Monthly Archives: أبريل 2014

عن عودة الحرب الباردة

استحوذ الصراع في أوكرانيا على اهتمام كبير من منظور أنه يشير إلى عودة الحرب الباردة، وعودة انقسام العالم إلى قطبين. خصوصا وأن روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم، وتعمل على تفكيك أوكرانيا للسيطرة على شرقها، واندفعت أميركا لاتخاذ عقوبات اقتصادية ضدها.

وإذا كانت روسيا تظهر وحيدة في هذا الصراع فإن أميركا في تآلف مع أوروبا لدعم “الحكم الجديد” في أوكرانيا، ووقف الاعتداءات الروسية على هذا البلد.

هل هي، بالتالي، عودة للحرب الباردة؟ أم هو صراع على النفوذ في سياق تقاسم العالم وفق ميزان القوى الجديد؟

لا بد من أن نشير أولا إلى أن روسيا تمارس سياسة القضم والضم والتفكيك من أجل السيطرة في أوكرانيا، حيث ضمت شبه جزيرة القرم، وها هي تدفع شرق أوكرانيا للاستقلال، أو تطالب بأن يعطى استقلالية في إطار دولة فدرالية.

ولا شك في أهمية القرم حيث تشكل القاعدة الأساسية للبحرية الروسية، التي لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصا وأن روسيا تسعى لتوسيع وجودها البحري في العالم من البحر المتوسط حيث لها قاعدة بحرية “صغيرة” في طرطوس السورية، وتطرح إقامة قاعدة أخرى في قبرص وثالثة في مصر، وصولا إلى فيتنام وحتى تايلند، إلى أميركا اللاتينية (فنزويلا).

وفي هذه الوضعية العالمية تصبح أهمية القرم أعلى، فهي المركز لكل هذا النشاط البحري. كما أن أوكرانيا مهمة لروسيا لأنها طريق الوصول إلى أوروبا، وضمن ذلك تأتي أهمية أنابيب الغاز الضرورية لروسيا، لكن كذلك لأوروبا. وهي “جزء تاريخي” لا يمكن الاستغناء عنه لتطور روسيا ذاته. وما يساعد على ذلك وجود جالية روسية كبيرة، إضافة إلى ميل الشرق لروسيا، عكس الغرب الذي يميل للارتباط بأوروبا.

روسيا بالتالي تفرض مصالحها بالقوة على أوكرانيا، وتعمل على إجهاض تطلعات الشعب الأوكراني الذي ترى في غالبيته أن مستقبل الشعب مرتبط بالعلاقة مع أوروبا، رغم أن هذا الطموح سيبدو وهما لأن أوروبا لا تفعل سوى النهب كما مارست في أوروبا الشرقية التي لم يصبح وضعها أفضل بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو الشراكة مع أوروبا.

وهو الوضع الذي سيفرض حتما التمرد على أوروبا، واتخاذ طريق مختلف. لكن ليس من خيار سوى تجريب هذا الوهم، لأن الشعب لم يتوصل إلى خيار بديل، ككل شعوب أوروبا الشرقية.

المشكلة الأسوأ هي أن مطامح الشعب الأوكراني ستخضع للتقاسم العالمي الذي يجري الآن بين الإمبرياليات كما كان في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حيث إن الوضع العالمي الراهن يشجّع روسيا على التمادي، والسعي لفرض شروطها، التي ستُقبل في الأخير.

ففي أوروبا نجد ألمانيا تقيم “علاقة متينة” مع روسيا، وهي معنية باستمرار هذه العلاقة التي تخدم مصالح شركاتها. وألمانيا هي المركز المؤثر في أوروبا، ربما تحاول فرنسا العمل على تحقيق شيء آخر نتيجة مصالحها في أوكرانيا، لكنها لن تستطيع مقاومة الموقف الألماني. وهذا يفتح الباب على المفاوضات والبحث عن “حلٍّ مقبول”.

ورغم حماس أميركا لـ”فرض عقوبات اقتصادية” على روسيا، والتهديد “الفارغ” الذي بات يتكرر من قبل باراك أوباما، فإن أميركا ليست في وارد تصعيد الصراع ضد روسيا، على العكس نجد في إطار الوضع العالمي الراهن أنها تريد “علاقة وثيقة” مع روسيا. ولهذا سوف تعمل على التوصل إلى حل مرضٍ، هو ما تريده روسيا. أي أن يبقى القرم بيد روسيا، وتصبح أوكرانيا فدرالية بين شرق وغرب، وتتشكل حكومة تميل إلى “الحيادية”، أو إلى تحقيق التوازن في علاقاتها بين أوروبا وروسيا، وبالتالي تكون جسر وصل، وليس سد قطيعة.

ولا شك أن هذا لا يلبي طموحات القسم الأعظم من الشعب، ويؤسس لدولة هشة ومسيطر عليها من كل من روسيا وأوروبا، دون أن يتحقق ما يطالب به الشعب من تغيير في الوضع الاقتصادي لتحسين معيشته بعد الانهيار الاقتصادي الذي باتت تعيشه، والذي فرض حدوث أكثر من ثورة.

إذا كانت روسيا قد باتت دولة رأسمالية (وهي بالتالي إمبريالية بالطبع)، وبات اقتصادها متشابكا في إطار النمط الرأسمالي، وبالتالي باتت تتأثر بكل مشكلاته، وفي كل الآليات الاقتصادية التي تحكمه، فقد غدت تريد أسواقا، وسيطرة على مواقع إستراتيجية ككل الإمبرياليات. هذه النظرة هي التي تحكم علاقتها بأوكرانيا، وربما باتت تفكّر في التهامها.

ولقد ظهرت نزعة “الندم” على تفكيك الاتحاد السوفياتي في خضم البحث عن “السوق الواسعة”، والمراكز الإستراتيجية (التي أشرنا إليها من قبلُ فيما يخص أوكرانيا)، أي في خضم البحث عن التوسع الإمبريالي. لكن تشابكها الاقتصادي في إطار النمط الرأسمالي يفرض عليها كذلك “اللعب ضمن الحدود الممكنة”، ولا شك أنها تعرف هذه الحدود التي باتت تميل لمصلحتها.

فليست ألمانيا بحاجة إلى روسيا فقط، بل إن أميركا كذلك هي بحاجة إلى روسيا. وهذا الأمر يوضّح المدى الذي يجري فيه التحوّل في ميزان القوى العالمي، وفي إعادة ترتيب العالم وفق وضع القوى الإمبريالية ذاتها (إلى الآن، حيث سينقلب ذلك في الفترة القادمة نتيجة تفاقم الصراعات ضد الدول الإمبريالية ذاتها من قبل الشعوب).

وإذا كانت أميركا هي القوة المضادة للاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة، في تكافؤ ظاهر كان لا يسمح بهزيمة طرف لطرف آخر، لهذا تعايشا في ظل سياسة “التعايش السلمي” التي بدأت مع خروتشوف واستمرت مع بريجينيف إلى فترة انهيار الاتحاد السوفياتي. وإذ أرادت أن تقلب الوضع العالمي لمصلحتها النهائية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، عن طريق فرض ذاتها قوة عالمية وحيدة، مهيمنة ومسيطرة، ومحتكرة، فقد ظهر عليها “الإعياء” بعد أن حاولت تجاوز أزماتها من خلال السيطرة على العالم طيلة عقدي التسعينيات وما بعده.

حيث لم تفض السيطرة الواسعة التي قامت بها، ونشر قواتها في مناطق واسعة من العالم، إلى منع الأزمة الاقتصادية من الانفجار.

هذه الأزمة هي التي قادت لنجاح باراك أوباما لأنه كان يطرح سياسة التركيز على حل الأزمة الاقتصادية داخليا، وهي التي أوصلته بعد سنتين من حكمه إلى أنْ لا حل للأزمة المالية، ومن ثم يجب إدارتها والتكيف معها فقط.

ولقد أظهرت الأزمة أنه يجب تقليص ميزانية الجيش وعدده، وتقليص الدور العسكري في العالم. وهذه النتيجة فرضت بالضرورة إعادة تموضع أميركا عالميا من خلال تحديد الأخطار وبناء التحالفات على الأسس الجديدة.

فقد ظهر واضحا عجزها عن خوض الحروب العديدة، ونشر قواتها في العالم، وباتت قدرتها على تقديم “المساعدات” الاقتصادية أضعف. وهو الأمر الذي جعل باراك أوباما يصدر بداية سنة 2012 الإستراتيجية الدفاعية الجديدة، التي انطلقت من أن الأولوية انتقلت إلى آسيا والمحيط الهادئ، نتيجة الاستنتاج بأن الصين باتت هي الخطر الرئيسي.

ولهذا جرى السعي لإعادة بناء التحالفات على ضوء ذلك، الأمر الذي جعل الحاجة إلى روسيا أمرا لا بد منه، من جهة لكسر كل إمكانية لتحالف روسي صيني، ومن جهة ثانية لفرض الحصار حول الصين.

ولأن لروسيا مطامح بعد أن عملت أميركا على عزلها وتهميشها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى سنة 2010، فقد بات على أميركا أن تتنازل لها في مناطق عديدة تريدها.. سوريا كانت المكان الأول الذي قررت أميركا أن تدعم السيطرة الروسية عليه. وربما تقبل بتوسعها في الشرق الأوسط غير النفطي (أي دون الخليج العربي).

