Monthly Archives: يوليو 2010

عن الوطن البديل: الأردن في الاستراتيجية الصهيونية

ينشغل مثقفون، وبعض القطاعات الاجتماعية، بمسألة الوطن البديل. وهي الفكرة التي طرحت منذ زمن ضمن الاستراتيجية الصهيونية وأعيد طرحها بعد نجاح حزب الليكود و«القوى اليمينية» في تأليف الحكومة، إذ باتت تُناقَش في الكنيست (وكذلك يقال إنها مطروحة في أروقة الكونغرس الأميركي). وإذا كان ضرورياً الانشغال بكيفية مواجهة ذلك، فإن المتابع للنقاشات والبيانات يلمس أنها تبعد عن تناول جوهر الموضوع ـــــ وهو أن الدولة الصهيونية تطرح مخططاً يستهدف الأردن ـــــ إلى تناول مسائل لا تفعل سوى خلق الاحتقان الأردو ــــ فلسطيني، وبالتالي تهيئة الساحة لحرب ليس من السهل أن نعرف ماذا نسميها هذه المرة، أهي طائفية كما حدث في لبنان؟ أم هي «قومية»، وهي تجري بين أفراد شعب واحد؟ ربما دخلنا في مرحلة تفرض تسميات جديدة، فهنا التداخل القبائلي والديني قائم. ولقد أسميت هذا الاحتمال مرة بـ«حرب إثنية محدثة».

ربما يوضح ما يجري مدى السطحية التي لا ترى مصدر الفكرة بل تلمس الجسم الذي فصّلت عليه، ليصبح الصراع هو مع هذا الجسم بدل ملاحظة الطرح الذي يطرحها والهدف منها. فتصبح المسألة هي مسألة كيف يبعد «الأردني» «الفلسطيني» عن السيطرة على الدولة، وكيف يتشدد الفلسطيني لشعوره «التاريخي» بالتهميش. وكل ذلك يجري في إطار قشرة، لكنها لا تفعل سوى خلق احتقان ثمّة من يستعد للإفادة منه لتفجير هذه الحرب الإثنية المحدثة، وهو طبعاً الدولة الصهيونية التي تريد نقل القضية الفلسطينية من أرض فلسطين إلى الأردن.

في هذا الوضع مثلاً، ما علاقة الحقوق السياسية للفلسطينيين الذين يسكنون الأردن بفكرة الوطن البديل لكي يجري التحريض من أجل إلغاء حقوقهم السياسية؟ هل سيتحقق الوطن البديل عبر الانتخابات؟ وهل الفلسطينيون هم من يعمل على تحقيقه عبر الانتخابات؟ وهل من الممكن وقف تحقيق الوطن البديل عبر وقف حق الانتخاب؟

لكن، من يظن أن «الوطن البديل» سيتحقق عبر الانتخابات لكي تصبح المشاركة السياسية لفلسطينيي الأردن هي المشكلة؟ وهل النظام الانتخابي ديموقراطي إلى هذا الحد؟ أليس التزوير هو أساس كل الانتخابات التي جرت، والتي ستجري؟ بالتالي، إن منطق التفكير هنا ساذج لأنه يفتعل مشكلة في غير موضعها. فليست «الأغلبية الفلسطينية» هي التي تحسم في قضية الوطن البديل، وليس «الخطر الديموغرافي» هو المشكلة. ليست هنا المشكلة على الإطلاق، لأن من يطرح فكرة (وأقول فكرة لأنه ليس هناك وطن بديل) لا يريد السلاسة في الانتقال عبر انتخابات، بل يريد إثارة الاحتقان والاقتتال، وهو ما يجعل طرح فكرة سحب الجنسية (وإن عن جزء) وتقليص الحقوق مجالاً للاستغلال من أجل استثارة قطاع من الفلسطينيين في سياق تعميق الاحتقان وصولاً إلى الاقتتال.

