Monthly Archives: يونيو 2012

سلامة كيلة : الشعوب العربية مع الثورة السورية.. ولم تتعب نفسها في لوك حديث “الممانعة”

يستفيض المفكر العربي الفلسطيني سلامة كيلة في الإجابة عن أسئلة “شباب السفير”. ثمّة الكثير مما يقال عن وقائع الربيع العربي والمسارات المحتملة لثوراته. هذا فضلاً عن كون المقاربة التي يقدّمها كيلة تعتمد منهجاً ماركسيّاًَ يتيح فهماً مغايراً، ربما كان أكثر جذرية، لطبيعة تلك الثوّرات والقوى الفاعلة فيها، مع إضاءة ضروريّة على عناصر المسرح العالمي وموقع ثورات الربيع العربي بينها وتفاعلها معها.
يبدأ كيلة حديثه بتفنيد “خرافة الممانعة”، فيرى أن “.. الشعوب مع الثورة السورية، ولم تتعب ذاتها في لوك حديث الممانعة”.. وينطلق في نقده للمانعة ولغيرها “من الشعب، من الطبقات، قبل أن أبحث في الإمبريالية والصراعات السياسية”.
وفي موضوع آخر، يرتبط بنمط ممارسة السلطة في سوريا البعثيّة زمن حافظ الأسد يرى كيلة أن جزءاً من نخبة الحكم البعثيّة “صاغوا البعث وفق وعيهم “الريفي” أكثر مما تأثروا بأفكاره. ولهذا سنلمس بأن شخصية حافظ الأسد عبّرت عن الوعي الريفي الذي ينطلق من السلطة المطلقة للأب، الأب الذي يصبح هو محدِّد مصير الأولاد”.
ويرى كيلة أن اختزال ثورات الربيع العربي إلى “ثورات يحرّكها مطلب الحرية والديمقراطية” هو تعبير عن محاولة الفئات الوسطى حصر الثورات بهذين الهدفين لخدمة مصالحها هي بالذات.
وفي الحديث عن احتمال ولادة تيار يساري جديد يعبّر عن الفئات صاحبة المصلحة في التغيير الجذري يؤكد كيلة أن “أي يسار جديد يفترض وعياً بالماركسية بما هي منهجية وأداة تحليل وليس شعارات وكلمات فقط. كما يفترض أن يظل جزءاً من الصراع الثوري القائم، وأن يعمل على “عقلنته” و”تنظيمه”، ودفعه لكي يوصل إلى استلام السلطة، دون المراهنة على أي من الطبقات الأخرى البرجوازية أو الفئات الوسطى”.

إعداد: محمد دحنون

“الطريق إلى تحرير فلسطين يكون عبر إسقاط النظام”، هذه العبارة التي كانت أحد عناوين النشرة اليساريّة التي أصدرتها، والتي اعتقلت وتعرضت للتعذيب بسببها، لا يوافق عليها كثيرون: أنظمة ومنظمات وأحزاب، وورائهم بالطبع جمهور كبير؛ ندعوه جمهور الممانعة. بالنسبة لك، ما هو الخطاب النقدي الذي يمكن أن توجيهه لهذا الجمهور لتفنيد “خرافة الممانعة”؟ شارك في السؤال: Rima Jandali

أولاً، لا بد من التوضيح أن “جمهور الممانعة” ليس كبيراً، وربما كان الأمر يتعلق بكل من لبنان والأردن، حيث يظهر الانقسام بين النخب في الغالب، وفي لبنان ربما يكون هناك انقسام “شعبي”. أما في البلدان العربية الأخرى فالأمر يختلف حيث يبدو واضحاً بأن الأحزاب عموماً والشعوب هي مع الثورة السورية ولم تتعب ذاتها في لوك حديث “الممانعة”.
المشكلة التي تحكم كل نظرة تنطلق من “خرافة الممانعة” تتمثل في طبيعة النظر المنهجي للواقع أولاً، حيث أن “العالمي” و”السياسي” هو الذي يحكم النظر، لهذا تكون هناك ممانعة نتيجة الخلاف القائم بين الإمبريالية الأميركية والسلطة السورية. وتكون هذه السلطة “إيجابية” أو “ثورية” لأنها في خلاف مع أميركا. هذا نظر شكلي ومثالي لأنه ينطلق من المجرّد (الإمبريالية، وسأشرح لماذا هي مجرّد) ومن أن كل مختلف معها فهو حتماً إيجابي وثوري.
ولهذا لا يلمس هذا المنطق “الناس”، الطبقات، الشعب، ولا يهتم في وضعه وظروفه ومشكلاته، ولماذا يثور. ومن هذا المنطلق تصبح الفكرة المجرّدة هي المقياس بينما يتلاشى الواقع الملموس، أي البشر. وهذا ما جعلني أعتبر الإمبريالية مجرّد، حيث أن ما يُرى منها هو السياسات التي تتبعها الدول الإمبريالية، وهنا أميركا، فيُرفض تدخلها وحروبها واحتلالها وتهديدها وضغوطها (وأنا مع رفض كل ذلك ومع مواجهته دون شك)، لكن هذا الشكل التي تظهر فيه الإمبريالية عبر سياسات الدول، لكنه ليس الإمبريالية كتكوين، كذات، وأقصد كاقتصاد رأسمالي يتشكل في المراكز وفي الأطراف. فالإمبريالية كنظام قررت تعميم اللبرلة، وعممت “شروط صندوق النقد الدولي”، لكي تشكل الأطراف وفق ما يحقق مصالح الطغم المالية الإمبريالية. ولهذا تشكلت في الأطراف بنى اقتصادية ريعية أساسها العقار والسياحة والخدمات والبنوك والاستيراد. ووجود طغمة مالية مافياوية تحكم وتعمم مطالب الطغم الإمبريالية وتحقق مصالحها ضمن ذلك.
هذا ما حدث في سوريا، خصوصاً منذ سنة 2000. حيث جرى تحويل التكوين الاقتصادي من خلال انهاء دور الدولة الاقتصادي وفرض التحرير الكامل للاقتصاد، وتحويله إلى اقتصاد ريعي يتمركز في العقارات والخدمات والسياحة والاستيراد. وبالتالي إدماجة في التكوين الإمبريالي العالمي في مستواه الاقتصادي، وإنْ ليس عبر علاقة مباشرة مع الولايات المتحدة في المستوى السياسي. لقد تكيف الوضع السوري مع مقتضيات العولمة بشكل كامل خلال السنوات السبع الأولى من حكم بشار الأسد. وأصبحت اللبرلة هي المسيطرة، وتحكم القطاع الخاص بـ 70% من الاقتصاد حسب تصريح لوزير الاقتصاد. وهو الأمر الذي أدى إلى بيع أو اهمال “القطاع العام” وانهيار الصناعة، ومن ثم انهيار الزراعة. نتج عن ذلك نسبة عالية من البطالة (30% تقريباً)، وأجور متدنية جداً إزاء تحوّل الأسعار المحلية إلى أسعار عالمية نتيجة أن السلع باتت مستوردة، بما في ذلك السلع الغذائية، ومع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية التي أدت إلى رفع أسعار السلع المحلية.
وأفضى هذا التحوّل الليبرالي إلى مركزة الثروة بيد أقلية مركزها عائلي (عائلة الرئيس وأقاربه)، وإفقار الأغلبية الشعبية. هذا هو سبب الثورة العميق.
الآن، هل ننطلق من الاختلاف مع الولايات المتحدة في المستوى السياسي أم ننطلق من الوضع الطبقي في تحديد الموقف مما يجري؟
طبعاًً، من يحكم هم فئة مافياوية ليبرالية تتشابك مع الرأسماليات الإمبريالية (سواء الأميركية أو الأوروبية أو الخليجية أو التركية أو الروسية)، فما هو الموقف منها كفئات مافياوية ليبرالية حين تتحرّك الطبقات الشعبية؟
هنا مكمن الخلاف مع دعاة الممانعة، حيث لا يرون سوى الخلاف مع الولايات المتحدة، ليبنون على أساسه موقفهم. دون تفسير سبب الخلاف، ومن هو الأساسي فيه. فالفئات المافياوية هذه سعت طويلاً للتفاهم مع الولايات المتحدة (حتى عبر توسيط الدولة الصهيونية، كما ظهر في تصريحات عديدة بعيد اغتيال الحريري) لأن مصالحها تفترض أن تُدمج في النمط الرأسمالي دون عوائق كانت تضعها العقوبات الأميركية. وهذا يفرض السؤال لماذا قررت أميركا عزل سوريا منذ اغتيال الحريري وفشل محاولة إسقاط النظام؟ وليس النظر وكأن هذه الفئات المافياوية هي التي تمانع؟
ثم، بغض النظر عن الموقف من أميركا، ما هو الموقف من الشعب؟ يمكن ألا يكون الوضع السوري واضحاً بداية الثورة لأنها توسعت ببطء، لكن من الواضح الآن أنها تشمل كل سوريا. أي أنها ثورة شعبية. ربما كانت مأساة النخب تكمن في أنها لا تثق بالشعب، او حتى تحتقر الشعب، لهذا لا تضعه في الحسبان. أنا أنطلق من الشعب، من الطبقات قبل أن أبحث في الإمبريالية والصراعات السياسية، لهذا لا يمكن إلا أن أكون مع الثورة التي انطلقت بعد هيمنة الليبرالية واحتكار الثروة في سوريا، مثل كل البلدان العربية. ولقد اتسمت بالسمات ذاتها: نظم عائلية مافياوية بوليسية.
هنا الممانعة لا معنى لها، والخلاف مع أميركا لا يمنع من أن الطبقة المسيطرة قد أفقرت الشعب ودفعته للثورة.