لكن كان وضع أوكرانيا مريحا لروسيا، حيث كان يسيطر يانوكوفيش. الثورة التي حدثت هي التي أوجدت الإشكالية الراهنة، حيث سعت بعض بلدان أوروبا لاستغلالها من أجل “سحب” أوكرانيا وإخضاعها، بينما تصرفت روسيا كقوة إمبريالية من خلال السيطرة على القرم، والدفع نحو تفكيك أوكرانيا. ولأن أميركا و”ألمانيا” كذلك تريدان التحالف مع روسيا فإن الأمور سوف تسير نحو التفاهم، وفق المنظور الروسي.

أميركا ليست في وضع الهجوم، بل باتت في وضع التراجع.. وهذا ما سمح لروسيا أن تحاول التقدم، وأن تتشدد في أوكرانيا، وتطمح لأن تتقدم في “الشرق الأوسط”، وتتوسع في مناطق كثيرة من العالم.

المصدر: الجزيرة

حماية إقليمية للنظام السوري

بات واضحاً أن السلطة السورية مستمرة، ليس نتيجة قوتها، بل نتيجة الدعم الهائل الذي يؤديه كل من روسيا (التسليح والخبرات)، وإيران (التسليح والخبرات والقوى العسكرية)، وحزب الله والفصائل الطائفية العراقية، وحشد من “الممانعين” العرب والدوليين، فقد خسر بنيته الصلبة، وبات يخشى إشراك معظم قطاعات الجيش، لهذا باتت تلك الأرجل التي يقف عليها ليستمر. لكن، هذه الخطوة تفضي إلى أن تصبح تلك القوى عرضةً لأنّ تشهد انفجار الوضع في بلدانها. فحزب الله شهد تأزم الوضع اللبناني وانجرافه نحو التفجر، وصار يشهد احتقاناً يتنامى لدى قاعدته “الشيعية” التي خسرت، ولازالت تخسر، شبابها. وإذا لم يكن الوضع قد وصل إلى حافة الانفجار، فإنّ احتقاناً يحدث، وهو خطوة أولى في طريق أنّ ينفجر الوضع.

ويشهد نوري المالكي بداية ثورة مسلحة، وحراكاً اجتماعياً لا يقتصر على المنطقة الغربية (أي السنية كما تحدَّد عادة)، بل في كل العراق من الجنوب إلى الوسط إلى الغرب. وهو يدخل مرحلة الانتخابات فاقد الحلفاء، ومهدد بالسقوط. وإذا كان قد لعب بتنظيم دولة العراق والشام “داعش”، لكي يدعم حليفه السوري، ومن ثم ليشوش على الثورة المتفجرة في الأنبار، فقد بات مكشوفاً أنّه خلف التنظيم، وأنّ القوى التي تقاتله باتت تقاتل “داعش” كذلك (كما يحدث في سورية).

والنظام الإيراني، الذي هو المقرر لهذه القوى في لبنان والعراق، بات مضطراً لأن يتوصل إلى تفاهم مع أميركا، بعد أنّ أفضى الحصار الاقتصادي إلى وضع ينذر بالانهيار، خصوصاً بعد حصار البنك المركزي. لهذا، وافق على التنازل عن برنامجه النووي، والقبول بالشروط “الغربية”(الأميركيّة). وهو يسعى إلى إعادة بناء علاقاته الخليجية، ومع السعودية خصوصاً. وتشير تسريبات إلى حدوث لقاءات عديدة (ربما في عُمان)، كما يشار إلى أن تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة تحقق، فقط، على ضوء توافق سعودي إيراني، وأن انتخاب الرئيس الجديد ينحكم لتوافق مماثل.

احتمالات الانفجار ضد هذه القوى من جهة، أو احتمالات حدوث تفاهمٍ، يفضي إلى سحب هذه القوى من جهة أخرى، يضع مصير النظام السوري على المحك. فهو غير قادر على أن يدافع عن سلطته وحده، ولا شك في أن انسحاب تلك القوى سوف يؤدي إلى انهيارٍ سريعٍ لدى مقاتليه. لهذا، يفرض الخروج من الاستعصاء السوري تعزيز عدم الاستقرار لكل هذه القوى، لتقرر الانسحاب، أو تدخل في تحقيق الحل السياسي الذي بدأ في جنيف، لكي تنسحب في وضعٍ تكون السلطة فيه قد انتقلت إلى الهيئة الانتقالية.

لم يعد الوضع مريحاً لحزب الله في لبنان، وفي كل المنطقة. وليس وضع العراق مريحاً للقوى التابعة للنظام الإيراني، والتي تحكم من منظور طائفي، وتنهب العراق، بعد أنّ دمرت بنيته الأساسية، مكملة ما قام به الاحتلال الأميركي. وليس من خيار أمام إيران سوى التفاوض، والتنازل لأميركا. ربما هذا ما سيسمح بتسريع رحيل السلطة في سورية، حيث البديل هو انهيار السلطة، وتعميم الفوضى التي لا تريدها أميركا والدولة الصهيونية، وتشكّل خسارة فادحة لروسيا.

بالتالي، سيكون السعي إلى تحقيق مرحلة انتقالية متوافق عليها مطلباً روسياً أميركياً صهيونياً إيرانياً.

المصدر: العربي الجديد

الثورة والاستعصاء الثوري في سورية (2-2)

هل هناك بديل أمام الثورة السورية عن مسار الحل السياسي؟ هل يمكن أن تتطور بما يجعلها قادرة على الانتصار؟ في الظرف الحالي، لا يبدو أن هناك بديلاً، فنجد التالي:

1) بات وضع الشعب السوري صعباً للغاية، نتيجة الدمار والقتل، لكن، أيضاً التهجير وافتقاد فرص العمل، وبالتالي إمكانية العيش، بعد انهيار الوضع الاقتصادي. ومن ثم، الوضع الأمني الضاغط، والذي يؤثر، بدوره، على الوضع الاقتصادي. واحتمالات القتل أو الاعتقال أو الإهانة. وظروف اللاجئين مؤسية، واحتمالات تهجير من تبقوا في البلاد يظل قائماً. ذلك كله مع الشعور أن الثورة السورية من دون أفق، لأنها تاهت عن أهدافها، وأن القوى الأصولية هي التي باتت تسيطر، أو تسعى إلى السيطرة، وبالتالي، وجود بديل أسوأ.

2) المناطق التي باتت خارج سيطرة السلطة صارت في فوضى، و”داعش” تتصرف كأنها السلطة الحقيقية، في وضع يدفع إلى “الكفر” بالثورة. وعنصر التخريب واضحٌ هنا، وبات يحتاج علاجاً حقيقياً، لن يكون ممكناً في ظل الصراع الراهن، لأنه يحتاج إلى “توافق ما”، يفرض مواجهة هذه القوى، ويلغي دور محركيها، وينهي حاجة المستفيدين منها. وأيضاً، سنلمس زيادة ميل الأسلمة، والتفرّد في طرح بديل محدَّد، غير مقبول من قطاعات شعبية مهمة.

3) وكما أشرنا، ليس من إمكانية للتسلح، أو للتخلي عن سياسة شراء الذمم، وتفكيك الكتائب المسلحة، وتدعيم أسلمتها من قوى “خارجية”. وليس من خبرة تسمح بإعادة تأسيس الكتائب المسلحة، أو توحيدها.

لهذا، يجب أن يكون واضحاً أن الحسم العسكري مستحيل الآن، وليس من إمكانيات واقعيةٍ له، نتيجة غياب التسليح أو تعميم التشرذم، أو لأن إسقاط النظام يحتاج إلى استراتيجية، ليست عسكرية فقط، لأن العسكرة وحدها سوف تبقي الصراع سنوات من دون طائل، ومع شرذمة سورية وتفكيكها وتدميرها. وهذه أصلاً مشكلة العسكرة منذ البدء، وهو خطأ الشباب الذي اندفع معتقداً أن السلاح هو ما سيجعله قادر على أن يحسم الصراع بقوة إرادته (مع معرفتنا بالظروف التي فرضتها السلطة لدفع الشباب نحو التسلح)، ولكن، أيضاً التدخلات من أطراف في المعارضة (الإخوان المسلمون) ارادت أن تكرر تجربة سنة 1980الفاشلة حتماً، معتمدةً على أن يكون التسلح مدخلاً تحضيرياً للتدخل الخارجي. أو نتيجة العمل إلى تخريب الثورة من دول إقليمية خصوصاً. لهذا، كانت “سياسة التحرير” كارثة بكل المقاييس، وساعدت السلطة على أن تبقى متماسكة، وأن تظهر جبروتها باستخدام أسلحتها المتفوقة، والنتيجة تعميم التدمير الشامل، من دون الوصول إلى كسر السلطة وإسقاطها.

مراهنات وبحث عن حلول

ذلك كله واضح للشعب السوري، واضحٌ عبر الحس السليم الذي يمتلكه، وعبر ملاحظاته ومشاهداته، على الرغم من أن الشعب لم يتراجع عن هدفه: إسقاط النظام، ولن يقبل حلاً لا يودي ببشار الأسد وآل الأسد ومخلوف وشاليش وكل الزبانية. وهذه هي المراهنة التي كانت على عملية “جنيف2″، أي هل ستنهي سلطة الأسد، أو أن المطلوب تحقيق عملية انتقال تحت سيطرته؟ هذه الأخيرة ستكون لعباً على الزمن، وعجزاً عن تحقيق “استقرار”، عبر قبول الشعب بالحل. ما يوصل إلى حل (وإنْ كان مؤقتاً لأنه لن يحل مجمل المشكلات التي قامت الثورة على أساسها) هو التخلص من سلطة آل الأسد والزبانية. وفتح أفق لمرحلةٍ انتقاليةٍ، ترسي أسس دولة مدنية ديمقراطية. وتوجد حلاً سريعاً لمشكلات الشعب الذي تدمرت بيوته، وأشغاله، وبات مهجراً (إعادة الإعمار الفعلية)، وحلاً للوضع المعيشي عموماً.

