل “تقدمي”. وبالتالي لم تفهم الوقائع لا حين وقعت ولا بعد أن وقعت. بالضبط لأن الواقع لم يفهم أصلاً.

اليوم، نقف إزاء تغير عميق، لكن نلمس بأن ما يجري هو بعيد عن الفهم، وأن “نظرية الإمبريالية” ما تزال هي المسيطرة. لهذا يصبح ما يجري مؤامرة. طبعاً ستبدو السطحية شديدة الوضوح حين لحظ بأن “تقدمية” انقلابات الخمسينيات نتجت عن أنها أعادت بناء الاقتصاد والتكوين الطبقي من خلال تحقيق الإصلاح الزراعي وبناء الصناعة وتعميم التعليم المجاني، إضافة إلى تحقيق مستوى معيشي جيد للطبقات الشعبية كلها. بالضبط لأن ما فرض الانقلابات هو الوضع المزري الذي باتت تعيشه هذه الطبقات، والذي جعلها عاجزة عن استمرار الوضع كما هو، وباتت السلطة أضعف من أن تستمر في الحكم. كل ذلك لم يكن يُلمس من قبل النخب والأحزاب، أو إذا لُمس لا يجري الاستنتاج الضروري القائل بضرورة التغيير. وهو الوضع الذي فرض أن يتحقق التغيير من موقع غير متوقع، هو الجيش.

أما الآن، فإن شكلية التحليل لا تلمس الواقع، ولا تتحسس وضع الطبقات الشعبية التي لم تعد قادرة على الاستمرار في الوضع الذي هي فيه. وهو الأمر الذي فجّر انتفاضاتها، وفرض تحقيق تغيير جزئي إلى الآن، لكنه لا يحل أزمة الوضع الذي فرض الانتفاض.

لهذا نلمس بأن التشكيك طال هذه الانتفاضات، وخصوصاً أنها لم تحقق التغيير الجذري بعد، بالضبط لأن الأحزاب والنخب التي كان عليها أن تساعد الطبقات الشعبية هي في وضع لا يسمح لها بوعي الواقع، ولهذا فهي إما “متلبرلة” وغارقة في الخطاب الديمقراطي، أو “معادية للإمبريالية” إلى الحد الذي جعلها لا ترى شيئاً آخر، أو لا ترى شيئاً.

الواقع هو ما يجب أن يُمسك. أما السياسة فهي إما تعبير عنه أو تمويه عليه. وبالتالي تدرس فقط بعد فهم الواقع: أي الواقع الاقتصادي الاجتماعي.

المصدر: الغد

حول “التدخل الخارجي”

أصبحت المسألة في سورية هي مسألة “التدخل الخارجي”، حيث باتت مجال الصراع بين أطراف المعارضة. وربما من المؤسف أن تسير الأمور هذا المسار، لأن هناك مسائل أهم تتعلق بالانتفاضة يجب أن تحظى بالاهتمام الضروري. لكن الأمر الذي يقود إلى ذلك هو إصرار طرف هو المجلس الوطني على أن الخيار الوحيد لـ “وقف الدم والقتل” هو “الحماية الدولية”، التي تصبح عند بعض أطرافه هي “التدخل العسكري”، سواء ربط ذلك بممارسات السلطة أو لم يربط.

في المقابل، وأمام ضعفها الداخلي وشعورها بأن “المزاج الشعبي” ليس معها، يميل أطراف هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي إلى التركيز على “رفض التدخل الخارجي”، والى اعتبار بأن هذه المسألة هي المفصل الذي ربما “يهزم” المجلس الوطني ويفتت “شعبيته”، انطلاقاً من “لعب” على أن الشعب ضد التدخل الخارجي. وهم هنا يدخلون الانتفاضة في تشويش لا حدّ له. أو يدخلون المعركة الخطأ. يمكن القول بأنه يعزز من “منطق” أطراف المجلس الوطني التي تدعو للتدخل الخارجي. لأن موقفهم الملتبس، وسقفهم “المنخفض” يجعلان رفض منطقهما هو الأساس في التعامل، وبالتالي يصبّ كل ذلك عند المجلس الوطني.

وبالتالي فهم بدل لمس المشكلة التي وضعوا أنفسهم بها، وهي مشكلة الموقف من السلطة، يهربون إلى معركة يعتقدون أنها تخدمهم، لكنها تزيد الطين بلّة.

هذا لا يعني بأنه لا يجب مواجهة الدعوة إلى “التدخل الخارجي” حسب ما تُطرح من أطراف المجلس الوطني كلها ومن المجلس ذاته. لا يجب المواجهة، لكن ليس بمنطق “الهجوم” والتخويف من التدخل العسكري، بل انطلاقاً من فهم لوضع الانتفاضة ذاتها. فمن حيث المبدأ يجب إدانة كل دعوة للتدخل الإمبريالي، وهذا ما لا يمكن التهاون فيه، لكن هنا، وفي وضع سورية، لا يفيد الموقف المبدئي “مجرداً”، بل عبر الأخذ بعين الاعتبار واقع الانتفاضة.

