Monthly Archives: مارس 2015

الثورات بعد أربع سنوات

رغم كل الأجواء التي تشي بالارتباك والتشوش وحتى باليأس فإن أربع سنوات مرت على بدء موجة ثورية كبيرة اتسمت بتمرد الشعب في معظم البلدان العربية، وتحولها إلى ثورات في خمس منها.

ولا شك في أن الأحلام الأولى ربما تكسرت لدى البعض أو تشوشت لدى آخرين، وأن حالة الوحشية التي باتت تحكم الصراع في سوريا أصبحت تغطي على تلك الأحلام، وتغرقها بالدم. وبات البعض يعتقد أن الثورات انتهت، وآخرون يعتقدون أنها لم تكن ثورات أصلا، كما استمر البعض بالحديث عن مؤامرات، وتآمر إمبريالي رغم توضح مجمل سياسات الإمبريالية التي تُختزل بأميركا.

كل ذلك يفرض وقفة ما، وتدقيقا معينا، وتقييما شاملا من أجل فهم ما جرى، وكيف سارت الأمور، ومن ثم لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه، سواء من تعثر الثورات أو يأس الفئات الوسطى؟ ولماذا لا زال الشعب مصمما على التغيير عبر الثورة؟

“كل “رومانسية” اللحظات الأولى سقطت مع تقدم الصراع وتعقد الأمور، وخصوصا بعد أن بات العنف الوحشي هو وسيلة النظم لمواجهة شعوب تتوق للحرية وتريد التغيير من أجل أن تستطيع العيش. وبتنا في حالة سواد ينتشر، وإحباط كبير، وحتى عجز عن رؤية أفق وردي ممكن”

إن كل “رومانسية” اللحظات الأولى سقطت مع تقدم الصراع وتعقد الأمور، وخصوصا بعد أن بات العنف الوحشي هو وسيلة النظم لمواجهة شعوب تتوق للحرية وتريد التغيير من أجل أن تستطيع العيش. وبتنا في حالة سواد ينتشر، وإحباط كبير، وحتى عجز عن رؤية أفق وردي ممكن.

هذا يفرض تناول المسألة من زوايا متعددة، لكن هنا لا بد من أن نلمس أزمة الثورات، فهي الأساس في كل التطورات التي حدثت والمآل الذي وصلنا إليه. لماذا كانت الثورات في أزمة منذ البدء؟

طبقات متعددة شاركت في الثورات، من العمال والفلاحين والفئات الوسطى إلى بعض “الرأسماليين”.

ولا شك أن الأوضاع الاقتصادية التي نشأت منذ بدء التحول الليبرالي وتخلي الدولة عن دورها في الاستثمار والتشغيل وضبط السوق، أفضت إلى حالة إفقار طال كل هؤلاء، بعد أن تمركزت الثروة بيد أقلية مافياوية تعتمد السلطة أداة للنهب ومراكمة المال. في ظل فرض العولمة التي كانت تعبر عن مصالح طغم مالية تتحكم بالدول الكبرى، وعبر هذه الدول عملت على فرض “فتح الأسواق” إلى أقصى حد ممكن، بما يسمح بتعميم نشاط المضاربات المالية عبر “الاستثمار قصير الأجل”، والنشاط في البورصات، وهو ما كان يعزز نهب المجتمعات. كل ذلك كان يفترض وجود نظم مافياوية بوليسية، ويفضي إلى تفتت الأحزاب وتهميشها، ونشوء فئات شبابية معطلة أو مفقرة، تعيش حالة انسداد الأفق.

من فجر الوضع هم مفقرون، وخصوصا من فئات شبابية، وفئات وسطى شبابية، لكن كل هؤلاء لم يكونوا يمتلكون وعيا سياسيا، ولا تجارب تساعد على الفعل السياسي. لهذا كانت الثورات عفوية جدا، لعب الشباب دورا محوريا فيها. وإذا كان المفقرون من العمال والفلاحين الفقراء والمتوسطين ومن الفئات الوسطى يؤيدون تحقيق ما يسمح لهم بالعيش، وبالتالي فهم يعرفون ما يريدون بالمعنى المباشر، لكن دون معرفة كيف يتحقق سوى أن ما توصلوا إليه هو “إسقاط النظام” الذي أوجد الظروف الصعبة التي يعيشونها.

أما الشباب الذي حرك وتحرك فقد كان يعتقد بأن التمرد وحده سيكون كافيا لإسقاط النظام، وأن الحشد الكبير سوف يفرض سقوطه، أي دون رؤية لكيفية السقوط بالمعنى العملي، ولا معرفة ما هو البديل. وإذا كانت تجربة الأحزاب قد أبعدتهم منذ زمن عنها، وأوصلتهم إلى رفض “الأيديولوجية والتنظيم”، فقد استحكم في تصورهم أن “البديل الوردي” (غير المحدد المعالم) سيأتي حتما. كيف؟ هذا ما لم يكن واضحا على الإطلاق، وبدا أن المراهنة تقوم على ولادة بديل “من السماء”، وهذا ما جعلهم يعتقدون أنهم انتصروا لحظة الإعلان عن هروب بن علي أو تنحية حسني مبارك.

هذا الأمر كان يعطي المجال للطبقة المتحكمة بالسلطة لأن تناور عبر التضحية بالرئيس، الذي كان الفكر السياسي والإعلام يعمم أنه النظام والسلطة، وهو ما أنجح المناورة وأوهم الشباب والشعب بأن النظام قد سقط.

“من فجر الوضع  خلال الثورات هم مفقرون، وخصوصا من فئات شبابية، وفئات وسطى شبابية، لكن كل هؤلاء لم يكونوا يمتلكون وعيا سياسيا، ولا تجارب تساعد على الفعل السياسي. ولهذا جاءت الثورات عفوية جدا، ولعب الشباب دورا محوريا فيها”

هنا سنلمس أن الكتلة الأساسية في الثورة لم تكن تملك بديلها، وكان وهمها أن البديل سيتحقق “وحده” حال سقوط النظام. وظل هؤلاء يقاومون الأدلجة والتنظيم حتى بعد استمرار الصراع مع “النظام الجديد”، ويراهنون على أن رفضهم العملي سوف ينتج البديل، طبعا من خارجهم. وهو ما سمح بانتشار المراهنات على طرف في السلطة، ثم على حزب، ثم على تحالف أحزاب، وحتى على شخص. ومرت سنوات ثلاث على الأقل والأمور تسير في هذه الوضعية رغم استمرار الحراك، الذي كان يتضخم في بعض الأوقات، والذي أوصل إلى ثورة جديدة في مصر، وحراك كبير في تونس.