في كل الأحوال، يحتاج واقع الثورة السورية إلى إعادة بناء، بتحديد الأهداف التي يطرحها إسقاط النظام، أو بتحديد الخطاب المعبّر عنها، أو بتحديد وضع العسكرة والنشاط الشعبي فيها. لأنه في كل الأحوال، الثورة سوف تستمر، لا سيما وأن “جنيف 2” لم يحقق حلاً، ولو “نزع سلاح” و”منع استخدام سلاح”، أو وقف الصراع المسلح، وإنهاء وحشية السلطة، وكان من شأن هذا، في غضونه، أن يتحوّل صراع الشعب إلى “السلمية” من جديد، أي إلى كل أشكال الاحتجاج، خصوصاً وأن الحل الذي كان مأمولاً في “جنيف” يقوم على تأسيس شكل ما من الديمقراطية والحريات، يتضمن حرية الصحافة وتأسيس الأحزاب والنقابات، وحق الإضراب والاحتجاج والتظاهر. والنضال “السلمي” (قياساً بكل الوحشية التي مورست والتحوّل إلى الصراع المسلح) كان سيصير أساساً لكل الصراع من أجل تحقيق مطالب الطبقات الشعبية، أي مطالب العمل والأجر والتعليم والصحة والسكن. وهذه تفرض، بدورها، تغيير كلية النمط الاقتصادي لمصلحة نمط منتج، من أجل استيعاب العمالة والمرونة في رفع الأجور، وتوفير مجانية التعليم والصحة، وتطوير البنية التحتية. ويفرض هذا الأمر تأسيس النقابات والاتحادات والمجالس الشعبية، وهيئات الدفاع عن الشعب. وأيضاً تأسيس الأحزاب والتحالفات التي تهدف إلى تحقيق ذلك. هنا، يكون الفعل سياسياً طبقياً بامتياز، ومن أجل تحقيق مطالب الشعب. ولمقاومة السيطرة الاقتصادية التي ستفرضها الدولة الرابحة (روسيا)، وإعادة الإعمار التي ستوكل لشركات أجنبية. ما سيميّز الوضع هنا هو أن السلطة ستكون “ضعيفة”، بعد أن تحطمت “بنيتها الصلبة”، وسوف تميل للتفكك، بعد فقدان “البنية الصلبة” الضابطة لكلية الوضع. في المقابل ستكون أمام الشعب فسحة كبيرة لكي يعيد بناء مطالبه، وينظّم قواه، ليستعد لصراع حقيقي.

إعادة بناء الثورة

ولكي لا يضيع الوقت، لا بد من إعادة بناء الثورة، وهذا يقتضي التالي:
أولاً: الهدف الأساسي هو إسقاط النظام، وبناء دولة علمانية ديمقراطية، وتغيير النمط الاقتصادي لمصلحة نمط منتج. وبالتالي، حل مشكلات الطبقات الشعبية (البطالة والأجر المتدني وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية).

ثانياً: يجب قطع كل مراهنة على “دور خارجي”، يمكن أن يدعم الثورة، فالكل ضد الثورة، ولا يريد سوى تدمير سورية. الثورة يجب أن تنتصر بقواها الذاتية، وهي قادرة على ذلك، نتيجة قوة الشعب، لكن الشعب المنظم، وواضح الرؤية. وهنا تأتي أهمية الفعل السياسي.

ثالثاً: هذا يقتضي إعادة تأسيس العلاقة مع كل مناطق سورية، وإزالة التخوفات والتخويفات التي جعلت “الأقليات” مترددة، أو داعمة للسلطة. فلا إمكانية لإسقاط النظام من دون خلخلة القاعدة الاجتماعية التي يأخذ منها شبيحته وبنيته الصلبة، ومن دون دمجها في الثورة، خصوصاً وأنها مفقرة كمعظم السوريين، ومهمشة ومسحوقة كذلك. وهذا يفترض إدانة كل طائفي، وكشف اللثام عن كل القوى الأصولية الطائفية، ومواجهة محاولة بعض القوى فرض سلطة أصولية. والشغل على إيجاد مخارج لمشاركة القاعدة التي تريد السلطة إبقائها ملحقة بها.

رابعاً: لا بد من التأكيد على أن الأفق العسكري فاشل، فليس من دعمٍ “خارجي”، وليس من تسليحٍ كافٍ، يمكن أن يتوفّر، ولقد انحكم العمل العسكري للتنازع المناطقي، وللمنطق الدفاعي، وأيضاً، حين قام على التقدّم اتخذ شكل “التحرير”، وهو شكل كان يعطي السلطة كل الفرص لتصعيد التدمير والقتل، نتيجة تفوقها الحاسم في قوة النيران. لقد افتقد الرؤية الاستراتيجية، وتحوّل إلى صراع جيش ضد جيش، في وضع غير متكافئ، وتكرّس بديلاً للنشاط الشعبي، وعلى الضد منه، ما أفقده البيئة التي تحميه، حيث تربك قوى السلطة وتشلها.

خامساً: لم “تتحرر” المناطق نتيجة قوة العمل العسكري، بل نتيجة قوة الحراك الشعبي الذي توسّع في كل سورية، وانتقل إلى احتقان متصاعد لدى معظم قطاعات الجيش التي باتت خارج معادلة الصراع، على ضوء ذلك.

ولهذا، اضطرت السلطة إلى سحب قواتها من المناطق التي باتت تسمى محررة (على الرغم من وجود مناطق جرى تحريرها بالفعل بعد ذلك). لهذا، لا بد من إعادة “الزخم الشعبي”، على الرغم مما تعرضت له المناطق من تهجير، وعلى الرغم من تحوّل ناشطين كثيرين إلى العمل المسلح، أو إلى العمل الإغاثي أو الإعلامي. لا بد من أن تتأسس سلطات شعبية في المناطق التي باتت خارج سيطرة السلطة، ولا بد من محاولة تحريك المناطق التي لم تتحرك بعد، نتيجة جملة مصالح، لكن، أيضاً، مشكلات في سياسات الثورة، وبعض أطراف المعارضة، خصوصاً التي ربطت إسقاط النظام بالتدخل الخارجي، فأخذت موقفاً مضاداً لـ “الأقليات” (والعلويين خصوصاً). فالمطلوب إعادة بناء العلاقة بين العمل المسلح الذي بات واقعاً والنشاط الشعبي الذي تلاشى أو يكاد. فالثورة لن تتطور وتنتصر، وهي تعاني من واقعها الصعب، وتشهد التفكك والتفتت والفوضى. وتعيش انسداد الأفق أمام العمل المسلح، نتيجة “السياسة العسكرية” المتبعة، والتي تنم عن عدم فهم للعمل المسلح وللثورات معاً.

سادساً: طبعاً لا بد من بلورة التعبير السياسي عن ذلك كله، وهنا، يجب الانطلاق من أن كل أطراف المعارضة ليست جديرة بأن تمثل الثورة، بله أن تقودها، وأنها يجب أن تكون خارج المعادلة. بالتالي، لا بد من تأسيس التعبير السياسي الذي يمثل الثورة حقيقة، من المجموعات التي نشأت في خضمها، ومن كل الفاعلين السياسيين الملتصقين حقيقة بالثورة، بعيداً عن كل القوى السياسية القائمة.

هذا يفترض إعادة بناء الثورة السورية، فأولاً، يجب تحقيق توازن بين النشاط الشعبي والعمل المسلح، كيف؟ هذا ما يحتاج إلى دراسة جادة لواقع الثورة، ولمشكلاتها وأيضاً للظروف الواقعية التي نتجت عن صراع دموي نحو عامين ونصف، ونتيجة التدخلات الإمبريالية والإقليمية التي كانت تخرّب على الثورة. وإعادة بناء الثورة ضرورة في كل الأحوال، فالصراع مستمر.

المصدر: العربي الجديد

الثورة والاستعصاء الثوري في سورية (1-2)

الثورة السورية في مأزق؟ لا شك في ذلك، وهذا ما فرض نشوء استعصاءٍ، يدفع الأمور إلى صراعٍ دمويٍّ مدمرّ، من دون أفق كما يبدو. ربما هذا ما كانت تريد الدول “الخارجية” (الغربية والشرقية) الوصول إليه، لكي يظهر فشل الثورة، لكن، أيضاً، لكي يزداد الدمار، كما يريد بعضها، وأقصد الإمبريالية الأميركية.

ما أوصل إلى ذلك عنصران، الأول: نجاح سياسة السلطة بإظهار الثورة كحراك “سنيّ” (وإخواني يريد الانتقام مما حدث سنة 1980 في الصراع بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين)، من خلال سياسات قوى معارضة، ودول إقليمية ودولية، كانت تريد أن تظهر الثورة كذلك، لأن قوى المعارضة تلك كانت تراهن على تدخل “خارجي”.

