Monthly Archives: أكتوبر 2013

الحل السوري في جنيف

78cbc111-e9ea-460b-acc7-57045f3ba60e

حتى وإن تأخر فقد بات عقد مؤتمر جنيف2 محسوما بعد أن نص عليه في القرار رقم 2118 المتعلق بالأسلحة الكيميائية السورية.

هذا الأمر فرض تصعيدا “على الأرض” متعدد الأغراض، حيث بدأت داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) سياسة السيطرة على المناطق التي هي خارج سيطرة السلطة في الشمال والشرق، والسيطرة على المراكز الحدودية مع تركيا، وفرض قوانينها على الشعب، وبالتالي الاشتباك مع الكتائب المسلحة والعمل على إخضاعها، وهي تقيم “دولة الخلافة”.

لماذا هذه السياسة؟ هل هي نتاج “المنظور الأيديولوجي” الذي يحكمها فقط، حيث تسعى إلى ملء الفراغ كما حدث في العراق مع “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” (الذي هو داعش بالتمام والكمال)؟ أم إن الهدف هو تصفية الكتائب المسلحة، وإرهاق الشعب لكي تصبح عودة السلطة ضرورة؟

كل المؤشرات تقود إلى علاقة ما بين داعش والسلطة السورية، سواء نتيجة التاريخ السابق أو نتيجة الممارسات على الأرض التي أظهرت في أكثر من مكان التنسيق العملي بينهما (منها حماية أنابيب النفط، وتسلم بعض المواقع العسكرية).

وبهذا تكون خطوات داعش متناسقة مع خطة السلطة لفرض السيطرة على المناطق التي اضطرت للانسحاب منها.

هذا هو الأمر الثاني الذي ارتبط بالتحضير لمؤتمر جنيف2، والذي كان يبرز كلما جرى الحديث عن تحديد موعده، وهو أن السلطة تريد الذهاب إلى جنيف وهي منجزة “انتصارات كبيرة” على الأرض، لهذا منذ معركة القصير وسياستها تقوم على استرجاع المناطق التي انسحبت منها.

فبدأت معركة حمص وريف دمشق، وحاولت في دير الزور والشمال، لكنها فشلت في كل هذه المناطق، الأمر الذي دفعها إلى استخدام الأسلحة الكيميائية قبيل الموعد الذي كان يجري التحضير له بين خبراء روس وأميركيين في سبتمبر/أيلول الماضي (الكيميائي استخدم يوم 21/8/2013).

والسلطة تحاول الآن السيطرة على جنوب دمشق، وتمطر حمص ودرعا بالصواريخ، في سياق محاولتها تحقيق “انتصار” قبل أن يتحدد موعد المؤتمر. وبهذا فهي تعمل على مستويين، مباشر عبر قواتها، وعبر داعش لإنهاك الكتائب المسلحة، والتحضير لإعادة السيطرة.

في المقابل استثارت موافقة الائتلاف الوطني السوري على الذهاب إلى جنيف أطرافا سياسية وعسكرية متعددة.

فقد كان واضحا موقف المجلس الوطني الذي أبعد عن الهيمنة على الائتلاف في سياق التحضير لمشاركة الائتلاف في جنيف2، ولهذا رفض جنيف وهدد بالانسحاب من الائتلاف.

وأيضا هناك آخرون يمكن أن يسيروا في هذا المسار، لكن كل ذلك لن يؤثر على الوضع لأن داعمي المجلس أصبحوا قليلي التأثير في سياق الحدث السوري.

لكن التهديد الأهم أتى من كتائب مسلحة أصولية، سحبت تأييدها للائتلاف، وشكلت تحالفات لإقامة “الدولة الإسلامية”، وربما تنزع كلها (بما فيها جبهة النصرة وأحرار الشام) لتشكيل تحالف أصولي يرفض التفاوض ويصر على إسقاط السلطة بالقوة.

وهذه القوى خاضعة لجهات تمويل خارجية (السعودية خصوصا)، وربما يرتبط تكتيكها بالموقف السعودي في نهاية الأمر، بالتالي يمكن أن يكون الهدف من كل ما جرى هو “تحسين شروط” كما تفعل السلطة، ودعم السعودية للائتلاف ربما يؤشر إلى هذا الاحتمال، أو إذا قرر هؤلاء السير إلى النهاية فإن مشكلة ستحدث إذا ما توصل مؤتمر جنيف إلى حل.

بالتالي فإن مؤتمر جنيف يعاني مسبقا من تعقيدات جوهرية، لكن لا شك في أن الوضع بات مرهقا ليس للسوريين فهذا أمر لا يلتفت إليه أحد من القوى الدولية والإقليمية، بل ربما للروس الذين يستعدون لمد نفوذهم إلى “الشرق الأوسط”، وللدول المحاذية لسوريا التي باتت مرهقة باللاجئين، ومتخوفة من انعكاس الوضع السوري عليها (وهنا لبنان خصوصا، وحتى الأردن، وتركيا والعراق).

وأيضا ربما لم تعد هناك حاجة لاستمرار الصراع بالنسبة للإمبريالية الأميركية (وحتى للدولة الصهيونية) بعد أن جرى تدمير قوى سوريا الاقتصادية والحضارية والعسكرية، وبعد البدء بتنفيذ تدمير الأسلحة الكيميائية التي باتت التهديد الأخطر على الدولة الصهيونية.

ونتيجة كل ذلك ربما يجري تسريع العمل على تحقيق الحل، من خلال عقد المؤتمر (أواسط شهر نوفمبر/تشرين الثاني).

والمؤتمر هو ليس للحوار بين وفد من السلطة ووفد يمثل المعارضة بمختلف أطيافها، فمبادئ جنيف التي أقرتها مجموعة العمل حول سوريا في 30 يونيو/حزيران 2012 تتضمن الحل بكل أسسه.

وأساسها تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات من طرف في السلطة ومن المعارضة تشرف على مرحلة انتقالية، ومن ثم يجري التحضير لكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

وبالتالي فمن أجل إقرار الموافقة وتشكيل الحكومة (التي ربما يجري في الكواليس الآن ترتيب عناصرها)، والانتقال لتنفيذها على الأرض بوقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين وإعادة المهجرين، وإعادة آليات الدولة.

ما يعترض هذا الحل -إذا افترضنا بأن القوى الراعية باتت حاسمة في تنفيذه- مشكلتان: الأولى تتعلق برفض بشار الأسد، أو السلطة الفعلية التي واجهها بشار الأسد، وهنا آل مخلوف وماهر الأسد خصوصا، حيث كان واضحا لها منذ البدء أن أي تنازل يقدم للشعب الثائر سيكون على حسابها هي بالتحديد، لهذا قررت “القتال إلى النهاية” كما أعلن رامي مخلوف منذ البدء.

وما زالت متمسكة بذلك رغم “الليونة” التي تبديها تجاه جنيف، والآتية نتيجة الضغط الروسي في الغالب، أو لترك المعارضة ترفض المؤتمر، وهي تعمل كل ما يمكن أن يخرب إمكانية عقد المؤتمر (حتى في التصعيد العسكري، أو بتحريك داعش).

لهذا يمكن التساؤل بشأن كيفية تجاوز هذه “العقبة”؟ الروس منذ بداية الحديث عن جنيف، وبعد إقرار المبادئ أصروا على إخراج بشار الأسد من كل حديث، حيث أكدوا أن المبادئ لا تنص على رحيله، لكنهم سيكونون أغبياء بالفعل في حال صدقوا أنه يمكن تحقيق الحل بوجود بشار الأسد (خصوصا بعد أن التزم تسليم الأسلحة الكيميائية)، فمهما وصلت بشاعة الوضع لن يهدأ الوضع، ويجري القبول بالحل في ظل بشار الأسد.

ربما تجري المناورة الآن، مع أميركا، لتمديد التفاوض (الذي هو ليس تفاوضا كما أشرنا) إلى نهاية حكم بشار الأسد في يوليو/تموز 2014، ومن ثم يخرج من السلطة.

لكن أظن أن الأمور يمكن أن تسير إلى شكل ما من انهيار السلطة قبل ذلك، نتيجة الضعف الذي باتت تعانيه، والعجز عن استمرار تدفق “المقاتلين” من العراق وإيران ومن حزب الله.