الأخطر هنا إذاً، هو أن الفكرة الصهيونية تتحوّل في الوعي المشوّه والسطحي إلى فكرة فلسطينية. بمعنى أن هناك من «الأردنيين» من يتعامل معها وكأنها مشروع فلسطيني، مشروع يحمله الفلسطينيون ويعملون على تحقيقه، الأمر الذي يدفع إلى «الارتداد التعصبي» في قوقعة «الأردنة»، ليحمل «السيف» للدفاع عن «وطن الأجداد» في مواجهة غاصب «فلسطيني». ويكون الحل بتجريد الفلسطينيين (أو جزء مهم منهم) من الحقوق السياسية. هذا هو معنى البيانات التي صدرت في الآونة الأخيرة، والتي انطلقت من «دسترة فك الارتباط»، أو من «قوننة فك الارتباط»، أو من سحب الجنسية من جزء كبير من الفلسطينيين، أو تقسيم فلسطينيي الأردن إلى فئات وزمر. هنا بات يُنظر للفلسطيني كخطر قادم، ويصبح التحريض ضده أساس سياسة، بينما يجري تجاهل أن الدولة الصهيونية هي التي تطرح هذه الفكرة، وأن هدفها بالضبط هو استثارة حرب تطحن الكل، وتهيئ لمد السيطرة الصهيونية إلى شرق النهر. بمعنى أن ما يحرّك هو الحساسيات والتخوفات وليس رؤية واضحة لما يجري. وربما يكون هناك من الفلسطينيين، سواء الكومبرادور المرتبط أو غيره ممن يعتقد بأنه سيصبح الحاكم الجديد في هذه الدولة أو يتوافق مع الدولة الصهيونية على ذلك. وبهذا يلعب الطرفان على إثارة الاحتقان بوعي أو بلا وعي. وحين يتبلور الاحتقان، يمكن أياً كان أن يحوله إلى حرب مدمرة. والخطر يكمن في أن الميل التعصبي والعلاج الخاطئ لدى طرف سيعزز التعصب لدى الطرف الآخر، وهكذا دواليك في صيرورة نهايتها دموية.

إننا نطلق العنان لحساسياتنا الصغيرة والضيقة لكي تشعل حرباً. هذا هو الوضع الآن، والذي يتمظهر في «صراع بيانات ومقالات» يمكن أن يتحوّل إلى حرب حقيقية. ومع كل احترامنا للضباط المتقاعدين، ولكل التخوفات من كل الأطراف، فإن ما يجب أن يواجَه هو المشروع الصهيوني الذي انتقل من السيطرة على فلسطين للتوسع شرقاً نحو الأردن. وإذا لم يكن واضحاً في السابق أن المشروع الصهيوني يطال كل المنطقة، ومنها الأردن طبعاً وأولاً، فإن مجرد نقاش الفكرة علناً في الكنيست وفي الكونغرس الأميركي يجب أن يشير إلى جهة الخطر، وبالتالي البحث في كيفية مواجهته بدل الاشتباك المحلي على افتراضات وهمية، وانطلاقاً من تعصبات وهمية كذلك.

يجب ألا ننسى أن مطلق الفكرة هم قادة الدولة الصهيونية في سياق السعي لتفكيك المنطقة أكثر من أجل السيطرة عليها، وأن هدفهم هو استثارة الحروب لتحقيق ذلك. وأنهم يحققون نقلة جديدة بعدما ابتلعت فلسطين، وبات ممكناً التقدم أكثر. وإذا أردنا أن نستعيد الرؤية الصهيونية لشرق الأردن، نلحظ أنها كانت جزءاً من «الوطن القومي اليهودي»، لكن ضرورات الاستراتيجية الإنكليزية (وربما قلة عدد المستوطنين اليهود) فرضت أن يتشكل شرق الأردن في دولة. رغم ذلك ظلت كتل رئيسية في الحركة الصهيونية تعتبر أنه جزء من «الدولة اليهودية»، أو من «أرض إسرائيل». ومن يعُد إلى الرؤى الصهيونية المكررة في العديد من الوثائق، يكتشف أن حدود الدولة الصهيونية تضم السلسلة الجبلية في شمال الأردن، التي يجب بالتالي السيطرة عليها.

وربما هذا ما بقي لأن يضم من الأردن للدولة الصهيونية، لكن وضع الأردن ككل أصبح يوضع في سياق آخر، بدأ يطرح علناً ورسمياً. وبدأ يتوضح كجزء من استراتيجية السيطرة الصهيونية على مجمل المنطقة المحيطة بفلسطين. أقصد هنا فكرة «الوطن البديل»، فقد تحوّلت المراوغة الصهيونية إلى طرح معادلة جديدة تنطلق من أن فلسطين أو «أرض إسرائيل» هي ضفتا الأردن، وانطلاقاً من ذلك يمكن تقاسمها بين «الشعبين»، ليكون غربي النهر هو «الدولة اليهودية» (وهنا النقية)، وشرقيه هو فلسطين، وهو الحل الذي بات يعرف بـ«الوطن البديل».
ولا شك في أن طرحه الآن ذو مغزى، ليس لأن «القوى الأكثر تطرفاً» في إسرائيل هي التي تحكم، بل لأن آليات السيطرة على الضفة الغربية، عبر الاستيطان وجدار العزل، وكل أشكال الطرق الالتفافية والحواجز الأمنية، وأيضاً «توليد» الكومبرادور