بالتالي، كانت في غنىً عن الأقليات (خصوصاً أَنها تحمل أحقاداً ضدها)، ولأن الدول الإقليمية كانت تريد إفشال الثورة، وتحويلها إلى صراع طائفي (أو يبدو كذلك)، والقوى الإمبريالية التي تريد التدمير والتفكيك، وليس انتصار الثورة. وكان هدف السلطة من ذلك ضمان تماسك “الأقليات” خلفها، خصوصاً العلويين، نتيجة أنها شكلت قوتها القمعية الصلبة منهم بالتحديد. وبالتالي، باتت تستخدمهم أداة قمع لحماية سلطتها (بمعزل عن أي منظور طائفي، حيث كانت تستخدم الطائفة، ولم يكن لديها أيديولوجية طائفية). فاستطاعت السلطة أن تؤسس لنشوء شرخ مجتمعي مهم، ساعدها على التماسك طويلاً. لكن، ما ساعدها كذلك هو الدعم المباشر من إيران وأدواتها (حزب الله وكتائب أبو الفضل العباس)، والتسليح المستمر والخبرات من روسيا، وكذلك الحماية الدولية لها (على الرغم من أن الدول الإمبريالية لم تكن ترغب في التدخل، سوى ربما فرنسا وتركيا). لهذا، حينما استهلكت قواها، جرى إمدادها بالسلاح من روسيا وإيران، والمقاتلين من حزب الله، والطائفيين العراقيين التابعين لإيران، وإيران ذاتها، وقبل ذلك، بالخبرات والتدريب والإشراف.

ذلك كله سمح للسلطة في سورية بأن تبقى متماسكة، على الرغم من خسرانها عشرات آلاف الجنود ورجال الأمن من “البنية الصلبة” (الرقم الرسمي 40 ألفا)، وكذلك الشبّيحة. وعلى الرغم من عجزها عن تحريك معظم الجيش الذي بات يعيش حالة احتقان هائلة، أصبحت مهيأة للقيام بانشقاقات كبيرة، ما فرض وضعه في معسكرات مغلقة. وقد ظهر، في لحظةٍ، أن السلطة باتت تفقد السيطرة، لأنه لم تعد لديها قوى كافية للدفاع، الأمر الذي فرض دخول حزب الله وكتائب أبو الفضل والحرس الثوري بأعداد كبيرة، وبشكل علني. لتتماسك من جديد، وتبدأ سياسة استرجاع المناطق التي اضطرت للانسحاب منها. ولا شك في أن نجاح السلطة في الحفاظ على تماسك “البنية الصلبة” (أي كبار الضباط) هو الذي سمح بألا تسقط، لأنه سمح بعدم انشقاقها وخروج “كبار” من البنية الصلبة لقيادة “تحوّل ديمقراطي”، كما حدث في البلدان الأخرى. وكان هدف الفئة الحاكمة الحفاظ على هذا التماسك، ونجحت فيه، بالضبط نتيجة “الجائزة” التي قدمتها بعض أطراف المعارضة (الإخوان وإعلان دمشق) وأيضاً، بعض الدول الإقليمية (السعودية خصوصاً). ولهذا، مازالت السلطة قائمة، وهي التي دعيت إلى مؤتمر جنيف 2 وشاركت فيه.

العنصر الثاني: تحويل الثورة إلى عمل مسلح، على أمل حصول دعم “دولي” (كما كانت تروج المعارضة الخارجية)، أو نتيجة طبيعية لوحشية السلطة. وإذا كان الميل الطبيعي للتسلح، من أجل حماية التظاهرات، قد فرض تصعيد العنف السلطوي، واستغلال ذلك لممارسة أقصى الوحشية، فقد أفضت زيادة الوحشية إلى تسليح أعلى للثورة.

المهم، هنا، أن التدمير الذي مارسته السلطة ضد مدن، ومناطق، كانت فاعلة جداً في الحراك الشعبي، قد فرض كذلك تراجع النشاط الشعبي، واختفاء التظاهرات تقريباً، واهتمام الناشطين “السلميين” باللاجئين الذين باتوا من دون مأوى، أو إعالة، بعد أن كان قسم أساسي منهم قد حمل السلاح. بالتالي، بات العمل المسلح الشكل الوحيد تقريباً. لكن العمل المسلح يفرض الحاجة إلى التسلح والمال، وبهذا، كان محتاجاً إلى التواصل مع معارضة الخارج (التي تمتلك المال، خصوصاً الإخوان المسلمين)، ومع دول تقول إنها تدعم الثورة (قطر والسعودية، وفرنسا وتركيا خصوصاً).

ابتزاز خارجي

هنا، خضع العمل المسلح لابتزاز بعض القوى المعارضة، ولابتزاز دول إقليمية، الأمر الذي فرض “الأسلمة” في تسمية الكتائب، لكنه ربط وضع الكتائب بكليته بها، وبالتالي بسياساتها. ولقد كانت ليس في وارد إسقاط النظام (كما السعودية)، أو تريد إسقاطه، لكن، في إطار قيادة تابعة لها، كان المجلس الوطني خير ممثل لذلك (وهنا قطر وتركيا وفرنسا). وإذا كانت العلاقة مع “الخارج” تضر شعبياً، وكذلك الأسلمة التي كانت تنجح سياسة السلطة، فقد خضع التسليح لسياسةٍ، تقوم ليس على حسم الصراع من خلال الدعم الكافي، بل على إعطاء “حقن”، لكي يستمر الصراع. فقد أراد بعضها أن تفشل الثورة، وتتحوّل إلى صراع طائفي، يُظهر أن التمرّد على الحاكم لا يؤدي سوى إلى الدمار. ولهذا، أرادت أن تكون الثورة السورية مقبرة الثورات العربية، والشكل الأفظع للوحشية التي ترعب الشعوب لكي لا تتمرّد.

بالتالي، ظل التسلح ضعيفاً، ولا يكفي لمواجهة آلة السلطة التي تحوي كل أنواع الأسلحة، وتتفوق بقوة نيران هائلة، وبالطائرات والصواريخ بعيدة وقريبة المدى، وبالأسلحة الكيماوية. ولهذا، بدا أن الدفع نحو “التسلح السريع”، والتحريض على استخدام السلاح، فخ ليس أكثر، ووسيلة لحرف الثورة عن طابعها الشعبي و”سلميتها” (على الرغم من أن هذا التحديد ليس دقيقاً)، وتقودها إلى متاهاتٍ، تودي بها إلى الفشل. فالتسلح يحتاج إلى المال الوفير والسلاح الكثير، وبالتالي، إلى سند “خارجي”. وحين تسلحت الثورة، وتخلت عن طابعها الشعبي (كان ممكناً الحفاظ عليه، مع التسلح ضمن سياسة مدروسة)، باتت في مأزق عميق. وزاد في المشكلة أن المسلحين لم تكن لديهم خبرات الحرب التي قرروا خوضها، وأن من انشقوا من كبار الضباط حُجز في تركيا والأردن، ولم يسمح لكثيرين منهم بالانخراط في الثورة، وتقديم الخبرة الضرورية. وأن تنافس أطراف المعارضة عمل على شرذمة الكتائب المسلحة، من خلال التنافس على “شراء الذمم”، أو الولاء، أو استثارة النوازع العائلية والمناطقية والقبلية، وحتى الطائفية. وهو ما شتت الكتائب، وأبقاها ذات طابع مناطقي، ودفاعي، وفتح المجال لدخول العصابات، وأنجح اختراقات السلطة. فقد أصبحت الثورة فوضى، بكل معنى الكلمة، خصوصاً بعد أن فرض المسلحون سلطتهم، بديلاً عن سلطة الشعب، وباتوا يمارسون السلطة في مناطق سيطرتهم، بدل قتال قوات السلطة. ومن ثم بات الجذب يسير نحو مركزة السيطرة لدى كتائب أصولية، نتيجة امتلاكها المال وبعض السلاح (كان يأتي من الخارج خصيصاً لها في الغالب). وأيضاً ترسّخ وجود تنظيمات، مثل “دولة العراق والشام” وجبهة النصرة وأحرار الشام، وهي امتداد لتنظيم القاعدة، وبات بعضها يحوّل الصراع إلى صراع في صف الثورة، حيث يفرض سلطته القروسطية، المتخلفة الأصولية الشمولية، على الشعب (داعش). وحيث اندفعت قوى أصولية أخرى لتشكيل “جيش الإسلام”، من أجل إقامة “دولة الإسلام”.

تفكك وفوضى

التفكك والفوضى هما السمتان الأساسيتان، الآن، في الثورة، إضافة إلى انسداد الأفق، نتيجة غياب الهدف (إسقاط النظام، أو قيام دولة إسلامية)، وغياب الاستراتيجية التي تشير إلى كيفية إسقاط النظام. فإذا كانت السلطة قد ضعفت، وكانت في بعض الأوقات قابلةً للسقوط، فإن الوضع الآن مختلف، فلم تستغل الثورة ضعف السلطة لإسقاطها (بداية سنة 2013 إلى معركة القصير ودخول إيران وحزب الله) بالضبط نتيجة غياب الرؤية لكيفية إسقاطها، وغياب الاستراتيجية العسكرية المناسبة، لمواجهة قوة متفوقة بقوة النيران. على العكس من ذلك، جرى اتباع استراتيجية، تخدم تماسك السلطة، لأنها تظهر تفوقها، وهي الاستراتيجية التي سُميت: تحرير المدن.