كان كل ذلك جزءا من عفوية الثورة، حيث كان الانفجار عفويا، والحراك عفويا، والشباب الذي لعب دور المنظم والمحدد للشعارات كان عفويا رغم كل ذلك. لقد رفض النظام الاستبدادي المعتدي والمفقر للشعب، لكنه لم يكن يعرف ما البديل، رغم أنه انحكم لوهم أنه يعرف.

ولم يكن يمتلك وعيا سياسيا حيث كان جله بعيدا عن السياسة منكفئا إما نحو ما هو روحي (الدين)، أو متلهيا بما هو عبثي، مستغرقا بالنت الذي كان بالكاد قد انتشر، وبحياة خاصة، وهي نتيجة لمأزق انسداد الأفق بعد التراجع الشديد في فرص العمل أو الحصول على أجر يسمح بالعيش، كما هو نتيجة استبدادية طويلة مارستها النظم، بالتوازي مع تفريغها الثقافة والتعليم من كل قيمة، وسماحها بانتشار أفكار “أصولية”، “سلفية”، سطحية وتعزز الأوهام.

لهذا كان طبيعيا أن تكون الأزمة المعيشية هي العنصر المفجر لقطاع واسع من الشعب، ويكون التوق إلى الحرية التي تسمح بتطوير الفكر والنشاط السياسي هي العنصر المحرض لفئة من الشباب كان بدأ ينشط بشكل أو بآخر، لكن كل ذلك لم يكن يهيئ لأن يستطيع هؤلاء تنظيم الثورات وتحديد هدفها بعد إسقاط النظام، من حيث تحديد السلطة الجديدة والسياسة التي ستتبعها من أجل تحقيق مطالب الشعب.

هذه مسائل من “اختصاص” الأحزاب التي تريد تمثيل طبقات شعبية، لكن الأحزاب (واليسارية خصوصا) كانت قد انعزلت عن الحراك المجتمعي منذ تحققت التحولات بعد التغيير الذي حدث أواسط خمسينيات القرن العشرين، وظلت تنحكم لمنظور “قديم” رغم كل التغيير الذي تحقق، ومن ثم انتقلت إلى التركيز على الحريات والديمقراطية من خلال الضغط على النظم كي تقبل بـ”التحول الديمقراطي”.

وكان “الميل اليساري” الذي حكم التجارب السابقة يجعلها تميل لرفض كثير مما كانت تطرح، ومركزة خطابها حول الديمقراطية، والإغراق في تبني اللبرلة التي كانت السبب الجوهري في عملية التحول الاقتصادي ومركزة الثروة، وبالتالي إفقار الطبقات الشعبية.

بهذا كانت تمركز نشاطها في مسار مختلف عن المسار الذي يُدفع الشعب إليه، أكثر من ذلك كانت قد أصبحت في كامل القناعة بضرورة اللبرلة، وبالتالي فإن خلافها مع النظم يتمحور حول “شكل السلطة” الاستبدادي. وهو الأمر الذي لم يكن يسمح لها بتلمس الاحتقان الذي يتراكم لدى الطبقات الشعبية، ولم تكن تعتقد بأن الشعب يمكن أن ينفجر في ثورة.

ربما تكون بعض الشعارات الديمقراطية التي طرحتها في نشاطها المعارض قد تسربت إلى قطاع من الشباب الذي حملها لكي يجعلها جزءا من مطالب الثورة، لكن دور هذه الأحزاب في الثورات كان هامشيا في الغالب، ولم تطرح أكثر مما طرح الشباب الذي يلعب الدور المحوري في الثورة، بيد أنها اعتبرت أن ما أنتجته الثورة في مرحلتها الأولى كافيا، واعتقدت أن الأمور سوف تسير لتكريس نظام ديمقراطي تعددي، يلتزم بانتخابات حرة دون تزوير، ما يسمح بنشوء نظام برلماني يتيح المعارضة وتداول السلطة.

“ما يمكن قوله هنا هو أن الثورات افتقدت للبديل كرؤية وأهداف وبرنامج وإستراتيجية، كما افتقدت للأحزاب التي تسطيع أن تغرس هذه الرؤية في أوساط الطبقات الشعبية، وتعمل على تنظيم حراكها بشكل يسمح بإسقاط النظام فعليا، وبفرض البديل الذي يحقق مطالبها”

مع الوقت بات هذا هو شغلها الشاغل، ومحور نشاطاتها، متجاهلة مطالب الطبقات الشعبية، وناسية أن الشعب هو الذي صنع الثورة، وأنه صنعها من أجل حل مشكلات البطالة وتدني الأجور وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية.

ولهذا تشكلت أحزاب ليبرالية، ونشأت تكتلات يطغى عليها الميل الليبرالي، وتراجع الاهتمام بالوضع المعيشي، ومشكلات البطالة، رغم استمرار الإضرابات العمالية، وأشكال متعددة للاحتجاج على استمرار تدني الأجور والبطالة، واستمرار اهتمام الحراك الشعبي بالمسألة الاجتماعية وليس بالمسار الديمقراطي، وهو ما كان يظهر من خلال تدني نسبة المشاركة في التصويت، خصوصا بين الشباب.

إذاً، ما يمكن قوله هنا هو أن الثورات افتقدت للبديل كرؤية وأهداف وبرنامج وإستراتيجية، كما افتقدت للأحزاب التي تسطيع أن تغرس هذه الرؤية في أوساط الطبقات الشعبية، وتعمل على تنظيم حراكها بشكل يسمح بإسقاط النظام فعليا، وبفرض البديل الذي يحقق مطالبها.

وإذا كانت الأحزاب القائمة تزداد عجزا وتهميشا فإن حتمية استمرار الطبقات الشعبية بفرض التغيير، خصوصا مع تراكم خبرات الفئات الشبابية التي تلعب دورا “قياديا” فيها، وتطور وعيه، سوف تفرض نشوء البديل، مع تطور الثورات ونضجها، وبالتالي انتصارها.

بالتالي الأزمة هي أزمة بديل، وليس من الممكن أن تنتصر ثورة لا تحمل بديلا. وهذا ما يفرض محورة النشاط حول ذلك وليس الهروب إلى اليأس والوهن، أو اعتبار أن الحلم الوردي قد انتهى.

المصدر: الجزيرة

Advertisements

عن الوهم والهلوسة.. الموقف الأميركي من سوريا

التصريحات الأميركية تجاه سوريا تبدو مرتبكة ومتناقضة، لكنها باتت تشير أكثر إلى “علاقة ما” مع نظام بشار الأسد. تصريح جون كيري الأخير كان الأكثر وضوحا ربما، وقد أثار ارتباكا في طرف الرافضين للنظام، وفرحا لدى “الممانعين” الذين يعتقدون أن ذلك هو الدلالة على انتصار النظام، ومن ثم على بقائه.