الدولة الصهيونية تسعى لتشريد الفلسطينيين في أبعد مناطق العالم وليس في أي من الدول المحيطة الفلسطيني المرتبط والأجهزة الأمنية الضابطة تحت السيطرة الصهيونية، وكذلك النجاح في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وتكريس هذا الفصل… وكل ذلك فرض الانتقال إلى خطوة جديدة في مشروع تمكين الدولة الصهيونية. هنا بدأت خطوة الانتقال إلى الأردن في سياق الاستراتيجية تلك، حيث يجري «افتعال» صراع هنا ينطلق من أن الأردن هو «وطن الفلسطينيين»، يفتح الأفق لتدخل صهيوني مستمر. وهذا هو جوهر فكرة «الوطن البديل»، بمعنى أنه ليس هناك «وطن بديل» للفلسطينيين، بل حرب تفرض تكوّن كانتونات متصارعة تخضع للسيطرة الصهيونية. فالدولة الصهيونية ليست معنية بإقامة «دولة فلسطينية» على حدودها ولا حريصة عليها، لأنها تعتقد أن ذلك يمثّل خطراً عليها انطلاقاً من إمكانية تكوّن وجود فلسطيني يؤسس لمقاومة على جبهة طويلة، وخصوصاً إذا ما أصبحت هذه الدولة مستقراً لجموع اللاجئين. وهو الأمر الذي يفرض القول بأن الدولة الصهيونية تسعى لتشريد الفلسطينيين في أبعد مناطق العالم وليس في أي من الدول المحيطة لكي تضمن نهاية فلسطين.

بالتالي، فإن الخطر هو هنا، وهو الأمر الذي يفرض التفكير جدياً في كيفية المواجهة عبر ضمان وحدة شعبية تكون أساس تحويل الأردن ككل إلى دولة مواجهة. وهنا كما أظن يسقط «الفرز»، وعلى العكس تتدعم المواجهة. فالمسألة الآن لا تتعلق بفلسطين فقط، بل بالأردن أيضاً.

المصدر: الأخبار

الماركسية والمسألة الرأسمالية هل ندعم التطور الرأسمالي أم نعمل من أجل الاشتراكية؟

ربما لم تبرز مشكلة في العلاقة بين الماركسية والرأسمالية حينما كانت الماركسية تتبلور، حيث كانت الرأسمالية تنتصر عبر هدمها للنمط القديم وتأسيس نمطها الرأسمالي، وبالتالي كانت الماركسية تتبلور في الترابط مع الطبقة التي كانت تستغل من قبل الرأسمال، وهي الطبقة العاملة.
وبالتالي كان دورها يتحدد في أن تكون “وعي” ورؤية هذه الطبقة من أجل حسم التناحر الطبقي في اتجاه هيمنتها عبر استلامها السلطة وإلغاء الملكية الخاصة التي تمركزت في أيدي قلة من الاحتكارات.
لتكون الاشتراكية هي البديل في وضع كان قد أصبح يقوم على الصناعة كوسيلة إنتاج مفصلية، ويكون الوعي المجتمعي قد حقق نقلة نحو الحداثة، والدولة قد أصبحت حديثة، كل ذلك وفق الفكر الذي ترابط مع الرأسمالية ومثّل النقلة النوعية في التطور التاريخي.

