Monthly Archives: نوفمبر 2010

أميركا والعراق: لا هروب ولا تحرّر

ربما ينشأ الوهم بأنّ القوات الأميركية قد انسحبت من العراق، أو هي في الطريق إلى تحقيق ذلك، من الأمل في القول إنّنا أذللنا القوات الأميركية، بغض النظر عن النتيجة التي آل إليها الوضع. أقول ربما لأنّ «الإخراج المسرحي» لـ«الهروب من العراق» كان يعطي شعوراً بأنّ هناك خروجاً لقوات زحفت في وضح النهار، وها هي تنسحب في الخفاء (كما يشير علاء اللامي، «الأخبار» في 14/9/2010).
لكن لا يجوز أن نزرع الوهم بأنّ القوات الأميركية قد انسحبت من العراق. لا لأنّ هذه ليست حقيقة فقط، بل لأنّ ذلك يفضي إلى القول بعدم الحاجة إلى المقاومة، رغم أنّ الظرف يفرض المقاومة أكثر من أي وقت مضى. وبالتالي يفرض تطوير استراتيجية جديدة على ضوء الوضع الجديد.
الالتباس الذي ربما يحصل هو نتيجة توهّم بأنّ الشكل الذي اتخذته القوات الأميركية في العراق خلال السنوات السبع الماضية هو شكل الاحتلال، ولهذا فإنّ التخلي عن هذا الشكل يعني نهاية الاحتلال. بينما كان هذا الشكل في كلّ حروب التحرير هو احتلال نتيجة وجود المقاومة، التي تفرض ذلك. هذا هو وضع فيتنام مثلاً، ووضع كلّ الدول التي خاضت مقاومة عنيدة فرضت التدخل الأميركي إلى حين هزيمته.
لكن الوضع في العراق مختلف. فقد كان الميل الأميركي لإنهاء الدولة العراقية بكلّ مؤسساتها يفرض وجود البديل الأميركي. ولهذا كان هناك وجود للقوات الأميركية بهذا العدد الكثيف. فقد كان تدمير الدولة، بما هي جيش وقوات أمن وشرطة، يفرض أن تحل قوات أميركية محلها، وأن تتسلّم مسؤولياتها، وهذا ما قامت به طيلة السنوات السبع. وهي خلال ذلك كانت تدرّب «جيشاً عراقياً»، وشرطة وأمناً، من أجل أن تحل مكانها. وكانت معنيّة بأن تبني هي هذه القوات لأنّها تريد أن تشكّل قوات «عميلة» تنفذ إرادتها هي. ولم ترد الاعتماد على الجيش السابق وعلى أجهزة الاستخبارات والشرطة لأنّها لا تضمن ولاءها، ولا تستطيع منع الاختراقات الممكنة لها، لهذا كانت معنية، وبإصرار، بحل الجيش وتدمير الدولة.
ولا شك في أنّ هذا الوضع كان يجعل المقاومة ذات أهمية عالية نتيجة غياب الدولة والتخبط الأميركي في بلد لا يعرف كيف يتحوّل فيه إلى قوات شرطة وأمن. وكان هناك استعدادات سابقة لنمط معيّن من المقاومة اعتمدت على ضباط الجيش والاستخبارات السابقة، الذين تدرب بعضهم على أشكال من المقاومة. أربك هذا الوضع الاستراتيجية الأميركية، وأوقع خسائر مهمة في صفوف قواتها. وإذا كان هناك حديث عن المأزق الأميركي في العراق فهو هذا. إذ إنّ استراتيجية الولايات المتحدة كانت تهدف إلى نجاح الاحتلال