ربما كانت المنظورات السابقة هي التي حكمت النظر إلى الموقف الأميركي حين بدأت الثورة السورية، حيث اعتبر مؤيدو النظام أن ما يجري هو مؤامرة أميركية، وأن أميركا هي “العدو الرئيسي” الذي يسعى إلى تغيير النظام وتدمير سوريا، وهو الموقف الذي ظل ثابتا طيلة السنوات الأربع من الثورة.

المعارضة التي اعتبرت أنها مع الثورة، واشتغلت على فرض ذاتها قيادة لها، انطلقت من بديهية أن أميركا ضد النظام السوري وتريد تغييره، وبالتالي سوف تستغل ما يحدث من أجل تحقيق ذلك، لإنهاء حزب الله وطرد إيران من المنطقة. وبهذا أسست إستراتيجيتها على أساس أن التدخل الأميركي هو أمر حتمي، وأن عليها أن تعلن ذاتها قيادة لكي تستدعي التدخل.

“حين بدأت الثورة اعتبر مؤيدو النظام أن ما يجري مؤامرة أميركية، وأن أميركا هي “العدو الرئيسي” الذي يسعى إلى تغيير النظام وتدمير سوريا، كما اعتبر المعارضون أنها أيضا مع الثورة وتريد الإطاحة بالنظام”

لكن الموقف الأميركي جاء مختلفا عن كل هذه الأوهام، فقد عمل باراك أوباما منذ أصبح رئيسا على إعادة العلاقة مع النظام السوري، وقد تسارع التحسن في العلاقة في العام 2010، ومن يعد إلى التصريحات والتسريبات حينها يلمس الغزل الذي كان يصدر من الطرفين.

لقد أتى أوباما إلى السلطة بعد أزمة مالية كبيرة كانت تفرض إعادة بناء التموضع الأميركي في العالم، وبالتالي التراجع عن سياسات جورج بوش الابن، وإن ظل يريد الحفاظ على زخم السيطرة الأميركية التي بدأها بوش، على الأقل في السنة الأولى من حكمه، لكن استمرار الأزمة بعد سنتين من انفجارها رغم السياسات التي اتبعها لإصلاح الاقتصاد، جعله يعيد التفكير في كلية الوضع الأميركي، وهو ما أفضى إلى إعلان إستراتيجية جديدة تقلص من الطموح الأميركي للسيطرة على العالم، وتحصر الأولوية الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادي (أي التخلي عن أولوية الشرق الأوسط، فقط مع بقاء الأهمية نفسها لمنطقة الخليج العربي). وهو ما دفع إلى محاولة تطبيع العلاقات مع النظام السوري بعد الوصول إلى نتيجة العجز عن حل الأزمة سنة 2010، والاكتفاء بإدارتها.

في هذه المسافة بين الوصول إلى نتيجة تقول بالعجز عن حل الأزمة وإقرار إستراتيجية جديدة (2010/2012) حدثت الثورات في البلدان العربية، ولذا سارعت الإدارة الأميركية لتحقيق تغيير سريع في تونس ومصر، واعتبرت أن امتصاص الأزمة يفترض مشاركة الإخوان المسلمين في السلطة، وهي المسألة التي كانت مطروحة قبيل الحرب على الإرهاب، وأعاد أوباما طرحها بعد أن حاول تعديل العلاقة مع “الإسلام” في خطاب القاهرة سنة 2009.

وفي ليبيا ترددت أميركا كثيرا قبل أن تشارك في التدخل العسكري بخجل، لكنها على الصعيد السوري بدت غير مبالية، وبعيدة عن أن تنخرط في الحدث، وكان يبدو أنها لا تمتلك رؤية لما يمكن أن تفعل، خصوصا بعد “تصالحها” مع السلطة قبيل الثورة، وكما تسرب فقد بدأت مفاوضات مع الدولة الصهيونية برعايتها.

وكل التصريحات حول الوضع السوري كانت عائمة، وتشير إلى القلق بشأن ما يجري، وتطالب بالوصول إلى تفاهم بين السلطة والشعب، ولم تنطق بضرورة تنحي بشار الأسد إلا في وقت متأخر، وبخجل كذلك، وهي من خلال ذلك لم تكن متحمسة لسياسة تركيا وقطر وفرنسا التي كانت قد توصلت إلى ضرورة تغيير النظام بعد ضغط على السلطة لمطالبتها بالإصلاح.

ولهذا دعمت هذه الدول تشكيل المجلس الوطني لكي يكون مدخل التدخل الذي طرحته على حلف الناتو، والذي أُفشل نتيجة الرفض الأميركي، وقد فاجأت أميركا حلفاءها بدعم الدور الروسي في سوريا بعد أن طلب أوباما من روسيا بداية سنة 2012 رعاية مرحلة انتقالية في سوريا كما جرى في اليمن، وهو ما تبلور في التوافق على بيان جنيف في 30 يونيو/حزيران 2012، الذي أعطى لروسيا الدور المركزي في الحل.

“كل تصريحات الأميركيين حول الوضع السوري كانت عائمة، وتشير إلى القلق بشأن ما يجري، وتطالب بالوصول إلى تفاهم بين السلطة والشعب، ولم تنطق بضرورة تنحي بشار الأسد إلا في وقت متأخر، وبخجل كذلك”

لقد باعت أميركا سوريا لروسيا كما أشرت مرارا منذئذ، وظهر أن اهتمامها بسوريا ليس أساسيا، بعد أن قررت نقل أولويتها إلى آسيا والمحيط الهادي، وباتت معنية بالتفاهم مع روسيا. وفي كل هذه المرحلة رفضت تسليح المعارضة، وأصرت على تشكيل معارضة توافق على الحل الروسي. لكن روسيا لم تستطع رعاية ناجحة للحوار.

وبعد تصاعد العنف الدموي والدمار، كانت الإدارة الأميركية -ولا شك- فرحة أن هناك من يقوم بما قامت به في العراق، وكانت تحلم بأن يتحقق في سوريا، لتدمير كل المنجزات التي تحققت خلال عقود سابقة. ولهذا سهلت كل الأشكال التي تساعد على تصاعد هذا الشكل من الصراع، وعلى محاولة تحويله إلى صراع طائفي، وسهلت دخول تنظيم القاعدة ومن ثم تنظيم الدولة (داعش) في الصراع، لأنها كذلك كانت تريد سحق الثورة بعد أن باتت الثورات تشكل خطرا داهما، وهو ما كان يظهر في خطابها المراوغ والمتقلب، والذي كان يهدف إلى اللعب في الصراع ومده ومنع حسمه. ولقد نجحت في ذلك دون أن يكون لها دور مباشر، وأعتقد أنها ما زالت تعمل على “الخطة” نفسها.

