Monthly Archives: سبتمبر 2013

ضرورة تحديد التخوم – عن وحدة اليسار

فكرة طرحها لينين تستحق التوقف عندها، قالها والحديث يجري عن “توحيد” المجموعات الماركسية في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، يقول لينين “”قبل أن نتحد ولكيما نتحد، ينبغي في البدء أن نحدد التخوم التي تفصل بيننا بحزم ووضوح”. وهي الفكرة التي أسست لبناء حزب قوي ومتماسك، ومنتصر.

الفكرة تعني بان تحقيق الوحدة لا يفترض تحديد نقاط التوافق فقط للتوحد حولها، بل أصلاً تحديد النقاط التي هي مدار خلاف. بمعنى يجب ان تتحدد الخلافات قبل أن يجري تحديد المسائل المتوافق عليها. بالضبط لأن المسألة لا تتعلق باصدار “بيان مشترك” بل تتعلق بتوحيد نشاط وفعل، وبناء حزب، وفي هذا الأمر لا يفيد التوافق العام بل لا بد من أن يكون واضحاً لكل طرف ماهية الآخر، كيف يفكر، وماذا يطرح في كل المسائل، وبالتالي أين يكمن الخلاف، وكيف يمكن أن يحلّ؟ ومن ثم تحديد إمكانية أن تكون نقاط التوافق أساساً موحداً فعلاً، وأرضية لإنهاض الحزب.

ولا شك في أن كل تجارب “توحيد اليسار” كانت تصطدم بالممارسة أكثر مما كانت تصطدم بالتوافق على نقاط عامة توحد بين الأطراف المختلفة. لهذا حالما كان يتحقق التوافق ويجري الانتقال إلى العمل تدبّ الخلافات ويكتشف كل طرف أنه في تناقض مع الآخر، ويستغرب أنه توافق معه أصلاً. ويظهر بأن كل طرف يفكّر بـ “طريقة مختلفة”، وله سياسات مختلفة، وينكمش على ذاته.

عادة يجري الركض نحو التوافق انطلاقاً من أن الخلاف هو الأساس، وبالتالي يظهر في بعض الفترات أن هناك توافقاً ممكناً، لهذا يجري الركض للمسك به. وفي هذه اللحظة يجري تناسي أن الخلاف هو الأساس الذي أوجد هذه التكتلات والتجمعات، والمجموعات و”الأحزاب”. وأن الصراعات هي أساس العلاقة من منظورات “أيديولوجية”، أو “حَرْفية”، أو “حِرَفية”، أو “ذاتية”، وهي كلها نتاج نوازع البرجوازية الصغيرة. وتعبّر عن تفككاتها. وعن “ذاتيتها”.

لقد توزعت الماركسية “بين القبائل”، و”تفرقت أيدي سبأ”، ليصبح عندنا ماركسيات، ما الخلاف فيما بينها؟ هل لازال الخلاف القديم يحفر في الحاضر؟ وهل له معنى اليوم؟ وما هو موقع كل منها من الماركسية الأصلية، ماركسية الجدل المادي؟

ثم هل يمكن ألا نرى اختلافات المواقف، الثورية والليبرالية، التي تنطلق من الصراع الطبقي والتي تنطلق من الصراع السياسي، التي تريد الثورة والتي تريد الإصلاح، التي ترى الواقع والتي لازالت تختزن قوالب مستدعاة من الماضي؟

من يريد مصالح المفقرين ومن يعبّر عن مصالح ضيقة لفئات وسطى؟
وبالأساس هل يمكن التوافق على فهم الواقع؟

لهذا، ما يجب أن يُبدأ به هو “تحديد التخوم”، وتوضيح الاختلافات، وليس الركض نحو التوافق، وقبل تحديد التوافق. فالوحدة الصلبة تتأسس على المعرفة الواسعة، والتفهم المتبادل. وهذا ما يعزز التوافق، ويعمق فيه.
ليجرٍ البدء من الاختلاف إذن.

المصدر: فايسبوك سلامة كيلة

درس للأغبياء حول الإمبريالية الروسية

ما يلفت هو أنه كلما كتبت عن إمبريالية روسيا يتقدم أحد من جماعة قاسيون (أو حزب الإرادة الشعبية الآن) للرد علي. أمر طبيعي؟ بالضبط لأنها “الوكيل المعتمد” لروسيا، بعد أن انتهى الاتحاد السوفيتي. آسف هنا إذا كنت قد كشفت هذا السرّ الذي لا يبدو أن جماعة قاسيون تعرفه، لهذا لازالت تتعامل مع روسيا وكأنها الاتحاد السوفيتي، أو سنأخذ بنظرية “الوكيل المعتمد” (وهذا يشمل التجارة التي باتت أساس سياسة روسيا، وأساس تعاملها مع البلدان الفقيرة، حيث الدفع “كاش”، ومن ضمنها سورية طبعاً).

أول مرة كتبت مقالاً عنوانه “روسيا إمبريالية” تنطح “رفيق” في الحزب بالرد، هو سلام الشريف. لم أشأ الرد فقط لأنني لم أمتلك الوقت حينها، ولا شك في أنني سأرد لأنني معني بمناقشة التفاهات التي تسمى ماركسية. والرد حينها كان “يقاتل” من أجل إثبات بأن روسيا ليست إمبريالية، رغم أن تحليل المعلومات الاقتصادية عن وضع روسيا يؤكد ذلك. لكن هنا سيبدو أن المفاهيم ذاتها مشوشة، ولا تمت للماركسية بصلة (كما الوضع مع مهند دليقان الذي سأناقشه تالياً)، بالتالي فإن مفهوم الإمبريالية ذاته مبهم، الأمر الذي سيجعل روسيا ليس فقط ليست إمبريالية بل اشتراكية كذلك (فالرفيق بوتين عضو في الحزب الشيوعي الروسي). ولفت نظري حينها أن مفهوم الانتهازية اليسارية مشوش، بل مقلوب، لهذا كان سهلاَ توحيد اليسار الانتهازي (الذي أُلصق بي) بالتطرف اليساري (الذي أُلصق بي كذلك) رغم أنهما متضادين ولا يمكن أن يجتمعا في شخص واحد.

على كل مهند دليقان يرد على مقال لي عنوانه “روسيا كإمبريالية غبية”، تحت عنوان: “الإمبريالية الغبية” من وجهة نظر (يساري تائب) ((http://www.kassioun.org/index.php/reports-and-opinions/2653. وكالعادة يبني على الكذب والجهل متحدين في شخص هو، ليس مهند بل قدري جميل. فأولاً كلمة تائب تعني أنني أعلنت التوبة (من المفترض عن الماركسية)، لكن هذا لم يحصل، على العكس من ذلك أعتقد أنني من يحدد من هو الماركسي. وكان أجدر بiأن يقول التحريفي مثلاً، من منظور أنه هو “الماركسي القويم”، أو كما فعل سلام الشريف، يقول اليسار الانتهازي. هذا يظهر كم أن المصطلحات غير ممتلكة من قبل السيد دليقان (أو قدري جميل). ثم يسرد السيد دليقان الأماكن التي أنشر فيها فيكذب، حيث أنني أنشر في موقع الجزيرة نت، وجريدة الحياة بالأساس، ولم أنشر إلى الآن لا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الذي يرأسه عزمي بشارة) ولا في المجلات التي اصدرها. رغم انه لا مانع لدي من النشر لأنني لا أخاف على “عذريتي” من أن تخدش، فلست هزيلاً إلى حد الخوف من النشر في هذه المواقع، ولا أظن بأن نشري هناك سوف يغيّر من قناعاتي، ولو كان ذلك ممكناً لكنت أنشر في أماكن أكثر إدراراً للمال. أنا هنا أتعامل كصحفي أنشر في الأماكن التي أستطيع نشر ما أريد فيها (وآمل أن يقرأ الأستاذ دليقان ما كتبت في موقع الجزيرة نت أو جريدة الحياة لكي يلاحظ مدى التطابق أو الافتراق في المواقف بين ما أكتب وبين أصحابها). لهذا النقد هنا يطال المضمون وليس المكان. وهذا ما لا يعرفه هذا النمط من “اليسار”.

طبعاً يدلف الأستاذ من هذا الباب إلى الاتهام، كعادة كل العجزة، والفاشلين في الحوار، حيث أصبحت على علاقة مع قطر هي استكمال للعلاقة مع فرنسا. شكراً لك على هذا التحليل الرائع، تستحق درجة حسن. وهو هنا يكرر ما كتبته جريدة “صوت الشعب” التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري شحطة عمار بكداش قبل سنوات عن علاجي في باريس. على كل هذا هو اسلوب من لا يستطيع النقاش، وعلى فكرة هذا جزء من المدرسة البكداشية التي انبنت على العجز عن تقديم أفكار والحوار لكي تتهم كل مثقف حقيقي بالحزب بانه عميل، ليطرد من الحزب ويشهّر به مما لم يبق فيه سوى “العاهات”. بالتالي طبيعي أن يكون الأستاذ دليقان سليل هذه المدرسة العريقة في الخوين، ولكن بالأساس العجز والهزال الفكري.
الآن، سوف أوضح مدى الركاكة التي يعاني منها دليقان. فقد استنتج بأنني اقول بـ “عظمة أميركا” لأنني اقول بغباء روسيا، هذا أمر طبيعي لدى عقل قام على مبدأ خير/ شر، أو إما معنا أو ضدنا. بالتالي يستنتج عقله “المقولب” أن قولي بأن روسيا غبية يعني أنني اقول بأن أميركا عظيمة. هذا عقله الصوري المتوارث من القرون الوسطى، حيث لا يرى سوى حدين، فإما هنا أو هناك. وهذا هو جوهر أزمة هؤلاء الذي تشبعوا بـ”الماركسية السوفيتية” (ولسوف أتناول هذا الأمر تالياً). ولهذا يؤكد بأنني اقول بأن أميركا ليست في حالة تراجع، كيف ذلك وأنا منذ سنوات أواجه الحديث عن “المؤامرة الإمبريالية”، أي الأميركية، على سورية بالقول أن أميركا في طور الأفول، وأنها تنسحب من المنطقة، وتخلي لروسيا. على الأقل هناك مقال لي نشر في موقع الجزيرة نت عنوانة “أميركا، إمبراطورية في مرحلة الأفول”. أليس مخجلاً الرد دون معرفة أو اضطلاع؟ أؤكد بأن ما قرأه دليقان لي هو فقط مقال “روسيا كإمبريالية غبية”، وقرأه بتسرع وابتسار، لأنه لا يجرؤ على قراءة الرأي المختلف، ومن باب الاضطلاع من أجل الرد. ولهذا يلجأ إلى “التأليف”، أي تقويلي ما ليس رأيي وعكس رأيي.

مثل ذلك موقفي من الحراك العالمي، حيث يقول “ورغم التعاطف الهائل الذي لا ينفك يظهره للحراك السياسي الشعبي العالمي، فإنه لا يثق بهذا الحراك ولا بقدرته على تغيير المعادلات الدولية الراكدة منذ أكثر من عشرين عاماً، وكأنه يعيد صياغة «نهاية التاريخ» ولكن من وجهة نظر «يسارية» هذه المرة”. كيف من جهة التعاطف الهائل، ومن جهة أخرى لآ أثق بهذا الحراك وبقدرته على تغيير المعادلات الدولية؟ يعني حينما كان “الرفاق” لا يرون مقدرة على تغيير المعادلات الراكدة، كنت أشير إلى أننا مقبلون على ثورات (عنوان كراس لي هو “طريق الانتفاضة، لماذا تثور الطبقات الشعبية؟” صدر سنة 2007)، على العكس من ذلك كنت “أبشّر” بزمن الثورات منذ وقت، حيث اعتبرت انها قادمة حتماً. وبعد الأزمة المالية الإمبريالية كتبت عن النهوض الثوري العالمي القادم، وأننا مقبلون على وضع ثوري عالمي سيؤجج الصراع الطبقي. ومن هذا المنظور كتبت “علينا أن ندفن موتانا”، أي اليسار القديم الذي لم يعد قادراً على مواكبة التحولات الثورية القادمة، ولم يعد قادراً على استيعابها أصلاً. وهذا ما حكم منظوري للثورات العربية، التي كنت “أبشر” بحدوثها القريب. ويبدو أن دليقان، لأنه لم يقرأ ما أكتب، لا يعرف بأنني أدعو لتجاوز الرأسمالية، والى أن يقود اليسار الصراع القادم من أجل تغيير جذري. ربما هو معذور لأنه يخاف قراءة الرأي المختلف كي لا يفقد ثقته بما يكرر، أو يكتشف تهافت الأفكار التي يطرحها.

طبعاً يشير إلى ذلك لكي يصل إلى التالي: ” وفي الوقت نفسه فإن ثورةً طبقية مكتملة هي الجارية في سورية، ولكن لا تقولوا شيئاً عن تحول عالمي لمصلحة الشعوب ولمصلحة اشتراكية جديدة تفرضها الشعوب، فذلك تفاؤل ثوري كاذب، فلا يمكن لأوباما أن يتراجع، أوباما يتقدم فقط.. ولو!!”. أي انني أعتبر ما يجري في سورية ثورة فقط بينما هو ليس كذلك، وأبخس الحراك العالمي لأن ذلك يعبّر عن “تفاؤل ثوري كاذب”. في سورية ثورة طبعاً، ورفض ذلك مع الحديث عن تحول عالمي وضعف أميركا ينم عن “موقف طبقي” متلاصق مع السلطة ضد الشعب، وهذا هو موقف الحزب الذي يمثله، والذي بات جزءاً من سلطة رأسمالية مافياوية ريعية، متشابكة رأسماليتها مع كل مافيات العالم، ومع الرأسمال الإمبريالي عبر قنوات متعددة (منها قناة المال الخليجي، الإماراتي خصوصاً). لكنني أقول بتحوّل عالمي، وبأن الرأسمالية تعيش أزمة لن تستطيع الخروج منها، وأن هذه الأزمة سوف تفضي إلى نشوب ثورات، ليس في الوطن العربي فقط، بل في جنوب وشرق أوروبا وفي آسيا وأميركا اللاتينية، وكذلك في روسيا، وربما الصين، وأميركا، وحتى في المراكز الرأسمالية كلها. وعلى ضوء ذلك قلت بأن اليسار القديم بات من الماضي وعلينا أن نؤسس ماركسية جديدة، تقود هذا الصراع الطبقي من أجل تجاوز الرأسمالية والانتقال إلى الاشتراكية. آخر ما كتبت هو كراس عنوانه “بصدد رؤية مختلفة للعالم، الماركسية والصراع الطبقي العالمي الراهن”. لهذا أشير رداً على قوله أنني أدعو إلى “تجديد الماركسية” اقول لا، أنا أدعو إلى ماركسية جديدة تقطع مع كل “العلاك” الذي أتانا “من الشرق”، ويعيد إلى ماركس.

من الواضح بأن دليقان يبني موقفه ليس نتيجة معرفة بل نتيجة “استنتاج منهجي”، هو ذاك الذي أشرت إليه قبلاً حول ذكاء أميركا وعظمتها مقابل قولي بغباء روسيا. أي أنه لا زال ينطلق من استنتاجه الشكلي بأن قولي بغباء روسيا يعني أنني اقول أن أميركا “ذكية وهي إلى حد ما فوق القانون الموضوعي”. ببساطة أنا لا أمتلك هذا العقل القروسطي، لقد تجاوزته منذ أن أصبحت ماركسياً (وليس مدعي ماركسية)، فالجدل المادي الماركسي (وهذا ما ينفر منه دليقان وكل الاتجاه الذي يمثله كما سنرى لاحقاً) علمني كيف أدرس الظاهرة بكليتها، وأرى التعدد، والصيرورة والواقع المادي، بالتالي لا أتعلق بثنائيات هي سمة المنطق الصوري. وأيضاً أن أفهم أن اعطاء حكم قيمة على شيء لا يعني الموافقة عليه، فيمكن أن تكون أميركا أذكى من روسيا (وهذا حاصل) لكن ذلك لا يعني أنها ليست إمبريالية وتعمل لتحقيق مصالحها، وتنهب الشعوب وتدمرها عند اللزوم. لكن حديثي عن روسيا ينطلق من دورها في المسألة السورية، وكيف أنها عاجزة عن إيجاد حل رغم كل التسهيلات الأميركية، فأميركا “باعت” سورية لروسيا كما كررت مراراً. ولقد باعتها لأنها “في تراجع” وتحتاج إلى تنازلات روسية في أماكن أخرى (أي تقاسم عالمي جديد).

في كل الأحوال الخلاف منهجي، وهذا واضح من طبيعة فهم الماركسية، الذي ظهر في العديد من النقاشات مع “الرفيق” قدري جميل، والذي نشر بعضها في حينه (كتاب “الماركسية اليوم” صدر عن دار الطليعة الجديدة)، ويتمثل الخلاف في تحديد أهمية وموقع الجدل المادي في الماركسية، هل هو الأساس؟ أم هو قانون من جملة قوانين؟ لكن قبل ذلك سنلمس كيف يشوه دليقان الخلاف، حيث يقول ” فالذي نظّر لحصر الماركسية بالديالكتيك المادي رافضاً الاعتراف بالاقتصاد الماركسي باعتباره علماً، ورافضاً الاعتراف بالنظرية الثورية العلمية” ، وكل ذلك هو أنا. أحصر الماركسية في الديالكتيك المادي وأرفض الاعتراف بالاقتصاد الماركسي وبالنظرية الثورية العلمية. هذا التحديد يؤكد مدى التشوش الذي يعانيه في فهم الماركسية، حيث لازال ينطلق من تقسيمها “المدرسي” إلى مادية ديالكتيكية ومادية تاريخية واقتصاد سياسي واشتراكية علمية، وهو التقسيم الذي اخترعه السوفيت، وادى إلى تفكيك الماركسية (إضافة إلى تسطيحها، وتشويهها). أنا لا أرفض الاقتصاد الماركسي، على العكس متهم بأنني أميل إلى الاقتصاد (اقتصادي)، لأنني أنطلق من التحليل الاقتصادي في فهم الظواهر (ولهذا اعتمدت على المعلومات الاقتصادية التي كانت تنشرها قاسيون حول الاقتصاد السوري لكي اقول أن الوضع مقبل على ثورة، كما قالوا في البداية وتراجعوا). ولا أرفض النظرية الثورية العلمية (والنص هنا مشوش، أي أي نظرية ثورية علمية؟). الخلاف حول ما هو العنصر المركزي في الماركسية؟ وهل يمكن تنميط الماركسية في حقول منفصلة عن بعضها (ككل تخصص مدرسي)؟ لكن الأهم أن هذا المنظور لا يرى في أن الجدل المادي يتضمن كل ذلك، وهذا أمر طبيعي لعقل ستاتيكي، صوري. فكلمة المادي الملتصقة بالجدل هي الوجود البشري الذي يبدأ من الاقتصاد (الذي هو العنصر المحدِّد، وإنْ في التحليل الأخير كما قال إنجلز)، ويتصل بالطبقات قبل أن يطال الأيديولوجية والدولة (وهذه هي المستويات التي تبحث الماركسية فيها كونها كل الوجود الاجتماعي). بالتالي ليس ممكناً فهم الواقع جدلياً إلا من خلال البدء من الاقتصاد. لكن “الرفاق” قسموا الماركسية إلى حقول متجاورة لكن بلا ترابط، فككوا الماركسية لكي لا تعود ماركسية، بل “قوانين” تحكم كل حقل بمعزل عن الآخر، وبلا الجدل المادي كأداة تحليل، أي ألقوا به خارج “الممارسة”، خارج الفعل النظري. هذا ما أوضحته في الكتاب الذي صدر عن دار الطليعة الجديدة. وهذا المنطق التفكيكي هو الذي جعل “الرفاق” يتحدثون كثيراً عن السياسة الاقتصادية قبل الثورة، ويقدموا أرقاماً تقول بأن الثورة قادمة، لكنهم لم يخرجوا باستنتاجات سياسية صحيحة، لأنهم لم يستطيعوا الربط بين الاقتصادي والطبقي والسياسي والوطني، بل قفزوا إلى “الوطني” دون فهم أن الأساس الطبقي هو المحدِّد وليش “الشعار الوطني”. فالوطني ذو أساس طبقي، وبالتالي أساس اقتصادي. لهذا فمن ينهب البلد ويحتكر الاقتصاد ويصدر الأموال إلى الخارج لن يكون حريصاً على البلد من المنظور الوطني، وما يهمه هو النهب فيه فقط.

ثم أي نظرية ثورية علمية؟ النظرية الثورية هي رؤية الواقع انطلاقاً من الجدل المادي لبلورة الرؤية البديلة، وتأسيس الفعل الذي يفضي إلى التغيير عبر تطوير الصراع الطبقي. وعلميتها تأتي من هنا بالتحديد وليس من “تجريدها”، أو لأن ماركس أو لينين أو ستالين هو الذي قالها. النظرية تخص الواقع مباشرة، ولهذا تتأسس على المنهجية، التي هي وحدها تسمح بتحليل الواقع علمياً، ومن ثم بفهم الصيرورة التي هي نتاج التناقضات الطبقية القائمة في لحظة معينة ومكان محدَّد، وبالتالي تحديد دور الماركسي فيها. الخلاف هو حول هل ينحكم تحليلنا للجدل المادي أو للمنطق الصوري؟ هل ينحكم العقل لآليات الجدل المادي أو لقوانين المنطق الصوري؟ ومن ثم، وهنا، لا يفيد تلبيس المنطق الصوري أشكال وكلمات ماركسية، لأنه يبقى المنطق الصوري ذاته لكن ملفوفاً بـ “العلم الأحمر”. ولهذا باتت تلك الأحزاب نعش ملفوف بالعلم الأحمر.

هذا الفهم الصوري للماركسية جعل دليقان ينفي إمبريالية روسيا على الشكل التالي: ” إن الطرح القائل بإمبريالية روسيا كفيل بإثارة عاصفة من الضحك لدى مختصي الاقتصاد السياسي، فالشروط الخمسة التقليدية للإمبريالية وإلى جانب كونها غير محققة في روسيا، فإن الأهم هو أن التفاعل بين ظاهرتين موضوعيتين هما التمركز واستمرار التمركز من جهة والعولمة الاقتصادية من جهة ثانية، يؤدي نتيجة بسيطة هي: هنالك مركز إمبريالي واحد..”. فهو هنا يلخص الإمبريالية في “شروط خمسة” (طبعاً مفترض أنها تلك التي وضعها لينين في تعريف الإمبريالية في كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”)، ليطبقها ميكانيكياً على روسيا، ويخرج باستنتاج أنها غير إمبريالية. هذا هو المنطق الصوري بالتحديد، وشكراً لمهند لأنه أعطى مثالاً رائعاً على منطقه الصوري. فقد ابتسر كل تحليل لينين حول الإمبريالية في “شروط خمسة”، وبات يطبقها على الواقع ميكانيكياً. هكذا فعل “الرفيق ستالين” في الماركسية، وبالتالي جدير بتلامذته أن يفعلوا ذلك.

ما هي هذه “الشروط الخمسة”؟
يقول الرفيق لينين “الإمبريالية هي الرأسمالية عندما تبلغ من التطور درجة تكونت فيها سيطرة الاحتكارات والرأسمال المالي، واكتسب فيها تصدير الرأسمال أهمية كبرى، وابتدأ تقسيم العالم بين التروتستات العالمية، وانتهى تقسيم جميع أقطار الأرض بين كبريات البلدان الرأسمالية”. هذه هي العناصر الخمسة. فهل سيطرت الاحتكارات في روسيا؟ نعم. وهل يسيطر الرأسمال المالي؟ نعم. وهل اكتسب تصدير الرأسمال أهمية كبرى؟ نعم. وهل ابتدأ تقسيم العالم بين التروتستات العالمية؟ هذا يجري الآن أمام أعيننا. وهل انتهى تقسيم جميع أقطار الأرض بين كبريات البلدان الرأسمالية؟ هذا يجري الآن. حيث أن سيطرة الاحتكارات والرأسمال المالي يفرضان السعي للتوسع العالمي بالضرورة، ويدفعان إلى أن تتنازع دولتهم مع الرأسماليات الأخرى حول الأسواق والسيطرة. هذه هي الصيرورة “الطبيعية” لنشوء الإمبريالية. وهذا هو أساس “التصارع” الحالي بين روسيا و”الغرب”، فهي تعمل على الحصول على حصتها من الأسواق العالمية، ومن تعزيز سيطرتها وتقوية نفوذها.

بعض “اليسار” (الممانع و”المقاوم”) يركز فقط على “الشرط” الأخير، من منظور أن ذلك يعني السيطرة الاستعمارية. لكن في ذلك ابتذال هائل للماركسية ولمعنى الإمبريالية في الماركسية. ما يمكن أن نشير إليه هو أن زمن الاستعمار انتهى (عدا في فلسطين، والآن في أفغانستان)، وأن السيطرة باتت اقتصادية وعبر وجود قواعد عسكرية. وفي ذلك سنجد لأميركا مئات القواعد في العالم، كما لروسيا عشرات القواعد، لكن لهما معاً قواعد عسكرية خارج أراضيهما. وإذا كان لأميركا أكثر فلأنها سيطرت منذ زمن طويل بينما تتقدم روسيا الآن.

هذا التقدم هو ما لا يلمسه دليقان. فالشروط غير محققة في روسيا، بالتالي رسبت في الصف الأول من الإمبريالية. لكن الأهم كما يرى “هو أن التفاعل بين ظاهرتين موضوعيتين هما التمركز واستمرار التمركز من جهة والعولمة الاقتصادية من جهة ثانية، يؤدي نتيجة بسيطة هي: هنالك مركز إمبريالي واحد..”، بالتالي أصبح هناك “إمبريالية عليا”، يحيا كاوتسكي وليسقط لينين الذي أوهمنا بأنه في الرأسمالية لن يصبح هناك “مركز إمبريالي واحد”. طبعاً ليس غريباً أن يكون هناك صلة بين دليقان وكاوتسكي، فهي موجودة أصلاً بين “الماركسية السوفيتية” و”ماركسية الأممية الثانية”، ولقد قام الرفيق ستالين بتدشين هذه الصلة بكل مجهوده الفكري. حيث أن كليهما يتأسس على المنطق الصوري، و”يشطب” الجدل، أو يحوّره ويسطحه أو يحوّله إلى تصور إرتقائي. ولهذا لا نستغرب هنا أن يكون تحليل دليقان، والتيار الذي يمثله في سورية والعالم، هو المدخل لظهور الانتهازية في اليسار العالمي، الذي يظهر واضحاً في دعم سلطة رأسمالية مافياوية ريعية وهي تمارس أقصى الوحشية ضد الشعب. فقد أوضح لينين كيف أن تعريف كاوتسكي للإمبريالية الذي ينطلق من ميلها للاستعمار هو الذي يفضي إلى تشكيل فكرة “الإمبريالية العليا” لدية، وفي الوقت ذاته إلى أنه “يخفي أعمق تناقضات الإمبريالية، ويؤول بالتالي إلى مسالمة الانتهازية” (لينين “المختارات في ثلاث مجلدات” م3 ج1 ص83).

طبعاً التشابه مع كاوتسكي هو نتاج اعتبار ان المركز الإمبريالي هو نهاية المطاف، أي الشكل الأعلى للإمبريالية، ومن ثم ليس من تنافس أو تصارع، أو نشوء للإمبرياليات أخرى. لهذا بات هناك إمبريالية (هي الإمبريالية الأميركية التي تهيمن على الثالوث –كما يقول سمير أمين-) وضد إمبريالية، هم كل البلدان والقوى التي تختلف أو تتصارع أو تناقض هذا المركز الإمبريالي. هذا هو المنظور السطحي والساذج لمعظم اليسار العالمي، وهو المنظور الذي يفتح على الانتهازية، حيث يقول بالثورة لفظاً ويرفضها واقعاً في بلده. ربما عدنا إلى “إفلاس الأممية الثانية”. والغريب أن تكون القضايا ذاتها هي التي تؤسس لهذا الإفلاس. وأن تكون الانتهازية هي السمة في الحالين.

هل تشكل “مركز إمبريالي واحد”؟ سأقول نعم، بعكس ما يمكن أن يظن دليقان. فقد أدى تطور الاشتراكية وتوسعها إلى إنهاء الصراعات بين الدول الإمبريالية للتوحد ضد الاتحاد السوفيتي. وعلى ضوء ذلك تشابك الرأسمال بشكل هائل، وانفتحت الأسواق في البلدان الرأسمالية لحركة السلع والرأسمال بشكل كامل. وأصبح التنافس والصراع بين الرأسماليات يجريان في إطار “العالم الرأسمالي” ككل، وكذلك التطاحن بين الشركات. وباتت الإمبريالية الأميركية هي القوة المهيمنة في مجمل النمط، وللطغم المالية الأميركية السيطرة الأكبر. وأصبحت أميركا هي القوة العسكرية الأولى في العالم، ورأس حربة النظام الرأسمالي ضد المنظومة الاشتراكية. بالتالي باتت الإمبريالية “مركزية”، أي تخضع لمركز واحد، وإنْ كانت تظهر المنافسة بين ثلاث أطراف، هي أميركا واليابان وأوروبا. أخطأ لينين، بسيطة. لكن هذا ليس خطأ لينين*، لأنه حلل وضع العالم قبل نشوء الدولة الاشتراكية، وبالتالي كان من الطبيعي أن يؤدي ظهور النقيض إلى تماسك الرأسمالية وتوحدها. فقد بات وجودها ينحكم لصراع جديد مع نقيضها الكامل. بالتالي فرضت “عقلانية” الرأسمالية التشكّل في “مركز واحد”. هل هذا هو الشكل النهائي للإمبريالية؟ وفق نظرية كاوتسكي نعم، وبالتالي فإن “التمركز واستمرار التمركز من جهة والعولمة الاقتصادية من جهة ثانية”، قد فرضا نشوء “المركز الواحد”، وهذه بالضبط هي التي أوصلت كاوتسكي إلى فكرة “الإمبريالية العليا”.

إذن نحن إزاء خط كاوتسكي كامل. فالتطور الداخلي في الرأسمالية هو الذي أوصل إلى “المركز الواحد” وليس نشوء الاشتراكية وتماسك الرأسمالية في مواجهتها. وظهر أن لينين مخطئ في تحليله الذي رفض فيه “المركز الواحد”، رغم أن ما فهم من كتابه هو أن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية. هذه الأعلى نجدها كامنة هنا فقط من حيث أن الدول الإمبريالية التي تحدث عنها ظلت هي ذاتها، وكأنه لم يعد ممكناً نشوء إمبرياليات أخرى. من منظور لينين ليس هناك إمكانية لتشكل “مركز واحد/ إمبريالية عليا”، حيث ان التنافس سوف يؤدي إلى الحروب بين الدول لتقاسم العالم. هذا ما ظهر واضحاً في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي كثير من الحروب “الصغيرة”. وحيث تهيمن إمبريالية وتختفي أخرى، وهو ما ظهر واضحاً خلال النصف الأول من القرن العشرين. لكن تطور الاشتراكية، وتوسعها بعد الحرب العالمية الثانية فرض إعادة صياغة وضعية الرأسمالية لكي تتمكن من مواجهة “المد الشيوعي”. وتأسيساً على ذلك أُنهيت الصراعات بين الدول، وجرى التوافق على “السلام” بين الرأسماليين، من خلال تشكيل سوق واحدة دون قيود، وتحقيق التشابك الرأسمالي. وبهذا فقد نشأ تمركز أعلى واحتكار أضخم، وتقاسم عالمي “متوافق عليه”. بالتالي تشكل “المركز الإمبريالي الواحد”.

هل يعني ذلك أنه ألغى تشكل إمبرياليات اخرى؟
كان المقصود ذلك، لهذا لم تتطور بلدان أخرى في نطاق السيطرة الإمبريالية، وكل محاولات التطور جرت بالقطع معها. فقط كوريا الجنوبية وتايوان سمح لهما التطور في نطاق الرأسمالية، ودعما في ذلك، بالضبط لـ “وقف المد الشيوعي”. لكن انهيار الاشتراكية قد فتح على “عالم جديد”. هذا ما لا يرد لا دليقان ولا معظم اليسار العالمي رؤيته، فروسيا تحوّلت إلى الرأسمالية، هل في ذلك شك؟ هذا اليسار يشك طبعاص لأنه لازال يعيش “البنية الأيديولوجية” التي تشربها خلال احتكار السوفيت للماركسية، ويبدو انه لا يريد الخروج منها، لأنه “يموت”. فهذه البنية كان هي الغطاء لانتهازيته السابقة، وبالتالي يجب أن تبقى هي الغطاء لانتهازيته الراهنة.

ماذا أصبحت روسيا بعد انهيار الاشتراكية؟ رأسمالية، هذا كان جواب كل اليسار العالمي الذي تمسك بـ “الاشتراكية”. طبعاً يمكن العودة إلى كل ما كتب حينها وطيلة عقد التسعينات والعقد الأول من القرن الجديد. البعض اعتبر أن ما جرى هو “مؤامرة إمبريالية” على الاشتراكية، والبعض اشار إلى انهيارها نتيجة “أخطائها”، لكن الكل أجمع إلى أنها أصبحت رأسمالية، وأنها التحقت بالإمبريالية الأميركية. فما قام به بوريس يلتسين هو الخصخصة السريعة لتفكيك اقتصاد الدولة، حيث استفادت المافيات المحيطة بالسلطة، وباتت تشكل رأسمالية جديدة، إتخذت سمة مافياوية في البدء. وبالتالي انتقلت روسيا من الاشتراكية إلى الرأسمالية، وباتت دولة رأسمالية (ككل الدول التي كانت اشتراكية في أوروبا). ويمكن أن نجد العديد من الدراسات الاقتصادية التي تناولت هذا التحوّل.

لكن هل يمكن أن تكون هناك رأسمالية، هي ليست إمبريالية؟
لنعد إلى لينين. عنوان الكتاب هو “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، إذن سنستنتج بأن الرأسمالية كنمط باتت إمبريالية. لكن لينين كتب “الإمبريالية المرحلة الأحدث في الرأسمالية” كما يشير هو إلى العنوان الأصلي للكتاب. فقد درس الشكل الأحدث للرأسمالية، وتوصل بأنها باتت إمبريالية. لهذا يتحدث هو عن تكوين اقتصادي بات يحكم الرأسمالية سمته أنه إمبريالي، أي هيمني. أنه يفرض هيمنة المراكز على الأطراف ويخضعها لمنطقه. بالتالي فإن التشابك مع هذا النمط يفرض المنظور الإمبريالي حتماً، فقد انتقلت الرأسمالية من شكلها التنافسي إلى شكلها الاحتكاري، وباتت إمبريالية بالضرورة، ولم يعد ممكناً أن نعود القهقرى إلى الشكل الأولي للرأسمالية. ومن ثم من ليس إمبريالياً هو تكل البلدان التي تسعى لإنجاز التطور الرأسمالي ولم تصبح بعد رأسمالية بالمعنى الحصري (الهند مثلاً).

هذه الوضعية هي التي حكمت تطور وضع روسيا الرأسمالية، فقد كان الميل الإمبريالي الأميركي يهدف إلى تحويل روسيا إلى دولة عالمثالثية، أي تابعة، عبر دعم سيطرة المافيا، وتعزيز الطابع الريعي للاقتصاد، وبالتالي إنهاء “التجربة الصناعية” فيها. لكن الصيرورة إتخذت منحى آخر. لقد دخلت روسيا السوق الاقتصادي العالمي (الذي هو رأسمالي) بعد أن قررت حرية التجارة واقتصاد السوق. وأسست سوق الأسهم التي هي جزء من التكوين الاقتصادي الإمبريالي الجديد. وسمحت بحرية تنقل رؤوس الأموال والتوظيف في الشركات، وأسست الشركات العالمية فروعاً لها في روسيا. وبالتالي فقد اندمجت في التكوين الاقتصادي العالمي، الذي هو تكوين رأسمالي إمبريالي. هذا ما جعل أزمة جنوب شرق آسيا سنة 1997 تضرب روسيا أيضاً (سنة 1998)، وجعل الأزمة المالية الأخيرة (سنة 2008) تطال روسيا وإنْ بشكل أقل من الإمبرياليات الأخرى.

في سياق هذا التشابك كان الصراع يجري بين توجهين، أو مصلحتين، توجه يريد الاستتباع للإمبريالية الأميركية (وهذه هي سمة المرحلة الأولى بعد الاشتراكية)، وآخر يعمل على تشكيل “دولة إمبريالية”، خصوصاً أن روسيا تمتلك كل الإمكانيات لذلك من حيث القدرة العسكرية والتطور التكنولوجي. وهذا ما وسم المرحلة التي ارتبطت باسم فلاديمير بوتين. وهذا هو أساس الاختلاف بين مرحلتي يلتسين وبوتين أصلاً. بوتين الذي عمل على إعادة تشكيل الاقتصاد الروسي صناعياً، لكن في إطار التشابك مع مجمل النمط الرأسمالي الذي كان قد تحقق في المرحلة الأولى. بمعنى أن بوتين عمل على أن يفرض روسيا مركزاً إمبريالياً، ولقد نجح إلى حد كبير.

وبهذا لم يعد هناك “مركز إمبريالي واحد”، فقد انفتح الوضع العالمي على مرحلة جديدة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. اتسمت أولاً بالسعي الإمبريالي الأميركي للسيطرة على العالم في سياق سعي الطغم الإمبريالية تجاوز الأزمة العميقة التي باتت تعيشها. وأميركا هنا كانت تميل إلى تهميش ليس روسيا فقط، بل كذلك أوروبا واليابان. ثم أفضت الأزمة المالية العالمية التي حدثت سنة 2008 إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة ضعف المركز المهيمن وتراجعه، ونهوض عديد من الرأسماليات لكي تفرض هيمنتها، الأمر الذي فتح الباب على تصارع جديد من أجل التقاسم العالمي. مع ملاحظة أن كل إمبريالية تعمل عبر هذا التقاسم على حل مشكلاتها العويصة. فالنمط الرأسمالي بات مأزوماً، ويغرق في مشكلات لا حل لها. لقد عملت الإمبريالية الأميركية لكي تبقي “المركز الإمبريالي” موحداً تحت سيطرتها، وعبر هيمنتها على روسيا، وتهميش الصين. والمنظور العولمي الذي طرحته كان هذا هدفه، والذي انبنى على نشر قواتها في كل أنحاء العالم، لكي يُفرض توحيد العالم بالقوة. لكنها، ببساطة، فشلت فشلاً ذريعاً، حيث أن وضعها الاقتصادي بات أسوأ من أن يحتمل أن تبقى المهيمنة على العالم. ولأن الإمبرياليات القديمة تعاني من الأزمة، وليست في مقدور الهيمنة، انفتح الصراع من جديد، شاملاً الرأسماليات الجديدة: روسيا والصين.

نحن في عصر تصارع إمبرياليات ضعيفة، هذا هو مختصر الوضع الراهن.

**********

بعد ذلك سأرد “للتسلية” فالأمر لا يستأهل أكثر من ذلك

يبدو أن من قال لك موقفي من حل الدولتين في فلسطين أشار إلى أنني ضد حل الدولتين، لكن لأنك ضد هذا الحل قررت أن تفهم موقفي أنني مع حل الدولتين، أحييك وجدنا نقطة تلاقي. فأنا، ما دمت لا تعرف، مع إنهاء الدولة الصهيونية ومع الدولة الديمقراطية العلمانية كما أوضحت في العديد من الدراسات. لكن لم أفهم إشارتك إلى أنني ألعب “بمزاج الناس دون مصلحتها”؟ ألعب بمزاج الناس يعني أنني أطرح مع ما يتوافق مع الناس. هذا أمر جيد، لكن هل تعرف أنت مصالح الناس؟ كل المنظور الذي تطرحه يشير إلى التملق للرأسمالية، وإنْ تحت إنكار أنها رأسمالية، سواء السلطة السورية، التي يمكن أن أستعين بعشرات الأرقام عن رأسماليتها ومافياويتها وهيمنتها على الاقتصاد من موقع قاسيون. أو روسيا الإمبريالية التي تسعى للهيمنة والسيطرة ككل إمبريالية. لن أعيد تكرار راي لينين هنا.

هل أنني لا أميز بين الحالة الثورية والثورة؟ حسناً سأفعل، الحالة الثورية هي الاحتقان الذي يتراكم لدى المفقرين نتيجة البطالة والأجر المتدني والتهميش، والذي يفرض تصاعدة نتيجة زيادة السحق إلى ثورة، التي تتمثل في نزول الشعب إلى الشارع من أجل “إسقاط النظام”.

وهل أعتبر بأن المدنية هي علاقة بين الطوائف لا فرز بين الطبقات؟ ربما تتحدث عن شخص آخر هنا، لأنني أبدأ من الطبقات، واعتبر الطوائف هي “تمظهرات ذهنية” تتخذ شكلاً “اجتماعياً”، لكنها ليست الأساس في حراك الناس إلا في بعض اللحظات التي ترتكب فيها أخطاء، حيث يمكن أن تشوش على الصراع الطبقي.

والسلمية فقيد غالٍ؟ هنا تظهر الانتهازية واضحة، فالسلمية هي مطلب برجوازي، و”حضاري”، وأنا مع الثورة بكل الأشكال التي يمكن أن تأخذها، فليس من الممكن “إسقاط النظام” بالسلمية. السلمية يمكن أن تكون وهم الذين يريدون إصلاح النظام. لكنني لم أكن مع دفن السلمية بأسرع وقت (إذا أحببت راجع مقالي “هجاء السلاح” في جريدة الحياة).

وهل أعتبر أن “الحل السياسي واقع كريه يجب الاعتراف به في اللحظات الأخيرة قبل الخروج من التاريخ..”؟ هذه الخروج من التاريخ لم أفهمها، لأنني لا أعتبر بالحل السياسي ما دام لا يحقق مطالب الثورة، قبل الخروج من التاريخ أو بعده. في سورية الحل السياسي هو الوحيد القائم، هذا ما قلته منذ البدء وليس قبل الخروج من التاريخ، حيث ليس للثورة حزب يقودها نحو استلام السلطة، وبالتالي لا بد من كسر في السلطة يفتح على حل سياسي. هل هذا حلي؟ لا، ولن أوافق عليه، لأنني أعرف طابعه الطبقي، ويخدم من من القوى الإمبريالية. لكن هذا لا يمنعني من القول بأنه الوحيد الممكن. بالتالي فعلاً هو “واقع كريه”. شكراً لمصطلحك أفادني.

*******

على كل، من يقرأ ما كتب دليقان عني، وهو يعرف آرائي سيتأكد من “الغباء الروسي”.

* يجب أن نلاحظ أن فهم الإمبريالية من منظور لينين خضع لسء فهم أساسي، تمثل في عنوان الكتاب: الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، بالتالي ليس هناك مرحلة أعلى، فقد وصلت الرأسمالية إلى القمة، إلى الأعلى وانتهى الأمر. لكن درس لينين “المرحلة الأحدث في الرأسمالية” وليس الأعلى كما يشير هو، ويقول بأن الناشر هو الذي وضع كلمة أعلى بدل أحدث.

المصدر: الحوار المتمدن

مأزق الثورة وتناحر ‘الثوريين’

جنيف2 هي «صفقة بيع» أميركية لروسيا، بمعنى أن أميركا تتنازل فيها لروسيا عن سوريا، وتعمل على أن ينجح الحل الذي يحقق مصالح روسيا في إطار التقاسم العالمي الذي يجري بينهما.

يبدو كل الوضع السوري في مأزق «مأساوي»، حيث يظهر تعقد «المساومات» الدولية، وعدم مقدرة روسيا وأميركا الوصول إلى توافق نهائي يؤدي إلى فرض الحل الذي بات معروفاً على كل الأطراف.

حيث لازالت المناورات الدبلوماسية تحكم نشاط كل منهما، والآن من أجل قرار من مجلس الأمن يدين النظام السوري لاستخدامه الأسلحة الكيماوية، ويقرر الاتفاق بينهما كأساس لـ «وضع اليد» على هذه الأسلحة، وتدميرها.

فأميركا تريد قراراً ملزماً تحت البند السابع، وتناور روسيا من أجل عدم صدور القرار تحت البند السابق بل تحت البند السادس الذي لا يجيز استخدام القوة.

ومن تحت الطاولة يجري الترتيب لعقد مؤتمر جنيف2، وتجري تهيئة الأطراف المختلفة لحضوره. وهذا ما بات يوجد مفاعيل على الأرض متناقضة، وبات الضغط من أجل سحب الأسلحة الكيماوية يصبّ في «تهذيب» السلطة لكي تخضع لمنطق الواقع، رغم كل التصريحات «العنترية» الروسية، والكلام «التافه» الذي اعتاد لافروف إطلاقه، دفاعاً عن سلطة باتت تتهاوى، وتبريراً لممارسات بشعة تقوم بها. ففي الأخير يجب أن يأتي طرف من السلطة لكي يجعل على طاولة «البصم» في جنيف، بعد أن أصبح واضحاً أن «المعارضة» (بما هي هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي، والائتلاف الوطني لقوى التغيير والثورة) «تهذبت» وباتت مستعدة لقبول هذا الاستحقاق، وفق الأسس الذي يقوم عليها.