هنا لم تكن من مشكلة، حيث بدت المسألة في غاية البساطة، فليس على الطبقة العاملة سوى استلام السلطة من أجل انتصار نمط بديل. والماركسية تبلورت ضمن هذا الوضع، وبالتالي لم تنطرح عليها أسئلة خارج السياق، ربما فقط حينما لمست وضع ألمانيا التي كانت لازالت إقطاعية ومجزأة، وبالكاد تخترقها الصناعة، لكن تسارع تطور الصناعة، وميل الدولة لكي تتجاوز قاعدتها الطبقية القديمة (الإقطاعية)، فرض أن توضع في السياق الرأسمالي العام. وهو الأمر الذي جعل الماركسية الكلاسيكية تتأسس على هذا الأساس، وبالتالي تبلور رؤيتها ودورها انطلاقاً منه، مما جعلها تترابط مع الاشتراكية، ويكون هدفها الأساس هو هدم الرأسمالية. ولقد اكتمل ذلك ببلورة رؤية للتاريخ تنطلق من نظرة تطورية ترى التعاقب الحتمي بين أنماط كان ماركس أشار إليها وهو يريد اثبات بأن التاريخ يمر بأنماط متعاقبة. حيث بدت الرأسمالية لمسار حتمي يقوم على أنقاض الإقطاع، وتكون الاشتراكية هي الحتمية التي يفرضها نشوء الرأسمالية.
وضع روسيا هو الذي طرح الأسئلة حول هذا التصور، لأن رأسماليتها لم تكن بطيئة التطور فقط، بل كانت في تشابك مع الإقطاع. هنا طرح السؤال الماركسي حول دور الماركسية، وهو السؤال الذي لامس المنهجية الماركسية ذاتها، حيث أصبحت المسألة تتعلق بالتزام “قانون” تبلور مع ماركس حول حتمية التطور الرأسمالي، وبالتالي يجب تسخير الوعي الماركسي من أجل انتصار الرأسمالية قبل التفكير في الاشتراكية، أو أن الوضع لم يعد يسمح بالتطور الرأسمالي، الأمر الذي فرض على الماركسية أن تبحث عن دورها الفعلي في وضع جديد، هو قروسطي أو لم يصل إلى مرحلة تحول الصناعة إلى وسيلة الإنتاج الأساسية، وبالتالي لم تتحقق ما تسمى بـ “المهمات الديمقراطية”. لهذا طرح السؤال حول: هل يمكن أن نعتبر بأن هذه الحتمية قانوناً ماركسياً لا يجوز تجاوزه؟ وهل فعلاً بات التطور الرأسمالي في الأمم التي لم يتحقق فيها مستحيلاً لكي تصبح المسألة من مهمات الماركسية؟

ربما يكون اختلاطاً بين هذا وذاك هو الذي يحكم النقاش، أي من جهة هناك “دوغما” جعلت الحتمية قانوناً لا يجوز تجاوزه وإلا جرى تجاوز الماركسية ذاتها، ومن جهة أخرى هناك “سوء تحليل” للوضع العالمي والقومي جعل هذه الحتمية ممكنة. المسألة هنا لا تتعلق بـ “أيديولوجية” تفرض أن تكون الماركسية حتماً هي في تناقض مع الرأسمالية، وبالتالي تميل إلى الصراع معها رغم أن الوضع يفرض دعمها من أجل تحقيق “مهماتها”، رغم أن الماركسية هي المؤسس للتعبير عن الطبقة النقيض للرأسمالية. الخلاف في هذا الموضوع يتعلق بوعي الواقع: بالأدوات المنهجية الضرورية لوعي الواقع، وبالتحليل الملموس للوضع الراهن على ضوء تطور الرأسمالية ونشوء عالم مستقطب. فهل أن التطور الرأسمالي ممكن؟ ولاشك في أن تجاوز الدوغما في النقاش يفرض البدء من الإجابة على هذا السؤال، حيث ستتحدد مهمة الماركسية على ضوء هذه الإجابة وليس انطلاقاً من قول لماركس أو تمسك بـ “قانون”. ويجب أن يكون واضحاً بأن أي نقاش خارج الإجابة هذه سوف يكون نقاشاً “أيديولوجياً”، أي نقاش غير علمي، وبالتالي ليس ماركسياً.
بمعنى أن تحديد مهمات الماركسية ليس مرتبطاً بما قاله ماركس أو إنجلز، أو حتى لينين أو ماو، بل هو مرتبط بوعي الواقع، وبالتالي الممكنات التي يطرحها. وهنا يجب تحديد المشكلات، ومن ثم المهمات التي تُطرح على ضوئها، وكذلك وضع الطبقات ومصالح كل منها. ودون هذا التحليل ليس من الممكن تحديد دور الماركسية، ودور الطبقة العاملة. هنا تكون المنهجية (الجدل المادي) هي أساس تحليل الواقع دون تصورات مسبقة، ودون “قوانين” محددة عشوائياً. ويكون الواقع هو الذي يحدد طبيعة التطور ودور الطبقات فيه.
ولاشك في أن الرأسمالية لعبت دوراً حاسماً في التطور التاريخي، وهذا ما يقرظه ماركس وإنجلز في “البيان الشيوعي”، وهو دور ليس من الممكن تجاهله، خصوصاً وأنه أنتج وسائل إنتاج جديدة، هي الصناعة، و”حضارة جديدة” قامت على أنقاض القرون الوسطى. وبالتالي فنحن مدينون لها بكل التطور الحضاري الراهن. لقد تحققت قطيعة نوعية في العلم وفي الفكر، كما في بناء الدولة وموقع البشر في التكوين المجتمعي. لكنها، كذلك، عمقت الاستغلال والقهر والاغتراب، واعادت إنتاج التناقضات الطبقية في شكل جديد. إن الانطلاق من المستوى الثاني هو ما كان يعيشه ماركس حيث حققت الرأسمالية المستوى الأول، أو كانت في صيرورة تحقيقها، لكن السؤال يطرح حينما يكون المستوى الأول لم يتحقق بعد، لكن نشأت طبقة عاملة بفعل التداخل مع النمط الرأسمالي، ويمكن تمثل الماركسية كونها وعي كوني. في هذا الوضع طرحت المسألة الرأسمالية في صلب الماركسية. هل يجب على الماركسي أن يدعم التطور الرأسمالي؟ أو هل يجب عليه أن يسعى إلى تحقيق الاشتراكية؟