حين قررت الضغط على إيران، عموما وفي العراق خصوصا، وجدت أنه يمكن أن تكون الورقة السورية جزءا من هذا الضغط. لهذا مدت “الحرب ضد داعش” إلى سوريا مع تأكيدها أنها لا تهدف إلى إسقاط النظام، أو حتى الاحتكاك به، كما ظهر في الأشهر الماضية. لكن باتت سوريا أحد أوراق التفاوض والمساومة مع إيران، وإذا كانت تريد تعديل وضع الدولة العراقية بحيث يكون لها تأثير مباشر عليها بعد أن فقدته إثر انسحابها نهاية سنة 2011، فإن سوريا هي ورقة قابلة للتنازل لأنها لا تجد أن لها مصالح تفرض عليها التمسك بها.

بالتالي لا تكمن المشكلة في أن أميركا يمكن أن تحاور الأسد، فهذا لا قيمة له ما دامت لا تريد التحصل على مصالح في سوريا، وباتت ترى أنها غير معنية بها في ظل سياستها العالمية التي تبتعد عن “الشرق الأوسط” (وتبقى في الخليج). بل المشكلة تكمن في أنها تساوم على سوريا مع روسيا والآن مع إيران، ومن ثم تنطلق من أنها ورقة بيدها لا يعنيها مصيرها إلا كونها ورقة.

هذا الأمر هو الذي يفسر الخطاب الأميركي المتردد والمتقلب والغامض إلى حد ما، فأميركا تناور بالورقة السورية، لهذا لا تريد دعم المعارضة، لأنها لا تريد أن تنجح الثورة، على العكس تريد أن تتشوه وتتطرف، وتتحول إلى مجزرة، ولا تريد إسقاط النظام، لأنها لا تريد أن تسيطر في سوريا بعد أن أخذت في الانسحاب من المنطقة.

“ما تلتزم به أميركا هو ألا تساعد في اختلال ميزان القوى العسكري، وما تقوم به الآن من تدريب لقوات من المعارضة هو لأجل الحرب ضد داعش وليس ضد النظام. أي أنها تحرف الصراع إلى سياق آخر بعيدا عن النظام تحت حجة “الحرب ضد داعش” “

لا شك أن أميركا حققت ما أرادته أصلا، أي التدمير والقتل، لكن ليس بيدها بل بيد السلطة نفسها. وهي الآن تُدخل الورقة السورية ضمن الأوراق التي تلعبها مع إيران، في سياق التوافق على دور إيراني إقليمي، لكنها أيضا تبقي الورقة السورية للمساومة مع روسيا رغم تصاعد الصراع بينهما الآن، لهذا ما زالت تؤكد على العودة إلى مبادئ جنيف1.

إن ملخص الموقف الأميركي يتمثل في التأكيد على أن الحل سياسي، وأنه من الضروري استمرار بنية الدولة، علما بأن جنيف1 أقرت تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية بالتوافق بين النظام والمعارضة، دون إشارة لمصير بشار الأسد.

وربما يعود ذلك الغموض في جنيف1 بشأن مصير الأسد إلى حالة الشد والجذب بين أميركا وروسيا التي ظلت تتمسك ببقاء بشار الأسد، وهو الأمر الذي تفعله إيران الآن. لهذا يظل بشار الأسد هو المعني بإرسال وفد التفاوض، ولا يجري البحث عن بديل من داخل السلطة، وأميركا ليست معنية بهذا البديل، على أمل أن تقوم روسيا أو إيران بذلك. حينها يمكن أن يتحقق الحل.

لا شك أن أميركا تريد أن تصل روسيا وإيران إلى قناعة باستحالة بقاء بشار الأسد في حال كانت هناك نية للوصول إلى حل، لكن دون أن تكون هي المبادرة، فهي لا تبدو متعجلة، لهذا تظل هذه المسألة هي “العقدة” التي تمنع الوصول إلى حل على أساس مبادئ جنيف1.

ما تلتزم به أميركا هو ألا تساعد في اختلال ميزان القوى العسكري، وهذا ما تقوم به بكل جد، وما تقوم به الآن من تدريب لقوات من المعارضة يتحدد دوره في الحرب ضد داعش وليس ضد النظام، أي أنها تحرف الصراع إلى سياق آخر بعيدا عن النظام تحت حجة “الحرب ضد داعش” التي أعلنت أنها أولويتها.

خلاصة الأمر أن الوضع يراوح بين التخثر بمساعدة أميركية، والتوافق مع روسيا وإيران ليجري فرض حل يقوم -بالتأكيد- على إبعاد الأسد.