وتدمير الدولة العراقية، ومن ثم قمع المقاومة، وبناء «جيش وطني» لا يمتلك سلاحاً مهماً سوى ما يحتاج إليه لقمع المجتمع. ومن ثم تسحب جزءاً كبيراً من قواتها وهي تخوض حرباً في أفغانستان، وتفكّر في خوض حروب أخرى في مناطق مختلفة من العالم (اليمن، أفريقيا، وربما أميركا اللاتينية). لقد كانت بحاجة ماسة إلى تخفيف وجود قواتها في العراق من أجل كلّ ذلك، ولهذا شعرت بأزمة نتيجة قوة المقاومة في السنوات الثلاث الأولى من الاحتلال، وتحدثت عن مأزق، وليس لأنّ الوضع يفرض عليها «الهروب».
ولقد حُلّ هذا المأزق من خلال زيادة القوات من جهة، وعبر «مجالس الصحوة» من جهة أخرى، وهي الأكثر خطراً. فهي قسمت ظهر المقاومة لأنّها جزء مهم منها، وحوّلتها لمصلحة الحرب الأميركية ضد «تنظيم القاعدة» الذي هو «افتعال» أميركي بامتياز. وهو التنظيم الذي مارس أقسى العنف ضد العراقيين، لا من خلال التفجيرات وكلّ الأعمال الإرهابية الأخرى، بل من خلال فرض سلطة أصولية دموية على السكان جعلت الكثير منهم يتطلع إلى القوات الأميركية لإنقاذه منه. وهي التي أوقعت قطاعاً من المقاومة في الفخ الأميركي، وجعلته ينهي مقاومته للاحتلال ويوجهها إلى هذه القوة الغاشمة. في المستوى الآخر، جعلت رئيس الوزراء، نوري المالكي، يقوم بدور مواجهة التنظيم الصدري. فتلقى التنظيم ضربات قوية أضعفت من قدراته، كما جرى اختراقه بقوى دموية مارست ما مارسه تنظيم القاعدة من قتل وفرز طائفي. وبالتالي أصبح الوضع بعد هذه الخطوة الأخيرة أفضل لـ«الانسحاب» من أجل الحرب في أفغانستان واليمن وأميركا اللاتينية وأفريقيا.
ولهذا جرى الانتقال إلى «الخطوة التالية»، التي تتمثل في تركيز وجود عسكري محدَّد (عدده كما بات معروفاً هو خمسون ألف جندي سيبقون تحت مسمّيات مختلفة في قواعد جهّزت تجهيزاً متطوراً)، إلى جانب دعم من «الشركات الأمنية» المفروضة على العراق بغضّ النظر عن رأي الكتل السياسية (وعددها كما يقال يتراوح بين 120 ألفاً إلى 150 ألف مرتزق)، على أن يكون «الجيش الجديد» (دون سلاح متطور مثل الدبابات أو الطائرات أو الصواريخ، فهذه لا يحتاج إليها العراق) وأجهزة الأمن والشرطة (والميليشيات الطائفية) هي الواجهة لسيطرة استعمارية تقليدية. فقوة القمع والملاحقة هي قوة «وطنية» تمثّل نخبة من السياسيين الذين يعملون كسماسرة للشركات الإمبريالية. ويكون الوجود الاحتلالي الضامن للسيطرة على هذه «النخبة العميلة» وعلى الجيش والأمن والشرطة التي تدربت كلّها على يديه، وانحكمت لوجوده، وبالتالي تحدد دورها في قمع الشعب. إنّنا بالتالي إزاء الشكل الكلاسيكي للاحتلال القديم. الشكل الذي