الإجابات، كما أشرنا، كانت سهلة، وهي نعم في كلا السياقين، انطلاقاً من تصورات ماركس (وليس من منهجية ماركس). لهذا جرى القفز عن الإجابة على السؤال: هل أن التطور الرأسمالي ممكن؟ ولكن أيضاً: هل أن الاشتراكية ممكنة؟
فإذا انطلقنا من أن تبلور الاشتراكية قد تحقق على ضوء ما أنجزته الرأسمالية فإن تحقيق الاشتراكية في الأمم المخلفة سوف يكون خارج الممكن، حيث لم تتحقق النقلة النوعية، لا في وسائل الإنتاج ولا في الوعي أو الدولة، رغم سيادة علاقات إنتاج رأسمالية بفعل الأثر الذي أحدثته الرأسمالية ذاتها، ورغم نشوء طبقة عاملة وتغلغل الفكر الحديث وضمنه الماركسية. ولكن هل أن هذه النتيجة تفرض القول بأن الرأسمالية هي الممكن الوحيد؟
إن المشكلة التي باتت تحكم العالم هي أن عالمية النمط الرأسمالي التي تحققت أولاً من خلال الاستعمار، ثم من خلال الآليات التي شكلتها السيطرة الرأسمالية ثانياً، حيث أوجدت اللاتكافؤ الذي تحقق عبر التطور السريع للمراكز الرأسمالية واحتجاز تطور المستعمرات، وتشكلها على أساس ميل التراكم المالي فيها إلى التكيف مع “النمط الاقتصادي” الذي تفرضه الرأسمالية، حيث انزاحت عن التوظيف في الصناعة والإنتاج الزراعي إلى التوظيف في التجارة والخدمات والبنوك فحسب، وهو ما سمح بتعميم علاقات الإنتاج الرأسمالية دون نشوء قوى الإنتاج التي أوجدتعل الرأسمالية (وهنا الصناعة خصوصاً). هذه الواقعة جوهرية في أي تحليل ماركسي للتكوين العالمي، وانعكاس التفوق الرأسمالي الذي بات يتسم بتمركز وتركز هائلين، وتقانة فائقة التطور، وعمالة مدربة، وقوة ضخمة ومتطورة، على كل الأمم التي خضعت ولم تنتقل إلى “العصر الصناعي”. لأنها تشير إلى تحول الرأسمالية المحلية عن “دورها التاريخي” اتكاءً على مصالحها وليس بالضد منها، فأصبح التواشج مع الرأسمال الإمبريالي هو الذي يحقق هذه المصالح، وليس أوهام البرجوازية الصغيرة التي لازالت ترى أن مصالحها لازالت مرتبطة ببناء الصناعة. وهنا لن تفيد كل نصائح هذه الفئات سواء توهمت أنها تحقق الاشتراكية أو رطنت برطان “ماركسي”. وهذه المصالح تقوم على التوظيف في القطاع “الممكن”، أي الذي لا يشكل تناقضاً مع أساس الرأسمالية ذاتها، الذي هو الصناعة، مما فرض لعب دور الوساطة والخدمات لأن السوق المحلي بات يعتبر سوقاً للسلع الرأسمالية في المراكز، والمواد الأولية هي ضرورة للصناعة ذاتها. لهذا ليس من الممكن للمال المحلي سوى الميل نحو القطاع الذي لا يؤسس للتنافس، والذي يقوم على استيراد السلع وتوريد المواد الأولية.