المصدر : الجزيرة

نجاح سيريزا مثالاً لنا

هل يمكن أن نعتبر نجاح حزب سيريزا في اليونان الذي عبّر عن انتصار اليسار عبر الانتخابات في اليونان مثالاً لما يمكن أن يحدث في البلدان العربية، خصوصاً التي شهدت ثورات، وسارت في “المسار الديمقراطي”؟
ما يطرح هذا السؤال شعور قطاع من اليسار بأن ما حدث في اليونان يمكن أن يحدث في بلداننا، وهنا خصوصاً تونس، وربما مصر، فلقد شهدت اليونان انتفاضة كبيرة سنة 2010، قبيل الثورات في البلدان العربية، ولكن، نجح اليمين في الوصول إلى السلطة، في لحظة باتت تعاني اليونان من حالة الإفلاس، نتيجة العجز عن سداد الديون للبنوك الدولية، الأمر الذي فرض الموافقة على الاستدانة من جديد لمواجهة ذلك، لكن مع فرض الدائنين (صندوق النقد الدولي وبنوك فرنسية وألمانية) شروطاً تقتضي التزام الحكومة اليونانية بسياسة تقشف شديدة القسوة. سياسة فرضت التحرك الشعبي من جديد، والذي تصاعد إلى أن فرض الذهاب إلى انتخابات مبكرة، جاءت بحزب تشكّل من مجموعات وكتل ونقابات ترفض التقشف، وناضلت من أجل تحسين الأجور. بمعنى أن انتصار اليسار هذا كان التعبير عن رفض الشعب سياسة التقشف، بعد أن عانى من تراجع وضعه الاقتصادي في السنوات السابقة، بفعل تضخم الأسعار من دون ارتفاع الأجور.
هل سيفي حزب سيريزا بوعوده؟ ربما. ولكن، ربما، أيضاً، لا، حيث إنه لم يطرح بديلاً من النمط الاقتصادي الذي فرض مراكمة المديونية، وما زال يناور للتوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني أنه يمكن أن يتفكك في اللحظة التي لا يفي بوعوده، وربما يتشكّل من أطراف فيها حزب “اشتراكي ديمقراطي”، بديلاً من الحزب القديم، لكنه لا يختلف سوى جزئي عنه. ولهذا، يمكن القول، إن التجربة تمثّل محاولة لبلورة بديل يساري، يقطع مع اليسار القديم، لكنها محاولة لم تُنضِج بديلاً فعلياً يحقق الانتقال باليونان إلى نمط اقتصادي آخر، يقطع مع الدائنين، ومع الرأسمالية بدل المساومة معها.
تتمثل المشكلة عندنا في أنه لا يوجد نظام ديمقراطي راسخ، أولاً، ولم تكن المسألة تتعلق بتراجع الوضع المعيشي لقطاع كبير من الشعب، نتيجة التقشف، بل كانت في أن قطاعاً كبيراً من الشعب يعيش فعلياً في وضع اقتصادي مزرٍ، وهو لا يثق في الدولة، وبكل آلياتها، ويريد سلطةً، تحمل الحل السريع لمشكلاته. لهذا، وجدنا المشاركة في الانتخابات ضعيفة، وهي تتراجع كذلك، وأن النظم لا تميل إلى حلحلة الأوضاع الاقتصادية، بما يحقق بعض مطالب الشعب. وبالتالي، أن المشاركة في الانتخابات ضعيفة، خصوصاً في قطاع الشباب الذي يشكّل النسبة الأعلى في المجتمع، وفي البطالة والفقر. وهو ما يشير إلى أن هذا القطاع لا يثق في أن طريق الانتخابات يمكن أن توصل إلى حل يحقق مطالبه في العمل والأجر الذي يسمح بالعيش. وفي المقابل، تميل الفئات المصوتة إلى انتخاب الزعامات التقليدية، أو الأحزاب التي لا تحمل حلاً للمشكلات المجتمعية. وهي فئاتٌ، في غالبها، من كبار السن، و”حزب الكنبة”، كما يسمى قطاع مجتمعي لم يشارك في الثورة.
هذه الوضعية تعني أن الشباب الذي يعطي اليسار لا يراهن على انتصار اليسار، خصوصاً وهو يرى أنه لا يحمل حلاً لمشكلاته. فليس هناك حزب أو تجمع يساري طرح بديلاً، يتضمن حلاً لها. الأمر هنا لا يتعلق بالرفض، كما في اليونان، بل في الحل الذي يحقق المطالب. وحتى هذا لا يبدو للشباب المنخرط في الثورة أنه يوصل إلى تغيير يحقق المطالب، حيث تظلّ عدم الثقة بالسلطة (المشرفة على الانتخابات) معدومة، بعد تجارب طويلة.
بالتالي، ليس من مقارنة بين تجربة سيريزا وما يمكن أن يحدث في أي بلد عربي.

معركة درعا والقنيطرة

ربما يتضّح، الآن، من يقاتل الشعب السوري، حيث تعلن السلطة السورية أن من يقاتل في المعركة الدائرة في درعا حزب الله والحرس الثوري الإيراني، بقيادة قاسم سليماني. وكان حزب الله قد أعلن أنه الذي خاض معركة القصير، ثم شاركت قواته، ومليشيا طائفية عراقية ومليشيات أخرى طائفية من أفغانستان وباكستان واليمن، والحرس الثوري، في كل المعارك، ولم يكن يعلن ذلك، على الرغم من القتلى ونعي الحزب لهم، والفيديوهات التي توضح مشاركتهم وقتل بعضهم.
الآن، يظهر أن من يخوض الحرب ضد الثورة في سورية إيران وأدواتها الطائفية. كانت قطاعات للجيش من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري تشارك في معارك سابقة، وكان ذلك يشير إلى أن ضعف الوضع العسكري للسلطة، وعدم قدرته على حمايتها وضمان استمرارها. نلمس، الآن، أن الوضع العسكري للسلطة بات أسوأ، حيث باتت قوى خارجية تدافع عن السلطة، وتحاول ضمان استمرارها. إذن، باتت المعركة مع إيران وأدواتها الطائفية، هذا هو مختصر الوضع السوري بعد أربع سنوات من الثورة.
قاتلت السلطة الشعب بالفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والشبيحة والأجهزة الأمنية، منذ بدء الثورة، وحاولت إدخال قطاعات عسكرية أخرى، لكن انعكاس الثورة على الجيش فرض عليها أن تحجز أولئك في معسكرات مغلقة، فتبقى تقاتل بتلك الفرق التي ضمنت ولاءها. لكن توسع الثورة وقوة الصراع استهلك تلك الفرق والشبيحة، فأخذت تعتمد، شيئاً فشيئاً، على قوى خارجية، وهي، الآن، تقرّ بأن من يقاتل الشعب هو إيران وأدواتها الطائفية، وتتهم الجيش بالخيانة، بعد سقوط الفرقة 82 في درعا.
بات واضحاً أن إيران وأدواتها الطائفية تسيطران على سورية، وأن السلطة واجهة لتلك السيطرة، ومن ثم بات الصراع في سورية يرتبط بالصراع الإقليمي والدولي بشكل مباشر، حيث أصبحت جزءاً من الأوراق التي تفاوض إيران بها في إطار الصراع/ التوافق مع أميركا تحديداً. ويبدو أنها تتقرّب من الحدود مع الدولة الصهيونية، من أجل “زيادة أوراق التفاوض”، وربما كان ذلك سبب الإعلان عن قيادة إيرانية لقوات حزب الله والحرس الثوري التي تحاول استرجاع القنيطرة. لكن هذا الإعلان أوضح أن السلطة باتت محمية بقوات إيرانية، أي أنها انتهت كسلطة قاتلت بقواتها، وأن الشعب السوري بات يواجه قوات إيران وأدواتها الطائفية، والدعم العسكري الروسي. وأن الغطاء الذي تتخذه إيران وأدواتها هو “المسألة الوطنية”، ويبدو أن عجزها عن مواجهة الثورة، منذ بداية سنة 2013 (بعد المساعدات التقنية والمالية في الفترة الأولى من الثورة)، وتعاظم خسائرها يدفعها إلى هذا اللعب بالمسألة الوطنية، على الرغم من أن هدفها، كما أشرت، تعزيز التفاوض مع أميركا.
وإذا كانت الثورة انطلقت من أجل تغيير النظام، وتحقيق مطالب شعبية، فقد باتت جزءاً من الصراعات الدولية، حيث تتصارع قوى متعددة للحصول على مصالح، أو تثبيت وضع جيو إستراتيجي. هذا ما يجعل إيران تدخل بثقلها في الصراع، تنفيذاً لقول المرشد علي خامنئي إن طهران لا تسمح بسقوط النظام السوري. وربما ترسل قوى أكبر من الحرس الثوري، كلما ضعفت السلطة وعجزت عن حسم الصراع. ومعركة درعا مفصلية من هذه الزاوية، حيث لا بد من أن تقود إلى كسر قوات حزب الله وإيران، وبالتالي، كسر الطموح الإيراني بالحفاظ على السلطة والمساومة على الورقة السورية.
سمح “الغباء الاستراتيجي” لكل من حزب الله والنظام في إيران بتحقيق التكتيك الأميركي الذي قام على استهلاك قوى هؤلاء في سورية. فهذه القوى تستهلك، حيث تتعرض لخسائر كبيرة، وتستهلك سياسياً لأنهما يظهران قوة احتلال، وقوة دفاع عن نظام مافياوي يرفضه الشعب ويريد تغييره. ربما مصالح السلطة الإيرانية هي ما يؤسس لهذا الغباء، لكنها دولة تريد حفظ مصالحها التي تتحقق بالتصالح مع أميركا.