الأسد للأبد: نمط حكم مافياوي عائلي بوليسي

كيف تنظر إلى مواقف المملكة العربيّة السعوديّة من القضية الفلسطينية؟ شارك في السؤال: Rima Jandali

لا حاجة لتكرار الإشارة لموقف السعودية من القضية الفلسطينية وكل القضايا الأخرى، لأنها ملحق بالسياسة الإمبريالية الأميركية، وتعمل وفق الأجندة التي تضعها.
أظن أن ما يكمن وراء السؤال هو موقف السعودية من الثورة السورية و”دعمها لها”. سأشير إلى أن السعودية ظلت تدعم النظام السوري مالياً إلى شهر تموز أو آب من سنة 2011، وكذلك الإمارات العربية المتحدة. ويمكن تلخيص الموقف السعودي بأنه ضد كل الثورات العربية لأن السلطة تعتقد بأن هذه الموجة الثورية سوف تصل إليها، لهذا يجب تكسيرها قبل أن تصل. وهي في سورية تنطلق من هذا الموقف، لهذا دعمت السلطة بداية، ثم هي تعمل الآن على تشويه الثورة عبر تعميم أنها ثورة إسلامية، وعبر دعم القوى الأصولية. وهي تعرف بأن ذلك سوف يمنع انتصار الثورة لأنه يمنع اندماج الأقليات فيها من جهة، ويحوّل الثورة إلى صراع طائفي من جهة أخرى. وهذا كما تعتقد يطيل أمد الصراع ويضعف المجتمع مما يزيد من تأثير الدور الخارجي.

“الأسد للأبد” إلى أي مدى يمكن لهذا الشعار أن يكثّف نمط الاستبداد السلطوي في سوريا وأن يشكل إهانة للشعب السوري؟ شارك في السؤال: بلال نور الدين

المسألة هنا تتعلق بنمط بطريركي من النظم، يقوم على توريث الحكم (مثل النظام الملكي، وإن كان التوريث يتم في شكل “حديث” هو شكل الانتخاب المسيطر عليه). لقد سيطر حافظ الأسد على السلطة بعد تصفيات طالت العسكريين الذين قادوا الانقلابات منذ آذار سنة 1963، وأسس لسلطة مطلقة تتمحور حول شخصه.
حين نتناول طبيعة هؤلاء الضباط نلحظ أنهم من الريف الذي قدّم للجيش الكتلة الأساسية من بنيته، وانحصرت الصراعات الأخيرة بين هؤلاء ذوي الأصول الريفية (الضباط الدروز، ثم الضباط العلويين). وإذا كان جزء منهم ينتمي لحزب البعث فقد صاغوا البعث وفق وعيهم أكثر مما تأثروا بأفكاره. ولهذا سنلمس بأن شخصية حافظ الأسد عبّرت عن الوعي الريفي الذي ينطلق من السلطة المطلقة للأب، الأب الذي يصبح هو محدِّد مصير “الأولاد”. هذا الوعي البطركي بات هو الذي صيغت الدولة على أساسه، والذي أفضى إلى النتيجة “الطبيعية” التي تتمثل في توريث السلطة باعتبار أن الدولة كلها قد باتت ملكية خاصة يجري توارثها “إلى الأبد”.
تحت هذا الشكل البطركي تأسست سلطة بوليسية بكل معنى الكلمة، سواء بعدد الأجهزة الأمنية أو بعدد أفرادها. وأعطيت كل السلطة بالاعتقال والتعذيب والتعدي. وصيغ الجيش بحيث لا تكون هناك أية إمكانية لحدوث انقلاب عسكري من خلال تركيبها في صيغة تناقضية، وزرع الأمن فيها.
“الأسد إلى الأبد” هي تلخيص لهذا التشكيل، والذي أسس بعد حافظ الأسد لحكم مافياوي عائلي بوليسي.

الأسد للأبد: نمط حكم مافياوي عائلي بوليسي

كيف تنظر إلى مواقف المملكة العربيّة السعوديّة من القضية الفلسطينية؟ شارك في السؤال: Rima Jandali

لا حاجة لتكرار الإشارة لموقف السعودية من القضية الفلسطينية وكل القضايا الأخرى، لأنها ملحق بالسياسة الإمبريالية الأميركية، وتعمل وفق الأجندة التي تضعها.
أظن أن ما يكمن وراء السؤال هو موقف السعودية من الثورة السورية و”دعمها لها”. سأشير إلى أن السعودية ظلت تدعم النظام السوري مالياً إلى شهر تموز أو آب من سنة 2011، وكذلك الإمارات العربية المتحدة. ويمكن تلخيص الموقف السعودي بأنه ضد كل الثورات العربية لأن السلطة تعتقد بأن هذه الموجة الثورية سوف تصل إليها، لهذا يجب تكسيرها قبل أن تصل. وهي في سورية تنطلق من هذا الموقف، لهذا دعمت السلطة بداية، ثم هي تعمل الآن على تشويه الثورة عبر تعميم أنها ثورة إسلامية، وعبر دعم القوى الأصولية. وهي تعرف بأن ذلك سوف يمنع انتصار الثورة لأنه يمنع اندماج الأقليات فيها من جهة، ويحوّل الثورة إلى صراع طائفي من جهة أخرى. وهذا كما تعتقد يطيل أمد الصراع ويضعف المجتمع مما يزيد من تأثير الدور الخارجي.

“الأسد للأبد” إلى أي مدى يمكن لهذا الشعار أن يكثّف نمط الاستبداد السلطوي في سوريا وأن يشكل إهانة للشعب السوري؟ شارك في السؤال: بلال نور الدين

المسألة هنا تتعلق بنمط بطريركي من النظم، يقوم على توريث الحكم (مثل النظام الملكي، وإن كان التوريث يتم في شكل “حديث” هو شكل الانتخاب المسيطر عليه). لقد سيطر حافظ الأسد على السلطة بعد تصفيات طالت العسكريين الذين قادوا الانقلابات منذ آذار سنة 1963، وأسس لسلطة مطلقة تتمحور حول شخصه.
حين نتناول طبيعة هؤلاء الضباط نلحظ أنهم من الريف الذي قدّم للجيش الكتلة الأساسية من بنيته، وانحصرت الصراعات الأخيرة بين هؤلاء ذوي الأصول الريفية (الضباط الدروز، ثم الضباط العلويين). وإذا كان جزء منهم ينتمي لحزب البعث فقد صاغوا البعث وفق وعيهم أكثر مما تأثروا بأفكاره. ولهذا سنلمس بأن شخصية حافظ الأسد عبّرت عن الوعي الريفي الذي ينطلق من السلطة المطلقة للأب، الأب الذي يصبح هو محدِّد مصير “الأولاد”. هذا الوعي البطركي بات هو الذي صيغت الدولة على أساسه، والذي أفضى إلى النتيجة “الطبيعية” التي تتمثل في توريث السلطة باعتبار أن الدولة كلها قد باتت ملكية خاصة يجري توارثها “إلى الأبد”.
تحت هذا الشكل البطركي تأسست سلطة بوليسية بكل معنى الكلمة، سواء بعدد الأجهزة الأمنية أو بعدد أفرادها. وأعطيت كل السلطة بالاعتقال والتعذيب والتعدي. وصيغ الجيش بحيث لا تكون هناك أية إمكانية لحدوث انقلاب عسكري من خلال تركيبها في صيغة تناقضية، وزرع الأمن فيها.
“الأسد إلى الأبد” هي تلخيص لهذا التشكيل، والذي أسس بعد حافظ الأسد لحكم مافياوي عائلي بوليسي.

التحوّل الديمقراطي لم يوقف صراع الطبقات الشعبية
والهــدف العميــق هــو تغييــر النمــط الاقتصــادي

يعتبر البعض أن مقاربتك التحليليّة لشؤون الثوّرة السوريّة، سيّما القضايا التي تتعلّق بما يقف وراء هذا التفجّر الثوري، تنحو منحى ماركسويّ اقتصادويّ، بمعنى أنّك تقارب مسائل في غايّة الجدّة بأدوات قديمة، هذا فضلا عن كون التحليل من هذا المنطلق يغفل عوامل كثيرة ساهمت في تفجّر الثوّرة. كيف ترد؟ شارك في السؤال:

أنا لا أغفل العوامل العديدة التي تقف خلف حراك الطبقات الشعبية، حيث ألحظ بأن هناك فئة من الشباب الذي ينتمي للفئات الوسطى تحرّك منذ البدء، وكان المبادر، من أجل الحرية والديمقراطية. لكن أعتقد بأن الثورة بمجملها لم يكن ممكناً لها أن تحدث في بلد متخلف خصوصاً (وهذا للتمييز عن الثورات التي حدثت في أوروبا الشرقية والتحوّل الذي جرى في روسيا) إلا نتيجة إفقار وتهميش الكتلة الأساسية من الشعب. هذا ليس تحليل ماركسي اقتصادوي كما يُعتقد فقط، بل أن قيمة التحليل الماركسي هي أنه ينطلق من الواقع المادي. والمؤسف أن كل الذين يرفضون ربط الثورات العربية بالوضع الاقتصادي يتجاهلون كم هائل من المعلومات، والتحليلات غير الماركسية، وحتى المطالب والشعارات التي طُرحت في الثورات التونسية والمصرية مثلاً. لقد كان أول شعار تونسي هو “العمل استحقاق يا عصابة السرّاق”، وكانت مطالب “إضراب” 25 يناير هي وضع حد أدنى للأجور يساوي 1200 جنيه، وإعادة الأرض للفلاحين، وحق العمل، إضافة إلى حل مجلسي الشعب والشورى، ومحاكمة وزير الداخلية، قبل أن يصبح شعار الثورتين هو “الشعب يريد إسقاط النظام”.
كل الدراسات التي نشرت بعيد الثورات تشير إلى نسبة البطالة العالية، والفقر الشديد، والتهميش. والكتل الأساسية التي نزلت إلى الشوارع هي من هؤلاء. ماذا نقول بعد؟ أن هذه “ثورات ديمقراطية”، أي يحرّكها مطلب الحرية والديمقراطية؟ هذا ما تحاول فئات وسطى حصر الثورات فيه، لخدمة مصالحها هي بالذات. وهنا نجد أنفسنا في صراع طبقي أيديولوجي على مآل الثورات، وهو ما سيتوضح في صيرورة الثورات ذاتها، كما نلمس الآن في تونس والى حد معيّن في مصر، حيث أن التحوّل الديمقراطي لم يوقف صراع الطبقات الشعبية من أجل العمل والأجر والتعليم والصحة، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بتغيير الطبقة المسيطرة والنمط الاقتصادي. فإذا كان الهدف الديمقراطي هو المهيمن في المرحلة الأولى نتيجة هيمنة الفئات الوسطى على قيادة الحراك، فإن تحقق التغيير وإجراء الانتخابات ونجاح قوى جديدة كانت في المعارضة لم يوقف حراك الشعب، وأظهر أكثر المطالب الاقتصادية.
بالتالي ليست الأدوات الماركسية هي أدوات قديمة، بل أدوات منهجية لفهم الواقع لم يجرِ تجاوزها على مستوى التطور المعرفي، ويتوضح كل يوم أنها فاعلة، وهذا ما ظهر بعد الأزمة المالية العالمية التي فرضت “العودة إلى ماركس”. فالاقتصاد هو العنصر المحدِّد في التطور البشري، والتحليل الاقتصادي هو اساس فهم السياسات والمواقف. وهذا المنظور هو الذي جعلني أتوصل منذ سنة 2007 إلى أننا مقبلون على انتفاضات شعبية، لأنني كنت أتابع الوضع الاقتصادي الذي كان يشير إلى حدوث عملية تهميش وإفقار شاملة، ولأن متابعتي لانتفاضات الثمانينات (المنسية الآن) كانت توضّح بأن الشعب يتحرّك حين يصل إلى لحظة يحس فيها بأنه غير قادر على العيش نتيجة الاختلال بين الأجر، أو نتيجة البطالة، وبين الأسعار التي تتعلق بالسلع الضرورية لمعيشته.
التحليل الماركسي هو الذي سمح لي بفهم أننا مقبلون على انتفاضات، وجعل كل الذين يحاولون قسر هدف الثورات على مطلب الحرية والديمقراطية يشككون في وضع الشعب وفي قدرته على الثورة، ويرفضون أي حديث عن إمكانية قيام ثورات قبيل 17/ 12/ 2010، أي قبيل الثورة التونسية، وظلت النخب السورية ترفض توقع ثورة في سوريا إلى ما بعد 15/ 3/ 2011. فالنظر المثالي كان يخفي وضع الشعب، والنظر النخبوي كان يستهين بقدرة الشعب، ولقد اجتمعا معاً لدى النخب عندنا. وهي النخب ذاتها التي لا تريد هدف من الثورات التي لم تصنعها إلا الحرية والديمقراطية لكي تصل إلى السلطة أو تتمنع بـ “الكلام” هي بغض النظر عن وضع الشعب.
الثورات توضّح بأن الهدف العميق هو تغيير النمط الاقتصادي لكي تحلّ مجمل مشكلات الطبقات الشعبية، ولن تتوقف الثورات قبل تحقيق هذا الهدف لأن هذه الطبقات لم تعد تستطيع الاستمرار في الوضع الذي هي فيه.

الثوّرة ثوّرة مهمشين وفقراء. هذا ما تراه أنت. وما يشاركك إيّاه الكثير من الناشطين والمثقفين. السؤال: إلى إي مدى ممكن لهؤلاء المهمّشين والفقراء أن يشكّلوا قاعدة شعبيّة ليسار ما في مرحلة ما بعد سقوط النظام؟ شارك في السؤال:

أظن بأن الميل العام لدى هؤلاء سوف يكون نحو اليسار، حيث أن فهمي لوضعهم الذي أشرت إليه قبلاً، من حيث أن أساس حراكهم مبني على وضعهم الاقتصادي المعيشي، سوف يفرض في صيرورة الثورة الميل نحو اليسار.
إن تحقيق مطالب هؤلاء في العمل والأجر الذي يلبي عيشاً كريماً، والتعليم المجاني والضمان الصحي، والسكن اللائق، التي هي كلها مطالب أساسية لهؤلاء المفقرين، تفترض كما اشرنا تغيير النمط الاقتصادي. وأقصد هنا تغيير نمط الاقتصاد من كونه اقتصاد ريعي قائم على العقار والسياحة والخدمات والاستيراد والبنوك (وهو الوضع الذي لا يسمح سوى باستيعاب جزء قليل من الشعب، ربما يصل إلى 20%)، إلى اقتصاد منتج يتمحور حول الانتاج الزراعي وتطوير الصناعة، وبالتالي ضمان تعليم مناسب لتطور اقتصادي حقيقي.
هذا المشروع في التطور ليس في وارد لا الليبراليين الذين يؤسسون على حرية السوق والانفتاح، وبالتالي يكرسون الاقتصاد الريعي، ولا الاسلاميين الذين لا يختلفون مع الليبراليين في طبيعة النمط الاقتصادي. وبالتالي فإنه لا الرأسمالية ولا الفئات الوسطى الليبرالية تحمل حلاً لهؤلاء المفقرين.
ثم أن الحل يفترض، بالتالي، أن تلعب الدولة دوراً مركزياً في بناء الصناعة وتطوير الزراعة، وكل المسائل المجتمعية التي تسمح بتحقيق هذا المشروع (التعليم، الصحة)، لأن الرأسمال الخاص، كما أشرنا للتو يظل ينشط في الإطار القائم للاقتصاد الرأسمالي (الاقتصاد الريعي). وهذا الأمر غير مطروح من قبل الفئات الوسطى التي تحمل مشروعاً ليبرالياً. مما يجعل كل تغيير يوصل “قوى جديدة” إلى السلطة لا تفكّر في حل حقيقي للوضع الاقتصادي موضع تشكك، ويدفع لاستمرار الحراك الشعبي.
ولهذا سيكون الحل بالاتجاه نحو اليسار، أي نحو قوى يسارية جديدة تحمل مشروع التغيير الجذري، الذي يتعلق بتغيير النمط الاقتصادي. وهذا هو المسار الذي سيحكم صيرورة الثورات منذ “التغيير” الأول الذي يقوم على إضعاف بنية السلطة ودفعها لإجراء تغيير شكلي (كما جرى في تونس ومصر) إلى التغيير الذي يوصل اليسار إلى السلطة بقوة الشعب.
سأوضح هنا أن المسألة الديمقراطية ستكون ضرورة في أي مشروع جديد، لكي يحدث التطور بشكل متسق وفعلي. وأوضح كذلك أنني لا أقصد اليسار القائم بل يسار ماركسي سوف يتشكل من الشباب الذي يخوض الصراع الآن، والذي سوف يتبلور في خضم الصراع ذاته. وبالتالي الذي سوف يكون في اندماج مع الطبقات الشعبية، ويطرح مطالبها الحقيقية، ويحمل الرؤية التي تؤهله لذلك.
إن الوضع الذي فرضت الطغم الإمبريالية تشكيل العالم وفقه، والذي أشرنا إليه قبلاً، يجعل كل محاولة لتحقيق مطالب الطبقات الشعبية تصطدم بالتكوين الاقتصادي القائم، ليس محلياً فقط، بل وعلى الصعيد العالمي، مما يجعل السعي لتحقيق التطور المحل ينطلق من تجاوز الرأسمالية. وهذا ما يعزز من أهمية اليسار عالمياً، وبالتالي محلياً.

اليسار يتشكل في خضم الصراع الطبقي

في خضم الحراك الشعبي السوري، كانت المساهمة اليساريّة محدودة جداً. هذا فضلاً عن مواقف مشينة لبعض أحزاب “اليسار”. ما هي فرص ولادة يسار جديد في سوريا والمشرق العربي عموما؟ وما هي الأسس التي يمكن أن يبنى عليها “اليسار الجديد”؟ شارك في السؤال:

قبل الثورة كانت أحزاب “اليسار” إما ملحقة بالسلطة وتدافع عنها (وإنْ حاولت نقد بعض السياسات الاقتصادية)، أو متلبرلة، وكان اليسار بمعناه الحقيقي أشتات من أفراد. لهذا كان دوره محدودا في الحراك، رغم أن العديد من قواعد الأحزاب المشاركة في السلطة، ومن الأحزاب الأخرى، شاركت منذ البدء في الثورة.
وكما أوضحت فإن الظرف الموضوعي يؤسس لبلورة يسار جديد من الشباب المشارك في الثورة. فالقضايا الواقعية تفرض هذا الميل، ولا شك في أن التجربة التي يخوضها الشباب سوف تنضج منهم ما يكون قادراً على بلورة رؤية وإستراتيجية وبرنامج يعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، وكل الطبقات الشعبية.
اليسار إذن يتشكل في خضم الصراع الطبقي، ويستمدّ رؤيته من ارتباطه بالطبقات الشعبية، ومن الدفاع عنها، ولهذا فسيكون يساراً نضالياً، ومهجوساً بكل ما يفرضه الواقع، وما يتطلبه النضال من أجل تحقيق التغيير العميق. وهو تغيير يفترض أن يكون استلام السلطة في اساس كل إستراتيجية (بعكس اليسار القديم).
طبعاً يبدو أنني أنساق مع عفوية الحراك وأنا اتحدث عن تبلور اليسار الآن، لكنني أعتقد بأن الصراع ذاته سوف يفرض فهماً عميقاً للواقع، وهذا ما يفترض فهماً مختلفاً للماركسية عما كان في العقود السابقة حيث هيمنت “الماركسية السوفيتية” التي لم تكن ماركسية إلا من حيث الشعارات والكلمات، دون أساس الماركسية الذي هو الجدل المادي، المنهجية التي يجب أن تحكم منطق التفكير، والتي هي التجاوز للمنطق الصوري الذي يحكم تحليل العموم نتيجة أنه أصبح متوارثاً (عبر العادات والمدرسة والبيئة). و”الماركسية السوفيتية” ظلت في حدود المنطق الصوري، الذي لم يعد مفيداً في فهم الواقع، ولا يفي بهذا الغرض (إلا كتحديد أولى للهوية).
هذا الفهم الجديد للماركسية وتمثّل منهجيتها أمر ضروري لكي يصبح ممكناً وضع إستراتيجية التغيير وتحديد الأهداف والسياسات. ولا شك في أن هضم الماركسية في إطار الصراع القائم سوف يؤسس لوعي حقيقي بها، وبالواقع معاً. وهذا أهم أسس تحويل الصراع العفوي القائم في الثورات إلى صراع طبقي حقيقي يؤدي إلى استلام الطبقات الشعبية السلطة وتحقيق مطالبها.
أي يسار جديد إذن يفترض وعياً بالماركسية بما هي منهجية وأداة تحليل وليس شعارات وكلمات فقط. كما يفترض أن يظل جزءاً من الصراع الثوري القائم، وأن يعمل على “عقلنته” و”تنظيمه”، ودفعه لكي يوصل إلى استلام السلطة، دون المراهنة على أي من الطبقات الأخرى (البرجوازية أو الفئات الوسطى).

الرأسماليات المحلية باتت دون سند عالمي

سيسقط النظام السوري. هذا ما يجزم به المنتفضون على الأرض وما يمكن أن يؤكده السياق العام لثورات الربيع العربي: هل تمتلك تصوّراً عن وضع المجتمع السوري في مرحلة ما بعد السقوط؟ هل تعتقد أن ثمّة اقتتالاً أهليا سيجري؟ وما هو تصوّرك لدور المعارضة في إدارة البلد: هل ثمّة خوف من الفوضى؟ شارك في السؤال:

أولاً لا بد من تلمس شكل التغيير الذي يفرض سقوط النظام لكي يصبح ممكناً تلمس المشكلات التي يمكن أن تنتج عن التغيير ذاته. وما أعتقد بأنه ممكن هو أن الثورة سوف تفرض تفككاً في السلطة يقود إلى تغيير داخلي يفتح الأفق على مرحلة انتقالية، تستجيب لجزء من مطالب الشعب. وبالتالي فإن التفكير في سقوط النظام بطريقة مجرّدة هو تفكير لا إمكانية له، لأن موازين القوى الفعلية هي التي سوف تفرض شكل التغيير دون توقّع “اختفاء” طرف هو السلطة.
وفي ظل موازين القوى الآن ما هو ممكن هو تحوّل داخلي، لهذا لا أعتقد بأن هناك إمكانية لحرب أهلية أو فوضى، رغم أنه يمكن حدوث بعض المشكلات هنا أو هناك. لقد حاولت السلطة أن تفتعل صراعاً طائفياً منذ البدء لكي تضمن تماسك الطائفة العلوية خلفها، لكن كل محاولاتها فشلت، وظل أفق الصراع متركزاً على مواجهة السلطة كسلطة حاكمة. وهذا أمر طبيعي حين حدوث الثورات، حيث يتحرّك الشعب ضد القوة التي أفقرته واستغلته واضطهدته، وهي السلطة، ولا يعود مهتماً بكل الرتوش “الثقافوية” (الطائفية أو الإثنية). ولهذا فهو لا ينجرّ إلى صراعات يعتبرها هو أنها هامشية، وخصوصاً حين يعرف بأن السلطة ذاتها هي التي تريدها. فقد رفعت التظاهرات شعار “لا سلفية ولا إخوان” حين ركّز إعلام السلطة وأبواقها على الطابع “السني، الإخواني، السلفي” للثورة.
ولهذا، يمكن تصوّر بأن فئات من السلطة قامت بتغيير (انقلاب أو ما شابه)، وفتحت أفقاً لمرحلة انتقالية تشارك فيها المعارضة (أو أطراف منها)، لإعادة صياغة الدولة. وأظن بأن الأمور تسير في هذا المنحى نتيجة الضعف الذي أخذ يلفّ السلطة، في المستوى المالي والشعبي والعسكري (رغم كل العنف والتدمير الممارس). فقد أصبحت سورية كلها تقريباً مشاركة في الثورة، ربما بقي تخوّف الطائفة العلوية الذي يمكن أن يفكّ. وبات الشك يزرع كل بنى الدولة وينحصر اعتماد السلطة على فئات محدودة ومحدَّدة، ربما تتفكك أيضاً.

ما هي الأخطار المحتملة التي يمكن أن يشكّل تحققها ارتكاساً في المجتمعات والدول العربيّة التي شهدت ثورات حتى الآن؟ وما هي طبيعة القوى التي تعتقد أنّها أقدر من غيرها على مواجهة تلك الأخطار؟ ولماذا؟ شارك في السؤال:

لا أظن بأنه يمكن أن يحدث ارتكاس في الثورات العربية عموماً، حيث أن الإمبريالية تعيش أزمة عميقة وباتت القوة المهيمنة (أميركا) تتراجع تحت وطأة أزمتها، وكذلك أوروبا. وينفتح الوضع الدولي على صراع بين رأسماليات على طبيعة النظام العالمي الجديد. هذا كان في أساس تفجّر الثورات، وهو في أساس عدم إمكانية حدوث ارتكاسات، لأن الرأسماليات المحلية باتت دون سند عالمي.
ثم أن الثورات نتجت عن وصول الطبقات الشعبية إلى لحظة العجز عن العيش في الوضع الذي باتت فيه، لهذا تحرّكت كاسرة حاجز الخوف و”الحيادية” اللذين كانا يسمانها، وبالتالي اصبحت ترى بأنه لم يعد بإمكانها العودة لقبول ما كانت فيه. وهو الأمر الذي سوف يجعلها تقاتل إلى الانتصار.
والأهم هنا هو أن الشباب الذي عاش في وضع هامشي في السنوات السابقة أصبح في وسط المعمعة، وأصبح هو العنصر الفاعل. وهذا الأمر يؤسس لما أشرت إليه سابقاً من تطور في الوعي والتنظيم والفاعلية، وأيضاً من نهوض في الفكر والثقافة والفن.
وضع الشعب هذا، والوضع العالمي المتضعضع، جعلا النظم المحلية ضعيفة وهشة، وعاجزة عن الحكم. الأمر الذي سوف يقود إلى دخول النظم في أزمات مستمرة لا تسمح لها الحكم المريح، أو الاستبداد في الحكم.
لهذا فإن الثورات سوف تقود إلى بلورة أحزاب قادرة على الانتصار، وهذا ما أشرت إليه قبلاً بشيء من التفصيل.

المصدر: شباب السفير

سوريا والمعركة الأخيرة

لم أكتب في «الأخبار» منذ نهاية نيسان، إذ اعتقلت في 23 نيسان، وخرجت مبعداً من سوريا في 14 أيار، لكنّني لم أستطع الكتابة طيلة المدة منذ خروجي نتيجة الوضع الصحي الذي نتج عن اعتقالي. الآن أعود إلى الكتابة. أولاً أشكر كلّ من دافع عني أو طالب بي، أو كتب محتجاً، أو شارك في حراك يتعلق باعتقالي. شكري كبير لكل هؤلاء. وما أستطيع قوله لهم إنّني مستمر كما كنت، في مواقفي، وممارساتي.

في الصراع ضد الاستبداد في سوريا وكل الوطن العربي، ومن أجل مطالب الطبقات الشعبية التي قررت منذ زمن طويل أن أكون معها، وأن أدافع عنها بغض النظر عما يطاولني، إذ قبعت في السجون السورية لمدة ثماني سنوات، ولم أتردد في الوقوف مع الثورة منذ اللحظة الأولى، وخصوصاً أنّني كنت أشير إلى أنّ سوريا مقبلة على ثورة، وأنّ الشعب سوف يملأ الشوارع من أجل إسقاط النظام.

سوريا في ثورة، لا شك في ذلك. وهي ثورة منتصرة، وليس لدي أي شك في هذه النتيجة. لن أتناول هنا ما تعرضت له، فقد نشر في الإعلام ولا فائدة من تكراره. ما يهمني هو وضع سوريا الآن، حيث تمارس السلطة أبشع أنواع القتل والتدمير في كل المدن والبلدات. ويبدو مما يجري أنّ السلطة تتصرف بتوتر عالٍ وخوف شديد وارتباك، يجعلها لا تملك غير كل هذا العنف الوحشي، بعدما أحست بأن كل العنف الذي مورس خلال السنة والثلاثة أشهر لم يوقف الثورة، ولم يجعلها تتراجع أو يبدو أنّها تتراجع.

فقد عمت الثورة كل سوريا تقريباً، وأصبحت مناطق كثيرة خارج السيطرة أو بسيطرة ضعيفة. ولقد تمردت حلب، هذه المدينة التي كانت المثال على دعم الشعب للسلطة، إذ باتت تحتاج إلى القصف والاحتلال. وتتهاوى السيطرة على دمشق التي كانت تعدّ قاعدة السلطة، للقول إن الشعب يدعم السلطة. والفئات التجارية التي دافع جزء كبير منها عن السلطة، وموّل بعضه الشبيحة، أصبح أملها أن ترحل السلطة بعدما فشلت في حسم الصراع، وإعادة الأمن والأمان لكي تعود الحياة الاقتصادية إلى دورتها التي تصبّ في جيوبهم.