فالعنف الوحشي الممارس من قبل السلطة يفتح لدى الذين يمارس عليهم هذا القتل تأمل مساعدة ما. وغياب الطريق التي تفضي إلى إسقاط السلطة بعد كل هذه الأشهر من الصراع البطولي يقود حتماً إلى الأمل في دور “خارجي”. وبالتالي فإن وضع الانتفاضة يفرض تفكير قطاعات من المنتفضين بـ “ضرورة التدخل الخارجي”. وهم هنا لا يقصدون التدخل العسكري بالحتم، فقد لمسوا نتائجه في العراق، وحتى في ليبيا. وأمام العنف الممارس بحقهم يمكن لهم تقبّل أفكار معينة. وهذا ما لمسناه في الانتفاضة، حيث لم تكن تسمية الجمع أو الشعارات التي رُفعت هي من فعل معارضة الخارج فقط. فقد لعبت هذه المعارضة دوراً كبيراً في تعميم ما تريد عبر تحكمها بالإعلام خصوصاً بالعلاقة مع الذين يرسلون الصور من خلال الدعم المالي، و”تكليف” أشخاص محددين من قبل الفضائيات. لكن الوضع الوحشي كان يجعل قطاعات لا تدقق في ما هو مطروح، فتأمل من “توحيد المعارضة” أو من الدعوة إلى “حماية المدنيين” مخرجاً من كل هذا العنف، وربما مخرج لإسقاط السلطة.

فما يطرحه هؤلاء هو: “خفض الدم”، وتخفيف القتل” من خلال “القبعات الزرق”، ورقابة الإعلام العربي والدولي. فهذا لا يبدو أنه يمسّ السيادة أو يقود إلى تدخل عسكري. إن “مروجي” فكرة التدخل الإنساني يطرحونها بشكل “لطيف” و”جميل” و”بسيط”، بشكل إنساني عبر “طفل” أليف، وبريء.

لكن ما الذي يطرحه هؤلاء الداعين لـ “التدخل الخارجي”؟

ستبدو البراءة، ويبدو كل الحديث عن خفض الدم، وتخفيف القتلى، مدخلاً لما هو خطر. وكنت آمل من الذين يتحدثون بهذه البراءة أن يطرحوا كل فكرتهم لكي يعرفها الشباب المنتفض (رغم أن بعضهم يطرحها واضحة، ومنهم الإخوان المسلمون).

فحماية المدنيين لا يمكن أن يؤخذ القرار من مجلس الأمن حولها إلا تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يبيح التدخل العسكري. وبالتالي لا بد من أن يكون هذا واضحاً. وهو يعني أن مبدأ التدخل العسكري متضمن في أي قرار ينص على حماية المدنيين.

الآن، لا بد من أن نلحظ “التطبيق العملي” لقرار ينص على “حماية المدنيين”. فلو كانت السلطة تسمح بوجود الإعلام ومراقبين من هيئات حقوق الإنسان لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. فقد عملت السلطة على منع الصحافة التي يمكن أن تنقل الحدث كما هو، بالضبط لأن  قرارها هو ممارسة كل أشكال العنف. وبالتالي لن تسمح لمراقبين أو إعلام، وخصوصاً أنه بات تحت إشراف مجلس الأمن، وسيف التدخل العسكري.

من ثم، ما هو القرار الممكن لمجلس الأمن على ضوء رفض السلطة تنفيذ قراره بحماية المدنيين، خصوصاً وأن القرار يتضمن إمكانية التدخل العسكري كما أشرنا؟ التدخل العسكري.

وضمن الدعوة لحماية المدنيين تجري المطالبة بالحظر الجوي، وإيجاد مناطق عازلة. جيد، لكن هل تقف الأمور عند هذا الحد؟ طبعاً إن تنفيذ فرض الحظر الجوي سيكون دون حاجة لموافقة السلطة. لكن هل ستقبل السلطة تنفيذ الحظر أم سترد عسكرياً على كل تحليق فوق الأراضي السورية؟ وإذا لم ترد ألا يمكن لها أن تظل تمارس العنف “على الأرض” ضد المتظاهرين، وضد الجيش المنشق؟

الحظر الجوي يعني تدمير الدفاعات الجوية أولاً، وبالتالي البدء بالهجوم العسكري. ومهما كانت نيات القوى التي ستتدخل حسنة (وهذا محال) فإن القصف سوف يتوسع ليطال الطرق والبنى التحتية تحت حجة وقف تقدم قوات السلطة. ولن أتحدث هنا عن التشنجات الطائفية التي ستحدث، لكن أشير إلى أن رض السلطة سيكون تدميرياً كذلك. وفي هذا الوضع سيزيد عدد القتلى عشرات الأضعاف، وسيحدث تدمير في البنى التحتية والأبنية كبير جداً. ويمكن في ظل ذلك تفلت الصراعات الطائفية، أو يجري الدفع لكي تفلت، مما يوسّع من أعداد القتلى ومن التدمير. وهنا يكون السعي لخفض كلفة الدم إلى تضخيم كلفة الدم بزيادة عدد القتلى وتوسيع التدمير.