هذا السياق الذي يدفع نحو جنيف2 والذي تأسس على التوافق الأميركي الروسي، هو الذي دفع السلطة (مدعومة من إيران وحزب الله وروسيا) لمحاولة تعديل ميزان القوى عسكرياً، من خلال استعادة المدن وتحقيق «انتصارات». نجح ذلك في مدينة القصير، وتل كلخ، بمجهود وفير من حزب الله، وجرى التحضير لكسب معركة حمص والغوطتين في ريف دمشق، على أن التوسع شمالاً وشرقاً بعدئذ. في حمص، وبعد أشهر من المحاولة، استرجع النظام بعض حي الخالدية، وبهذا لم يحقق شيئاً مهماً. وفي الغوطتين فشلت كل محاولاته لاستعادة أطراف مدينة دمشق (جوبر والقابون وبرزة البلد) وليس الغوطتين فقط. وبالتالي كان واضحاً بأن تكتيكه فشل في تعديل ميزان القوى قبل مؤتمر جنيف2. فقد كان من المقرر أن يعقد «الخبراء» الأميركان والروس جلسة يوم 26/8 لترتيب عقد المؤتمر في شهر أيلول/ سبتمبر. هذا يفسّر سبب استخدام الأسلحة الكيماوية يوم 21/8، وفي درجة أعلى من كل المرات السابقة. حيث كان يجب تحقيق انتصار في الغوطتين قبل استحقاق جنيف2.

وهذا يعني أن الأطراف الداعمة له، والمشاركة في حربه مسؤولة عن هذا القرار، لأنها تريد (بما في ذلك الروس) تعديل ميزان القوى لكي يستطيع الروس فرض منظورهم (وربما إيجاد مخرج لمجرمي الحرب الذين ارتكبوا كل الجرائم، أي السلطة ذاتها).

هذا الأمر فرض «التشدد» الأميركي، فقد وضعت أميركا في موقف حرج بعد أن كان قد صرّح باراك أوباما بأن استخدام الأسلحة الكيماوية هو «خط أحمر»، ومرّر استخدامه من قبل السلطة مرات قبلاً اعتماداً على مقدرة الروس ضبط السلطة، وردعها عن استخدامه.

لكن الأهم هو «المساومات» في جنيف2، وحيث ظهر بأن الروس بمنطق تعاملهم يرجحون كفة السلطة، الأمر الذي يفشل المؤتمر (وهي هنا تدافع عن مصالح روسيا أكثر من لافروف وبوتين، لأن جنيف2 هي «صفقة بيع» أميركية لروسيا، بمعنى أن أميركا تتنازل فيها لروسيا عن سوريا، وتعمل على أن ينجح الحل الذي يحقق مصالح روسيا في إطار التقاسم العالمي الذي يجري بينهما). ولهذا بات أوباما يربط إقرار الاتفاق الأميركي الروسي حول الأسلحة الكيماوية بوضع السلطة السورية «تحت التهديد» لكي لا تستمرئ تغيير ميزان القوى، ومن ثم يكون محسوماً أمر بشار الأسد، بالتالي يتحقق ترحيله.

في المقابل، اندفعت «دولة العراق والشام الإسلامية» للسيطرة على كل المناطق التي لم تعد تحت سيطرة السلطة. وقررت تصفية كتائب الجيش الحر، وحتى الكتائب الإسلامية. فأخذت تسيطر عن المدن من دير الزور إلى إعزاز في ريف حلب، مروراً بالرقة. وباتت في حرب مع الاتحاد الديمقراطي الكردي من جهة، ومع تلك الكتائب من جهة أخرى (بما في ذلك مع جبهة النصرة «توأم روحها»). ما الهدف من كل ذلك؟

ربما لأنها اعتبرت بأنها أصبحت قوية بما يكفي لفرض سيطرتها، لكن ماذا بعد ذلك؟ هل ستقاوم السلطة؟ لا يبدو في منطقها مقاومة السلطة، ولهذا يجب أن تنتظر لما جرى ويجري انطلاقاً من أنه جزء من إستراتيجية السلطة لتدمير الكتائب المسلحة، ومن ثم التقدم للسيطرة على كل هذه المناطق. وربما هي تنجح هنا أكثر مما نجحت بقوتها العسكرية المباشرة.

هذا الأمر، في كل الأحوال سواء ظننا سوءاً بداعش أو انطلقنا من «منظورها العقائدي»، سوف يفكك الكتائب المسلحة من جهة، ويصعّد من رفض الشعب لسلطة داعش من جهة أخرى. وربما هنا يكون دخول الجيش (جيش السلطة) حلاً لوضعهم.

وما زاد من المشكلة، وفرض فوضى أكثر ستظهر مفاعيلها في الأيام القادمة، هو تأثير الصراعات داخل الائتلاف الوطني على تفكك وتصارع الكتائب المسلحة. فقد أدى التوسيع الأخير لقوام الائتلاف الوطني إلى إضعاف جماعة الإخوان المسلمين وإعلان دمشق (أي المجلس الوطني)، وتجاوز سيطرتهم على القرار فيه، لمصلحة قوى أخرى أسميت «القوى الديمقراطية» (رغم أن هذه التسمية فضفاضة كثيراً عليها)، وهي في المجمل قوى تركت هيئة التنسيق منذ زمن بعد أن كانت ولازالت تميل إلى «الحل السياسي»، وأخرى ترتبط بالسعودية بالخصوص.

كل ذلك في سياق الترتيب الأميركي لمشاركة المعارضة في مؤتمر جنيف2. هذا يعني خسارة جماعة الإخوان المسلمين، ومجمل الإسلاميين، وعدم حصولهم على سيطرة في السلطة التي من المفترض أن تنبثق عن مؤتمر جنيف2 (الحكومة الانتقالية).

لهذا حاولوا منع توسيع الائتلاف، وحين فشلوا شاركوا على استحياء. ولقد كانت الرسالة التي بعثها أحمد الجربا رئيس الائتلاف للأمم المتحدة حول الموافقة على المشاركة في مؤتمر جنيف2 المدخل لتفجير كلية الوضع. حيث أصدر 13 فصيلاً «إسلامياً» (منها جبهة النصرة وأحرار الشام ولواء التوحيد) بياناً «نزعوا الشرعية» عن الائتلاف الوطني وعن الحكومة التي ينوي تشكيلها، واعتبروا بأن القرار هو لمن هم «على الأرض». وهذه جزء مهم من هذه الكتائب على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، لكن التحالف ضم كتائب سلفية «جهادية».

ماذا سيؤثر ذلك على مشاركة الائتلاف في جينيف2؟ وهل سينجح في السيطرة على الأرض؟ وكيف سيتعامل مع داعش التي قررت السيطرة على الأرض؟

باختصار التفكك في «المناطق المحررة» يتعمق، وهذا يضعف الائتلاف في مؤتمر جنيف2 لمصلحة السلطة، ولكن أيضاً لمصلحة هيئة التنسيق.

المصدر: العرب

الثورة في متاهات القوى الدولية

يبدو أننا لم نستطع أن نطور الثورة لكي تفرض إيقاعها، وتحقق الهدف الكبير الذي طرحته، والمتعلق بإسقاط النظام. فالمعارضة لم تكن تعرف كيف تدير ثورة، وأصلاً لم تبنِ رؤيتها على حدوث الثورة، وظلت تراهن على متغيّر ما يحقق ما تريد، وكان هذا المتغيّر متواضع جداً (إصلاح ما في السلطة)، أو انتقامي جداً (تدمير السلطة)، والشعب بذل كل ما يستطيع، لكنه حرم من الوعي السياسي نتيجة الاستبداد الطويل، وتخريب التعليم، و”تفاهة” الإعلام، وبالتالي كانت البطولة هي ما يستطيع أن يقدم دون مقدرة على “الخوض في السياسة”، وتحديد كيف تتطور الثورة وتنتصر.

وكان المنفذ “الوحيد” هو تفكك السلطة كما حدث في تونس ومصر، لكن “عبقرية” حافظ الأسد تجمعت في نقطة واحدة هي كيف يهيمن على الجيش، بحيث لا يعود قادراً على الانقلاب، لهذا فرض تعدد الأجهزة الأمنية، وفرض هيمنة الأمن على الجيش، الأمر الذي منع حدوث انشقاق يفتح على تحقيق التغيير، وكانت المراهنة على أن ضعف السلطة نتيجة توسع الثورة، وتنامي قوتها، سوف يدفع إلى التفكك حال الشعور بأن السلطة تتهاوى.

لهذا كانت احتمالات الوضع السوري تراوح بين الشكل التونسي المصري (انقلاب داخلي في السلطة) والليبي (التدخل الإمبريالي)، معارضة الداخل ظلت تراهن على “عقلانية” يمكن أن تنشأ من داخل السلطة ذاتها، تدفع إلى الإصلاح الذي يحقق الانتقال السلمي (بعد كل العنف الذي مارسته السلطة) من الاستبداد إلى الديمقراطية، مع وجود بشار الأسد، ومن ثم بدونه، دون أن يظل احتمال القبول بوجوده قائماً. معارضة الخارج (وبعض الداخل) راهنت مباشرة على تكرار الخيار الليبي، وبدأت تتشكل في أطر تأسيساً عليه (المجلس الوطني الانتقالي، العودة إلى العلم القديم، مناشدة “الغرب” التدخل).

وإذا كان مستحيلاً تحقيق التغيير عبر “عقلانية” مفاجئة تضرب السلطة، فقد كان واضحاً أن التدخل الإمبريالي لم يعد ممكناً، لهذا لا بد من تطوير الثورة لكي تنتصر بقواها الذاتية؛ هذا الأمر كان مستحيلاً نتيجة أزمة المعارضة (وربما يجب القول هزالها)، وغياب الوعي السياسي لدى الشعب المقاتل، الأمر الذي فتح بعد أكثر من سنتين من ثورة حقيقية على أن نندفع إلى الخيار اليمني (أي الحل القادم من خلال دور دولي/ إقليمي)، وربما بأسوأ منه، فقد بات الحل رهناً بالتوافق الأميركي الروسي، وفق الصيغة التي جرى التوافق عليها في “مجموعة العمل” نهاية شهر حزيران سنة 2012 في جينيف، والتي أسميت مبادئ جينيف، وأيضاً التي خضعت لتفسيرات متعددة بخصوص وضع بشار الأسد، حسمت لمصلحة التفسير الروسي، الذي كان يبعد الإشارة إلى بشار الأسد كأساس لبدء مؤتمر جينيف2، على أن يتحدد وضعه في النهاية (أي بعد التوافق وإقرار المبادئ وتشكيل الحكومة المؤقتة).

لكن لازال الأمر متعلقاً بـ “عقلانية” ما في السلطة، تؤسس لفرض منطق “الحل السياسي” بدل “الحل العسكري”، وبالتالي إقرار مبادئ جينيف، والقبول بالمرحلة الانتقالية مناصفة مع المعارضة (التي جرى ترتيبها أميركياً لقبول هذا الحل)، وهذا أمر يفترض إبعاد بشار الأسد والعائلة التي قررت منذ البدء القتال إلى النهاية، بطريقة ما. هذا ما كان على الروس العمل من أجله، لكن لا يبدو واضحاً أنهم أفلحوا، أو أن طرفاً في السلطة أصبح قادراً على فرض الميل نحو الحل “الروسي”، رغم بروز وجهات نظر في هذا الأمر خلال السنة الأخيرة، على العكس السلطة كانت تريد تحقيق انتصارات بعد أن سيطرت على القصير، حيث حاولت في حمص وحققت بعض التقدم المحدود، وفشلت في الغوطتين لهذا قررت استخدام السلاح الكيماوي لتحقيق انتصار قبيل عقد مؤتمر جينيف2، الذي كان مقرراً الإعداد له يوم 26/8، أي بعد خمسة أيام من استخدام الكيماوي.

هذا الأمر هو الذي فرض التصعيد الذي قام به باراك أوباما، والذي أفلح في الموافقة على تسليم الأسلحة الكيماوية (وربما ترتيب أفضل في جينيف2)، أو ستكون الضربة العسكرية أكبر مما كان يريد أوباما. هل يفتح ذلك على تحقيق ما بات يسمى “الحل الروسي”؟

ربما، وبهذا تكون الإمبريالية الأميركية قد رتبت كل شيء لكي تسلم روسيا سورية، وتشرع في نهبها.

لكن لا بد من إعادة بناء الثورة، فمهما حصل فعليا،ً لن يؤدي إلى تجاوز الظروف التي فرضت انفجارها.

المصدر: صدى الشام

الثورة في متاهات القوى الدولية

يبدو أننا لم نستطع أن نطور الثورة لكي تفرض إيقاعها، وتحقق الهدف الكبير الذي طرحته، والمتعلق بإسقاط النظام. فالمعارضة لم تكن تعرف كيف تدير ثورة، وأصلاً لم تبنِ رؤيتها على حدوث الثورة، وظلت تراهن على متغيّر ما يحقق ما تريد، وكان هذا المتغيّر متواضع جداً (إصلاح ما في السلطة)، أو انتقامي جداً (تدمير السلطة)، والشعب بذل كل ما يستطيع، لكنه حرم من الوعي السياسي نتيجة الاستبداد الطويل، وتخريب التعليم، و”تفاهة” الإعلام، وبالتالي كانت البطولة هي ما يستطيع أن يقدم دون مقدرة على “الخوض في السياسة”، وتحديد كيف تتطور الثورة وتنتصر.

وكان المنفذ “الوحيد” هو تفكك السلطة كما حدث في تونس ومصر، لكن “عبقرية” حافظ الأسد تجمعت في نقطة واحدة هي كيف يهيمن على الجيش، بحيث لا يعود قادراً على الانقلاب، لهذا فرض تعدد الأجهزة الأمنية، وفرض هيمنة الأمن على الجيش، الأمر الذي منع حدوث انشقاق يفتح على تحقيق التغيير، وكانت المراهنة على أن ضعف السلطة نتيجة توسع الثورة، وتنامي قوتها، سوف يدفع إلى التفكك حال الشعور بأن السلطة تتهاوى.

لهذا كانت احتمالات الوضع السوري تراوح بين الشكل التونسي المصري (انقلاب داخلي في السلطة) والليبي (التدخل الإمبريالي)، معارضة الداخل ظلت تراهن على “عقلانية” يمكن أن تنشأ من داخل السلطة ذاتها، تدفع إلى الإصلاح الذي يحقق الانتقال السلمي (بعد كل العنف الذي مارسته السلطة) من الاستبداد إلى الديمقراطية، مع وجود بشار الأسد، ومن ثم بدونه، دون أن يظل احتمال القبول بوجوده قائماً. معارضة الخارج (وبعض الداخل) راهنت مباشرة على تكرار الخيار الليبي، وبدأت تتشكل في أطر تأسيساً عليه (المجلس الوطني الانتقالي، العودة إلى العلم القديم، مناشدة “الغرب” التدخل).

وإذا كان مستحيلاً تحقيق التغيير عبر “عقلانية” مفاجئة تضرب السلطة، فقد كان واضحاً أن التدخل الإمبريالي لم يعد ممكناً، لهذا لا بد من تطوير الثورة لكي تنتصر بقواها الذاتية؛ هذا الأمر كان مستحيلاً نتيجة أزمة المعارضة (وربما يجب القول هزالها)، وغياب الوعي السياسي لدى الشعب المقاتل، الأمر الذي فتح بعد أكثر من سنتين من ثورة حقيقية على أن نندفع إلى الخيار اليمني (أي الحل القادم من خلال دور دولي/ إقليمي)، وربما بأسوأ منه، فقد بات الحل رهناً بالتوافق الأميركي الروسي، وفق الصيغة التي جرى التوافق عليها في “مجموعة العمل” نهاية شهر حزيران سنة 2012 في جينيف، والتي أسميت مبادئ جينيف، وأيضاً التي خضعت لتفسيرات متعددة بخصوص وضع بشار الأسد، حسمت لمصلحة التفسير الروسي، الذي كان يبعد الإشارة إلى بشار الأسد كأساس لبدء مؤتمر جينيف2، على أن يتحدد وضعه في النهاية (أي بعد التوافق وإقرار المبادئ وتشكيل الحكومة المؤقتة).

لكن لازال الأمر متعلقاً بـ “عقلانية” ما في السلطة، تؤسس لفرض منطق “الحل السياسي” بدل “الحل العسكري”، وبالتالي إقرار مبادئ جينيف، والقبول بالمرحلة الانتقالية مناصفة مع المعارضة (التي جرى ترتيبها أميركياً لقبول هذا الحل)، وهذا أمر يفترض إبعاد بشار الأسد والعائلة التي قررت منذ البدء القتال إلى النهاية، بطريقة ما. هذا ما كان على الروس العمل من أجله، لكن لا يبدو واضحاً أنهم أفلحوا، أو أن طرفاً في السلطة أصبح قادراً على فرض الميل نحو الحل “الروسي”، رغم بروز وجهات نظر في هذا الأمر خلال السنة الأخيرة، على العكس السلطة كانت تريد تحقيق انتصارات بعد أن سيطرت على القصير، حيث حاولت في حمص وحققت بعض التقدم المحدود، وفشلت في الغوطتين لهذا قررت استخدام السلاح الكيماوي لتحقيق انتصار قبيل عقد مؤتمر جينيف2، الذي كان مقرراً الإعداد له يوم 26/8، أي بعد خمسة أيام من استخدام الكيماوي.

هذا الأمر هو الذي فرض التصعيد الذي قام به باراك أوباما، والذي أفلح في الموافقة على تسليم الأسلحة الكيماوية (وربما ترتيب أفضل في جينيف2)، أو ستكون الضربة العسكرية أكبر مما كان يريد أوباما. هل يفتح ذلك على تحقيق ما بات يسمى “الحل الروسي”؟

ربما، وبهذا تكون الإمبريالية الأميركية قد رتبت كل شيء لكي تسلم روسيا سورية، وتشرع في نهبها.

لكن لا بد من إعادة بناء الثورة، فمهما حصل فعليا،ً لن يؤدي إلى تجاوز الظروف التي فرضت انفجارها.

المصدر: صدى الشام

ما كتبته عن جبهة النصرة

ما كتبته عن جبهة النصرة (وبالتالي دولة العراق استتباعاً)

12 ديسمبر، 2012

أميركا كانت قد وضعت تنظيم الجهاد في بلاد الرافدين في خانة التنظيمات الارهابية، لكن هذا التنظيم نفذ كل سياسة أميركا في العراق: الصراع الطائفي، وتطبيق الشريعة الخاصة بالسلفية الوهابية.

الآن تضع أميركا جبهة النصرة في قائمة التنظيمات الارهابية بالضبط لتنفيذ ما تريد، أي تسعير الصراع الطائفي وتطبيق تلك الشريعة التي لا علاقة لها بالشريعة.

من غير المفيد دعمها لأن أميركا اعتبرتها ارهابية هذا موقف انفعالي سيء.

13 ديسمبر، 2012
كلما تابعت التعليقات حول جبهة النصرة ألمس مستوى السذاجة المفرط لدى كثير من الذين يعتبرون أنهم يخوضون صراعا لاسقاط النظام. وألمس أن ما يتحكم في المواقف هو الانفعال وردود الفعل والصراع الغريزي ضد السلطة وليس العقل. لهذا يتكرر مشهد دور “الجهاديين” في سورية بعد أن انفضح في العراق، ونجد من يؤيد الجبهة لأنها ضد النظام. من قال أنها ضد النظام وهي لا تنطلق من السياسة أصلاً؟ ولا من رفض النظام لأنه استبدادي أو نهّيب، بل لأنه علوي. وأن معركتها ليست مع النظام الآن بل مع الروافض والمارقين والملحدين، وهذا يشمل الأديان كلها فيما عدا السلفية الوهابية. وهذه أولوية في وعي هذه الجبهة ككل “الجهاديين” الذين ثقفتهم المخابرات السعودية والباكستانية ودربتهم السي آي إي في أفغانستان، وعلمتهم كيفية قتل الناس عبر التفجير العشوائي.

السذاجة ربما تفشل الثورات، بالضبط كما قادت السذاجة الى فشل المقاومة العراقية عبر اللعبة ذاتها، المدعومة سعوديا بالأساس. ولهذا يدعم الإخوان المسلمين هذه الجبهة

29 ديسمبر، 2012
جبهة النصرة تعمل على تحويل الصراع الى صراع ضد الدروز، فليس من قتل منها ، حتى وإن كانوا من الدروز، قتلوا لأنهم دروز بل الأنهم شبيحة، لهذا لا يجب الرد من منطلق طائفي. الدروز جزء من الثورة، وهناك شبيحة من كل الطوائف، والرد على الشبيحة وليس على الطوائف. الخطف مرفوض ويجب إعادة المختطفين في كل الأحوال ودون مساومة. من يخطف يمارس التخريب في الثورة. وجبهة النصرة تعمل على تحويل الصراع الى صراع ضد الطوائف. لقد شاركت السويدا في الثورة قبل وجود جبهة النصرة، التي لم تنشأ إلا بعد ضعف السلطة الذي نتج عن حراك الشعب، ولقد نشأت لكي تخرب الصراع.
لهذا لا بد من أن تنتهي

23 يناير
طيب مناطق ما فيها أي وجود للسلطة بقدر أفهم ليش بعض المجموعات المسلحة بتروح “تحررها”؟ شي غريب يبدو أن دورها هو تحرير ما هو محرر. بطولة مو؟؟؟؟؟ هذا ما فعلته جبهة النصرة بعد تراجع سيطرة السلطة على مناطق كثيرة في الشمال. والبطولة شديدة الآن للسيطرة على راس العين لـ “تحريرها” بعد أشهر من انسحاب قوات السلطة.

2013 26 يناير
لا بد من موقف واضح من جبهة النصرة وكل التنظيمات الأصولية التي تفرض منطقها على الناس أو تمارس سلطتها بديلاً عن المجالس الشعبية، والتي تنطلق من منظور طائفي.
لا بد من كشفها إعلامياً، ورفض العلاقة معها، ومحاصرتها شعبياً.

يجب كشف النظم التي تدعمها وترسل “الجهاديين” لكي يفرضوا حرباً طائفياً افشلها السوريون بعد أن حاولتها السلطة مراراً. خصوصاً هنا السعودية ودول الخليج.

فضح تركيا التي تسمح بدخول هؤلاء، وتوظف بعضهم في الحرب ضد الأكراد.

فضح المعارضة التي دافعت عن جبهة النصرة، وطلب اعتذار منها، وفضح تغطيتها عن النظم التي تدعم هؤلاء.
الفرز ضروري الآن. يجب اسقاط كل تحالف مع الإخوان وكل الطائفيين، وحصار جبهة النصرة.
يجب محاسبة كل من يمارس القتل أو النهب أو السيطرة من المجموعات المسلحة، والتأكيد على أن هناك ثوار يخوضون حرباً ضد السلطة فقط، وهناك عصابات يجب أن تنتهي من كل المناطق التي باتت تحت سلطة الشعب. وهناك “جهاديين” من الخارج يجب أن يرحلوا او يعتبروا مرتزقة.

الثورة بحاجة الى تقويم، على المستوى العسكري، في السلوك والسياسة العسكرية لتجاوز مسألة حرب المدن الى الحرب ضد قوات السلطة التي هي أساس استمرار وجودها (أي الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والشبيحة والمطارات والأمن خصوصاً المخابرات الجوية).

وسياسياً عبر إنهاء هذه الكتل السياسية المضرة بالثورة، وإعلان أنها لا تمثل الشعب وثورته. وتأسيس تحالف شعبي من القوى والمجموعات التي تناضل على الأرض وليس في مطارات العالم وفنادقه، وتتحدث بلغة تافهة على الإعلام عن ثورة لا تعرفها، فتحولها الى جريمة عادية تحتاج الشفقة.

وكذلك لتحديد أنها ثورة من أجل الخبر والحرية وليس لتغيير أشخاص السلطة والاتيان بسلطة شبيهة كما يظهر من كل التحالفات السياسية القائمة. ثورة من أجل إعادة توزيع الثروة وبناء الاقتصاد وما تدمر بقوى الشعب السوري وليس من خلال شركات عالمية تريد النهب. نريد سيادة مبدأ المواطنة وليس منطق الطوائف والمساواة في التوظيف والحق. ونريد دولة علمانية ديمقراطية تحقق مطالب المفقرين الذين باتوا يمثلون معظم الشعب.
الشباب الذي بدأ الثورة بجرأة يجب أن يبدأ تثوير الثورة.

2013 11 فبراير
جبهة النصرة تمارس سلطتها في بعض المناطق التي لم تعد بيد السلطة، لكنها تقوم بالواجب ذاته الذي تقوم به السلطة. إنها تواجه الثوار بديلاً عن السلطة، تعتقل وتهدد وتفرض كل تخلف الماضي على شعب يريد الحرية والكرامة. إذن، هذه الأرض ليست محررة كما تدعي المعارضة بل هي محكومة بشكل جديد للسلطة القديمة.
لهذا نشأت (أو أنشئت) جبهة النصرة، أي لنصرة السلطة ضد الشعب.

المصدر: فايسبوك سلامة كيلة

توضيحات ضرورية حول الماركسية

مقدمة

أثير نقاش متسرع حول الماركسية وحول علاقتها باللينينية، وبماهيتها، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. ولقد كان هذا النقاش مدخلاً لموقفين ليسا متناقضين رغم أن كل منهما يعتقد بأنه مضاد للآخر. الموقف الأول تأسس على رفض اللينينية، ومن ثم رفض الماركسية ككل، أو أقام علاقة واهية بها. لقد رفض الاشتراكية كلياً أو انطلاقاً من أنها مسألة لم تدرج في برنامج التاريخ بعد. لهذا انقلب لتأييد الرأسمالية، وخصوصاً الليبرالية في شكلها الجديد. ليصبح ضد التجربة الاشتراكية، وضد كل التدخلات التي تقوم بها الدولة في المجال الاقتصادي. والموقف الثاني الذي تأسس كذلك على رفض اللينينية، لكنه تمسك بماركس الذي يدعو إلى “التطور الرأسمالي” كونه ضرورة لا فكاك منها. وبهذا فقد رفض الاشتراكية وتعلق في حلم أن تنتصر البرجوازية دون أن يشير إلى إمكانية وجود برجوازية معنية بتحقيق الانتقال إلى الرأسمالية كمرحلة وكنمط.
ورغم أن الاختلاف بين الموقفين يتحدد في هل يفرض القول بضرورة الرأسمالية الالتحاق بالسياسات الإمبريالية، أو يمكن أن يتحقق على الضد منها؟ فإن الأساس الذي أنتج هذين الموقفين هو الطبيعة المشتركة لفهم الماركسية، هذا الفهم الذي نهل من “الماركسية السوفييتية” على العموم. والذي كان يقرر بأن التطور هو للرأسمالية في كل المجتمعات التي لم تصبح رأسمالية بالمعنى الكامل (أي بمعنى نشوء نمط رأسمالي قائم على الصناعة كوسيلة إنتاج) ولانتظار تعفن الرأسمالية في البلدان الرأسمالية ذاتها. وحيث فهمت الماركسية كـ “بضع” كقوانين وتكتيكات ومفاهيم، ولم تُستوعب كمنهجية: هي الجدل المادي.
هنا سوف نعطي صورة لتطور الماركسية بعد ماركس/إنجلز، خصوصاً فيما يتعلق بآفاق التطور والانتقال من الطابع “ما قبل رأسمالي” إلى الاشتراكية، مروراً بتحقيق المهمات الديمقراطية. وهي صورة ملخصة، لكنها توضح طبيعة الصراعات في الماركسية، والمواقف من مسألة التطور بالخصوص. ثم نطرح السؤال: ما الماركسية؟ حيث سوف نلمس بأن إعادة صياغة الرؤية الماركسية تفترض البدء من الأساس، والأساس في الماركسية هو المنهجية وليس أي شيء آخر. رغم أن المنهجية ذاتها تستجلب كل القوانين التي تبلورت منذ ماركس، وتحدِّد جملة ميول الماركسية الأخرى، أي تلك المتعلقة بكون الماركسية تصيغ الرؤية (أو الأيديولوجيا) المعبرة عن الطبقة العاملة، وتفترض حتماً أنها تسعى لأن تحقق الاشتراكية. لكن دون المنهجية سوف تصبح الرؤية المبلورة في زمن ماركس/إنجلز، أو لينين هي الرؤية الراهنة، رغم كل التحولات التي جرت في الواقع، وكل العناصر الجديدة التي تولدت فيه.
لهذا كان من الضروري البحث في ماهيتها، وفي تسميتها، ولماذا يجب أن تسمى ماركسية رغم أن ذلك يشير إلى شخص. ولماذا لا تسمى ماركسية لينينية رغم أهمية لينين فيها. وبالتالي هل هي “نظرية الثورة الاشتراكية”، أو “أيديولوجيا الطبقة العاملة”؟
هل نستطيع الإجابة على هذه الأسئلة؟ يجب أن نفعل ذلك، لأنه المدخل لتحديد طبيعة الماركسية وحدودها.

الفصل الأول:
ماركس والماركسية
بصدد تسمية الاتجاه الفكري الذي بدأ مع ماركس وطبيعته

تسمية الماركسية (أو الاشتراكية أو الشيوعية) تضمّنت إشكالية عميقة، تمثّلت في فهم متناقض لهذا الاتجاه الذي بدأ مع ماركس/إنجلز. حيث حملت التسمية معنى أن الماركسية هي كلّ ما كتب ماركس (وإنجلز، ولينين، وآخرين). أي معنى أنها تراث ماركس/إنجلز بغضّ النظر عن صحة ودقة أو راهنية كلّ ما جاء فيه. الأمر الذي قلب الماركسية إلى منطق نصّيّ، و إلى نصّ مقدّس، ليس من الممكن التشكيك في فكرة أو تصوّر أو قانون فيه، لأنه من نتاج ماركس أو إنجلز أو لينين. وهذا النظر إلى الماركسية كان في أساس المنطق النصي المتوارث، الذي جاء الفكر البرجوازي، ثم الماركسية لكي يتجاوزانه، سواء من خلال المذهب الوضعي (مع البرجوازية) الذي هو نقيض المنطق الصوري، أو من خلال الجدل المادي (مع ماركس) الذي هو تضمين و تجاوز للمنطق الصوريّ ذاته. ذاك المنطق النصي الذي يقوم على الانطلاق من أفكار مطلقة الصحة هي التي يجب أن تحدد الواقع، وأن علينا وعي الواقع فقط عبرها، الأمر الذي لا يقود إلى وعي الواقع بل إلى إعادة إنتاج الأفكار ذاتها رغم اختلاف الواقع.
وهذا التحديد الذي ينطلق من الجدل المادي هو المعنى الآخر للماركسية، المختلف عن المعنى السابق و المتناقض معه كذلك. رغم أن الماركسية تضمّ إضافة إلى ذلك عدداً من القوانين و المفهومات التي توصّل ماركس إليها (مثل قوانين فضل القيمة، نمط الإنتاج، ميل معدّل الربح إلى الانخفاض، البنية التحتية و البنية الفوقية، الاقتصاد كمحدد في التحليل الأخير….)، أو استعارها من التراث الفكري الأوروبي (الصراع الطبقي، الاشتراكية، الجدل، المادية )، والتي يمكن أن يكون بعضها مجال نزاع و اختلاف، لأنها ليست محدّدة بشكل نهائي، الأمر الذي يشير إلى عدم اكتمال البحث فيها من أجل تأكيدها أو نفيها.
وبالتالي غدت الماركسية هي الاسم (أو الترميز) لتيار عريض يدّعي الانتماء إلى فكر ماركس، بغضّ النظر عن دقة هذا الادعاء و صحته. إنها التسمية لتيار فكريّ سياسيّ طبقيّ إتخذ من اسم مفتتح حقله اسماً له، وبالتالي فهو اسم تعريف بانتماء، بغضّ النظر عن مطابقة أو عدم مطابقة هذا الانتماء لـ “روح” فكر ماركس. ولقد أصبح هذا الاسم هو التعريف لهذا التيار. و بهذا فقد حمل وزر تجارب الأحزاب الاشتراكية و الشيوعية التي قامت على تحديد انتمائها بالماركسية.
بمعنى أن هذا التعبير بات يحمل أوّلاً، وزر تجربة طويلة بكلّ ما فيها من مشكلات، وأيضاً من خبرات و منجزات. كما أنه يحمل وزر سياسات قادت إلى الفشل في تحقيق التطوّر.
لكن إذا حاولنا أن “نتخلّص” من هذا الوزر، فهل نبقى ماركسيين؟ بمعنى، هل أن التخلّي عن الترميز/الاسم (أي الماركسية) يسهم في رمي هذا الوزر و التخلّص من كلّ مشكلات الممارسة التي قامت تحت عباءته؟
ولكن ماذا نسمّي ذاك التيار الفكري السياسي الطبقي؟ إن التزام منهجية ورؤية يفرضان تسمية الاتجاه الذي يعبّر عنهما. ولقد كان الترميز بماركس هو المعبّر عن ذلك. فهل يمكن لنا أن نرمّز بتعبير آخر؟ هل تكفي الإشارة إلى الجدل المادي للتعريف بهذا التيار؟ ربما، لكن ذلك سيشير إلى أن التفافاً على التعريف الأساسي يجري هنا، لأن الجدل المادي هو الماركسية. ويمكن أن يشار إلى المنهج العلمي، لكن ذلك يفتح على التباس كبير، لأن العلمية يمكن أن ترتبط بما يسمّى الماركسية، حيث أن الجدل المادي هو منهجية علمية. لكن ذلك يمكن أن يفتح على أوهام تسمّى: علم، أو على مناهج جزئية علمية، هي متضمّنة في المنهجية الماركسية كونها منهجية كلّية، وهو الأمر الذي يجعلها منهجية علمية. ولقد حاول إنجلز أن يسميه: الاشتراكية العلمية، لكن تسميته لم تنجح على كل حال.
وربما يُطلق على هذا التيار أيّ اسم/رمز، لكن ذلك يفرض القول بأن مفتتح هذا الحقل هو ماركس. الأمر الذي يعيد التذكير بالاسم/الرمز الحالي: أي الماركسية، ويشي بـ ” خجل” ما من إعلان الانتماء لهذا التيار.
بمعنى أن كلّ تعبير لا يحمل الاسم ذاته سوف يُعتبر التفافاً غير مقبول، لأنه يشير إلى تبني خجول. ولهذا يمكن ملاحظة المسائل الثلاث التالية:
أ) إن هذا التعبير (الماركسية) بات يحمل تراكماً طويلاً، نتيجة الدور الذي لعبه طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ورغم أنه بات يحمل الكثير من المشكلات و أخطاء التجربة، إلا أنه يحمل الكثير من الخبرات و الأفكار الصحيحة. الأمر الذي جعل التعبير راسخاً، ربما أكثر من تعبير الاشتراكية أو الشيوعية حينما إتخذ تسمية سياسية تشير إلى هدف سياسي مجتمعي. و عادة ما تبرز صورة ماركس مرفقة بإسمه.
هذا التراث سوف يجعل أيّ تعبير جديد يخضع لمقارنة معه، وبالتالي التأكيد على إشارة صريحة أو القول بميل للالتفاف و التمويه، مما يشكك بالذين يفعلون ذلك (أي الذي يطرحون ماركسية ملتبسة)، حيث سيكون هذا التراث هو المؤشّر في كلّ الأحوال.
لقد أصبح هذا التراث معروفاً و محدّداً، و فرض ذلك إما تبنيه أو القول بأفكار أخرى تعبّر عن تيار فكريّ آخر.
بـ) وهذا التعبير يحمل تراثاً فكرياً كبيراً. ورغم تنوّعه و تناقضه، إلا أنه أساس تأسيس الوعي بهذا التيار. حيث أن معرفة الماركسية تفرض دراسة أفكار كلّ الذين أنتجوا انطلاقاً منها، أو عرّفوا أنفسهم بأنهم كذلك. وبالتالي فإن تأسيس الوعي بالماركسية يفرض التثقيف بأفكار هؤلاء الماركسيين.
لكن هذا الاختلاط الذي يتضمّنه هذا التيار العريض يفرض السؤال: ما الماركسية؟ للتمييز بين التحليل و المبادئ. و بين المواقف و المفاهيم و المنظومات. وهذه مشكلة يعانيها كلّ فكر، وليس الماركسية وحدها، خصوصاً حينما تتضمّن تراكماً فكرياً هائلاً.
جـ) و سؤال: ما الماركسية؟ يجعل التأكيد على اسم ماركس مسألة حاسمة. فماركس هو المؤسس الحقيقي لهذا التيار، لأنه هو الذي أوجد ما هو مركزيّ في الماركسية، الذي هو منهجيتها، أي الجدل المادي، والذي على ضوئه توصّل إلى بلورة تصوّرات و التوصّل إلى قوانين، و كذلك دمج جملة مفاهيم و تصوّرات كانت موجودة قبل ماركس في منظومة متماسكة.
هذه النقلة النوعية هي التي جعلت هذا التيار يستحق اسم ماركس، فهو مدين له. لقد كان مفهوم صراع الطبقات مكتشفاً قبل ماركس. كما كانت الميول و الأفكار الاشتراكية متواجدة. و أيضاً كان التحليل الاقتصادي قد تبلور مع آدم سميث وديفيد ريكاردو. والفهم المادي الذي جاء مع ثلّة من الفلاسفة الفرنسيين، لكنه توضّح مع فيورباخ. وهكذا مفاهيم الديمقراطية و التنوير. لكن بالأساس مفهوم الجدل الذي كان قد تبلور كمنطق يتجاوز منطق أرسطو، من خلال العمل الفلسفي الكبير الذي قام هيغل به. و كثير من الأفكار التي باتت جزءاً عضوياً في الماركسية، لكن بعد أن جرت صياغتها على ضوء الجدل المادي، فأنتجت قوانين و مفهومات و تصوّرات جديدة.
وبالتالي فقد بلور ماركس المنهجية الجديدة، التي كانت في أساس تشكّل التيار الجديد. ولقد فعل ماركس ذلك مستنداً إلى جدل هيغل، و متكئً على مادية فيورباخ، منتجاً منهجية جديدة هي وحدها التي استطاعت تجاوز منهجية أرسطو (منطق أرسطو)، التي أصبحت جزءاً أوّلياً في المنهجية الجديدة. فالمنطق الصوري (الذي هو منطق أرسطو) هو الخطوة البحثية الأولى في إطار فاعلية الجدل المادي، مهمته التحديد الساكن للأشكال، كمبتدأ لعملية مركبة تقوم على مبادئ الجدل المادي.
وتبلور هذه المنهجية هو الذي سمح بوعي الصراع الطبقي و فهم الاقتصاد بطريقة جديدة. وسمح بتوظيف كلّ المفاهيم و التصوّرات و الأفكار التي أنتجها فكر عصر التنوير في منظومة متكاملة (لكن مفتوحة) ومتماسكة.
وهذا الإنجاز هو الذي جعل هذا التيار يتسمّى باسم ماركس، الذي وضع “حجر الزاوية” فيه كما أشار لينين.
هذا التحديد لمعنى الماركسية يفرض تسميتها ماركسية و ليس أيّ شيء آخر، خصوصاًً في مواجهة “الماركسية اللينينية”، أي تلك “الماركسية” التي تبلورت مع ستالين، والتي يمكن التحديد بأنها هي الماركسية السوفييتية كونها كانت نتاج مصالح الفئات التي حكمت السلطة الاشتراكية في الإتحاد السوفييتي. أو تلك التي تبلورت مع تروتسكي في الصراع مع الستالينية على تراث لينين، والتي صاغت الماركسية بما يوافق وجهة نظر تروتسكي، وبمعزل عن الجدل المادي ذاته. أو أيضاً تلك التي صيغت مع الماوية التي أسست لوعي صحيح في البداية لكنها عادت لتحويل “الماركسية اللينينية” إلى مبتسرات لماو تسي تونغ عوملت بنصية مفرطة.
فقد مثّلت “الماركسية اللينينية” ليس إضافة منجزات لينين إلى منجزات ماركس (وإنجلز)، بل مثّلت إنكفاءة في الماركسية، و باتت مفارقة للينين كما لماركس، خصوصاً في المنجز المركزي لماركس الذي شدّد لينين على جوهريته، أي المنهجية. حيث أعيد إنتاج المنطق الصوري و حلّ محلّ الجدل المادي من جديد، الأمر الذي حوّل “الماركسية اللينينية” إلى نصّ مقدّس، جرى اختياره من قِبل ستالين أوّلاً، ثم من قِبل”علماء” و “مفكرون” سوفييت، من تراث ماركس/ إنجلز و لينين، بشكل انتقائي، ووُضع في منظومة جديدة مخالفة لمنظومة ماركس، كما لمنظومة لينين. وأصبحت المفاهيم الماركسية، والقوانين، مفرغة من مضمونها، وتتردّد ككلمات في المنظومة الجديدة. و يمكن القول هنا أن الشكل (الكلمات) هو الذي طغى، وبالتالي قاد إلى انتصار المنطق النصّي (الصوري)، فمات المضمون الذي هو بالأساس المنهجية و ليس منتوجها (أي القوانين و التحليلات و المواقف). وبالتالي جرى تجاهل ماهية الماركسية. ولقد تحكّم المنطق الشكلي (الصوري) في تحديد ماهية الماركسية، الأمر الذي حوّلها إلى كلمات وُضعت في منظومة أخرى مخالفة، منظومة نصية تعتمد النص كمقياس للواقع، كمقياس لتحديد الواقع.
هنا أصبح تعبير الماركسية يعني القطع مع “الماركسية اللينينية” بالمعنى المشار إليه أعلاه، دون القطع مع لينين بأي شكل من الأشكال. وبالتالي فإن التأكيد على تعبير الماركسية يتضمّن نفي الماركسية الرائجة (التي هي الماركسية اللينينية، أو الماركسية السوفييتية، والماركسية اللينينية بتلاوينها المختلفة)، والعودة إلى ماركس مؤسّس الجدل المادي، من أجل إعادة بناء التصوّرات، وفهم الواقع انطلاقاً منه، وليس انطلاقاً من “النصّ المقدّس” الذي يقدّم إجابات سابقة على البحث ووعي الواقع، بدل أن يكون المنهج المادي الجدلي هو الأساس في وعي الواقع من أجل الوصول إلى إجابات. وأيضاً هي عودة إلى لينين الذي مسك الحلقة المركزية في الماركسية التي هي الجدل المادي، ووعى الواقع الروسي والعالمي انطلاقاً منها، فأنتج تصوّرات جديدة باتت أساسية في الماركسية.
بمعنى أن التخلّص من تعبير “الماركسية اللينينية” هو تخلّص من إرث فكريّ غير ماركسيّ بشكل من الأشكال، وتخلّص من منهجية صورية نصّية لمصلحة منهجية علمية هي الجدل المادي. تخلص من “عقلية” نصية صاغت الماركسية وقولبتها في “قوانين” لكي تحكم الواقع، لكي تحدد الواقع، وعودة إلى الماركسية بما هي أولاً وبالأساس منهجية بحث في الواقع هي الجدل المادي.
انطلاقاً من كلّ ذلك، من الضروري تحديد التسمية بالماركسية. حيث أن تبني الماركسية دون الإشارة إلى اسمها هو أمر مربك و غير علمي، لأن الماركسية هي شكل ومضمون. ورغم ضرورة التركيز على المضمون، إلا أن الشكل مترابط معه، وأيّ فصل سوف يشير إلى مراوغة، أو يشكّك في التبني، أو يظهر الشعور بالتخوّف، وبالتالي يضعف هذا التبني، ويشكّك فيه. إضافة إلى أنه سوف يفرض تجاهل الثقافة الماركسية و التراث الماركسي مما لا يسمح بتأسيس مناضلين ماركسيين. بمعنى أن ذلك يفقد الماركسية تراثها الغني، الذي هو الأساس في وعي الماركسية، ووعي تاريخها.
ولاشكّ في أن الفصل بين الشكل و المضمون يؤدي إلى القطع مع الماركسية، أو مع تراثها (وبالتالي معها)، حيث أن غنى التراث الماركسي، وغنى التجربة الاشتراكية هما جزء من الماركسية ذاتها، وهما أساسيان في تطوّرها، عبر دراسة الأفكار المنتجة من كلّ الذين انتموا إليها، وبالتالي نقدها من أجل صياغة أفكار أكثر علمية، كما عبر دراسة التجربة الاشتراكية التي هي جوهرية في إعادة صياغة الرؤية الماركسية لكثير من الأفكار، مثل مفهوم الدولة، وموقع الديمقراطية في بنيتها، ومعنى الاشتراكية الذي تحدّد مع ماركس، و الذي بات موضع شكّ على ضوء التجربة الاشتراكية ذاتها. و كذلك إعادة صياغة مفاهيم مثل دور الحزب الماركسي وعلاقته بالطبقات و بالسلطة، وكثير من المسائل الأخرى.
وبالتالي فإن تطوير الماركسية يرتبط بنقدها لتاريخها، وبالأساس في اعترافها بتاريخيتها وبتاريخها، من أجل نقده والتمييز فيه بين ما يمكن أن يدخل في منظومة متماسكة، وما يجب أن يُهمل أو يرفض. وهذه العملية تشمل تراث ماركس كما كلّ الماركسيين الآخرين (إنجلز ولينين، وبليخانوف وكاوتسكي وبيرنشتاين، وستالين وماوتسي تونغ وتروتسكي، وغرامشي ولوكاش، وكلّ الآخرين). كما تاريخ الحركة الماركسية منذ أن تأسست عصبة الشيوعيين سنة 1847، والأممية الأولى و الثانية و الثالثة و الرابعة ( التروتسكية) و الخامسة (الماوية)، وكلّ الخارجين عنها.
ومن أجل إعادة تأسيس المنظومة يجب التأكيد أوّلا على أولوية الجدل المادي ومركزيته، وبالتالي من خلاله يمكن نقد التراث الماركسي، وإعادة صياغة المنظومة، بالتفاعل مع مشكلات التجربة والممارسة، كما مع منجزات العلم وكذلك الفكر البرجوازي. وأيضاً بالترابط مع دراسة الواقع القائم بتاريخيته وممكناته المستقبلية.
هذه العملية النظرية أساسية من أجل وعي الماركسية ووعي الواقع معاً. وبالتالي لتحديد صيرورات المستقبل عبر تحديد المهمات الواقعية التي تفضي إلى تأسيس البديل المجتمعي.
إذن، الماركسية هي الماركسية، ولا يجب أن نقفز عن الترميز الذي إرتبط بها (رغم أنه يشير إلى شخص). فالمشكلة هي في مكان آخر، هو فهمها. حيث أن هذه المسألة هي التي يجب أن تلفت الانتباه، وأن تفتح على نقاشات جادة. حينئذ يمكن أن نحدّد ماهية الماركسية وفاعليتها، وبالتالي دورها.
على ضوء ذلك يمكن النظر إلى كل الملاحظات التي تطرح في هذا المجال. لقد كانت مشكلة التسمية جزءاً من مشكلة الماركسية ذاتها، وتنوعت بتنوع التناقضات التي كانت تخترقها. وبالتالي في تحديد ماهية الماركسية. بعض الخلافات تركزت على الأسماء “المرجعية” التي يجري الاستناد إليها بعد ماركس: هل لينين أو تروتسكي أو ستالين أو ماو؟ ولقد تسمت في كل هذه الحالات بالماركسية اللينينية. وبعض الخلافات تركزت على تحديد ماهيتها: هل هي دكتاتورية البروليتاريا أم هي أيديولوجيا الطبقة العاملة أم أنها نظرية الثورة الاشتراكية؟ والبعض حاول الانطلاق من السياسي فأسماها: الاشتراكية أو الشيوعية. وآخرون انطلقوا من الفلسفي فأسموها: المنهج الماركسي أو المنهج العلمي.
وبالتالي فإن المشكلة تتمثل في أن هذا التيار لم يستطع إلى الآن أن يتخذ اسماً محدداً. ربما كان الاستخدام السيئ للأسماء التي أطلقت عليه هو الذي قاد إلى ذلك. فقد أوضح ماركس إلى أنه لم يستخدم كلمة اشتراكي في عنوان البيان الشيوعي لأن الاسم كان قد إبتُذل، لهذا استخدم كلمة الشيوعي. لكن انتشر تعبير الماركسية على التيار الفكري الذي بدأ مع ماركس، وظل يستخدم كذلك (أو تضاف إليه اللينينية، أو الماوية أو التروتسكية)، وظلت الأحزاب التي تنتمي إليه تسمى: اشتراكية أو شيوعية، أو تشير إلى العمال. وما يدفع لأن يُستخدم تعبير الماركسية اليوم هو ليس الارتباط بماركس ولا حصراً للماركسية به، وليس من معنى مما هو متداول للماركسية يقوم على حصرها بماركس. فهي التراث الماركسي. والتسمية بماركس نبعت من أن أية تسمية أخرى لم تنجح (لا الاشتراكية العلمية التي اقترحها إنجلز ولا الشيوعية التي راجت مع الموجة السوفييتية)، ولكن أيضاً لأن ربطها بماركس هو ربط لها بما أضافه ماركس لتأسيس تيار جديد، ولافتتاحه حقل جديد، وأقصد هنا المنهجية التي بلورها ماركس (الجدل المادي) التي كانت في أساس تشكل الماركسية، وليس من منتوج ماركسي (أو اشتراكي أو شيوعي) إلا انطلاقاً منها. وبالتالي فالماركسي هو الذي يستخدم المنهجية الماركسية للوصول إلى الحقيقة. ولهذا حتى حينما يتسمى الشخص بالاشتراكي أو الشيوعي يجب أن يكون واضحاً أنه يلتزم المنهجية الماركسية، وإلا لم يعد ماركسياً، ولا اشتراكياً بالمعنى الماركسي ولا شيوعياً بذات المعنى. والسبب الثالث في تسمية التيار بالماركسي هو تكريم ماركس الذي فتح أفقاً واسعاً لرؤية ومنهجية جديدتين. وليس في ذلك أي إدعاء بأن ماركس قد بحث في كل المسائل، وأنه أفتى فيها جميعاً، على العكس من ذلك فالمنهجية الماركسية تنطلق من أن العالم متغير وبالتالي فهو يحتاج إلى بحث مستمر دون توقف. لهذا الماركسية لا تعني تراث ماركس فقط بل تراث كل من اتبعوا منهجيته، وليس كل من أسموا أنفسهم اشتراكيين دون إتباع تلك المنهجية.
المشكلة التي تفرض التأكيد على تعبير الماركسية هي أن تعبير الشيوعية عنى ما إعتبر أنه محمل على تعبير الماركسية، أي النصية. ولهذا أصبح يعني (إلى الآن على الأقل) التجربة السوفييتية و”الماركسية” التي عممتها. الأمر الذي فرض –من أجل إزالة الالتباس- أن نبتعد ولو إلى حين عن استخدامه إلى أن تعاد صياغة التيار الماركسي. وبالتالي يمكن أن يتسمى الحزب به، أي أن يسمى شيوعياً. إذن عدم استخدام تعبير الشيوعية نابع من الالتباس الذي لحق به إلى أن يزول. والأمر مشابه بالنسبة لتعبير الاشتراكي، حيث أن هذا التعبير ملتبس لأنه يخص تيارات ليس غير ماركسية فقط، بل لا تعبر عن الطبقة العاملة، مثل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، والأحزاب القومية. وهي ما تسمى عادة باشتراكية البرجوازية الصغيرة. وهي ليست اشتراكية إلا اسماً، لكنها في الواقع تفتح الأفق للرأسمالية (وهذا ما شهدناه في تجاربنا العربية). الأمر الذي يجعلنا نتجاوز استخدام التعبير خشية الالتباس وعدم التمييز. بمعنى أنه يجب أن يكون واضحاً أننا نطرح اشتراكية الطبقة العاملة وليس اشتراكية البرجوازية الصغيرة. وبالتالي نطرح اشتراكية الماركسية.
هل القوى الاشتراكية أو الشيوعية أوسع من الماركسية؟ نعم إذا اعتبرنا القوى الاشتراكية غير الماركسية قوى اشتراكية، حيث ليس مهماً ما يقوله الإنسان عن ذاته المهم ما هو في الواقع كما أشار ماركس. وبالتالي ما يهمنا هو القوى الاشتراكية الماركسية فقط، التي تعبر عن مشروع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء الاشتراكي. لكن يجب أن نكشف لا اشتراكية البرجوازية الصغيرة لا أن نُضمِّنها التيار الاشتراكي، إلا إذا انطلقنا من الأشكال وليس من الجوهر، وهنا لا نعود ماديين جدليين، أي ماركسيين. وهي بالتأكيد تتناقض مع أساسيات الماركسية لهذا هي لا تتسمى ماركسية.
المسألة هنا أن الماركسية هي أوسع من ماركس حتماً، وإلا لم تعد ماركسية، أي لم تعد تنطلق من الجدل المادي الذي هو أس الماركسية. وبالتالي فهي تتضمن تراث كثير من الماركسيين الذين عاصروا ماركس أو أتوا بعده، ليس إنجلز ولينين، وربما ستالين وتروتسكي، وماو فقط بل رتل كبير من الماركسيين المتوافقين والمختلفين. وضم كل هؤلاء إلى هذا التيار لا يتناقض مع تسميته ماركسياً، ولقد أوضحت سبب ذلك للتو. وكذلك هذا لا يعني أن كل هؤلاء متوافقين تماماً مع كل ما جاء به ماركس، لا. فلدى ماركس أخطاء في التحليل والاستنتاجات في العديد من القضايا، ولدى هؤلاء أخطاء كذلك، ولدينا نحن أخطاء أيضاً. المفصل الأساس هو المنهجية، وليس الموقف الأممي، أو التحليل الاقتصادي،أو مفهوم صراع الطبقات …. الخ، رغم أن هذه كلها متضمنة في الماركسية. لهذا فهو تيار واسع وليس فرد. لكن الفرد هو المفصل، الشخص الذي وضع حجر الزاوية. وبالتالي للربط مع المفصل، وللانطلاق من حجر الزاوية نتسمى ماركسيين، انطلاقاً من أن الماركسية هي منهجية بالأساس هي الجدل المادي. صحيح أن المهم، بالتالي، هو التحليل المادي التاريخي (المادي الجدلي الذي يتضمن حكماً التاريخية)، وهذا ما يشير إلى الماركسية، ويشطب الاشتراكية القومية (البرجوازية الصغيرة) والشيوعية التي تعممت مع “الماركسية السوفييتية”.
وهنا، النقاش حول اشتراكية القوميين مهم لأنه يميز معنى الاشتراكية الماركسية، ويفضح بعض الميول المساواتية التي تسمي ذاتها اشتراكية. وهذه هي قيمة الفصل الأخير من البيان الشيوعي أصلاً، وليس التفاصيل التي جاء بها، أو القوى التي تناولها. قيمتها أنها تميز بين اشتراكية فلاحية أو برجوازية صغيرة أو إقطاعية، وبين الاشتراكية التي تطرحها الماركسية. وهذه ليست مسألة خاصة بزمن ماركس فقط، بل هي متكررة، لهذا تحتاج إلى الفضح الأيديولوجي المستمر. والخطأ الماضي تمثل في أن الحركة الشيوعية العربية لم تكن تعرف معنى الاشتراكية الماركسية لهذا قبلت بتسمية تجارب الأحزاب القومية بالاشتراكية.
لكن، هل أن المسألة بالمواقف فحسب، وليس في التسميات؟ هنا يجب أن يترابط الشكل مع المضمون، يجب أن تترابط المواقف مع التسميات لكي تؤسس تراكماً، ولكي تنحكم لـ “مرجعية” ما. ولكي لا تكون المرجعية نصية، تنطلق الماركسية من أن الأساس هو المنهجية، وليس فهم الاشتراكية عند ماركس فهذا جرى عليه تطور كبير فيما بعد، ولا على أساس مفهوم صراع الطبقات فقط، فهذا أيضاً تتطور وتوسع. وليس تحليل النمط الرأسمالي الذي قام به ماركس، فهذا تطور كذلك لأن الرأسمالية قد تطورت. “المرجعية” هي الجدل المادي.
وبالتالي يجب أن يكون تميزنا واضحاً عن التيارات “الاشتراكية” الأخرى، وعن الشيوعية التي عممتها “الماركسية السوفييتية”. بالعودة إلى ماركس، ماركس المنهجية بالأساس، لإعادة صياغة النظرية في واقع كل التطورات التي حدثت.
بمعنى أن التسمية ضرورية للتعريف بتيار ما، حيث ليس من الممكن كتابة كل ما يقول به دفعة واحدة للتعريف به، لهذا يختصر بتحديد ما، هي التسمية. ولن أعود هنا للبحث في أسباب تسمية التيار بالماركسي، ولا برفض تسميته بالاشتراكي أو الشيوعي، لأنني قد أشرت إلى ذلك قبلاً.
إن الخلاف عادة ما يتحدد في فهم الماركسية ذاتها. هل هي تراث ماركس أم تراث كل الماركسيين؟ وهنا أود التمييز بين تراث الماركسية الذي يكتبه كل الماركسيين بغض النظر عن الصح والخطأ فيه، العلمي وغير العلمي، وبالتالي الماركسي وغير الماركسي، فهذه الأخيرة خاضعة لمنطق كل من يبحث في الماركسية، لكن الأساس هو المنهجية ذاتها، أي هل يتوافق الموقف أو التحليل أو النظرية مع المنهجية أو لا يتوافق؟ ويبقى في ذلك اختلافات. والمنهجية تشير إلى ماركس، لهذا ساد تعبير الماركسية، وليس تقديساً لماركس (رغم أن الذين تسموا شيوعيين أو اشتراكيين هم من قدّس ماركس).
وأوضح أخيراً أن هذه التسمية (ماركسية) تشير إلى الاتجاه الفكري، إلى التيار، لكن ليس بالضرورة أن تكون اسماً لحزب، ولا حتى تعبير اشتراكي أو شيوعي يمكن أن يكونا اسماً للحزب الماركسي، فالظروف ووضع الطبقات وطبيعة مهمات المرحلة هي كلها التي تحدد اسم الحزب. حيث يمكن أن يسمى شيوعي أو اشتراكي أو عمالي. ويمكن أن يتضمن تعبير ديمقراطي أو ثوري أو شعبي. لكن يجب أن يكون واضحاً أنه ينطلق من الماركسية كمنهجية في التحليل والممارسة.