ومهما فعلت داعش لن يكون الأمر سوى تعميم الفوضى، وهذا ما لا يساعد السلطة على التماسك. طبعا صرت معتقدا بأن الروس أغبياء، إلا إذا دفعتهم أميركا إلى التعجيل في تحقيق الحل، بعد أن هددت بضربة عسكرية.

لهذا لن ينجح جنيف2 إلا إذا تضمن رحيل بشار الأسد، أو قاد التوافق بين أطراف في المعارضة وأطراف في السلطة إلى “تطييره” بشكل ما، إذ لا يتصور أن يهدأ الوضع، ويقبل الشعب، وكثير من المسلحين بأقل من “رأس” بشار الأسد.

فهذا ما يمكن أن يشعر الشعب الذي تعرض لكل الوحشية والتدمير بأن ثورته قد حققت شيئاً ما مشابها لما حصل في تونس ومصر، رغم أن هذا الحل لا يحقق المطالب الجوهرية للشعب التي يبدو أنها صارت في المؤخرة بعد أن باتت مسألة إعادة الإعمار تحظى بأولوية، وتحددت مطالب المعارضة في شكل ديمقراطي “بسيط”، وهذا ما سيفتح على استمرار الصراع، وإن بأشكال أخرى (ربما تكون أفضل وأهم، وتفتح على أفق التغيير الحقيقي).

المشكلة الأخرى التي تعترض هذا الحل هي مشكلة “المجموعات الأصولية” التي أعلنت رفضها الحل وليس في منظورها سوى إسقاط النظام بالقوة، معتقدة بأن ذلك أمر ممكن رغم غياب الدعم والتسليح، والبرنامج الذي تطرحه يدفع فئات أكبر من الشعب لتقبل حل جنيف، وهي بالتالي تضيّق على ذاتها في دعوتها لقيام “دولة إسلامية”.

ولا شك أن السلطة بوضعها الحالي عاجزة عن المواجهة، لأنها ما زالت تواجه الشعب، لكن في حال نجاح مؤتمر جنيف2 والتوصل إلى حل يرضي القطاعات الشعبية (أو أغلبها) وإن على مضض (نتيجة كل الوضع السيئ الذي أوجدته السلطة وساعدت به طبيعة الصراع)، فكيف يمكن أن يكون الوضع؟ هل ستقاتل هذه القوى ضد الحل؟

أظن أن الوضع سيكون أسوأ بالنسبة لها، لأنها ستفقد القاعدة الشعبية التي تؤازرها أو تقبل بها على مضض، وسوف يتأسس تحالف جديد يكون قادرا على تحريك قوى عسكرية أكبر من قدرة السلطة الحالية، وهو معظم قطاعات الجيش التي هي محيدة الآن نتيجة الاحتقان الذي تعانيه، وأيضا قوى من الشعب تعتقد أنه يجب إنهاء وهم “الخلافة” والعصور الوسطى.

إذن، إذا نجح الحل فسيتأسس تحالف جديد، ليس بين بعض أطراف السلطة وبعض المعارضة، فهذا ليس هو المهم، لكنه سيفتح على إعادة فاعلية الجيش المحيد الآن، وبالتالي ستقع تلك القوى بين قاعدة شعبية رافضة وقوى عسكرية مختلفة النوعية، وربما يؤدي ذلك أيضا لقطع الدعم الخارجي.

بالتالي فإن حل المعضلة الأولى (رحيل بشار) هي وحدها التي تسمح بحل المعضلة الثانية، وتقود إلى تغير في طبيعة الصراع الذي لن ينتهي كما أشرنا لمصلحة الصراع السياسي الشعبي، إذا ما قاد الحل إلى تأسيس دولة “ديمقراطية” (أي ديمقراطية ذات دور منخفض ككل الديمقراطيات العربية).

هنا يمكن أن نقول إن الأمر بات يتعلق بـ”الإرادة” الدولية (الروسية الأميركية تحديدا) من جهة، وبالحل الذي يؤدي إلى رحيل الطاغية.

المصدر: الجزيرة

Advertisements

أن تستمر الثورة

باتت الأمور مختلطة، وكما أشرنا كثيراً أن الثورة في فوضى، ولا شك في أنها زادت في الفترة الأخيرة، وظهرت تشققات مؤذية، سببها محاولة فرض منظور خاص على مسارها، هو منظور أيديولوجي أصولي تناقض مع مطالبها الأولى، ومع حاجاتها، وكذلك مع إمكانية استمرارها وتطورها، لأنه يفضي إلى تردد وتفكك وتراخٍ لدى كل الذين يرون خطراً، وحرفاً للثورة عن هدفها الأساس، الذي هو إسقاط النظام. ويعتبرون أن فرض هذا الشكل من النظم هو أسوأ مما هو قائم، لأنه يعمم الاستبداد ويدخله حتى بما هو شخصي، بدل الهدف الأول الذي قامت على أساسه الثورة، وهو: الحرية، التي هي التجاوز للاستبداد الذي فرضته سلطة مافياوية عائلية.

لم يقاتل الشعب من أجل استبداد أشدّ، ودولة تعيش القرون الوسطى لأن من يحكمها لا يعرف بالاقتصاد والسياسة والمجتمع، وليس لديه زاد سوى “الأحكام الفقهية”، التي هي في غالبها تتعلق بـ “الأخلاق” (وخصوصاً بالجنس). وبالتالي لا تفعل سوى تدمير الاقتصاد كاملاً بدل إنهاضه، وتخريب الزراعة وما بقي من الصناعة، لتكريس “اقتصاد” بدائي لا إنتاج فيه، ولا عمل، ربما سوى الحشيش (كما في أفغانستان)، وتهريب النفط، والخوة.

المنظور الفقهي الذي يحكم القوى التي باتت تريد الاستحواذ بالسلطة (وهي تفعل ذلك في المناطق التي باتت خارج سلطة الدولة) يقوّض الاقتصاد، وبالتالي المجتمع، وينشئ سلطة شمولية استبدادية، لكن هذه المرة باسم الله. وهي سلطة قروسطية، بدائية (حيث أنها تقليد لما يوجد في كتب الفقه، المصاغ بالتحديد في القرون الوسطى، أي القرون التي تلت انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية). لتكون الخلافة هي الإعادة إلى الخلف قروناً بدل التقدم إلى الأمام.

هذا صراع بات مفروضاً على الثورة، من أجل أن تتقدم. لكنه لا يعني التخلي عن الصراع ضد السلطة، بل يعني أننا بتنا في صراعين، في الآن ذاته. وهذا يعقد الأمور لكن لا مفر منه؛ فهذه القوى هي التي فرضت الصراع، وأي تنازل أمامها يعني سيطرتها وفرضها لسطوتها. لهذا سيكون عبئاً أن يخوض الشعب صراعين قاسيين في الآن ذاته، لكن قوانين الثورات لا يمكن التحكم فيها، وانفجار التناقضات أمر ينتج عن ميول قوى إلى أن تسيطر، وأن تفرض منطقها قبل أن يتحقق الهدف العام الذي طرحته الثورة: إسقاط النظام. فما أن وجدت بعض هذه القوى فراغاً سارعت لكي تفرض سلطتها، وهي عادة تنتظر الفراغ لكي تحقق “حلمها” بإقامة “دولة الخلافة”. هذا الحلم الذي بات أقرب إلى الهوس، والذي يحكم فئات سلفية تعتقد بأن الواقع يحتمل العودة قروناً إلى الوراء باسم الله. وهي في ذلك تلعب دور المخرّب كما فعلت في العراق حين أسهمت في تدمير المقاومة ضد الاحتلال الأميركي.

لكن هناك قوى قاتلت السلطة، وتعزز وجودها نتيجة الدعم المالي السعودي الخليجي، وربما أمام مأزق الثورة (وفشل الدعم الخارجي/ الإمبريالي) سارت نحو الوهم الكبير بإقامة “الدولة الإسلامية”، وهي هنا لا تفعل سوى تفكيك الثورة، وتخويف قطاعات مجتمعية مع الثورة، ومشاركة فيها، من مآل الثورة، وتعزيز الدعم الدولي للسلطة. وأساساً تدعيم تماسك السلطة عبر تخويف الأقليات التي تستند السلطة إلى عناصر منها في صراعها مع الشعب.