إن تحوّل الانتفاضة إلى حرب، إضافة إلى أنه يعني نهاية الانتفاضة، وتلاشي هذا العدد الكبير من البشر التي تنتفض لمصلحة نشوء مجموعات مسلحة صغيرة، أو حتى إلى “جيوش” تنطلق من مناطق الحظر الجوي، سوف يفتح على حرب طويلة أكثر مما يمكن أن تحتاجه الانتفاضة ذاتها، خصوصاً إذا أرادت الدول المتدخلة، وهي هنا حلف الناتو، تطويل الزمن من أجل تدمير أكبر يفضي إلى زيادة فاتورة الدفع قيمة الأسلحة المستخدمة، ومن ثم فاتورة إعادة الاعمار كما تفعل في كل تدخلاتها.

التدخل العسكري بالتالي يزيد من كلفة الدم، ومن كلفة التدمير معاً. وليس من الممكن أن يقود القرار الذي يمكن أن يتخذ تحت البند السابع إلا أن يقود إلى تدخل عسكري. ولهذا يجب أن يكون واضحاً بأن كل دعوة لحماية المدنيين وفق هذه الصيغة سوف تفضي إلى تدمير المدنيين عبر حرب وتفكك وفاتورة دم أعلى.

لكن السؤال الذي يجب أن تجري الإجابة عليه هو: هل أن أفق الانتفاضة مسدود لكي نطالب بـ “حماية دولية” أو حظر جوي؟ الآفاق مفتوحة بالتأكيد، وقوة الشعب وإصراره يقودان إلى ضعف متتالي في بنية السلطة، رغم كل العنف الذي يمارس والذي يعبّر عن شعور بالعجز وليس بالقوة. لهذا ما هو مطلوب هو توسيع مشاركة الفئات التي لم تشارك، والإصرار على مشاركتها، فدورها مهم لحسم الصراع مع السلطة بقوة شعبية شاملة. هذا هو الضروري اليوم من أجل إسقاط السلطة، وهو ممكن، لكنه بحاجة إلى جهد.

هذا لا يعني عدم تحريك الرأي العام العالمي، أو الدفع نحو حصار السلطة، والضغط عليها. وتحريك منظمات حقوق الإنسان والشغل على محكمة الجنايات الدولية. وعزل السلطة، والدفع باتجاه إدخال الإعلام والمنظمات الدولية. كل ذلك مهم، لكن الحاسم هو الانتفاضة، وقوة عزيمة الشباب الذي أثبت جرأة وصلابة بدون حدود.

في كل الأحوال السلطة هي المسئولة عن أي تدخل إمبريالي نتيجة العنف البربري الذي تمارسه، وهو عنف هائل. لكن هذا لا يبرر لأي كان الدعوة إلى التدخل الإمبريالي تحت أي مسمى كان، لأن ذلك هو إشراك في الجريمة التي ستحلّ بسورية. ويمكن أن يكون هناك من لا يتناقض مع الإمبريالية ومع سياساتها، وحتى مع قلب الأنظمة بالقوة الإمبريالية، وهو يعمل لكي تساعد في التغيير الذي يدعم سيطرته هو، لكن كل ذلك هو ضد الشعب في كل الأحوال، وإذا نجح فسيطرد بقوة الشعب

المصدر: مجلة جدل

بعد الانتفاضات: الإسلام السياسي في قمة مجده وغروره

بعد انتخابات المجلس التأسيسي في تونس والنجاح الكبير الذي حققته حركة النهضة، والطابع الإسلامي الذي أعطاه مصطفى عبد الجليل لانتصار الثورة في ليبيا، تأكدت ربما التخوّفات التي ظهرت منذ انتصار الثورة في تونس، ثم في مصر، التي انبنت على «الطابع الإسلامي» (أو الإخواني) للثورات. إذ انحكمت الثورات بـ«جو» عام سابق، كان ينطلق من سيطرة إسلامية على النشاط السياسي، فرض التخوّف من سيطرتها بعد سقوط النظم.

الآن، صار واضحاً أنّ الإسلاميين هم الذين يحصدون الحجم الأكبر في الانتخابات التي جرت ويمكن أن تجري. كان ذلك مدعاة للنشوة لدى الإسلاميين أنفسهم، الذين لم يجدوا في ذلك سوى معجزة إلهية. كما كان مدعاة خوف لدى تيارات علمانية وليبرالية، وكذلك لدى أقليات. وانبنى عليه موقف سلبي من الانتفاضات ذاتها، وصل إلى حدّ التشكيك فيها.

هل كانت نتيجة انتخابات تونس مفاجئة؟ بالتأكيد لا، كما لن يكون مفاجئاً حصد الإخوان المسلمين في مصر لموقع الحزب الأول في انتخابات مجلسي الشعب والشورى في الأيام القادمة، رغم أنّه يمكن أن يكون حجمهم أقل مما حصد «رفاقهم» في تونس.