حيث كان يضع المسلحون ذاتهم تحت سطوة قوة نيران العدو، ما كان يفضي إلى تهجير السكان، وتدمير المدن والمناطق، حتى وإنْ ظلت بيد الكتائب المسلحة، فلم يفد الأمر شيئاً، ما دامت السلطة متماسكة، ولم يجر تدمير بنيتها الصلبة (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والأمن والشبيحة). وما دام ليس هناك توحّد للكتائب، وليست هناك بلورة لطريقة يمكن أن تسقط السلطة فيها. بمعنى أننا فقدنا الزخم الشعبي، من دون أن تكون لدينا “استراتيجية حرب” واضحة، ومن دون أن يكون ممكناً تشكيل جيش موحد قادر على الحرب.

إذن، لم يحدث كسر في السلطة، لكي يبدأ “التحوّل الديمقراطي”، كما حدث في تونس ومصر خصوصاً، ولم تحدث الضغوط الخارجية (السعودية والأميركية والروسية والأوروبية)، لكي يرحل الرئيس، كما حدث في اليمن، ولا تحقق التدخل العسكري، كما حدث في ليبيا. ولا شك في أن المراهنات الأولى لدى الشعب بنيت على الشكل التونسي المصري، وبنت مراهنات أطراف في المعارضة (ما بات يسمى المجلس الوطني) على الشكل الليبي، وما طرحه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بداية سنة 2012 هو أن ترعى روسيا مرحلة انتقالية، كما حدث في اليمن حينها.

لكن سياق الثورة وتداخلاتها، واللعب الإقليمي والدولي، والتشبث الشديد للسلطة، ومن ثم نجاح سياستها لأن تبقى متماسكة، أفشل إمكانية انشقاقها (إلى الآن على الأقل). وواضح (أو ما يجب أن يكون واضحاً) أن التدخل العسكري “الغربي” ليس ممكناً، بل مستحيل. وظهر ذلك واضحاً في التهديد الأميركي الأخير، المتعلق بالأسلحة الكيماوية. وأصبح واضحاً كذلك أن “الحل السياسي” هو المطروح بتوافق أميركي روسي، وبدعم أميركي للدور الروسي، على أساس مبادئ جنيف التي أقرتها مجموعة العمل حول سورية في 30 يونيو/ حزيران 2012، والتي باتت تحظى برعاية دولية، بعد أن جرى تضمينها بقرار مجلس الأمن 2118، الخاص بالأسلحة الكيماوية السورية. ولا شك في أن إدارة أوباما حاسمة في أن الحل سياسي، وأن روسيا هي الراعية له بدعمها، وأن مبادئ جنيف كل الأمر.

إذن، ستكون الموازنة، الآن، بين الحل العسكري، سواء من السلطة أو من الثورة، أو الحل السياسي عبر آلية جنيف. وكما أشرنا، فإن الوضع يعاني استعصاءً، لا يؤشر إلى إمكانية لانتصار عسكري، الآن على الأقل، ووفق الوضع الراهن.

المصدر: العربي الجديد

ثورة أوكرانيا والصراع الروسي الأوروبي

انطلقت كل التحليلات التي تناولت الثورة في أوكرانيا من أنها انعكاس للصراع الروسي الأوروبي، أو أنها رد أميركي أوروبي على روسيا، أي أنها وضعت في سياق الصراع الدولي. ولا شك في أن للصراع الدولي دوراً هنا، وأن النتائج على الأرض ستخدم هذا الطرف أو ذاك، لكن ذلك كله لا يجب أن يبدأ من “بديهية” أن الذي حرّك الثورة في أوكرانيا هو “الغرب”، فهذه “بديهية” غاية في السذاجة والسطحية. بالضبط، لأنها تنطلق من أن الشعوب أدوات جاهزة لتنفيذ “القرار الإمبريالي”، وهنا ضد روسيا “التحررية التي تدافع عن الشعوب”، كما في سوريا، وتقف حاجزاً أمام تقدم الإمبريالية (الأميركية).

ربما كان “العنصر المفجّر” للثورة رفض الرئيس يانكوفيتش توقيع الشراكة مع أوروبا، وهذا ما يمكن أن يعطي إيحاءً بأن للعنصر “الغربي” دوراً في الرد من خلال استثارة الشعب، طبعاً عبر أحزابٍ لا تعد تعبيراتٍ عن مصالح طبقية محلية، بل تعتبر عميلة لـ “الإمبريالية”.

ولا شك، أيضاً، في أن صراعاً يجري بين القوى الإمبريالية، أوروبا وأميركا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، بشأن وضع أوكرانيا، والوجهة التي يجب أن تسير فيها. فالعالم عاد يشهد مثل هذه الصراعات، بعد ضعف السيطرة الأميركية، ونشوء دول لها مطامح إمبريالية، تريد الاستحواذ على الأسواق كالإمبرياليات الأخرى (روسيا والصين).
وبالتالي، من دون شك، ستكون أوكرانيا جزءاً من هذا الصراع، وهي المهمة لروسيا ولأوروبا معاً، ومهمة في تحديد وضعية كل منهما، كقوى إمبريالية، تريد تثبيت سيطرتها، وتعزيز قوتها، وخصوصاً وهي تشهد أزمات عميقة متعددة الأشكال.

لكن ذلك كله لا يساوي القول إن ما حدث “مؤامرة إمبريالية”، وإن الأمر تحريك إمبريالي للشعب ضد النفوذ الروسي الذي يمثله يانكوفيتش. فربما تستفيد أوروبا مما حدث، وتخسر روسيا، لكن هذا لا يعني البتة أن “معركةً خارجية” خيضت لإخراج النفوذ الروسي. هنا، يظهر “سوء الفهم”، أو “سوء الطوية”، حيث لا يبدو أن الطبقات المفقرة، أن الشعوب، هي محل نظر، وتدخل في الحسابات السياسية، بل يظهر أَنها “أدوات” جاهزة للتحرك لمصلحة الإمبريالية. لأنها “كتل من الرعاع” و”الجهلة” الذين لا مصالح لهم، وليسوا موجودين في الواقع ليعانوا مشكلاته. أو أن “القيم السامية”، و”القضايا الكبرى”، هي التي تحظى بالأولوية، أَو تصبح المحدِّد لكل سياسة.

لكن، بعيداً عن الطبقات، بالضبط، لأن “سموها” و”كبرها” يحجب رؤية الطبقات، ويمحي الشعب. الشعب الذي لا يستحقها، أو، على الأقل، الذي يجهلها، لهذا يعمل بالضد منها، أَي في خدمة “الإمبريالية ومخططاتها”. على الرغم من أن الشعب هو الأسمى، وأن “الإنسان أثمن رأسمال”، وأن الصراع، بالأساس، صراع طبقات، قبل أن يكون صراعاً بين دول، هي دول تمثّل مصالح طبقية تريد الإفادة من الصراعات العالمية لخدمتها. لكن هذا الصراع لا يجبّ الصراع الطبقي، بل يتأسس عليه. فالطبقة التي تضطهد داخلياً تسعى إلى النهب والسيطرة خارجياً، والطبقات التي تقاتل مستغليها تعمل على قتال كل المستغِلين.

هذا المنظور أعقد من أن يطاله فهم مبسط، يبني على “صراعات الدول”، ولا يرى الصراع الطبقي. لينطلق من منظور “استراتيجي”، أو “جيو سياسي”، بالضرورة لا يلمس الصراع الطبقي، لأنه منظور مثالي في واقعه.

هذا ما ظهر تجاه الثورات العربية، ويتكرر في أوكرانيا، وسيتكرر في ثوراتٍ أخرى، حيث ستُرى الإمبريالية جزءاً من الصراعات الدولية من جهة، وسيتحدد الموقف منها انطلاقاً من “المقياس التقليدي” الموروث عن الحرب الباردة الذي يقسم العالم إلى “فسطاطين” (ولوضع هذا المصطلح معنى، أي ليشير إلى العقلية ذاتها). والإمبريالية هي أميركا وحلفاؤها، والتحرر على رأسه روسيا والصين (ترجمة للفهم المبتسر للصراع العالمي في أثناء الحرب الباردة، حيث كان صراعاً بين الرأسمالية والاشتراكية، يتحدد في الصراع بين القوى الإمبريالية، وأميركا على رأسها، والاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية).

الأخطر، هنا، يتمثل في تحليل كل الصراعات المحلية انعكاساً للصراع العالمي، وليس رؤية الصراع الطبقي في كل بلد، ومن ثم رؤية الصراع العالمي ككل. الأولى تحجب رؤية الصراع الطبقي، لأنها تعتبره تبعاً للصراع العالمي، أما الثانية، فعلى العكس، تؤسس لفهم عميق لطبيعة الصراع العالمي، انطلاقاً من كل الصراعات المحلية، والتي هي صراعات طبقية.

إذن، في أوكرانيا، نلمس المنظور ذاته. ليصبح من هو ضد أميركا ومع روسيا ضد الثورة، ومن هو مع أميركا وضد روسيا حتماً مع الثورة. لكن، يجب أن نكون مع الثورة، بالضبط لأنها ثورة. وهذا يفرض فهم لماذا هي ثورة؟ أي لماذا ثار الشعب ضد سلطة يانكوفيتش؟ هل لأنه “حليف روسيا” مثلاً؟

لا شك في أن التدخل الروسي لفرض سلطة تابعة، ولفرض نمط اقتصادي، والضغط من خلال تزويد أوكرانيا بالغاز من أجل إخضاعها، كان يؤسس لرفض شعبي لروسيا.