أربع سنوات صعبة .. وثورية

صعوبة الثورات ظهرت في سورية. أولاً، لأنها أتت بعد انتشار ثوري بدأ في تونس، وتوسّع سريعاً، الأمر الذي أخاف دولاً إقليمية، وأربك دولاً أخرى. لهذا، كان يجب أن تتوقف هذه الموجة لكي لا تمتدّ أكثر. ويجب أن تتوقف، لأن الوضع الاقتصادي العالمي، وضع الرأسمالية، مأزوم إلى الحدّ الذي يمكن أن يؤدي إلى أن تتوسع الثورات خارج الحدود العربية، فتصل إلى بلدان أخرى، فلا يعود ممكناً التحكّم بها ووقفها. هذا رد الفعل الأول لدى دول، على أمل معالجة الوضع لتجاوز إمكانية توسعها عالمياً. وثانيها، لأن الدول الإمبريالية باتت بحاجة إلى “مثال” فظيع، يوضّح كيف أن التمرُّد والثورة على رأس المال يعني الغرق في مجزرة وانتشار الإرهاب والقتل والفوضى. وبهذا، بات ضرورياً أن تتحوّل الثورة إلى “صراع طائفي” و”حرب أهلية”، وإلى مجزرة فعلية، تدمّر سورية وتقتل وتشرِّد شعبها. هذا ما بات واضحاً بعد سنة ونصف السنة من الثورة، حيث بات الشغل على زيادة عنف السلطة وتصعيد وحشيتها، ومدها بكل ما يجعلها أكثر عنفاً ووحشية.
لكن، لا بد من أن نلمس، ثالثاً، أن نمط السلطة القائمة كان يفتح على وحشية عالية، حيث مفاصله ممسوكة من فئات لا تخشى العنف والوحشية ولكن الفئة العائلية المتحكمة بالسلطة تعتبر أن سورية “ملكية خاصة” لها، ورثتها من حافظ الأسد، ولا تتخلى عن ميراثها حتى وإن حرقته. من هنا، نبع شعار “الأسد أو نحرق البلد”. قررت خوض الحرب إلى النهاية، وبكل الوحشية الممكنة، بالضبط، لكي تبقى حاكمة ومسيطرة على الاقتصاد.. أو أن تدمّر “ميراثها”، قبل أن ينزعه منها آخرون. هذا الأمر جعلها تقرر العنف، وتصعيد العنف، ومن ثم العنف الأقصى، لكي تسحق المتمردين، وتبقي سيطرتها على السلطة. جعلها هذا المنظور ترتكب كل الجرائم الممكنة ضد الإنسانية، تحت مسمع العالم ومرآه، وهو الذي يريدها أن تفعل ذلك، بغض النظر عن تصريحات جوفاء، كان يطلقها هذا الرئيس أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك.
كان نمط السلطة السورية مطابقاً لما أرادت الرأسمالية الإمبريالية، بكل فروعها. ولهذا، صنعت مثالاً هائلاً للوحشية والعنف، بات يستخدم في كل الإعلام الإمبريالي والعربي، من أجل إرعاب الشعوب لكي لا تتمرّد على رأسمالية مافياوية، تنهب وتفقر وتستغل بأقصى درجات الاستغلال. لكنها تشعر بأن نهبها واستغلالها أوصل العالم إلى أزمةٍ، سوف تفرض حتماً انفجار الثورات وانتشارها.
فوق ذلك كله، رابعاً، كان الطموح الإمبراطوري التركي/ الإيراني يسهم في تصعيد الصراع والعنف. دافع النظام الإيراني، بكل وحشية، عن النظام السوري، ولا زال، لا لدعم المقاومة أو تحسين مواقع حزب الله. بل، بالضبط، لأن سورية ورقة في إطار المساومات الدولية. ومن أجل ذلك، جرى تصعيد “الحشد الشيعي”، ولمّ كل من هبّ ودبّ من أجل منع سقوط النظام السوري. ولهذا، بات قادة إيران يصرحون، علناً، بأنهم من منع سقوط دمشق (وبغداد وبيروت). عزّز هذا الأمر من استمرارية السلطة السورية، حتى بعد أن ضعُفت، وباتت على شفير الانهيار. ولقد أصبح الحرس الثوري وحزب الله والمليشيا الطائفية العراقية، ومن كل أطراف العالم، هي التي تقاتل الشعب السوري، بعد أن ضعضع السلطة، وكسر شوكة بنيتها الصلبة، وفتح الطريق إلى إسقاطها. وبهذا، بات الشعب السوري يخوض الحرب ليس ضد السلطة، بل ضد كل قوى إيران وامتداداتها، والمستندة إلى الدعم العسكري الروسي، والحماية السياسية الروسية.
على الرغم من ذلك كله، وبعد مئات آلاف الشهداء والمعتقلين وملايين اللاجئين، وكل العنف الوحشي المستمر، الشعب لا زال يقاتل من أجل الانتصار، في عالم أراد أن يوقعه في المجزرة.
ثورة كبيرة وعظيمة وستستمر.