فقد انحكمت الانتفاضات بوضع سياسي اتسم بضعف أو تلاشي القوى التي يمكن أن تعبّر عن مشكلات الطبقات المفقرة التي كانت أساس الانتفاضات، بالتالي كانت الانتفاضات عفوية، ولذلك أصبحت صياغة الوضع الجديد تخضع لوضع القوى «الفاعلة» في المعارضة، ولطبيعة «الانتصار» الذي تحقق. ولقد ظهر الإسلام السياسي قوة معارضة للنظم، ثم قوة مناهضة لـ«الإمبريالية» بعد الحرب الأميركية على الإرهاب. بالتالي، بتنا في وضع يبدو فيه الإسلام السياسي وارثاً لدور اليسار، وأصبح القوة الأساسية في العديد من البلدان، أو القوة التي لها رمزية تسمح لها بأن تحوّلها إلى قوة فعلية. هنا كان الإسلام السياسي هو المؤثر، وكان يبدو بديلاً حقيقياً لتلك النظم. ذلك ما جعل له قاعدة، تعززت بقوّة مالية كبيرة.

وحين حدثت الانتفاضة لم يكن دور الإسلاميين كبيراً، لا في تونس ولا في مصر ولا في سوريا. لكن كان يبدو واضحاً أنّ طبيعة المرحلة الانتقالية التي تحققت تحت سيطرة السلطة القديمة ذاتها (تغيّر أشخاص وبقيت البنية ذاتها)، وفي إطار استمرار سيطرة الرأسمالية المافياوية ذاتها، أنّ تجاوز «الأزمة» التي أفضت إلى نشوء الانتفاضات يفترض توسيع القاعدة السياسية للسلطة، الأمر الذي كان يفترض صياغة جديدة تقوم على تأسيس «شكل ديموقراطي» يستوعب «التعددية» التي يفرضها توسيع تلك القاعدة.

لذلك، بدا أنّ السياق الذي تسير فيه المرحلة الانتقالية سيوصل إلى بروز الإسلاميين قوة كبيرة، وكذلك بروز الليبراليين قوة أخرى. وهو الوضع الذي يشير إلى طبيعة القوى التي كانت هي الأبرز في السنوات السابقة. فتلك القوى هي التي تمتلك المال والإعلام، وكذلك الفاعلية والتواصل والديماغوجيا. ولأنّ المسألة تمحورت حول السلطة وطابعها الاستبدادي والفردي والوراثي، فقد ظهر أنّ المطلوب هو تشكيل دولة ديموقراطية تعددية. ذلك ما كانت كل قوى المعارضة، من اليسار إلى الإسلاميين، تركز عليه طيلة عقدين. وبالتالي أصبح يبدو أنّه الحل لأزمة مجتمعية عميقة. وفي ذلك الطرح، لم يكن من دور لليسار الذي من المفترض أنّه يعبّر عن مطالب الطبقات المفقرة، ويطرح البديل الذي يحقق مصالحها، وبالتالي لا يقف عند حد مركزة النشاط في ما هو ديموقراطي.

لذلك كان واضحاً منذ البدء أنّ النتيجة المنطقية لأيّ انتخابات تجرى بعد الانتفاضات، تتمثل في سيطرة تحالف الإسلاميين والليبراليين بالترابط مع بنية السلطة القديمة التي تمثل الرأسمالية المافياوية ذاتها. وتلك الصيغة هي «التوافق» بين استمرار سيطرة تلك الرأسمالية من جهة، وإدماج الإسلاميين لكونهم يمثلون المعارضة في السلطة، من جهة ثانية، وبالتالي، فهي حل الطبقة المسيطرة للحفاظ على سيطرتها. ولا شك في أنّ لك التوافق ممكن لأنّ «الخطاب الاقتصادي» للإسلاميين لا يختلف عن الخطاب الليبرالي. فهم مع اقتصاد السوق وحرية التجارة، والربح والحق المقدس في التملك الخاص، ورفض التأميم والمصادرة ودور الدولة الاقتصادي. وهم كذلك يميلون للتركيز على النشاط التجاري، ولا يميلون إلى النشاط في الزراعة أو الصناعة (وهذه الأخيرة كانت تعد مدخل كل الأفكار «الملحدة»، من ديموقراطية وقومية وشيوعية). يتوافق ذلك مع الشكل الراهن للرأسمالية التي تغلّب التجارة والخدمات والعقارات والبنوك على كل النشاطات الأخرى. وهو الشكل المفرط في ليبراليته و«تحرره»، وكان في أساس التهميش والإفقار الذي أفضى إلى حدوث الانتفاضات العربية.