كن، كان ذلك جزءاً من وضع أعقد، حيث انتخب الأوكرانيون، في مرة سابقة، يانكوفيتش المعروف بتبعيته لروسيا، نتيجة فشل سياسات الأحزاب التي تميل إلى التحالف مع أوروبا. فقد وصل يانكوفيتش إلى السلطة بأصوات الأوكرانيين. وبالتالي، جذر الأزمة داخلي، وهذا ما يجب أن يلمس بوضوح لفهم طبيعة الصراع الذي يجري، قبل لمس طبيعة الصراعات الدولية على أوكرانيا.

وإذا كان الحديث يجري عن الفساد، تعلق الأمر بالرئيس الأسبق ورئيسة الوزراء السابقة أو بالرئيس الحالي، فإن الوضع الاقتصادي صعب، حيث لا حلول لكل المشكلات التي نتجت من تجاوز الاشتراكية والعودة إلى الرأسمالية، والتي أسست لنشوء مافيات واقتصاد مافيا، وأفضت إلى انهيارٍ كبير في الوضع المعيشي لقطاعات شعبية كبيرة.

جزء من الرأسمالية يحاول الترابط مع أوروبا، لتجاوز هذه المشكلات، وجزء آخر يريد الربط مع موسكو (وهذا ذو طابع مافيوي بارز)، وهو ما ينعكس في سياسات الأحزاب المتصارعة. وعلى الرغم من أن وجود أقلية روسية في الشرق، وارتباط جزء من الشرق الأوكراني بروسيا، يجعل الميل نحو روسيا هو الغالب، فإن قطاعات مجتمعية تعتقد أن حل مشكلات أوكرانيا الاقتصادية يرتبط باللحاق بأوروبا، وهذا ما يجعل للأحزاب الليبرالية ذات الميول الغربية قاعدةً أكبر. لكن هذه القاعدة سرعان ما تنهار، حال حكم هؤلاء، وفشلهم في حل المشكلات، من دون أن يعني ذلك التجاوز التام لوهم اللحاق بأوروبا، على الرغم من أنه، في هذه المرة، يبدو قد تقلّص.

من هذا المنظور، يجب أن ننظر إلى ما يجري في أوكرانيا كنهوض شعبي من أجل العدالة، لكن، في غياب البدائل، وتوزع الأوهام حول حلول المشكلات. فمن الواضح أنها باتت دولة ديمقراطية، لكن شعبها لا يتردد في إسقاط الحكومة التي لا تحقق مطالبه عبر الثورة. وهي، في هذا السياق، تأتي في ظل المسار العالمي الجديد الذي يشير إلى أننا بدأنا عصر الثورات من جديد.

المصدر: العربي الجديد

الأسد وحلفاؤه

طفت على السطح، في الأيام الأخيرة، مسألة العلاقة بين النظام السوري وحلفائه في إيران وحزب الله، فقد شهدنا طفو حساسياتٍ، ربما تربك العلاقة في الفترة المقبلة. على الأرض، جرى حديثٌ عن توترات، وبعض الصدام العسكري، ورفض عناصر في حزب الله الخضوع لقيادة جيش النظام. وفي الإعلام، جرى وقف تغطية أهم محطتين فضائيتين دعمتا النظام، قناتي الميادين والمنار، وقتل مراسل “المنار” وطاقم التغطية في معلولا. وعلى صعيد التصريحات، لم يخفِ لا حزب الله، ولا قادة إيرانيون، أنهم من أبقى بشار الأسد في السلطة إلى الآن. ما استرعى رداً على لسان بثينة شعبان.

ما ظهر في التصريحات الإيرانية، ومن قبل حسن نصر الله، يعبّر حقيقةً عن الوضع، حيث كان واضحاً أن قوة النظام تهاوت في نهاية سنة 2012. فقد ظهر أن معظم الجيش السوري بات محيداً، نتيجة احتقانٍ أخذ يعيشه، كون عناصره من الشعب الذي يقصف ويقتل، وأَن هذه ليست مهمته. وتوضّح أكثر أَن النظام يعتمد، أساساً، على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وبعض من الوحدات الخاصة، وكمٍّ من الشبيحة تدربت على يد عسكريين من إيران وحزب الله (صرّح قائد في الحرس الثوري أنهم دربوا بين 20 إلى 30 ألفاً قبيل الثورة). وهذه استهلكت، في سنة ونصف السنة من الثورة، (ويُظهر ذلك العدد الكبير من القتلى في الساحل السوري)، وباتت مهزوزة.

ظل الوضع كذلك إلى شهر مايو/ أيار سنة 2013، حيث تدخلت قوات حزب الله، وبدأت دورها المباشر في القصير (على الرغم من وجود أعداد من الحزب وخبراء إيرانيين منذ بدء الثورة). ولم تستطع الكتائب المسلحة حسمه، نتيجة تدخلاتٍ إقليمية منعت سقوط النظام. بعد ذلك، بات واضحاً أن من يقاتلون فعلياً هم قوات حزب الله، والقوى الطائفية العراقية التي أرسلتها إيران (عصائب أهل الحق وحزب الله العراق وفيلق بدر ولواء أبو الفضل العباس وغيرها)، وقوى من الحرس الثوري (بمن في ذلك طيارون)، مع مجاميع أخرى من “القوميين” وروسيا وغيرها. لكن، ظل حزب الله الأساس في هذا الصراع. وبات واضحاً أن “كل المنجزات” تتحقق من خلاله (القصير ويبرود). وهذا أصلاً ما ردده بشار الأسد، قبل مدة، أمام وفد من “القوميين”، فقد قال إنه لولا السيد حسن نصر الله لسقط النظام.

الآن، يقول حسن نصر الله، وقادة عسكريون وساسة إيرانيون ذلك. وهو ما يعريّ النظام، ويظهره عاجزاً عن الحكم. وبالتالي، ليس أمامه سوى أن يخضع لإرادة النظام الإيراني. لكن، هذا يظهر أن الثورة السورية تقاتل ليس النظام فقط، بل تقاتل حزب الله بكل القوى التي دربها لـ “مواجهة إسرائيل”، ومجاميع القوى الطائفية العراقية التي دربها الحرس الثوري الإيراني، وقوات من الحرس الثوري نفسه. وعلى الرغم من ذلك، تحققت انتصاراتٌ عسكرية، في ظل حصار كبير على تسليحها ودعمها مالياً، وفي ظل اختراقها بقوى أصولية “جهادية”، تعمل لخدمة النظام نفسه، أو لخدمة دول إقليمية، لا تريد للثورة أن تنتصر، بل تريدها أن تتحوّل إلى مجزرة، وأن تضعف سوريا البلد، وينتهي الأمر بسلطةٍ ضعيفةٍ، تُفرض في اتفاق “دولي”، حلاً لـ “حرب أهلية”، أو “طائفية”. وبالتالي، يشطب بأن سوريا شهدت ثورة كبيرة أصبحت محط جهد عالمي لتدميرها.
لكن، بالضرورة ستنتصر الثورة، على الرغم من ذلك كله.

المصدر: العربي الجديد

سلامة كيلة: «حماس» تفرض على غزة سلطة القرون الوسطى

انتقد المفكر الفلسطيني سلامة كيلة بشدة حركة المقاومة الاسلامية «

حماس»

مؤكدا انها تفرض على غزة سلطة القرون الوسطى.

واعرب كيلة في حديث خاص لـ«

النهار»

أن «

حماس»

جزء من جماعة الإخوان المسلمين وهي لا تؤمن بالاوطان بل بوهم اقامة دولة اسلامية، كما انتقد اداء السلطة الفلسطينية، مشيرا الى ان الولايات المتحدة تسعى الى تسوية ما للقضية الفلسطينية قبل انسحابها من المنطقة.

وتناول المفكر الفلسطيني بالتفصيل الوضع في سورية وقال ان عسكرة الانتفاضة السورية بقرار خارجي حولت الثورة الى مذبحة، مشددا على ان تنظيم «

داعش»

هو صناعة ايرانية وان «

جبهة النصرة»

الارهابية لا تشكل خطرا على النظام… وفي ما يلي نص الحوار: هل غيرت ثورات الربيع العربي المنطقة الى الأفضل أم الأسوأ؟

المشكلة لا تتعلق بالأفضل أو بالسلب، وأنما الأمر يتعلق بفهم ما يجري في هذه البلدان، فمن الأكيد أننا دخلنا بعد فترة كبيرة من الاستقرار في مرحلة فوضى، ولكن الأمر طبيعي في إطار مجتمعات حكمت طويلا بأنظمة مستبدة نهبت كل ثروات البلاد، وباتت الشعوب غير قادرة على العيش، فمن الطبيعي أن تحدث ثورات

، في نفس الوقت الذي قام بهذه الثورات هي إرادة الشعوب وليس أي قوى سياسية أخرى، وأسباب قيام هذه الثورات تتعلق بالحالة الاقتصادية لهذه الشعوب وشاهد حالة الشعوب الاقتصادية في بلدان الربيع بالأرقام، حيث أن اكثر من30% بطالة وأكثر من 30% أيضا تحت خط الفقر، انهيار التعليم،