اليأس سوف يولّد الحلول الخاطئة، ومن راهن على تدخل إمبريالي لا يقود الثورة إلى الدمار، بل يجب أن يتنحى جانباً. الشعب سوف يكمل مسار الثورة من أجل سورية العلمانية الديمقراطية، التي ستنهض من جديد بقوة هذا الشعب. الشعب لم ييئس رغم كل الفظائع التي تعرّض لها، وكل القتل والتدمير والتشريد الذي طاله. ورغم كل الضيق الذي يعيشه، والصعوبات الهائلة والخوف، وانسداد الأفق (الذي نتج عن تخبيص المعارضة والواهمين). لهذا فإن الصراع ضد السلطة يجب أن يستمر، والصراع ضد القوى الظلامية يجب أن يتصاعد، وكذلك يجب أن نخوض الصراع ضد انسداد الأفق واليأس، وقصر النظر، لكي نفتح أفقاً واسعاً لانتصار الثورة.

هذا الأمر يفرض إعادة بناء الثورة: الهدف والرؤية والإستراتيجية والفعل السياسي، والعمل العسكري. وسواء تحقق انعقاد مؤتمر جينيف2 وقاد إلى حل، أو لم يحصل ذلك، لا بد من تفكير جدي في الثورة من أجل إعادة بنائها لكي تنتصر.

المصدر: صدى الشام

الثورة السورية وآفاق صراع متعدد

الشعب يخوض صراعه مع السلطة وهو مستمر، وسيستمر. وهو يخوض الصراع ضد داعش والنصرة اللتين تحاولان فرض سلطة «سخيفة» بهزلها الاستبدادي وتمسكها بتصور قروسطي متخلف.

في مصر، وتونس اتخذ الصراع شكل التركيز على إسقاط النظام قبل أن تنفتح صراعات أخرى، حيث ظلّ الإخوان المسلمين «في الخلف»، وعقدوا الصفقات مع النظام المنهار عبر قيادات الجيش وبيروقراطية الدولة التي قررت التخلي عن الرئيس. ومن ثم وصلوا إلى السلطة بدعم هؤلاء، لينفتح الصراع الشعبي معهم (وكذلك مع حلفاء الأمس)، فسقطوا في مصر، وسيسقطون في تونس.

تصاعد «مثالي» للصراع لم نستطعه في سوريا، حيث تفجرت الصراعات في الآن ذاته مع قوى متعددة. لا يتعلق الأمر بدعم قوى إقليمية ودولية للسلطة، ولا بدور «أصدقاء سوريا» الذي ظهر كمكرس للسلطة عبر آليات متعددة لتخريب الثورة وتطييفها، بل أصبح يتعلق الآن بالصراع في الثورة ذاتها. فالنظام لم يسقط بعد، ولقد انسحب من مناطق كثيرة لأن قوته العسكرية تهلهلت، ليس بفعل العمل العسكري ضدها بل بفعل الثورة الشعبية بالتحديد، ولا ننسى بأنه انسحب بعد مرور عام على الثورة، وقبل أن يصبح العمل المسلح هو الفعل الأساسي، الذي بات كذلك بعدئذ، ولاشك في أن مناطق قد «تحررت» بقوة الكتائب المسلحة بعدئذ (دون أن نناقش هنا هل كانت السياسة العسكرية صحيحة أو لا).

لكن هذا الأمر أنشأ الفوضى في المناطق التي انسحب منها، بفعل التنافس على السيطرة بين الكتائب المسلحة، وظهور العصابات التي تعمل باسم الجيش الحر، ثم «القوى الأصولية» التي ظهرت فجأة في المناطق التي باتت خارج سيطرة السلطة. وهذه، منطقها لا يقوم على مبدأ إسقاط السلطة بل يقوم على مبدأ إقامة «الخلافة الإسلامية»، وهو الأمر الذي دفعها إلى محاولة فرض السيطرة وفرض «قوانينها» وأحكامها. فبات الشعب في صراع معها، بالضبط لأنها هي التي «تتحرش» به عبر محاولة جعله يخضع لمنطقها القروسطي (تطبيق قيم أخلاقية بالية). وخصوصاً أنها باتت تعتقل وتقتل بشكل مشابه لـ (وربما أسوأ من) ممارسات السلطة.

هنا بتنا في صراعين: ضد السلطة ومن أجل إسقاطها من جهة، وضد داعش والنصرة، وربما آخرين، من جهة أخرى.

لكن ظهر مؤخراً ما هو أعقد من ذلك، ويشير إلى انقسام عميق في الثورة ذاتها، حيث أعلنت فصائل مسلحة توحدها في «جيش الإسلام»، وسعيها لإقامة «الدولة الإسلامية». ومنابع قادتها هم من ذات المنبع الذي أنتج جبهة النصرة وداعش وأحرار الشام، أي هؤلاء الذين عملوا مع القاعدة كجهاديين، ويتبعون الاتجاه السلفي في تشابك علاقاته الخليجية.

هؤلاء هم كتائب مسلحة قاتلت ضد السلطة، وضمت كثيراً من الشباب المفقر الثوري الذي يريد تحقيق التغيير العميق، لكن القدرة المالية التي كانت بحوزة مجموعات سلفية جهادية دفعت بهم إلى الالتحاق بهذه الكتائب، وكثير منهم لم يكن متديناً، فبات يتأسلم (شكلاً أو فعلاً، والكثير شكلاً). ولاشك في أن دموية السلطة ووحشيتها كانت تعزز التدين بشكل طبيعي، في ظل غياب رؤى سياسية وفكرية حاكمة ومؤثرة. وكذلك استعصاء الصراع نتيجة ضعف قدرات الكتائب المسلحة التسليحية وضعف خبرتها العسكرية، مقابل الدعم القوي للسلطة من قبل روسيا وإيران وأتباعها، كان يخلق الإحساس بالأزمة، خصوصاً مع فشل المراهنات على تدخل «غربي» ظلت معارضة الخارج تلحّ عليه معتبرة أنه المخرج الوحيد، والإيهام بأنه قادم مما كان يربط نشاط الكتائب المسلحة بكل هذه «الإشاعات»، وهي تواجه عنف السلطة وانسداد الأفق أمامها. لهذا كان سهلاً، بعد صراع عامين ونصف بكل عنفه ودمويته، أن تجذب فئات مؤدلجة سلفياً إلى مسار كانت تريده من الأصل، مستغلة كل هذا الوضع، ومتأثرة به ومؤثرة فيه.

بهذا نشأ «جيش الإسلام» الذي يريد إقامة «الخلافة»، دولة الإسلام. وهذا يعني بأن طرفاً قد قرّر خوض الصراع ضد السلطة وحده، ولمصلحته، وبغرض تحقيق «أيديولوجيته» وهو الأمر الذي يفرض انقسام الثورة، والتأسيس لتصارع أطراف فيها. ليكون صراع الشعب متشعبا أكثر، ومشتتا. لكن الأخطر من ذلك هو أنْ ليس من إمكانية لقطاع كبير من الشعب أن يقبل الاختيار بين السلطة التي ثار عليها من أجل إسقاطها والحصول على الحرية والعدالة الاجتماعية، وبين سلطة بديلة أسوأ، بديل يعيد إلى القرون الوسطى، ويعمم الاستبداد لكي يطال «ما هو شخصي»، وإنساني، ويفرض تنميطاً هو من مخلفات قرون الانهيار والتخلف والجهالة. سواء في الأشكال أو الأفكار أو البنى المجتمعية والتكوين السياسي والحقوقي. هنا بتنا في صراع جديد من أجل نقاء الثورة، ومن أجل أن تسير في السياق الذي فرضها، ومن أجل الأهداف التي طرحتها. فالشعب لم يثر لأن النظام «علوي» أو «علماني» أو كافر، هذا آخر ما كان يفكر به، بل أن ظروفه الواقعية هي التي فرضت عليه الثورة، ظروف العيش حيث بات أغلبه إما عاطل عن العمل أو أن أجره لا يكفي عيشه. وفي ظل سلطة مستبدة شمولية تستغل هذا الشكل السلطوي لكي تزيد النهب والسيطرة على الثروة. لهذا أراد الخبز والحرية، بالضبط لكي يستطيع العيش ويدافع عن وجوده. ولهذا إذا قدّم هدف «الدولة الإسلامية» الآن وهماً لبعض القطاعات فإنه لا يقدم للكثير منها هذا الوهم بل يبقيها في إطار هدفها الأساس. كما أنه إذا قدّم حافزاً لهؤلاء المقاتلين فإنه يبعث الخوف لدى قطاعات كثيرة. ولهذا فهو يفتح على احتمالات صراعات متعددة، مع عديد من الأطراف التي ترفض الأيديولوجية التي يراد فرضها، كما أنه يضعف الثورة عموماً نتيجة ما يوجده من تشكك ويأس ورفض.