هنا لا يكفي النظر إلى الإسلاميين من زاوية الخطاب «القيمي الأخلاقي» الذي يتصفون به، أو التركيز على «الدعوة الدينية»، إذ يؤدي ذلك إلى نقاشات وصراعات هامشية، المقصود منها هو التغطية على المشكلات المجتمعية العميقة. فكل ذلك هو تعبير عن مصالح طبقية تحكم هؤلاء، وتعبّر عن مصالح فئات اجتماعية كانت سيطرة المافيا الحاكمة تضيّق عليها، نتيجة احتكارها الشامل للاقتصاد. وذلك ما كان يوجد «الاحتكاك» بين الطرفين. وبالتالي لا بد من رؤية الشكل الجديد للسلطة من منظور توسيع القاعدة الطبقية للسلطة كذلك، رغم أهمية توسيع القاعدة السياسية، وأيضاً إدخال «الخطاب الديني» داعماً لسلطة تلك الرأسمالية المافياوية باسم المقدس.

بالتالي يمكن القول بأنّ ميزان القوى السياسي كان يقود إلى تبوء الإسلاميين موقعاً متقدماً في بنية السلطة الجديدة، بعد كل «التراث المعارض والمقاوم» الذي أصبحوا يملكونه من خلال «نضالهم» خلال العقود الثلاثة الماضية، وفي إطار التكوين العام الذي بات يحكم المنطقة نتيجة سنوات من إنهاض الخطاب الديني، وتفجير الصراعات الطائفية، وأيضاً انهيار الخطاب القومي وتلاشي الخطاب اليساري (الذي تحوّل سريعاً نحو اللبرلة). وإذا كانت الطبقات الشعبية التي ثارت لا تجد من يمثلها نتيجة عجز اليسار، فقد خاضت الانتفاضة وحدها بعفوية كبيرة. لكن حينما اقتربت الانتخابات لم يبادر جزء كبير منها إلى التسجيل، لأنّه لم يحس بأنّ شيئاً قد تغيّر (يبدو ذلك واضحاً في تونس). وإذا كانت نسبة المشاركين في التصويت هي 48%، فذلك يعني أنّ النسبة الأكبر لم تشارك في التصويت. بمعنى أنّ قوى الطبقات الشعبية الفاعلة في الانتفاضة لم تشارك في الانتخاب لأنّها أحست بأنّ السلطة لم تتغيّر، وبالتالي ستكون النتائج محدَّدة مسبقاً كما كان يجري في السابق. تلك نتيجة منطقية تلمّسها الحس السليم لدى قطاع كبير من الطبقات الشعبية.

في هذا الحساب، تكون حركة النهضة في تونس قد حصلت على 41% من 48% من الذين يحق لهم الانتخاب، أي نحو 20% من الذين يحق لهم الانتخاب. لكنّهم سيبرزون قوةً كبيرة وأساسية حصلت على المرتبة الأولى.

في كل الأحوال إذا كانت هذه النتيجة طبيعية في هذا الوضع، فإنّ من المهم تلمس أفق المرحلة المقبلةة. إذ إنّ الانتفاضات حدثت لأنّ كتلة كبيرة من الطبقات الشعبية لم تستطع العيش بفعل التمركز الهائل للثروة، والتشكيل الضيق للاقتصاد الذي أصبح ريعياً، وبالتالي فإنّ نهاية الانتفاضة لن تكون ممكنة إلا بعد تغيير النمط الاقتصادي بما يسمح بإيجاد فرص عمل كافية لحل مشكلة البطالة من جهة، وتحقيق توازن جدي بين الأجور والأسعار تسمح بعيش كريم، وتحقيق ما يسمح للطبقات الشعبية بالدفاع عن مصالحها في إطار نظام ديموقراطي حقيقي.

هل يملك الإسلاميون حلاً لكل ذلك؟
إذا كان حاجز الخوف قد سقط، وإذا كان الشباب قد دخل ميدان الصراع السياسي، فإنّ أي عجز عن حل تلك المشكلات سوف يفرض استمرار الصراع بغض النظر عن الدعم الممكن الآن لأي حزب من الأحزاب. ولأن الإسلاميين لا يمتلكون غير البرنامج الليبرالي ذاته (أي الريعي كذلك) فإنّ وصولهم إلى السلطة سوف يجعلهم في تناقض مع الطبقات الشعبية بالضرورة. وذلك ما سينعكس على طبيعة الديموقراطية التي يمكن أن يحققها هؤلاء (بالتحالف مع الليبراليين بالضرورة)، التي لن تخرج عن أشكال الديموقراطية التي تحققت في ظل حكم حسني مبارك، أو في المغرب أو الأردن.

هذا الوضع سيجعل التناقض واضحاً بين الطبقات الشعبية المفقرة والإسلاميين بخطابهم الثقافي الأخلاقي الشكلي، والليبراليين عموماً، وسيكون الصراع الاقتصادي الطبقي بارزاً إلى حدّ كبير، وهو محور الصراع، وليس الخطاب الديني ولا الخطاب الأخلاقي القيمي. وسيحكم الإسلاميون والليبراليون في سلطة لا تستطيع أن تمتلك القوة التي امتلكتها النظم الساقطة، وبالتالي ستكون ضعيفة ومهزوزة وقابلة للسقوط، في وضع يفرض أن تبلور الطبقات الشعبية تمثيلها السياسي المعبّر حقيقة عن مصالحها، في أفق انتفاضة جديدة.