في ظل تركز الثروة والسلطة في يد أقلية، كل هذا ساعد على الانفجار، لان الشعوب حينما تقف على حافة الموت تبحث عن النجاة عن طريق الثورات أو الانتفاضات، فلا تستطيع أن تبقي راكدة، وحينما تظل راكدة تكون قادرة على العيش في ظل ظروف صعبة ولكن عندما تصل إلى لحظة لا تكون قادرة على العيش تقوم الهبات وبهذا تنتقل من السكون إلى الحركية،

والمشكلة القائمة الآن أن الشعوب عندما تركت ميادين الثورة لم تجد القوى السياسية التي تقف معها وتنظم حركاتها لصيغة برنامجها وتعينها على وجود بديل يقود البلاد، وهنا يجب أن نلمس الحركة العربية السياسية عموما كيف انهارت في العقود السابقة؟

وكيف خسرت ودلست مع الأنظمة السابقة من أجل مكاسب ضيقة؟ فقد كانت كل تحركاتها بعيدا عن الجماهير من أجل الحصول على قدم تضعها في السلطة الحاكمة، وبالتالي الحيز السياسي لهذه القوى سقط، في نفس الوقت لم تتعاطف مع الجماهير التي ثارت على الأوضاع، فهناك دولة تضعف وشعب يتحرك وليس هناك قوى سياسية تستطيع أن تطور ثورات الشعوب نحو الضغط على السلطات الحاكمة من أجل تلبية مطالب الجماهير والدفع بها إلى فرض نظام ديموقراطي،

كل ذلك أدى إلى وصول الجماعات الوصولية إلى السلطة ولأنهم لا يمتلكون مشروعا فكان من الطبيعي أن ينزاحوا من السلطة ولكنهم أزيحوا أيضا دون وجود بديل، والسؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن أن يشكل بديلا حقيقيا في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها المواطنون في البلدان العربية؟ نحن نحتاج إلى سنوات أخرى بعد ما حدث من ثورات لتكوين كوادر شبابية خصوصا بعد أن تبلور في ذهنهم العمل السياسي.

تحول

وماذا عن تحول الثورات السلمية في عدد من البلاد العربية إلى صراع مسلح؟

بالتأكيد أن تحول الثورات إلى صراع مسلح في هذه المجتمعات سيصيب البلاد بالدمار، لكن يجب أن نسأل لماذا تحولت هذه الثورات إلى صراع مسلح؟ الأمر هنا لا يتعلق بالثوار لأنني كنت في سورية على سبيل المثال… والشباب الذين نظموا المسيرات والتظاهرات في بدايات الأمر كانوا حريصين على سلمية الثورة رغم أن النظام استخدم السلاح ضدهم، لكن عندما يزيد عنف السلطة والإفراط في استخدام السلاح لا تستطيع لجم جماح الشعوب لان العنف سيولد عنفا، وهذا ما حدث في سورية، فنظام بشار الأسد وبعض القوى العسكرية التي استخدمها بعشوائية ولم تسمح للشباب الذي كان في تظاهرات سلمية بالاستمرار في السلمية، لذلك كان لابد من الدفاع عن أنفسهم لكن أيضا غياب الأحزاب السياسية التي تستطيع تنظيم العمل المسلح ساعد بشكل كبير على استمرار الوضع على ما هو عليه الآن، لأنه يحتاج إلى تنظيم أكثر وإلى رؤية عسكرية وخطة، وهذا لم يكن موجودا في سورية فحدث كثير من الفوضى وإشكالات كثيرة في الثورة وبات التحول واضحا من الثورة إلى الفوضى ولكن هذا أمر طبيعي مادامت ليست هناك أحزاب.

أزمة سورية

من المسؤول عن تفاقم الصراع في سورية؟

لا ننكر أن القوى الخارجية التي دخلت لدعم الثورة كانت تعمل على إحباط الثورة ونتج عن ذلك تحويل الثورة إلى صراع مسلح ومن ثورة سلمية ضد النظام إلى أمر واقع ومستمر من الصراع، لان الهدف هنا كان واضحا أن هذه الأيادي الخارجية لا تريد للثورة أن تنتصر وأن يبقى المد الثوري الذي بدأ من تونس ومر بمصر ثم اليمن وليبيا وسورية مستمرا دون تحقيق أي انتصار للثورة، ولتلك الشعوب التي انتفضت من أجل القضاء على الأنظمة المستبدة، لذلك يجب أن تتحول الثورة في سورية إلى مذبحة ويستمر الصراع المسلح وهنا وصلت الأيادي الخارجية مع النظام السوري إلى مرحلة عدم حسم هذا الصراع فالقضية باتت مربوطة بحل دولي لكن هذا لا يعني أن نظام بشار قوي ولكن النظام أصبح ضعيفا جدا فهو يعتمد على القوى الإقليمية إيران والقوى الطائفية العراقية أكثر ما يعتمد على ذاته.

ضعنا في خريطة للتنظيمات المسلحة داخل سورية؟

أولا هناك تنظيمات نشأت من المواطنين السوريين والتي يطلق عليها كتائب مسلحة بعضها إسلامي وغير إسلامي، وهي مكونة من الشباب الذي كان ينظم التظاهرات مع بدايات الثورة تحول بعدها إلي عمل مسلح، ومشكلة هذه المجموعات أنها مناطقية في الغالب لا تمتلك قدرة ولا رؤية عسكرية ولا تدريبا وبالتالي هي تلعب دور الدفاع عن المناطق أكثر ما تكون ورقة ضغط على النظام ومعظم المسلحين من هذا النمط ولكن دخلت مجموعات أخرى وأدخلت من قبل النظام السوري وعلى رأسها جبهة النصرة والذي شكلت بعد ما أطلق النظام عددا كبيرا من المتشددين الموالين لها وإلى تنظيم القاعدة الموجود في العراق، عدد هؤلاء يقدر بـ 500 كادر،

هؤلاء كان واضحا ممن كان معهم في السجون أنهم يتعاملون مع النظام السوري، وهو يعلم جيدا أنه بعد خروجه سيحمل السلاح ضده ولكنه أخرجه وقد سأل زهران علوش قائد «

جيش الإسلام»

من قبل البعض أن النظام عندما أخرجك من السجن ألم يكن يعلم أنك ستحمل السلاح ضده؟ قال «

نعم كان يعلم ورغم ذلك أفرج عني»

وهنا يجب الإشارة إلى أن النظام السوري أكثر من استفاد من تنظيم القاعدة، وأكثر من اخترق تنظيم القاعدة وهنا أكشف لك عن شيء مهم هو أن أميركا بدأت من عام 2004 ترسل إلى الأمن السوري الجهاديين الذين تم القبض عليهم لكي يتم استجوابهم من قبل الأمن وهي من ضمن 4 دول كانت يتم فيها هذا الأمر ومن ثم فان النظام السوري يعلم أن هؤلاء سيقومون بدور في تخريب الثورة فهم يريدون أقامة نظام ديني الآن وهذا الأمر يصعب تطبيقه فبالتالي تم التصادم مع التنظيمات الأخرى والمواطنين وهذا هو التكتيك الذي اتبعه النظام بالإضافة إلى أنه تم دعمه من دول خارجية الذي تسبب في شعور النظام بأن جبهة النصرة لم تبقى مناصرة له فأدخل نظام داعش من العراق والآن تكشف الأمر بعد إعلان وزير العدل العراقي أن من أخرج قائد تنظيم «

داعش»

من السجن هو المالكي رئيس وزراء العراق وهنا الربط واضح بين المخابرات الإيرانية في تشكيل هذا التنظيم وهناك تقرير يناقش أمام البرلمان العراقي يتساءل عن كيفية دعم إيران تنظيم «

داعش»

وبالتالي هناك تداخل أمني في هذه التنظيمات والقوى الموجودة الآن في سورية تمثل القوى الشعبية وهناك جبهة النصرة التي تلعب دورا ولا تشكل خطرا على النظام وبالتالي أصدرت الكتائب المسلحة في درعا بيانا أكدت فيه على جبهة النصرة أن تلتزم بالثورة أو سوف تتم تصفيتها هناك أيضا الجبهة الإسلامية وجيش الإسلام.

الإخوان

وهل جماعة الإخوان لها وجود في هذا الصراع؟

الإخوان حاولت تشكيل مجموعات أطلقوا عليها «

لواء التوحيد»

ثم «

كتائب الفاروق»

وهذه الكتائب كان دورها هامشيا لأسباب أهمها هو القرار الذي صدر عام 1980 بأن كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان يحكم عليه بالإعدام فلم يبق من التنظيم أحد لكن الشباب يعي جيدا أن الإخوان في عام 1980 كان هم أنفسهم السبب في صدور هذا القرار لأنهم حولوا الصراع مع نظام حافظ الأسد آنذاك إلى طائفي لهذا وجودهم ضعيف.