الشعب يخوض صراعه مع السلطة وهو مستمر، وسيستمر. وهو يخوض الصراع ضد داعش والنصرة اللتين تحاولان فرض سلطة «سخيفة» (سخيفة بهزلها الاستبدادي وتمسكها بقيم أخلاقية مرضية، وتصور قروسطي متخلف جداً آتٍ من عصر الانحطاط)، وهو صراع مسلح أحياناً وشعبي أحياناً أخرى (مظاهرات وأشكال احتجاج مختلفة). ومن الواضح أن إستراتيجية داعش تحديداً تقوم على السيطرة الشاملة على الشمال، وتصفية الكتائب المسلحة الأخرى، ربما لتسهيل عودة السلطة إليها (وهذا احتمال كبير) بعد أن عجزت السلطة بقواتها فعل ذلك. ولقد بات هذا الصراع يومياً، وينزع إلى التحوّل إلى صراع مسلح شامل.

وربما تنزع التشكيلات الجديدة (جيش الإسلام) إلى السيطرة كذلك، وهو يتخلى عن الكتائب المسلحة الأخرى حين تتعرض لهجوم من قبل السلطة لكأنه يريد أن تنتهي بسحق السلطة لها لكي يبقى وحيداً في الصراع. ونتيجة كل الأخطار والمخاوف التي يجلبها تشكّلها لابد من خوض صراع فكري سياسي مع المجموعات التي تريد إقامة «دولة الإسلام»، صراع لكشف خطرها على الثورة، وآثارها المفككة لها، في سياق إعادة بناء الثورة. فما جرى هو خطوة خطيرة على مسار الثورة لأنها تزيد الخوف واليأس والتشتت والتناحر، تضعف القوى التي تقاتل السلطة والفئات الداعمة للثورة، وبالتالي تزيد من الاستعصاء القائم، ومن الميل لقبول «أي حل». هل هذا هو هدف الدول الداعمة لهؤلاء؟

لقد تشابكت الصراعات، وباتت مواجهة الشعب متعددة، ليس السلطة فقط، بل التكفيريين والسلفيين والأصوليين وكل الذين يريدون- وقبل انتصار الثورة- فرض تصورهم ورؤيتهم و»حكمهم». بالتالي هل سيحسم الصراع مع السلطة ومع الأصولية في الآن ذاته في سوريا؟ أظن ذلك.

المصدر: العرب

الأزمات تلاحق العالم الرأسمالي

1467ac84-11e1-4260-a3f9-5466c3ea373a

اليونان تحركت قبل الثورات العربية بقليل، وكانت مؤشراً على أن وضعاً عالمياً جديداً يتشكل، يتسم بالثورة.

وبعيد الثورتين في تونس ومصر وتوسعهما إلى بلدان أخرى، بدأت احتجاجات تتصاعد في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال مع استمرار الحراك في اليونان، وبعض هذا الحراك ظهر وكأنه “تقليد” للثورات العربية، مع ميل عالمي للنظر بإعجاب إلى هذه الثورات.

والآن، نشهد حركات احتجاج كبيرة في تركيا، وأخرى في البرازيل، وأيضاً شهدنا ذلك في ماليزيا، لكأن العالم يسير نحو انفجار كبير، ولكأن الثورات العربية ليست مقطوعة الجذور عن وضع العالم.

وربما كان انفجار هذه الثورات وتحقيقها تغييرات في بعض البلدان نتاج “ظرف خاص” حكم المنطقة منذ عقود، وأفضى إلى أن ينسحق الشعب إلى الحد الذي دفعه إلى تفجير ثورة قبل غيره من شعوب العالم.

ربما ينظر إلى ما يجري في بلدان جنوب أوروبا وما يحدث الآن في تركيا والبرازيل، من زاوية على أنه عابر، أو أن بإمكان تلك البلدان تجاوزه، لكن الأمور أعمق من ذلك، وهي أكبر من أن تقف عند حدّ حدوث احتجاجات عابرة.

ما يحدث يؤشّر على اختلال هائل في التكوين الرأسمالي، وعلى أننا مقبلون على نهوض عالمي ضد الرأسمالية.

فالاقتصاد الرأسمالي ليس في حالة جيدة، ونسبة نموه ضئيلة، وهو يغرق في أزمات قديمة وملاصقة للنمط الرأسمالي، مثل أزمة فيض الإنتاج التي تفضي إلى الكساد والركود، وانهيار صناعات وشركات وبنوك، وأزمات جديدة نشأت عن التشكل الجديد للرأسمال، وتحوّل كتلة هائلة منه إلى النشاط المضارب، وبالتالي اختلال العلاقة بين الرأسمال المنتج والمال البنكي لمصلحة الأخير، وهو الأمر الذي فرض نشوء أزمات جديدة أكثر تعقيداً من الأزمات الدورية التي كانت تمرّ بها الرأسمالية.

ولقد انفجرت الأزمة الأخيرة يوم 15 سبتمبر/أيلول 2008 وما زالت مستمرة رغم كل محاولات تجاوزها.

وفي سياق السعي لتجاوزها تجري محاولة حلها على حساب الشعوب، شعوب الأطراف أولاً، وشعوب البلدان الرأسمالية الطرفية ثانياً، وشعوب البلدان الرأسمالية عموماً ثالثاً.

هذا الحل هو الذي يفجر الاحتجاجات، حيث تقوم الدول التي راكمت مديونية هائلة خلال العقود الثلاثة الأخيرة باتباع سياسة تقشفية تنهك العمال والفئات الوسطى.

فقد تقلصت المقدرة الشرائية لقطاع كبير منهم نتيجة ثبات الأجور وزيادة الأسعار، أو حتى نتيجة تخفيض الأجور وزيادة أعداد العاطلين عن العمل، فالتقشف يعني تقليص مصروفات الدولة عبر تقليص الإنفاق الاستثماري، ودعم الضمان الاجتماعي والتعليم، وفرص العمل.

وفي تركيا والبرازيل -والأولى تعتبر دولة “بازغة” تسير نحو التحوّل إلى “قوة عالمية” من القوى الكبرى، بينما تسير الثانية نحو تطور وضعها الاقتصادي وتسعى أيضاً للتحوّل إلى “قوة عالمية”- نشهد ديناميكية اقتصادية كبيرة، لكنها ترتبط بديناميكية هائلة لتمركز الرأسمال وتوسّع الفروقات الطبقية، ومع توسّع الأزمة الاقتصادية العالمية تلمس الميل لانحطاط وضع أعداد متزايدة من العمال والفئات الوسطى والفلاحين.

وإذا كانت الثورات قد بدأت في البلدان العربية، فإن السبب هو الضغط العنيف الذي مارسته الإمبريالية الأميركية خلال العقود الأربعة الماضية (أي ما بعد الناصرية) لفرض هيمنتها وتحكمها بالاقتصاد ونهبه.

فقد عملت على تدمير القطاع المنتج في الاقتصاد (أي الزراعة والصناعة) ودفعت لإعادة تشكيل الاقتصاد كاقتصاد ريعي يقوم على الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والبنوك.

وأدى ذلك إلى تهميش 80% من الشعب (هم من العمال والفلاحين والفئات الوسطى)، ودفع جزءاً كبيراً منهم إلى “حافة الموت جوعاً”، ولهذا كان عمق النهب الممارس والتشويه الكامل للبنية الاقتصادية هما أساس هذا التفجر الثوري، وتصاعده واستمراره.

هذا المنظور يجعلنا نرى الثورات العربية في سياق نهوض عالمي ثوري، ونتلمس وصول هذه الثورة إلى البلدان الرأسمالية مروراً ببلدان الأطراف المتخلفة، وأطراف الرأسمالية، وربما يطال بلدانا رأسمالية (حتى أميركا وروسيا وفرنسا ليست بعيدة عن هذا السياق).

وهذا المنظور كذلك يفرض علينا أن نتلمس الأزمة العميقة التي باتت الرأسمالية غارقة فيها، والتي ربما لن تستطيع الخروج منها حتى وإنْ طال الزمن الذي يودي بها، والذي ربما يكون زمن تعفن وتفكك.