هذا هو الأساس الذي فرض تشكل رأسمال كومبرادوري، وتعميم العلاقات الرأسمالية استناداً إليه. وكان ما يحظر تعميمه هو الصناعة من جهة، والعلم الحديث والفكر الحداثي من جهة أخرى. حيث تضمنت العلاقات “الجديدة” كل الإرث التقليدي، والوعي التقليدي. وهذا هو التكوين “الرأسمالي” الطرفي، والذي ليس من الممكن أن يتطور من داخله ميل لتشكيل رأسمالي حديث يقوم على أساس صناعي. لقد كان هدف الاستعمار هو فرض هذه البنية، وبات فرض اقتصاد السوق بعد أن تحقق اللاتكافؤ يهدف إلى تكريسها وضمان إعادة إنتاجها. وبالتالي بات كل ميل إلى فصل آليات الاقتصاد عن السياسة (الدولة) يعيد إنتاج هذه البنية الطرفية، أي الميل إلى النشاط التجاري الخدمي المالي والهرب من النشاط الصناعي. والرأسمالية تقوم على أساس حرية السوق، وبالتالي بات كل ميل رأسمالي هو المدخل لإعادة إنتاج البنية الكومبرادورية. وما لم تفهمه ماركسيين كثر، خصوصاً ممن تتلمذ على أساس الماركسية السوفيتية، هو هذه، الأمر الذي جعلهم يبقون المراهنة على التطور الرأسمالي. وربما يكون من المهم تلمس الخطأ المعرفي الذي يحكم هذا الفهم، لكن سنلمس هنا بأن هذا الميل مثّل في الواقع فئات وسطى كان يتحكم في وعيها حلم انتصار الرأسمالية. وكانت الحاجة إلى الماركسية “كشعارات” ناتجة عن أزمة التطور الرأسمالي في الأطراف. هذه الأزمة التي فرضت على الفئات الوسطى إلى تلبّس “المشروع الاشتراكي”، لكن الذي يحقق مصالح تلك الفئات عبر الانطلاق من تقديس الملكية الخاصة (التي أشير إلى أنها الفارق الحاسم مع الاشتراكية الماركسية). لقد كانت الماركسية (السوفيتية) هي الغطاء الأيديولوجي لمصالح ليست جذرية، بل تمثل فئات وسطى تهدف إلى انتصار الرأسمالية وإن كانت الرطانة هنا “ماركسية”.

الخطأ المعرفي يقوم على عدم تمثّل المنهجية الماركسية (الجدل المادي) أولاً، ثم سوء فهم الواقع ثانياً، وهذا أمر أساسي حين النظر إلى كل الذين اتبعوا الماركسية السوفيتية (الحركة الشيوعية خصوصاً) من زاوية أنها ماركسية حقيقة، لكن الرؤية التي حكمتهم لم تكن تمثل سوى فئات وسطى، ولم تستطع التعبير عن العمال والفلاحين الفقراء سوى بالمعنى المطلبي في الإطار الديمقراطي العام القائم على أساس رأسمالي. لهذا كان يبدو التعلق بالرأسمالية أساسياً في التصورات والنشاط، والتحالفات والتكتيك. فإذا كان التطور الرأسمالي قد أصبح مسدوداً منذ بداية القرن العشرين، أي مذ أصبحت الرأسمالية نمطاً عالمياً (وهو الأمر الذي أسماه لينين: الإمبريالية)، والذي تلمسه لينين، فإن القرن العشرين كله قد أثبت هذا التصور، فلم تتطور صناعياً ومجتمعياً سوى الأمم التي أصبحت اشتراكية، بينما بالكاد تطورت بعض الدول الأخرى رأسمالياً، ببطء وبالتعاون مع الاتحاد السوفيتي كما في الهند، أو بدعم أميركي في إطار الصراع العالمي، ولأسباب جيوسياسية كما في كوريا وتايوان (رغم أن انتفاء السبب هذا فرض إعادة الهيمنة على اقتصاداتها). وبات اليوم دون جدوى بعد نشوء الفارق الهائل في التطور والتمركز والقوة. لكن المصالح الطبقية اقوى من “الأيديولوجية” ومن الوعي. لهذا لازالت أحلام قطاعات واسعة في الحركة الشيوعية وفي اليسار الجديد تميل إلى التعلق المرضي بالرأسمالية، سواء وفق التصور السابق أو وفق الانحدار الليبرالي الذي حدث بعيد انهيار المنظومة الاشتراكية.