لهذا تتوتر السلطة، وتنكمش على أضيق حلقة في بنيتها، التي تعتبر أنّها الأكثر ثقة، بعدما تعمم الشك في كل بنى الدولة، كما تمارس أبشع أنواع التعذيب في حق المعتقلين من أجل الحصول من بعضهم على اعتراف بأنّه من «العصابات المسلحة»، التي تمارس «الاغتصاب والقتل والسرقة»، كما تقول الرواية التي صيغت منذ البدء لكي تغطي كل أنواع القتل التي مورست والتي تمارس الآن. وإذا كانت السلطة تقول إنّ «العصابات المسلحة» و«الإمارات الإسلامية» وجدت منذ البدء، أي من يوم 18 آذار، فقد اعترف بشار الأسد بأنّ الأشهر الستة الأولى لم تشهد عملاً مسلحاً، وهو الأمر الذي يوضح أنّ الرواية المكتوبة، ربما قبل بدء الثورة، كانت تلفق الأحداث من أجل تبرير القتل في مواجهة شعب يتظاهر ويعتصم سلمياً.

السلطة الآن تنحصر في أضيق بنية، ولهذا تتصرف برعب أكثر منه بثقة. وهذا هو الأمر الذي جعلها تلجأ إلى المجازر التي تستخدم فيها عمليات الذبح لا القتل فقط. عمليات تكررت في الفترة الأخيرة على نحو متسارع، رغم أنها كانت موجودة منذ أشهر. ويمكن القول إنّ الهدف منها هو إخافة الفئات العلوية أكثر منه تخويف الثورة، بهدف فرض تماسكها حول السلطة خشية التفكك وانهيار السلطة، إذ إنّ هدف هذه المجازر هو القول لهم إنّ انهيار السلطة سوف يقود إلى مجازر مقابلة، وبالتالي يجب الدفاع إلى النهاية عن السلطة، أي عن المافيا العائلية التي نهبتهم كما نهبت كل المجتمع. في هذا الوضع سيبدو أنّ البقايا التي تقف في صف السلطة يمكن أن تفلت، وأنّ «البنية الصلبة» يمكن أن تتفكك وهي ترى الكارثة التي يمكن أن تنتج عن كل هذه الوحشية التي تمارسها السلطة فقط من أجل مافيا تدافع عن مصالحها. وهذا ما يؤسس لكل هذا الجنون الدموي، ليبدو أنّها المعركة الأخيرة في صراع قرر الشعب أسسه رغم كل التداخلات والتدخلات و«الأفلام»، وكل العنف الذي هدف إلى إفشاله. تبقى روسيا التي يتسرّب أنّها باتت تبحث عن مرحلة ما بعد الأسد، ثم يعاد لافروف وزيراً للخارجية ليكرر الجمل ذاتها، وينفي ما بات واضحاً، دفاعاً عن سلطة ظهر أنّه وزير خارجيتها. ما يجب أن تعرفه روسيا هو أنّ كل الجرائم التي حدثت وتحدث تقع ضمن مسئوليتها نتيجة حمايتها المطلقة لسلطة دموية، وأنّ إسراعها في «رفع اليد» عن السلطة بالتخلي عن حمايتها هو ما يمكن أن يعوّض عن سياسة غبية مارستها طيلة أشهر. روسيا تميل إلى تجاوز مرحلة بشار، لكن ذلك يفرض السرعة لكي لا تتراكم الجرائم.

الوضع السوري يسير نحو الحسم، فالشعب بات أقوى، والسلطة تضعف وتصاب بالوهن، وهذا هو الأساس الذي سيفرض التغيير.

المصدر: الأخبار

سلامة كيلة: ليس هناك بعد طائفي للثورة في سورية!

الاستبداد والتهميش السياسي ينمي الحاجة للحرية والديمقراطية

اجرى الحوار سارة القضاة: لم تهتز بوصلة المفكر والناشط السياسي الفلسطيني سلامة كيلة في حتمية انتصار الثورة السورية ، على الرغم من أن جسده اهتز تحت وقع التعذيب بعد أن اعتقله النظام السوري مؤخرا بتهمة أنه مسؤول عن نشرة يسارية صدر منها ثلاثة أعداد وضعت في عددها الثاني شعار ‘من أجل تحرير فلسطين.. نريد إسقاط النظام’.

بعد أن أُبعد كيلة، صاحب الفكر اليساري الماركسي، عن بيته في دمشق الذي سكن فيه واحدا وثلاثين عاماً، إلى العاصمة الأردنية عمان، وصل يحمل اثار التعذيب على جسده، واملا بانتصار الثورة يحمله بقلبه وفكره، وهناك التقينا به وأجرينا معه حوارا تناول فيه الجانب السياسي والأيديولوجي للثورة السورية :
*كيف يمكن أن نفهم التكوين الاجتماعي والاقتصادي للنظام في سوريا، وما هو التكوين الاجتماعي للثورة في سورية ؟
*باعتقادي يمكن ملاحظة التحولات التي جرت في سورية خلال عشرين سنة سابقة للثورة التي حدثت، حيث بدأت أزمة النظم التي سُميت نظم قومية، والتي قامت على دور كبير من القطاع العام، كان يخدم قطاع واسع من المجتمع.
نتجت هذه الأزمة عن ميل الفئات التي حكمت إلى نهب ما يتراكم بيد الدولة عبر القطاع العام وبالتالي اصبح هناك مشكلة حقيقية في الاقتصاد، تتمثل في أن الشركات والمصانع التي تقع في اطار ملكية الدولة بدأت تتضعضع نتيجة نهب مستمر من قبل أشخاص كانوا يعينون كمدراء لها، لا يمتلكون كفاءة، لكنهم يمتلكون ولاء مطلق للسلطة وخصوصا الرئيس، وكان همهم بالأساس هو مراكمة الثروة الخاصة.