إيران الإمبراطورية

حين سيطر الخميني على السلطة، بعد انتصار الثورة الإيرانية، نشطت الدولة الجديدة لتصدير الثورة الإسلامية، وتحرشت بالعراق، وقام حزب الدعوة بعمليات عسكرية ضد مسؤولين في النظام العراقي حينها. وكان واضحاً الميل الإيراني إلى السيطرة على المنطقة، عبر المنظور الأيديولوجي “الشيعي”، الذي بات الممهد لمحاولة التمدد. ثم نشبت الحرب العراقية الإيرانية، ولم تستطع إيران الانتصار فيها، على الرغم من سعي الخميني إلى ذلك، على أمل فرض “الثورة الإسلامية”.
مع تعقّد الصراع مع العراق، دخل النظام الإيراني على خط تشكيل القوى الشيعية في لبنان التي مالت، في البدء، لتصفية اليسار، والشيوعيين خصوصاً في البيئة الشيعية (قتل حسين مروة ومهدي عامل). لكن، وجدت أن ذلك يستحيل من دون كسب ورقة مقاومة الاحتلال الصهيوني الذي حدث سنة 1982 لجنوب لبنان، ووجه بتأسيس جبهة المقاومة الوطنية التي لعبت دوراً في تراجع احتلاله من حدود بيروت إلى الجنوب. بهذا، باتت إيران تدعم “خيار المقاومة”، وتدرب وتمد حزب الله بكل الخبرات والسلاح. وتعالى موقفها ضد الدولة الصهيونية (وحتى ضد اليهود)، حيث صارت تمارس كطرف في الصراع، خصوصاً أن حزب الله نشأ كتنظيم يخضع لولاية الفقيه، ويلتزم تعليماته.
بعد الاحتلال الأميركي للعراق دخلت بقوة، تحت أعين الإدارة الأميركية، وبغض نظر أو حتى تنسيق معها. ومارست كل أشكال القتل للخبرات العراقية (العلماء والطيارون، والقادة العسكريون)، وحرصت على تشكيل مجموعات “شيعية” تتبع الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية، وتنطلق من أيديولوجية تعصبية متطرفة (فيلق بدر وعصائب أهل الحق، وحزب الله العراق، وغيرها)، واستفادت من اللعبة الأميركية لتصعيد الصراع الطائفي، بعد استقدام أبو مصعب الزرقاوي (تحت الحماية الإيرانية)، بتعزيز مجموعاتها الطائفية وتمكينها. وبالتالي، إذا كانت تطرح مقاومة الدولة الصهيونية فقد عملت في العراق ما أرادته تلك الدولة، من خلال مساعدة الاحتلال الأميركي على تدمير العراق، ومسخه. وهي تعرف أنه من دون ذلك لن تستطيع السيطرة عليه.
مع انفجار الثورات، فقد دخلت بقوة لسحق الحراك في العراق، ثم دخلت سورية بعد ضعف السلطة نتيجة توسع الثورة، وأصبحت تدافع عن السلطة ليس عبر مستشارين، أو دعم مالي، أو معدات عسكرية، بل عبر حشد “الشيعة” للدفاع عن الأماكن المقدسة في سورية (الست زينب). وأصبحت هي قوة حماية السلطة، والمقاتل المباشر ضد الشعب، وهذا ما أظهرته، أخيراً، بشكل علني ورسمي. كذلك دعمت تقوية الحوثيين، بعد الثورة اليمنية التي أجهضها التدخل الخليجي، ومسخ الحل إلى تغيير شكلي. ولهذا، باتت القيادات الإيرانية تعلن أنها تسيطر على أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. اختلف الخطاب الإيراني من دعم المقاومة إلى السيطرة على العواصم. بمعنى أنه، على الرغم من أن التحشيد يقوم على أساس طائفي، ويستجلب المقاتلين من أفغانستان وباكستان وطاجاكستان، وإيران، والعراق ولبنان، فقد أصبح الحديث عن السيطرة، وعن التحكم.
ربما هذه النقلة هي التي مهدت لخطاب “جديد”، يتحدث عن الإمبراطورية. يقول مستشار روحاني للشؤون الدينية والأقليات، علي يونسي، إن “إيران عادت إلى وضع الإمبراطورية، كما كانت طوال تاريخها”. وعاصمتها هي بغداد التي هي “مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”. هنا ننتقل من صراع علي ومعاوية إلى صراع فرس وعرب، وربما يكشف هذا الأمر كل مجريات الدور الإيراني السابق، وكيف أنه حتى الخطاب الطائفي الشيعي يستخدم من أجل امبراطورية دثرتها الدولة العربية الإسلامية.
أظن أن الأمر “طبيعي”، حيث كان للشاه دور في السيطرة على الخليج وحمايته، ولم يختلف النظام الذي نشأ بعده عن هذا الميل، بل ربما أصبح أكثر حيويةً، اعتماداً على وهم أيديولوجي، يمكن أن يستخدم للتضليل، والذي يقوم على استخدام الشيعة في سياسةٍ تهدف إلى السيطرة والهيمنة.
إيران تقاتل، وتفاوض من أجل سيطرة إقليمية، ودور إقليمي، هذا هو الوضع باختصار.

نقاش جديد.. الاقتصاد والسياسة

أصرّ الأستاذ حسين عبد العزيز على الرد من جديد، مؤكداً على الفكرة نفسها: ضد الاقتصاد (العربي الجديد 3/3/2015). في رده مستويان: نظري، وآخر يتعلق بالثورات العربية. وسنلمس أن بينهما مساحة من الخلط النظري، والهروب من الوقائع، أو لوي تفسيرها.

فأولاً للأستاذ حسين الحق بأن ينطلق من تعدد الأسباب في فهم الظواهر، فهذه وجهة نظر منهجية يتبعها باحثون كثيرون. لكن، في الأخير تتعلق المسألة بما هي المنهجية التي تسمح بفهم الواقع بشكل أدق، فهماً علمياً. هذا أمر أول، ثم إن ذلك لا ينبغي أن يدفع إلى عدم التدقيق في الأفكار المقابلة. حدد حسين نقطة الخلاف بيننا في “محاولة تعميم الاقتصادي، وجعله السبب المباشر للسياسي بطرقة حتمية”، هل هنا مكمن الخلاف؟ وأصلاً ما الاقتصادي وما السياسي؟ تحدثت عن واقع الثورات، وأشرت إلى السبب المباشر الذي حرّك قطاعاً كبيراً من الشعب. هنا، حددت السبب المباشر. لكن، لست ممن يقول بالحتمية الاقتصادية، وخضت صراعاً ضد هذه الحتمية، في إطار التيارات الماركسية، منذ زمن طويل. فأنا أنطلق من أن الاقتصاد، حين نشير إلى الصيرورة العامة، هو المحدِّد “في التحليل الأخير”، وأن في الصيرورة عناصر عدة تلعب دوراً، وفاعلاً أحياناً، وربما حاسماً في أحيان أخرى. وهذه الفكرة هي ما طرحته الماركسية، وجهد إنجلز في توضيحها منذ البدء. لهذا، ليس مفيداً، ولا صحيحاً، القول إن ألتوسير أو غرامشي “حاول التخفيف من حدة الماركسية”، سواء عبر الإقرار باستقلالية البنى الفوقية النسبية
(حسب ألتوسير)، أو عبر مفهوم الهيمنة (حسب غرامشي)، حيث إن الفكرة المعادة إلى ألتوسير هي فكرة إنجلز، وألتوسير أغرق في تحويل الماركسية إلى “علم تاريخ”. أما غرامشي فقال إنه في كتاباته ينظّر تجربة لينين. ولهذا، بلور التصورات حول المستوى السياسي.