هل التطور الرأسمالي ممكن؟ ولكن، هل هناك رأسمالية في الأطراف معنية بهذا التطور؟ هذه هي المسألة. فالتطور الرأسمالي يقاد من قبل فئات برجوازية تتشكل في طبقة عبر ميلها لتوظيف المال المتراكم لديها في الصناعة والزراعة قبل التجارة والخدمات والبنوك، هل البرجوازية المحلية تغامر في هذا المسار المبني على التناقض مع الرأسمال الإمبريالي؟ إن سمة المال أنه جبان من جهة، لأنه يسعى إلى الربح من جهة أخرى، وهو الأمر الذي يجعله يوظف في القطاعات التي تدرّ الربح دون مغامرة. وفي الوضع العالمي القائم، حيث التمركز والتركز الرأسمالي، والتطور التقني والقوة، سيبحث الرأسمال المحلي عن المجالات الخالية من المغامرة بالضرورة، وهي ليست الصناعة أو الزراعة (وربما بعد اليوم ستكون حتى ليست التجارة والخدمات التي بات الرأسمال الإمبريالي يزحف التوظيف فيها في الأطراف). لهذا ليس من الممكن تحقيق التطور الرأسمالي بالمعنى الصناعي وليس بمعنى العلاقات والتجارة التي باتت معممة، وبالتالي بات “النمط” السائد في الأطراف هو نمط رأسمالي (أي أنه تجاوز الإقطاع حتماً رغم استمرار الوعي والبنى الإقطاعية، وهي التي لا يجري تجاوزها إلا عبر تحويل قوى الإنتاج نحو الصناعة)، فأي رأسمالية يحلم هؤلاء “الرفاق” بها؟ لهذا قلت بأن هذه الرأسمالية السائدة في الأطراف هي الرأسمالية الممكنة، أما أفق التطور الصناعي فهو مسدود، وبالتالي ليس من الممكن تحقيقه من داخل الرأسمالية ذاتها. ولذا سوف تتكسر أحلام الفئات الوسطى تلك، وسوف تميل حتماً إلى التكيف مع هذا النمط الرأسمالي كما لمسنا بعيد انهيار الاشتراكية. هذه الأحلام سوف توصل إلى التكيف مع التبعية والتخلف ولا توصل إلى تحقيق حتى الشعارات التي تطرح، في الماضي وفي الحاضر (مثل الديمقراطية وحكم القانون، والعلمنة والحداثة)، فهذه الشعارات لا تتحقق على أرضية بنى قروسطية بل تحتاج إلى تفسخها عبر تغلغل الصناعة والزراعة الحديثة، والتعليم الحديث.

إذن، الرأسمالية المحلية تكيفت منذ زمن طويل مع التكوين العالمي الذي أوجدته الرأسمالية الإمبريالية، فتوقفت عن لعب أي دور “تقدمي”، على العكس فقد باتت أداة السيطرة الإمبريالية. ولم يعد هناك سوى الفئات الوسطى هو من يحلم بالرأسمالية، لكن قطاعات منها جرّبت ذلك وعادت للتكيف مع السيطرة الإمبريالية بعد أن أصبحت مافيات رأسمالية. رغم استمرار قطاعات منها بحمل هذا الحلم المستحيل (والذي سيعيد إنتاج تجربة الحركة القومية، أو حركة التحرر عموماً). والأخطر هو ذاك الحلم الذي يتشح بـ “الماركسية”، ويبرر حلمه الرأسمالية بألفاظ ماركسية، ومقتبسات من ماركس أو إنجلز خصوصاً.