بمعنى أن الصراع الطبقي الذي بدأ في البلدان العربية ويتوسع عالمياً مرتبط بأزمة الرأسمالية، الأزمة الاقتصادية التي تفجرت عام 2008 ولم يستطع المركز الإمبريالي (أميركا) حلها فقررّ العمل على إدارتها لكي لا توصل إلى انهيار شامل.

لقد ارتبط توسع الرأسمالية وفرض سيطرتها العالمية بتحقيق الاستقرار الطبقي في المراكز نتيجة أن الطبقة الرأسمالية استطاعت “تقديم تنازلات” للعمال جعلتهم يميلون إلى “الحوار”، ووسعت من الطبقة الوسطى، ووسعت السوق الداخلي عبر زيادة مطردة للأجور.

وعبر ذلك نهبت العالم، وأسست لثورات في الأطراف. لكنها اليوم، مع استمرار نهب الأطراف، تعود إلى خرق “الستاتيك” الذي أوجدته في المراكز، والذي قام على ما أسمي “المساومة التاريخية” بين العمل والرأسمال.

ويظهر ذلك أن نهب الأطراف لم يعد كافياً، وبالتالي تجب العودة إلى نهب العمال في المراكز، ويجب التخلي عن السياسة التي أسست لاستقرار طويل في المراكز، وهو الأمر الذي بات يعني تصاعد أعداد العاطلين عن العمل، وانحطاط الوضع المعيشي للعمال والفئات الوسطى.

فأزمة المديونية التي راكمت الثروة بيد طغم مالية باتت تُحل عبر نهب المجتمع، وبهذا يزداد التراكم المالي لدى تلك الطغم وينحدر وضع العمال والفئات الوسطى.

والمديونية شكل مهم من أشكال التوظيف المالي في الرأسمالية “الحديثة”، حيث باتت “استثماراً” يحقق الأرباح الأعلى (طبعاً دون أن يحقق أي فائض في القيمة).

وقد كانت المديونية مدخل الطغم الإمبريالية للتحكم في المسار الاقتصادي لبلدان الأطراف التي أُغرقت في مديونية كبيرة ذهبت إلى جيوب مافيات سلطوية، وفُرض عليها من ثم تغيير النمط الاقتصادي لكي يتواءم مع آليات النهب الجديدة التي نشأت في الرأسمالية الأحدث (خصوصاً بعد أزمة عام 1971)، تلك الأزمة التي فرضت على الإدارة الأميركية فك الارتباط بين الذهب والدولار لكي يتسنى لها طباعته دون احتياط من الذهب، بعدما أصبح التراكم المالي أضخم من أن يوظف في “الاقتصاد الحقيقي”، أي الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات، وبات بحاجة إلى مجالات توظيف “جديدة”، وجدت في ديون “العالم الثالث” هذا المجال الذي عنى نهب كل التراكم الذي حصل في “مرحلة التحرر”، بالشراكة مع فئات في النظم الطرفية ذاتها.

لكن هذا النهب زاد في التراكم المالي، وفرض زيادة الميل إلى التوظيف في هذا القطاع نتيجة الربحية الأعلى، وفي البحث عن أشكال جديدة للتوظيف الذي يستوعب المال المتراكم ويدرّ ربحاً أعلى، وهذا ما فتح الباب على أشكال جديدة من النشاط المالي سميت المشتقات المالية.

منذ عام 1971 إلى عام 2008 كان المسار الاقتصادي للرأسمالية يشير إلى أن القطاع المنتج في تعثر كبير، وأن القطاع المالي هو الذي يسير في تصاعد متسارع، إلى حد أن كل التقديرات تشير إلى أن 90% من الحركة اليومية للرأسمال تتمركز في القطاع المالي، وبالتالي فإن الاقتصاد الحقيقي لا يحظى إلا بنحو 10% من النشاط المالي.

وهذا الأمر فرض أن تتحكم الطغم المالية بمجمل الاقتصاد، وبالسلطة في الدول الرأسمالية، وأن تفرض منطقها عالميا، لكنه فرض كذلك أن تصبح آليات النهب هي السائدة في مجمل النمط الرأسمالي، ومن ثم يصبح الشكل الريعي هو الشكل “الطبيعي” في الأطراف، وأن يعود مبدأ “الإفقار المطلق” هو الشكل المهيمن من جديد في المراكز الإمبريالية (تخفيض الأجور، والتخلي عن الضمان الاجتماعي والصحي والتعليم المجاني، وزيادة العاطلين عن العمل).

وإذا كانت أزمة فيض الإنتاج قد عادت بعد نهوض أوروبا واليابان من جديد، ووضعت الاقتصاد الحقيقي في أزمة عميقة، فقد أوجد الشكل الجديد للرأسمال بهيمنة الطغم المالية (التي تنشط في المضاربات والمشتقات المالية وأسواق الأسهم والمديونية) أزمة أخطر، هي تلك المتعلقة بتضخم القيم دون وجود فائض قيمة، والذي يتمثل في تصاعد قيم المواد (وهنا العقارات والأسهم والعملة وحتى السلع الغذائية) بشكل تضخمي نتيجة المضاربات المالية.

إن ضخ الكتلة المالية الهائلة في شكل مضارب يرفع القيم بشكل متسارع، ويؤدي إلى أرباح خيالية تفرض امتصاص الرأسمال من الاقتصاد الحقيقي إلى هذا القطاع، لكن الأمر يؤدي إلى “انفجار الفقاعة”، وبالتالي حدوث انهيار مالي كبير يؤثر على مجمل الاقتصاد، بما فيه الاقتصاد الحقيقي طبعاً.

وهذا التصاعد الهائل في القيم لا يتناسب مع قدرات الاقتصاد الحقيقي، فيصل التضخم إلى لحظة لا بد من أن ينفجر فيها، ليحدث انهياراً مالياً هائلاً كما شهدنا في أزمة الرهن العقاري بالولايات المتحدة، وقبلها أزمة تقنية المعلومات (عام 2000).

وسبب تمركز الانفجارات في أميركا هو أنها باتت المركز المالي، أي أن بنوكها باتت مركز تراكم كل المال الفائض الذي كانت بحاجة إلى استقدامه من أجل تعديل “الميزان التجاري” بعدما باتت تستورد أكثر بكثير مما تصدر.

وهذا ما جعل القطاع المالي الذي ينشط في المديونية والمضاربة وأسواق الأسهم والمشتقات المالية هو القطاع الأساسي في الاقتصاد الأميركي، ومن ثم أصبحت أميركا مرتع الطغم المالية، وباتت في وضع أسوأ من كل البلدان الرأسمالية، وتقف على “شفير انهيار كبير”.

هذا التشكل للرأسمالية -وهو التشكل الأحدث الذي يتسم بسيطرة الطغم المالية- يؤشّر على أنها باتت تعاني من تضخم سرطاني لا علاج له، لهذا دخلت في دائرة الأزمات المستمرة، وفي وضعية إدارة الأزمة دون التفكير في إمكانية حلها، بالضبط لأن حلها يفترض شطب الطغم المالية ذاتها، وحرق تراكم مالي هائل بات عبئاً على الاقتصاد الحقيقي، ولهذا سنشهد أزمة مستمرة متصاعدة، مع انهيارات متتابعة بين الحين والآخر يمكن أن تطيح بدول.

إن هذه الوضعية باتت تفترض “تضخم التمركز” المالي -وبشكل متسارع- على حساب كل المجتمعات، في الوقت الذي يقود فيه إلى انهيارات مالية مستدامة، ومدمرة. ولهذا يتعمم الإفقار بشكل متسارع حتى في بلدان المراكز التي شهدت استقراراً طبقياً طويلا، ومن ثم يتحضر العالم لتصاعد في الصراع الطبقي سيفرض نشوء ثورات كبيرة في كثير من مناطق العالم.

المصدر: الجزيرة

الحرب والحل والثورة في سوريا

وضع المعارضة بات يسير في مسارين متناقضين، الأول هو الذهاب إلى جنيف2 وقبول الحل السياسي. والثاني الاستمرار في الصراع المسلح، وهذه المرة تحت يافطة إسلامية ومن أجل «دولة إسلامية».

بات واضحاً بأن «المسألة السورية» سائرة إلى جينيف. هذا ما يتوضح من القرار الذي صدر عن مجلس الأمن بخصوص استخدام الأسلحة الكيماوية رقم 2118. لكن ربما كان استخدام الأسلحة الكيماوية هو الذي وضع المسألة في سياق «عالي الوتيرة»، حيث باتت السلطة «تحت التهديد» رغم الإشارة الملتوية حول الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة، لكن الأمر يتعلق أكثر بالتهديد الأميركي باستخدام القوة، الذي يبدو أنه سيظل قائماً لوضع السلطة في مسار إجباري.