ولا شك في أن إشارة الأستاذ حسين إلى مفهوم الهيمنة عند غرامشي تشي بالخلط الذي يحكم منطقه، حيث، أولاً، هو لا يرى أن السياسي والأيديولوجي لدى الطبقة الحاكمة هو من أجل الهيمنة على وعي الطبقات الأخرى، لخدمة السيطرة الطبقية التي تحقق مصالح تلك الطبقة. ولهذا، هي هيمنة على المجتمع من أجل الاستغلال الطبقي. لكن، ثانياً، تنظير البنية الفوقية وتحديد أثرها أمر مختلف عن لمس عنصر التأثير الرئيسي، حيث كما أشرت، تواً، يحدد الاقتصاد، في التحليل الأخير، ولهذا، تنبني الصيرورة على تفاعل عناصر متعددة. لهذا، حين الإشارة إلى الثورات، كان التركيز مني على نقص الوعي والتنظيم، وهذا نقطة ضعفها المركزية. وفي الثورة السورية، أشرت أكثر من ذلك إلى “عبء المعارضة”، وإلى الأثر السلبي لها ولدول إقليمية، ولغياب الوعي والتنظيم لدى الشعب. فالمفقرون لا بد لهم من بنية سياسية أيديولوجية، تعبّر عن مصالحهم، وهي هنا كما سماها غرامشي: الأمير الحديث (أي الحزب). وبالتالي، ليس السبب الاقتصادي كافياً لكي تنتصر الثورات، هو كافٍ لانفجارها فقط.

ثانياً، وإذا كان الأستاذ حسين يتناول ألتوسير وغرامشي، عبر ملخصات آخرين كما يبدو، فإن استشهاده بصمويل هنتنغتون يشير إلى عدم التدقيق في وضع البلدان التي تناولها، وماذا كان يمثّل هنتنغتون في تنظيره الذي يستشهد به. فهو يبرر لدعم أميركا الاستبداد في أميركا اللاتينية، حيث لم تدعم أميركا التنمية هناك. على العكس، دعمت نظماً دكتاتورية من أجل نهب القارة، والدراسات كثيرة في هذا المجال. وإذا كان يقول إن أميركا دعمت التنمية، لكي يقود بالضرورة إلى الديمقراطية، لكن ثبت العكس، فهو يضلل هنا، لأنه يقول عكس ذلك في أماكن أخرى، فقد أجاب على الردود على كتابه “نهاية التاريخ” إن ما قصده هو ما قاله ماركس بالضبط، أي أن التطور الاقتصادي يفرض حتماً انتصار الديمقراطية، في مقال نشر في مجلة فورين أفيرز قبل سنوات. لهذا، قلت إنه في حديثه عن علاقة الاقتصاد بالديمقراطية سابقاً كان يغطي على سياسات أميركا. إذن، لن أقف كثيراً أمام خطاب أيديولوجي يبرّر أكثر مما ينظّر.

“لا شك أن فئات وسطى شبابية حرّضت على الثورة، وحاولت تنظيمها في البدء، كان هدفها الحرية تحديداً، لكن هذه فئة من شعب مفقر ومهمش”

ثالثاً، بالنسبة لما كتبه الدكتور عزمي بشارة، أظن أن الأمر يتعلق بلمس البعد السياسي في الثورة الاجتماعية، لأن السياسي مبنيّ على الاقتصادي، أو معبّر عن الاقتصادي. وهنا الفارق هو بين السبب الجوهري والأثر لمجمل العناصر، ومن ثم لكيفية تحقق السبب. فالأمر يتعلق بنقل المطالب المباشرة، الاقتصادية، إلى مطلب إسقاط النظام والاستيلاء على السلطة. وهنا، يلعب الأيديولوجي السياسي دوراً حاسماً، حيث لا تتحقق المطالب التي تطرحها الطبقات، إلا بتغيير الطبقة المسيطرة ونظامها السياسي. بالتالي، حين يشار إلى دور الاقتصاد في الثورات، يشار إلى السبب الذي يحرِّك الطبقات المفقرة، ويدفعها عفوياً إلى الثورة. لكن، لكي تنتصر الثورة بتحقيق تلك المطالب تحتاج إلى عناصر أخرى بالضرورة، وهذا ما ينقص كل الثورات في البلدان العربية. وهذا ما يشرحه هوبزباوم في النص الذي يقتطفه الأستاذ حسين، حيث الثورة تبدأ مطلبية “لكن، سرعان ما كشفت عن نفسها في المستوى السياسي”. وكان غياب الأحزاب التي يقع عليها تحقيق السياسي هو سبب التعثر القائم. وإذا كان حسين يهمل أهمية “الشعارات” الأولى التي تطلقها الطبقات، حين انفجارها العفوي، فلكي يقلب الاقتصادي إلى سياسي، ويمحور الأمر في تغيير السلطة فقط. فالمطالب الأولى، الاقتصادية، هي ما تعيشه الطبقات المفقرة، وينعكس في تلمسها واقعها، وانفجارها من أجل تغيير هذا الواقع، أي تحقيق هذه المطالب وليس القفز عنها والاكتفاء بتغيير السلطة. فهذا المطلب الأخير يعني، بالضبط، تغيير كلية النمط الاقتصادي السياسي، من أجل تحقيق تلك المطالب، وليس من أجل تغيير أشخاص أو تغيير شكل السلطة فقط.

فهم الواقع يفرض تحديد وضع الطبقات، وظروفها، وإذا كان شعار “الشعب السوري مش جعان” قد أُطلق في درعا، فقد عبر، مثل شعار “حرية وبس” عن مصالح فئات وسطى، وليس عن كل الطبقات، ولقد أوضحت بالأرقام، في رد سابق، وضع الطبقات المفقرة (البطالة المرتفعة والفقر الشديد)، وهي الحال التي كانت تؤسس لاحتقان لدى هؤلاء. ولا شك أن فئات وسطى شبابية حرّضت على الثورة، وحاولت تنظيمها في البدء، كان هدفها الحرية تحديداً، لكن هذه فئة من شعب مفقر ومهمش، كما في تونس ومصر وكل البلدان المخلَّفة. وفيما عدا نشاط تلك الفئات التي نشدت الحرية، انتشرت الثورة بدءاً من الريف المهمش (تونس وسورية) والمدن المهمشة، والأحياء المفقرة المحيطة بمدن، مثل دمشق وحلب. وهؤلاء يريدون الحرية، لكنهم يريدون، أساساً، المقدرة على العيش. وحين الحديث عن الثورة، لا بد من الحديث عن كل هؤلاء، وليس عن “طبقة وسطى ذات وعي سياسي” فقط، بل هذه الطبقة إما أن تعبّر عن مصالحها هي فقط (وهذا ما لمسناه في سورية) أو تعبر عن مشروع مجتمعي، وهي لم تكن قد طرحت ذلك. وكما أشرت أزمة الثورات تكمن هنا بالضبط.

المصدر: العربي الجديد