الماركسية تسمح لنا بأن نعي بأن التطور الرأسمالي بات من الماضي، وأن الرأسمالية باتت رجعية على طول الخط، وأنها جزء تابع في إطار الطغم الإمبريالية المهيمنة. كما تسمح لنا أن نتلمس أوهام الفئات الوسطى وأحلامهم بتحقيق التطور الرأسمالي، حيث أنها لا تستطيع تجاوز الملكية الخاصة، وبالتالي فإن كل تصوراتها المجتمعية تنبني على هذا الأساس، حتى وهي تطرح الاشتراكية (اشتراكية البرجوازية الصغيرة التي لا تفضي سوى إلى الرسملة، لكن دون تطور صناعي حقيقي كما أوضحت التجربة، لأنها “تهبش” الفائض بدل أن تدوره لتطوير الاقتصاد والمجتمع، وهذا ما يفرضه التكوين العالمي لرأس المال). هذه طرق مسدودة، وأوهام فئات وسطى، لكنها تشوش على الماركسية لأنها تتكئ عليها أو تستمد شعاراتها الاشتراكية. وبالتالي لا بد من توضيح خطلها، والصراع ضدها بأقسى أشكال الصراع الفكري.

الماركسية تنطلق من “التحليل الملموس للواقع الملموس” وليس من أقوال “السيد ماركس”، الذي نأخذ منه منهجيته العظيمة: الجدل المادي، التي هي في أساسها تنطلق من أن الواقع في تغير مستمر، وأن لكل مرحلة تصوراتها وسياساتها ومهماتها، وأن الواقع هو الذي يحدد الأفكار. وهذه المنهجية توصل إلى أن العالم قد تشكل في هذا التكوين الرأسمالي القائم على هذان الشكلان للرأسمالية نتيجة الطابع الاستقطابي له (كما يكرر د. سمير أمين). وهنا تكون الرأسمالية قد “انتصرت” حيث بسطت سيطرتها العالمية على هذا الأساس. وبالتالي لم يعد من الممكن الحلم بتطور رأسمالي. بل بات الهدف المطروح هو: تجاوز الرأسمالية. وهذا ما يفرض تحديد دور الطبقة الجذرية الوحيدة: الطبقة العاملة، لأنها وحدها التي تحمل مشروع تجاوز الرأسمالية. إن بناء الصناعة وتحديث الزراعة، وتحديث الوعي عبر التعليم وتطوير الفكر، وبالتالي العلمنة والدمقرطة، لن تتحقق إلا عبر دور هذه الطبقة، فليست الرأسمالية معنية كما أشرنا للتو، وأوهام الفئات الوسطى لا توصل سوى إلى ترسمل فئات منها دون تحقيق التطور الضروري لنقل المجتمع إلى الحداثة، عبر بناء الصناعة. وكل هؤلاء فشلوا لأنهم يقيمون مشروعهم (نتيجة مصالحهم بالطبع) على أرضية الرأسمالية.

هنا نعود إلى فكرة ماركس وإنجلز عن فكرة ربط الماركسية بالطبقة العاملة (وهو الأساس الذي حوّل الاشتراكية من طوبا إلى علم)، لكن لكي توضع في سياق آخر: أي تحقيق المهمات الديمقراطية كما كان يسميها لينين. إن تحقيق المهمات الديمقراطية هو أسبق من بناء الاشتراكية وفق الظروف التي أوجدتها السيطرة الإمبريالية على العالم. حيث يتوقف انتصارها على تحول الصناعة إلى وسيلة الإنتاج الأساسية، وتحقق الحداثة في البنى الاجتماعية والدولة والوعي، وهذه فكرة ماركسية صحيحة. كيف نحقق هذا الترابط؟ العمال والفلاحين الفقراء معنيون بتحقيق هذه المهمات في سياق سيرهم لتحقيق الاشتراكية. وبالتالي فهم الآن يسعون لتأسيس التحالف الطبقي الضروري لهزيمة الرأسمال الإمبريالي وفروعه المحلية على أساس تحقيق المهمات الديمقراطية التي تتوافق عليها مع الفئات الوسطى، لكن ليس عبر قيادة هذه الفئات لهذا التحالف الطبقي، وهو الأمر الذي يعيد التجربة الفاشلة لحركات التحرر الوطني، بل عبر قيادتهم. هنا يكون التحول وفق المهمات في طبيعة الطبقة التي تقود الصراع الطبقي (والقومي). لكن هذه الخطوة تؤسس لتحقيق الانتقال إلى الاشتراكية في سياق انجاز تلك المهمات.

إذن، يجب أن ينتهي وهم التطور الرأسمالي، لكن يجب ألا نقع في الشق المقابل الذي يقول بتحقيق الاشتراكية الآن. الوصول إلى الاشتراكية هو صيرورة تبدأ يتحقيق المهمات الديمقراطية حتماً. وضمانتها هو الدور المهيمن للعمال والفلاحين الفقراء، للماركسية