بالتالي كانوا يمارسون كل الأشكال التي تؤدي إلى نهب تراكم الربح الذي تحققه هذه الشركات، وهذا أدى إلى أزمة عميقة كانت تبدو واضحة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ومن ثم تشكل قطاع متسع من كبار المسؤولين الذين مروا على سورية، والذين راكموا أموالا هائلة كانت تهرب إلى الخارج، من كبار الضباط إلى كبار رجال المخابرات إلى كبار المسؤولين، وبالتالي كان ينهب الاقتصاد المنتج وترسل النقود إلى البنوك الأجنبية.
بعد ذلك، بدأ حافظ الأسد بسياسة تقوم على التحول إلى ما يسمى الخصخصة، أو الانفتاح الاقتصادي، ولكن كانت الصيرورة في زمنه بطيئة، وخصوصا بعد مرضه تعثرت، ولكن في هذا الوضع تعمم الفساد، فطال قطاعات أوسع من الاقتصاد الخاضع للدولة، وبالتالي دخلنا في مرحلة عام 2000، بعد استلام بشار الأسد، في وضع كان من الواضح أن هناك كتلا ‘مافيوية’ قد تشكلت، وخصوصا من عائلة الأسد ومخلوف وشاليش ومحازيب حولهم، بدأوا هم للميل إلى الهيمنة المباشرة على الاقتصاد، بعد أن راكموا المليارات بعد نهب مستمر لقطاعات الدولة.
في هذا الوضع، بدأ يتشكل وضع اقتصادي اجتماعي في سورية مختلف عما كان قبل ذلك، حيث على الصعيد الاقتصادي بدأ الاقتصاد ينتقل من اقتصاد منتج، وسورية كان لديها اقتصاد منتج مع انه ليس كبيرا ولكنه كان موجودا في الزراعة والصناعة والتجارة، إلى اقتصادي ريعي يتمركز حول العقارات والسياحة والخدمات والتجارة الداخلية والاستيراد، وفيما بعد البنوك.
وأيضا تمركز هذا الاقتصاد في يد فئة قليلة، هي هذه المافيا التي تتمحور حول العائلة مع محازبيها، حتى أن العديد من الدراسات التي كتبت تشير إلى أن هذه المجموعة، وهي شركة الشام القابضة تمتلك 60 % من الدخل السوري.
في هذا الوضع، انهارت الصناعة، وما بقي في يد الدولة من صناعة جمد، لأنه لم يعد منتجا، وحاولوا بيع القطاعات المربحة في الصناعة، باعوا بعضها ثم جمدوا بعضها الآخر.
الأزمة الأكبر حدثت في الزراعة التي بدأت تتضرر بشكل كبير مع تحقق الانفتاح الاقتصادي النهائي في العامين 2006 2007، بعد أن فرضت هذه الفئة التي نهبت الخصخصة وفرضت ‘اللبرلة’ بشكلها النهائي، وبالتالي رفعت أسعار المشتقات النفطية والبذور، وعرضت الريف إلى أزمة، أتت بعد الظروف الطبيعية لتفجرها بشكل نهائي وتؤدي إلى تصحر فعلي في مناطق الفلاحين التي كانت اغنى مناطق سورية الزراعية.
كما انهار وضع صغار الملاك مع ارتفاع أسعار النفط، وفي المدينة أيضا الأجور لا تفي بشيء، لان الأجور ارتفعت بشكل هزيل، بينما مع تحقق الانفتاح أصبحت الأسعار في سورية أسعارا عالمية، وفي أحيان عديدة كنت ألمس أنها اعلى من الأسعار العالمية.
هذا الاختلال كان يخلق وضعا مريعا، حتى أن دراسة أنجزتها الدولة العام2010 حول الحاجة المعيشية للمواطن، كانت النتيجة أن المواطن بحاجة إلى دخل 620 دولارا من اجل أن يعيش بحد معقول، بينما كان الحد الأدنى للأجور 150 دولارا، ومتوسط الدخل بحسب هذه الدراسة 220 دولارا.
هذا الفارق الهائل كان يطحن الفئات المجتمعية، ويخلق احتقانا داخليا في كل هذه الفئات الاجتماعية، وهذا ما كان يؤشر إلى أن سورية مقبلة على انفجار اجتماعي.
هذا هو التكوين الاجتماعي للسلطة التي أصبحت مافيا ناهبة عائلية بوليسية، اصبح هناك تحالف امني حاكم مع شعب بقطاعاته الواسعة مقفر، هناك 20% من المجتمع مستفيدة من هذا الواقع، بينما 80 % من الشعب مقفر أجوره لا تكفيه أو عاطل عن العمل.
*هل يمكن القول إن الوضع الاقتصادي والبطالة، يشكلان أرضية لاستمرار الثورة وانضمام شرائح أخرى لها؟
*بالتأكيد، فالاستبداد الطويل الذي عاشه الشعب السوري وخصوصا الشباب الذي ولد وكبر وهو يرى النظام نفسه، ومر في دورات ترويض، إضافة إلى قمع الحياة السياسية بشكل كامل وقمع الحياة الثقافية، كان ينمي الحاجة بضرورة وجود حرية وديمقراطية وتغيير هذا النظام لشكل آخر يسمح للناس أن تعبر عن نفسها.
طبعا الذي كان يلمس هذا الأمر بشكل مباشر ويشعر بضرورتها هم فئات وسطى من الشباب الذين كانوا يعيشون في المدن ويتواصلون عبر الإنترنت، وكان شعورها بفرديتها ودورها الواقعي يدفعها إلى شعورها بالحاجة إلى الحرية والديمقراطية، وهذه الفئة هي التي بدأت بالتحريض للثورة.
لكن البنى العامة في المجتمع، باعتقادي، كان العنصر المعيشي والاقتصادي، والذي تلخص بالنهاية بدولة نهبتهم ودولة تمارس الفساد عليهم، جعلهم يشعرون أن عليهم إزالة هذا النظام.
*كيف ترى طبيعة الأزمة في سورية، أهي أزمة تقوم على صراعات بين طبقات اجتماعية أم هي صراعات ذات بعد طائفي.. خصوصا أن هناك ترويجا بأن الثورة السورية تريد تحقيق سيطرة سنية؟
*الصورة واضحة لي انه ليس هناك بعد طائفي للثورة، هناك بعض القوى التي حاولت أن تطرح ذلك، منها النظام أولا، لأنه كان يعتقد أن ضمان تماسك الأقليات حوله، خصوصا العلويين، مهم لان العلويين هم الأداة الأكثر صلابة والتي تدافع عن النظام، وكان بحاجة أن تخاف هذه الفئة من المجتمع لكي يبقوا متماسكين حوله، لذا بدأ يروج للسلفيين والإمارات الإسلامية والإخوان المسلمين، ودورهم في العودة للانتقام من الصراع الذي جرى في سورية في الثمانينيات بين النظام والإخوان المسلمين.
فقناة الوصال لم يكن السنة في سورية يسمعون بها، بينما فوجئنا أن النظام يعمم على مناطق الأقليات أن يتابعوا قناة الوصال حتى قبل بداية الثورة بفترة، وبالتالي كان يخيف الأقليات بالكلام الطائفي المتخلف، وكان يحاول التحريض في هذا السياق.
وعلى الصعيد العملي حاول أيضا تحويل الصراع إلى صراع طائفي خصوصا في حمص، إذ كان يدفع بكل قوته ليتحول الصراع إلى صراع طائفي لكن جهود عديد من الشباب اليساري والديمقراطي من كل الطوائف أفشلت هذا المشروع.
المستوى الآخر الذي لعب للأسف دورا مكملا لدور النظام، هم بعض اطراف العارضة السورية ، الإخوان المسلمون، بعض المتملقين الذين كانوا يظهرون على شاشات التلفاز، بعض الفضائيات التي تصب في سياقهم، الذين بدأوا يشعرون أن الثورة سلمية ضد نظام علوي، وبدأوا يعملون على هذا الأساس، خصوصا انهم ربطوا مسألة إسقاط النظام باستراتيجيتهم الأساسية التي تتمثل بالتدخل الخارجي.
واقعيا، حاولت أن ألمس من الشباب انفسهم، المتدينين، ووجدت انهم غير متجهين لصراع طائفي ولا حكم ديني. الجو الشعبي متدين، لأنه مع انهيار الثقافة والسياسة تعود إلى بيئتها الطبيعية وهي بيئة دينية، ولكن بعد نهوض الثقافة سنكتشف أن هؤلاء الشباب سيتحولون بشكل آخر، لهذا لا يحارب النظام من منظور طائفي.. الصراع صراع طبقي وان لم يكن واضحا.
*ما هي القوة الاجتماعية الرئيسية المحركة للثورة السورية ، وما هي القوى السياسية التي تمثلها حاليا؟
*ليس هناك قوة تحرك الشارع السوري، هناك شعب ينتفض بعفويته وبساطته. المشكلة التي حدثت في سورية خلال العقود الماضية أن أحزاب المعارضة انهارت وتهمشت، جزء منها نتيجة القمع العنيف وجزء يعود إلى خلل ببنيتها وتكوينها ونمطها، وفي النهاية تحولت إلى نخب كبيرة العمر وهرمة بالغالب، تمحور نشاطها حول ما هو سياسي ضيق من الحرية والديمقراطية والإمبريالية والموقف من الصهيونية، واصبح هذا هو النشاط الذي تنشط فيه، وهو اطار بعيد عن الناس ومطالبهم ومشاكلهم.
حين كنت اقول ان الوضع في سورية يسير باتجاه انفجار اقتصادي شعبي كان الجميع يقول انها أفكار ماركسية تقليدية، وانها مجرد أوهام ماركسية، وفوجئوا بأن الشعب انتفض، ولكنهم لم يفهموا مطالب الشعب ومشاكله، فظلوا يتحدثون عن الحرية والديمقراطية، بينما الشعب ينتفض ويُوجد أليات ذاتية وتنسيقيات خاصة به.
بالمرحلة الأولى كانت التنسيقيات تضم شبابا على قدر من الفهم والوعي، ونلاحظ أن شعارات الثورة السورية حتى أيلول الماضي كان فيها شيء واضح وغير ملتبس، ولكن بعد ذلك قمع السلطة العنيف لهذا المستوى من العمل أدى إلى اعتقال أو قتل أو تشريد عدد كبير من القطاعات العاملة في هذا المستوى، ورغم ذلك ظل المتظاهرون ينتجون أشكالا تنظيمية وتنسيقيات تنسق العمل، ولكن صار الميل والقدرة على تنظيم المظاهرات، واصبح هناك ضعف في القدرة على ابتكار الشعارات، وهذه ما سمح لقطاع من المعارضة للدخول والهيمنة إعلاميا على العديد من المسائل، وتُدخل شعارات سيئة إلى المظاهرات.
بلحظة، شعر المتظاهرون إلى حاجة لقيادة سياسية، خصوصا مع نهاية شهر آب والقمع العنيف الذي واجهه الناس وتدخل الجيش. بدأوا يبحثون عن المعارضة، والمعارضة من الصعب أن تتوحد.
بلحظة توهم قطاع من الناس أن المجلس الوطني الذي تشكل مطلع تشرين الماضي يمكن أن يمثلهم، ومع الضجة الإعلامية التي حدثت لحق عدد من الناس بهذا المجلس، إلا انهم اكتشفوا بعد فترة انه لا يفيد بل بالعكس يضر، وصار هناك تراجع عام عن دعم المجلس الوطني، وصار هناك نقص بالتظاهرات بشكل واضح.
انتقل الوضع إلى أن تبحث هذه الفئات عن أشكال من داخلها، وبدأت تتشكل أشكال تنظيمية جديدة، مجموعات ديمقراطية يسارية، مثل مجموعة ‘نبض’ وهي مجموعة ديمقراطية علمانية، مجموعة ‘معا’، الائتلاف اليساري السوري، تنسيقيات الشيوعيين، الكادر الشيوعي بالسويداء، والعديد من الأسماء التي يشكلها الشباب.
وبدأ هنالك شعور عام أن توحد هذه المجموعات هو افضل حل، ونحن الآن في هذا المخاض؛ كيف تخرج من داخل الانتفاضة بُنى وآليات تنظيمية تلعب الدور الأساسي.
* ما الذي يحول دون توحيد المعارضة السورية في الداخل والخارج ضمن برنامج انتقالي موحد؟
*المعارضة هزيلة وهشة وهرمة، آلياتها بطيئة ومفاهيمها مكررة، ما تزال تكرر كلاما نسمعه منذ العام 2000، وهناك خلافات قديمة بينها، وبالأساس المعارضة كانت فقط بالداخل، وكان الإخوان المسلمون فقط بالخارج ولكنهم مهمشون، ولكن كان هناك انقسام بالداخل بين ‘التجمع الوطني الديمقراطي’ وبين ‘إعلان دمشق’، والذي يحكمهم صراع تاريخي، وحين حدثت الثورة لم يكونوا متوقعين، وظلوا يعتقدون أنها ستنتهي ببساطة، وهذا هو سبب بطء حركتهم، حتى أن أول محاولة لتوحيدهم كانت في 25 حزيران، أي بعد ثلاثة اشهر وعشرة أيام من انطلاق الثورة.
وحين طرحت المعارضة حلا، طرحت الإصلاح في الوقت الذي كان فيه الشعب يرفع شعار إسقاط النظام، وهذا همشهم، لأنه باللحظة الثورية اذا لم تكن بمستواها فالشعب سيمضي ويتركك.
هذا التهميش هو الذي فتح بابا للخارج، هناك بعض الأطراف في الداخل من ‘إعلان دمشق’ كانت تتفاعل مع الخارج لتحقيق هذا الانتقال، وإفشال توحيد داخلي ونقل المعارضة للخارج، وكان متحالفا مع قطاع من الإخوان المسلمين والليبراليين الأميركان، وكانوا يحضرون في شهر أيار لعقد مؤتمرات، الإخوان المسلمون في خلفيتها دون الظهور للواجهة، وبدأ الكلام عن تغيير العلم، والمجلس الوطني الانتقالي والتدخل الأجنبي.
وبدأوا يتحدثون عن آلية إقناع الناس بهذا الموضوع، فأصبح هناك حديث عن حماية المدنيين، ويصورنها على اعتبار أنها قصة إنسانية لا تدخل عسكري فيها، وبدأ هذا الوضع بالتصاعد بعد أن انخفض سقف هيئة التنسيق ، واصبح الخارج يزاود.
ولكن بدأ هناك خلاف في المعارضة الخارجية حول كيفية تبلور المجلس الوطني؛ الإخوان المسلمين والليبراليين الأميركان وبعض اطراف ‘إعلان دمشق’ ينسقون على حدة، وبرهان غليون الذي أصبحت له قاعدة شعبية معينة اصبح يريد شيئا اكبر.
في الأشهر تموز وآب وأيلول استطاعوا أن يكسروا كل محاولات برهان غيلون لتوحيد المعارضة، وفرضوا عليه تشكيل المجلس الوطني، وهو جاء بعد الانتهاء من تشكيل المجلس، فأخضع لسياسة مرسومة واضحة، تقوم على التدخل الخارجي وتتعامل بخطاب طائفي، وقامت بضم كثير من الأشخاص الذين لم يكن لهم علاقة بالمعارضة وكثير منهم كانوا تجارا، وقدموا تشكيلة سخيفة يدّعون انهم كان لهم وجود على الأرض عبر مشاركة لجان التنسيق المحلية للثورة السورية .
هذا الوضع أوجد استراتيجيتين في المعارضة؛ استراتيجية أولى للداخل الذي لا يرى أفقا للثورة أنها قادرة على إسقاط النظام، والخارج الذي لا توجد لديه قناعة بأن الشعب قادر على إسقاط النظام وبالتالي لا بد من تدخل خارجي.
والخارج حين بدأ بلعب دور ما مقبول شعبيا، بدأ يؤثر بشكل سيىء جدا في وضع الانتفاضة، ودفع تجاه التسلح، وبدأ الجيش الحر بالتشكل على اعتبار أن التدخل الخارجي قادم، وحين نزل الجيش إلى الساحة اكتشفوا أن الجيش سحقهم ببساطة، كما حدث ببابا عمرو.
صار هناك تقبل للتدخل الخارجي، ولكن بعد فترة من القصف شعروا انهم ضُللوا وضُحك عليهم، وبدأوا يتراجعون. أيضا، طائفيا بدأ الخارج يلبّس الانتفاضة أسماء جمع وشعارات سخيفة عبر التدخل الإعلامي، لان الهيئة العامة للثورة السورية احتكرت الإعلام الداخلي، فهي من تضع الشعار وهي من تصوره والناس تمشي بالشارع دون أن تعرف.
وبدأوا بالتالي يعكسون أوهامهم وسخافات الخارج على داخل الانتفاضة، وهذا يضر بالانتفاضة إلى حد انه بدا وكأن ما يقوله النظام صحيح، بأن هناك جماعات مسلحة وهناك أسلمة، على الرغم من أن الشباب ليسوا كذلك، وهذا الدور سيىء جدا وعبء يؤخر بتوسع الانتفاضة ويعيقها.
*لماذا تأخرت دمشق وحلب بالانضمام للثورة؟
*هناك إشكالية عامة في الثورة السورية أشرت لها من البداية، وحتى قبل أن تبدأ كان توقعي أن هناك احتمالا أن تتأخر الثورة في سوريا، بمعنى أن الاحتقان الاجتماعي أمام رعب السلطة لم يصل إلى لحظة حدوث انفجار داخلي، لكن الثورات العربية سرّعت في ذلك، وهذا أيضا لعب دورا في أن يكون توسع الانتفاضة بطيئا، فمن درعا إلى حلب احتاج الأمر إلى سنة تقريبا.
رصاص السلطة كان يكسر حاجز الخوف، ففي مظاهرة صغير من بعض الشباب يقتل شخص، يصبح المشاركون في الجنازة بالآلاف، فهذا الذي كان يجعلها تنتقل بشكل تدريجي.
أما بالنسبة لدمشق وحلب، هناك مسألة مهمة لها علاقة بالنمط الاقتصادي الريعي الذي تحدثت عنه، والذي يتمركز في دمشق وحلب، وبالتالي فإن الفئة الداعمة للسلطة تمركزها الأساسي في دمشق وحلب، بينما المدن الأخرى كانت مدنا مهمشة.
وحين دخلت المسألة الطائفية على الخط، بمعنى مطالبة بعض أطياف المعارضة بالتدخل الخارجي والخوف من الإسلاميين، جعل قطاعات من المسيحيين، الذين هم عمليا غير مقتنعين بالنظام، تكون اقرب للدفاع عنه خوفا من تدخل خارجي يكون فيه مصيرها كمصير مسيحيي العراق، أو أن تعلق في دولة إسلامية طائفية متخلفة.
هذا الجو كان يخلق قاعدة في هاتين المدينتين، ولكن مع تطور الوضع بدأت القاعدة الاجتماعية نفسها بالتآكل. محيط دمشق كان مشاركا منذ البدايات والميدان كان مشاركا، أما وسط البلد فهناك صعوبة لأنها منطقة تجارية وليست منطقة شعبية لا يصلح فيها التظاهر. ولكن مع انهيار الوضع حتى التجار اصبحوا يطالبون برحيل النظام.
باعتقادي هذا ما أخر دمشق وحلب، والذي بدأ ينكسر الآن، لان الثورة نفسها خلقت مفاعيل اجتماعية جديدة أضرت بقطاعات اجتماعية كانت قريبة من السلطة. التجار مثلا الذين كانوا مقربين من السلطة ويدفعون ‘للشبيحة’ يقولون الآن نريد أن يرحل النظام حتى تستمر مصالحنا.
* ما رأيك بعسكرة الثورة؟
هي لم تتحول.. كان هناك دفع باتجاه عسكرة، انشقاقات الجيش ليست كبيرة إلى حد يشكل جيشا بديلا، ومن الصعب بوضع كالوضع القائم في سورية أن يتشكل بديل، لأنه على ارض دولة هي التي تحكم لا إمكانية لتشكيل جيش مقابل، لان السلطة التي تحكم ستسحق أي جيش مقابل واي محاولة لتشكيل جيش، وهذا ما حصل.
بلحظة ما، بدا أن استخدام السلاح مفيد في مواجهة الشبيحة والأمن الذي كان يضرب المتظاهرين، وبالتالي كان ضرب الشبيحة والأمن يسمح بالمظاهرات، لكن سياسيات المعارضة في الخارج دفعت إلى تشكيل جيش بدا وكأنه يريد السيطرة على هذه المنطقة ويريد أن يؤسس إلى قاعدة، وهذا الأمر أدى إلى أن السلطة سحقتهم، وبعض الأطراف ادركت خطأهم.
بالتالي، لا إمكانية لان تتحول الثورة إلى ثورة مسلحة، وبكل بلدان العالم لا اذكر أن هناك دولة تحررت من سلطتها بالكفاح المسلح، الكفاح المسلح مفيد في مواجهة الاحتلال، ولكنه في صراع طبقي داخلي، يمكن أن يكون عنصرا مساعدا ولكن لا يمكن أن يتحول إلى كفاح مسلح، الحراك الشعبي هو الأساس ويجب أن يستمر كذلك.
* ما آفاق الثورة في سورية ومصائرها؟
*ليس من إمكانية إلا تحقيق التغيير، الثورة قوية وصلبة ومستمرة، وبُنى السلطة هي التي بدأت تتآكل، وهذا سيؤدي في لحظة من اللحظات إلى كسر في السلطة يقود إلى فتح شكل ما من التغيير يقود إلى مرحلة انتقالية، لن تحل مشاكل المجتمع ولكنها قد تفتح على مرحلة ما ديمقراطية تسمح للصراع بأن يكون سياسيا وليس صراعا عنيفا.
*لماذا ترى أن هناك حتمية لانتصار الثورة؟
*هذه ليست حتمية، لأننا عندما ندرس إمكانات التغيير هناك ثلاث إمكانات؛ إمكان داخلي بمعنى ثورة شعبية تقودها أحزاب لديها استراتيجية واضحة لكيفية تفكيك السلطة وبالتالي الوصول إلى الهدف، وهذا غير موجود في بلادنا بالأساس.