الفصل الثاني:
بعد ماركس
الاتجاهات والاختلافات

انشقاقات في الماركسية

لم يبلور ماركس تصوراً شاملاً ونهائياً، فقد إفتتح حقل جديد، وكان يجب أن يستمر البحث من أجل اغنائه في المستوى النظري، ولكن عبر البحث في الواقع، لأن الماركسية هي البحث الدائب في الواقع. إن طابعها العملي، أو إن كونها “نظرية للتغيير”، كان يفرض أن تبحث في الواقع، وأن تحدد السياسات الضرورية من أجل تغييره. وإذا كان البحث النظري لم يتوقف، سواء في المستوى الفلسفي أو الاقتصادي (في المستوى المنهجي العام) حيث ظلت الماركسية عرضة لأن تخرج عن سياقها، وأن تتحول إلى “تصور مسبق”، أو “نظرية في الاقتصاد”، فقد بدت الخلافات فيها أوسع في المستوى السياسي، المتعلق بدورها في الواقع. وما من شك في أن هذه مرتبطة بتلك. ولقد كان الصراع حول تحديد طبيعتها حاداً منذ البدء، حيث نشأت ميول تحاول حصرها كـ “نظرية في الاقتصاد”، أو تحويلها إلى “نظرية في الثورة”، أو قصرها على تحقيق الاشتراكية. وبالتالي كانت كلها تميل إلى شطب مرتكزها الأساس: الجدل المادي، عبر إلغاء كل أثر هيغليّ فيها. وهي هنا كانت تحولها إلى نظرية وضعية، أو اقتصادوية. كانت تحصرها في حقل وحيد هو جزء في منظومتها.
بعد ماركس وإنجلز بدت وكأنها تبلورت في منظومة متماسكة، تدعو للاشتراكية في الدول الصناعية، والى تحقيق التطور الرأسمالي في الأمم المخلفة. لكنها تحولت مع لينين إلى أن تحقيق المهمات الديمقراطية وصولاً إلى الاشتراكية، لتنتكس مع انتصار الماركسية السوفيتية فتعود مهماتها تحقيق التطور الرأسمالي في الأمم المخلفة. ولتقف مأزومة بعد انهيار التجربة الاشتراكية.
(1)الفهم الماركسي التقليدي:
(الأممية الثانية والمنشفية)
إذا كانت الماركسية قد انشقت أواخر القرن التاسع عشر مع خروج بيرنشتاين، وتنظيره للتكيف مع الرأسمالية، فقد ظهر الخلاف واضحاً في الأممية الثانية، ظل مستعراً إلى بدء الحرب العالمية الأولى حيث تبلور الانشقاق بين تيارين: ما يمكن أن نسميه التيار الماركسي التقليدي، والذي مثله القادة الكبار في الأممية، والتيار الماركسي الذي اختط طريقاً آخر، كان بدأ يتبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، وأفضى إلى انشقاق الحزب.
لهذا، ولتحديد الإشكالية العميقة التي حكمت الماركسية في القرن العشرين لا بد من التطرق إلى صراعات  هذا الحزب، أو بشكل أعم، الصراعات بين التيارات الماركسية بداية القرن العشرين. حيث كان واضحاً تبلور تيارين كبيرين تحددا في روسيا بـ “البلاشفة” (الذين عبّر لينين عنهم)، و”المناشفة” (ومنهم أبو الماركسية الروسية: بليخانوف). لكنهما كانا أوسع من ذلك كما أشرنا، حيث اخترق الأممية الثانية بمجملها.
وإذا كان يتضمن اختلافاً في الموقف من الماركسية ذاتها، فقد تضمن الاختلاف حول القضية الأهم، تلك التي حكمت مسار القرن العشرين: وأقصد دور الحزب الشيوعي. حيث كان دخول الماركسيين الروس حلبة الصراع الفكري قد أفضى إلى طرح هذه القضية الأهم، والتي تتأسس على قضية وعي تطور المجتمعات المتخلفة، التي كانت لا تزال إقطاعية. التي لم تكن قد أصبحت بعد رأسمالية. هل يجب أن تمرّ بالمرحلة الرأسمالية حتماً كما تقول “الماركسية”؟ أم يمكن للطبقة العاملة، التي تشكلت نتيجة نشوء بعض الصناعات والنشاط العقاري والتجاري، وبالتالي مادامت قد نشأت، وللحزب الشيوعي الذي يعبّر عنها، مادام الفكر البديل قد تبلور، أن يلعبا دور الرافعة لتطور لا تستطيع البرجوازية، الضعيفة والمتداخلة مع الرأسمال العالمي، أن تحققه؟
هذه هي المسألة التي كانت تشكل مفصل حياة أو موت الماركسية؟ كما سوف يتوضّح خلال القرن العشرين برمته. كانت تطرح تحوّلها إلى قوة تغيير، وبالتالي تطور، أو إلى تيار ثقافي هامشي. لأنها كانت تلمس القضية الجوهرية في النمط الرأسمالي بمجمله، الذي بات نمطاً عالمياً. حيث أن تكوين هذا النمط، بعد أن أخذ كل أبعاده، و”إكتمل”، واستنفذ كل ممكنات توسعه، فرض قسم العالم إلى “مجتمعين”: الرأسمالية المتطورة في المراكز التي كانت السباقة في التطور، و”الإقطاعية” والرأسمالية الهامشية التابعة في الأطراف، أي في معظم العالم. وحيث كانت تتضاءل إمكانيات الثورة الاشتراكية في المراكز، كما تتضاءل إمكانيات التطور الرأسمالي في الأطراف. وإذا كان ليس من حلول لمأزق الاشتراكية في المراكز، فقد كان يجري البحث عن مأزق الأطراف. وهنا كان جوهر الخلاف، وأساس الانقسام.
الفهم التقليدي للماركسية:
وكان الانقسام الأول هو في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. حيث تبلور الخط المعبّر عن “النظرة التقليدية” في الماركسية في “المناشفة”، الذين وجدوا سنداً لهم في التيار الأوسع في الأممية الثانية. ولسوف يتبين بأن هذا الخلاف لم يكن خلاف سياسي محض، بل إنبنى على خلاف منهجي يتعلق بفهم الماركسية من أساسها.
فالمنشفية هي التيار المعارض في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، والتي انطلقت في بناء تصوراتها السياسية لواقع روسيا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولطبيعة التغيير فيها، من “الفهم الماركسي التقليدي” كما أشرنا للتو،أي ذاك الفهم الذي تبلور في أوروبا الرأسمالية، طبعاً من قِبل ماركس وإنجلز، ولكن بالأساس من قِبل الأحزاب الاشتراكية التي تشكلت منذ نهاية ستينات القرن التاسع عشر. والتي استندت إلى ماركس وإنجلز، لكن ليس من الضروري أن يكون ماركس وإنجلز موافقان على كل تصوراتها. وهو ما يظهر مثلاً في نقده لبرنامجي غوتة وايرفورت.
حيث إنبنى منطقها على تصور تحقيق الاشتراكية. الانتقال من الرأسمالية المحققة والمنجزة لمهماتها التاريخية إلى الاشتراكية التي لم تكن قد تبلورت بعد، كنظام اقتصادي، وكنظام سياسي. وكان النقاش يجري حول هذه المسائل بالتحديد. وكذلك حول كيفية تحقيق الاشتراكية: هل عبر الثورة أم عبر الانتخابات؟ وهو النقاش الذي أسهم ماركس فيه آنئذ. والذي أفضى إلى تناقض في الاستراتيجيات، حيث توصل بيرنشتاين إلى أن نهاية الرأسمالية لم تحن بعد، لأنها لم تستنفذ كل طاقاتها، وبالتالي فإن الثورة الاشتراكية (أو الاشتراكية) ليست قريبة، وليست مطروحة على جدول الأعمال. الأمر الذي دفعه إلى تجاوز الرؤية الاستراتيجية، التي هي الاشتراكية، والتركيز على التكتيكات عبر مقولته الأساسية: “الهدف النهائي لا شيء، الحركة هي كل شيء”
ولقد تبلور الوعي الاشتراكي في مقابل ذلك في صيغة نمطية، هي ما استند إليه المناشفة. حيث ليس من الممكن الوصول إلى الاشتراكية قبل انتصار الرأسمالية، وما دامت قد انتصرت الرأسمالية في بلدان أوروبا، يصبح الهدف هو الاشتراكية. ومسألة أن الاشتراكية تلي انتصار الرأسمالية كانت جوهرية وحاسمة، لأنها تعني أنْ لا إمكانية لتحقيق الاشتراكية دون هذا التحقق للرأسمالية. هذه الفكرة سوف ترفع إلى مستوى القانون، لدى هذا التيار في الاشتراكية الديمقراطية، ولدى ستالين والماركسية السوفييتية. أو أنه سوف يعمم من جديد في العالم، لكن عبر “وريث” لينين، الذي كان المؤسس لخيار آخر مضاد.
في هذه الصيغة “النمطية”، ليس لم يعد مطروحاً تجاوز الرأسمالية عبر الثورة الاشتراكية، بل يجب –وفق وضع روسيا، ثم في كل الأمم المخلّفة- دعم انتصارها، لأنها لم تصبح بعد الطبقة المسيطرة ونمطها لم يصبح هو النمط السائد، نتيجة كون النظام القيصري يمثل الإقطاع أكثر مما يمثل أية طبقة أخرى. وبالتالي أصبحت الفكرة الجوهرية تتمثل في أن الحزب الشيوعي ليس معنياً باستلام السلطة وتحقيق الاشتراكية، مهما كانت قوته وفاعليته، بل يسعى لدعم انتصار الطبقة الرأسمالية من أجل تحقيق انتصار النمط الرأسمالي. لأنه ليس من الممكن تحقيق الاشتراكية قبل ذلك، وحيث أن انتصار الرأسمالية سوف يفضي إلى توسع حجم الطبقة العاملة لتصبح هي أغلبية المجتمع. وهنا عاد ملمح النقاش حول الديمقراطية ودور الانتخابات في وصول الطبقة العاملة إلى السلطة، الذي كان منتشراً في سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر في البلدان الرأسمالية (التي كانت قد باتت رأسمالية). وبالتالي كان المناشفة يؤسسون استراتيجيتهم على دعم طبقة برجوازية في مواجهة القيصرية، معتقدين كذلك بأن هذا الدعم سوف يجلب الديمقراطية لأن البرجوازية هي التي تقيم هذا النظام الديمقراطي.
الأمر الذي جعلهم يطرحون استراتيجية تحقيق انتصار النمط الرأسمالي في روسيا، ويميلون إلى التحالف مع الطبقة البرجوازية، ويُخضعون نضال الطبقة العاملة لهذه الاستراتيجية. حيث باتوا يطرحون القضايا المطلبية لهذه الطبقة من منظور ديمقراطي، وليس من منظور طبقي ماركسي، أي يطرحونها كمطالب ديمقراطية وليس كمطالب طبقية هدفها توحيد الطبقة العاملة من أجل افتكاك السلطة. وهذا ما أخضع دورهم في صفوف الطبقة العاملة لسياسات البرجوازية، وجعلهم يميلون إلى تشكيل حزب “فضفاض”، و”علني”، وينشط في إطار ديمقراطي. أو كما كان يسمى: “مرن”، “جماهيري”.
باختصار ارتأى المناشفة (ومنهم بليخانوف أبو الماركسية الروسية) أن تكوين روسيا الإقطاعي يفرض عليهم “الصبر”، وعدم “الاندفاع” لتحقيق الثورة الاشتراكية، لأن تجاوز الإقطاع يعني حتماً انتصار الرأسمالية وليس انتصارهم هم، تلك البرجوازية التي تشكلت على هامش الرأسمال الإمبريالي، وعبر النشاط في التجارة، كما من رحم الإقطاع (كبار ملاك الأرض) أو بالتشارك معهم.
بليخانوف:
بليخانوف مع الفهم الماركسي التقليدي الذي كان يقول بأن تجاوز الإقطاع يفرض انتصار الرأسمالية، وبالتالي فإن مهمة الحزب الشيوعي تتحدَّد في دعم الرأسمالية، لمساعدتها على الانتصار. يقول في أحد كتبه “إن تصوراً غريباً يشيع بين اشتراكيينا الديمقراطيين عن الدور السياسي للطبقة العاملة، لنتذكر فقط المناقشات عن الاستيلاء على السلطة من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين أثناء الثورة البرجوازية القادمة. إن أنصار هذا الاستيلاء على السلطة ينسون أن دكتاتورية الطبقة العاملة لن تقوم في حينها إلا حين نتعامل مع ثورة اشتراكية” (بليخانوف “المؤلفات الفلسفية ” المجلد الأول، دار دمشق/ دمشق ترجمة فؤاد أيوب). وهو هنا كان ينتقد اتجاه لينين بالتحديد، استناداً إلى التصور التقليدي، لهذا نراه يتكئ على نص لإنجلز.
إن بليخانوف، مستنداً إلى إنجلز، لا يرى أية إمكانية لأن تقوم طبقة باستلام السلطة إلا حينما تتهيأ الظروف لذلك. وبالتالي فما دامت الثورة برجوازية الطابع فيجب أن لا تفكر الطبقة العاملة في الوصول إلى السلطة، لأن السلطة من حق البرجوازية. وهو هنا يرد على لينين (1905)، وبالتالي يرفض الخيار الذي طرحه. والأساس هنا هو أن التطور يجب أن يأخذ مجراه “التطوري”. أي أن يتحقق التطور البرجوازي أولاً، قبل أن تتقدم الطبقة العاملة لاستلام السلطة.
هذا الفهم التطوري كان مؤسس منهجياً لدى بليخانوف، حيث أنه يقوم على أساس التراكم الذي يفضي إلى تغيّر. وإذا كان من أشد المعجبين بهيغل، ومن قارئيه الجيدين، فقد رأى أن مقولة نفي النفي في إطار المنظومة الجدلية الهيغلية لا موقع له، عكس ما أشار إنجلز (ضد دوهرينغ). لقد شطب المقولة التي كسرت رتابة المنطق الأرسطي (مفهوم الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع). أي تلك التي جعلت أ هي أ ولكن أيضاً لا أ. التي ألغت مبدأ أن هناك أ أو لا أ وليس هناك شيء آخر (مبدأ الثالث المرفوع)، حيث بات هناك أ ولا أ في الوقت ذاته.
ومن ثم فقد أسس بليخانوف على مبدأ التراكم، التراكم الكمي الذي يفضي إلى تحقيق التغيّر النوعي. معتبراً أنه مبدأ الصيرورة وأساس فاعليتها. وبهذا فقد أصبح التاريخ تطوراً تراكمياً، ليس من الممكن أن يسير إلا وفق هذا التراكم المتتالي الذي يفضي إلى التغير. والتراكم في مرحلة مواجهة الإقطاع يعني نشوء البرجوازية، وتطور فاعليتها السياسية، وبالتالي تهيؤ الظروف لأن تصبح هي السلطة لكي ينتصر نمط الإنتاج الرأسمالي. وهو هنا لا يرى إمكانات تحقيق هذا التراكم، وهل أنه يمكن أن يكون التراكم لدى الطبقة العاملة أعلى استناداً إلى الماركسية ذاتها، والى الحزب الذي يتأسس على ضوئها، بالترابط مع الطبقة العاملة. حيث أن التراكم الرأسمالي في روسيا بات بطيئاً بعد أن أصبحت الرأسمالية إمبريالية، وغدت منافساً ليس في السوق المحلي فقط بل في العالم كله.
لقد بنى بليخانوف على خط التراكم، ورفض مبدأ النفي ونفي النفي، وبالتالي القفزات، والانتقالات. وبالتالي الثورات، وتجاوز صيغة محددة في التطور هي تلك التي حدثت في أوروبا، أي الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. لتتأسس حتمية هذا الانتقال، وخطل كل محاولة لتجاوزه، بغض النظر عن الظروف الواقعية. وخط التراكم هو خط تطوري صاعد، دون انتكاسات أو تراجعات أو انهيارات. هو خط مستقيم من الأسفل إلى الأعلى. وهو المؤسس للحتمية التي فرضت نمطية التطور من المشاعة إلى الرق والإقطاع إلى الرأسمالية، قبل التفكير بالانتقال إلى الاشتراكية. هذا الخط التطوري التراكمي الصاعد هو الذي تعمم بعد لينين كما سنرى، على الضد من منطق لينين ومن منهجيته.
بليخانوف قزّم الجدل المادي إلى تطور تراكمي بعد أن شطب مبدأ نفي النفي، وإنكار أنه أساس جدل هيغل والجدل الماركسي. وعبر ذلك ظل متمسكاً بالفهم الماركسي التقليدي للتطور، الفهم الذي يفرض أن تتحقق الرأسمالية، أن تنتصر الرأسمالية، قبل أن تفكر الطبقة العاملة في الوصول إلى السلطة وبناء الاشتراكية. وبالتالي كرّس منطقاً نصياً يحدِّد التطور مسبقاً، ويكرّس الالتزام برؤية ماركس التي بلورتها الحركة الاشتراكية نهاية القرن التاسع عشر حول طريق التطور. رغم كل علمه، وسعة ثقافته. لهذا كان الخلاف مع لينين لا يطال السياسة فقط، بل يطال المنهجية كذلك. يطال المستوى الفلسفي الذي قصّر بليخانوف عن أن يفهمه جيداً.

(2) لينين ومكانة اللينينية:

باتت علاقة لينين بالماركسية مجال مراجعة منذ نشوء الشيوعية الأوروبية. و جاءت هذه المراجعة كردّ على الربط الذي قام منذ وفاة لينين، والتصارع على إرثه بين ستالين وتروتسكي. حيث أسمى كلّ منهما ماركسيته: الماركسية اللينينية. فجرى تعميم هذا التعبير على الماركسية. ولقد عمّمت الماوية هذا التعبير بعد ذلك. الأمر الذي جعل الماركسية هي ماركسية لينينية، وأصبح لينين لازماً لماركس، وبدا أن لا ماركسية دون اللينينية، وأن شطب اللينينية يعني شطب الماركسية.
ولأن الشيوعية الأوروبية تمرّدت على الماركسية السوفييتية، التي كانت تسمّى الماركسية اللينينية، فقد بدأت بالفصل بين الماركسية واللينينية، ثم على رفض “الطريق اللينيني”، انطلاقاً من أنها تعود إلى ماركس، لتؤسّس تصوّرها الخاص، الذي سقط بعد فترة وجيزة، فظلّت ضمن دائرة الماركسية اللينينية ذاتها، أو تجاوزت الماركسية نحو نوع جديد من الاشتراكية الديمقراطية لكن المشبعة بالليبرالية.
لكن هذه النغمة الناقدة للينينية تصاعدت بعد انهيار النظم الاشتراكية، خصوصاً بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي كان يمثّل “المركز الروحي” لمعظم شيوعيي العالم. حيث كانت الماركسية الرائجة تربط نشوء الاشتراكية بـ “طريق لينين”، و هذا صحيح تماماً، لكنه بدا مع الانهيار أنه فشل، بل أنه خاطئ من الأساس، لأنه “حرف لمسار التاريخ”، ويقوم على “إرادوية فظة”. الأمر الذي فرض أيضاً “العودة إلى ماركس”، و كما حدث مع الشيوعية الأوروبية فقد ظلّ مروجو هذه النغمة ضمن دائرة الماركسية اللينينية أو إنتقلت إلى الليبرالية الصريحة.
والمشكلة هنا تتمثّل في أن الماركسية اللينينية هي غير الماركسية وغير اللينينية، لأنها تمثّل رؤية جديدة استفادت من بعض أفكار ماركس و لينين، و من مفاهيمهما، لكنها أسّست لمنطق آخر و تصوّرات أخرى. ولهذا أنطلق من الفصل بين اللينينية (بين الماركسية واللينينية) من جهة، و الماركسية اللينينية من جهة أخرى. حيث أن هذه الأخيرة هي رؤية ستالين المصاغة بعد وفاة لينين، والتي أصبحت تمثّل أيديولوجيا السلطة السوفييتية. كما أنها ـ من جهة أخرى ـ رؤية تروتسكي التي أسّست للتيار التروتسكي المتمثّل في الأممية الرابعة وانشقاقاتها، وهو تيار تبلور انطلاقاً من أفكار تروتسكي ملتبسة العلاقة مع أفكار لينين. أما اللينينية فهي غير هذه وتلك، وهي متناقضة معهما معاً في الكثير من الرؤى، الأمر الذي يفرض تحديد ماهيتها، أي موقع لينين في الماركسية، وما أضافه إليها، وهل تناقض مع ماركس؟
ماركس، الماركسية:
كان جوهر ما أتى به ماركس هو المنهجية الجديدة التي بلورها عبر الدمج الجدلي لجدل هيغل ومادية فيورباخ (وكلّ الاتجاه المادي الفرنسي) كما أشرنا للتو. والتي على ضوئها أعاد صياغة جملة مفاهيم كانت سائدة، منها صراع الطبقات، والاشتراكية. ونفي جملة مفاهيم أخرى، وخصوصاً في مجال الاقتصاد السياسي، والمثالية الفلسفية، والاشتراكية الطوباوية. وبالتالي حلّل طبيعة النمط الرأسمالي، وحاول البحث في ارتقاء المجتمعات البشرية انطلاقاً من أن التاريخ صيرورة. وتوصّل إلى قوانين، منها قانون فائض القيمة، وأنماط الإنتاج، وميل معدّل الربح إلى الانخفاض، والإفقار النسبي والإفقار المطلق، وعديد من القوانين والمفاهيم والمحدّدات.
وبالتالي فإن “حجر الزاوية” كان قد وُضع مع ماركس، وأصبح المحدِّد لهذا الاتجاه الفكري الجديد. مع كمّ كبير من التحليلات و التصوّرات حول طبيعة الرأسمالية، والتاريخ، و العالم، و الصراع السياسي، والحزب، و المسألة القومية، والهدف الاشتراكي، والأخلاق، محدّدة بعنصرين، الأول: التاريخية، حيث أنها خضعت لشرط تاريخي محدَّد، وكانت نتاجه، وبالتالي ليس من الضروري أن تتحوّل إلى قوانين، بل عبّرت عن رؤى معيّنة في زمن ومكان محدّدين. والثاني: نسبية المعرفة، وبالتالي نقص المعلومات من جهة، ونقص الإحاطة بما هو موجود من معلومات من جهة أخرى. الأمر الذي جعل كلّ هذه التحليلات و التصوّرات تخضع لمنطق الماركسية ذاتها، من أجل تقدير ما تجاوزه الزمن، وما بقي منها، وما أصبح جزءاً من التأريخ. لكن الأهم أن ما بقي منها هو “روحها”، المحدّدة في المنهجية التي كوّنتها في صيغتها المتناسقة، أي الجدل المادي، دون القول أنها كلها صحيحة حتماً. وهنا يكمن تلمّس مشكلة أخرى تتعلّق بتأثير “الأيديولوجي” و حرفه لمسار البحث، كما بنسبية المقدرة على استخدام المنهجية ذاتها. خصوصاً وأن الجدل المادي لم يتبلور منذ البدء، بل تبلور في إطار صيرورة تشكُّل وعي ماركس وبلورته لأفكاره ( بمساعدة إنجلز).
وعلى أرضية ما حقّق ماركس، اشتغل إنجلز معه ومن بعده، وأضاف وأوضح، وبلور وشرح. و أيضاً لفيف من الماركسيين الأوائل، مثل بيرنشتاين وكاوتسكي، وأيضاً بليخانوف وروزا لوكسمبورغ، وآخرين كثر. لكن تأثيرهم (فيما عدا إنجلز طبعاً) كان أقلّ مما بدا مع لينين، الذي حوّل الماركسية من تيار فكري إلى حركة واقعية، ثم إلى دولة. و الذي قدّم منتوجاً فكرياً مهماً.
لقد مال تلامذة ماركس إلى أحد خطين، الأول: التقليد، وترداد ما كان يقول به ماركس دون وعي، الأمر الذي حدا به إلى إطلاق تعبير أنه ليس ماركسياً. حيث تحوّلت الماركسية إلى إقتصادوية مبتذلة نقدها إنجلز في العديد من المواقع ( منها سلسلة رسائل نشرت في كراس تحت عنوان “رسائل حول المادية التاريخية”). والثاني: التخلي عن المنهجية، منجز ماركس الأوّل، و التمسك بالشعارات العامة حول الاشتراكية، و التطوّر القائم على أساس ميكانيكي، يكرّس الرأسمالية، ويعتبر أنها ضرورة مطلقة، وأنه لا يجب السعي إلى تغييرها إلى حين استنفاذها إمكانيات استمرارها ، الأمر الذي أفضى إلى القول بأن الهدف النهائي (أي الشيوعية) هي لاشيء، بينما الحركة (التكتيك) هي كل شيء (بيرنشتاين). وهو الأمر الذي أوجد اختلافات وخلافات كبيرة في إطار الحركة الاشتراكية بعد وفاة ماركس.
وكان الاتجاه العام يميل إلى التأكيد على ضرورة تحقيق الاشتراكية في الأمم الرأسمالية، التي بدورها سوف تُنهض شعوب المستعمرات، وتنقلها إلى الاشتراكية “فوراً”.
ورغم التحوّلات التي تحقّقت بعد وفاة ماركس مباشرة، و التي تمثّلت في تحوّل الرأسمالية من رأسمالية المنافسة انطلاقاً من السوق القومي و الدولة القومية، إلى نمط رأسمالي عالمي إمبريالي الطابع، يغيّر التكوين الطبقي في الأمم الرأسمالية، ويزيد في التحكّم بباقي العالم، و يُحكم عليه سيطرته التي تمنعه من كلّ إمكانات التغيير و التحوّل الرأسمالي. رغم ذلك ظلّت الأهداف العامة للحركة الاشتراكية هي ذاتها. وظلّ البحث الماركسي مرتبكاً، خصوصاً فيما يتعلّق بالمنهجية، ووعي العالم، ودور الحركة الاشتراكية.
لينين واللينينية:
في هذا الوضع يمكن لمس موقع لينين، حيث بدا أنه يختلف مع “الجو” السائد في الأممية الثانية، وبات يشكّل تياراً متميّزاً فيها، بالترافق مع روزا لوكسمبورغ وماركسيين آخرين. ثم تناقض مع قادتها التاريخيين، من أمثال كاوتسكي وبليخانوف، ورفض مسارها بعد موقفها من الحرب العالمية الأولى، حيث تمترس كلّ حزب من أحزاب الأممية خلف برجوازيته في تطاحنها مع البرجوازيات الأخرى، بدل تأكيد التحالف البروليتاري لإسقاط هذه البرجوازيات. وبالتالي أصبح يمثّل الرؤية الأخرى المختلفة عنها، سواء في فهمه للصراع في أوروبا أو في موقفه من الشرق، و بالأساس في رؤيته لدور الماركسية في العصر الإمبريالي.
وإذا كان لينين قد كتب الكثير عن الماركسية، وعن روسيا والواقع العالمي، والثورة الاشتراكية، والمسألة القومية، والحزب، والتكتيك، فيمكن تحديد إسهاماته الأساسية التي شكّلت إضافات في الماركسية بالقضايا التالية:
1) إذا كان إنجلز قد عمل على صياغة المنهجية التي لم يستطع ماركس الكتابة حولها، رغم أنه وعد بذلك، وأقصد هنا الجدل المادي، فإن لينين هو الذي كرّس القيمة الفعلية للجدل المادي من خلال تأكيده على أهمية “الديالكتيك” في الماركسية، وعلى انطلاقه منه في تحليل الواقع، استناداً إلى مبدأ “التحليل الملموس للواقع الملموس”، و بأن “الديالكتيك” هو حجر الزاوية في الماركسية، الذي يجب أن يحكم التحليل. ولقد ظلّ منشدّاً إلى “الديالكتيك” طيلة نشاطه الفكري، فأسهم في إعادة تعريف المادة ( والمادي) بعد الاكتشافات العلمية التي تحققت بداية القرن العشرين، كما أسهم في تحديد العلاقة التي تربط النسبي والمطلق في كتابه “المادية والمذهب النقدي التجريبي”. وأيضاً في العودة إلى هيغل من أجل إعادة صياغة الجدل المادي ذاته ( في “الدفاتر الفلسفية”). و كذلك إشاراته المتكررة إلى الجدل في وضع طغى فيه المنطق الوضعي، أو سادت النزعة الاقتصادوية. لقد أكد على المطلق لحظة انتصار النسبي، الذي أسس للميل في الفكر الرأسمالي إلى الوضعية والتخصص والتجزيء، حيث أسس لعلاقة متماسكة بين النسبي والمطلق.
وهذه مسألة ذات قيمة لأن الميل العام في الحركة الاشتراكية كان يتخلى عن الجدل المادي لمصلحة منطق اقتصادوي وضعي. وبالتالي كان لينين يعيد بناء المنهجية التي اكتشفها (أو بلورها) ماركس دون أن يصيغها في بحث مستقلّ. و كان يستخدمها في وعي الواقع الروسي و العالمي، وبالتالي في تحديد المهمات وآليات التغيير.
وإذا ما درسنا تاريخ الحركة الماركسية سوف نكتشف أن الذين انطلقوا من أن الماركسية هي الجدل المادي بالأساس، قبل أن تكون قوانين وتصوّرات، هم الذين قدّموا إسهامات جدية، وأضافوا إلى الماركسية، مثل غرامشي ولوكاش وماوتسي تونغ، وهنري لوفيفر….ألخ. ولهذا يمكن التأكيد بأن للينين دور إعادة بناء الماركسية انطلاقاً من أنها الجدل المادي أولاً، بعد أن كانت الحركة الاشتراكية تتخلى عن ذلك، وتنساق نحو الوضعية في شكلها الاقتصادوي.
2) المسألة الأخرى هي مسألة سياسية طبقية، حيث تجاوز لينين بعض تصوّرات ماركس حول الثورة الاشتراكية، ودور الشيوعيين و الطبقة التي تحقّق المهمات الديمقراطية. فلم تعد مهمة الشيوعيين هي تحقيق الثورة الاشتراكية فقط، ولا غدت البرجوازية هي التي تحقّق المهمات الديمقراطية، بل أصبحت مهمة الحزب الشيوعي هي تحقيق تلك المهمات. وكان هذا التحوّل يُحدث تغييراً كبيراً في رؤية ماركس، الذي أوحى في تحليلاته أن التطوّر الرأسمالي هو الذي يجب أن ينتصر عبر دعم البرجوازية، من أجل أن ينفتح أفق تحقيق الاشتراكية أمام الحزب الشيوعي. وكانت هذه التحليلات تعبّر عن واقعٍ كان يعيشه ماركس، حيث كانت الرأسمالية تتطوّر باضطراد وتنتصر من بلد إلى آخر. رغم أن ماركس كان يتلمّس تعثّر الرأسماليات، خصوصاً في ألمانيا، الأمر الذي جعله يعتبر أن تحقيق المهمات الديمقراطية هو من مهمة الحزب الشيوعي. لكنه ظلّ يركّز على الأمم الرأسمالية، وعلى تطوّرها الاشتراكي الذي سوف يحلّ مشكلة الاستعمار ونقص التطوّر في الأمم الأخرى. وبالتالي كان يرى أن مهمة الطبقة العاملة المنتصرة هي تمدين الأمم المستعمرة، التي كانت لازالت متخلّفة.
لينين لمس أن البرجوازية الروسية مترابطة مع الإقطاع، وبالتالي مترددة حيال إنهاء “النظام القديم” وتأسيس نظام رأسمالي جديد. الأمر الذي جعله يتوصّل إلى أن على الطبقة العاملة تحقيق المهمات الديمقراطية (أو الثورة الديمقراطية برجوازية الطابع كما كان يقول)، بالترابط مع الفلاحين الفقراء، و التحالف مع البرجوازية الصغيرة. خصوصاً وأن الصراع الطبقي كان يتفاقم في الريف والمدينة. وهذه المسألة أثبتت صحتها، حيث استطاعت روسيا تجاوز “النظام القديم” وتحقيق المهمات الديمقراطية (حلّ المسألة القومية، التصنيع والتحديث، والإصلاح الزراعي)، بغضّ النظر عن الطريق المتعرّج الذي مرّت به، و الأوهام التي رافقت ذلك.
وبالتالي أصبحت مهمة الحزب الشيوعي هي تحقيق المهمات الديمقراطية، بعد أن لفظتها البرجوازية. وكانت هذه الرؤية مهمة لكلّ الأمم المخلّفة، خصوصاً أنها إنبنت على تحليلٍ لطبيعة النمط الرأسمالي ونشوء الإمبريالية.
3) وهذه هي المسألة الثالثة، التي أضاف لينين إلى الماركسية فيها. لقد حلّل ماركس الرأسمالية لحظة نشوئها حيث كانت لازالت تتشكّل في الإطار القومي. وبعضها، مثل ألمانيا، لم يكن قد أصبح رأسمالياً. و كان شكل سيطرتها على العالم استمرار للاستعمار القديم الذي يقوم على النهب من أجل تحقيق التراكم الأوّلي. وكانت المنافسة الشديدة هي أساس العلاقة فيما بين هذه الرأسماليات الناشئة في إطار قوى الإنتاج الجديدة، والتي لم تكن قد رسّخت وجودها بعد.
وإذا كان ماركس قد أشار إلى الميل نحو التمركز في الصناعات الناشئة، والتركّز في الرأسمال، و بالتالي إلى تحوّل المنافسة إلى احتكار، فقد نشأ لينين لحظة تبلور الاحتكار، وتبلور النمط الرأسمالي كنمط عالمي، حيث إعتبر أن هذا التشكّل الجديد يشكّل مرحلة جديدة في تطوّر الرأسمالية هي مرحلة الإمبريالية، التي إعتبر أنها أعلى مراحل الرأسمالية. حيث قاد التنافس الرأسمالي إلى تمركز الصناعة وتركّز الرأسمال، وبالتالي إلى الاحتكار، الذي أدى إلى إنهاء التنافس فعلياً في إطار سوق حرّ. فقد تزايدت عمليات اندماج الشركات أو انهيارها، الأمر الذي جعل قلّة من الشركات تحتكر الأسواق وتهيمن عليها. وهذه سمة أولى لعصر الإمبريالية، عمل لينين على بلورتها اعتماداً على تحليل ماركس لطبيعة النمط الرأسمالي، وبالتالي فقد إتّبع ملاحظات ماركس في هذا المجال و عمّقعها فتوصّل إلى تحديد طبيعة النمط الرأسمالي في جوهره.
السمة الأخرى التي حكمت النمط الرأسمالي هي نشوء الرأسمال المالي، الذي نتج عن اندماج الرأسمال الصناعي و الرأسمال المصرفي، حيث بدأ التداخل بين المصارف و الصناعة، وبالتالي إنتفى التمايز بين الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي (وتالياً التجاري).
السمة الثالثة هي تقاسم الأسواق بين الرأسماليات ونشوء الحروب من أجل ذلك، الأمر الذي فرض إخضاع باقي العالم (أي العالم المتخلّف) للسيطرة المباشرة لقوى الإنتاج الجديدة، المتفوّقة والمتميّزة من حيث التطوّر التكنولوجي.
وهو الوضع الذي صاغ العالم منذئذ ( أي منذ تبلور النمط الرأسمالي العالمي منذ سنة 1880 تقريباً). الأمر الذي أوجد التطوّر اللامتكافئ (أو المتفاوت)، وخلق وضعاً صعباً لكلّ الأمم المتخلّفة، حيث باتت عاجزة عن التطوّر في السياق “الطبيعي”، أي ذاك الذي يكرّر التطوّر الرأسماليّ الأوروبيّ، وبالتالي باتت مخلّفة ( أي متخلّفة بقوة القهر الإمبريالي).
وكان هذا التحليل يلقي الضوء على رؤية لينين لمسألة دور البرجوازية في تحقيق الثورة الديمقراطية، حيث أن تبلور الاحتكار (الذي بدأ في كلّ أمة وأصبح عالمياً) في إطار سوق مفتوح واقتصاد حرّ، يقود إلى إفشال إمكانية تحويل التراكم المالي (الذي كان يأتي من الزراعة) إلى الاستثمار في الإنتاج الصناعي لبناء قوى إنتاج جديدة، بل تحوّل للتوظيف في المجالات المكمّلة للنمط الرأسمالي (أي في قطاعات التجارة و الخدمات والمال) فقط. وبالتالي يلقي الضوء على تصوّر لينين لدور الطبقة العاملة (والحزب الشيوعي) التي أصبحت (الذي أصبح) هي المعنية (هو المعني) بتحقيق الثورة الديمقراطية وبناء قوى الإنتاج.
بمعنى أن تحليل طبيعة الرأسمالية المتبلورة قاد إلى الوصول إلى الاستنتاج بأن مهمات الثورة الديمقراطية لم تعُدْ تتحقق عبر دور البرجوازية الناشئة، بل عبر دور الطبقة العاملة حديثة النشوء و الفلاحين الفقراء.
ولينين في هذا المجال بدأ من الملموس، أي من وضع روسيا، لكنه انتقل إلى العام، أي إلى ما هو عالمي، ليحدّد سبب هروب الرأسمال في البلدان المخلّفة من الاستثمار في الصناعة، وتحالفها مع الإقطاع، وبالتالي عدم ميلها لتحقيق ما بات يُعْرف بأنه “خاصّ” بها، وأقصد الثورة الديمقراطية.
وربما كان بإمكاننا إضافة مسائل أخرى طوّر لينين فيها، حيث قام بتطوير البحث في مسائل مهمة مثل المسألة القومية ومبدأ حق تقرير المصير، ومسألة الحزب و البنية التنظيمية، وقضايا التكتيك…إلخ، لكن هذه المسائل الثلاث ربما كانت هي الأهم و الأساسية التي جعلت للينين دور محوريّ في تطوير الماركسية، بإعادة بناء المنهجية الماركسية (أي الجدل المادي)، وتطوير البحث في طبيعة الرأسمالية و الوصول إلى استنتاجات جديدة مختلفة عن استنتاجات ماركس، وبالتالي أسّست لرؤية مختلفة لدور الماركسية، ولطبيعة فهم الثورة الديمقراطية كما الثورة الاشتراكية. فقد قام لينين بتحليل عصر الإمبريالية، وتحديد دور الشيوعيين فيه كونهم باتوا ورثة البرجوازية في تحقيق الثورة الديمقراطية. وهذه هي القيمة التي جعلته يحظى بأهمية خاصة في تاريخ الماركسية. حيث أن رؤيته لطبيعة الرأسمالية و تحوّلها إلى إمبريالية فتحت لانتصار كبير في أكثر من نصف العالم، محققة تطوّرها وانتقالها إلى مجتمعات مدنية حديثة. رغم أنها لم تستطع الانتقال إلى الاشتراكية، بل انهارت لحظة نشوء التناقض بين قوى الإنتاج الجديدة التي أوجدتها، وعلاقات الإنتاج و البنية السياسية الأيديولوجية التي ظلّت متخلّفة وملوّثة بالبطركية الريفية. مع تحوّل “الحزب الشيوعي” إلى فئة بيروقراطية ذات امتيازات ومصالح، جعلته يتميّز عن باقي الشعب في مجال الاستهلاك. وبالتالي تخلّيه عن دوره الثوري، وتحوّله إلى سلطة ذات مصالح خاصة. الأمر الذي جعله عائقاً أمام عملية التحوّل الاشتراكي، على العكس من ذلك جعله كونه حزب شيوعي يؤسّس لميل شعبي نحو الليبرالية و الاندماج بالنمط الرأسمالي، وتتحوّل فئاته إلى طبقة جديدة عبر نهب قطاع الدولة.
لينين وستالين:
انطلاقاً من ذلك يمكن أن نلمس الافتراق بين اللينينية و الستالينية.فإذا كان لينين توصّل إلى تجاوز تصوّر ماركس حول الارتقاء من الإقطاع إلى الرأسمالية، واضعاً صيغة أخرى تقوم على تحليل للواقع الملموس كان يوضّح عجز البرجوازية عن تحقيق هذا الانتقال، الأمر الذي دفعه إلى التأكيد على دور الطبقة العاملة (الوليدة) والفلاحين الفقراء في ذلك، وبالتالي توصّله إلى تجاوز تصوّر ماركس حول ربط دور الطبقة العاملة (والماركسية عموماً) بتحقيق الثورة الاشتراكية، وتحديده انطلاقاً من الواقع الملموس بتحقيق “الثورة الديمقراطية برجوازية الطابع”. فإن تصوّر ستالين الذي عُمّم تحت مسمى “الماركسية اللينينية” قام على العودة إلى تصوّر ماركس الأصلي ( والذي لم يكن حاسماً لديه، حيث حاول فهم ممكنات الواقع)، بتأكيده على “ميكانيكية” التطوّر التاريخي، وبالتالي حتمية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية قبل أن تقوم الطبقة العاملة بـ “دورها التاريخي”، أي بتحقيق الاشتراكية.
وهي الصورة المعاكسة لما كان يفعل في الإتحاد السوفييتي، حيث كان الحزب الشيوعي يحقّق مهمات الثورة الديمقراطية تحت شعار (أو وهم) تحقيق الاشتراكية، أو بآليات إشتراكية، وانطلاقاً من إلغاء الملكية الخاصة. فقد انطلق من تحليل مختلف للوضع العالمي فرض أن يعود إلى فكرة ماركس التي تقول بضرورة دعم البرجوازية في سعيها لتحقيق ثورتها، حيث أن النضال في الأمم المستعمرة يفرض التحالف مع البرجوازية من أجل الاستقلال وتحقيق الثورة الديمقراطية، ولقد كان في هذا يهدف إلى أن تدعم تلك البرجوازيات الدولة السوفييتية. وهي السياسة التي أثبتت فشلها ( عكس ما حدث في كلّ الأمم التي انتصرت فيها الاشتراكية، والتي التزمت تصوّر لينين)، وأدت إلى فشل وتلاشي الحركة الشيوعية سوفييتية الطابع.
إذن، ستالين ليس امتداد للينين، بل فرضت مصالح السلطة السوفييتية عليه سياسة أعادت ما كان لينين قد تجاوزه في تراث ماركس. وسنلحظ بأن هذا التحوّل طال كلية تصوّر لينين ومنهجية الماركسية ذاتها، حيث استحكم المنطق النصّي الصوري. وبالتالي فقد تساوق ستالين مع الحركة الاشتراكية القديمة التي قطع لينين معها سنة 1914، وعمّم ميلاً اشتراكياً ديمقراطياً في الحركة الشيوعية العالمية قاد إلى فشلها، رغم أنه عاد قبيل وفاته بعامين للتأكيد على أن راية التحرّر قد سقطت من يد البرجوازية و أن على البروليتاريا التقاطها.
وبالتالي، وهو يسمّي الماركسية بالماركسية اللينينية كان يتجاوز لينين ويعيد تعميم رؤية الحركة الاشتراكية والأممية الثانية، على مجمل الحركة الشيوعية العالمية، الأمر الذي جعل هذه الحركة تلعب دوراً مساعداً لبرجوازية كانوا يفترضون أنها تعمل على تحقيق ثورتها الديمقراطية، لكن دون جدوى، حيث كان مشروعها مختلفاً، ويتعلّق بالتشابك مع النمط الرأسمالي العالمي والتبعية له.
ولهذا سنلحظ بأن النقد الراهن الذي حظي به لينين تمثّل في رفض رؤيته لصيرورة التغيير التي إعتبر أنها باتت من مهمات الحزب الشيوعي، و الطبقة العاملة، انطلاقاً من حتمية التطوّر الرأسمالي، هذه الحتمية التي لا يمكن تجاوزها (باعتبار أنها قدرية)، وبالتالي يجب دعم التطوّر الرأسمالي، والوقوف خلف الطبقة البرجوازية. مما جعل النقاد يعودون إلى منطق الحركة الاشتراكية القديمة (الأممية الثانية)، لكن أيضاً يعودون إلى منطق الستالينية التي مثّلها الرفيق خالد بكداش وقادة الحركة الشيوعية العربية (باستثناء سليم خياطة وفهد و عبد الخالق محجوب وفرج الله الحلو، وربما سلام عادل)، و التي أفضت إلى متاهة النظم الاستبدادية التي قامت على دور الجيش المتدخّل نتيجة فراغ القوّة البديلة.
وبالتالي فقد عادوا إلى بكداش ما قبل سنة 1964 المحمّل برؤية “الرفيق ستالين” وبإستراتيجيته. وربما يجري تناسي مرحلة 1937ـ 1964 من تاريخ الحركة الشيوعية، وبأن الإستراتيجية المتّبعة خلالها هي التي أتت بالجيش إلى السلطة، من أجل العودة إلى تبني تلك الإستراتيجية.
لينين وماركس:
إذا كان ماركس هو مؤسّس التيار الذي بات يُعرف بإسمه، حيث أنه كان مبلور المنهجية التي باتت في صلب الماركسية وأسّها، ومحور منظومتها، فإن إضافات لينين مهمة خصوصاً فيما يتعلّق بتحليله لوضع الرأسمالية و النتائج العملية التي إنبنت عليها، وأقصد هنا رؤيته للطبقات التي تحقّق المهمات الديمقراطية، ولدور الماركسية. لكن يمكننا أن نبني على تحليلاته الأخرى أيضاً، سواء فيما يتعلّق بالجدل المادي أو المسألة القومية أو الحزب أو التكتيك أو الدولة….ألخ.
ورغم أهمية دراسة كلّ الماركسيين الآخرين، إلا أن للينين موقع خاصّ، كما يمكن لمس ذلك (وإن بدرجة أقل) لدى ماو تسي تونغ، و لكن أيضاً لدى غرامشي ولوكاش و عدد من المفكرين الماركسيين. أهمية لينين نبعت من تلمّسه لانتقال التناقض من كونه يقوم بين البرجوازية والبروليتاريا في أوروبا إلى كونه أصبح منذ أن أضحت الرأسمالية نمطاً عالمياً (أي أضحت إمبريالية) يقوم بين الرأسماليات المتطوّرة والشعوب المخلّفة. وأن حسم هذا التناقض هو الذي يحظى بالأولوية من أجل تحقيق التطوّر وهزيمة الرأسمالية. ولقد توضّح بعد لينين السبب العميق لتحوّل التناقض، حيث بات حاسماً تطوّر الأمم المخلّفة بتحوّلها إلى أمم صناعية، وكانت طبيعة النمط الرأسمالي العالمي تقف عائقاً أمام ذلك، نتيجة مصالح الرأسماليات ذاتها. ولهذا فقد ارتبط الميل لتحقيق التطوّر بالميل لتحقيق الاستقلال عن النمط الرأسمالي، وبالتالي بالميل لرفض هذا النمط، وليس الانخراط فيه. وهذا يُعطي للماركسية قوّتها لأنها قوّة النقد الأساسية للنمط الرأسمالي، وأساس بلورة مشروع بديل. ولهذا بات عليها أن تُسهم في بلورة مشروع يقوم على تحقيق المهمات الديمقراطية اعتماداً على الطبقة العاملة وعلى الفلاحين الفقراء، كخطوة ضرورية من أجل تحقيقها مشروعها الأساس: أي الاشتراكية.

(3)الماركسية السوفييتية والماركسية

كانت الماركسية السوفييتية إنكفاءة عن الماركسية، حيث أعيد إنتاج المنطق الصوري في المنظومة الجديدة. لكن يمكن أن أوضح الآن أن ستالين حينما كتب كراس “المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية” شطب قانون نفي النفي (والعودة إلى الكراس توضح ذلك) وبالتالي فقد أبقى الفريضة والنفي. الأمر الذي أعاد إنتاج مفهوم الهوية الأرسطي، أي أ هي أ وليس من الممكن أن تكون ب . الأمر الذي فرض إعادة كل المنطق الصوري، حيث التركيز على الشكل و الانطلاق من السكون. لأن الفريضة عادة ما ينظر إليها كشكل ساكن وعكسها ( النفي) سيكون كذلك. وبالتالي بدل أن يكون التناقض بين الفريضة والنفي غنياً ويثمر نفي النفي، بدا هنا كتناقض قطعي، أي يقوم على مبدأ خير/شر، مع/ضد، الذي هو منطق المنطق الأرسطي، ومنطق اللاهوت الديني. الأمر الذي جعل المنطق الصوري هو أس الماركسية السوفييتية وليس الجدل المادي الذي يتضمن قانون نفي النفي حكماً. ولقد قاد ذلك أيضاً إلى اعتبار أن قانون “التراكم الكمي يؤدي إلى تحول نوعي” هو القانون الأساس، مما جعل التطور خطي وحتمي، حيث ليس من الممكن الارتداد. وحيث التاريخ يسير في خط مستقيم صاعد. وهذه الفكرة جلبت في العقود الماضية الكثير من الأوهام.
هذا على مستوى المنهج ذاته، لكنه اكتمل بتقسيم الماركسية إلى “فروع”، هي المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية والاقتصاد السياسي والاشتراكية العلمية. ولقد بدت كفروع تخصصية (المعنى الذي فرضته البرجوازية على العلم، والذي كان في أساس المذهب الوضعي) منفصلة. ولكل منها قوانينه الخاصة دون علاقة مباشرة بينها، رغم أن الماركسية قامت على الترابط بين أقسام البنية التحتية ( الاقتصاد والمجتمع) وبينها وبين البنية الفوقية. كما أن الجدل المادي هو أداة تحليل لكل هذه الفروع وللعلاقة فيما بينها. هذا الأمر أدى إلى أن يهمّش الجدل المادي ويعود كفلسفة تأملية ليس له علاقة بالواقع ( رغم انه روح الواقع). وأصبحت “قوانين” الفروع تلك مطلقة، وهي التي تحدد الواقع. أي أصبح الفكر من جديد هو محدد الواقع. وبهذا عاد منطق القياس ليحكم المنهجية ويتحكم في الواقع. وهي عودة لمنطق قديم هو المنطق الصوري. وهذا ما أشير إليه بتعبير المنطق النصي، حيث النص هو الذي يحكم الواقع. وبالتالي بدل فهم الواقع من خلال الجدل المادي، أصبحت الماركسية هي تطبيق قوانين مسبقة على الواقع، واعتبار القانون أقوى من الواقع. رغم أن الواقع هو أغنى من كل تصوراتنا كما أشار لينين ذات مرة.
وفي إطار ذلك جرى “تقديس” الاقتصاد واعتباره كل شيء واعتبار الفكر ملحق به، أو صورة عنه. وبالتالي صار التطور يعني التراكم على صعيد الاقتصاد فقط دون اهتمام بالفعل الإنساني. وهذا ما جعل الماركسية السوفييتية اقرب إلى الوضعية في شكل اقتصادوي.
لذا سنلمس هنا تحويل في مفاهيم الماركسية قاد إلى تأسيس منظومة مغلقة ومتعالية، أصبحت هي مقياس الواقع، مما حوّلها إلى منظومة مثالية. حيث تحقق أولاً تحوير في بنية الجدل المادي كما أشرنا قام على شطب المفهوم الجوهري فيه، وهو مفهوم نفي النفي (وهو المفهوم الذي حقق هيغل عبره النقلة الضرورية لتأسيس منهجه الجديد: الجدل). الأمر الذي جعل الرؤية الماركسية تقوم على أساس التراكم الكمي الذي يفضي إلى التطور المضطرد، والمفضي إلى التغيير النوعي حتماً. وهو ما عزّز فكرة الارتقائية، حيث بات المسار التاريخي ارتقائي، وأيضاً حدي لا يقبل السلب، وحتمي. إنه الإيجاب فقط، لأن التراكم إيجاب، والتطور النوعي إيجاب كذلك. كما عاد ليكون منطقاً صورياً يقوم على مفهوم “الهوية” وعدم التناقض الأرسطي، وعلى الشكل والسكون. أي عاد ليكون المنطق الصوري فحسب، دون الجدل الذي تبلور مع هيغل. ودون المادية التي نضجت مع فورباخ. واللذين كانا الفريضة والنفي اللذين ضمّنهما ماركس في الجدل المادي. الأمر الذي حوّله إلى منطق صوري يستمد جذوره من منطق أرسطو، أو من وعي القرون الوسطى.
بمعنى أن الجدل المادي قد تلاشى هنا، وتفكك إلى رؤى متعددة مثالية. أولها العودة الى المنطق الصوري وحده دون اعتبار أنه الشكل الأولي للجدل المادي، أو الخطوة الأولى في الجدل المادي. الخطوة الضرورية لتحديد الشكل فقط، قبل الغوص في المضمون عبر الجدل. وثانيها العودة الى المنطق الميكانيكي التراكمي التطوري، بدل كون التراكم أحد عناصر الجدل المادي، ويفعل في ترابط مع قوانين أخرى مثل التناقض ونفي النفي. وثالثها الفصل والتجزيء، و بالتالي تجاوز مفهوم الترابط الذي يقوم عليه الجدل المادي. ومن كل ذلك نشأت النظرة الميكانيكية والنظرة الاقتصادوية والوضعية والعقل الأحادي.
ولقد أصبح الجدل المادي على ضوء تأسيس المنظومة المغلقة تلك متعالياً. حيث انقسمت الماركسية (وبالتالي انقسم الواقع) إلى “فروع علمية”: المادية الجدلية التي تبحث في قوانين الجدل ناقصاً قانون نفي النفي. والمادية التاريخية التي تبحث في قوانين التاريخ (أنماط الإنتاج). والاقتصاد السياسي الذي يبحث في قوانين الرأسمالية. والاشتراكية العلمية التي تبحث في قوانين النظام الاشتراكي. وبالتالي بات لكل فرع قوانينه الخاصة دون لمس الترابط بينها، ودون ربط بالجدل المادي. ولقد نبع تعالي الجدل من أنه انفصل عن المستويات الأخرى، التي هي المستوى الاقتصادي الذي تخصص به “فرع” الاقتصاد السياسي. والمستوى الاجتماعي الذي تناوله “فرع” المادية التاريخية. والمستوى السياسي. ومستوى الوعي الأيديولوجي، وهي المستويات التي تمثل مجال بحثه، حيث أصبح لكل منها قوانينه الخاصة، وبات يُبحث في ذاته. بمعنى أن الجدل المادي لم يعد المنهجية التي تحكم النظر إلى الواقع، سواء في مستوى الارتقاء البشري، أو الواقع الراهن، أو حلم المستقبل. أي أنه انفصل عن البحث في تلك المستويات، وأصبح “مادة فلسفية” ثقيلة الظل، ليس من دور لها في الواقع، أو في وعي الواقع مادام يُنظر إلى تلك المستويات انطلاقاً من “قوانينها الخاصة”، وبمعزل عن الجدل المادي ذاته. بمعنى أنه لم يعد وسيلة النظر إلى الواقع.
هذه مشكلة منهجية حوّرت الماركسية الأصلية، وقلبتها من كونها جدلية ومادية، إلى كونها نصية أو وضعية أو إقتصادوية أو ميكانيكية.
لكن، وربما على ضوء ذلك، ومن أجل تأسيس منظومة مغلقة، كان من الضروري تحويل تصورات ماركس إلى قوانين، عبر منطق انتقائي. حيث أصبحت كل أفكار ماركس قوانين. وبات تحليله السياسي مكافئاً لتجريداته الفلسفية وأبحاثه الاقتصادية الاجتماعية. وبالتالي بات موقفه اللحظي المبني على واقع معين في لحظة محددة قانوناً عاماً يمكن أن يطبّق على كل الظروف وفي كل الأزمان. كما باتت المنهجية التي أسسها مكافئة لأصغر تحليل كتبه. وربما لتحليلات كتبها بناءً على معلومات منقوصة. وحين أصبح كل ذلك قوانين، أصبح من غير الممكن البحث فيها، أو إعادة النظر فيها، أو الإشارة إلى خطئها. فهي كلها مطلقة الصحة لأنها من نتاج ماركس. الأمر الذي حوّله إلى ذات مطلقة تضفي المعقولية على الأفكار التي أنتجها، بدل أن يكون الواقع هو من يضفي المعقولية عليها. وبدل أن تكون مدخلاً لوعي الواقع كونها طريقة تفكير قبل أن تكون قوانين ومفاهيم وتصورات.
فمثلاً فيما يتعلق بأنماط الإنتاج، هل يمكن أن نعتبر أن نظرية المراحل الخمس في ارتقاء البشر من المشاع، إلى الرق، إلى الإقطاع، غالى الرأسمالية، ثم الاشتراكية، نظرية علمية؟
الموقف من المسألة القومية الذي حسم بنص لستالين، وهو النص الذي أصبح يمثل “الموقف الماركسي” منها، يمكن توضيح عدم علميته. ويمكن الإشارة إلى نصوص لماركس وإنجلز ولينين تحتاج إلى نقد وتأكيد خطئها، دون أن نعتبر أنها قوانين. وكذلك تحولت إشارة ماركس غالى “دكتاتورية البروليتاريا” إلى قانون حاكم لطبيعة السلطة في المرحلة الاشتراكية، في وضع جرّدها من مضمونها (القائم على حكم الأغلبية) ليطغى الشكل ( الذي يوشي بالاستبداد) على حساب المضمون. وأصبحت الغطاء الأيديولوجي لسلطة استبدادية حكمت في النظم الاشتراكية. وإذا كنت لا أود الإشارة هنا إلى الظرف الموضوعي الذي فرض تشكلها، فإنني أشير إلى كيفية قسر “مفهوم عابر” قاله ماركس على تكوين استبدادي ليكون غطاءً “ماركسياً”. الأمر الذي فتح باب التشكيك في الماركسية كلها، وليس في طريقة قسر المفهوم على ظرف محدد، وتحويل فكرة قالها ماركس إلى قانون لتبرير واقع محدد.
وفي كل الأحوال، فإن الماركسية تكوين لم يكتمل بعد. لهذا فإن تصوراتها حول قضايا كثيرة في حاجة إلى إنضاج عبر البحث والتحليل العلمي المبني على الجدل المادي ذاته، لكي تتبلور كصيغة تعبر عن رؤية علمية، أو قانون، أو تصور منطقي متماسك.
والقطيعة التي تحققت بين الماركسية السوفييتية والماركسية انطلقت من تحويل ما هو قيد الدرس إلى مدروس، وبالتالي مطلق الصحة كون ماركس/إنجلز هما اللذان تناولاه. أي بتحويل ما هو قيد البحث إلى قانون دون إتباع الإجراءات الضرورية لتحقيق هذه النقلة.
إذن، ستمثل العودة إلى ماركس عودة إلى البحث في كل الماركسية، أو البحث في كتابات ماركس، إنجلز، لينين، وكل الذين أسهموا في البحث الماركسي. وكذلك البحث في المسائل التي تناولوها انطلاقاً من أنها تحتاج إلى بحث مستفيض، والى نقاش وحوار، من أجل إنضاجها واستنباط العلمي فيها.
وهنا يطرح السؤال، ما الماركسية إذن، إذا كنا لم نعتبر أنها قد بلورت قانوناً للارتقاء البشري ينطلق من مفهوم أنماط الإنتاج، ولم نعتبر أنها بلورت تصوراً علمياً من المسألة القومية، ولم تبلور كذلك حلمها الاشتراكي في صيغة علمية رغم إشارات ماركس وإنجلز لتحول الاشتراكية من طوبا إلى علم، ولم، ولم، ولم……؟

(4) تروتسكي والتروتسكية
إذا كانت “الماركسية السوفييتية” هي التي هيمنت في إطار الحركة الشيوعية منذ ثلاثينات القرن العشرين إلى انهيار النظم الاشتراكية (1989-1991)، فإن صوتاً ناقداً كان ينشط لكشف مشكلاتها، هو صوت الاتجاه الذي أسسه تروتسكي، الماركسي المشاكس منذ تأسيس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. ومفتتح نقد التجربة الاشتراكية منذ بدأت ملامحها في الظهور، معتبراً أنها تمثل “دولة عمالية منحطة”.
تروتسكي:
ماذا تعني التروتسكية غير أنها متمردة على الستالينية، ومنافسة لها، رغم إتكائهما معاً على التراث اللينيني؟ هل تضيف ما هو منهجي في الماركسية؟ هل تقدم تصوّراً مختلفاً عما رسمه ماركس/إنجلز ولينين، وبليخانوف وكاوتسكي؟
يمكن أن نتلمس مرحلتان مرّ بهما تروتسكي، المرحلة الأولى: هي تلك التي شهدت الصراع في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، حيث بدأ تروتسكي حليفاً للينين لفترة قصيرة، لكنه كذلك انتهى حليفاً له، لكنه تناقض معه طيلة الزمن الفاصل بين اللحظتين (1902-1917). أي مع سنوات طويلة من الاختلاف قضاها تروتسكي رافضاً منطق لينين، دون أن يكون مع المناشفة، حيث انطلق من أن له خيار ثالث مختلف، توضح في طبيعة الشعارات التي طرحها في ثورة 1905، حيث دعا إلى تحقيق دكتاتورية البروليتاريا مقابل شعار دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية الثورية الذي طرحه لينين.
يشير تروتسكي في مقدمة كتبها لكتابه “نتائج وتوقعات” سنة 1919، ” لقد تكونت مختلف الاتجاهات الإيديولوجية والتنظيمات السياسية داخل الحركة الثورية الروسية بناء على مواقفها من قضية أساسية هي قضية طابع الثورة الروسية.
فمنذ عام 1904 إلى يومنا هذا، اتخذت هذه الخلافات شكل اتجاهين أساسيين: المنشفية والبلشفية. فكانت وجهة النظر المنشفية تقول أن ثورتنا ستكون ثورة برجوازية، أي أن نتيجتها الطبيعية ستكون انتقال الحكم إلى البرجوازية وخلق الظروف الملائمة لقيام البرلمانية البرجوازية. وكانت وجهة النظر البلشفية، بالرغم من إقرارها بحتمية الطابع البرجوازي للثورة القادمة، تعتبر أن مهمة الثورة هي إنشاء جمهورية ديموقراطية بواسطة ديكتاتورية العمال والفلاحين”.
ويشير ” فيما يتعلق بتقييم قوى الثورة الداخلية وتوقعاتها، لم ينضم مؤلف هذا الكتاب في ذلك الحين إلى أي من الاتجاهين الأساسيين السائدين داخل الحركة العمالية الروسية. وبالإمكان رسم الخطوط العريضة لموقفه في ذلك الحين على النحو التالي: إن الثورة، التي ستبدأ كثورة برجوازية فيما يخصّ مهامها الأولى، سوف تولّد صراعات طبقية عنيفة، وهي لن تحرز النصر الأخير إلاّ بعد أن ينتقل الحكم فيها إلى الطبقة الوحيدة القادرة على قيادة الجماهير المضطهدة، وهذه الطبقة هي البروليتاريا. ولمجرد أن تصبح البروليتاريا في الحكم، فإنها لن ترضى بأن تحصر نفسها ضمن البرنامج الديموقراطي فحسب، ولكنها ستجد نفسها مجبرة على تخطيه أيضا؛ وسوف تتمكن من تحقيق الثورة حتى النهاية فقط في حال تحولت الثورة الروسية إلى ثورة تشمل كل البروليتاريا الأوروبية. إذ ذاك يصبح بمقدور الطبقة العاملة الروسية أن تتخطى البرنامج الديموقراطي البرجوازي للثورة بحدوده الوطنية الضيقة، فتتحول السيطرة السياسية الآنية التي تمارسها إلى ديكتاتورية اشتراكية بعيدة المدى”.
وبالتالي فإن الفكرة الأساسية التي قدمها تروتسكي خلال هذه الفترة، تمثلت في شقين (متكاملين كما يبدو في النص)، روسي وعالمي. على صعيد روسيا بنى تصوره على ضرورة تحقيق دكتاتورية البروليتاريا التي تحقق المهمات الديمقراطية. وعلى صعيد عالمي بنى تصوره الروسي على ضرورة امتداد الثورة عالمياً لكي يكون ممكناً تحقيق الاشتراكية، وهو ما اسماه الثورة الدائمة. في الفكرة الأولى تناقض مع لينين، لهذا لم يكن في صف البلاشفة، رغم أنه لم يكن كذلك في صف المناشفة. وفي الفكرة الثانية تناقض مع ستالين حينما طرحت مسألة “الاشتراكية في بلد واحد”. لكنه في هذه المعركة كان يعتقد بأنه وريث لينين، والمعبر عن أفكاره، لهذا أسمى ماركسيته “الماركسية اللينينية”. وبهذا تشكلت “الماركسية اللينينية” التي جوهرها فكر تروتسكي.
هذا هو ملخص رؤية تروتسكي، رغم أن قراءته ضرورية. وربما كان ما يمكن أن يضيفه هو نقده للدولة السوفييتية، التي كانت قد بدأت في “التبقرط”. حيث يمكن أن يكون مفتتح هذا المجال.
صورة تروتسكي في التروتسكية:
يحدَّد تروتسكي في التقابل مع لينين. لهذا يُلخص في أن لينين كان محقاً في رؤيته التنظيمية، وأن تروتسكي كان محقاً في رؤيته لطبيعة الثورة المقبلة، التي حدَّدها بأنها اشتراكية. ولقد عاد التحالف بين الرجلين –كما يشار- حينما تخلى لينين عن هدفه المحدَّد في “دكتاتورية العمال والفلاحين”، بعد ثورة شباط سنة 1917، وتبنى دكتاتورية البروليتاريا، فرفع شعار الثورة الاشتراكية. حيث كان، وهو يطرح هدف دكتاتورية العمال والفلاحين، يسعى إلى انتصار الرأسمالية. لهذا يشير تروتسكي في النص سابق الذكر إلى أنه لم يكن يرى اختلافاً كبيراً بين البلاشفة والمناشفة.
ورغم أن تروتسكي يشير إلى سوء تقديره لسياسات البلاشفة، إلا أن التروتسكيين (ومنهم مثلاً ارنست ماندل) لازالوا يؤكدون على خطل لينين وتراجعه، وصحة موقف تروتسكي. وبهذا تشكلت التروتسكية من التصور اللينيني للتنظيم (كتاب ماندل “النظرية اللينينية في التنظيم” دار الالتزام/ بيروت)، والتصور حول الثورة الاشتراكية والثورة الدائمة. ربما هذا ملخص فقير لها، لكن هذه هي الهيكل الذي يكونها، أو الذي تبتسر فيه.
تروتسكي في كتابه “الثورة الدائمة” ينفي اختلافه مع لينين حول طبيعة الثورة الروسية. رغم أنه يكرر رأيه القديم فيما يتعلق بطابع الثورة في الصين. هل اختلف مع لينين؟ لينين في كتابه “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية” ينتقد تروتسكي دون أن يسميه، لأنه يدعو إلى دكتاتورية البروليتاريا. وبهذا فقد كان شرح تروتسكي للخلافات في الحركة الثورية الروسية كافٍ لتوضيح الفروق بين اتجاهات ثلاثة، أو بين اتجاهين أساسيين وتروتسكي الذي اتخذ موقفاً ثالثاً هو معكوس الموقف الماركسي التقليدي، منطلقاً من أن الطبقة العاملة لا تحقق سوى الاشتراكية، وأن كل المهمات الأخرى السابقة لذلك تنجزها هي وهي تحقق الاشتراكية.
أما لينين فلم يتخلَ عن رؤيته سنة 1917، بل قال أن دكتاتورية العمال والفلاحين أصبحت من الماضي، وبالتالي يجب أن تستلم الطبقة العاملة السلطة، وهو ما نقده بليخانوف عليه منذ سنة 1905، لكن ليس لـ “تطبيق” الاشتراكية بل لتحقيق المهمات الديمقراطية: التصنيع والتحديث وحل مشكلة القوميات والإصلاح الزراعي وكهربة الريف والتعاونيات والتعليم. ولقد استند في هذا التحول إلى اختلاف ميزان القوى الطبقي بين 1905 و1917، وخصوصاً بعد وصول البرجوازية إلى السلطة في ثورة شباط سنة 1917. ولقد ظل يشدد على ضرورة تحقيق المهمات الديمقراطية إلى حين وفاته سنة 1924.
إذن، كما أن ستالين قلب التصور اللينيني معيداً إياه إلى تصور منشفي حول طابع الثورة، فعل تروتسكي الشيء ذاته لكن في الاتجاه الآخر، حيث قلب التصور اللينيني إلى ما كان يطرح هو: أي الاشتراكية. بمعنى أن ما أسسه لينين كتجاوز للاستقطاب بين الرأسمالية والاشتراكية، انطلاقاً من ضرورات الواقع، حينما طرح برنامج ديمقراطي بقيادة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، عاد ليتشكل من جديد على أنقاض تصوره.
ولهذا يمكن القول بأن التروتسكية ليست اللينينية “المنقحة”، بعد تراجع لينين عن تصوره، بل هي التروتسكية كما طرحت منذ سنة 1904-1906، وفي اختلاف مع لينين. حيث أن لينين لم يغيّر من رؤيته بأن تحقيق المهمات الديمقراطية أمر حاسم للوصول إلى الاشتراكية. وبالتالي فإن “تركيب” التروتسكية بالشكل المشار إليه هو من قبيل الاتكاء على لينين أكثر مما هو واقعي.
التروتسكية:
وبالتالي يمكن تلخيص التروتسكية في ثلاث شعارات: الثورة الاشتراكية والثورة الدائمة والأممية أو الحزب الأممي. ماذا يعني كل منها؟
لينين انطلق من “التحليل الملموس للواقع الملموس”، لهذا لحظ وضع روسيا الإقطاعي المتخلف، الذي رغم نشوء البروليتاريا إلا أن تطورها يعتمد على دور الفلاحين الذين كانوا يشكلون أغلبية ساحقة. كما أن روسيا تحتاج إلى أن تصبح صناعية وأن يتحدث التعليم والمجتمع عموماً. وكل ذلك أساسي قبل الحديث عن الاشتراكية، لأنه أساس تحقيق الاشتراكية. بينما اكتفى تروتسكي بوجود البروليتاريا، بغض النظر عن حجمها وفاعليتها. حيث أن مهماتها التاريخية هي تحقيق الاشتراكية. وهنا كان يتقاطع مع المناشفة (مع بليخانوف)، رغم أنه اتخذ الموقف المعاكس الأقصى.
إن تحديد طابع المرحلة (أو الثورة) يتأسس على الظروف الواقعية، ولا ينحكم لحلم ما. وإذا كان وجود الطبقة العاملة يطرح مسألة الاشتراكية، مادامت هي المعنية بتحقيقها، فإن تحديد طابع المرحلة يرتبط بجملة عناصر وليس بهذا الوجود فحسب. منها ميزان القوى الطبقي، وبالتالي حجم ووضع الطبقة العاملة في إطار الصراع الطبقي الواقعي. ومنها المهمات المطروحة، وهل أن إلغاء الملكية الخاصة هو الحل لها؟ وهل أن تحقيق الاشتراكية يعتمد على الاشتراكيين فقط، دون المجتمع؟ حيث أن لتطور الوعي المجتمعي دور أساسي هنا، وهو مرتبط بالتطور الاقتصادي العام، ليس بإرادة أفراد أو حتى طبقة. فحينما اعتبر ماركس وإنجلز أن إلغاء الملكية الخاصة هو حل للتناقض بين الطابع الاجتماعي للعمل والطابع الخاص لوسائل الإنتاج، كانا ينطلقان من أن انتصار الرأسمالية سوف يؤسس لتغيير عميق في الوعي والتكوين المجتمعيين، ولم يكتفيا بنشوء البروليتاريا. كانا يعتقدان بتحقق الحداثة. لهذا لم يميلا إلى إمكانية تحقق الاشتراكية في بلد متخلف (مثل روسيا. أنظر الرسائل المتبادلة مع فيرا زيليش) إلا بعد انتصار الاشتراكية في الدول الصناعية. وهذا الوضع هو الذي كان يجعل المناشفة يصرون على ضرورة انتصار الرأسمالية أولاً قبل الشروع في الانتقال إلى الاشتراكية. ولم يكن ذلك صدفة، أو نتيجة هوى، بل كان نتيجة رؤيتهم للظروف الواقعية تلك. لم يكونوا مخطئين في تقدير الوضع، حيث كانوا يشاهدون مجتمعاً ما قبل رأسمالي (إقطاعي)، في وضعه الاقتصادي، وفي العلاقات والوعي، وغلبة الريف، ونظام الحكم. ولقد كانوا محقين في ذلك لأن الوضع كان في غاية التخلف. كمن خطؤهم في تمسكهم بالحتمية التي كانت تفرض على الماركسية، والمحددة بأن تجاوز الإقطاع هو من مهمة البرجوازية وليس من مهمة أية طبقة أخرى غيرها، دون ملاحظة وضع الطبقات في روسيا، كانت مشكلتهم أنهم لم يروا بأن البرجوازية المتشكلة من رحم الإقطاع، أو بالتواشج معه، لم تعد معنية بأن تحقق ثورتها. تروتسكي لاحظ النصف الآخر، وهو المتعلق بعجز البرجوازية. لكن تحوّل البرجوازية عن هذا الدور لا يعني بأن المهمات التي يفرضها الواقع قد جرى تجاوزها، أو يمكن التقدم دون تحقيقها. كما أن نشوء البروليتاريا ليس شرطاً كافياً لتحقيق الاشتراكية، حيث أن المسألة متعلقة بالتكوين المجتمعي وميزان القوى بين الطبقات. وهذا ما أسس عليه لينين كل تصوّره المشار إليه سابقاً.
لهذا كانت الدعوة لتحقيق الاشتراكية “شطحة” لا يحتملها الواقع. وتسرعاً في التقدم دون رؤية ميزان القوى الواقعي، ومجمل الظروف التي تتحكم فيه. وهذه المسألة إلى الآن ليست ممكنة في الأمم التي لم تصبح أمماً صناعية بعد.
بخصوص الثورة الدائمة، فقد طرحها تروتسكي أولاً كصيغة للتحوّل الداخلي، حيث “إن الثورة، التي ستبدأ كثورة برجوازية فيما يخصّ مهامها الأولى، سوف تولّد صراعات طبقية عنيفة، وهي لن تحرز النصر الأخير إلاّ بعد أن ينتقل الحكم فيها إلى الطبقة الوحيدة القادرة على قيادة الجماهير المضطهدة، وهذه الطبقة هي البروليتاريا”. بمعنى انتقال الحكم إلى البرجوازية ومن ثم إلى البروليتاريا. وهي الصيرورة التي أشار إليها ماركس وإنجلز فيما يخص وضع ألمانيا، حيث تسيطر البرجوازية الصغيرة ومن ثم البروليتاريا، وهو ما أسمياه في حينها: الثورة الدائمة (رسالة العصبة).
لكن ” إن من مصلحتنا و من واجبنا أن نجعل الثورة دائمة, إلى أن تُطرد من السلطة كل الطبقات المالكة شيئا ما, و أن تستولي البروليتاريا على السلطة العامة, و إلى أن تحرز جمعية البروليتاريا, ليس فقط في بلد واحد بل في كل بلدان العالم الرئيسية, التقدم الكافي لإلغاء المزاحمة بين البروليتاريا في هذه البلدان, و تركيز قوى الإنتاج الحاسمة على الأقل بين أيديهم” (رسالة العصبة). وهو ما يبني تروتسكي عليه تصوره الآخر، أي: الثورة العالمية. حيث يجب أن تنتقل الثورة من بلد إلى آخر دون توقف. وبهذا تكون ثورة دائمة. ولقد تناقض مع ستالين حينما طرح هذا الأخير مفهوم “الاشتراكية في بلد واحد”، لأنه كان يرى أنه يجب أن تمتد الثورة إلى أوروبا، وأن مهمة البروليتاريا الروسية فعل ذلك، وليس التوقف عند استلام السلطة في روسيا. بينما كان يشير الوضع العالمي حينها أن الموجة الثورة قد انكسرت أو تكاد، رغم أنها تصاعدت بعدئذ ثم انكسرت كذلك.
هنا سنلمس بأن تروتسكي يرى الثورة مثل “النار في الهشيم”، تنتشر حالما تحدث في مكان ما. وهو هنا يتجاهل الوضع الخاص في كل بلد، وطبيعة الصراع الطبقي فيه، وأثر الحدود القومية. إنه لا يرى تفاوت التطور، وبالتالي تفاوت “ظروف الثورة”. رغم أن النمط الرأسمالي كان قد أصبح نمطاً عالمياً بمعنى ما. وهو عالمي، لكنه يحوي هذا التفاوت في التطور. دون أن نتجاهل بأن عالمية النمط يمكن أن تؤسس لنشوء تناقضات تطال أمماً عديدة. وبالتالي يمكن أن يشهد العالم ثورات متعددة في الوقت ذاته، يمكن أن ينتصر بعضها وينهزم الآخر. وبالتالي يمكن أن تتشكل موجات من المد الثوري كما حدث في أوروبا إبان ثورات سنة 1848 الديمقراطية، وأيضاً الثورات بعد الحرب العالمية الثانية في الصين والهند الصينية وكوريا. أو ثورات التحرر الوطني. لكن كل ذلك مثّل موجات سرعان ما تلاشت.
فالتاريخ موجات وليس إندفاعة مستمرة. حيث تتهيأ الظروف لقيام ثورات في مرحلة ما في العديد من الأمم، لكنها تصل إلى نهاية فتتوقف، لتعود من جديد بعد زمن. وهذا ما يجعل الثورة صيرورة متقطعة، ولهذا ليس من ثورة دائمة.
ثم أن التشكل القومي، ونشوء الدولة القومية (الدولة/الأمة) يفرض أن يرتبط الصراع في هذه الحدود، لهذا يتشكل الصراع الطبقي كصراع في إطار الحدود القومية. وهذه هي فكرة ماركس وإنجلز في “البيان الشيوعي”. وإذا كان يمكن التعاون بين الطبقات العاملة، كما يمكن التنسيق، فإن التشكل القومي يقف حجر عثرة أمام التدخل المباشر من سلطة (اشتراكية) لدعم البروليتاريا في أمم أخرى. وحدود العون ليس بقادرة، بالضرورة، على انتصار ثورات أخرى. إن تحقيق التغيير هو من فعل داخلي ينطلق من صراع الطبقات في الإطار القومي، لهذا لن يكون ممكناً انتقال الثورة إذا لم تكن الظروف الداخلية قادرة على ذلك.
بمعنى أنه إذا كانت الثورة الدائمة تعني التدخل المباشر من قبل الدولة الاشتراكية المنتصرة (وهذا ما لم ألمس أنه طرح من قبل تروتسكي أو التروتسكيين)، فهذا ما يعرّض الثورة المنتصرة للخطر الحقيقي. أما إذا كان مبدأ “النار في الهشيم” هو الملخص لهذه الرؤية، فإن هذا مرتبط بالظروف الواقعية في الأمم الأخرى، وليس بالإرادة والطموح. لهذا بدا شعار الثورة الدائمة كشعار مبهم ومربك، حيث يوحي أحياناً بضرورة التدخل، وأخرى بالامتداد “العفوي” للثورة.
إذن، ليس من ثورة دائمة. التاريخ يشهد موجات من المد الثوري فقط. هناك تقدم، وانكفاء، هناك توسع في المد الثوري، ثم هناك توقف. وهذه هي صيرورة التطور الثوري. وبالتالي ليس من الممكن إطلاق صفة الديمومة إلا بالمعنى المجرد، وهذا التجريد هو الذي جعل الثورة وهماً، وليس الثورة الدائمة فحسب. الثورة هي نتاج وضع ثوري، هو مؤقت، ولهذا هناك ثورة وهناك استقرار. والثوري من استطاع التقاط اللحظة الثورية تلك. وهي اللحظة التي يجب أن تبنى عليها الإستراتيجية الثورية. إذن، ليس من ثورة دائمة.
وإذا كان شعار الثورة الدائمة يشير إلى ضرورة توسيع الثورة عالمياً، فإن الرؤية التي حكمت تحقيق ذلك هي “الحزب الأممي”، الحزب العالمي ذو الفروع في البلدان المختلفة بغض النظر هل هي أمم أم فتات أمم. ورغم أن بغض الاتجاهات التروتسكية لا تغفل المسألة القومية فإن الصيغة العامة التي تشكلت عبرها التروتسكية أفضت إلى “التقليل من” أهمية المسألة القومية، والى تجاهلها في أحيان كثيرة. وكذلك إلى رفضها. وهو الأمر الذي جعل التروتسكيين لا يرون أهمية المسألة القومية في تطور الأمم في العديد من المناطق، منها الوطن العربي. فرغم أنهم يطرحون شعار الفيدرالية الاشتراكية، إلا أن هذه الفيدرالية هي لـ “الشرق الأوسط” ملغين الطابع القومي لهذه المنطقة، أحياناً تحت حجة وجود أقليات قومية. بتجاهل كامل لمسألة أن التطور في الوطن العربي لن يكون إلا في إطار حل المسألة القومية العربية وليس حل مسألة الأقليات فقط.
إن عالم اليوم لازال هو عالم أمم، ولكل أمة وضعها وظروفها ومشكلاتها، وليس من الممكن أن تناضل الطبقة العاملة إلا في إطار الأمة، ومن أجل تحقيق الأهداف العامة التي تسمح بتطور الأمة وصولاً إلى الاشتراكية. وهي هنا إذن قومية، أي تنشط ضد الرأسمال “القومي”، ومن أجل تطور الأمة وحداثتها، وبالتالي وحدتها. وهو الأمر الذي يجعل الماركسية هي أداة وعي الواقع من أجل تحديد هذه الإستراتيجية. وهذه هي مهمة الطبقة العاملة أولا، أما دورها الأممي فيتحقق عبر التفاعل والتنسيق مع الطبقات العاملة الأخرى لبناء توافقات عمل مشتركة ضد الرأسمال الإمبريالي.
وعلى أساس ذلك فالحزب الماركسي هو حزب “قومي” ابتداءً. لأنه نتاج الصراع الطبقي في الإطار القومي، وأمميته تتمظهر في ميله لتحقيق أقصى تنسيق مع الأحزاب الماركسية في العالم من أجل تنظيم النضال ضد الإمبريالية. وهذه المهمة لا تؤسس لضرورة نشوء حزب عالمي، لأنه حينها سوف يبقى معلقاً في ما هو عام (في العموميات) دون تلمس الظروف الواقعية في كل أمة، ودون أن يستطيع أن يعبر عن الطبقة العاملة في الصراع الطبقي القومي (أي في الإطار القومي). وبالتالي يكون كقشرة خارجية، وكلما انخرط في الصراع الطبقي القومي سوف يندفع نحو الابتعاد عن المركز الحزبي الأممي.