يناسب بلداً يشهد مقاومة ضعيفة، أو لا يشهد أي مقاومة. بلد يتحّول فيه الصراع ليصبح ضد الحكومة، وتطغى القضايا المطلبية والمعيشية نتيجة النهب والفساد والعجز عن توفير حاجات أساسية مثل الكهرباء والماء والطرق والمدارس والعمل. فيتقزّم بالتالي الصراع إلى هذا المستوى مظلّلاً على الصراع الحقيقي ضد قوات الاحتلال، كما ضدّ هذه «النخبة العميلة» التي باتت تمثل طبقة كومبرادوريّة تنهب وتسهّل نهب الشركات الاحتكارية الإمبريالية. تراجع الطابع القتالي للقوات الأميركيّة لا يعني أنّ هذه القوات قد غادرت العراق
ولا يعني ذلك تجاهل كلّ المسائل المعيشية، ولا طبيعة الفئة التي باتت هي النخبة الحاكمة وارتباطاتها المصلحية، فهذا الصراع يجب أن يخاض، ويعني أنّ المقاومة ضد الاحتلال يجب أن تستمر. فالأساس هو حيث مرتكز سيطرة تلك النخبة وليس «الجيش الوطني» أو الشرطة والأمن. ووجود قوات أميركية بغضّ النظر عن عددها هو المركز الذي يحكم كلّ القوى الأخرى، سواء الشركات الأمنية (التي هي تحت إشراف أميركي) أو «الجيش الوطني»، وهي التي تقرر كلّ السياسات والأدوار. لهذا حينما ينتشر الوهم حول الانسحاب الأميركي تضيع بوصلة الصراع، وندخل في دوامة جزئيّة لا يمكن حسمها إلا بحسم النزال مع قوات الاحتلال. هذه القوات ستعيد إرسال عشرات الآلاف من جنودها من جديد لحظة تشعر بأنّ الوضع مهدد بالانهيار، وأنّ «السلطة العميلة» عاجزة عن الدفاع عن الوضع القائم. وهكذا تعود الحرب لتكون ضد قوات الاحتلال.
إنّ كون الطابع القتالي للقوات الأميركية قد تراجع لا يعني أنّ هذه القوات قد غادرت العراق وأنّه تحرر. بل يعني هذا أنّ «المهمة الأمنية» أوكلت إلى «الجيش الوطني»، الذي سيبقى يعمل تحت سيطرة القيادة الأميركية المسؤولة عن العراق أكثر مما سيمارس دوره كجيش وطني. وهذا رغم أنّ الدور القتالي الأميركي لا يزال قائماً، وسيبقى ربما كذلك، ويظهر بين الفينة والأخرى لتأكيد هذا الوجود.
ما قلناه عن الانسحاب الأميركي لا يقلّل من الدور الذي قامت به المقاومة، والذي لا تزال تقوم به وإن بوتيرة أضعف. لكنّه يفرض إعادة النظر في هذه المقاومة من أجل استمرار الصراع مع الاحتلال وعملائه المحليين، ومن أجل إعادة تنظيم شكل المقاومة على ضوء التموضع العسكري الأميركي الجديد، وفي مواجهة «الجيش الوطني» والقوى الأمنية، والشركات الأمنية. كذلك، يفرض إعادة النظر من أجل تطوير الصراع الشعبي ضد «السلطة العميلة» لتأمين الخبز والكهرباء والماء والأمن والعمل والاستقرار، أيّ من أجل عراق ديموقراطي متحرر. فهذا ما لا يجعل البقاء الأميركي طويلاً. إنّه طريق إنهاء الاحتلال.