الخيار الثاني هو خيار تدخل خارجي، وهذا ما حدث في ليبيا والعراق، وهذا واضح غير مطروح في سوريا، لان أميركا الآن في وضع تراجع، ووضع إقليمي وعالمي معقد، ومرتبكة أمام ازمتها الاقتصادية، والتدخل في سورية قد يفتح على حرب إقليمية لا تبدو أنها مستعدة لها، ولذا هي لا تفكر بهذا الموضوع.
يبقى الخيار الآخر، الذي شاهدناه شيء مشابه له في تونس ومصر، أن قوة الشارع بلحظة ستدفع بفئات من السلطة للتضحية بأشخاص لامتصاص الأزمة. في سورية المسألة اعقد من مصر وتونس، إذ في مصر وتونس الجيش مؤسسة عسكرية مستقلة، أما في سورية المؤسسة العسكرية متداخلة مع الأمن إلى حد ما ولا تستطيع أن تتحرك كمؤسسة عسكرية.
ولكن، أمام الضغط الشعبي الطويل والمستمر، وأمام شعور السلطة أنها عاجزة عن الحسم وان قواها تتآكل، يميل قطاع من داخلها إلى التضحية بقطاع آخر بشكل طبيعي، لإنقاذ نفسه ومصالحه، وبالتالي لعمل انفتاح ما يسمح بمرحلة انتقالية، واعتقد أن هذا هو الخيار السوري، ولا أرى انه بعيد، لان الذي يدرس بُنى السلطة يرى أنها تآكلت ماليا أيضا، وهناك إفلاس بالدولة، واضمحلت القاعدة الشعبية الموالية بما في ذلك المؤسسات الدولية، لم تعد الثقة قائمة، وتقلصت لأضيق حلقة، وهنا يصبح التغيير حتميا.
* الثورة السورية ، هي الثورة الأطول والأعنف بين ثورات الربيع العربي، وضد نظام كان هو الأشرس، برأيك ما هو تأثير الثورة السورية والتغيير الذي قد يحصل على المنطقة؟
* أكيد هناك تأثير كبير، فالثورات تفجرت في المنطقة العربية بصورة سريعة، بتونس ثم مصر، ومن ثم اليمن وليبيا، وبالطبع كان هناك بعض التظاهرات في الجزائر والمغرب والأردن، إضافة إلى البحرين التي سحقت بسرعة، ولكن حين وصلت إلى سورية بدا وكأن هذا التوسع توقف، وظلت هناك مراوحة بين اليمن وليبيا، والناتو في ليبيا كان يؤخر الانتصار لأنه كان يريد أن يدمر اكثر.
في اليمن وميلهم السلمي الشامل كان يجعلهم صبورين إلى حد دفع أميركا ودول الخليج إلى إخراج علي عبد الله صالح بطريقة سلمية ويبدأ تغيير جزئيا للسلطة، ولا اعرف لأي مدى سيستمر.
الآن كل التركيز على سورية نتيجة أن الأمور تطلبت وقتا أطول من غيرها، في سورية اصبح في بعض المناطق شيء من الاسترخاء والتخوف، والطابع الدموي الذي مارسه النظام أخاف البعض وبالتالي آخر تحركات في مناطق أخرى.
الآن الدول الأخرى بدأت تريد أن تخثر الوضع، بمعنى أن تؤخر الصراع، وان تشوه الثورة، وتدعم النظام بطريقة غير مباشرة، وبالتالي تؤخر الثورات في دولها، وهذا الدور اتخذته دول الخليج وأمريكا.
الآن، انتصار الثورة السورية سيعيد الأمل لكثير من المناطق، انه على الرغم من كل هذا العنف والدموية، الشعب قادر على الانتصار، وستفتح أفقا على تغييرات كبيرة، ومرحلة أخرى من الثورات العربية.