(5) ماو تسي تونغ والماوية:
رغم تمسكه بستالين كـ “صديق الشعب الصيني” فقد ظل لينينياً بعد أن عاد ستالين بليخانوفياً مبتذلاً. فقد اختلف منذ البدء مع الإستراتيجية الستالينية في الصين التي كانت تدفع الحزب الشيوعي إلى الالتحاق بالكومنتانج، الحزب البرجوازي الصيني. حيث رأى بأن على الحزب الشيوعي أن يقود النضال ضد الإقطاع، نافياً إمكانية أن يلعب الحزب البرجوازي الدور الذي يحقق تطور الصين وتحديثه. لقد أصرّ على أن القيادة هي للحزب الشيوعي، وأن على هذا الحزب أن يلعب دوره المستقل دون اضطرار للتبعية لحزب البرجوازية.
لكن، مع ضعف الطبقة العاملة، والدمار الذي أصابها بعد انتفاضاتها، لجأ إلى الريف لكي يقود الفلاحين الفقراء، ويؤسس منهم جيشاً قادراً على النصر.
انطلقت الإستراتيجية التي رسمها ماو تسي تونغ من أن الثورة البرجوازية بالمعنى القديم قد انتهت، وأن الثورة البرجوازية باتت لا تتحقق إلا بقيادة الطبقة العاملة والحزب الشيوعي. لكنه كان يرى بأن تحقيق هذه الثورة يفرض التحالف مع الفلاحين والبرجوازية الصغيرة، ومع البرجوازية الوطنية لكن بحذر. ولقد تصارع مع الكومنتانج الممثل للبرجوازية الكومبرادورية منذ أن تحوّل عن “مبادئ الشعب الثلاثة” (أي التحالف مع الاتحاد السوفيتي والتحالف مع الحزب الشيوعي، وتحقيق مصالح العمال والفلاحين)، واتبع سياسة تصفية الحزب الشيوعي والتحالف مع القوى الإمبريالية. لكنه تطرح التحالف معه في الحزب ضد اليابان حينما بدأت في احتلال أراضي الصين.
كان ينطلق من أن الفلاحين هم الأغلبية الساحقة من الشعب الصيني (حوالي 80%)، لهذا اتبع إستراتيجية بناء القواعد المسلحة في الريف، والزحف إلى المدينة التي كان يخترقها الحزب. وبهذا فقد تبلورت الماوية في ثلاث أسس هي: 1) قيادة الحزب الشيوعي لثورة هي ليست الاشتراكية بل الثورة الديمقراطية، و2) الحرب الشعبية كسياسة من أجل مواجهة الكومنتانج وخوض حرب التحرير من اليابان، و3) الجبهة المتحدة مع البرجوازية حين تفرض الضرورة ذلك، والتحالف مع الفلاحين والبرجوازية الصغيرة.
وإذا كان ماو تسي تونغ قد برع في صياغة الإستراتيجية والتكتيك، حيث درس وضع الطبقات، وحدَّد الطبقة الجذرية ومجمل الطبقات التي ستسهم في تحقيق الثورة الديمقراطية، وكذلك حدَّد شكل الصراع في وضع الصين، كونه يتمثل في خوض الحرب الشعبية، فقد قدّم إسهامات نظرية مهمة، ربما يمكن القول بأنها أضافت في الماركسية، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة التناقض، والعلاقة بين النظرية والممارسة.
في التناقض
هذا نص مهم، لأنه يبحث في مسألة التناقض. ولاشك في أن ماو تسي تونغ قد قدّم إضافات مهمة في هذا البحث، حيث أشار إلى لا أحادية التناقض، أي تعدد التناقضات، وميّز، من ثم، بين الرئيسي والثانوي فيها، كما أنه دخل في تفصيلات عن الطرف الرئيسي في كل تناقض، ومركز التعادي فيه، إضافة إلى إشارته إلى عمومية التناقض وخاصيته، والى الوحدة والصراع بين طرفي التناقض. وبالتالي فقد عمل على أن يجعل وعي الواقع أكثر شمولية، وعمقاً، لأن الواقع متعدد الصراعات نتيجة تعدد التناقضات. وبالتالي من الضروري فهم الرئيسي والثانوي فيها، وكيفية التعامل مع كل منها من أجل حسم التناقض الرئيسي.
لكن لا بد من التنبيه إلى أن التناقض هو “القانون الأول” في الجدل المادي وليس كل الجدل المادي كما بدا لدى قطاع من المعجبين بالنص. وإذا كانت هناك إشارات فيه تشير إلى قانون التراكم الكمي والتغير النوعي فقد بدا وكأنه ينفي وجود القانون الثالث الذي يضم هذين القانونين (التناقض والتراكم) ليحقق الانتقالة/ التركيب، وهو قانون نفي النفي. حيث ليس التناقض هو بين طرفين ينتصر أحدهما فتحلّ المسألة، وإلا لما كانت هناك صيرورة، حركة، في الواقع. وما من شك في أن تبسيط الجدل إلى “التناقض” فقط كان يفضي إلى تحويل الجدل كله إلى منطق صوري، إلى مفهوم الهوية الأرسطي الذي ينطلق ليس من تناقض ووحدة في التناقض بل من التعادي المطلق، التضاد، الذي يفرض تصوير الواقع في ثنائيات متعادية، والصراع هو من أجل تهشيم أحدهما. وهو المنطق الذي ساد لدى تيارات ماوية.
وبالتالي، حين يجري تناول التناقض يجب أن يكون واضحاً أننا إزاء أحد قوانين الجدل المادي، والذي لا يفعل وحده، بل عبر القانونين الآخرين، وبالتفاعل معهما، حيث لا يتفاقم التناقض بين طرفيه إلا عبر التراكم المتحقق في كل منهما، وإذا حسم لمصلحة السلب (النفي) فمن أجل إعادة صياغة مجمل التكوين المجتمعي في تركيب جديد.
وسنلحظ هنا بأن قسر الجدل على التناقض، أو إحلال التناقض محلّ مجمل الجدل، قد فرض على ماو تسي تونغ أن يُدخل القانونين الآخرين تحت عباءة التناقض، وأن يجهد في تفسير مسائل لم تكن لتستوعب تحت هذه العباءة. كما جعلته يفصّل في مسائل لم يكن الشرح يسعفه في توضيحها، مثل “الطرف الرئيسي في التناقض”، ومثل “مركز التعادي في التناقض”، الذي يبدو وكأنه يتعلق بالتراكم الكمي والتغير النوعي وليس بالتناقض كتناقض، أو يتعلق بالأشكال التي يتخذها التناقض في صيرورة التراكم فيه. وهو الأمر الذي أرهق البحث، وخلق تشوشاً حول التناقض ذاته.
وبالتالي، فلأنه اعتبر أن التناقض هو القانون الأساس (والوحيد) في الجدل المادي فقد دخل في متاهة، الأمر الذي فرض عليه “تحوير” القوانين الأخرى: التراكم ونفي النفي، عبر قولبتهما في إطار قانون التناقض. وهذا يتوضح في العديد من المواضع، حيث يعطي تسمية مشتقة من التناقض لعملية تتعلق بالتراكم الكمي والتغير النوعي، أو حتى بالنفي ونفي النفي.
إذن، يجب النظر إلى النص على أنه يتعلق بقانون من قوانين الجدل المادي، وليس بالجدل ذاته. وهو هنا يقدّم ما هو مفيد ومهم.
حول الماوية
هذا “التنافر” بين ماو وستالين كان يتهمش كلما تبلورت الماوية كماوية، ولهذا سنجد بأن تشكل الماوية أعاد الستالينية بشكل ما. أقصد بأن كل التراث الفلسفي الماوي كان يتهمش، أو كان –كما أشرنا للتو- يتحول الى منطق صوري (وهذا هو جوهر الستالينية النظري). وأصبحت تختصر الماوية في بضع “قوانين” هي الهادي في مختلف البلدان والظروف. بحيث أصبحت الحرب الشعبية هي شكل الصراع في كل الظروف، وأصبحت الجبهة المتحدة قانوناً مطلقاً. رغم أن الماويين قفزوا عن الطبيعة الديمقراطية للثورة، محددين أنها ثورة اشتراكية. وهو ما أوجد اختلاطاً كبيراً، وأبان عن سوء فهم فظيع، فكيف فما هي الحاجة لجبهة إذا كان المطلوب هو تحقيق الثورة الاشتراكية؟
ولقد أصبح تحديد ماو لوضع الصين بأنها بلد شبه إقطاعي شبه مستعمر هو قانون يشمل كل الأمم المخلفة. وهو الأساس الذي فرض التزام كل “القوانين” الأخرى (أي الجبهة والحرب الثورية والفلاحين).
والماوية بذلك أعادت صياغة “المنطق النصي” الذي ترعرع في الستالينية، وشطبت أهم ما في الماركسية، وأهم ما قدمه ماو: أي المفهوم الفلسفي (الجدل، التناقض). لقد أصبحت “روشيتة” مناسبة لكل وضع، وفي مختلف الظروف.
وإذا ما درسنا وضع الحركة الماوية سوف نجد أنها ترعرعت في البلدان ذات الطابع الفلاحي أكثر من أي بلدان أخرى، مثل النيبال والبيرو، وكولومبيا، ولم تصبح ذات شأن في البلدان ذات الطابع المديني الغالب. ربما لأن جل التحليل الماوي ارتبط بوضع الصين الفلاحي. وفي كل الأحوال هذا وضع ملفت ويستحق الانتباه.
لاشك في أن ماو تسي تونغ قد قدم حلولاً لمشكلات صينية، وهي في كل الأحوال تستحق الالتفات، لكن أهم ما قدمه هو إضافته “الفلسفية” التي كانت تغني الجدل المادي (مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات السابقة)، وبالتالي لا يجوز أن يجري تحويلها الى “أيديولوجية” أو “نظرية” أو “قوانين”، بل يجب وضعها في سياق الفهم الماركسي وربطها بالأساس المنهجي الذي توصل إليه ماركس، والذي أسهم لينين في توضيحه. أما الإستراتيجية التي اتبعها فليس من الممكن أن تكون أساس إستراتيجية في اي بلد آخر، وإن كان يمكن الإفادة منها، حيث أنه يجب البدء مما بدأ ماو به، أي تحليل وضع الصين، تحليل وضع الطبقات، وتحديد مصالح الطبقات، ومن ثم تحديد السياسة الضرورية من أجل تحقيق الثورة الديمقراطية، التي لازالت هي الطابع العام للثورات في الأمم المخلفة. وهنا يمكن القول بأن ما هو صحيح وحقيقي فيما طرح ماو (وقبله لينين) هو من يقود هذه الثورة، هل البرجوازية أو البروليتاريا؟ حيث هنا يتوضح الاختلال الماوي مع الستالينية، وقبله الاختلال اللينيني عن الستالينية. فالثورة لن تنتصر إلا إذا استطاع العمال والفلاحون الفقراء قيادتها (أو لعب الدور القيادي فيها)، عبر فاعليتهم ورؤيتهم السديدة التي توفرها الماركسية بما هي منهجية (وليس بما هي نصوص وأفكار هي نتاج تحليل واقع معين في زمن محدَّد). أما شكل الصراع ومسائل التحالف ودور مجمل الطبقات فيخضع للوضع العياني.

الفصل الثالث:
الإجابات حول الماركسية

ربما كان السؤال الأولي الذي يحتاج إلى مناقشة هو: ما الماركسية؟ رغم أنه يبدو كبديهية. فقد جرى اعتبار أنه مفهوم وواضح دون تمحيص، أو دون الحاجة إلى تمحيص، أو إلى التدقيق. لهذا كان من الضروري أن يُطرح من جديد، نتيجة هذه البديهية التي وُضع فيها. وهي البديهية التي تفرض تكرار طرحه، حيث أنها تفرض أن تواجه في صيغة صادمة لكي تنتهي كبديهية.
لقد كانت تعرّف الماركسية بشكل تقريري. وبالتالي كانت الإجابة غير المباشرة على هذا السؤال بسيطة، سهلة، وجازمة. وتراوحت بين التأكيد على أنها أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو أنها نظرية الثورة الاشتراكية، أو هي كذلك دكتاتورية البروليتاريا. وكان عدم ربطها بالطبقة العاملة والثورة الاشتراكية يشكك في ماركسية الذين يفعلون ذلك. حيث أن التأكيد على أنها أيديولوجيا الطبقة العاملة كان هو المحدِّد لماركسية الفرد لدى البعض،وربطها بالثورة الاشتراكية تحديداً هو المحدِّد لماركسية الفرد لدى بعض آخر. وبالتالي كانت الطبقة العاملة والثورة الاشتراكية هما أساس تحديد الماركسية، ودونهما تكون التحريفية، أو التخلي عن الماركسية.
لكن ما هي ماهيتها؟ حيث أن هذا التحديد يتجاوز ماهيتها بالتحديد، لأنها تعرّف بدلالة الآخر، الذي هو الطبقة العاملة، أو الثورة الاشتراكية، أو هما معاً. وبالتالي يجب تحديدها بدلالة ذاتها، وليس بدلالة آخر.
ولاشك في أن كونها أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو نظرية الثورة الاشتراكية، هو ما لاشك فيه بمعنى ما، لأنها تتضمنهما معاً. فهي في صيغة ما أيديولوجيا الطبقة العاملة، وهي في صيغة أخرى نظرية الثورة الاشتراكية. لكن قصرها على أن تكون أيديولوجيا الطبقة العاملة أو نظرية الثورة الاشتراكية فقط، فرض أ، تتحوّل إلى نص مسبق جاهز، أنجز مع ماركس (أو لينين، أو ستالين، أو تروتسكي، أو ماوتسي تونغ)، وبالتالي أصبح المطلوب هو تطبيقها. من هنا نشأت “نظرية”: النظرية والتطبيق، والتي قادت إلى تركيز البحث في هل أن الخلل هو في النظرية أو في التطبيق. وكان ذلك يتجاوز الظروف الموضوعية وتحوّلاتها (الصيرورة)، بحيث غدت تختلف عما كان في زمن ماركس حينما بلور تصوره عما يجب أن تكون علية أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو عما يجب أن تتحقق وفقه الثورة الاشتراكية. إن أيديولوجيا الطبقة العاملة تختلف من ظرف إلى ظرف، ومن زمن إلى آخر، لأن الأيديولوجيا هنا هي نتاج وعي الظروف الموضوعية، من أجل تحديد الأهداف الممكنة وفقها، وبالتالي طبيعة الحلم المستقبلي للطبقة العاملة الذي يمكن وحده أن يكون عاماً، وبالتالي واحداً. لهذا يكون من الضروري تحديد أيديولوجيا الطبقة العاملة في كل بلد، وفي كل ظرف، مما يجعلها ليست “ثابتة”، و”موحدة”، بل متغيرة وفق الظرف الموضوعي ذاته. وإذا كانت تتضمن إطارات عامة موحدة فإنها لا تتضمن أيديولوجيا واحدة.
وكذلك الوضع فيما يتعلق بنظرية الثورة الاشتراكية، التي هي خاضعة للظرف الموضوعي. الأمر الذي يجعل قولبتها في “قوانين” منافياً للواقع ومناقضاً له.
والمشكلة التي حكمت تحديد الماركسية في أنها أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو نظرية الثورة الاشتراكية، هي أنها غدت صيغة مكتملة، محددة مسبقاً، الأمر الذي فرض أن تكون مهمة الماركسيين هي تطبيقها دون الحاجة لوعي الواقع، وفهم الظرف الموضوعي، وتحديد الآليات الممكنة لتغييره. حيث تكرّس المنطق النصي وسادت الدوغما، وتكرّست في الواقع سياسة طفولية انطلقت من أن هدف الماركسيين هو انتصار الطبقة العاملة عبر تحقيق الثورة الاشتراكية، بغض النظر عن الواقع وممكناته.
هذه النتيجة كانت نتاج الانطلاق من نتائج بحث ماركس (لينين، ستالين، تروتسكي، أو ماو) لواقع محدد وفي زمن معين، وبلورته لتصورات حول أيديولوجيا الطبقة العاملة والثورة الاشتراكية. لكن كيف توصل ماركس إلى ذلك؟ كيف بلور أيديولوجيا الطبقة العاملة؟ أو نظرية الثورة الاشتراكية؟
إذا كان تحديد الماركسية بأنها أيديولوجيا الطبقة العاملة يشير إلى ربطها بمشروع سياسي بالأساس، وكذلك الأمر في تحديدها بأنها نظرية الثورة الاشتراكية، وبالتالي تحديدها بحلم الطبقة العاملة النهائي، المحدَّد في تحقيق الثورة الاشتراكية، فإن الأساس هنا هو البحث في الآليات التي أوصلت ماركس إلى هذا التحديد السياسي.
هنا يُطرح البحث في الماركسية كذات، كونها ذات، كماهية، وليس بدلالة الآخر. بمعنى أن البحث هنا يتحدَّد في الآليات التي أوصلت ماركس إلى بلورة “أيديولوجيا الطبقة العاملة”، أو “نظرية الثورة الاشتراكية”. وبالتالي نحن هنا إزاء “طريقة ماركس” التي أوصلته إلى مجمل تصوراته. هذه “الطريقة” هي جوهر الماركسية. والتي على ضوئها توصل إلى قوانين في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وأيضاً في الفكر. وحيث أصبحت كل هذه النتائج العلمية (العلمية فقط) جزءاً من الماركسية. لكن ليس بمعزل عن الطريقة، وإلا تحولت إلى نص مسبق يحدِّد الواقع.
أشير بالتالي إلى المستوى الفلسفي، الذي يمثّل المنهجية التي جاء بها ماركس، والتي أدت على ضوء بحثه في الواقع إلى القوانين التي توصل إليها في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والفكر، وبلورت المشروع السياسي للطبقة العاملة، و”نظرية الثورة الاشتراكية”، في عصره بالتحديد، وفي ظرف أوروبا خصوصاً. وبالتالي فإنها كذات تقع في حقل الفكر، أي التجريد النظري، لكنها لا تُستنفذ في ذلك لأنها تصيغ (من خلال البشر) تصوراً يعبر عن مصالح الطبقة العاملة، وبالتالي صيرورة التطور التي تحقق هذه المصالح.
وهذا المستوى يعيدنا إلى هيغل، والى علاقة ماركس به، وماذا أبقى منه بعد أن كسر القشرة الصوفية التي كانت تلف منظومته؟ كما يعيدنا إلى فيورباخ وكل الفلاسفة “الماديين”، وكيف قلب ماركس جدلية هيغل المثالية إلى جدلية مادية.
لهذا أشير عادة إلى أن الماركسية هي الجدل المادي بالأساس. وأقول بالأساس لأنها تتضمن منظومة من القوانين والمقولات التي إنبنت على أساسه. فهو الطريقة التي توصل إليها ماركس وأوصلته إلى مجمل القوانين والتصورات التي طرحها وناضل من أجلها. وهنا يتوضح بأن تراث الماركسية ليس هو الماركسية بالمعنى المنهجي، حيث أنها بالأساس الطريقة، ومن ثم منظومة من القوانين والمقولات والأفكار العلمية. الأمر الذي يخرج منها كثير من التصورات والأفكار والتحليلات التي طرحها ماركس أو إنجلز أو لينين، أو ستالين، أو تروتسكي، أو ماو، أو آخرين، لأنها كانت “بنت زمانها” ولم يعد لها من قيمة سوى أنها مؤشرات، وتراث يمكن أن تُستخلص منه الطريقة ذاتها.
لهذا فإن الجدل المادي هو وحده الذي يعيد صياغة “أيديولوجيا الطبقة العاملة”، و”نظرية الثورة الاشتراكية”، على ضوء الظرف الموضوعي ذاته. وبالتالي فإنهما متغيران بالتأكيد،  رغم التشابه والتقاطعات اللذين يمكن أن يوجدا في الظروف المختلفة، ورغم الاتفاق على الهدف العام الذي هو تحقيق الاشتراكية كمرحلة انتقال إلى الشيوعية. والجدل المادي هو الثابت في الماركسية، وهو أساس إعادة صياغتها بشكل مستمر، وفق الصيرورة الواقعية ذاتها.
وهذا السبب هو الذي يجعل التمسك بأن الماركسية هي أيديولوجيا الطبقة العاملة أو هي نظرية الثورة الاشتراكية، يقود إلى الدوغما، لأن ما صيغ في هذا المجال يتعلق بظرف وزمن محددين لا يمكن تعميمهما عالمياً. الأمر الذي يجعل التمسك بهما تمسكاً بنص مقدس تجاوزه الزمن. وبالتالي فإن وعي الواقع الجديد، وإعادة صياغة أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو نظرية الثورة الاشتراكية، يفرض امتلاك الآليات “الذهنية” (أو النظرية) التي أسسها ماركس وكانت أساس بلورته لتكل الأيديولوجيا والنظرية عبر وعيه لواقعه.
وقيمة المنهجية هنا (التي هي الجدل المادي) تتحدد في أن الواقع متغير، وبالتالي فهو يحتاج إلى إعادة قراءة مستمرة ووعي دائم، على ضوء ما هو ثابت، للوصول إلى استنتاجات في كل مرحلة وكل لحظة.
هذا الوضع هو الذي جعل “نظرية الثورة الاشتراكية” لدى ماركس مختلفة عنها لدى لينين، وجعل طبيعة المهام المباشرة لدى لينين مختلفة عنها لدى ماركس.
لقد بدأت الماركسية كتصور “فلسفي”، هو الجدل الذي استمده ماركس من هيغل، مع تحويل وجهته من الفكر إلى الواقع (بما فيه الفكر)، واعتبار أن الواقع هو مؤسس الأفكار وليس العكس. ورغم أن تبلوره لدى ماركس قد استمر عقوداً، إلا أن كل النتائج العلمية التي توصل إليها قامت على إتباعه الجدل المادي. وعبر ذلك توصل إلى قوانين علمية، واستنتاجات صائبة، هي جزء من الماركسية. وهي التي يجب العمل على تحديدها.
لهذا فإن أهم نقلة حققها ماركس، وأهم قطيعة أجراها مع الفكر السابق، كانت في مجال المنهجية، طريقة التفكير ذاتها. وهو هنا أسس لتجاوز منطق أرسطو لأول مرة، بعد أن ساد ما يقرب ألفي سنة. وإذا كانت منهجيات جزئية (مايكرو) قد تبلورت، فإن ماركس قد بلور منهجية عامة (ماكرو). كما هو منطق أرسطو. مع ملاحظة أن منطق أرسطو قد أصبح –منذ هيغل – هو الخطوة الأولى في منطق ماركس. وهو ما أسماه هيغل مستوى الفهم (الذي يليه مستوى العقل). وهذا كان من فعل هيغل قبل ماركس، فهو الذي صاغ المنطق الجدلي، لكن وضعه في قالب مثالي كما أشار ماركس، ينطلق من أولوية الفكر على الواقع، حيث أنه هو الذي يوجد الواقع. وبالتالي فماركس هو الذي أوقف منطق هيغل على قدميه، انطلاقاً من الواقع. هذا التحويل هو الذي أوجد مفاهيم جديدة أسهمت في فهم الصيرورة الواقعية. وهذا ما قاد إلى تبلور المشروع الاشتراكي، وقاد إلى ارتباط الماركسية بالطبقة العاملة.
من هنا يجب أن نحدد الماركسية كونها “ذات” أولاً. أي كونها طريقة في التفكير، وهذا مستوى فلسفي. الأمر الذي يفرض تحديد ماهية الجدل المادي، قبل تحديد المفاهيم والقوانين التي ولّدتها الماركسية. وهنا يجب العودة إلى تاريخ الفلسفة، وكل المقولات التي أنتجتها، لكن بالأساس يجب العودة إلى هيغل الذي بلور تاريخ الفلسفة، وتوصل إلى صياغة الجدل بقوانينه وآلياته ومقولاته. ومن ثم يمكن تحديد إضافة ماركس الذي انطلق من الواقع، حيث قسمه إلى أربعة مستويات: الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، والفكري (الوعي). لتتحدد آليات الجدل في هذه المستويات وما بينها.
ولقد أوصل البحث انطلاقاً من ذلك ماركس إلى التأكيد بأن الاقتصاد هو العنصر المحدِّد، لكن في إطار التفاعل في مجمل البنية. وبالتالي أن البنية التحتية (أي المستويين الاقتصادي والاجتماعي) هي محدِّدة البنية الفوقية (أي الدولة والوعي).
هذا الوضع يفرض، ليس تكرار نتائج ولدت في ظرف ومكان محدّدين، بل البحث في الواقع من أجل التوصل إلى استنتاجات جديدة (وإن كان بعضها مشابهاً لاستنتاجات سابقة، أو مخالفاً له). وهو الأمر الذي يجعل الماركسية كأيديولوجيا وكنظرية بحاجة إلى إعادة إنتاج مستمرة، وهي بالتالي ترفض الانغلاق والتحوّل إلى “عقيدة”، أو “دين”.
إذن، ما الجدل؟ وما هي المفهومات والقوانين الماركسية؟

خاتمة:
الماركسية

إذن،الماركسية هي منهجية، هي الجدل المادي. هذا أساس. رغم أنها تتضمن مجموعة من القوانين التي تبلورت مع ماركس، أو إنجلز، أو لينين، أو ماو أو آخرين. لكن ما يواجهنا هنا هو التحديد الصحيح لهذه القوانين، حيث أنها تُخضع عادة للأهواء الأيديولوجية، وبالتالي يتحول كثير من الأفكار التي نتجت عن محاولة لفهم وضع معين زمن ماركس أو إنجلز أو لينين، إلى قوانين. وبالتالي تتشوش الماركسية ذاتها. لهذا يجب أن ننطلق من أن الجدل المادي هو الأساس، الذي على ضوئه يمكن تحديد القوانين.
وهنا يجب أن نميز بين القانون والمفهوم والمصطلح، وكذلك الأفكار التي يمكن أن تتجاوز راهنيتها. وأن نضع القانون في حدوده، فلا يخرج عن سياقه فيتحول إلى قانون عام وهو يتعلق بمستوى محدد (المستوى الاقتصادي مثلاً، وهنا قانون فائض القيمة). أو خلط قانون يتعلق ببنية محددة ببنية أخرى.

بعد ذلك
الماركسية هي التي، وانطلاقاً من المنهجية، تُكوِّن أيديولوجية الطبقة العاملة، تؤسس أيديولوجية الطبقة العاملة. تصبح نظرية الطبقة العاملة. لكن الطبقة العاملة المحدَّدة في وضع معين وبلد محدَّد.

وهي، انطلاقاً من ذلك أيضاً، تكوّن الرؤية التي تبلور الثورة الاشتراكية. تصيغ نظرية الثورة الاشتراكية وفق كل ظرف وكل زمن.
وهي، انطلاقاً من ذلك، تبلور صيغة الدولة التي تتوافق مع مصلحة الطبقة العاملة، وتبلور آليات حكمها.
الماركسية أساساً، وفي البدء، منهجية في التفكير بصفتها “نظرية” تتعلق بالمجتمع (أي بالاقتصاد والبنى الاجتماعية والدولة والوعي). وهنا تتضمن تصورات ورؤى لطبيعة هذا المجتمع، كما تتضمن رؤى لآليات تغييره. وكذلك لكل أشكال الممارسة الضرورية لتحقيق هذا التغيير.
إنها منهجية تلتف حولها منظومة من المصطلحات والرموز والمفهومات والتحديدات والقوانين، هدفها وعي الواقع ووعي آليات تغييره، وصيغة النمط البديل. وهي، فيما عدا المصطلحات والرموز والمفهومات والقوانين، تنطلق مما يفرضه الواقع، مما يحدده الواقع. أي، وبالتحديد، من الواقع لتحديد آليات التغيير والأهداف وصولاً إلى النمط البديل.
وبالتالي فإذا كانت تتضمن ما هو مطلق، فهي تتضمن ما هو متغير. أو بالأساس تنطلق من التغير/ الحركة، التحول، الصيرورة، فهذه كلها في أساس الجدل المادي. فهو مادي لأنه ينطلق من الواقع، وهو جدل لأنه يقوم على التحول والتغير والصيرورة.

مقدمة

أثير نقاش متسرع حول الماركسية وحول علاقتها باللينينية، وبماهيتها، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. ولقد كان هذا النقاش مدخلاً لموقفين ليسا متناقضين رغم أن كل منهما يعتقد بأنه مضاد للآخر. الموقف الأول تأسس على رفض اللينينية، ومن ثم رفض الماركسية ككل، أو أقام علاقة واهية بها. لقد رفض الاشتراكية كلياً أو انطلاقاً من أنها مسألة لم تدرج في برنامج التاريخ بعد. لهذا انقلب لتأييد الرأسمالية، وخصوصاً الليبرالية في شكلها الجديد. ليصبح ضد التجربة الاشتراكية، وضد كل التدخلات التي تقوم بها الدولة في المجال الاقتصادي. والموقف الثاني الذي تأسس كذلك على رفض اللينينية، لكنه تمسك بماركس الذي يدعو إلى “التطور الرأسمالي” كونه ضرورة لا فكاك منها. وبهذا فقد رفض الاشتراكية وتعلق في حلم أن تنتصر البرجوازية دون أن يشير إلى إمكانية وجود برجوازية معنية بتحقيق الانتقال إلى الرأسمالية كمرحلة وكنمط.
ورغم أن الاختلاف بين الموقفين يتحدد في هل يفرض القول بضرورة الرأسمالية الالتحاق بالسياسات الإمبريالية، أو يمكن أن يتحقق على الضد منها؟ فإن الأساس الذي أنتج هذين الموقفين هو الطبيعة المشتركة لفهم الماركسية، هذا الفهم الذي نهل من “الماركسية السوفييتية” على العموم. والذي كان يقرر بأن التطور هو للرأسمالية في كل المجتمعات التي لم تصبح رأسمالية بالمعنى الكامل (أي بمعنى نشوء نمط رأسمالي قائم على الصناعة كوسيلة إنتاج) ولانتظار تعفن الرأسمالية في البلدان الرأسمالية ذاتها. وحيث فهمت الماركسية كـ “بضع” كقوانين وتكتيكات ومفاهيم، ولم تُستوعب كمنهجية: هي الجدل المادي.
هنا سوف نعطي صورة لتطور الماركسية بعد ماركس/إنجلز، خصوصاً فيما يتعلق بآفاق التطور والانتقال من الطابع “ما قبل رأسمالي” إلى الاشتراكية، مروراً بتحقيق المهمات الديمقراطية. وهي صورة ملخصة، لكنها توضح طبيعة الصراعات في الماركسية، والمواقف من مسألة التطور بالخصوص. ثم نطرح السؤال: ما الماركسية؟ حيث سوف نلمس بأن إعادة صياغة الرؤية الماركسية تفترض البدء من الأساس، والأساس في الماركسية هو المنهجية وليس أي شيء آخر. رغم أن المنهجية ذاتها تستجلب كل القوانين التي تبلورت منذ ماركس، وتحدِّد جملة ميول الماركسية الأخرى، أي تلك المتعلقة بكون الماركسية تصيغ الرؤية (أو الأيديولوجيا) المعبرة عن الطبقة العاملة، وتفترض حتماً أنها تسعى لأن تحقق الاشتراكية. لكن دون المنهجية سوف تصبح الرؤية المبلورة في زمن ماركس/إنجلز، أو لينين هي الرؤية الراهنة، رغم كل التحولات التي جرت في الواقع، وكل العناصر الجديدة التي تولدت فيه.
لهذا كان من الضروري البحث في ماهيتها، وفي تسميتها، ولماذا يجب أن تسمى ماركسية رغم أن ذلك يشير إلى شخص. ولماذا لا تسمى ماركسية لينينية رغم أهمية لينين فيها. وبالتالي هل هي “نظرية الثورة الاشتراكية”، أو “أيديولوجيا الطبقة العاملة”؟
هل نستطيع الإجابة على هذه الأسئلة؟ يجب أن نفعل ذلك، لأنه المدخل لتحديد طبيعة الماركسية وحدودها.