ولنلاحظ بأن «المسألة السورية» باتت مسألة دولية، ويرتبط حلها بالتوافق الأميركي الروسي بالتحديد، وحيث هما من سيفرض الحل والإيقاع للوصول إليه، وبالتالي من سينصّب «السلطة الجديدة». لذلك مسار طويل من تعثرات الثورة، وخيبة المعارضة وهزالها وتبعيتها، والتدخلات الإقليمية والدولية التي تنطلق من المصالح التي لها في سورية. كما من استمرار تماسك «البنية الصلبة» للسلطة، والوحشية التي تعاملت بها مع الوضع، وتمسكها بالاستمرار في السلطة رغم كل الصراع ضدها، ورغم عجزها عن أن تحقق الحسم كما أرادت طيلة السنوات التي مرت من عمر الثورة، ورغم حاجتها إلى أن تحمى من قبل قوات فعلية من إيران وحزب الله والقوى الطائفية في العراق.

لكن ذلك فتح على تناقضات أخذت في الظهور في صف الثورة، وتفكك بات يطال المناطق التي هي خارج سيطرة السلطة، وتعتبر مناطق محررة. فإذا كانت السلطة لم تستطع استعادة السيطرة على تلك المناطق رغم محاولتها ذلك بعد استرجاع مدينة القصير (بفاعلية من قوات حزب الله)، حيث فشلت في تحقيق اختراق حقيقي في حمص رغم العنف الذي مارسته، وفشلت في التقدم في ريف دمشق، حيث ظلت الغوطتان صامدتين. وخسرت مناطق جديدة بقوة الكتائب المسلحة في الشمال والجنوب (درعا).

فقد ظهر بأن هناك من يقوم مقامها في السيطرة على مناطق الشمال والشرق، ويفتعل الصراع مع الكتائب المسلحة. هذا هو الدور الذي باتت «دولة العراق والشام» (داعش) تعلنه، بعد أن قررت السيطرة على الشمال كله وتصفية كل الكتائب المسلحة فيه. وبالتالي السيطرة على كل الحدود مع تركيا. فقد اصطدمت أولاً مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ومن ثم مع لواء عاصفة الشمال، وحتى مع جبهة النصرة توأمها، ومع أحرار الشام القريب أيديولوجياً منها. كما عملت على فرض سلطتها وقانونها، وبدأت في الاعتقال والقتل، والتحرش بالناس. كل ذلك من أجل إقامة إمارة إسلامية (دولة الخلافة)، هذا هو منطقها أصلاً، لكن يبدو من التوقيت أن الأمر أبعد من ذلك، ويتقاطع مع ميل السلطة لإضعاف المعارضة ولتدمير قواها، في سياق سعيها إلى السيطرة على تلك المناطق، أو على الأقل إذا ما وضعنا الأمر في سياق عقد مؤتمر جنيف2، سيكون الهدف هو ضعضعة المعارضة وإنهاكها لكي تقبل ما يُطرح عليها هناك.

بالتالي، يمكن وضع كل ما قامت به داعش في سياق تكتيك السلطة، وهو في كل الأحوال فعل تدميري للثورة، وإنهاك لها. لكن الأمر لم يتوقف هنا، حيث أعلن 13 فصيلاً مسلحاً على رأسها جبهة النصرة وأحرار الشام، وكلها ذات توجه إسلامي، عن «نزع الشرعية» عن الائتلاف الوطني السوري، ورفض مؤتمر جنيف2، والتأكيد على إقامة دولة إسلامية. ومن هذه الفصائل ما كان يعتبر على صلة بجماعة الإخوان المسلمين، وهو لواء التوحيد الذي كان يعتبر الفصيل الأكبر في حلب. ثم تشكّل «جيش الإسلام» من 43 فصيلا وكتيبة إسلامية التوجه كذلك، وأيضاً أسقطت الشرعية عن الائتلاف الوطني ورفضت مؤتمر جنيف2، كما دعت لتأسيس دولة إسلامية. تبع ذلك تأسيس «جيش أهل السنة والجماعة»، ثم تشكيل «أمجاد الإسلام». وربما تخرج تشكيلات أخرى.

هذا الحدث، كما هو واضح من البيانات التي صدرت، يبدو كرفض لرسالة أحمد الجربا إلى الأمم المتحدة التي يعلن فيها التزام الذهاب إلى مؤتمر جنيف2. لكنه يتخذ شكلاً أيديولوجياً في الوقت ذاته. أي أنه لا يتعلق برفض جنيف2 فقط، بل بفرض بديل «إسلامي» على الثورة السورية. هناك من يعتقد بأن الأمر يتعلق بأن وحشية السلطة قد دفعت إلى تعمّق الأسلمة، وبالتالي تبلور الخيار الإسلامي. وأيضاً هناك من يعتقد بأن «الداخل» قد ملّ من المراهنة على الخارج، سواء تعلق الأمر بدور «القوى الإمبريالية» الذي ضخمت المعارضة الخارجية من إمكاناته، أو تعلق الأمر بالمعارضة ذاتها وبعجزها عن تقديم أية مساعدة، لا مالية ولا عسكرية ولا سياسية حتى. ولهذا فرض هذا وذاك الميل لبلورة «البديل الإسلامي» الذي قرّر أن يستقل في قراراته وسياساته.

لكن المشكلة تكمن في أن هذه التشكيلات على ارتباط مالي و»تسليحي» بالسعودية وبعض دول الخليج وفي تواصل سياسي معها. لهذا سيكون «الاستقلال» عن الخارج بلا معنى في كل الأحوال. والمشكلة الأخرى تكمن في أن ما بات يبدو كخيار إجباري في الذهاب إلى جنيف2، بعد أن ظهر انسداد الأفق أمام تقدم الثورة، والوضع غاية الصعوبة الذي فرض على الشعب، وغياب إمكانات الدعم الخارجي، أدى إلى تحولات في بنية المعارضة الخارجية همّشت بعض الأطراف (وهنا جماعة الإخوان المسلمين وإعلان دمشق) من أجل فسح المجال للمشاركة. هذا الأمر فتح على تفكك ممكن في المعارضة ذاتها، حيث ستعمل القوى التي تهمشت على إفشال دور المعارضة. ولقد بدأت بوادر الانشقاق تظهر من خلال تصريحات قيادات في الائتلاف الوطني.

في هذا الإطار يمكن تلمّس أن وضع المعارضة بات يسير في مسارين متناقضين، الأول هو الذهاب إلى جنيف2 وقبول الحل السياسي. والثاني الاستمرار في الصراع المسلح، وهذه المرة تحت يافطة إسلامية ومن أجل «دولة إسلامية». والفرز يتحقق في المستوى المسلح كما في المستوى السياسي.

كيف ستسير الأمور؟

إذا كانت الثورة في فوضى نتيجة الفشل في تنظيم الكتائب المسلحة وفي بناء قيادة سياسية مقبولة شعبياً وثورياً، فإن خطوة الكتائب الإسلامية سوف تزيد الشرخ، وتضعف إمكانيات الثورة لأنها سوف تضعف تقبل قطاعات مجتمعية أوسع لها وربما للثورة، وتؤسس لنشوب صراعات بينها وبين الكتائب الأخرى، يكمل ما بدأته داعش. ولهذا سيطول الصراع لكن دون أن يحمل إمكانية للانتصار، حيث يصبح الصراع متعدداً، أي ليس صراع الشعب ضد السلطة، بل وصراع ضد الأسلمة التي تحملها هذه الكتائب. وهذا يعقّد الأمور بالتأكيد.

إذن، سنلمس هنا بأن هذا الميل لفرض أسلمة الكتائب المسلحة والدعوة لتأسيس «دولة إسلامية»، سوف يطيل أمد الصراع، ويزيد في التدمير والقتل، والفوضى. فالوضع الآن يحتاج إلى فهم ميزان القوى، وكذلك إمكانات تعديله لمصلحة الثورة. ولاشك في أن هذه الخطوة لا تسمح بتعديل ميزان القوى لأنها تربك قوى الثورة ذاتها. وهذا يفتح على صراع طويل، ربما تريده بعض القوى (خصوصاً هنا الإخوان، والسلفيين والجهاديين) لأنها إما تنتصر أو تنهزم.