إذن، سيبلع الإسلاميون النشوة التي يعيشونها، وسيكون انتصارهم الراهن هو مؤشر الانحدار وليس زهوة الوصول إلى القمة.

المصدر: الأخبار

سلامة كيلة: نعم قلت – ردا على موفق محادين

يريد الصديق موفق محادين في مقاله “سلامة كيلة: انت قلت” المنشور في جريدة العرب اليوم تاريخ 6/11/2011 أن يقول بأنني أنقلب على ذاتي, من خلال الاصطفاف مع اليسار الذي نقدته سابقاً, “لانجاز المهمة الديمقراطية العاجلة”, والتي لم تكن كذلك عندي سابقاً.

فهو يعود إلى كتاب لي صدر سنة 2007 (وكتب سنوات 2003/2006) عنوانه “اليسار السوري في واقعه الراهن”, لكي يسرد رأيي في اليسار السوري (وهو يشير إلى رأيي كذلك في مقال أسبق هو “الجذور الفكرية ليسار المجلس الوطني” 5/11/2011) انطلاقاً من تركيزه على ثنائية استبداد/ ديمقراطية. وأوضح له بأن نقدي لهذا اليسار بات أقسى, حيث لم أعد اعتبر أنه يسار أصلاً, فقد غرق في الليبرالية. وهذا ما أشرت إليه في مقال أخير نشر في جريدة الأخبار اللبنانية (http://www.al-akhbar.com/node/23947). بمعنى أن موقفي الراهن لم يغيّر من تقييمي لهذا اليسار, على العكس بت أنقده من موقفه الراهن كذلك.

لكن, يمكن أن نلمس بأن موفق ينطلق من نقطتين, الأولى أنني مصطف مع المجلس الوطني في الصراع ضد السلطة في سورية, والثانية أنني أعرف بأن التغيير لن يتحقق إلا عبر العامل الخارجي وأوافق على ذلك.
ربما إذا قرأ مقالي المنشور في جريدة الأخبار يعرف بأنني أعتبر أن كل هذه المعارضة عاجزة ومشوشة, وأنني لا أتوافق معها على انجاز المهمة الديمقراطية العاجلة بل أطرح برنامجاً لتغيير عميق.

ما يهم هو أن موفق يعتمد على فكرة لي حكمت تصوري في النصف الأول من العقد الماضي بأن التغيير لم يحن أوانه بعد, وأن ما كان يطرح هو تغيير خارجي. وكنت ضد هذا التغيير الخارجي, كما أنا الآن. لكن يا صديق موفق إذا كان التغيير الداخلي  غير ممكن سنة 2005 أو 2006 فهذا لا يعني أنه ليس ممكناً اليوم. هنا نحن إزاء من يريد تثبيت الزمن من خلال عدم لمس التغير الذي كان يجري في بنية السلطة والمجتمع. فما تحقق من لبرلة في السنوات من 2005 إلى الآن جعل الوضع السوري كالوضع المصري والتونسي والأردني وغيره. ويمكن للصديق موفق أن يعود لدراسة كتبها صديقه محمد جمال باروت (وهو ليس معارضاً) يوضح هذه المسألة بالتفصيل (محمد جمال باروت “العقد الأخير في تاريخ سورية” منشور على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات). وهذا التحوّل هو الذي جعل ما ليس ممكناً سنة 2007 ممكنا سنة .2011 فهل أبقى جامداً على موقفي السابق وأنا أرى الاحتقان الاجتماعي يتصاعد والفقر ينتشر بسرعة فائقة?

هذا الاحتقان الذي سوف يفضي إلى انفجار أشرت إليه قبل 15/,3 خصوصاً بعد انتفاضة تونس, وكان مجال نقاش في رابطة الكتاب الأردنيين قبيل الانتفاضة السورية بأيام, حيث أشرت أن سورية تسير في المسار العربي ذاته.
بالتالي إذا كنت ترى أنني مصطف مع اليسار ذاك فلأن متحوّلاً حدث, وهو انفجار ثورة اجتماعية بكل معنى الكلمة. هل أنني كماركسي يجب أن أقف مع السلطة لأن هؤلاء الليبراليين يستفيدون من الانتفاضة, أو يقولون أنهم معها? لست شكلياً لكي أحدد مواقفي انطلاقاً من آخر, لا الامبريالية ولا الليبراليين, بل انطلاقاً من موقفي اعتماداً على تحليل الواقع. ولقد كنت أشير إلى انفجار الانتفاضة في سورية قبل أن يصدّق هؤلاء أنه يمكن أن يحدث ذلك في سورية, لأنني أعي واقع الطبقات الشعبية, وأنها وصلت إلى وضع انفجاري (رغم أنني كنت أتوقع تأخره قليلاً, لكن آليات مواجهة السلطة لحادث “عادي” فجّر الاحتقان بشكل أسرع), وأعرف أن كل هذه المعارضة هامش لا يعني شيئاً. وأن الشعب انتفض عفوياً وبقوته الذاتية, وسيغير بقوته الذاتية.