الفصل الأول:
ماركس والماركسية
بصدد تسمية الاتجاه الفكري الذي بدأ مع ماركس وطبيعته

تسمية الماركسية (أو الاشتراكية أو الشيوعية) تضمّنت إشكالية عميقة، تمثّلت في فهم متناقض لهذا الاتجاه الذي بدأ مع ماركس/إنجلز. حيث حملت التسمية معنى أن الماركسية هي كلّ ما كتب ماركس (وإنجلز، ولينين، وآخرين). أي معنى أنها تراث ماركس/إنجلز بغضّ النظر عن صحة ودقة أو راهنية كلّ ما جاء فيه. الأمر الذي قلب الماركسية إلى منطق نصّيّ، و إلى نصّ مقدّس، ليس من الممكن التشكيك في فكرة أو تصوّر أو قانون فيه، لأنه من نتاج ماركس أو إنجلز أو لينين. وهذا النظر إلى الماركسية كان في أساس المنطق النصي المتوارث، الذي جاء الفكر البرجوازي، ثم الماركسية لكي يتجاوزانه، سواء من خلال المذهب الوضعي (مع البرجوازية) الذي هو نقيض المنطق الصوري، أو من خلال الجدل المادي (مع ماركس) الذي هو تضمين و تجاوز للمنطق الصوريّ ذاته. ذاك المنطق النصي الذي يقوم على الانطلاق من أفكار مطلقة الصحة هي التي يجب أن تحدد الواقع، وأن علينا وعي الواقع فقط عبرها، الأمر الذي لا يقود إلى وعي الواقع بل إلى إعادة إنتاج الأفكار ذاتها رغم اختلاف الواقع.
وهذا التحديد الذي ينطلق من الجدل المادي هو المعنى الآخر للماركسية، المختلف عن المعنى السابق و المتناقض معه كذلك. رغم أن الماركسية تضمّ إضافة إلى ذلك عدداً من القوانين و المفهومات التي توصّل ماركس إليها (مثل قوانين فضل القيمة، نمط الإنتاج، ميل معدّل الربح إلى الانخفاض، البنية التحتية و البنية الفوقية، الاقتصاد كمحدد في التحليل الأخير….)، أو استعارها من التراث الفكري الأوروبي (الصراع الطبقي، الاشتراكية، الجدل، المادية )، والتي يمكن أن يكون بعضها مجال نزاع و اختلاف، لأنها ليست محدّدة بشكل نهائي، الأمر الذي يشير إلى عدم اكتمال البحث فيها من أجل تأكيدها أو نفيها.
وبالتالي غدت الماركسية هي الاسم (أو الترميز) لتيار عريض يدّعي الانتماء إلى فكر ماركس، بغضّ النظر عن دقة هذا الادعاء و صحته. إنها التسمية لتيار فكريّ سياسيّ طبقيّ إتخذ من اسم مفتتح حقله اسماً له، وبالتالي فهو اسم تعريف بانتماء، بغضّ النظر عن مطابقة أو عدم مطابقة هذا الانتماء لـ “روح” فكر ماركس. ولقد أصبح هذا الاسم هو التعريف لهذا التيار. و بهذا فقد حمل وزر تجارب الأحزاب الاشتراكية و الشيوعية التي قامت على تحديد انتمائها بالماركسية.
بمعنى أن هذا التعبير بات يحمل أوّلاً، وزر تجربة طويلة بكلّ ما فيها من مشكلات، وأيضاً من خبرات و منجزات. كما أنه يحمل وزر سياسات قادت إلى الفشل في تحقيق التطوّر.
لكن إذا حاولنا أن “نتخلّص” من هذا الوزر، فهل نبقى ماركسيين؟ بمعنى، هل أن التخلّي عن الترميز/الاسم (أي الماركسية) يسهم في رمي هذا الوزر و التخلّص من كلّ مشكلات الممارسة التي قامت تحت عباءته؟
ولكن ماذا نسمّي ذاك التيار الفكري السياسي الطبقي؟ إن التزام منهجية ورؤية يفرضان تسمية الاتجاه الذي يعبّر عنهما. ولقد كان الترميز بماركس هو المعبّر عن ذلك. فهل يمكن لنا أن نرمّز بتعبير آخر؟ هل تكفي الإشارة إلى الجدل المادي للتعريف بهذا التيار؟ ربما، لكن ذلك سيشير إلى أن التفافاً على التعريف الأساسي يجري هنا، لأن الجدل المادي هو الماركسية. ويمكن أن يشار إلى المنهج العلمي، لكن ذلك يفتح على التباس كبير، لأن العلمية يمكن أن ترتبط بما يسمّى الماركسية، حيث أن الجدل المادي هو منهجية علمية. لكن ذلك يمكن أن يفتح على أوهام تسمّى: علم، أو على مناهج جزئية علمية، هي متضمّنة في المنهجية الماركسية كونها منهجية كلّية، وهو الأمر الذي يجعلها منهجية علمية. ولقد حاول إنجلز أن يسميه: الاشتراكية العلمية، لكن تسميته لم تنجح على كل حال.
وربما يُطلق على هذا التيار أيّ اسم/رمز، لكن ذلك يفرض القول بأن مفتتح هذا الحقل هو ماركس. الأمر الذي يعيد التذكير بالاسم/الرمز الحالي: أي الماركسية، ويشي بـ ” خجل” ما من إعلان الانتماء لهذا التيار.
بمعنى أن كلّ تعبير لا يحمل الاسم ذاته سوف يُعتبر التفافاً غير مقبول، لأنه يشير إلى تبني خجول. ولهذا يمكن ملاحظة المسائل الثلاث التالية:
أ) إن هذا التعبير (الماركسية) بات يحمل تراكماً طويلاً، نتيجة الدور الذي لعبه طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ورغم أنه بات يحمل الكثير من المشكلات و أخطاء التجربة، إلا أنه يحمل الكثير من الخبرات و الأفكار الصحيحة. الأمر الذي جعل التعبير راسخاً، ربما أكثر من تعبير الاشتراكية أو الشيوعية حينما إتخذ تسمية سياسية تشير إلى هدف سياسي مجتمعي. و عادة ما تبرز صورة ماركس مرفقة بإسمه.
هذا التراث سوف يجعل أيّ تعبير جديد يخضع لمقارنة معه، وبالتالي التأكيد على إشارة صريحة أو القول بميل للالتفاف و التمويه، مما يشكك بالذين يفعلون ذلك (أي الذي يطرحون ماركسية ملتبسة)، حيث سيكون هذا التراث هو المؤشّر في كلّ الأحوال.
لقد أصبح هذا التراث معروفاً و محدّداً، و فرض ذلك إما تبنيه أو القول بأفكار أخرى تعبّر عن تيار فكريّ آخر.
بـ) وهذا التعبير يحمل تراثاً فكرياً كبيراً. ورغم تنوّعه و تناقضه، إلا أنه أساس تأسيس الوعي بهذا التيار. حيث أن معرفة الماركسية تفرض دراسة أفكار كلّ الذين أنتجوا انطلاقاً منها، أو عرّفوا أنفسهم بأنهم كذلك. وبالتالي فإن تأسيس الوعي بالماركسية يفرض التثقيف بأفكار هؤلاء الماركسيين.
لكن هذا الاختلاط الذي يتضمّنه هذا التيار العريض يفرض السؤال: ما الماركسية؟ للتمييز بين التحليل و المبادئ. و بين المواقف و المفاهيم و المنظومات. وهذه مشكلة يعانيها كلّ فكر، وليس الماركسية وحدها، خصوصاً حينما تتضمّن تراكماً فكرياً هائلاً.
جـ) و سؤال: ما الماركسية؟ يجعل التأكيد على اسم ماركس مسألة حاسمة. فماركس هو المؤسس الحقيقي لهذا التيار، لأنه هو الذي أوجد ما هو مركزيّ في الماركسية، الذي هو منهجيتها، أي الجدل المادي، والذي على ضوئه توصّل إلى بلورة تصوّرات و التوصّل إلى قوانين، و كذلك دمج جملة مفاهيم و تصوّرات كانت موجودة قبل ماركس في منظومة متماسكة.
هذه النقلة النوعية هي التي جعلت هذا التيار يستحق اسم ماركس، فهو مدين له. لقد كان مفهوم صراع الطبقات مكتشفاً قبل ماركس. كما كانت الميول و الأفكار الاشتراكية متواجدة. و أيضاً كان التحليل الاقتصادي قد تبلور مع آدم سميث وديفيد ريكاردو. والفهم المادي الذي جاء مع ثلّة من الفلاسفة الفرنسيين، لكنه توضّح مع فيورباخ. وهكذا مفاهيم الديمقراطية و التنوير. لكن بالأساس مفهوم الجدل الذي كان قد تبلور كمنطق يتجاوز منطق أرسطو، من خلال العمل الفلسفي الكبير الذي قام هيغل به. و كثير من الأفكار التي باتت جزءاً عضوياً في الماركسية، لكن بعد أن جرت صياغتها على ضوء الجدل المادي، فأنتجت قوانين و مفهومات و تصوّرات جديدة.
وبالتالي فقد بلور ماركس المنهجية الجديدة، التي كانت في أساس تشكّل التيار الجديد. ولقد فعل ماركس ذلك مستنداً إلى جدل هيغل، و متكئً على مادية فيورباخ، منتجاً منهجية جديدة هي وحدها التي استطاعت تجاوز منهجية أرسطو (منطق أرسطو)، التي أصبحت جزءاً أوّلياً في المنهجية الجديدة. فالمنطق الصوري (الذي هو منطق أرسطو) هو الخطوة البحثية الأولى في إطار فاعلية الجدل المادي، مهمته التحديد الساكن للأشكال، كمبتدأ لعملية مركبة تقوم على مبادئ الجدل المادي.
وتبلور هذه المنهجية هو الذي سمح بوعي الصراع الطبقي و فهم الاقتصاد بطريقة جديدة. وسمح بتوظيف كلّ المفاهيم و التصوّرات و الأفكار التي أنتجها فكر عصر التنوير في منظومة متكاملة (لكن مفتوحة) ومتماسكة.
وهذا الإنجاز هو الذي جعل هذا التيار يتسمّى باسم ماركس، الذي وضع “حجر الزاوية” فيه كما أشار لينين.
هذا التحديد لمعنى الماركسية يفرض تسميتها ماركسية و ليس أيّ شيء آخر، خصوصاًً في مواجهة “الماركسية اللينينية”، أي تلك “الماركسية” التي تبلورت مع ستالين، والتي يمكن التحديد بأنها هي الماركسية السوفييتية كونها كانت نتاج مصالح الفئات التي حكمت السلطة الاشتراكية في الإتحاد السوفييتي. أو تلك التي تبلورت مع تروتسكي في الصراع مع الستالينية على تراث لينين، والتي صاغت الماركسية بما يوافق وجهة نظر تروتسكي، وبمعزل عن الجدل المادي ذاته. أو أيضاً تلك التي صيغت مع الماوية التي أسست لوعي صحيح في البداية لكنها عادت لتحويل “الماركسية اللينينية” إلى مبتسرات لماو تسي تونغ عوملت بنصية مفرطة.
فقد مثّلت “الماركسية اللينينية” ليس إضافة منجزات لينين إلى منجزات ماركس (وإنجلز)، بل مثّلت إنكفاءة في الماركسية، و باتت مفارقة للينين كما لماركس، خصوصاً في المنجز المركزي لماركس الذي شدّد لينين على جوهريته، أي المنهجية. حيث أعيد إنتاج المنطق الصوري و حلّ محلّ الجدل المادي من جديد، الأمر الذي حوّل “الماركسية اللينينية” إلى نصّ مقدّس، جرى اختياره من قِبل ستالين أوّلاً، ثم من قِبل”علماء” و “مفكرون” سوفييت، من تراث ماركس/ إنجلز و لينين، بشكل انتقائي، ووُضع في منظومة جديدة مخالفة لمنظومة ماركس، كما لمنظومة لينين. وأصبحت المفاهيم الماركسية، والقوانين، مفرغة من مضمونها، وتتردّد ككلمات في المنظومة الجديدة. و يمكن القول هنا أن الشكل (الكلمات) هو الذي طغى، وبالتالي قاد إلى انتصار المنطق النصّي (الصوري)، فمات المضمون الذي هو بالأساس المنهجية و ليس منتوجها (أي القوانين و التحليلات و المواقف). وبالتالي جرى تجاهل ماهية الماركسية. ولقد تحكّم المنطق الشكلي (الصوري) في تحديد ماهية الماركسية، الأمر الذي حوّلها إلى كلمات وُضعت في منظومة أخرى مخالفة، منظومة نصية تعتمد النص كمقياس للواقع، كمقياس لتحديد الواقع.
هنا أصبح تعبير الماركسية يعني القطع مع “الماركسية اللينينية” بالمعنى المشار إليه أعلاه، دون القطع مع لينين بأي شكل من الأشكال. وبالتالي فإن التأكيد على تعبير الماركسية يتضمّن نفي الماركسية الرائجة (التي هي الماركسية اللينينية، أو الماركسية السوفييتية، والماركسية اللينينية بتلاوينها المختلفة)، والعودة إلى ماركس مؤسّس الجدل المادي، من أجل إعادة بناء التصوّرات، وفهم الواقع انطلاقاً منه، وليس انطلاقاً من “النصّ المقدّس” الذي يقدّم إجابات سابقة على البحث ووعي الواقع، بدل أن يكون المنهج المادي الجدلي هو الأساس في وعي الواقع من أجل الوصول إلى إجابات. وأيضاً هي عودة إلى لينين الذي مسك الحلقة المركزية في الماركسية التي هي الجدل المادي، ووعى الواقع الروسي والعالمي انطلاقاً منها، فأنتج تصوّرات جديدة باتت أساسية في الماركسية.
بمعنى أن التخلّص من تعبير “الماركسية اللينينية” هو تخلّص من إرث فكريّ غير ماركسيّ بشكل من الأشكال، وتخلّص من منهجية صورية نصّية لمصلحة منهجية علمية هي الجدل المادي. تخلص من “عقلية” نصية صاغت الماركسية وقولبتها في “قوانين” لكي تحكم الواقع، لكي تحدد الواقع، وعودة إلى الماركسية بما هي أولاً وبالأساس منهجية بحث في الواقع هي الجدل المادي.
انطلاقاً من كلّ ذلك، من الضروري تحديد التسمية بالماركسية. حيث أن تبني الماركسية دون الإشارة إلى اسمها هو أمر مربك و غير علمي، لأن الماركسية هي شكل ومضمون. ورغم ضرورة التركيز على المضمون، إلا أن الشكل مترابط معه، وأيّ فصل سوف يشير إلى مراوغة، أو يشكّك في التبني، أو يظهر الشعور بالتخوّف، وبالتالي يضعف هذا التبني، ويشكّك فيه. إضافة إلى أنه سوف يفرض تجاهل الثقافة الماركسية و التراث الماركسي مما لا يسمح بتأسيس مناضلين ماركسيين. بمعنى أن ذلك يفقد الماركسية تراثها الغني، الذي هو الأساس في وعي الماركسية، ووعي تاريخها.
ولاشكّ في أن الفصل بين الشكل و المضمون يؤدي إلى القطع مع الماركسية، أو مع تراثها (وبالتالي معها)، حيث أن غنى التراث الماركسي، وغنى التجربة الاشتراكية هما جزء من الماركسية ذاتها، وهما أساسيان في تطوّرها، عبر دراسة الأفكار المنتجة من كلّ الذين انتموا إليها، وبالتالي نقدها من أجل صياغة أفكار أكثر علمية، كما عبر دراسة التجربة الاشتراكية التي هي جوهرية في إعادة صياغة الرؤية الماركسية لكثير من الأفكار، مثل مفهوم الدولة، وموقع الديمقراطية في بنيتها، ومعنى الاشتراكية الذي تحدّد مع ماركس، و الذي بات موضع شكّ على ضوء التجربة الاشتراكية ذاتها. و كذلك إعادة صياغة مفاهيم مثل دور الحزب الماركسي وعلاقته بالطبقات و بالسلطة، وكثير من المسائل الأخرى.
وبالتالي فإن تطوير الماركسية يرتبط بنقدها لتاريخها، وبالأساس في اعترافها بتاريخيتها وبتاريخها، من أجل نقده والتمييز فيه بين ما يمكن أن يدخل في منظومة متماسكة، وما يجب أن يُهمل أو يرفض. وهذه العملية تشمل تراث ماركس كما كلّ الماركسيين الآخرين (إنجلز ولينين، وبليخانوف وكاوتسكي وبيرنشتاين، وستالين وماوتسي تونغ وتروتسكي، وغرامشي ولوكاش، وكلّ الآخرين). كما تاريخ الحركة الماركسية منذ أن تأسست عصبة الشيوعيين سنة 1847، والأممية الأولى و الثانية و الثالثة و الرابعة ( التروتسكية) و الخامسة (الماوية)، وكلّ الخارجين عنها.
ومن أجل إعادة تأسيس المنظومة يجب التأكيد أوّلا على أولوية الجدل المادي ومركزيته، وبالتالي من خلاله يمكن نقد التراث الماركسي، وإعادة صياغة المنظومة، بالتفاعل مع مشكلات التجربة والممارسة، كما مع منجزات العلم وكذلك الفكر البرجوازي. وأيضاً بالترابط مع دراسة الواقع القائم بتاريخيته وممكناته المستقبلية.
هذه العملية النظرية أساسية من أجل وعي الماركسية ووعي الواقع معاً. وبالتالي لتحديد صيرورات المستقبل عبر تحديد المهمات الواقعية التي تفضي إلى تأسيس البديل المجتمعي.
إذن، الماركسية هي الماركسية، ولا يجب أن نقفز عن الترميز الذي إرتبط بها (رغم أنه يشير إلى شخص). فالمشكلة هي في مكان آخر، هو فهمها. حيث أن هذه المسألة هي التي يجب أن تلفت الانتباه، وأن تفتح على نقاشات جادة. حينئذ يمكن أن نحدّد ماهية الماركسية وفاعليتها، وبالتالي دورها.
على ضوء ذلك يمكن النظر إلى كل الملاحظات التي تطرح في هذا المجال. لقد كانت مشكلة التسمية جزءاً من مشكلة الماركسية ذاتها، وتنوعت بتنوع التناقضات التي كانت تخترقها. وبالتالي في تحديد ماهية الماركسية. بعض الخلافات تركزت على الأسماء “المرجعية” التي يجري الاستناد إليها بعد ماركس: هل لينين أو تروتسكي أو ستالين أو ماو؟ ولقد تسمت في كل هذه الحالات بالماركسية اللينينية. وبعض الخلافات تركزت على تحديد ماهيتها: هل هي دكتاتورية البروليتاريا أم هي أيديولوجيا الطبقة العاملة أم أنها نظرية الثورة الاشتراكية؟ والبعض حاول الانطلاق من السياسي فأسماها: الاشتراكية أو الشيوعية. وآخرون انطلقوا من الفلسفي فأسموها: المنهج الماركسي أو المنهج العلمي.
وبالتالي فإن المشكلة تتمثل في أن هذا التيار لم يستطع إلى الآن أن يتخذ اسماً محدداً. ربما كان الاستخدام السيئ للأسماء التي أطلقت عليه هو الذي قاد إلى ذلك. فقد أوضح ماركس إلى أنه لم يستخدم كلمة اشتراكي في عنوان البيان الشيوعي لأن الاسم كان قد إبتُذل، لهذا استخدم كلمة الشيوعي. لكن انتشر تعبير الماركسية على التيار الفكري الذي بدأ مع ماركس، وظل يستخدم كذلك (أو تضاف إليه اللينينية، أو الماوية أو التروتسكية)، وظلت الأحزاب التي تنتمي إليه تسمى: اشتراكية أو شيوعية، أو تشير إلى العمال. وما يدفع لأن يُستخدم تعبير الماركسية اليوم هو ليس الارتباط بماركس ولا حصراً للماركسية به، وليس من معنى مما هو متداول للماركسية يقوم على حصرها بماركس. فهي التراث الماركسي. والتسمية بماركس نبعت من أن أية تسمية أخرى لم تنجح (لا الاشتراكية العلمية التي اقترحها إنجلز ولا الشيوعية التي راجت مع الموجة السوفييتية)، ولكن أيضاً لأن ربطها بماركس هو ربط لها بما أضافه ماركس لتأسيس تيار جديد، ولافتتاحه حقل جديد، وأقصد هنا المنهجية التي بلورها ماركس (الجدل المادي) التي كانت في أساس تشكل الماركسية، وليس من منتوج ماركسي (أو اشتراكي أو شيوعي) إلا انطلاقاً منها. وبالتالي فالماركسي هو الذي يستخدم المنهجية الماركسية للوصول إلى الحقيقة. ولهذا حتى حينما يتسمى الشخص بالاشتراكي أو الشيوعي يجب أن يكون واضحاً أنه يلتزم المنهجية الماركسية، وإلا لم يعد ماركسياً، ولا اشتراكياً بالمعنى الماركسي ولا شيوعياً بذات المعنى. والسبب الثالث في تسمية التيار بالماركسي هو تكريم ماركس الذي فتح أفقاً واسعاً لرؤية ومنهجية جديدتين. وليس في ذلك أي إدعاء بأن ماركس قد بحث في كل المسائل، وأنه أفتى فيها جميعاً، على العكس من ذلك فالمنهجية الماركسية تنطلق من أن العالم متغير وبالتالي فهو يحتاج إلى بحث مستمر دون توقف. لهذا الماركسية لا تعني تراث ماركس فقط بل تراث كل من اتبعوا منهجيته، وليس كل من أسموا أنفسهم اشتراكيين دون إتباع تلك المنهجية.
المشكلة التي تفرض التأكيد على تعبير الماركسية هي أن تعبير الشيوعية عنى ما إعتبر أنه محمل على تعبير الماركسية، أي النصية. ولهذا أصبح يعني (إلى الآن على الأقل) التجربة السوفييتية و”الماركسية” التي عممتها. الأمر الذي فرض –من أجل إزالة الالتباس- أن نبتعد ولو إلى حين عن استخدامه إلى أن تعاد صياغة التيار الماركسي. وبالتالي يمكن أن يتسمى الحزب به، أي أن يسمى شيوعياً. إذن عدم استخدام تعبير الشيوعية نابع من الالتباس الذي لحق به إلى أن يزول. والأمر مشابه بالنسبة لتعبير الاشتراكي، حيث أن هذا التعبير ملتبس لأنه يخص تيارات ليس غير ماركسية فقط، بل لا تعبر عن الطبقة العاملة، مثل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، والأحزاب القومية. وهي ما تسمى عادة باشتراكية البرجوازية الصغيرة. وهي ليست اشتراكية إلا اسماً، لكنها في الواقع تفتح الأفق للرأسمالية (وهذا ما شهدناه في تجاربنا العربية). الأمر الذي يجعلنا نتجاوز استخدام التعبير خشية الالتباس وعدم التمييز. بمعنى أنه يجب أن يكون واضحاً أننا نطرح اشتراكية الطبقة العاملة وليس اشتراكية البرجوازية الصغيرة. وبالتالي نطرح اشتراكية الماركسية.
هل القوى الاشتراكية أو الشيوعية أوسع من الماركسية؟ نعم إذا اعتبرنا القوى الاشتراكية غير الماركسية قوى اشتراكية، حيث ليس مهماً ما يقوله الإنسان عن ذاته المهم ما هو في الواقع كما أشار ماركس. وبالتالي ما يهمنا هو القوى الاشتراكية الماركسية فقط، التي تعبر عن مشروع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء الاشتراكي. لكن يجب أن نكشف لا اشتراكية البرجوازية الصغيرة لا أن نُضمِّنها التيار الاشتراكي، إلا إذا انطلقنا من الأشكال وليس من الجوهر، وهنا لا نعود ماديين جدليين، أي ماركسيين. وهي بالتأكيد تتناقض مع أساسيات الماركسية لهذا هي لا تتسمى ماركسية.
المسألة هنا أن الماركسية هي أوسع من ماركس حتماً، وإلا لم تعد ماركسية، أي لم تعد تنطلق من الجدل المادي الذي هو أس الماركسية. وبالتالي فهي تتضمن تراث كثير من الماركسيين الذين عاصروا ماركس أو أتوا بعده، ليس إنجلز ولينين، وربما ستالين وتروتسكي، وماو فقط بل رتل كبير من الماركسيين المتوافقين والمختلفين. وضم كل هؤلاء إلى هذا التيار لا يتناقض مع تسميته ماركسياً، ولقد أوضحت سبب ذلك للتو. وكذلك هذا لا يعني أن كل هؤلاء متوافقين تماماً مع كل ما جاء به ماركس، لا. فلدى ماركس أخطاء في التحليل والاستنتاجات في العديد من القضايا، ولدى هؤلاء أخطاء كذلك، ولدينا نحن أخطاء أيضاً. المفصل الأساس هو المنهجية، وليس الموقف الأممي، أو التحليل الاقتصادي،أو مفهوم صراع الطبقات …. الخ، رغم أن هذه كلها متضمنة في الماركسية. لهذا فهو تيار واسع وليس فرد. لكن الفرد هو المفصل، الشخص الذي وضع حجر الزاوية. وبالتالي للربط مع المفصل، وللانطلاق من حجر الزاوية نتسمى ماركسيين، انطلاقاً من أن الماركسية هي منهجية بالأساس هي الجدل المادي. صحيح أن المهم، بالتالي، هو التحليل المادي التاريخي (المادي الجدلي الذي يتضمن حكماً التاريخية)، وهذا ما يشير إلى الماركسية، ويشطب الاشتراكية القومية (البرجوازية الصغيرة) والشيوعية التي تعممت مع “الماركسية السوفييتية”.
وهنا، النقاش حول اشتراكية القوميين مهم لأنه يميز معنى الاشتراكية الماركسية، ويفضح بعض الميول المساواتية التي تسمي ذاتها اشتراكية. وهذه هي قيمة الفصل الأخير من البيان الشيوعي أصلاً، وليس التفاصيل التي جاء بها، أو القوى التي تناولها. قيمتها أنها تميز بين اشتراكية فلاحية أو برجوازية صغيرة أو إقطاعية، وبين الاشتراكية التي تطرحها الماركسية. وهذه ليست مسألة خاصة بزمن ماركس فقط، بل هي متكررة، لهذا تحتاج إلى الفضح الأيديولوجي المستمر. والخطأ الماضي تمثل في أن الحركة الشيوعية العربية لم تكن تعرف معنى الاشتراكية الماركسية لهذا قبلت بتسمية تجارب الأحزاب القومية بالاشتراكية.
لكن، هل أن المسألة بالمواقف فحسب، وليس في التسميات؟ هنا يجب أن يترابط الشكل مع المضمون، يجب أن تترابط المواقف مع التسميات لكي تؤسس تراكماً، ولكي تنحكم لـ “مرجعية” ما. ولكي لا تكون المرجعية نصية، تنطلق الماركسية من أن الأساس هو المنهجية، وليس فهم الاشتراكية عند ماركس فهذا جرى عليه تطور كبير فيما بعد، ولا على أساس مفهوم صراع الطبقات فقط، فهذا أيضاً تتطور وتوسع. وليس تحليل النمط الرأسمالي الذي قام به ماركس، فهذا تطور كذلك لأن الرأسمالية قد تطورت. “المرجعية” هي الجدل المادي.
وبالتالي يجب أن يكون تميزنا واضحاً عن التيارات “الاشتراكية” الأخرى، وعن الشيوعية التي عممتها “الماركسية السوفييتية”. بالعودة إلى ماركس، ماركس المنهجية بالأساس، لإعادة صياغة النظرية في واقع كل التطورات التي حدثت.
بمعنى أن التسمية ضرورية للتعريف بتيار ما، حيث ليس من الممكن كتابة كل ما يقول به دفعة واحدة للتعريف به، لهذا يختصر بتحديد ما، هي التسمية. ولن أعود هنا للبحث في أسباب تسمية التيار بالماركسي، ولا برفض تسميته بالاشتراكي أو الشيوعي، لأنني قد أشرت إلى ذلك قبلاً.
إن الخلاف عادة ما يتحدد في فهم الماركسية ذاتها. هل هي تراث ماركس أم تراث كل الماركسيين؟ وهنا أود التمييز بين تراث الماركسية الذي يكتبه كل الماركسيين بغض النظر عن الصح والخطأ فيه، العلمي وغير العلمي، وبالتالي الماركسي وغير الماركسي، فهذه الأخيرة خاضعة لمنطق كل من يبحث في الماركسية، لكن الأساس هو المنهجية ذاتها، أي هل يتوافق الموقف أو التحليل أو النظرية مع المنهجية أو لا يتوافق؟ ويبقى في ذلك اختلافات. والمنهجية تشير إلى ماركس، لهذا ساد تعبير الماركسية، وليس تقديساً لماركس (رغم أن الذين تسموا شيوعيين أو اشتراكيين هم من قدّس ماركس).
وأوضح أخيراً أن هذه التسمية (ماركسية) تشير إلى الاتجاه الفكري، إلى التيار، لكن ليس بالضرورة أن تكون اسماً لحزب، ولا حتى تعبير اشتراكي أو شيوعي يمكن أن يكونا اسماً للحزب الماركسي، فالظروف ووضع الطبقات وطبيعة مهمات المرحلة هي كلها التي تحدد اسم الحزب. حيث يمكن أن يسمى شيوعي أو اشتراكي أو عمالي. ويمكن أن يتضمن تعبير ديمقراطي أو ثوري أو شعبي. لكن يجب أن يكون واضحاً أنه ينطلق من الماركسية كمنهجية في التحليل والممارسة.

الفصل الثاني:
بعد ماركس
الاتجاهات والاختلافات

انشقاقات في الماركسية

لم يبلور ماركس تصوراً شاملاً ونهائياً، فقد إفتتح حقل جديد، وكان يجب أن يستمر البحث من أجل اغنائه في المستوى النظري، ولكن عبر البحث في الواقع، لأن الماركسية هي البحث الدائب في الواقع. إن طابعها العملي، أو إن كونها “نظرية للتغيير”، كان يفرض أن تبحث في الواقع، وأن تحدد السياسات الضرورية من أجل تغييره. وإذا كان البحث النظري لم يتوقف، سواء في المستوى الفلسفي أو الاقتصادي (في المستوى المنهجي العام) حيث ظلت الماركسية عرضة لأن تخرج عن سياقها، وأن تتحول إلى “تصور مسبق”، أو “نظرية في الاقتصاد”، فقد بدت الخلافات فيها أوسع في المستوى السياسي، المتعلق بدورها في الواقع. وما من شك في أن هذه مرتبطة بتلك. ولقد كان الصراع حول تحديد طبيعتها حاداً منذ البدء، حيث نشأت ميول تحاول حصرها كـ “نظرية في الاقتصاد”، أو تحويلها إلى “نظرية في الثورة”، أو قصرها على تحقيق الاشتراكية. وبالتالي كانت كلها تميل إلى شطب مرتكزها الأساس: الجدل المادي، عبر إلغاء كل أثر هيغليّ فيها. وهي هنا كانت تحولها إلى نظرية وضعية، أو اقتصادوية. كانت تحصرها في حقل وحيد هو جزء في منظومتها.
بعد ماركس وإنجلز بدت وكأنها تبلورت في منظومة متماسكة، تدعو للاشتراكية في الدول الصناعية، والى تحقيق التطور الرأسمالي في الأمم المخلفة. لكنها تحولت مع لينين إلى أن تحقيق المهمات الديمقراطية وصولاً إلى الاشتراكية، لتنتكس مع انتصار الماركسية السوفيتية فتعود مهماتها تحقيق التطور الرأسمالي في الأمم المخلفة. ولتقف مأزومة بعد انهيار التجربة الاشتراكية.
(1)الفهم الماركسي التقليدي:
(الأممية الثانية والمنشفية)
إذا كانت الماركسية قد انشقت أواخر القرن التاسع عشر مع خروج بيرنشتاين، وتنظيره للتكيف مع الرأسمالية، فقد ظهر الخلاف واضحاً في الأممية الثانية، ظل مستعراً إلى بدء الحرب العالمية الأولى حيث تبلور الانشقاق بين تيارين: ما يمكن أن نسميه التيار الماركسي التقليدي، والذي مثله القادة الكبار في الأممية، والتيار الماركسي الذي اختط طريقاً آخر، كان بدأ يتبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، وأفضى إلى انشقاق الحزب.
لهذا، ولتحديد الإشكالية العميقة التي حكمت الماركسية في القرن العشرين لا بد من التطرق إلى صراعات  هذا الحزب، أو بشكل أعم، الصراعات بين التيارات الماركسية بداية القرن العشرين. حيث كان واضحاً تبلور تيارين كبيرين تحددا في روسيا بـ “البلاشفة” (الذين عبّر لينين عنهم)، و”المناشفة” (ومنهم أبو الماركسية الروسية: بليخانوف). لكنهما كانا أوسع من ذلك كما أشرنا، حيث اخترق الأممية الثانية بمجملها.
وإذا كان يتضمن اختلافاً في الموقف من الماركسية ذاتها، فقد تضمن الاختلاف حول القضية الأهم، تلك التي حكمت مسار القرن العشرين: وأقصد دور الحزب الشيوعي. حيث كان دخول الماركسيين الروس حلبة الصراع الفكري قد أفضى إلى طرح هذه القضية الأهم، والتي تتأسس على قضية وعي تطور المجتمعات المتخلفة، التي كانت لا تزال إقطاعية. التي لم تكن قد أصبحت بعد رأسمالية. هل يجب أن تمرّ بالمرحلة الرأسمالية حتماً كما تقول “الماركسية”؟ أم يمكن للطبقة العاملة، التي تشكلت نتيجة نشوء بعض الصناعات والنشاط العقاري والتجاري، وبالتالي مادامت قد نشأت، وللحزب الشيوعي الذي يعبّر عنها، مادام الفكر البديل قد تبلور، أن يلعبا دور الرافعة لتطور لا تستطيع البرجوازية، الضعيفة والمتداخلة مع الرأسمال العالمي، أن تحققه؟
هذه هي المسألة التي كانت تشكل مفصل حياة أو موت الماركسية؟ كما سوف يتوضّح خلال القرن العشرين برمته. كانت تطرح تحوّلها إلى قوة تغيير، وبالتالي تطور، أو إلى تيار ثقافي هامشي. لأنها كانت تلمس القضية الجوهرية في النمط الرأسمالي بمجمله، الذي بات نمطاً عالمياً. حيث أن تكوين هذا النمط، بعد أن أخذ كل أبعاده، و”إكتمل”، واستنفذ كل ممكنات توسعه، فرض قسم العالم إلى “مجتمعين”: الرأسمالية المتطورة في المراكز التي كانت السباقة في التطور، و”الإقطاعية” والرأسمالية الهامشية التابعة في الأطراف، أي في معظم العالم. وحيث كانت تتضاءل إمكانيات الثورة الاشتراكية في المراكز، كما تتضاءل إمكانيات التطور الرأسمالي في الأطراف. وإذا كان ليس من حلول لمأزق الاشتراكية في المراكز، فقد كان يجري البحث عن مأزق الأطراف. وهنا كان جوهر الخلاف، وأساس الانقسام.
الفهم التقليدي للماركسية:
وكان الانقسام الأول هو في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. حيث تبلور الخط المعبّر عن “النظرة التقليدية” في الماركسية في “المناشفة”، الذين وجدوا سنداً لهم في التيار الأوسع في الأممية الثانية. ولسوف يتبين بأن هذا الخلاف لم يكن خلاف سياسي محض، بل إنبنى على خلاف منهجي يتعلق بفهم الماركسية من أساسها.
فالمنشفية هي التيار المعارض في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، والتي انطلقت في بناء تصوراتها السياسية لواقع روسيا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولطبيعة التغيير فيها، من “الفهم الماركسي التقليدي” كما أشرنا للتو،أي ذاك الفهم الذي تبلور في أوروبا الرأسمالية، طبعاً من قِبل ماركس وإنجلز، ولكن بالأساس من قِبل الأحزاب الاشتراكية التي تشكلت منذ نهاية ستينات القرن التاسع عشر. والتي استندت إلى ماركس وإنجلز، لكن ليس من الضروري أن يكون ماركس وإنجلز موافقان على كل تصوراتها. وهو ما يظهر مثلاً في نقده لبرنامجي غوتة وايرفورت.
حيث إنبنى منطقها على تصور تحقيق الاشتراكية. الانتقال من الرأسمالية المحققة والمنجزة لمهماتها التاريخية إلى الاشتراكية التي لم تكن قد تبلورت بعد، كنظام اقتصادي، وكنظام سياسي. وكان النقاش يجري حول هذه المسائل بالتحديد. وكذلك حول كيفية تحقيق الاشتراكية: هل عبر الثورة أم عبر الانتخابات؟ وهو النقاش الذي أسهم ماركس فيه آنئذ. والذي أفضى إلى تناقض في الاستراتيجيات، حيث توصل بيرنشتاين إلى أن نهاية الرأسمالية لم تحن بعد، لأنها لم تستنفذ كل طاقاتها، وبالتالي فإن الثورة الاشتراكية (أو الاشتراكية) ليست قريبة، وليست مطروحة على جدول الأعمال. الأمر الذي دفعه إلى تجاوز الرؤية الاستراتيجية، التي هي الاشتراكية، والتركيز على التكتيكات عبر مقولته الأساسية: “الهدف النهائي لا شيء، الحركة هي كل شيء”
ولقد تبلور الوعي الاشتراكي في مقابل ذلك في صيغة نمطية، هي ما استند إليه المناشفة. حيث ليس من الممكن الوصول إلى الاشتراكية قبل انتصار الرأسمالية، وما دامت قد انتصرت الرأسمالية في بلدان أوروبا، يصبح الهدف هو الاشتراكية. ومسألة أن الاشتراكية تلي انتصار الرأسمالية كانت جوهرية وحاسمة، لأنها تعني أنْ لا إمكانية لتحقيق الاشتراكية دون هذا التحقق للرأسمالية. هذه الفكرة سوف ترفع إلى مستوى القانون، لدى هذا التيار في الاشتراكية الديمقراطية، ولدى ستالين والماركسية السوفييتية. أو أنه سوف يعمم من جديد في العالم، لكن عبر “وريث” لينين، الذي كان المؤسس لخيار آخر مضاد.
في هذه الصيغة “النمطية”، ليس لم يعد مطروحاً تجاوز الرأسمالية عبر الثورة الاشتراكية، بل يجب –وفق وضع روسيا، ثم في كل الأمم المخلّفة- دعم انتصارها، لأنها لم تصبح بعد الطبقة المسيطرة ونمطها لم يصبح هو النمط السائد، نتيجة كون النظام القيصري يمثل الإقطاع أكثر مما يمثل أية طبقة أخرى. وبالتالي أصبحت الفكرة الجوهرية تتمثل في أن الحزب الشيوعي ليس معنياً باستلام السلطة وتحقيق الاشتراكية، مهما كانت قوته وفاعليته، بل يسعى لدعم انتصار الطبقة الرأسمالية من أجل تحقيق انتصار النمط الرأسمالي. لأنه ليس من الممكن تحقيق الاشتراكية قبل ذلك، وحيث أن انتصار الرأسمالية سوف يفضي إلى توسع حجم الطبقة العاملة لتصبح هي أغلبية المجتمع. وهنا عاد ملمح النقاش حول الديمقراطية ودور الانتخابات في وصول الطبقة العاملة إلى السلطة، الذي كان منتشراً في سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر في البلدان الرأسمالية (التي كانت قد باتت رأسمالية). وبالتالي كان المناشفة يؤسسون استراتيجيتهم على دعم طبقة برجوازية في مواجهة القيصرية، معتقدين كذلك بأن هذا الدعم سوف يجلب الديمقراطية لأن البرجوازية هي التي تقيم هذا النظام الديمقراطي.
الأمر الذي جعلهم يطرحون استراتيجية تحقيق انتصار النمط الرأسمالي في روسيا، ويميلون إلى التحالف مع الطبقة البرجوازية، ويُخضعون نضال الطبقة العاملة لهذه الاستراتيجية. حيث باتوا يطرحون القضايا المطلبية لهذه الطبقة من منظور ديمقراطي، وليس من منظور طبقي ماركسي، أي يطرحونها كمطالب ديمقراطية وليس كمطالب طبقية هدفها توحيد الطبقة العاملة من أجل افتكاك السلطة. وهذا ما أخضع دورهم في صفوف الطبقة العاملة لسياسات البرجوازية، وجعلهم يميلون إلى تشكيل حزب “فضفاض”، و”علني”، وينشط في إطار ديمقراطي. أو كما كان يسمى: “مرن”، “جماهيري”.
باختصار ارتأى المناشفة (ومنهم بليخانوف أبو الماركسية الروسية) أن تكوين روسيا الإقطاعي يفرض عليهم “الصبر”، وعدم “الاندفاع” لتحقيق الثورة الاشتراكية، لأن تجاوز الإقطاع يعني حتماً انتصار الرأسمالية وليس انتصارهم هم، تلك البرجوازية التي تشكلت على هامش الرأسمال الإمبريالي، وعبر النشاط في التجارة، كما من رحم الإقطاع (كبار ملاك الأرض) أو بالتشارك معهم.
بليخانوف:
بليخانوف مع الفهم الماركسي التقليدي الذي كان يقول بأن تجاوز الإقطاع يفرض انتصار الرأسمالية، وبالتالي فإن مهمة الحزب الشيوعي تتحدَّد في دعم الرأسمالية، لمساعدتها على الانتصار. يقول في أحد كتبه “إن تصوراً غريباً يشيع بين اشتراكيينا الديمقراطيين عن الدور السياسي للطبقة العاملة، لنتذكر فقط المناقشات عن الاستيلاء على السلطة من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين أثناء الثورة البرجوازية القادمة. إن أنصار هذا الاستيلاء على السلطة ينسون أن دكتاتورية الطبقة العاملة لن تقوم في حينها إلا حين نتعامل مع ثورة اشتراكية” (بليخانوف “المؤلفات الفلسفية ” المجلد الأول، دار دمشق/ دمشق ترجمة فؤاد أيوب). وهو هنا كان ينتقد اتجاه لينين بالتحديد، استناداً إلى التصور التقليدي، لهذا نراه يتكئ على نص لإنجلز.
إن بليخانوف، مستنداً إلى إنجلز، لا يرى أية إمكانية لأن تقوم طبقة باستلام السلطة إلا حينما تتهيأ الظروف لذلك. وبالتالي فما دامت الثورة برجوازية الطابع فيجب أن لا تفكر الطبقة العاملة في الوصول إلى السلطة، لأن السلطة من حق البرجوازية. وهو هنا يرد على لينين (1905)، وبالتالي يرفض الخيار الذي طرحه. والأساس هنا هو أن التطور يجب أن يأخذ مجراه “التطوري”. أي أن يتحقق التطور البرجوازي أولاً، قبل أن تتقدم الطبقة العاملة لاستلام السلطة.
هذا الفهم التطوري كان مؤسس منهجياً لدى بليخانوف، حيث أنه يقوم على أساس التراكم الذي يفضي إلى تغيّر. وإذا كان من أشد المعجبين بهيغل، ومن قارئيه الجيدين، فقد رأى أن مقولة نفي النفي في إطار المنظومة الجدلية الهيغلية لا موقع له، عكس ما أشار إنجلز (ضد دوهرينغ). لقد شطب المقولة التي كسرت رتابة المنطق الأرسطي (مفهوم الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع). أي تلك التي جعلت أ هي أ ولكن أيضاً لا أ. التي ألغت مبدأ أن هناك أ أو لا أ وليس هناك شيء آخر (مبدأ الثالث المرفوع)، حيث بات هناك أ ولا أ في الوقت ذاته.
ومن ثم فقد أسس بليخانوف على مبدأ التراكم، التراكم الكمي الذي يفضي إلى تحقيق التغيّر النوعي. معتبراً أنه مبدأ الصيرورة وأساس فاعليتها. وبهذا فقد أصبح التاريخ تطوراً تراكمياً، ليس من الممكن أن يسير إلا وفق هذا التراكم المتتالي الذي يفضي إلى التغير. والتراكم في مرحلة مواجهة الإقطاع يعني نشوء البرجوازية، وتطور فاعليتها السياسية، وبالتالي تهيؤ الظروف لأن تصبح هي السلطة لكي ينتصر نمط الإنتاج الرأسمالي. وهو هنا لا يرى إمكانات تحقيق هذا التراكم، وهل أنه يمكن أن يكون التراكم لدى الطبقة العاملة أعلى استناداً إلى الماركسية ذاتها، والى الحزب الذي يتأسس على ضوئها، بالترابط مع الطبقة العاملة. حيث أن التراكم الرأسمالي في روسيا بات بطيئاً بعد أن أصبحت الرأسمالية إمبريالية، وغدت منافساً ليس في السوق المحلي فقط بل في العالم كله.
لقد بنى بليخانوف على خط التراكم، ورفض مبدأ النفي ونفي النفي، وبالتالي القفزات، والانتقالات. وبالتالي الثورات، وتجاوز صيغة محددة في التطور هي تلك التي حدثت في أوروبا، أي الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. لتتأسس حتمية هذا الانتقال، وخطل كل محاولة لتجاوزه، بغض النظر عن الظروف الواقعية. وخط التراكم هو خط تطوري صاعد، دون انتكاسات أو تراجعات أو انهيارات. هو خط مستقيم من الأسفل إلى الأعلى. وهو المؤسس للحتمية التي فرضت نمطية التطور من المشاعة إلى الرق والإقطاع إلى الرأسمالية، قبل التفكير بالانتقال إلى الاشتراكية. هذا الخط التطوري التراكمي الصاعد هو الذي تعمم بعد لينين كما سنرى، على الضد من منطق لينين ومن منهجيته.
بليخانوف قزّم الجدل المادي إلى تطور تراكمي بعد أن شطب مبدأ نفي النفي، وإنكار أنه أساس جدل هيغل والجدل الماركسي. وعبر ذلك ظل متمسكاً بالفهم الماركسي التقليدي للتطور، الفهم الذي يفرض أن تتحقق الرأسمالية، أن تنتصر الرأسمالية، قبل أن تفكر الطبقة العاملة في الوصول إلى السلطة وبناء الاشتراكية. وبالتالي كرّس منطقاً نصياً يحدِّد التطور مسبقاً، ويكرّس الالتزام برؤية ماركس التي بلورتها الحركة الاشتراكية نهاية القرن التاسع عشر حول طريق التطور. رغم كل علمه، وسعة ثقافته. لهذا كان الخلاف مع لينين لا يطال السياسة فقط، بل يطال المنهجية كذلك. يطال المستوى الفلسفي الذي قصّر بليخانوف عن أن يفهمه جيداً.