في المقابل لن يكون نجاح جنيف2 ممكناً إلا إذا كانت هناك جدية من قبل الروس خصوصاً، الذين هم المعنيين بترتيب وفد السلطة الذي يقبل الحل مسبقاً. ولاشك في أن قرار مجلس الأمن يفتح على تسهيل الظرف الدولي، لأنه سيحد من تدخلات القوى الإقليمية والدولية المعرقلة لهذا الحل. لكن ليس من الممكن أن ينجح الحل في ظل استمرار بشار الأسد ومجموعته، هذا أمر بديهي، ولهذا لابد من أن يحسم بطريقة من الطرق. ولاشك في أن ذلك هو الذي سيضعف من «تمرّد» الرافضين للحل السياسي، ويفتح على نجاحه واقعياً.

المصدر: العرب

هل سيجلب استخدام الكيميائي الحل في جنيف 2؟

d4252e3e-cea2-478f-bb4b-8703b5a495fcما إن أعلن أوباما تهديده بتوجيه ضربة عسكرية إلى النظام السوري حتى انفرجت أسارير كثيرة معتبرة أن اللحظة التي انتظرتها منذ اليوم الأول للثورة قد أزفت.

الائتلاف الوطني والمجلس الوطني ورهط من المنتظرين في الخارج أخذوا في تحضير أنفسهم معتبرين أن الأمر قد حسم، وأن أميركا التي لوعتهم سنتين ونصف قد أفاقت من “جهالتها” واندفعت لكي تحسم أمر الصراع ضد النظام في دمشق.

لكن فجأة تبخّر كل شيء، فقد أفرغ تهديد باراك أوباما من محتواه، وجرى التوصل إلى اتفاق أميركي روسي يخص تسليم الأسلحة الكيميائية، وانتهى الأمر.

لا شك في أن السلطة قد استخدمت الأسلحة الكيميائية بـ”دوز” أعلى من استخدامات عديدة سابقة، كان صاحب الخط الأحمر يغض النظر عنها، ويتوسل روسيا لكي تضبط “بيبيها” لتمنعه من استخدام هذا السلاح بعد أن اعتبره أوباما “خطاً أحمر.

ولا شك في أن كل الوقائع تثبت ذلك إلا للذين لا يريدون الاقتناع، فالأسلحة المستخدمة ليست بدائية الصنع، بل صواريخ.

وغبيّ كل من يشك للحظة بأن دولة ما، مهما كانت معادية، يمكن أن تقدم هذا السلاح لمجموعة مسلحة، لأن ذلك من الخطوط الحمر التي لا يجري التسامح بها، ببساطة لأنها يمكن أن تنقلب على فاعليها.

ولهذا تتمسك كل الدول بعدم اللعب بها، ويبقى الحصول عليها أمرا محصورا فقط في الدول، وواضح من تقرير المفتشين الدوليين نوع الصواريخ المستخدمة، وأرقامها، وبالتالي مصدرها، وحتى زاوية الإطلاق، الأمر الذي يسمح بتحديد مكان الإطلاق، الذي جاء مطابقا لأقوال الناس.

طبعا، إن القول بأن طرفا ما في المعارضة المسلحة هو الذي استخدمها، بالتحديد من أجل التدخل الأميركي سوف ينهار على ضوء ملاحظة مجريات الأحداث، والتراجع الأميركي السريع عن توجيه الضربة العسكرية (حتى وإن أعاد استخدام القوة المسلحة).

فقد بدا أوباما مترددا، وكان منذ البدء قد حدد أن الضربة هي محدودة وتتعلق بالأسلحة الكيميائية ولا تهدف إلى إسقاط النظام، ثم ظهر أن الوضع الشعبي العالمي لا يميل إلى التدخل العسكري، وحتى بريطانيا، الملحق الطبيعي بأميركا قرر برلمانها عدم المشاركة.

وتدخل الكونغرس لكي يفرض على الرئيس الرجوع إليه رغم أن حدود الضربة كما توضحت هي من حقه “الطبيعي”، وبالتالي بدا أن أميركا مشلولة، ولهذا وافقت على سحب السلاح الكيميائي وفق المقترح الروسي.

ولكن هل كان استخدام السلاح الكيميائي ضرورة بالنسبة إلى السلطة؟
إذا كان هناك من يشير إلى أن السلطة كانت تتقدم عسكريا، وبالتالي لم تكن بحاجة إلى استخدام هذا السلاح، خصوصا وأن لجنة المفتشين موجودة في سوريا، فإن الوقائع كانت تشير إلى عكس ذلك تماما.

فقد حاولت تحقيق “انتصارات” جديدة بعد أن سيطرت على مدينة القصير، لهذا تقدمت لاستعادة حمص وريف دمشق، لكن أشهرا مرت دون أن تستطيع ذلك، سوى بعض التقدم في أحد أحياء حمص (حي الخالدية)، وفشلت فشلا ذريعا في كل ريف دمشق، وفي الوقت ذاته كانت تمنى بخسائر في الشمال والشرق وفي مناطق درعا.

وإذا كانت تريد تحقيق انتصارات لكي تعزز وضعها التفاوضي في مؤتمر جنيف 2، فقد اقترب المؤتمر دون أن تستطيع فعل شيء.

لقد استخدمت السلاح الكيميائي يوم 21 أغسطس/آب الماضي، وكان اجتماع الخبراء الأميركيين والروس سوف ينعقد يوم 26 أغسطس/آب الماضي لترتيب عقد المؤتمر في سبتمبر/أيلول.

بالتالي كان يبدو أن السلطة تسارع لتحقيق انتصار جديد قبيل انعقاد المؤتمر، لهذا لم يكن أمامها سوى الأسلحة الكيميائية لكي تربك الكتائب المسلحة في الغوطتين، وتتقدم للسيطرة عليها.

وبطبيعة الحال فقد كانت تعتقد بأنها محمية من قبل الروس، وأن أميركا ليست قادرة على القيام برد فعل كما حدث في مرات سابقة، ثم استخدمت وجود المفتشين لنفي ممارستها انطلاقا من أنه ليس من الممكن أن تقوم بهذه “الفعلة الشنيعة” واللجنة على الأرض السورية.

هنا هي كما كانت -وكما فعلت في كثير من الحالات- تحضر النفي لإخفاء الممارسة، أي إنها تتقصد وجود عنصر يصبح مبرر النفي لممارستها.

فكما يقال إنه ليس من الممكن أن تقوم بهذا الفعل واللجنة في سوريا، يمكن أن يقال إنها انطلقت من هذه “البديهية” لكي تمارس فعلتها، الأمر الذي يوفر لها ستارا ضروريا للإنكار.

لكن “الانهيار السريع” في الموقف، والموافقة على تسليم كل الأسلحة الكيميائية (حتى دون الإشارة إلى وجود سلاح كيميائي لدى المعارضة كما تتهم ويكرر إعلامها)، حتى دون اعتبار للمسألة الوطنية برمتها (حيث كان السلاح الكيميائي هو المقابل للسلاح النووي الذي تمتلكه الدولة الصهيونية)، يشي بأن الأمر بات واضحا.

وبغض النظر عما يصرّح به الروس فهم يعرفون بدقة أن المسألة باتت واضحة، وأنهم مورطون بها (كما ظهر أن ألمانيا ودولا أخرى قد باعت أسلحة كيميائية للسلطة).

وكانت مسارعتهم لسحب الأسلحة هي التعبير عن فشلهم في ضبطها، ومنع السلطة السورية من استخدامها، وفي كل الحالات لا أميركا ولا روسيا لديها تردد في اعتبار أن ذلك ضروري لمصلحة الدولة الصهيونية.

أميركا لم تكن معنية بالملف السوري منذ بدء الثورة، ومن يعتقد غير ذلك فلأنه ما زال يعيش أجواء الحرب البارة، وجبروت أميركا الذي تلا انهيار الاتحاد السوفياتي.

ولقد أدت الأزمة المالية إلى تغيير كلية وضعها، وفرضت أن تعيد تموضعها عالميا، وهذه المرة بعيدا عن “الشرق الأوسط”، حيث باتت أولويتها منطقة آسيا والمحيط الهادي.

ولقد أصبحت مقيدة في استخدام قوتها العسكرية نتيجة أزمتها الاقتصادية العويصة، وأيضا باتت تنزع إلى “الانكفاء الداخلي” والحفاظ على وضعها كقوة عالمية، وليس كـالقوة العالمية المسيطرة.