المصدر: الأخبار

حين لا نعرف الموتى

حين كتبت أنّ علينا أن ندفن موتانا («الأخبار»، 21/10/2010)، كان واضحاً أنني أقف إزاء تجربة طويلة للنشاط الشيوعي والماركسي في الوطن العربي. ولقد تناولت «الأساس» الذي أبني عليه التصور للفشل، ومن ثم الإشارة إلى الأسباب التي فرضت ذلك، والتي أفضت بالتالي إلى هامشية الحركة الشيوعية، وتفككها، وأيضاً تلاشيها، ومن ثم عجزها عن إعادة بناء ذاتها بما يجعلها قوة تغيير.

لكن سامي العباس قدّم مداخلة نقدية («الأخبار»، 26/10/2010) انطلقت من أنّ نقديتي للتجربة توقف «عند تخوم الرفاق السوفيات الذين خانوا اللينينية، بدلاً من أن تذهب نقديته إلى اللينينية»، بمعنى أنه يحمّل هذه التجربة للّينينية، ولا يرى أنّها تجاوز لها، ويعود إلى فقرة من ماركس عن أن تشكيلاً اجتماعياً لا يزول قبل أن تنمو كل القوى الإنتاجية التي يتّسع لاحتوائها، وهي فقرة تكررت كثيراً منذ انهيار الاشتراكية، في مقدمة لـ«نقد» اللينينية، وتحميلها وزر «التسرّع» و«الإرادوية» (رغم أنّ سامي لا يذكر ذلك، لكن السياق يوصل إلى هنا كما يتكرّر لدى كل نقّاد لينين)، وللقول بأنه ما زال هناك متّسع لتطوّر الرأسماليّة.

أودّ أن أوضح أوّلاً أنّ سامي يشطح في تحميل النص ما لا يقوله، من مثل أنني أريد دفن تجربة الأحزاب الشيوعية «لإنقاذ الماركسية»، أو أنّ الحزب الشيوعي «فضّل الانسحاب من موقع القيادة في لحظة الأزمة لمصلحة أحزاب قومية أو وطنية»، أو مثل «الرفاق السوفيات الذين خانوا اللينينية»، وغيرها. فهنا نجد أن سامي يضفي إرادوية ليست موجودة في النص، ولا يحتملها النص كذلك. فنقد التجربة و«تصفية الحساب» مع البنى القائمة ليس لإنقاذ الماركسية، بل لتأسيس نشاط شيوعي جديد يستفيد من التجربة، في ضوء هذا النقد، وخصوصاً من خلال وعي جوهر إشكاليتها. وهنا الماركسية بما هي منهجية هي الموجه للنقد وللتأسيس معاً. فليست الماركسية هي التي فشلت (وربما كان هذا هو ما يوجه سامي)، بل فشلت التجربة. ومن أسباب ذلك العجز عن وعي الماركسية والتعلق بما جادت به الماركسية السوفياتية التي كانت ماركسية من حيث الشكل، أو كانت ماركسية شكلية. ثم إنني لم أقل إنّ هذه الأحزاب فضّلت الانسحاب، بل قلت إنّ الرؤية التي حكمتها انطلقت من أن القيادة هي للبورجوازية وليست لها، وبالتالي لم أقل إنها فضلت الانسحاب لأحزاب قومية ووطنية، بل أشرت إلى أنها التحقت بالأحزاب القومية التي وصلت إلى السلطة. كذلك لم أشر إلى أن «الرفاق السوفيات خانوا اللينينية»، حيث إنني لا استخدم كلمة خيانة هكذا، بل قلت إن الماركسية السوفياتية صيغت بشكل يتجاوز اللينينية.

ثانياً، يسأل سامي ما دمتُ أرى أن دور هذه الأحزاب المتواضع كان نتيجة «تغييبها مبدأ التغيير»، فهل سيكون المآل مختلفاً إن تسلّمت هذه الأحزاب السلطة «في ضوء ما انتهت إليه تجربة ما سمّي في حينه المعسكر الاشتراكي؟»، بمعنى أن هذه التجربة كانت تنهار كذلك. طبعاً الخلفية التي تحكم هذا السؤال هي أن التجربة الاشتراكية فشلت، وبالتالي فإن أي حزب آخر يتسلم السلطة، كان مصيره الفشل. وهنا يجب أن نلحظ أنّ مسألة «الفشل» هي مسألة نسبية، بمعنى أن زاوية النظر مهمّة هنا. فحين نقول إنّه كانت هناك نظم اشتراكية ولم يعد هناك اليوم أي منها، نشير إلى فشل، لكن حين ندقق في صيرورة التطور نلمس أن هذه التجربة نقلت المجتمعات التي انتصرت فيها من التخلف والهامشية إلى المجتمع المدني الحديث، وإلى النمط الصناعي. هل هذا نجاح أم فشل؟ إن النظرة الشكلية وحدها هي التي ترى الفشل ولا ترى النجاح.

ما يشدد الهجوم عليه سامي هو هذا، فما «برهن على استحالته مخبرياً سياق الأحداث في القرن العشرين» هو اللينينية «التي وجدت في التحول المتأخر إلى الرأسمالية في عصر الإمبريالية فرصة للطبقة العاملة وحزبها الشيوعي لدمج الثورتين الديموقراطية والاشتراكية». لكن اللينينية لم تدمج الثورتين، بل بدأت بالثورة الديموقراطية، وركزت على تحقيق المهمات الديموقراطية، المهمات ذاتها التي حققتها البورجوازية في أوروبا، وإن في صيغة طبقية مختلفة. وهذه الصيغة الطبقية المختلفة كانت نتاج العصر الإمبريالي بالتحديد، ولم تكن فهلوة لينينية (كما يشير)، لأن الخيارات الأخرى لم تحقق شيئاً طوال القرن العشرين. ولقد حققت النقلة الضرورية لتطور هذه المجتمعات بعكس كل صيغ التطور الرأسمالي.

بالتالي حين يتساءل «أي موتى يجب أن ندفن؟»، يقصد اللينينية، لأنه ينطلق من الفكرة ذاتها التي تتكرر كأنها بديهية دون تمحيص أو فكفكة، أقصد فكرة أن تشكيلاً اجتماعياً لا يزول إلا بعد أن يستنفد كل ممكنات تطوره. لكن ما معنى «أن تنمو كل القوى الإنتاجية التي يتسع لاحتوائها»؟ وإذا كان ينقل عن ماركس، فإن ماركس ذاته كان يعتقد بأن إنكلترا وفرنسا وألمانيا وكل «الأمم المتمدنة» يجب أن تنتقل إلى الاشتراكية في حينه، رغم أنها لم تنتقل إلى الآن. بمعنى أن صاحب هذه الفكرة لم يطلق عنانها، ولا تركها لفهم ذاتي استنسابي، بل حدد الأسس التي تجعل تجاوز الرأسمالية ممكناً. لكن ما بدا واضحاً منذ انهيار الاشتراكية هو أن هذه الفقرة فُهمت فهماً مشوهاً جعلها تفتح على فهم يفضي إلى انتظار الانهيار الذاتي للرأسمالية. أي إن الرأسمالية تتطور وتتعفن وتنهار، لتنهض الاشتراكية فجأة من تحت الرماد. هذا فهم ذاتي، حيث إن الرأسمالية توجد من التناقضات ما يفرض تطوير الصراع ضدها، وهذا الصراع يمكن أن يفضي إلى بدائل عنها، هي الاشتراكية.

ويمكن أن ألخص هنا بالقول إن طبيعة الرأسمالية أفضت إلى اللجوء إلى منع التوسع الصناعي، وخصوصاً بعد التشكل الاحتكاري منذ بداية القرن العشرين، حيث إن فيض الإنتاج الذي هو سمة الصناعة يفرض السيطرة على المواد الأولية والسوق. وهذا يعني أن تناقضاً عميقاً قد نشأ بين المراكز الصناعية والأطراف الممنوعة من التصنيع، وهو تناقض عميق لا حل له إلا بتجاوز الرأسمالية. وأن الميل إلى الربح فرض كبح التطور التكنولوجي، وضبط الإفادة منه بما يخدم الربح فقط. ثم أخيراً ما نشهده اليوم من تراكم هائل لـ«المال» (لا رأس المال) الذي لا يجد سوى المضاربة والنشاط المالي مجالاً، وهو الأمر الذي يقود إلى أزمة مستمرة. هل كل ذلك لا يشير إلى «تعفن»؟ وإلى تناقضات تفرض تجاوز الرأسمالية؟ أو نترك الرأسمالية تتطور على سجيتها نحو الدمار الشامل؟