(2) لينين ومكانة اللينينية:

باتت علاقة لينين بالماركسية مجال مراجعة منذ نشوء الشيوعية الأوروبية. و جاءت هذه المراجعة كردّ على الربط الذي قام منذ وفاة لينين، والتصارع على إرثه بين ستالين وتروتسكي. حيث أسمى كلّ منهما ماركسيته: الماركسية اللينينية. فجرى تعميم هذا التعبير على الماركسية. ولقد عمّمت الماوية هذا التعبير بعد ذلك. الأمر الذي جعل الماركسية هي ماركسية لينينية، وأصبح لينين لازماً لماركس، وبدا أن لا ماركسية دون اللينينية، وأن شطب اللينينية يعني شطب الماركسية.
ولأن الشيوعية الأوروبية تمرّدت على الماركسية السوفييتية، التي كانت تسمّى الماركسية اللينينية، فقد بدأت بالفصل بين الماركسية واللينينية، ثم على رفض “الطريق اللينيني”، انطلاقاً من أنها تعود إلى ماركس، لتؤسّس تصوّرها الخاص، الذي سقط بعد فترة وجيزة، فظلّت ضمن دائرة الماركسية اللينينية ذاتها، أو تجاوزت الماركسية نحو نوع جديد من الاشتراكية الديمقراطية لكن المشبعة بالليبرالية.
لكن هذه النغمة الناقدة للينينية تصاعدت بعد انهيار النظم الاشتراكية، خصوصاً بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي كان يمثّل “المركز الروحي” لمعظم شيوعيي العالم. حيث كانت الماركسية الرائجة تربط نشوء الاشتراكية بـ “طريق لينين”، و هذا صحيح تماماً، لكنه بدا مع الانهيار أنه فشل، بل أنه خاطئ من الأساس، لأنه “حرف لمسار التاريخ”، ويقوم على “إرادوية فظة”. الأمر الذي فرض أيضاً “العودة إلى ماركس”، و كما حدث مع الشيوعية الأوروبية فقد ظلّ مروجو هذه النغمة ضمن دائرة الماركسية اللينينية أو إنتقلت إلى الليبرالية الصريحة.
والمشكلة هنا تتمثّل في أن الماركسية اللينينية هي غير الماركسية وغير اللينينية، لأنها تمثّل رؤية جديدة استفادت من بعض أفكار ماركس و لينين، و من مفاهيمهما، لكنها أسّست لمنطق آخر و تصوّرات أخرى. ولهذا أنطلق من الفصل بين اللينينية (بين الماركسية واللينينية) من جهة، و الماركسية اللينينية من جهة أخرى. حيث أن هذه الأخيرة هي رؤية ستالين المصاغة بعد وفاة لينين، والتي أصبحت تمثّل أيديولوجيا السلطة السوفييتية. كما أنها ـ من جهة أخرى ـ رؤية تروتسكي التي أسّست للتيار التروتسكي المتمثّل في الأممية الرابعة وانشقاقاتها، وهو تيار تبلور انطلاقاً من أفكار تروتسكي ملتبسة العلاقة مع أفكار لينين. أما اللينينية فهي غير هذه وتلك، وهي متناقضة معهما معاً في الكثير من الرؤى، الأمر الذي يفرض تحديد ماهيتها، أي موقع لينين في الماركسية، وما أضافه إليها، وهل تناقض مع ماركس؟
ماركس، الماركسية:
كان جوهر ما أتى به ماركس هو المنهجية الجديدة التي بلورها عبر الدمج الجدلي لجدل هيغل ومادية فيورباخ (وكلّ الاتجاه المادي الفرنسي) كما أشرنا للتو. والتي على ضوئها أعاد صياغة جملة مفاهيم كانت سائدة، منها صراع الطبقات، والاشتراكية. ونفي جملة مفاهيم أخرى، وخصوصاً في مجال الاقتصاد السياسي، والمثالية الفلسفية، والاشتراكية الطوباوية. وبالتالي حلّل طبيعة النمط الرأسمالي، وحاول البحث في ارتقاء المجتمعات البشرية انطلاقاً من أن التاريخ صيرورة. وتوصّل إلى قوانين، منها قانون فائض القيمة، وأنماط الإنتاج، وميل معدّل الربح إلى الانخفاض، والإفقار النسبي والإفقار المطلق، وعديد من القوانين والمفاهيم والمحدّدات.
وبالتالي فإن “حجر الزاوية” كان قد وُضع مع ماركس، وأصبح المحدِّد لهذا الاتجاه الفكري الجديد. مع كمّ كبير من التحليلات و التصوّرات حول طبيعة الرأسمالية، والتاريخ، و العالم، و الصراع السياسي، والحزب، و المسألة القومية، والهدف الاشتراكي، والأخلاق، محدّدة بعنصرين، الأول: التاريخية، حيث أنها خضعت لشرط تاريخي محدَّد، وكانت نتاجه، وبالتالي ليس من الضروري أن تتحوّل إلى قوانين، بل عبّرت عن رؤى معيّنة في زمن ومكان محدّدين. والثاني: نسبية المعرفة، وبالتالي نقص المعلومات من جهة، ونقص الإحاطة بما هو موجود من معلومات من جهة أخرى. الأمر الذي جعل كلّ هذه التحليلات و التصوّرات تخضع لمنطق الماركسية ذاتها، من أجل تقدير ما تجاوزه الزمن، وما بقي منها، وما أصبح جزءاً من التأريخ. لكن الأهم أن ما بقي منها هو “روحها”، المحدّدة في المنهجية التي كوّنتها في صيغتها المتناسقة، أي الجدل المادي، دون القول أنها كلها صحيحة حتماً. وهنا يكمن تلمّس مشكلة أخرى تتعلّق بتأثير “الأيديولوجي” و حرفه لمسار البحث، كما بنسبية المقدرة على استخدام المنهجية ذاتها. خصوصاً وأن الجدل المادي لم يتبلور منذ البدء، بل تبلور في إطار صيرورة تشكُّل وعي ماركس وبلورته لأفكاره ( بمساعدة إنجلز).
وعلى أرضية ما حقّق ماركس، اشتغل إنجلز معه ومن بعده، وأضاف وأوضح، وبلور وشرح. و أيضاً لفيف من الماركسيين الأوائل، مثل بيرنشتاين وكاوتسكي، وأيضاً بليخانوف وروزا لوكسمبورغ، وآخرين كثر. لكن تأثيرهم (فيما عدا إنجلز طبعاً) كان أقلّ مما بدا مع لينين، الذي حوّل الماركسية من تيار فكري إلى حركة واقعية، ثم إلى دولة. و الذي قدّم منتوجاً فكرياً مهماً.
لقد مال تلامذة ماركس إلى أحد خطين، الأول: التقليد، وترداد ما كان يقول به ماركس دون وعي، الأمر الذي حدا به إلى إطلاق تعبير أنه ليس ماركسياً. حيث تحوّلت الماركسية إلى إقتصادوية مبتذلة نقدها إنجلز في العديد من المواقع ( منها سلسلة رسائل نشرت في كراس تحت عنوان “رسائل حول المادية التاريخية”). والثاني: التخلي عن المنهجية، منجز ماركس الأوّل، و التمسك بالشعارات العامة حول الاشتراكية، و التطوّر القائم على أساس ميكانيكي، يكرّس الرأسمالية، ويعتبر أنها ضرورة مطلقة، وأنه لا يجب السعي إلى تغييرها إلى حين استنفاذها إمكانيات استمرارها ، الأمر الذي أفضى إلى القول بأن الهدف النهائي (أي الشيوعية) هي لاشيء، بينما الحركة (التكتيك) هي كل شيء (بيرنشتاين). وهو الأمر الذي أوجد اختلافات وخلافات كبيرة في إطار الحركة الاشتراكية بعد وفاة ماركس.
وكان الاتجاه العام يميل إلى التأكيد على ضرورة تحقيق الاشتراكية في الأمم الرأسمالية، التي بدورها سوف تُنهض شعوب المستعمرات، وتنقلها إلى الاشتراكية “فوراً”.
ورغم التحوّلات التي تحقّقت بعد وفاة ماركس مباشرة، و التي تمثّلت في تحوّل الرأسمالية من رأسمالية المنافسة انطلاقاً من السوق القومي و الدولة القومية، إلى نمط رأسمالي عالمي إمبريالي الطابع، يغيّر التكوين الطبقي في الأمم الرأسمالية، ويزيد في التحكّم بباقي العالم، و يُحكم عليه سيطرته التي تمنعه من كلّ إمكانات التغيير و التحوّل الرأسمالي. رغم ذلك ظلّت الأهداف العامة للحركة الاشتراكية هي ذاتها. وظلّ البحث الماركسي مرتبكاً، خصوصاً فيما يتعلّق بالمنهجية، ووعي العالم، ودور الحركة الاشتراكية.
لينين واللينينية:
في هذا الوضع يمكن لمس موقع لينين، حيث بدا أنه يختلف مع “الجو” السائد في الأممية الثانية، وبات يشكّل تياراً متميّزاً فيها، بالترافق مع روزا لوكسمبورغ وماركسيين آخرين. ثم تناقض مع قادتها التاريخيين، من أمثال كاوتسكي وبليخانوف، ورفض مسارها بعد موقفها من الحرب العالمية الأولى، حيث تمترس كلّ حزب من أحزاب الأممية خلف برجوازيته في تطاحنها مع البرجوازيات الأخرى، بدل تأكيد التحالف البروليتاري لإسقاط هذه البرجوازيات. وبالتالي أصبح يمثّل الرؤية الأخرى المختلفة عنها، سواء في فهمه للصراع في أوروبا أو في موقفه من الشرق، و بالأساس في رؤيته لدور الماركسية في العصر الإمبريالي.
وإذا كان لينين قد كتب الكثير عن الماركسية، وعن روسيا والواقع العالمي، والثورة الاشتراكية، والمسألة القومية، والحزب، والتكتيك، فيمكن تحديد إسهاماته الأساسية التي شكّلت إضافات في الماركسية بالقضايا التالية:
1) إذا كان إنجلز قد عمل على صياغة المنهجية التي لم يستطع ماركس الكتابة حولها، رغم أنه وعد بذلك، وأقصد هنا الجدل المادي، فإن لينين هو الذي كرّس القيمة الفعلية للجدل المادي من خلال تأكيده على أهمية “الديالكتيك” في الماركسية، وعلى انطلاقه منه في تحليل الواقع، استناداً إلى مبدأ “التحليل الملموس للواقع الملموس”، و بأن “الديالكتيك” هو حجر الزاوية في الماركسية، الذي يجب أن يحكم التحليل. ولقد ظلّ منشدّاً إلى “الديالكتيك” طيلة نشاطه الفكري، فأسهم في إعادة تعريف المادة ( والمادي) بعد الاكتشافات العلمية التي تحققت بداية القرن العشرين، كما أسهم في تحديد العلاقة التي تربط النسبي والمطلق في كتابه “المادية والمذهب النقدي التجريبي”. وأيضاً في العودة إلى هيغل من أجل إعادة صياغة الجدل المادي ذاته ( في “الدفاتر الفلسفية”). و كذلك إشاراته المتكررة إلى الجدل في وضع طغى فيه المنطق الوضعي، أو سادت النزعة الاقتصادوية. لقد أكد على المطلق لحظة انتصار النسبي، الذي أسس للميل في الفكر الرأسمالي إلى الوضعية والتخصص والتجزيء، حيث أسس لعلاقة متماسكة بين النسبي والمطلق.
وهذه مسألة ذات قيمة لأن الميل العام في الحركة الاشتراكية كان يتخلى عن الجدل المادي لمصلحة منطق اقتصادوي وضعي. وبالتالي كان لينين يعيد بناء المنهجية التي اكتشفها (أو بلورها) ماركس دون أن يصيغها في بحث مستقلّ. و كان يستخدمها في وعي الواقع الروسي و العالمي، وبالتالي في تحديد المهمات وآليات التغيير.
وإذا ما درسنا تاريخ الحركة الماركسية سوف نكتشف أن الذين انطلقوا من أن الماركسية هي الجدل المادي بالأساس، قبل أن تكون قوانين وتصوّرات، هم الذين قدّموا إسهامات جدية، وأضافوا إلى الماركسية، مثل غرامشي ولوكاش وماوتسي تونغ، وهنري لوفيفر….ألخ. ولهذا يمكن التأكيد بأن للينين دور إعادة بناء الماركسية انطلاقاً من أنها الجدل المادي أولاً، بعد أن كانت الحركة الاشتراكية تتخلى عن ذلك، وتنساق نحو الوضعية في شكلها الاقتصادوي.
2) المسألة الأخرى هي مسألة سياسية طبقية، حيث تجاوز لينين بعض تصوّرات ماركس حول الثورة الاشتراكية، ودور الشيوعيين و الطبقة التي تحقّق المهمات الديمقراطية. فلم تعد مهمة الشيوعيين هي تحقيق الثورة الاشتراكية فقط، ولا غدت البرجوازية هي التي تحقّق المهمات الديمقراطية، بل أصبحت مهمة الحزب الشيوعي هي تحقيق تلك المهمات. وكان هذا التحوّل يُحدث تغييراً كبيراً في رؤية ماركس، الذي أوحى في تحليلاته أن التطوّر الرأسمالي هو الذي يجب أن ينتصر عبر دعم البرجوازية، من أجل أن ينفتح أفق تحقيق الاشتراكية أمام الحزب الشيوعي. وكانت هذه التحليلات تعبّر عن واقعٍ كان يعيشه ماركس، حيث كانت الرأسمالية تتطوّر باضطراد وتنتصر من بلد إلى آخر. رغم أن ماركس كان يتلمّس تعثّر الرأسماليات، خصوصاً في ألمانيا، الأمر الذي جعله يعتبر أن تحقيق المهمات الديمقراطية هو من مهمة الحزب الشيوعي. لكنه ظلّ يركّز على الأمم الرأسمالية، وعلى تطوّرها الاشتراكي الذي سوف يحلّ مشكلة الاستعمار ونقص التطوّر في الأمم الأخرى. وبالتالي كان يرى أن مهمة الطبقة العاملة المنتصرة هي تمدين الأمم المستعمرة، التي كانت لازالت متخلّفة.
لينين لمس أن البرجوازية الروسية مترابطة مع الإقطاع، وبالتالي مترددة حيال إنهاء “النظام القديم” وتأسيس نظام رأسمالي جديد. الأمر الذي جعله يتوصّل إلى أن على الطبقة العاملة تحقيق المهمات الديمقراطية (أو الثورة الديمقراطية برجوازية الطابع كما كان يقول)، بالترابط مع الفلاحين الفقراء، و التحالف مع البرجوازية الصغيرة. خصوصاً وأن الصراع الطبقي كان يتفاقم في الريف والمدينة. وهذه المسألة أثبتت صحتها، حيث استطاعت روسيا تجاوز “النظام القديم” وتحقيق المهمات الديمقراطية (حلّ المسألة القومية، التصنيع والتحديث، والإصلاح الزراعي)، بغضّ النظر عن الطريق المتعرّج الذي مرّت به، و الأوهام التي رافقت ذلك.
وبالتالي أصبحت مهمة الحزب الشيوعي هي تحقيق المهمات الديمقراطية، بعد أن لفظتها البرجوازية. وكانت هذه الرؤية مهمة لكلّ الأمم المخلّفة، خصوصاً أنها إنبنت على تحليلٍ لطبيعة النمط الرأسمالي ونشوء الإمبريالية.
3) وهذه هي المسألة الثالثة، التي أضاف لينين إلى الماركسية فيها. لقد حلّل ماركس الرأسمالية لحظة نشوئها حيث كانت لازالت تتشكّل في الإطار القومي. وبعضها، مثل ألمانيا، لم يكن قد أصبح رأسمالياً. و كان شكل سيطرتها على العالم استمرار للاستعمار القديم الذي يقوم على النهب من أجل تحقيق التراكم الأوّلي. وكانت المنافسة الشديدة هي أساس العلاقة فيما بين هذه الرأسماليات الناشئة في إطار قوى الإنتاج الجديدة، والتي لم تكن قد رسّخت وجودها بعد.
وإذا كان ماركس قد أشار إلى الميل نحو التمركز في الصناعات الناشئة، والتركّز في الرأسمال، و بالتالي إلى تحوّل المنافسة إلى احتكار، فقد نشأ لينين لحظة تبلور الاحتكار، وتبلور النمط الرأسمالي كنمط عالمي، حيث إعتبر أن هذا التشكّل الجديد يشكّل مرحلة جديدة في تطوّر الرأسمالية هي مرحلة الإمبريالية، التي إعتبر أنها أعلى مراحل الرأسمالية. حيث قاد التنافس الرأسمالي إلى تمركز الصناعة وتركّز الرأسمال، وبالتالي إلى الاحتكار، الذي أدى إلى إنهاء التنافس فعلياً في إطار سوق حرّ. فقد تزايدت عمليات اندماج الشركات أو انهيارها، الأمر الذي جعل قلّة من الشركات تحتكر الأسواق وتهيمن عليها. وهذه سمة أولى لعصر الإمبريالية، عمل لينين على بلورتها اعتماداً على تحليل ماركس لطبيعة النمط الرأسمالي، وبالتالي فقد إتّبع ملاحظات ماركس في هذا المجال و عمّقعها فتوصّل إلى تحديد طبيعة النمط الرأسمالي في جوهره.
السمة الأخرى التي حكمت النمط الرأسمالي هي نشوء الرأسمال المالي، الذي نتج عن اندماج الرأسمال الصناعي و الرأسمال المصرفي، حيث بدأ التداخل بين المصارف و الصناعة، وبالتالي إنتفى التمايز بين الرأسمال المصرفي والرأسمال الصناعي (وتالياً التجاري).
السمة الثالثة هي تقاسم الأسواق بين الرأسماليات ونشوء الحروب من أجل ذلك، الأمر الذي فرض إخضاع باقي العالم (أي العالم المتخلّف) للسيطرة المباشرة لقوى الإنتاج الجديدة، المتفوّقة والمتميّزة من حيث التطوّر التكنولوجي.
وهو الوضع الذي صاغ العالم منذئذ ( أي منذ تبلور النمط الرأسمالي العالمي منذ سنة 1880 تقريباً). الأمر الذي أوجد التطوّر اللامتكافئ (أو المتفاوت)، وخلق وضعاً صعباً لكلّ الأمم المتخلّفة، حيث باتت عاجزة عن التطوّر في السياق “الطبيعي”، أي ذاك الذي يكرّر التطوّر الرأسماليّ الأوروبيّ، وبالتالي باتت مخلّفة ( أي متخلّفة بقوة القهر الإمبريالي).
وكان هذا التحليل يلقي الضوء على رؤية لينين لمسألة دور البرجوازية في تحقيق الثورة الديمقراطية، حيث أن تبلور الاحتكار (الذي بدأ في كلّ أمة وأصبح عالمياً) في إطار سوق مفتوح واقتصاد حرّ، يقود إلى إفشال إمكانية تحويل التراكم المالي (الذي كان يأتي من الزراعة) إلى الاستثمار في الإنتاج الصناعي لبناء قوى إنتاج جديدة، بل تحوّل للتوظيف في المجالات المكمّلة للنمط الرأسمالي (أي في قطاعات التجارة و الخدمات والمال) فقط. وبالتالي يلقي الضوء على تصوّر لينين لدور الطبقة العاملة (والحزب الشيوعي) التي أصبحت (الذي أصبح) هي المعنية (هو المعني) بتحقيق الثورة الديمقراطية وبناء قوى الإنتاج.
بمعنى أن تحليل طبيعة الرأسمالية المتبلورة قاد إلى الوصول إلى الاستنتاج بأن مهمات الثورة الديمقراطية لم تعُدْ تتحقق عبر دور البرجوازية الناشئة، بل عبر دور الطبقة العاملة حديثة النشوء و الفلاحين الفقراء.
ولينين في هذا المجال بدأ من الملموس، أي من وضع روسيا، لكنه انتقل إلى العام، أي إلى ما هو عالمي، ليحدّد سبب هروب الرأسمال في البلدان المخلّفة من الاستثمار في الصناعة، وتحالفها مع الإقطاع، وبالتالي عدم ميلها لتحقيق ما بات يُعْرف بأنه “خاصّ” بها، وأقصد الثورة الديمقراطية.
وربما كان بإمكاننا إضافة مسائل أخرى طوّر لينين فيها، حيث قام بتطوير البحث في مسائل مهمة مثل المسألة القومية ومبدأ حق تقرير المصير، ومسألة الحزب و البنية التنظيمية، وقضايا التكتيك…إلخ، لكن هذه المسائل الثلاث ربما كانت هي الأهم و الأساسية التي جعلت للينين دور محوريّ في تطوير الماركسية، بإعادة بناء المنهجية الماركسية (أي الجدل المادي)، وتطوير البحث في طبيعة الرأسمالية و الوصول إلى استنتاجات جديدة مختلفة عن استنتاجات ماركس، وبالتالي أسّست لرؤية مختلفة لدور الماركسية، ولطبيعة فهم الثورة الديمقراطية كما الثورة الاشتراكية. فقد قام لينين بتحليل عصر الإمبريالية، وتحديد دور الشيوعيين فيه كونهم باتوا ورثة البرجوازية في تحقيق الثورة الديمقراطية. وهذه هي القيمة التي جعلته يحظى بأهمية خاصة في تاريخ الماركسية. حيث أن رؤيته لطبيعة الرأسمالية و تحوّلها إلى إمبريالية فتحت لانتصار كبير في أكثر من نصف العالم، محققة تطوّرها وانتقالها إلى مجتمعات مدنية حديثة. رغم أنها لم تستطع الانتقال إلى الاشتراكية، بل انهارت لحظة نشوء التناقض بين قوى الإنتاج الجديدة التي أوجدتها، وعلاقات الإنتاج و البنية السياسية الأيديولوجية التي ظلّت متخلّفة وملوّثة بالبطركية الريفية. مع تحوّل “الحزب الشيوعي” إلى فئة بيروقراطية ذات امتيازات ومصالح، جعلته يتميّز عن باقي الشعب في مجال الاستهلاك. وبالتالي تخلّيه عن دوره الثوري، وتحوّله إلى سلطة ذات مصالح خاصة. الأمر الذي جعله عائقاً أمام عملية التحوّل الاشتراكي، على العكس من ذلك جعله كونه حزب شيوعي يؤسّس لميل شعبي نحو الليبرالية و الاندماج بالنمط الرأسمالي، وتتحوّل فئاته إلى طبقة جديدة عبر نهب قطاع الدولة.
لينين وستالين:
انطلاقاً من ذلك يمكن أن نلمس الافتراق بين اللينينية و الستالينية.فإذا كان لينين توصّل إلى تجاوز تصوّر ماركس حول الارتقاء من الإقطاع إلى الرأسمالية، واضعاً صيغة أخرى تقوم على تحليل للواقع الملموس كان يوضّح عجز البرجوازية عن تحقيق هذا الانتقال، الأمر الذي دفعه إلى التأكيد على دور الطبقة العاملة (الوليدة) والفلاحين الفقراء في ذلك، وبالتالي توصّله إلى تجاوز تصوّر ماركس حول ربط دور الطبقة العاملة (والماركسية عموماً) بتحقيق الثورة الاشتراكية، وتحديده انطلاقاً من الواقع الملموس بتحقيق “الثورة الديمقراطية برجوازية الطابع”. فإن تصوّر ستالين الذي عُمّم تحت مسمى “الماركسية اللينينية” قام على العودة إلى تصوّر ماركس الأصلي ( والذي لم يكن حاسماً لديه، حيث حاول فهم ممكنات الواقع)، بتأكيده على “ميكانيكية” التطوّر التاريخي، وبالتالي حتمية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية قبل أن تقوم الطبقة العاملة بـ “دورها التاريخي”، أي بتحقيق الاشتراكية.
وهي الصورة المعاكسة لما كان يفعل في الإتحاد السوفييتي، حيث كان الحزب الشيوعي يحقّق مهمات الثورة الديمقراطية تحت شعار (أو وهم) تحقيق الاشتراكية، أو بآليات إشتراكية، وانطلاقاً من إلغاء الملكية الخاصة. فقد انطلق من تحليل مختلف للوضع العالمي فرض أن يعود إلى فكرة ماركس التي تقول بضرورة دعم البرجوازية في سعيها لتحقيق ثورتها، حيث أن النضال في الأمم المستعمرة يفرض التحالف مع البرجوازية من أجل الاستقلال وتحقيق الثورة الديمقراطية، ولقد كان في هذا يهدف إلى أن تدعم تلك البرجوازيات الدولة السوفييتية. وهي السياسة التي أثبتت فشلها ( عكس ما حدث في كلّ الأمم التي انتصرت فيها الاشتراكية، والتي التزمت تصوّر لينين)، وأدت إلى فشل وتلاشي الحركة الشيوعية سوفييتية الطابع.
إذن، ستالين ليس امتداد للينين، بل فرضت مصالح السلطة السوفييتية عليه سياسة أعادت ما كان لينين قد تجاوزه في تراث ماركس. وسنلحظ بأن هذا التحوّل طال كلية تصوّر لينين ومنهجية الماركسية ذاتها، حيث استحكم المنطق النصّي الصوري. وبالتالي فقد تساوق ستالين مع الحركة الاشتراكية القديمة التي قطع لينين معها سنة 1914، وعمّم ميلاً اشتراكياً ديمقراطياً في الحركة الشيوعية العالمية قاد إلى فشلها، رغم أنه عاد قبيل وفاته بعامين للتأكيد على أن راية التحرّر قد سقطت من يد البرجوازية و أن على البروليتاريا التقاطها.
وبالتالي، وهو يسمّي الماركسية بالماركسية اللينينية كان يتجاوز لينين ويعيد تعميم رؤية الحركة الاشتراكية والأممية الثانية، على مجمل الحركة الشيوعية العالمية، الأمر الذي جعل هذه الحركة تلعب دوراً مساعداً لبرجوازية كانوا يفترضون أنها تعمل على تحقيق ثورتها الديمقراطية، لكن دون جدوى، حيث كان مشروعها مختلفاً، ويتعلّق بالتشابك مع النمط الرأسمالي العالمي والتبعية له.
ولهذا سنلحظ بأن النقد الراهن الذي حظي به لينين تمثّل في رفض رؤيته لصيرورة التغيير التي إعتبر أنها باتت من مهمات الحزب الشيوعي، و الطبقة العاملة، انطلاقاً من حتمية التطوّر الرأسمالي، هذه الحتمية التي لا يمكن تجاوزها (باعتبار أنها قدرية)، وبالتالي يجب دعم التطوّر الرأسمالي، والوقوف خلف الطبقة البرجوازية. مما جعل النقاد يعودون إلى منطق الحركة الاشتراكية القديمة (الأممية الثانية)، لكن أيضاً يعودون إلى منطق الستالينية التي مثّلها الرفيق خالد بكداش وقادة الحركة الشيوعية العربية (باستثناء سليم خياطة وفهد و عبد الخالق محجوب وفرج الله الحلو، وربما سلام عادل)، و التي أفضت إلى متاهة النظم الاستبدادية التي قامت على دور الجيش المتدخّل نتيجة فراغ القوّة البديلة.
وبالتالي فقد عادوا إلى بكداش ما قبل سنة 1964 المحمّل برؤية “الرفيق ستالين” وبإستراتيجيته. وربما يجري تناسي مرحلة 1937ـ 1964 من تاريخ الحركة الشيوعية، وبأن الإستراتيجية المتّبعة خلالها هي التي أتت بالجيش إلى السلطة، من أجل العودة إلى تبني تلك الإستراتيجية.
لينين وماركس:
إذا كان ماركس هو مؤسّس التيار الذي بات يُعرف بإسمه، حيث أنه كان مبلور المنهجية التي باتت في صلب الماركسية وأسّها، ومحور منظومتها، فإن إضافات لينين مهمة خصوصاً فيما يتعلّق بتحليله لوضع الرأسمالية و النتائج العملية التي إنبنت عليها، وأقصد هنا رؤيته للطبقات التي تحقّق المهمات الديمقراطية، ولدور الماركسية. لكن يمكننا أن نبني على تحليلاته الأخرى أيضاً، سواء فيما يتعلّق بالجدل المادي أو المسألة القومية أو الحزب أو التكتيك أو الدولة….ألخ.
ورغم أهمية دراسة كلّ الماركسيين الآخرين، إلا أن للينين موقع خاصّ، كما يمكن لمس ذلك (وإن بدرجة أقل) لدى ماو تسي تونغ، و لكن أيضاً لدى غرامشي ولوكاش و عدد من المفكرين الماركسيين. أهمية لينين نبعت من تلمّسه لانتقال التناقض من كونه يقوم بين البرجوازية والبروليتاريا في أوروبا إلى كونه أصبح منذ أن أضحت الرأسمالية نمطاً عالمياً (أي أضحت إمبريالية) يقوم بين الرأسماليات المتطوّرة والشعوب المخلّفة. وأن حسم هذا التناقض هو الذي يحظى بالأولوية من أجل تحقيق التطوّر وهزيمة الرأسمالية. ولقد توضّح بعد لينين السبب العميق لتحوّل التناقض، حيث بات حاسماً تطوّر الأمم المخلّفة بتحوّلها إلى أمم صناعية، وكانت طبيعة النمط الرأسمالي العالمي تقف عائقاً أمام ذلك، نتيجة مصالح الرأسماليات ذاتها. ولهذا فقد ارتبط الميل لتحقيق التطوّر بالميل لتحقيق الاستقلال عن النمط الرأسمالي، وبالتالي بالميل لرفض هذا النمط، وليس الانخراط فيه. وهذا يُعطي للماركسية قوّتها لأنها قوّة النقد الأساسية للنمط الرأسمالي، وأساس بلورة مشروع بديل. ولهذا بات عليها أن تُسهم في بلورة مشروع يقوم على تحقيق المهمات الديمقراطية اعتماداً على الطبقة العاملة وعلى الفلاحين الفقراء، كخطوة ضرورية من أجل تحقيقها مشروعها الأساس: أي الاشتراكية.

(3)الماركسية السوفييتية والماركسية

كانت الماركسية السوفييتية إنكفاءة عن الماركسية، حيث أعيد إنتاج المنطق الصوري في المنظومة الجديدة. لكن يمكن أن أوضح الآن أن ستالين حينما كتب كراس “المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية” شطب قانون نفي النفي (والعودة إلى الكراس توضح ذلك) وبالتالي فقد أبقى الفريضة والنفي. الأمر الذي أعاد إنتاج مفهوم الهوية الأرسطي، أي أ هي أ وليس من الممكن أن تكون ب . الأمر الذي فرض إعادة كل المنطق الصوري، حيث التركيز على الشكل و الانطلاق من السكون. لأن الفريضة عادة ما ينظر إليها كشكل ساكن وعكسها ( النفي) سيكون كذلك. وبالتالي بدل أن يكون التناقض بين الفريضة والنفي غنياً ويثمر نفي النفي، بدا هنا كتناقض قطعي، أي يقوم على مبدأ خير/شر، مع/ضد، الذي هو منطق المنطق الأرسطي، ومنطق اللاهوت الديني. الأمر الذي جعل المنطق الصوري هو أس الماركسية السوفييتية وليس الجدل المادي الذي يتضمن قانون نفي النفي حكماً. ولقد قاد ذلك أيضاً إلى اعتبار أن قانون “التراكم الكمي يؤدي إلى تحول نوعي” هو القانون الأساس، مما جعل التطور خطي وحتمي، حيث ليس من الممكن الارتداد. وحيث التاريخ يسير في خط مستقيم صاعد. وهذه الفكرة جلبت في العقود الماضية الكثير من الأوهام.
هذا على مستوى المنهج ذاته، لكنه اكتمل بتقسيم الماركسية إلى “فروع”، هي المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية والاقتصاد السياسي والاشتراكية العلمية. ولقد بدت كفروع تخصصية (المعنى الذي فرضته البرجوازية على العلم، والذي كان في أساس المذهب الوضعي) منفصلة. ولكل منها قوانينه الخاصة دون علاقة مباشرة بينها، رغم أن الماركسية قامت على الترابط بين أقسام البنية التحتية ( الاقتصاد والمجتمع) وبينها وبين البنية الفوقية. كما أن الجدل المادي هو أداة تحليل لكل هذه الفروع وللعلاقة فيما بينها. هذا الأمر أدى إلى أن يهمّش الجدل المادي ويعود كفلسفة تأملية ليس له علاقة بالواقع ( رغم انه روح الواقع). وأصبحت “قوانين” الفروع تلك مطلقة، وهي التي تحدد الواقع. أي أصبح الفكر من جديد هو محدد الواقع. وبهذا عاد منطق القياس ليحكم المنهجية ويتحكم في الواقع. وهي عودة لمنطق قديم هو المنطق الصوري. وهذا ما أشير إليه بتعبير المنطق النصي، حيث النص هو الذي يحكم الواقع. وبالتالي بدل فهم الواقع من خلال الجدل المادي، أصبحت الماركسية هي تطبيق قوانين مسبقة على الواقع، واعتبار القانون أقوى من الواقع. رغم أن الواقع هو أغنى من كل تصوراتنا كما أشار لينين ذات مرة.
وفي إطار ذلك جرى “تقديس” الاقتصاد واعتباره كل شيء واعتبار الفكر ملحق به، أو صورة عنه. وبالتالي صار التطور يعني التراكم على صعيد الاقتصاد فقط دون اهتمام بالفعل الإنساني. وهذا ما جعل الماركسية السوفييتية اقرب إلى الوضعية في شكل اقتصادوي.
لذا سنلمس هنا تحويل في مفاهيم الماركسية قاد إلى تأسيس منظومة مغلقة ومتعالية، أصبحت هي مقياس الواقع، مما حوّلها إلى منظومة مثالية. حيث تحقق أولاً تحوير في بنية الجدل المادي كما أشرنا قام على شطب المفهوم الجوهري فيه، وهو مفهوم نفي النفي (وهو المفهوم الذي حقق هيغل عبره النقلة الضرورية لتأسيس منهجه الجديد: الجدل). الأمر الذي جعل الرؤية الماركسية تقوم على أساس التراكم الكمي الذي يفضي إلى التطور المضطرد، والمفضي إلى التغيير النوعي حتماً. وهو ما عزّز فكرة الارتقائية، حيث بات المسار التاريخي ارتقائي، وأيضاً حدي لا يقبل السلب، وحتمي. إنه الإيجاب فقط، لأن التراكم إيجاب، والتطور النوعي إيجاب كذلك. كما عاد ليكون منطقاً صورياً يقوم على مفهوم “الهوية” وعدم التناقض الأرسطي، وعلى الشكل والسكون. أي عاد ليكون المنطق الصوري فحسب، دون الجدل الذي تبلور مع هيغل. ودون المادية التي نضجت مع فورباخ. واللذين كانا الفريضة والنفي اللذين ضمّنهما ماركس في الجدل المادي. الأمر الذي حوّله إلى منطق صوري يستمد جذوره من منطق أرسطو، أو من وعي القرون الوسطى.
بمعنى أن الجدل المادي قد تلاشى هنا، وتفكك إلى رؤى متعددة مثالية. أولها العودة الى المنطق الصوري وحده دون اعتبار أنه الشكل الأولي للجدل المادي، أو الخطوة الأولى في الجدل المادي. الخطوة الضرورية لتحديد الشكل فقط، قبل الغوص في المضمون عبر الجدل. وثانيها العودة الى المنطق الميكانيكي التراكمي التطوري، بدل كون التراكم أحد عناصر الجدل المادي، ويفعل في ترابط مع قوانين أخرى مثل التناقض ونفي النفي. وثالثها الفصل والتجزيء، و بالتالي تجاوز مفهوم الترابط الذي يقوم عليه الجدل المادي. ومن كل ذلك نشأت النظرة الميكانيكية والنظرة الاقتصادوية والوضعية والعقل الأحادي.
ولقد أصبح الجدل المادي على ضوء تأسيس المنظومة المغلقة تلك متعالياً. حيث انقسمت الماركسية (وبالتالي انقسم الواقع) إلى “فروع علمية”: المادية الجدلية التي تبحث في قوانين الجدل ناقصاً قانون نفي النفي. والمادية التاريخية التي تبحث في قوانين التاريخ (أنماط الإنتاج). والاقتصاد السياسي الذي يبحث في قوانين الرأسمالية. والاشتراكية العلمية التي تبحث في قوانين النظام الاشتراكي. وبالتالي بات لكل فرع قوانينه الخاصة دون لمس الترابط بينها، ودون ربط بالجدل المادي. ولقد نبع تعالي الجدل من أنه انفصل عن المستويات الأخرى، التي هي المستوى الاقتصادي الذي تخصص به “فرع” الاقتصاد السياسي. والمستوى الاجتماعي الذي تناوله “فرع” المادية التاريخية. والمستوى السياسي. ومستوى الوعي الأيديولوجي، وهي المستويات التي تمثل مجال بحثه، حيث أصبح لكل منها قوانينه الخاصة، وبات يُبحث في ذاته. بمعنى أن الجدل المادي لم يعد المنهجية التي تحكم النظر إلى الواقع، سواء في مستوى الارتقاء البشري، أو الواقع الراهن، أو حلم المستقبل. أي أنه انفصل عن البحث في تلك المستويات، وأصبح “مادة فلسفية” ثقيلة الظل، ليس من دور لها في الواقع، أو في وعي الواقع مادام يُنظر إلى تلك المستويات انطلاقاً من “قوانينها الخاصة”، وبمعزل عن الجدل المادي ذاته. بمعنى أنه لم يعد وسيلة النظر إلى الواقع.
هذه مشكلة منهجية حوّرت الماركسية الأصلية، وقلبتها من كونها جدلية ومادية، إلى كونها نصية أو وضعية أو إقتصادوية أو ميكانيكية.
لكن، وربما على ضوء ذلك، ومن أجل تأسيس منظومة مغلقة، كان من الضروري تحويل تصورات ماركس إلى قوانين، عبر منطق انتقائي. حيث أصبحت كل أفكار ماركس قوانين. وبات تحليله السياسي مكافئاً لتجريداته الفلسفية وأبحاثه الاقتصادية الاجتماعية. وبالتالي بات موقفه اللحظي المبني على واقع معين في لحظة محددة قانوناً عاماً يمكن أن يطبّق على كل الظروف وفي كل الأزمان. كما باتت المنهجية التي أسسها مكافئة لأصغر تحليل كتبه. وربما لتحليلات كتبها بناءً على معلومات منقوصة. وحين أصبح كل ذلك قوانين، أصبح من غير الممكن البحث فيها، أو إعادة النظر فيها، أو الإشارة إلى خطئها. فهي كلها مطلقة الصحة لأنها من نتاج ماركس. الأمر الذي حوّله إلى ذات مطلقة تضفي المعقولية على الأفكار التي أنتجها، بدل أن يكون الواقع هو من يضفي المعقولية عليها. وبدل أن تكون مدخلاً لوعي الواقع كونها طريقة تفكير قبل أن تكون قوانين ومفاهيم وتصورات.
فمثلاً فيما يتعلق بأنماط الإنتاج، هل يمكن أن نعتبر أن نظرية المراحل الخمس في ارتقاء البشر من المشاع، إلى الرق، إلى الإقطاع، غالى الرأسمالية، ثم الاشتراكية، نظرية علمية؟
الموقف من المسألة القومية الذي حسم بنص لستالين، وهو النص الذي أصبح يمثل “الموقف الماركسي” منها، يمكن توضيح عدم علميته. ويمكن الإشارة إلى نصوص لماركس وإنجلز ولينين تحتاج إلى نقد وتأكيد خطئها، دون أن نعتبر أنها قوانين. وكذلك تحولت إشارة ماركس غالى “دكتاتورية البروليتاريا” إلى قانون حاكم لطبيعة السلطة في المرحلة الاشتراكية، في وضع جرّدها من مضمونها (القائم على حكم الأغلبية) ليطغى الشكل ( الذي يوشي بالاستبداد) على حساب المضمون. وأصبحت الغطاء الأيديولوجي لسلطة استبدادية حكمت في النظم الاشتراكية. وإذا كنت لا أود الإشارة هنا إلى الظرف الموضوعي الذي فرض تشكلها، فإنني أشير إلى كيفية قسر “مفهوم عابر” قاله ماركس على تكوين استبدادي ليكون غطاءً “ماركسياً”. الأمر الذي فتح باب التشكيك في الماركسية كلها، وليس في طريقة قسر المفهوم على ظرف محدد، وتحويل فكرة قالها ماركس إلى قانون لتبرير واقع محدد.
وفي كل الأحوال، فإن الماركسية تكوين لم يكتمل بعد. لهذا فإن تصوراتها حول قضايا كثيرة في حاجة إلى إنضاج عبر البحث والتحليل العلمي المبني على الجدل المادي ذاته، لكي تتبلور كصيغة تعبر عن رؤية علمية، أو قانون، أو تصور منطقي متماسك.
والقطيعة التي تحققت بين الماركسية السوفييتية والماركسية انطلقت من تحويل ما هو قيد الدرس إلى مدروس، وبالتالي مطلق الصحة كون ماركس/إنجلز هما اللذان تناولاه. أي بتحويل ما هو قيد البحث إلى قانون دون إتباع الإجراءات الضرورية لتحقيق هذه النقلة.
إذن، ستمثل العودة إلى ماركس عودة إلى البحث في كل الماركسية، أو البحث في كتابات ماركس، إنجلز، لينين، وكل الذين أسهموا في البحث الماركسي. وكذلك البحث في المسائل التي تناولوها انطلاقاً من أنها تحتاج إلى بحث مستفيض، والى نقاش وحوار، من أجل إنضاجها واستنباط العلمي فيها.
وهنا يطرح السؤال، ما الماركسية إذن، إذا كنا لم نعتبر أنها قد بلورت قانوناً للارتقاء البشري ينطلق من مفهوم أنماط الإنتاج، ولم نعتبر أنها بلورت تصوراً علمياً من المسألة القومية، ولم تبلور كذلك حلمها الاشتراكي في صيغة علمية رغم إشارات ماركس وإنجلز لتحول الاشتراكية من طوبا إلى علم، ولم، ولم، ولم……؟

(4) تروتسكي والتروتسكية
إذا كانت “الماركسية السوفييتية” هي التي هيمنت في إطار الحركة الشيوعية منذ ثلاثينات القرن العشرين إلى انهيار النظم الاشتراكية (1989-1991)، فإن صوتاً ناقداً كان ينشط لكشف مشكلاتها، هو صوت الاتجاه الذي أسسه تروتسكي، الماركسي المشاكس منذ تأسيس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. ومفتتح نقد التجربة الاشتراكية منذ بدأت ملامحها في الظهور، معتبراً أنها تمثل “دولة عمالية منحطة”.
تروتسكي:
ماذا تعني التروتسكية غير أنها متمردة على الستالينية، ومنافسة لها، رغم إتكائهما معاً على التراث اللينيني؟ هل تضيف ما هو منهجي في الماركسية؟ هل تقدم تصوّراً مختلفاً عما رسمه ماركس/إنجلز ولينين، وبليخانوف وكاوتسكي؟
يمكن أن نتلمس مرحلتان مرّ بهما تروتسكي، المرحلة الأولى: هي تلك التي شهدت الصراع في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، حيث بدأ تروتسكي حليفاً للينين لفترة قصيرة، لكنه كذلك انتهى حليفاً له، لكنه تناقض معه طيلة الزمن الفاصل بين اللحظتين (1902-1917). أي مع سنوات طويلة من الاختلاف قضاها تروتسكي رافضاً منطق لينين، دون أن يكون مع المناشفة، حيث انطلق من أن له خيار ثالث مختلف، توضح في طبيعة الشعارات التي طرحها في ثورة 1905، حيث دعا إلى تحقيق دكتاتورية البروليتاريا مقابل شعار دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية الثورية الذي طرحه لينين.
يشير تروتسكي في مقدمة كتبها لكتابه “نتائج وتوقعات” سنة 1919، ” لقد تكونت مختلف الاتجاهات الإيديولوجية والتنظيمات السياسية داخل الحركة الثورية الروسية بناء على مواقفها من قضية أساسية هي قضية طابع الثورة الروسية.
فمنذ عام 1904 إلى يومنا هذا، اتخذت هذه الخلافات شكل اتجاهين أساسيين: المنشفية والبلشفية. فكانت وجهة النظر المنشفية تقول أن ثورتنا ستكون ثورة برجوازية، أي أن نتيجتها الطبيعية ستكون انتقال الحكم إلى البرجوازية وخلق الظروف الملائمة لقيام البرلمانية البرجوازية. وكانت وجهة النظر البلشفية، بالرغم من إقرارها بحتمية الطابع البرجوازي للثورة القادمة، تعتبر أن مهمة الثورة هي إنشاء جمهورية ديموقراطية بواسطة ديكتاتورية العمال والفلاحين”.
ويشير ” فيما يتعلق بتقييم قوى الثورة الداخلية وتوقعاتها، لم ينضم مؤلف هذا الكتاب في ذلك الحين إلى أي من الاتجاهين الأساسيين السائدين داخل الحركة العمالية الروسية. وبالإمكان رسم الخطوط العريضة لموقفه في ذلك الحين على النحو التالي: إن الثورة، التي ستبدأ كثورة برجوازية فيما يخصّ مهامها الأولى، سوف تولّد صراعات طبقية عنيفة، وهي لن تحرز النصر الأخير إلاّ بعد أن ينتقل الحكم فيها إلى الطبقة الوحيدة القادرة على قيادة الجماهير المضطهدة، وهذه الطبقة هي البروليتاريا. ولمجرد أن تصبح البروليتاريا في الحكم، فإنها لن ترضى بأن تحصر نفسها ضمن البرنامج الديموقراطي فحسب، ولكنها ستجد نفسها مجبرة على تخطيه أيضا؛ وسوف تتمكن من تحقيق الثورة حتى النهاية فقط في حال تحولت الثورة الروسية إلى ثورة تشمل كل البروليتاريا الأوروبية. إذ ذاك يصبح بمقدور الطبقة العاملة الروسية أن تتخطى البرنامج الديموقراطي البرجوازي للثورة بحدوده الوطنية الضيقة، فتتحول السيطرة السياسية الآنية التي تمارسها إلى ديكتاتورية اشتراكية بعيدة المدى”.
وبالتالي فإن الفكرة الأساسية التي قدمها تروتسكي خلال هذه الفترة، تمثلت في شقين (متكاملين كما يبدو في النص)، روسي وعالمي. على صعيد روسيا بنى تصوره على ضرورة تحقيق دكتاتورية البروليتاريا التي تحقق المهمات الديمقراطية. وعلى صعيد عالمي بنى تصوره الروسي على ضرورة امتداد الثورة عالمياً لكي يكون ممكناً تحقيق الاشتراكية، وهو ما اسماه الثورة الدائمة. في الفكرة الأولى تناقض مع لينين، لهذا لم يكن في صف البلاشفة، رغم أنه لم يكن كذلك في صف المناشفة. وفي الفكرة الثانية تناقض مع ستالين حينما طرحت مسألة “الاشتراكية في بلد واحد”. لكنه في هذه المعركة كان يعتقد بأنه وريث لينين، والمعبر عن أفكاره، لهذا أسمى ماركسيته “الماركسية اللينينية”. وبهذا تشكلت “الماركسية اللينينية” التي جوهرها فكر تروتسكي.
هذا هو ملخص رؤية تروتسكي، رغم أن قراءته ضرورية. وربما كان ما يمكن أن يضيفه هو نقده للدولة السوفييتية، التي كانت قد بدأت في “التبقرط”. حيث يمكن أن يكون مفتتح هذا المجال.
صورة تروتسكي في التروتسكية:
يحدَّد تروتسكي في التقابل مع لينين. لهذا يُلخص في أن لينين كان محقاً في رؤيته التنظيمية، وأن تروتسكي كان محقاً في رؤيته لطبيعة الثورة المقبلة، التي حدَّدها بأنها اشتراكية. ولقد عاد التحالف بين الرجلين –كما يشار- حينما تخلى لينين عن هدفه المحدَّد في “دكتاتورية العمال والفلاحين”، بعد ثورة شباط سنة 1917، وتبنى دكتاتورية البروليتاريا، فرفع شعار الثورة الاشتراكية. حيث كان، وهو يطرح هدف دكتاتورية العمال والفلاحين، يسعى إلى انتصار الرأسمالية. لهذا يشير تروتسكي في النص سابق الذكر إلى أنه لم يكن يرى اختلافاً كبيراً بين البلاشفة والمناشفة.
ورغم أن تروتسكي يشير إلى سوء تقديره لسياسات البلاشفة، إلا أن التروتسكيين (ومنهم مثلاً ارنست ماندل) لازالوا يؤكدون على خطل لينين وتراجعه، وصحة موقف تروتسكي. وبهذا تشكلت التروتسكية من التصور اللينيني للتنظيم (كتاب ماندل “النظرية اللينينية في التنظيم” دار الالتزام/ بيروت)، والتصور حول الثورة الاشتراكية والثورة الدائمة. ربما هذا ملخص فقير لها، لكن هذه هي الهيكل الذي يكونها، أو الذي تبتسر فيه.
تروتسكي في كتابه “الثورة الدائمة” ينفي اختلافه مع لينين حول طبيعة الثورة الروسية. رغم أنه يكرر رأيه القديم فيما يتعلق بطابع الثورة في الصين. هل اختلف مع لينين؟ لينين في كتابه “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية” ينتقد تروتسكي دون أن يسميه، لأنه يدعو إلى دكتاتورية البروليتاريا. وبهذا فقد كان شرح تروتسكي للخلافات في الحركة الثورية الروسية كافٍ لتوضيح الفروق بين اتجاهات ثلاثة، أو بين اتجاهين أساسيين وتروتسكي الذي اتخذ موقفاً ثالثاً هو معكوس الموقف الماركسي التقليدي، منطلقاً من أن الطبقة العاملة لا تحقق سوى الاشتراكية، وأن كل المهمات الأخرى السابقة لذلك تنجزها هي وهي تحقق الاشتراكية.
أما لينين فلم يتخلَ عن رؤيته سنة 1917، بل قال أن دكتاتورية العمال والفلاحين أصبحت من الماضي، وبالتالي يجب أن تستلم الطبقة العاملة السلطة، وهو ما نقده بليخانوف عليه منذ سنة 1905، لكن ليس لـ “تطبيق” الاشتراكية بل لتحقيق المهمات الديمقراطية: التصنيع والتحديث وحل مشكلة القوميات والإصلاح الزراعي وكهربة الريف والتعاونيات والتعليم. ولقد استند في هذا التحول إلى اختلاف ميزان القوى الطبقي بين 1905 و1917، وخصوصاً بعد وصول البرجوازية إلى السلطة في ثورة شباط سنة 1917. ولقد ظل يشدد على ضرورة تحقيق المهمات الديمقراطية إلى حين وفاته سنة 1924.
إذن، كما أن ستالين قلب التصور اللينيني معيداً إياه إلى تصور منشفي حول طابع الثورة، فعل تروتسكي الشيء ذاته لكن في الاتجاه الآخر، حيث قلب التصور اللينيني إلى ما كان يطرح هو: أي الاشتراكية. بمعنى أن ما أسسه لينين كتجاوز للاستقطاب بين الرأسمالية والاشتراكية، انطلاقاً من ضرورات الواقع، حينما طرح برنامج ديمقراطي بقيادة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، عاد ليتشكل من جديد على أنقاض تصوره.
ولهذا يمكن القول بأن التروتسكية ليست اللينينية “المنقحة”، بعد تراجع لينين عن تصوره، بل هي التروتسكية كما طرحت منذ سنة 1904-1906، وفي اختلاف مع لينين. حيث أن لينين لم يغيّر من رؤيته بأن تحقيق المهمات الديمقراطية أمر حاسم للوصول إلى الاشتراكية. وبالتالي فإن “تركيب” التروتسكية بالشكل المشار إليه هو من قبيل الاتكاء على لينين أكثر مما هو واقعي.
التروتسكية:
وبالتالي يمكن تلخيص التروتسكية في ثلاث شعارات: الثورة الاشتراكية والثورة الدائمة والأممية أو الحزب الأممي. ماذا يعني كل منها؟
لينين انطلق من “التحليل الملموس للواقع الملموس”، لهذا لحظ وضع روسيا الإقطاعي المتخلف، الذي رغم نشوء البروليتاريا إلا أن تطورها يعتمد على دور الفلاحين الذين كانوا يشكلون أغلبية ساحقة. كما أن روسيا تحتاج إلى أن تصبح صناعية وأن يتحدث التعليم والمجتمع عموماً. وكل ذلك أساسي قبل الحديث عن الاشتراكية، لأنه أساس تحقيق الاشتراكية. بينما اكتفى تروتسكي بوجود البروليتاريا، بغض النظر عن حجمها وفاعليتها. حيث أن مهماتها التاريخية هي تحقيق الاشتراكية. وهنا كان يتقاطع مع المناشفة (مع بليخانوف)، رغم أنه اتخذ الموقف المعاكس الأقصى.
إن تحديد طابع المرحلة (أو الثورة) يتأسس على الظروف الواقعية، ولا ينحكم لحلم ما. وإذا كان وجود الطبقة العاملة يطرح مسألة الاشتراكية، مادامت هي المعنية بتحقيقها، فإن تحديد طابع المرحلة يرتبط بجملة عناصر وليس بهذا الوجود فحسب. منها ميزان القوى الطبقي، وبالتالي حجم ووضع الطبقة العاملة في إطار الصراع الطبقي الواقعي. ومنها المهمات المطروحة، وهل أن إلغاء الملكية الخاصة هو الحل لها؟ وهل أن تحقيق الاشتراكية يعتمد على الاشتراكيين فقط، دون المجتمع؟ حيث أن لتطور الوعي المجتمعي دور أساسي هنا، وهو مرتبط بالتطور الاقتصادي العام، ليس بإرادة أفراد أو حتى طبقة. فحينما اعتبر ماركس وإنجلز أن إلغاء الملكية الخاصة هو حل للتناقض بين الطابع الاجتماعي للعمل والطابع الخاص لوسائل الإنتاج، كانا ينطلقان من أن انتصار الرأسمالية سوف يؤسس لتغيير عميق في الوعي والتكوين المجتمعيين، ولم يكتفيا بنشوء البروليتاريا. كانا يعتقدان بتحقق الحداثة. لهذا لم يميلا إلى إمكانية تحقق الاشتراكية في بلد متخلف (مثل روسيا. أنظر الرسائل المتبادلة مع فيرا زيليش) إلا بعد انتصار الاشتراكية في الدول الصناعية. وهذا الوضع هو الذي كان يجعل المناشفة يصرون على ضرورة انتصار الرأسمالية أولاً قبل الشروع في الانتقال إلى الاشتراكية. ولم يكن ذلك صدفة، أو نتيجة هوى، بل كان نتيجة رؤيتهم للظروف الواقعية تلك. لم يكونوا مخطئين في تقدير الوضع، حيث كانوا يشاهدون مجتمعاً ما قبل رأسمالي (إقطاعي)، في وضعه الاقتصادي، وفي العلاقات والوعي، وغلبة الريف، ونظام الحكم. ولقد كانوا محقين في ذلك لأن الوضع كان في غاية التخلف. كمن خطؤهم في تمسكهم بالحتمية التي كانت تفرض على الماركسية، والمحددة بأن تجاوز الإقطاع هو من مهمة البرجوازية وليس من مهمة أية طبقة أخرى غيرها، دون ملاحظة وضع الطبقات في روسيا، كانت مشكلتهم أنهم لم يروا بأن البرجوازية المتشكلة من رحم الإقطاع، أو بالتواشج معه، لم تعد معنية بأن تحقق ثورتها. تروتسكي لاحظ النصف الآخر، وهو المتعلق بعجز البرجوازية. لكن تحوّل البرجوازية عن هذا الدور لا يعني بأن المهمات التي يفرضها الواقع قد جرى تجاوزها، أو يمكن التقدم دون تحقيقها. كما أن نشوء البروليتاريا ليس شرطاً كافياً لتحقيق الاشتراكية، حيث أن المسألة متعلقة بالتكوين المجتمعي وميزان القوى بين الطبقات. وهذا ما أسس عليه لينين كل تصوّره المشار إليه سابقاً.
لهذا كانت الدعوة لتحقيق الاشتراكية “شطحة” لا يحتملها الواقع. وتسرعاً في التقدم دون رؤية ميزان القوى الواقعي، ومجمل الظروف التي تتحكم فيه. وهذه المسألة إلى الآن ليست ممكنة في الأمم التي لم تصبح أمماً صناعية بعد.
بخصوص الثورة الدائمة، فقد طرحها تروتسكي أولاً كصيغة للتحوّل الداخلي، حيث “إن الثورة، التي ستبدأ كثورة برجوازية فيما يخصّ مهامها الأولى، سوف تولّد صراعات طبقية عنيفة، وهي لن تحرز النصر الأخير إلاّ بعد أن ينتقل الحكم فيها إلى الطبقة الوحيدة القادرة على قيادة الجماهير المضطهدة، وهذه الطبقة هي البروليتاريا”. بمعنى انتقال الحكم إلى البرجوازية ومن ثم إلى البروليتاريا. وهي الصيرورة التي أشار إليها ماركس وإنجلز فيما يخص وضع ألمانيا، حيث تسيطر البرجوازية الصغيرة ومن ثم البروليتاريا، وهو ما أسمياه في حينها: الثورة الدائمة (رسالة العصبة).
لكن ” إن من مصلحتنا و من واجبنا أن نجعل الثورة دائمة, إلى أن تُطرد من السلطة كل الطبقات المالكة شيئا ما, و أن تستولي البروليتاريا على السلطة العامة, و إلى أن تحرز جمعية البروليتاريا, ليس فقط في بلد واحد بل في كل بلدان العالم الرئيسية, التقدم الكافي لإلغاء المزاحمة بين البروليتاريا في هذه البلدان, و تركيز قوى الإنتاج الحاسمة على الأقل بين أيديهم” (رسالة العصبة). وهو ما يبني تروتسكي عليه تصوره الآخر، أي: الثورة العالمية. حيث يجب أن تنتقل الثورة من بلد إلى آخر دون توقف. وبهذا تكون ثورة دائمة. ولقد تناقض مع ستالين حينما طرح هذا الأخير مفهوم “الاشتراكية في بلد واحد”، لأنه كان يرى أنه يجب أن تمتد الثورة إلى أوروبا، وأن مهمة البروليتاريا الروسية فعل ذلك، وليس التوقف عند استلام السلطة في روسيا. بينما كان يشير الوضع العالمي حينها أن الموجة الثورة قد انكسرت أو تكاد، رغم أنها تصاعدت بعدئذ ثم انكسرت كذلك.
هنا سنلمس بأن تروتسكي يرى الثورة مثل “النار في الهشيم”، تنتشر حالما تحدث في مكان ما. وهو هنا يتجاهل الوضع الخاص في كل بلد، وطبيعة الصراع الطبقي فيه، وأثر الحدود القومية. إنه لا يرى تفاوت التطور، وبالتالي تفاوت “ظروف الثورة”. رغم أن النمط الرأسمالي كان قد أصبح نمطاً عالمياً بمعنى ما. وهو عالمي، لكنه يحوي هذا التفاوت في التطور. دون أن نتجاهل بأن عالمية النمط يمكن أن تؤسس لنشوء تناقضات تطال أمماً عديدة. وبالتالي يمكن أن يشهد العالم ثورات متعددة في الوقت ذاته، يمكن أن ينتصر بعضها وينهزم الآخر. وبالتالي يمكن أن تتشكل موجات من المد الثوري كما حدث في أوروبا إبان ثورات سنة 1848 الديمقراطية، وأيضاً الثورات بعد الحرب العالمية الثانية في الصين والهند الصينية وكوريا. أو ثورات التحرر الوطني. لكن كل ذلك مثّل موجات سرعان ما تلاشت.
فالتاريخ موجات وليس إندفاعة مستمرة. حيث تتهيأ الظروف لقيام ثورات في مرحلة ما في العديد من الأمم، لكنها تصل إلى نهاية فتتوقف، لتعود من جديد بعد زمن. وهذا ما يجعل الثورة صيرورة متقطعة، ولهذا ليس من ثورة دائمة.
ثم أن التشكل القومي، ونشوء الدولة القومية (الدولة/الأمة) يفرض أن يرتبط الصراع في هذه الحدود، لهذا يتشكل الصراع الطبقي كصراع في إطار الحدود القومية. وهذه هي فكرة ماركس وإنجلز في “البيان الشيوعي”. وإذا كان يمكن التعاون بين الطبقات العاملة، كما يمكن التنسيق، فإن التشكل القومي يقف حجر عثرة أمام التدخل المباشر من سلطة (اشتراكية) لدعم البروليتاريا في أمم أخرى. وحدود العون ليس بقادرة، بالضرورة، على انتصار ثورات أخرى. إن تحقيق التغيير هو من فعل داخلي ينطلق من صراع الطبقات في الإطار القومي، لهذا لن يكون ممكناً انتقال الثورة إذا لم تكن الظروف الداخلية قادرة على ذلك.
بمعنى أنه إذا كانت الثورة الدائمة تعني التدخل المباشر من قبل الدولة الاشتراكية المنتصرة (وهذا ما لم ألمس أنه طرح من قبل تروتسكي أو التروتسكيين)، فهذا ما يعرّض الثورة المنتصرة للخطر الحقيقي. أما إذا كان مبدأ “النار في الهشيم” هو الملخص لهذه الرؤية، فإن هذا مرتبط بالظروف الواقعية في الأمم الأخرى، وليس بالإرادة والطموح. لهذا بدا شعار الثورة الدائمة كشعار مبهم ومربك، حيث يوحي أحياناً بضرورة التدخل، وأخرى بالامتداد “العفوي” للثورة.
إذن، ليس من ثورة دائمة. التاريخ يشهد موجات من المد الثوري فقط. هناك تقدم، وانكفاء، هناك توسع في المد الثوري، ثم هناك توقف. وهذه هي صيرورة التطور الثوري. وبالتالي ليس من الممكن إطلاق صفة الديمومة إلا بالمعنى المجرد، وهذا التجريد هو الذي جعل الثورة وهماً، وليس الثورة الدائمة فحسب. الثورة هي نتاج وضع ثوري، هو مؤقت، ولهذا هناك ثورة وهناك استقرار. والثوري من استطاع التقاط اللحظة الثورية تلك. وهي اللحظة التي يجب أن تبنى عليها الإستراتيجية الثورية. إذن، ليس من ثورة دائمة.
وإذا كان شعار الثورة الدائمة يشير إلى ضرورة توسيع الثورة عالمياً، فإن الرؤية التي حكمت تحقيق ذلك هي “الحزب الأممي”، الحزب العالمي ذو الفروع في البلدان المختلفة بغض النظر هل هي أمم أم فتات أمم. ورغم أن بغض الاتجاهات التروتسكية لا تغفل المسألة القومية فإن الصيغة العامة التي تشكلت عبرها التروتسكية أفضت إلى “التقليل من” أهمية المسألة القومية، والى تجاهلها في أحيان كثيرة. وكذلك إلى رفضها. وهو الأمر الذي جعل التروتسكيين لا يرون أهمية المسألة القومية في تطور الأمم في العديد من المناطق، منها الوطن العربي. فرغم أنهم يطرحون شعار الفيدرالية الاشتراكية، إلا أن هذه الفيدرالية هي لـ “الشرق الأوسط” ملغين الطابع القومي لهذه المنطقة، أحياناً تحت حجة وجود أقليات قومية. بتجاهل كامل لمسألة أن التطور في الوطن العربي لن يكون إلا في إطار حل المسألة القومية العربية وليس حل مسألة الأقليات فقط.
إن عالم اليوم لازال هو عالم أمم، ولكل أمة وضعها وظروفها ومشكلاتها، وليس من الممكن أن تناضل الطبقة العاملة إلا في إطار الأمة، ومن أجل تحقيق الأهداف العامة التي تسمح بتطور الأمة وصولاً إلى الاشتراكية. وهي هنا إذن قومية، أي تنشط ضد الرأسمال “القومي”، ومن أجل تطور الأمة وحداثتها، وبالتالي وحدتها. وهو الأمر الذي يجعل الماركسية هي أداة وعي الواقع من أجل تحديد هذه الإستراتيجية. وهذه هي مهمة الطبقة العاملة أولا، أما دورها الأممي فيتحقق عبر التفاعل والتنسيق مع الطبقات العاملة الأخرى لبناء توافقات عمل مشتركة ضد الرأسمال الإمبريالي.
وعلى أساس ذلك فالحزب الماركسي هو حزب “قومي” ابتداءً. لأنه نتاج الصراع الطبقي في الإطار القومي، وأمميته تتمظهر في ميله لتحقيق أقصى تنسيق مع الأحزاب الماركسية في العالم من أجل تنظيم النضال ضد الإمبريالية. وهذه المهمة لا تؤسس لضرورة نشوء حزب عالمي، لأنه حينها سوف يبقى معلقاً في ما هو عام (في العموميات) دون تلمس الظروف الواقعية في كل أمة، ودون أن يستطيع أن يعبر عن الطبقة العاملة في الصراع الطبقي القومي (أي في الإطار القومي). وبالتالي يكون كقشرة خارجية، وكلما انخرط في الصراع الطبقي القومي سوف يندفع نحو الابتعاد عن المركز الحزبي الأممي.

(5) ماو تسي تونغ والماوية:
رغم تمسكه بستالين كـ “صديق الشعب الصيني” فقد ظل لينينياً بعد أن عاد ستالين بليخانوفياً مبتذلاً. فقد اختلف منذ البدء مع الإستراتيجية الستالينية في الصين التي كانت تدفع الحزب الشيوعي إلى الالتحاق بالكومنتانج، الحزب البرجوازي الصيني. حيث رأى بأن على الحزب الشيوعي أن يقود النضال ضد الإقطاع، نافياً إمكانية أن يلعب الحزب البرجوازي الدور الذي يحقق تطور الصين وتحديثه. لقد أصرّ على أن القيادة هي للحزب الشيوعي، وأن على هذا الحزب أن يلعب دوره المستقل دون اضطرار للتبعية لحزب البرجوازية.
لكن، مع ضعف الطبقة العاملة، والدمار الذي أصابها بعد انتفاضاتها، لجأ إلى الريف لكي يقود الفلاحين الفقراء، ويؤسس منهم جيشاً قادراً على النصر.
انطلقت الإستراتيجية التي رسمها ماو تسي تونغ من أن الثورة البرجوازية بالمعنى القديم قد انتهت، وأن الثورة البرجوازية باتت لا تتحقق إلا بقيادة الطبقة العاملة والحزب الشيوعي. لكنه كان يرى بأن تحقيق هذه الثورة يفرض التحالف مع الفلاحين والبرجوازية الصغيرة، ومع البرجوازية الوطنية لكن بحذر. ولقد تصارع مع الكومنتانج الممثل للبرجوازية الكومبرادورية منذ أن تحوّل عن “مبادئ الشعب الثلاثة” (أي التحالف مع الاتحاد السوفيتي والتحالف مع الحزب الشيوعي، وتحقيق مصالح العمال والفلاحين)، واتبع سياسة تصفية الحزب الشيوعي والتحالف مع القوى الإمبريالية. لكنه تطرح التحالف معه في الحزب ضد اليابان حينما بدأت في احتلال أراضي الصين.
كان ينطلق من أن الفلاحين هم الأغلبية الساحقة من الشعب الصيني (حوالي 80%)، لهذا اتبع إستراتيجية بناء القواعد المسلحة في الريف، والزحف إلى المدينة التي كان يخترقها الحزب. وبهذا فقد تبلورت الماوية في ثلاث أسس هي: 1) قيادة الحزب الشيوعي لثورة هي ليست الاشتراكية بل الثورة الديمقراطية، و2) الحرب الشعبية كسياسة من أجل مواجهة الكومنتانج وخوض حرب التحرير من اليابان، و3) الجبهة المتحدة مع البرجوازية حين تفرض الضرورة ذلك، والتحالف مع الفلاحين والبرجوازية الصغيرة.
وإذا كان ماو تسي تونغ قد برع في صياغة الإستراتيجية والتكتيك، حيث درس وضع الطبقات، وحدَّد الطبقة الجذرية ومجمل الطبقات التي ستسهم في تحقيق الثورة الديمقراطية، وكذلك حدَّد شكل الصراع في وضع الصين، كونه يتمثل في خوض الحرب الشعبية، فقد قدّم إسهامات نظرية مهمة، ربما يمكن القول بأنها أضافت في الماركسية، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة التناقض، والعلاقة بين النظرية والممارسة.
في التناقض
هذا نص مهم، لأنه يبحث في مسألة التناقض. ولاشك في أن ماو تسي تونغ قد قدّم إضافات مهمة في هذا البحث، حيث أشار إلى لا أحادية التناقض، أي تعدد التناقضات، وميّز، من ثم، بين الرئيسي والثانوي فيها، كما أنه دخل في تفصيلات عن الطرف الرئيسي في كل تناقض، ومركز التعادي فيه، إضافة إلى إشارته إلى عمومية التناقض وخاصيته، والى الوحدة والصراع بين طرفي التناقض. وبالتالي فقد عمل على أن يجعل وعي الواقع أكثر شمولية، وعمقاً، لأن الواقع متعدد الصراعات نتيجة تعدد التناقضات. وبالتالي من الضروري فهم الرئيسي والثانوي فيها، وكيفية التعامل مع كل منها من أجل حسم التناقض الرئيسي.
لكن لا بد من التنبيه إلى أن التناقض هو “القانون الأول” في الجدل المادي وليس كل الجدل المادي كما بدا لدى قطاع من المعجبين بالنص. وإذا كانت هناك إشارات فيه تشير إلى قانون التراكم الكمي والتغير النوعي فقد بدا وكأنه ينفي وجود القانون الثالث الذي يضم هذين القانونين (التناقض والتراكم) ليحقق الانتقالة/ التركيب، وهو قانون نفي النفي. حيث ليس التناقض هو بين طرفين ينتصر أحدهما فتحلّ المسألة، وإلا لما كانت هناك صيرورة، حركة، في الواقع. وما من شك في أن تبسيط الجدل إلى “التناقض” فقط كان يفضي إلى تحويل الجدل كله إلى منطق صوري، إلى مفهوم الهوية الأرسطي الذي ينطلق ليس من تناقض ووحدة في التناقض بل من التعادي المطلق، التضاد، الذي يفرض تصوير الواقع في ثنائيات متعادية، والصراع هو من أجل تهشيم أحدهما. وهو المنطق الذي ساد لدى تيارات ماوية.
وبالتالي، حين يجري تناول التناقض يجب أن يكون واضحاً أننا إزاء أحد قوانين الجدل المادي، والذي لا يفعل وحده، بل عبر القانونين الآخرين، وبالتفاعل معهما، حيث لا يتفاقم التناقض بين طرفيه إلا عبر التراكم المتحقق في كل منهما، وإذا حسم لمصلحة السلب (النفي) فمن أجل إعادة صياغة مجمل التكوين المجتمعي في تركيب جديد.
وسنلحظ هنا بأن قسر الجدل على التناقض، أو إحلال التناقض محلّ مجمل الجدل، قد فرض على ماو تسي تونغ أن يُدخل القانونين الآخرين تحت عباءة التناقض، وأن يجهد في تفسير مسائل لم تكن لتستوعب تحت هذه العباءة. كما جعلته يفصّل في مسائل لم يكن الشرح يسعفه في توضيحها، مثل “الطرف الرئيسي في التناقض”، ومثل “مركز التعادي في التناقض”، الذي يبدو وكأنه يتعلق بالتراكم الكمي والتغير النوعي وليس بالتناقض كتناقض، أو يتعلق بالأشكال التي يتخذها التناقض في صيرورة التراكم فيه. وهو الأمر الذي أرهق البحث، وخلق تشوشاً حول التناقض ذاته.
وبالتالي، فلأنه اعتبر أن التناقض هو القانون الأساس (والوحيد) في الجدل المادي فقد دخل في متاهة، الأمر الذي فرض عليه “تحوير” القوانين الأخرى: التراكم ونفي النفي، عبر قولبتهما في إطار قانون التناقض. وهذا يتوضح في العديد من المواضع، حيث يعطي تسمية مشتقة من التناقض لعملية تتعلق بالتراكم الكمي والتغير النوعي، أو حتى بالنفي ونفي النفي.
إذن، يجب النظر إلى النص على أنه يتعلق بقانون من قوانين الجدل المادي، وليس بالجدل ذاته. وهو هنا يقدّم ما هو مفيد ومهم.
حول الماوية
هذا “التنافر” بين ماو وستالين كان يتهمش كلما تبلورت الماوية كماوية، ولهذا سنجد بأن تشكل الماوية أعاد الستالينية بشكل ما. أقصد بأن كل التراث الفلسفي الماوي كان يتهمش، أو كان –كما أشرنا للتو- يتحول الى منطق صوري (وهذا هو جوهر الستالينية النظري). وأصبحت تختصر الماوية في بضع “قوانين” هي الهادي في مختلف البلدان والظروف. بحيث أصبحت الحرب الشعبية هي شكل الصراع في كل الظروف، وأصبحت الجبهة المتحدة قانوناً مطلقاً. رغم أن الماويين قفزوا عن الطبيعة الديمقراطية للثورة، محددين أنها ثورة اشتراكية. وهو ما أوجد اختلاطاً كبيراً، وأبان عن سوء فهم فظيع، فكيف فما هي الحاجة لجبهة إذا كان المطلوب هو تحقيق الثورة الاشتراكية؟
ولقد أصبح تحديد ماو لوضع الصين بأنها بلد شبه إقطاعي شبه مستعمر هو قانون يشمل كل الأمم المخلفة. وهو الأساس الذي فرض التزام كل “القوانين” الأخرى (أي الجبهة والحرب الثورية والفلاحين).
والماوية بذلك أعادت صياغة “المنطق النصي” الذي ترعرع في الستالينية، وشطبت أهم ما في الماركسية، وأهم ما قدمه ماو: أي المفهوم الفلسفي (الجدل، التناقض). لقد أصبحت “روشيتة” مناسبة لكل وضع، وفي مختلف الظروف.
وإذا ما درسنا وضع الحركة الماوية سوف نجد أنها ترعرعت في البلدان ذات الطابع الفلاحي أكثر من أي بلدان أخرى، مثل النيبال والبيرو، وكولومبيا، ولم تصبح ذات شأن في البلدان ذات الطابع المديني الغالب. ربما لأن جل التحليل الماوي ارتبط بوضع الصين الفلاحي. وفي كل الأحوال هذا وضع ملفت ويستحق الانتباه.
لاشك في أن ماو تسي تونغ قد قدم حلولاً لمشكلات صينية، وهي في كل الأحوال تستحق الالتفات، لكن أهم ما قدمه هو إضافته “الفلسفية” التي كانت تغني الجدل المادي (مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات السابقة)، وبالتالي لا يجوز أن يجري تحويلها الى “أيديولوجية” أو “نظرية” أو “قوانين”، بل يجب وضعها في سياق الفهم الماركسي وربطها بالأساس المنهجي الذي توصل إليه ماركس، والذي أسهم لينين في توضيحه. أما الإستراتيجية التي اتبعها فليس من الممكن أن تكون أساس إستراتيجية في اي بلد آخر، وإن كان يمكن الإفادة منها، حيث أنه يجب البدء مما بدأ ماو به، أي تحليل وضع الصين، تحليل وضع الطبقات، وتحديد مصالح الطبقات، ومن ثم تحديد السياسة الضرورية من أجل تحقيق الثورة الديمقراطية، التي لازالت هي الطابع العام للثورات في الأمم المخلفة. وهنا يمكن القول بأن ما هو صحيح وحقيقي فيما طرح ماو (وقبله لينين) هو من يقود هذه الثورة، هل البرجوازية أو البروليتاريا؟ حيث هنا يتوضح الاختلال الماوي مع الستالينية، وقبله الاختلال اللينيني عن الستالينية. فالثورة لن تنتصر إلا إذا استطاع العمال والفلاحون الفقراء قيادتها (أو لعب الدور القيادي فيها)، عبر فاعليتهم ورؤيتهم السديدة التي توفرها الماركسية بما هي منهجية (وليس بما هي نصوص وأفكار هي نتاج تحليل واقع معين في زمن محدَّد). أما شكل الصراع ومسائل التحالف ودور مجمل الطبقات فيخضع للوضع العياني.

الفصل الثالث:
الإجابات حول الماركسية

ربما كان السؤال الأولي الذي يحتاج إلى مناقشة هو: ما الماركسية؟ رغم أنه يبدو كبديهية. فقد جرى اعتبار أنه مفهوم وواضح دون تمحيص، أو دون الحاجة إلى تمحيص، أو إلى التدقيق. لهذا كان من الضروري أن يُطرح من جديد، نتيجة هذه البديهية التي وُضع فيها. وهي البديهية التي تفرض تكرار طرحه، حيث أنها تفرض أن تواجه في صيغة صادمة لكي تنتهي كبديهية.
لقد كانت تعرّف الماركسية بشكل تقريري. وبالتالي كانت الإجابة غير المباشرة على هذا السؤال بسيطة، سهلة، وجازمة. وتراوحت بين التأكيد على أنها أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو أنها نظرية الثورة الاشتراكية، أو هي كذلك دكتاتورية البروليتاريا. وكان عدم ربطها بالطبقة العاملة والثورة الاشتراكية يشكك في ماركسية الذين يفعلون ذلك. حيث أن التأكيد على أنها أيديولوجيا الطبقة العاملة كان هو المحدِّد لماركسية الفرد لدى البعض،وربطها بالثورة الاشتراكية تحديداً هو المحدِّد لماركسية الفرد لدى بعض آخر. وبالتالي كانت الطبقة العاملة والثورة الاشتراكية هما أساس تحديد الماركسية، ودونهما تكون التحريفية، أو التخلي عن الماركسية.
لكن ما هي ماهيتها؟ حيث أن هذا التحديد يتجاوز ماهيتها بالتحديد، لأنها تعرّف بدلالة الآخر، الذي هو الطبقة العاملة، أو الثورة الاشتراكية، أو هما معاً. وبالتالي يجب تحديدها بدلالة ذاتها، وليس بدلالة آخر.
ولاشك في أن كونها أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو نظرية الثورة الاشتراكية، هو ما لاشك فيه بمعنى ما، لأنها تتضمنهما معاً. فهي في صيغة ما أيديولوجيا الطبقة العاملة، وهي في صيغة أخرى نظرية الثورة الاشتراكية. لكن قصرها على أن تكون أيديولوجيا الطبقة العاملة أو نظرية الثورة الاشتراكية فقط، فرض أ، تتحوّل إلى نص مسبق جاهز، أنجز مع ماركس (أو لينين، أو ستالين، أو تروتسكي، أو ماوتسي تونغ)، وبالتالي أصبح المطلوب هو تطبيقها. من هنا نشأت “نظرية”: النظرية والتطبيق، والتي قادت إلى تركيز البحث في هل أن الخلل هو في النظرية أو في التطبيق. وكان ذلك يتجاوز الظروف الموضوعية وتحوّلاتها (الصيرورة)، بحيث غدت تختلف عما كان في زمن ماركس حينما بلور تصوره عما يجب أن تكون علية أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو عما يجب أن تتحقق وفقه الثورة الاشتراكية. إن أيديولوجيا الطبقة العاملة تختلف من ظرف إلى ظرف، ومن زمن إلى آخر، لأن الأيديولوجيا هنا هي نتاج وعي الظروف الموضوعية، من أجل تحديد الأهداف الممكنة وفقها، وبالتالي طبيعة الحلم المستقبلي للطبقة العاملة الذي يمكن وحده أن يكون عاماً، وبالتالي واحداً. لهذا يكون من الضروري تحديد أيديولوجيا الطبقة العاملة في كل بلد، وفي كل ظرف، مما يجعلها ليست “ثابتة”، و”موحدة”، بل متغيرة وفق الظرف الموضوعي ذاته. وإذا كانت تتضمن إطارات عامة موحدة فإنها لا تتضمن أيديولوجيا واحدة.
وكذلك الوضع فيما يتعلق بنظرية الثورة الاشتراكية، التي هي خاضعة للظرف الموضوعي. الأمر الذي يجعل قولبتها في “قوانين” منافياً للواقع ومناقضاً له.
والمشكلة التي حكمت تحديد الماركسية في أنها أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو نظرية الثورة الاشتراكية، هي أنها غدت صيغة مكتملة، محددة مسبقاً، الأمر الذي فرض أن تكون مهمة الماركسيين هي تطبيقها دون الحاجة لوعي الواقع، وفهم الظرف الموضوعي، وتحديد الآليات الممكنة لتغييره. حيث تكرّس المنطق النصي وسادت الدوغما، وتكرّست في الواقع سياسة طفولية انطلقت من أن هدف الماركسيين هو انتصار الطبقة العاملة عبر تحقيق الثورة الاشتراكية، بغض النظر عن الواقع وممكناته.
هذه النتيجة كانت نتاج الانطلاق من نتائج بحث ماركس (لينين، ستالين، تروتسكي، أو ماو) لواقع محدد وفي زمن معين، وبلورته لتصورات حول أيديولوجيا الطبقة العاملة والثورة الاشتراكية. لكن كيف توصل ماركس إلى ذلك؟ كيف بلور أيديولوجيا الطبقة العاملة؟ أو نظرية الثورة الاشتراكية؟
إذا كان تحديد الماركسية بأنها أيديولوجيا الطبقة العاملة يشير إلى ربطها بمشروع سياسي بالأساس، وكذلك الأمر في تحديدها بأنها نظرية الثورة الاشتراكية، وبالتالي تحديدها بحلم الطبقة العاملة النهائي، المحدَّد في تحقيق الثورة الاشتراكية، فإن الأساس هنا هو البحث في الآليات التي أوصلت ماركس إلى هذا التحديد السياسي.
هنا يُطرح البحث في الماركسية كذات، كونها ذات، كماهية، وليس بدلالة الآخر. بمعنى أن البحث هنا يتحدَّد في الآليات التي أوصلت ماركس إلى بلورة “أيديولوجيا الطبقة العاملة”، أو “نظرية الثورة الاشتراكية”. وبالتالي نحن هنا إزاء “طريقة ماركس” التي أوصلته إلى مجمل تصوراته. هذه “الطريقة” هي جوهر الماركسية. والتي على ضوئها توصل إلى قوانين في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وأيضاً في الفكر. وحيث أصبحت كل هذه النتائج العلمية (العلمية فقط) جزءاً من الماركسية. لكن ليس بمعزل عن الطريقة، وإلا تحولت إلى نص مسبق يحدِّد الواقع.
أشير بالتالي إلى المستوى الفلسفي، الذي يمثّل المنهجية التي جاء بها ماركس، والتي أدت على ضوء بحثه في الواقع إلى القوانين التي توصل إليها في الاقتصاد والمجتمع والسياسة والفكر، وبلورت المشروع السياسي للطبقة العاملة، و”نظرية الثورة الاشتراكية”، في عصره بالتحديد، وفي ظرف أوروبا خصوصاً. وبالتالي فإنها كذات تقع في حقل الفكر، أي التجريد النظري، لكنها لا تُستنفذ في ذلك لأنها تصيغ (من خلال البشر) تصوراً يعبر عن مصالح الطبقة العاملة، وبالتالي صيرورة التطور التي تحقق هذه المصالح.
وهذا المستوى يعيدنا إلى هيغل، والى علاقة ماركس به، وماذا أبقى منه بعد أن كسر القشرة الصوفية التي كانت تلف منظومته؟ كما يعيدنا إلى فيورباخ وكل الفلاسفة “الماديين”، وكيف قلب ماركس جدلية هيغل المثالية إلى جدلية مادية.
لهذا أشير عادة إلى أن الماركسية هي الجدل المادي بالأساس. وأقول بالأساس لأنها تتضمن منظومة من القوانين والمقولات التي إنبنت على أساسه. فهو الطريقة التي توصل إليها ماركس وأوصلته إلى مجمل القوانين والتصورات التي طرحها وناضل من أجلها. وهنا يتوضح بأن تراث الماركسية ليس هو الماركسية بالمعنى المنهجي، حيث أنها بالأساس الطريقة، ومن ثم منظومة من القوانين والمقولات والأفكار العلمية. الأمر الذي يخرج منها كثير من التصورات والأفكار والتحليلات التي طرحها ماركس أو إنجلز أو لينين، أو ستالين، أو تروتسكي، أو ماو، أو آخرين، لأنها كانت “بنت زمانها” ولم يعد لها من قيمة سوى أنها مؤشرات، وتراث يمكن أن تُستخلص منه الطريقة ذاتها.
لهذا فإن الجدل المادي هو وحده الذي يعيد صياغة “أيديولوجيا الطبقة العاملة”، و”نظرية الثورة الاشتراكية”، على ضوء الظرف الموضوعي ذاته. وبالتالي فإنهما متغيران بالتأكيد،  رغم التشابه والتقاطعات اللذين يمكن أن يوجدا في الظروف المختلفة، ورغم الاتفاق على الهدف العام الذي هو تحقيق الاشتراكية كمرحلة انتقال إلى الشيوعية. والجدل المادي هو الثابت في الماركسية، وهو أساس إعادة صياغتها بشكل مستمر، وفق الصيرورة الواقعية ذاتها.
وهذا السبب هو الذي يجعل التمسك بأن الماركسية هي أيديولوجيا الطبقة العاملة أو هي نظرية الثورة الاشتراكية، يقود إلى الدوغما، لأن ما صيغ في هذا المجال يتعلق بظرف وزمن محددين لا يمكن تعميمهما عالمياً. الأمر الذي يجعل التمسك بهما تمسكاً بنص مقدس تجاوزه الزمن. وبالتالي فإن وعي الواقع الجديد، وإعادة صياغة أيديولوجيا الطبقة العاملة، أو نظرية الثورة الاشتراكية، يفرض امتلاك الآليات “الذهنية” (أو النظرية) التي أسسها ماركس وكانت أساس بلورته لتكل الأيديولوجيا والنظرية عبر وعيه لواقعه.
وقيمة المنهجية هنا (التي هي الجدل المادي) تتحدد في أن الواقع متغير، وبالتالي فهو يحتاج إلى إعادة قراءة مستمرة ووعي دائم، على ضوء ما هو ثابت، للوصول إلى استنتاجات في كل مرحلة وكل لحظة.
هذا الوضع هو الذي جعل “نظرية الثورة الاشتراكية” لدى ماركس مختلفة عنها لدى لينين، وجعل طبيعة المهام المباشرة لدى لينين مختلفة عنها لدى ماركس.
لقد بدأت الماركسية كتصور “فلسفي”، هو الجدل الذي استمده ماركس من هيغل، مع تحويل وجهته من الفكر إلى الواقع (بما فيه الفكر)، واعتبار أن الواقع هو مؤسس الأفكار وليس العكس. ورغم أن تبلوره لدى ماركس قد استمر عقوداً، إلا أن كل النتائج العلمية التي توصل إليها قامت على إتباعه الجدل المادي. وعبر ذلك توصل إلى قوانين علمية، واستنتاجات صائبة، هي جزء من الماركسية. وهي التي يجب العمل على تحديدها.
لهذا فإن أهم نقلة حققها ماركس، وأهم قطيعة أجراها مع الفكر السابق، كانت في مجال المنهجية، طريقة التفكير ذاتها. وهو هنا أسس لتجاوز منطق أرسطو لأول مرة، بعد أن ساد ما يقرب ألفي سنة. وإذا كانت منهجيات جزئية (مايكرو) قد تبلورت، فإن ماركس قد بلور منهجية عامة (ماكرو). كما هو منطق أرسطو. مع ملاحظة أن منطق أرسطو قد أصبح –منذ هيغل – هو الخطوة الأولى في منطق ماركس. وهو ما أسماه هيغل مستوى الفهم (الذي يليه مستوى العقل). وهذا كان من فعل هيغل قبل ماركس، فهو الذي صاغ المنطق الجدلي، لكن وضعه في قالب مثالي كما أشار ماركس، ينطلق من أولوية الفكر على الواقع، حيث أنه هو الذي يوجد الواقع. وبالتالي فماركس هو الذي أوقف منطق هيغل على قدميه، انطلاقاً من الواقع. هذا التحويل هو الذي أوجد مفاهيم جديدة أسهمت في فهم الصيرورة الواقعية. وهذا ما قاد إلى تبلور المشروع الاشتراكي، وقاد إلى ارتباط الماركسية بالطبقة العاملة.
من هنا يجب أن نحدد الماركسية كونها “ذات” أولاً. أي كونها طريقة في التفكير، وهذا مستوى فلسفي. الأمر الذي يفرض تحديد ماهية الجدل المادي، قبل تحديد المفاهيم والقوانين التي ولّدتها الماركسية. وهنا يجب العودة إلى تاريخ الفلسفة، وكل المقولات التي أنتجتها، لكن بالأساس يجب العودة إلى هيغل الذي بلور تاريخ الفلسفة، وتوصل إلى صياغة الجدل بقوانينه وآلياته ومقولاته. ومن ثم يمكن تحديد إضافة ماركس الذي انطلق من الواقع، حيث قسمه إلى أربعة مستويات: الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، والفكري (الوعي). لتتحدد آليات الجدل في هذه المستويات وما بينها.
ولقد أوصل البحث انطلاقاً من ذلك ماركس إلى التأكيد بأن الاقتصاد هو العنصر المحدِّد، لكن في إطار التفاعل في مجمل البنية. وبالتالي أن البنية التحتية (أي المستويين الاقتصادي والاجتماعي) هي محدِّدة البنية الفوقية (أي الدولة والوعي).
هذا الوضع يفرض، ليس تكرار نتائج ولدت في ظرف ومكان محدّدين، بل البحث في الواقع من أجل التوصل إلى استنتاجات جديدة (وإن كان بعضها مشابهاً لاستنتاجات سابقة، أو مخالفاً له). وهو الأمر الذي يجعل الماركسية كأيديولوجيا وكنظرية بحاجة إلى إعادة إنتاج مستمرة، وهي بالتالي ترفض الانغلاق والتحوّل إلى “عقيدة”، أو “دين”.
إذن، ما الجدل؟ وما هي المفهومات والقوانين الماركسية؟

خاتمة:
الماركسية

إذن،الماركسية هي منهجية، هي الجدل المادي. هذا أساس. رغم أنها تتضمن مجموعة من القوانين التي تبلورت مع ماركس، أو إنجلز، أو لينين، أو ماو أو آخرين. لكن ما يواجهنا هنا هو التحديد الصحيح لهذه القوانين، حيث أنها تُخضع عادة للأهواء الأيديولوجية، وبالتالي يتحول كثير من الأفكار التي نتجت عن محاولة لفهم وضع معين زمن ماركس أو إنجلز أو لينين، إلى قوانين. وبالتالي تتشوش الماركسية ذاتها. لهذا يجب أن ننطلق من أن الجدل المادي هو الأساس، الذي على ضوئه يمكن تحديد القوانين.
وهنا يجب أن نميز بين القانون والمفهوم والمصطلح، وكذلك الأفكار التي يمكن أن تتجاوز راهنيتها. وأن نضع القانون في حدوده، فلا يخرج عن سياقه فيتحول إلى قانون عام وهو يتعلق بمستوى محدد (المستوى الاقتصادي مثلاً، وهنا قانون فائض القيمة). أو خلط قانون يتعلق ببنية محددة ببنية أخرى.

بعد ذلك
الماركسية هي التي، وانطلاقاً من المنهجية، تُكوِّن أيديولوجية الطبقة العاملة، تؤسس أيديولوجية الطبقة العاملة. تصبح نظرية الطبقة العاملة. لكن الطبقة العاملة المحدَّدة في وضع معين وبلد محدَّد.

وهي، انطلاقاً من ذلك أيضاً، تكوّن الرؤية التي تبلور الثورة الاشتراكية. تصيغ نظرية الثورة الاشتراكية وفق كل ظرف وكل زمن.
وهي، انطلاقاً من ذلك، تبلور صيغة الدولة التي تتوافق مع مصلحة الطبقة العاملة، وتبلور آليات حكمها.
الماركسية أساساً، وفي البدء، منهجية في التفكير بصفتها “نظرية” تتعلق بالمجتمع (أي بالاقتصاد والبنى الاجتماعية والدولة والوعي). وهنا تتضمن تصورات ورؤى لطبيعة هذا المجتمع، كما تتضمن رؤى لآليات تغييره. وكذلك لكل أشكال الممارسة الضرورية لتحقيق هذا التغيير.
إنها منهجية تلتف حولها منظومة من المصطلحات والرموز والمفهومات والتحديدات والقوانين، هدفها وعي الواقع ووعي آليات تغييره، وصيغة النمط البديل. وهي، فيما عدا المصطلحات والرموز والمفهومات والقوانين، تنطلق مما يفرضه الواقع، مما يحدده الواقع. أي، وبالتحديد، من الواقع لتحديد آليات التغيير والأهداف وصولاً إلى النمط البديل.
وبالتالي فإذا كانت تتضمن ما هو مطلق، فهي تتضمن ما هو متغير. أو بالأساس تنطلق من التغير/ الحركة، التحول، الصيرورة، فهذه كلها في أساس الجدل المادي. فهو مادي لأنه ينطلق من الواقع، وهو جدل لأنه يقوم على التحول والتغير والصيرورة.