المصدر: القدس العربي

دوري الجديد – رد على ناهض حتر

قرأت مقال ناهض حتّر “سلامة كيلة في دور جديد” (العرب اليوم 31/5/2012) لكي أعرف دوري الجديد، وأمر جميل أن يكتب “صديق” سيناريو دور جديد لي، فربما يريح من البحث عن هذا الدور. والسيناريو “حلو”.
لكن، لا أريد الرد على التحريض الأمني (تفجير البلد). ولا على الشكل الاستخباري لنمط الكتابة الذي كتب به رغم أن أسلوبه القديم أجمل وأكثر رشاقة وعمقاً. ولا على الشكلية المفرطة التي جعلته يستنتج من “قبولي” استخدام “آلامي” لتزويد قنوات الجزيرة والعربية “بمواد دعائية ضد سورية”، أنني “الماركسي الثوري” قد دخلت “العباءة الوهابية”، والوصول إلى معطيات أخرى تجزم بانني أسير باتجاه “مجلس اسطنبول”. فقط أقول هنا بأن هذا يشير إلى نمط العقل الشكلي الذي يؤسس عليه مجمل تحليلاته، رغم أنه أشار إلى “معطيات” لكي يوحي بوجود معلومات. هذه الشكلية التي تربط بين لقاء عشاء جمعني مع الأستاذ طاهر المصري والاستنتاج بأنني “مستعد للحوار الودي مع أحد رموز النخبة الحاكمة في الأردن” بينما أرفضها في سورية.
ما أود النقاش فيه هو مسألتان، الأولى تحالفاتي، والثانية تفجير الأردن.

يشير ناهض إلى أن “تحولاتي” شملت تغيير “تحالفاتي” في الأردن. فقد أصبحت “فجأة، جزءاً من التيار الليبرالي القطري”، وأن وضعي الصحي والنفسي دفعني إلى “الانزلاق مع جماعات التوطين والحقوق المنقوصة والليبراليين الأردنيين الملتحقين بهم”. رغم أنني كنت في وضع صحي لم يسمح لي الخروج من البيت، كيف استنتج “الصديق القديم” ذلك؟ ببساطة الشكلية المفرطة هي التي جعلته يصل إلى ذلك، حيث إن علاقتي بـ “الليبرالي الأردني” خالد كلالدة قديمة، ولقد اهتم بمتابعة وضعي الصحي، و”جماعة التوطين” استقبلتني في بيتها (الصديق خالد رمضان الذي يقرر ناهض حتر انه من هذه الجماعة، هو الذي يستقبلني في بيته)، هل من شكلية أكثر من ذلك؟ خلط الشخصي بالسياسي، والاستنتاج المتسرع من “صورة” أو شكل، هما أساس تفكير “الصديق القديم” ناهض حتر، وهو هنا يوضح ذلك بدقة.
لكن هل هو ضد الليبرالية وما هي مشكلته مع “الحقوق المنقوصة”؟

خاض ناهض “معركة” ضد الليبرالية في السنوات السابقة، لكنه قصرها على “شخص”، لن أدخل هنا في نقاش كنت قد قمت به ضد منطق ناهض، الذي لم يكن يؤشر بالنسبة لي أنه يساري أو قومي، بل كان ينحكم لإشكالية “ما قبل حديثة” (وليس ماركسية أو يسارية) كانت تحفر في كل كتاباته، هي “الهوية”، التي كان يعود بها إلى تخيل هوية في الأردن تفرض حتماً خلق انقسام أردني فلسطيني. وبالتالي، لم أكن معنياً بـ “الفتاوى” التي يصدرها في توصيف الآخرين، وما زلت، لأنني لا أرى أنها تنطلق من منظور صحيح، أو منهجية “يسارية”.

قصدت القول بانني لم أكن في تحالف مع “الصديق القديم” رغم صداقتي معه، بل كان لي شبكة علاقات وصداقات، وكان لي رأيي في مجمل النشاط السياسي لم أبخل في الكتابة عنه. ولقد كان من أصدقائي كذلك “الليبرالي الأردني” و”الحقوق المنقوصة”. الأمر الذي يُظهر مدى التخيل الذي يحكم ناهض، أو التحوير الذي يريد أن يقوم به لفرض “اتساق” سيناريو جديد. حيث إن تحويل التحالفات تفترض انتظار ما أكتب لكي يتوضح هل غيّرت من مواقفي أو لم أغيّر وليس الانحكام لشكلية مفرطة.

المسألة الأخرى، وهي التي فجّرت ناهض ودفعته لكتابة هذا السيناريو. فقد سمع أنني تكلمت عن سبعين ألف اردني من أصل فلسطيني غادر آباؤهم الأردن بعد معارك أيلول، وطالبت بعودتهم. ما تكلمت به هو وضع أشخاص في التهجير في سورية لا يعرفون أين سيذهبون لأن جنسيتهم أردنية ولم تعد معهم، حيث طلبت النظر في وضع هؤلاء، وأشرت إلى أن هؤلاء قالوا إن هناك مشكلة لسبعين ألفاً آخرين.

أوضح بأنني أتضامن مع كل من سحُبت جنسيته، فالدستور لا يسمح بذلك والأبناء لا ذنب لهم، رغم أنني أرفض هذا التوصيف الذي أعطاه ناهض لهم كونهم “فارين أولغوا في دماء شعبنا وجيشنا”. ..

هذه مشكلة ناهض القديمة الجديدة ، الذي أعرف جذرها العميق. والذي حاولت أكثر من مرة النقاش معه حولها. لهذا اُستثير من طلب اعتبرت أنه إنساني لأشخاص انسدت الآفاق أمامهم. أعرف ظروف الأردن، ولكن أعرف أن هذا المنطق هو افتعال، وهو خطر، لهذا يعتبر أن دسترة فك الارتباط هي معركته “التاريخية”، رغم أن الصراع يجري في عمق أكبر وفي توجهات أخرى تتجاوز كل منطق ما قبل حديث، يحاول أن يعيد “الهويات” ما قبل قومية. وهنا يمكن أن أعيد التأكيد على أن هذا المنطق لا يستطيع أن يحكم لا على الليبرالية ولا على “الحقوق المنقوصة” لأنه في ذاته ما قبل حديث، وبالتالي ليس يساريا، وليس من الممكن أن يكون يساريا لكي يعتبر أنني انحزت إلى الليبرالية، أو اعتبار المطالبة بحق المواطنة تعبيرا عن ميل يتعلق بحقوق منقوصة رغم أن ما يطرحه هو رفض لمبدأ المواطنة ذاته. وهذا أمر طبيعي لوعي ما قبل حديث.

*رد على مقال ناهض حتّر المنشور في “العرب اليوم” يوم الخميس 31 أيار المنصرم.

المصدر: العرب اليوم