الصراع

هل هناك حل للصراع العربي الإسرائيلي أم أن القضية أصبحت أمرا واقعا؟

من الواضح من البداية أنه ليست هناك امكانية لعملية سلام، لكن الأمر يتعلق بكيان إسرائيل والتي أكدت أنه لا وجود لسلام بدون الاعتراف بها كدولة والعرب اعترفوا ولم يتم السلام، إسرائيل قامت كقاعدة عسكرية في الأصل ركب عليها مجتمع وبالتالي لا وجود لهذا المجتمع لا بوجود هذا الصراع القائم وإذا حسم سيتفتت هذا المجتمع وهذا أمر أساسي لابد أن يكون واضحا، الولايات المتحدة الأميركية دعمت الدولة الصهيونية للسيطرة على المنطقة وللدفع في اتجاه أن تكون دولة مهيمنة على المنطقة لكن مع انفجار الازمة المالية عام 2008 الوضع تغير كثيرا، فأميركا الآن باتت تعاني من أزمة عميقة وعليها إعادة النظر في العديد من الموضوعات وبالتالي أصبحت ليست القوة التي تسيطر على العالم كقطب أحادي والآن تقوم بلملمة وضعها الحالي ومواجهة الأخطار التي تحبط بها أكثر من الاهتمام بإسرائيل وهي الآن تحدد الخطر الصين وفي استراتيجيتها التي تم وضعها عام 2012 أن الأولوية لآسيا والمحيط الهادي وليس الشرق الأوسط والذي أصبح في الدرجة الرابعة من الاهتمام، في هذا الإطار فوضع الدولة الصهيونية مرتبك لان انسحاب الولايات المتحدة يعني انسحاب الرديف الحقيقي للوجود الصهيوني، في نفس الوقت الوضع العربي بات مضطربا وهذا يعني الخطر على إسرائيل بمعنى أن الدولة الصهيونية تعي جيدا أن الثورات العربية ستأتي بافاق تغيير يؤثر بالسلب عليها ومن الممكن أن تفرض عليها التفكير في وضعها القائم سواء بالتشريح أو بالمواجهة وبالتالي فانها تجد نفسها في مأزق، أيضا هذا ما دفع الأميركان الى أن يحرصوا على وجود حل قبل ضعف تأثيرهم في المنطقة وهذا ما يقوم به وزير الخارجية جون كيري الآن لكن إسرائيل ترى الحل في التمسك بالأرض وهذا هو الإشكال الذي يؤدي إلى عدم القدرة على الحل.

الفصائل

الوضع الراهن بين الفصائل الفلسطينية محزن للغاية كيف ترى المشهد؟

هو وضع مؤسف فواقعيا أصبحت هناك سلطتان هشتان في الضفة توجد السلطة الفلسطينية، وفي غزة حماس تسيطر بطريقتها وتفرض منطقا يجعل الاحتقان يتزايد في إطار حصار للشعب الفلسطيني مع حصار استراتيجي إسرائيلي مع التحولات التي جرت في مصر واثارها على الشعب، ومن هذا المنظور نرى أن حماس غير مهتمة بالشعب الفلسطيني ولكنها مهتمة بسلطتها وتعتقد أنها سلطة يجب أن تحافظ عليها، حماس أيضا تمنع العمل المسلح والتي كانت تزايد على فتح في هذا الشأن، أيضا السلطة الفلسطينية في الضفة أسست نظاما على الطريقة الأمنية لحماية الدولة الصهيونية فهي تمنع أي حراك ضد المحتل، ولا تستطيع أن تلعب دورا أكثر مما تقوم به الآن، كما أن منظمة فتح ضعفت وتفككت بشكل كبير، التنظيمات الأخرى ضعيفة ومهمشة ولا تستطيع أن تلعب دورا، وبالتالي نحن في وضع لا أريد أن أقول مأساويا ولكن أقول انه صعب للغاية.. وأعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد دورا للشباب الفلسطيني ليفتح أفقا جديدة في الصراع مع الدولة الصهيونية لكن في النهاية الوضع الفلسطيني بات مرتبطا بالوضع العربي والتحولات العربية تسمح بإعادة طرح شكل جديد للتعامل مع الصراع الصهيوني.

اتفاقية حماس- الإخوان مع إسرائيل والتي حولت المقاومة إلىي أعمال عدائية كيف ترى ذلك؟

هذا يكشف واقع حماس وقبل تشكيل حماس كان الإخوان يتعاونون مع إسرائيل والإخوان النشاط الوحيد الذي كانوا يقومون به هو مناهضة اليسار الفلسطيني في إطار ما كان يطلق عليه تحالف الإيمان ضد الإلحاد وحينما تشكلت حماس كان من الواضح أن الصهيونية دفعت في هذا الأمر لإيجاد بديل عن منظمة فتح وكان المطلوب من حماس السيطرة على غزة وهذا كتب عام 1990 في الإعلام وبالتالي أقامت دولة فلسطينية بعيدة عن الجانب الفلسطيني وحماس رفعت العمليات المسلحة عن طريق استغلال الحالي وبالتالي بدأت في مساومة إسرائيل للحصول على مكاسب وأن تصبح بديلا للسلطة الفلسطينية ولو أتيح لها لكانت ستقبل بأسوأ من اتفاقية الرئيس السابق محمد مرسي مع إسرائيل، وفي النهاية هي لا تعتبر الصراع مع الصهاينة صراعا على وطن لأنها لا تؤمن بفكرة الأوطان، فحماس لا تعترف إلا بدولة الإسلام من وجهة نظرها-، فهي من الممكن أن تتنازل عن الأرض خدمة لمشروعها الوهمي.

الحديث على أن كل ما يحدث في سيناء تقوم به حماس وبعض الفصائل الفلسطينية المرتبطة بها كيف ترى ذلك؟

هذا تضخيم للأمر بمعنى لابد من دراسة موضوعية للوضع في سيناء ونبتعد عما يقال في وسائل الإعلام، لكن أكيد هناك مجموعات أصولية مسلحة في سيناء وكان هناك تنسيق بين حماس وهذه المجموعات، لكن هل هذا يضر ويؤثر على مصر أعتقد أن هذا الأمر به تضخيم وبالتالي أنه يجب أن يتم تدقيق لما يجري في سيناء.

هناك قرار من الجامعة العربية بعدم منح الفلسطينيين الجنسية من أجل العودة إلى فلسطين لكن في الآونة الأخيرة تلاحظ عدم تنفيذ هذا القرار.. ما رأيك؟

لن يضر القضية منح الجنسية فعلى سبيل المثال معي الجنسية الأردنية، هل تغير موقفي من الصراع مع إسرائيل، لا، فنحن الفلسطينيين نتمسك بالجنسية الفلسطينية أكثر وهذا الأمر كان هناك فيه فهم مغلوط من البداية، لكنه ساعد على أن يكون هناك تهجير تجاه أوروبا وأميركا وبالتالي سبب ضررا للقضية أكثر مما كان لو تم منح الجنسيات العربية.

هناك هجوم حاد على تنظيم زيارات للقدس ما رأيك في ذلك؟

أعتقد أن هذا الموضوع حساس للغاية، ويحتاج إلى تدقيق وأنا في رأيي أن أخذ فيزا من العدو الإسرائيلي أمر خطأ بمعنى أن أزور القدس عبر سفارة العدو الصهيوني فهذا ليس صحيحا، الآن هناك وفود عربية تذهب إلي رام الله وتحصل على تأشيرة دخول للقدس عن طريق السلطة الفلسطينية وأعتقد ان هذا أمر صحيح وأمر طبيعي فالمسألة باتت أكبر من التطبيع، من الممكن في لحظة معينة يتم فرض ذلك وهي المرحلة الأولى من تفاق السلام فكان يجب وضع حد لهذا الموضوع الآن باتت قضية سنوية، فالأمر بات متعلقا بكيفية تطوير الصراع العربي الإسرائيلي والذي غالبا ما يتم تجاهله والتركيز على الأمور التي تتعلق باللوجستية.

وماذا عن الأنفاق الحدودية مع مصر وحالة الجدل التي فرضتها؟

مشكلة الأنفاق تتعلق بالتعامل مع الأراضي الفلسطينية هل هي أرض محتلة أم أرض مستقلة بذاتها؟ لكن ما يجري الآن في التعامل مع المشكلة ليست على اعتبارها أرضا محتلة أو سلطة ذاتية وبالتالي فإسرائيل فرضت حصارا ومصر تكمل الحصار إذن ما هو الحل؟ لا يوجد حل عند الشعب الفلسطيني إلا الأنفاق، وهنا لا أحد يستطيع ضبط ما يدخل أو يخرج منها، مقابل ذلك لابد من وضع حل في المعابر الحدودية يسمح للفلسطينيين بالعبور ومن ثم عبور البضائع وبشكل علني.

لكن ما تقوم به حماس عبر الأنفاق جاء برد

فعل سلبي تجاه القضية الفلسطينية من جانب المصريين؟

يجب أن يعلم الجميع أن هناك فرقا بين حماس والشعب الفلسطيني لكن موقف حماس هو موقف إخواني لأنها جزء منه وأي قرار يتخذه المرشد العام للجماعة للإخوان، حماس تنفذه، اذن الأمر متعلق بمنظمة حماس وليس بالشعب وهم لا تشغلهم قضية تحرير فلسطين كما تشغل الشعب، وهذا الأمر لابد أن يوضح وبالتالي من يحاسب فليحاسب حماس على موقفها من الإخوان وليس الشعب الفلسطيني، فحماس الآن تقمع الشعب في غزة وتفرض عليه سلطة القرون الوسطى والشعب يشعر باحتقان وربما ينفجر في وجه قيادات حماس، لكن عندما نحاصر الشعب الفلسطيني نمنع هذا الانفجار لان وضع غزة بهذا الشكل سيجعل الشباب غير قادر على مواجهة هذا التنظيم وعند تحركه سوف يتهم بأنه محرك بأياد خارجية.

المصدر: جريدة النهار