في هذا الوضع أصبحت بورجوازية الأطراف (التي بدأت بكبار ملاك الأرض والتجار) لا تميل إلى توفير شروط التطور الرأسمالي من خلال تحرير الريف بإزالة النظام الإقطاعي (منذ زمن لينين إلى أواسط القرن العشرين)، ولا إلى بناء الصناعة، وبالتالي إلى بناء المجتمع المدني الحديث. «عدم الميل» هذا هو الذي فرض بديلاً آخر، بدأ مع لينين.
لكن سامي يعود إلى فكرة كاوتسكي عن «ما فوق إمبريالية»، ويعتقد بأن العولمة هي هذه، «لجهة نقلها (العولمة) آليات التوسع الرأسمالي من دائرة التبادل إلى دائرة الإنتاج»، ويكمل بأن هذه «مرحلة تغيُّر عميق للشروط التي تحكمت بالتحول المتأخر إلى الرأسمالية في ظل الإمبريالية». وربما كان الصديق الدكتور
فهمٌ يفضي إلى انتظار الانهيار الذاتي للرأسمالية لتنهض الاشتراكية فجأة من تحت الرماد
صادق جلال العظم متوهماً حين طرح هذه الفكرة نهاية تسعينيات القرن العشرين، رغم أن هذه كانت من الجمل التي تشيع دون دراسة جادة وبحث معمق، أو حتى الميل للتأكد من صدقيتها. فما جرى خلال مرحلة العولمة هو نقل فروع صناعية من الدرجة الخامسة أو السادسة إلى بعض مناطق الأطراف، على شكل تجميع لسلع تُصنَّع قطعها الأساسية في المراكز، أو حتى حين يصنّع بعضها في بلد طرفي يصنّع بمعزل عن التكوين الاقتصادي الداخلي. وهي فروع سرعان ما «تطير» حين تجد ربحاً أعلى في مكان آخر. أمّا حين نتحدث عن الصناعة، فنتحدّث عن شيء آخر… نتحدّث عن تطوّر تكنولوجي محلّي وتوسُّع صناعي محلّي وعن تراكُم رأسمالي محلّي، وبالتالي تحوّل البلد إلى بلد منتج للسلع، وليس مجمّعاً لسلع جاهزة. لهذا تبقى البنى المحلية قروسطية، وتظل هذه الأشكال من الصناعة جزراً معزولة عن بنية الاقتصاد المحلي. ويظل البلد إمّا مصدّراً للمواد الأولية فقط أو مستورداً لكل السلع دون أن يكون بإمكانه تصدير شيء.

إن حدود التوسع الصناعي القائمة لا تسمح بتوسع صناعي هو ضرورة من أجل تطور البشرية، وخصوصاً تطور المجتمعات المتخلّفة، بل يمكن نقل بعض الفروع إلى مناطق تفيد في تحقيق الربح الأعلى دون أن تحدث تغييراً عميقاً في بنية تلك المجتمعات. لكن ما يؤجّج هذه الفكرة هو عمق التعلق بالملكية الخاصة، وبالتالي بالتطور الرأسمالي، والهرب من الاشتراكية. والأغرب هو أن سامي طالبني بتوسيع نقديّ، لكنّه وصل إلى أنّّ عليّ أن أعمل على إحياء الموتى، وبما أنني لست المسيح، فهذا ما هو فوق طاقتي. كان جوهر نقدي للحركة الشيوعية هو أنها سارت في وهم طويل تعلقاً بالتطور الرأسمالي، وهي هنا لم تكن لينينية بل بيرنشتاينية وكاوتسكية وبليخانوفية، وكان ذلك في صلب فشلها. وها هو سامي يدعوني إلى نقد اللينينية من أجل التطور الرأسمالي. فإذا كان بإمكانه أن يحيي الموتى، فليفعل، لكنني أعتقد أن هذا الأفق مسدود منذ بداية القرن العشرين، وما من خيار سوى الفاعلية التي يطلقها الشيوعيّون استناداً إلى العمال والفلاحين الفقراء.

المصدر: الأخبار