بالتالي ليس محدِّد موقفي هو رأي اليسار السابق أو الليبراليين, أو تجار دمشق أو أي أحد آخر, بل أن موقفي ينبني على فاعلية الطبقات الشعبية التي انتفضت من دون إذن من أحد, وبشكل فاجأ الكل. الشكلية هي أن أبني موقفي بناء على موقف آخر, وليس على ما يحدث في الواقع. لهذا حين أحدد موقفي لا أرى كل آخر أولاً, بل أرى الواقع المادي (الطبقات والاقتصاد), ثم أتابع مواقف الآخرين وأحدد موقفي منها. وهذا ما سنلمسه في رأيي بالمعارضة, وهو رأي من عديد من الدراسات التي كتبتها, ويمكن متابعتها في جريدة الأخبار..

كماركسي سأكون مع الطبقات الشعبية, من دون التفات إلى من يؤيد أو لا يؤيد, رغم أن موقفي واضح ومعلن من التدخل الإمبريالي والمعارضة. لكن الصراع الآن يخوضه الشعب ضد السلطة, التي سيندم كثير ممن يدافعون عنها حين اكتشاف الممارسات البشعة التي تمارس ضد هذا الشعب. وكما أشير دائماً, السلطة مافياوية بامتياز وليست لا “ممانعة” ولا أي شيء آخر.

المصدر: العرب اليوم

سؤال «الاستعصاء السوري»: متى تسقط السلطة وكيف؟

هل يمرّ الوضع السوري بحالة من الاستعصاء؟ هذا ما يبدو لقطاع من المعارضة، أو حتى لقطاعات من المنتفضين، وربما لدول وهيئات. أمر يقود إلى البحث عن حلول من خارج الانتفاضة، التي بدا لكل هؤلاء أنها قدمت ما تستطيع، وأنه ليس من إمكانية لتطور دراماتيكي يجعلها تفرض التغيير أمام العنف الشديد الذي تمارسه السلطة وتبقى متماسكة. سبعة أشهر مرّت على الانتفاضة من دون أن يظهر أفق لانتصارها، ومن دون تبلور الرؤية التي تسمح بالقول إن طريق انتصارها باتت واضحة، أو أن انتصارها أصبح حتمياً انطلاقاً من تبلور كيفية تحقُّق هذا الانتصار، وخصوصاً أن العنف الدموي الذي تمارسه السلطة يتصاعد أكثر فأكثر، وحيث جرى توسيع دور «الشبيحة»، واتّسعت حملات الاعتقالات لتشمل مئات الآلاف، في وضع يجعلنا أقرب إلى حالة حرب حقيقية. أضف إلى كل ذلك أنّ أهم مدينتين، دمشق وحلب، لم تتحركا بعد بما يخلّ بميزان القوى لمصلحة الانتفاضة، وكذلك استمرار تخوّف الأقليات الدينية، وضعف مشاركة المناطق الكردية. وربما كان المؤشر «الأخطر» هو تراجع أعداد المتظاهرين في «المناطق التقليدية» التي يجري فيها التظاهر. لهذا، تبدو الأمور كأنها سائرة وفق السيناريو الذي يتكرر، ويتمثّل بخروج التظاهرات في المناطق ذاتها، من دون أن يحدث ذلك اختراقاً يغيّر من موازين القوى، أو يُعرَف الشكل الذي سيحدث فيه إسقاط النظام. بالتالي، أصبح الحديث يجري عن «تعادل» القوى واستعصاء، ومن ثم عجز الطرفين، الانتفاضة والسلطة، عن الحسم. هو استعصاء ربما كان في أساس البحث عن حلول من خارج الانتفاضة ذاتها. من هنا، هل يمكن القول إننا إزاء حالة استعصاء حقيقية؟ وإن الانتفاضة أعطت كل ممكناتها؟ من ثم ليس من الممكن أن يحدث اختراق يسمح بتطور دراماتيكي لها؟ يمكن أن نلاحظ أربع مسائل ربما تشير إلى الأفق الذي يمكن أن تفضي إليه الانتفاضة، هي:

1 ــــ لا شك في أن العنف تصاعد بقوة منذ إدخال الجيش (أو بعض قطاعات الجيش) في الصراع من أجل السيطرة على المدن التي وضُح أنها باتت خارج السيطرة نتيجة الأعداد الكبيرة المشارِكة في التظاهر، وأفضى ذلك إلى تراجع أعداد المتظاهرين، لكن الحراك لا يزال قوياً رغم ذلك، ولقد انضمت مناطق جديدة إليه. ولهذا اضطرت السلطة إلى نشر أعداد كبيرة من القوى الأمنية والجيش والشبيحة في مناطق كثيرة، في المدن وبين أحياء المدن من أجل وقف التظاهر، لكن دون أن تحقق ما تريد، حيث تعود الجموع حال تخفيف القبضة العسكرية الأمنية مثلما كانت. وهذا ما يشير إلى أن قوة الانتفاضة لم تتراجع، بل لا تزال في عنفوانها. الشعب يريد إسقاط النظام، لم يتراجع ولم يتردد، ولم يوقفه كل العنف الذي يمارس، وهذا يعني أن الانتفاضة مستمرة دون أن يبدو ما يشير إلى تعب أو تراجع أو ملل أو يأس في صفوفها.