وهذا الأمر جعلها “تبيع” سوريا (وربما الشرق الأوسط فيما عدا الخليج) لروسيا، وهو الأمر الذي فتح للتوافق الأميركي الروسي على مبادئ جنيف 1، وعلى عقد جنيف 2 وفق الرؤية الروسية.

ما أربك الإدارة الأميركية هو أنها بذلت مجهودا كبيرا لـ”تزبيط” الأطراف الإقليمية التي كانت لها “أطماع” في سوريا، أو التي كان يبدو أنها “تلعب” في الوضع السوري، مع إعادة ترتيب المعارضة الخارجية (الائتلاف الوطني) لكي تقبل بالحل الروسي.

ولكن السلطة اندفعت -بعد أن استطاعت تحقيق الدعم للتوافق الأميركي الروسي ولحل جنيف 2- إلى تصعيد الصراع من أجل تغيير موازين القوى، وزادت في استخدام الأسلحة الكيميائية، الأمر الذي كان يُظهر أميركا وكأنها تخرج منهزمة من المنطقة، خصوصا بعد ما حدث في مصر، ودفاعها عن سلطة الإخوان المسلمين (وتمرّد قيادة الجيش التي كانت تُحسب عليها).

لقد تكسر الخط الأحمر الكيميائي، وبدأت القوى التي كانت تحت قبضتها تتفلت من سيطرتها، لهذا كان الأمر بحاجة إلى “شدة أذن” للقول بأن أميركا ما زالت قوية وقادرة، لكنها لم تعد تريد الحرب، لكنها إذا ما اضطرت سوف تفعل.

حصلت أميركا دون حرب على اتفاق بتخليص سوريا من الأسلحة الكيميائية، هذا نجاح لا شك في ذلك، وسرعة قبول السلطة يؤكد هذا الأمر.

ولكن هل استعادت هيبتها؟ ربما ليس بعد، فهذا يعتمد على مجريات تسليم الأسلحة الكيميائية وتدميرها، وحتى وإن قامت أميركا بتوجيه ضربة عسكرية فإن الأمر الذي بات واضحا هو أنها لم تعد تلك القوة التي تقرر، وأصبحت تتراجع وتنحدر.

السؤال الذي يبقى قائما هو: هل يفضي رعب السلطة إلى تسهيل أمر جنيف 2؟
إن الاتفاق على سحب الأسلحة الكيميائية سوف يعيد مسار جنيف 2 بالتأكيد.

هل ستكون السلطة قد هزلت إلى حد الموافقة على المبادئ المطروحة، التي تعرف هي أنها ستودي بها في كل الأحوال، برغم تردد الروس وغموضهم في هذا المجال؟

أما المعارضة فقد باتت محكومة بسياق دولي يفرض عليها الذهاب إلى جنيف 2 بغض النظر كذلك عن كل التصريحات، وربما كان “الخذلان الأميركي” الجديد هو المدخل الذي يعبّد الطريق.

المصدر: الجزيرة

فوضى الثورة

فوضى الثورة تتسع، ويبدو الوضع وكأن “الثوار” سيتقاتلون، والأمور تسير نحو “الكفر” بالثورة، وإذا كانت السلطة تفشل في إنهاء الثورة وتحقيق انتصارات عسكرية، وظهرت مكشوفة عارية بعد مسكها متلبسة بجرم استخدام الأسلحة الكيماوية، فيبدو أن هناك من يريد قلب هزائمها انتصارات.

داعش قررت السيطرة على المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، وبدأت حملة لتصفية “الجيش الحر”، والكتائب المسلحة الأخرى بما في ذلك جبهة النصرة “توأم روحها”. وبات كل الانتباه ينحو نحو كيف يمكن رد تغوّلها، ودرء معركتها.

البعض يعتبر ممارستها خطأ فقط، والائتلاف يصدر بياناً هزيلاً، وآخرين استفاقوا متأخرين على الخطر الذي زرع بعد اكمال الثورة عامها الأول، والذي كان واضحاً أنه سوف يوصل إلى هذه النتيجة، لسببين جرى التنبيه منهما منذ البدء، الأول هو أن “منطقها” (كمنطق كل “الجهاديين”) يقوم على “ملء الفراغ” بإقامة “دولة الخلافة” رغماً عن الشعب، وهذا ما يفرض أن تصطدم مع الشعب والقوى الأخرى بالضرورة، وبالتالي يقود إلى جر الثورة إلى متاهة تدمرها. والثاني أنها (ككل “الجهاديين”) مخترقة لأجهزة مخابرات، أولها السلطة ذاتها التي تعاملت مع هذا النمط منذ زمن طويل وروضت العديد من عناصره، وزرعت فيه من يوجه بما يخدم سياساتها. وكانت كل المعلومات توصل إلى أن للسلطة يد في تشكيل “جبهة النصرة” ومن ثم داعش.

لهذا وجدنا هجوم داعش يترافق مع هجوم السلطة لاستعادة السيطرة على حمص والغوطتين ودير الزور بعد السيطرة على مدينة القصير. وبالتالي من الطبيعي أن يكون الهدف هو إلهاء وتدمير الكتائب المسلحة لكي تكمل السلطة سيطرتها على الشمال والشرق.

في المقابل أدت الخلافات في الائتلاف الوطني، واختلال التوازنات الإقليمية لغير مصلحة بعض الدول، إلى الدفع نحو “شق” الكتائب المسلحة، وتكتيل مجموعات أعلنت رفض الائتلاف الوطني ومؤتمر جينيف2، واعتبرت أنها هي الثورة. بالتالي من خسر في توازنات الائتلاف الوطني، ومن خسر في الصفقات الدولية، بات يسعى إلى تخريب المسار الذي رسم لحل “المسألة السورية”. وهنا نلمس بأن كل هذه الفوضى باتت مرتبطة بالحل السياسي من خلال جنيف2.

السلطة تريد تحقيق انتصارات، كما تريد تشويش و”بهدلة” المناطق “المحررة”. ومن خسر على المستوى السياسي يريد تخريب الحل لأنه يريد أن يهيمن هو حتى وإنْ تدمرت سورية.

والمشكلة تكمن في أن كل الأطراف التي تدعي أنها جزء من الثورة ليس لديها أي حل، وهي تتكل على “الله” في استمرار الصراع دون أن تلمس طريقاً يوصل إلى انتصار. وكل الانتصارات التي تجري هي نتاج بطولة وجرأة المقاتلين الذين يريدون إسقاط النظام، لكن هذا ليس كافياً للوصول إلى الانتصار.

لقد زرعت الثورة بكل عناصر التخريب، وركبها كل من يريد النهب، وكثير من “النصابين”، ونشطت باسمها عصابات نهب وسرقة، دون أن يكون ممكناً تنظيم وضعها بما يمنع كل ذلك. والمعارضة تقاتلت من أجل فرض كل طرف “شرعيته”، وكان كل منها يريد السيطرة من أجل مصالحه هو، ويتسرع في السيطرة إلى حدّ التخريب على الثورة. والآن ينقل هذا الصراع إلى الكتائب المسلحة، حيث بتنا إزاء ثلاث كتل: داعش وهي وحدها تقاتل الكل، والتحالف الجديد بين 13 فصيل مسلح تريد إقامة الدولة الإسلامية (وهي على تواصل مع الإخوان المسلمين، والسعودية وتركيا)، وأخيراً عدد كبير من المقاتلين الموزعين على عشرات الكتائب المسلحة، والذين هم الاستمرار الثورة، لكنهم في فوضى مزرية، ويفتقرون السلاح والمال.

كيف ستسير الأمور؟ واضح أن جينيف2 قادم، وهذا يعني ازدياد التصارع بين هذه القوى. فداعش تريد تهزيل المعارضة بسحق القوى المسلحة على الأرض. والتحالف الجديد يريد تطوير الصراع المسلح (حتى بشكل خاطئ) من أجل افشال جينيف2، بعد أن تهمّش دور الإخوان المسلمين وإعلان دمشق، وهما الطرف الذي لعب وسيعلب دوراً سيئاً في الفترة القادمة.

والنتيجة فرض حل “دولي”، هو الحل الروسي. فحين يتشوه أفق الثورة، ويضيع الشعور بإمكان الانتصار، تصبح القوى الدولية هي المقرر، وهذا ما جرى الشغل عليه طيلة الأشهر السابقة.

المصدر: صدى الشام