2 ــــ رغم العنف، نلحظ أن الفئات التي كانت مؤيدة للسلطة لم تعد كذلك في العديد من القطاعات، فقد لعب طول الانتفاضة دوراً في إقناع بعض هؤلاء بأن السلطة عاجزة عن الحسم، وأن استمرار الوضع كما هو يؤثر على مصالحها، وبالتالي لا يكون هناك خيار سوى التغيير. وقد شمل هذا الموقف قطاعات من التجار والاقتصاديين، وحتى قطاعات من الفئات الوسطى. وهذه كانت تمثّل قاعدة مهمة للسلطة، و«تقاتل» دفاعاً عنها.

ثم إنّ بعض «الأقليات» توصلت إلى أنّ السلطة تزجّها في «حرب أهلية»، وتضحّي بوضعها، وتحوّلها إلى «قوة قمع»، الأمر الذي جعلها تميل إلى إظهار اعتكافها، وربما «تذمُّرها» من السلطة ذاتها. لقد لعبت ممارسات السلطة، التي قامت على افتعال صراع طائفي، دوراً معاكساً لما تريد، حتى لدى قطاعات كانت تدافع عنها، لأن هذا الأمر ليس بهذه السهولة أو «المعقولية» في بلد أصبح التشابك البشري فيه السمة التي تتشكل منها كل المدن، وتضمها كل مواقع العمل، وذلك بعد ملاحظة وضع العراق بعد تفجر الحرب الطائفية فيه.

هنا، يمكن القول إن حجم تأييد السلطة قد تقلّص، وإذا كان معروفاً كيف يجري تحضير «المسيرات المليونية»، فإن المسيرة الأخيرة توضح مدى تراجع الكمّ، رغم أن التعميم بالمشاركة شمل كل المؤسسات والمدارس والنقابات.

3 ــــ أما بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي، فقد دلّت القرارات التي صدرت أخيراً على مدى الارتباك الذي تعيشه السلطة، سواء في ما يتعلق باحتياط النقد الأجنبي، أو تراجع الصادرات والأزمة التي ستنتج من وقف استيراد النفط، أو «الحصار الاقتصادي» الذي فرضته الدول الرأسمالية. هو الأمر الذي فرض طباعة ليرة بدون رصيد، وأسهم في ارتفاع أسعار السلع، أو الضائقة التي تحيط بدفع الأجور، وتراجع السياحة وركود الأسواق التجارية وتراجع واردات الدولة، وخصوصاً مع الاستهلاك العالي نتيجة الاستنفار العسكري، والدفع لعناصر «الشبيحة»، والصرف على عمليات العنف.

وبالتالي، إذا كان هناك ركود عام في الاقتصاد، فإن موارد السلطة ومصاريفها سوف تصل إلى حدّ الأزمة. كما أن الأزمة الاقتصادية تنعكس واقعياً من خلال تذمُّر قطاعات لم تكن مع الانتفاضة، وربما كانت ضدها.

4 ــــ أخيراً، فإن الاستنفار العسكري الطويل، واستخدام قوى محدَّدة من الجيش والأمن يقود إلى استهلاك كبير لفاعليتها، وإذا كان قد اعتمد على «الشبيحة» كثيراً، فإن ممارسة العسكريين المنشقين ضد هؤلاء باتت تشل مشاركتهم.

ثم إنّ توسيع الحاجة إلى السيطرة على مناطق كثيرة، وإبقاء الوجود العسكري في المدن والبلدات لفترات طويلة فرضا توسيع إشراك قطاعات من الجيش أكثر، الأمر الذي بات يقود إلى توسُّع الانشقاقات، وهذا خطر يهدّد جدياً بانتقال قطاعات كبيرة من الجيش (هي من أبناء المناطق التي تُقصف ويُقتل أبناؤها) إلى صف الانتفاضة.

هذا الوضع بات يقلق السلطة، ويشعرها بأنها عاجزة عن الحسم، أكثر ما يشعر المنتفضين بأنهم في مأزق. وكان تحوّل الوضع الدولي ضد السلطة، ومحاصرة موقف روسيا والصين، جزءاً من هذا الشعور الذي يوصل بأنْ لا أمل في الحسم، وأن السقوط بات قريباً. التحوُّلات على الأرض تشير إلى أن الانتفاضة بات من غير الممكن وقفها أو سحقها، أو تراجعها، وأن المسألة باتت تتعلق بكيفية سقوط السلطة؟ ومتى؟

المصدر: