Monthly Archives: فبراير 2013

لماذا يسيطر الإسلاميون؟ لكن أين اليسار؟

السؤال الذي بات يطرح بعد «انتصار» الثورات في تونس ومصر، والولوج في مسار الانتخابات، ومن ثم النتائج التي ظهرت، وأوضحت سيطرة الإخوان المسلمين على النظم «الجديدة»، هو: ما الفائدة من الثورات إذا كانت تفضي إلى سيطرة الإسلاميين؟ أو السؤال: لماذا سيطر الإسلاميون على النظم «الجديدة»؟ لكن الأخطر هو المواقف التي باتت تُبنى على هذه النتائج، حيث يجرى الاستنكاف عن المشاركة في الثورات، أو رفض دعمها، وحتى التشكيك فيها. كل هذه الأسئلة هي أسئلة «مراقب»، وليست أسئلة ثوري. هي كذلك لأن الثوري لا يمكنه إلا أن يكون مع الشعب حين يثور مهما كانت النتائج. وهو يحاول فهم لماذا تسير الأمور في هذا المسار بالتحديد، بدل أن يعتبر أن المسألة بسيطة إلى حدّ التعامل مع منطق مقدمة/ نتيجة، وهو المنطق الذهني الذي ينطلق من المراقبة وليس من الغوص في عمق الواقع لفهمه.

فالسؤال لماذا تسير الأمور في هذا المسار يفرض ملاحظة أن الشعب يثور عفوياً من دون حزب أو قيادة. وأن واقعه المزري هو الذي فرض ذلك وليس أي تحريض من أي جهة كانت. ومن ثم إن واقع الأحزاب والقوى يشير إلى أن العقود الماضية قد أظهرت تراجع وضع اليسار والقوميين وانهيار مشاريعهم، و «موت» أحزابهم عبر تكلسها وتقوقعها بعيداً من الشعب، وبالتالي عجزها عن فهم واقع الشعب. بينما تطور دور الإخوان المسلمين ومجمل الإسلاميين خصوصاً وقد ظهر أنهم «يرثون شعارات اليسار» في مواجهة النظم والإمبريالية الأميركية والدولة الصهيونية. لهذا باتوا قوة فعلية، ولها رمزية معينة، لتظهر كبديل للنظم. وهنا يمكن الإشارة إلى أن اليسار الذي يرتعب الآن من سيطرة الإسلاميين لطالما نفخ بهم وتحالف معهم من موقع ذيلي، وعمل على إقناع الشعب بأنهم «قوة معادية للإمبريالية والصهيونية» ومناهضة للنظم، وأنهم تطوروا و «تحدثوا»، الأمر الذي كان يعزز من شعبيتهم.

ولم يثبت الليبراليون مقدرة، وأصلاً وُضعوا في صف «الغرب»، وقد تمركز نقدهم لها على مسألة الحريات فقط بينما كانت الليبرالية التي عممتها النظم تنخر في عظم الشعب. وسارت النخب الليبرالية واليسارية المتلبرلة في مسار المطالبة بالديموقراطية والحريات، بينما كان الاحتقان يتراكم في روح الشعب.

هذا الأمر كان يُظهر بحساب بسيط أن من سيأتي إلى السلطة هم الإسلاميون. فهم القوة التي ظهر أنها ضد النظم، أو أن النظم تعاديها… خصوصاً أن منطقهم الاقتصادي كان يتوافق مع منطق الطبقة المسيطرة، التي باتت تدعم وصولهم إلى السلطة، وإنْ من منظور تكتيكي. ولهذا أصبحوا هم السلطة الجديدة. ولا شك في أن سوء فهم طبيعة الثورات كان يفضي إلى اعتبار ان ما حصل قد أنهى المد الثوري وأسّس لسلطة استبدادية اصولية ستستمر عقوداً. بمعنى أن سوء الفهم هذا لم يسمح بتلمس حدود مقدرة الإسلاميين من جهة، وبأن الشعب لم يثر لأنه ضد شخص الرئيس، بل لأنه لم يعد يستطيع العيش أساساً، في ظل النمط الاقتصادي والتكوين المجتمعي الذي تشكل في ظل ذاك الرئيس، وأن هذا الواقع هو الذي يحتاج إلى تغيير قبل الحرية والديموقراطية (من دون أن يعني ذلك نفياً لهما، بل بتضمينهما كل مشروع تغييري).

لهذا يحسن تفسير ما يجري انطلاقاً من فهم موازين القوى التي تحكم الأحزاب السياسية المعارضة من جهة، ومن جهة أخرى مساومة الطبقة المسيطرة التي فرضت من أجل بقائها القبول بحكم الإسلاميين. وهذا ما حدث في تونس ومصر، لكنه فشل إلى حد ما في ليبيا نتيجة وضع ليبيا المختلف.

لهذا، فإن الأحلام التي نحملها سواء تعلقت بالديموقراطية أو العدالة لن تتحقق الآن، اي بعد سقوط النظام، لأن هذه الأحلام تحتاج الى قوى تحملها هي غير موجودة. وهو الأمر الذي يفرض البحث العميق في اسباب فشل اليسار وهامشيته، ومن ثم عجزه عن توقع الثورات، وبالتالي ضعف مشاركته فيها. هذا هو الأمر الأهم بدل «العتب» على الثورات أو تكديس الاتهامات لها. فالشعب ثار في لحظة كان يجب أن تكون متوقعة لدى أي ثوري، وأن يكون قد أعدّ ما يجب فعله من أجل انتصارها. لكن اليسار كان قد ضاع في متاهات الديموقراطية والليبرالية أو حلّق في سماوات معاداة الإمبريالية.

لكن ذلك لا يعني أن الثورة سرقت. الثورة لن تسرق وستبقى مستمرة، لكن ما يمكن الآن هو إسقاط النظام فقط، وربما تغيير الأشخاص لأن واقع الثورة الحالية لا يعطي أكثر من ذلك بالضبط نتيجة غياب القوى التي تعبر عن الشعب. لكن هذه خطوة مهمة لكي تضعف السلطة ويتفكك طابعها الاستبدادي الشمولي، ولكي ينفتح الأفق لتبلور سياسي ثوري جديد يكمل الثورة. بمعنى أن الثوريين سيولدون في الثورة، والشعب سيطوّر القوى التي ستحمل البديل وتفرضه.

المصدر: الحياة

Advertisements

السلطة للشعب طبعاً

بدأت الثورة عفوية نتيجة احساس شديد بالفقر والاضطهاد والقمع، وكان الشباب هو محركها دون أحزاب أو رؤى لآليات تطورها، أو لكيفية إسقاط النظام. والشعب الذي منعه الاستبداد من النشاط السياسي حرمه كذلك من الثقافة السياسية وحتى من كل ثقافة. لهذا كانت المسألة تتعلق بالتظاهر من أجل إسقاط السلطة، وربما ظنّ البعض أن المسألة ستكون سريعة، وإنْ تأخرت أكثر مما حدث في تونس ومصر.

لكن الثورة طالت، وتوسع عنف السلطة التي باشرت منذ البدء باستخدام الرصاص وإدخال بعض قطاعات الجيش في الصراع ضد الشعب، الأمر الذي فرض اللجوء إلى استخدام السلاح كمواجهة كل الوحشية التي مارستها السلطة. لكن هنا ظلت العفوية مسيطرة، حيث بات العمل المسلح هو ردة فعل على ممارسات السلطة دون إستراتيجية واضحة. وظلت، ومازالت، المجموعات المسلحة مشتتة، وفي أحيان كثيرة تتخذ طابعاً مناطقياً، دون تعاون بينها في كثير من الأحيان. وهو الأمر، مع قلة السلاح والذخيرة، الذي جعل فاعليتها ليس كما يجب، وأبقى أمر المباغتة بيد السلطة بدل أن يكون بيد هؤلاء.

ولقد حاول البعض إتباع ما جرى في ليبيا فأطلق “سياسة التحرير”، وجرى الحديث عن الزحف من الشمال إلى الجنوب، وأن حلب هي بنغازي سورية، وما إلى ذلك من تصورات. أفضت إلى أن يؤدي توقف “الزحف” جنوباً إلى حالة انتكاس لدى قطاعات من المسلحين ومن الشعب. ومن ثم تحوّل الشمال إلى منطقة “محررة” بات كل طرف شكّل كتائبه يعمل على فرض سلطته في هذه المنطقة أو تلك منها. وحتى بدل أن ينتظم وضعها دبّت الفوضى فيها، وانتشرت مجموعات النهب والخطف. وعملت قوى أصولية على فرض سلطة “دينية”، وفتحت السجون، وباتت تمارس الاعتقال والتعذيب، وتستعير الاتهام من السلطة ذاتها.

أولاً يجب أن يكون واضحاً أن الشعب هو الذي فرض على السلطة الرحيل عن هذه المناطق، وهو من يجب أن يؤسس السلطة البديلة لسلطة ثار ضدها. ولهذا يجب دعم كل الهيئات الشعبية، والعمل على تأسيس مثلها في كل المناطق التي اندحرت السلطة عنها.

وثانياً يجب أن تشكل هيئات قضائية مختصة لمتابعة كل الأمور القانونية، ولمحاسبة العصابات ودعم الأمن. فلم نخرج ضد الأحكام العرفية لكي يأتي من يفرضها من جديد.

وثالثاُ يجب أن يكون واضحاً أن التسلح أتى لمواجهة السلطة ولدحرها وليس من أجل فرض سلطة عسكرية قمعية. وبالتالي لا بد من تنظيم العمل المسلح لكي يستطيع هزيمة السلطة، والتركيز على ضرب مفاصل السلطة التي لازالت هي أداتها في التدمير والقتل، من أجل أن تنهار ويصبح ممكناً تحقيق الانتصار عليها.

ورابعاً “حرب التحرير” فاشلة، ولقد ساعدت على زيادة في التدمير والقتل، لأن ميزان القوى مختلّ لمصلحة السلطة، وخصوصاً بقوة النيران، التي تجعل التمترس في الأحياء معرّض لوابل من الصورايخ يدمّرها. ومن ثم يفرض على المسلحين تركها. بمعنى أن الاستقرار في مناطق معروفة يقود حتماً إلى تعرضها للنيران الكثيفة. المطلوب هو ضرب مفاصل السلطة وطرق امداد قواتها، وشل مطاراتها، لكي تنهار.

وخامسأً لا بد من رفض الأدلجة، وتقسيم المسلحين على اساس “عقائدي”، لقد رفضنا “الجيش العقائدي” ليس من أجل “مسلح عقائدي” بل من أجل شعب يقاتل السلطة لهزيمتها. ولا شك في أن كل ما جرى فرض وهن العمل العسكري، وبدأ يؤسس لتناحرات بين الكتائب.

لهذا لا بد من إعادة بناء الكتائب المسلحة على أساس شعبي، ووطني، وتنظيم عملها معاً. والعمل على إبعاد كل الذين يرتكبون فظائع أو يمارسون الفوضى. فالفوضى الحاصلة هي التي تؤخر انتصار الثورة لأنها تبقى النشاط مناطقياً دون إستراتيجية عامة لكل سورية، ودون رؤية لآلية إسقاط السلطة، وبهذا تعطي للسلطة المبادرة.

العمل المسلح يحتاج إلى تنظيم وإستراتيجية لكي يفرض الانتصار، وما دام بهذا التشتت، والميل للسيطرة، والتلهي بتحقيق سلطة هنا أو هناك، فإن الصراع سوف يطول، أو يبقى مرتبطاً بالحل “الدولي”.

المصدر: شام

سلامة كيلة لـ24: هكذا تكون مصائر الشمولية

201302210403118

سلامة كيلة مفكر عربي من مواليد فلسطين، اعتقله النظام السوري قبل أشهر وعذبه قبل أن ينفيه خارج سوريا. صدرت له العديد من الكتب الفكرية والسياسية، منها: “الانتفاضات العربية صراع الطبقات وممكنات التغيير”، و”اليسار العربي في أفوله”. و”الثورة السورية، واقعها صيرورتها وآفاقها”. يكتب في العديد من الصحف العربية.

هنا حوار معه حول كتابه الأخير “مصائر الشمولية” على ضوء مجريات الثورة السورية.

ما الأطروحة التي يحاول الكتاب تقديمها في ما يتعلق بالوضع السوري؟
الكتاب يحاول رصد التحولات في سورية خلال العقد الأخير، عبر تناول الجذور التي أسست لتشكل نظام استبدادي شامل فرض توريث السلطة من الأب إلى الابن، بموازاة التحول الاقتصادي الذي كان يحدث خلال تلك الفترة، والذي كان يسارع نحو فرض ليبرالية محتكرة من قبل فئة عائلية متسلطة كان الاستبداد هو الستار الذي سمح لها بنهب “القطاع العام” ومراكمة ثروة هائلة كانت تعمل على تحويلها إلى نشاط اقتصادي خاص. وثالثاً ملاحظة الظروف الإقليمية التي كانت تجري التحولات الداخلية خلالها، والتي كانت تتسم بهجمة إمبريالية أمريكية كانت تريد تغيير وضع المنطقة ككل، قبل وبعد احتلال العراق خصوصاً، لمصلحة تفكيك يخلخل الدول ويؤسسها على اساس طوائفي لكي تبقى هزيلة.

في المقابل، يحاول الكتاب أن يدرس وضع المعارضة، ضعفها وطبيعة سياساتها التي جعلتها قوى مهمشة عاجزة. ومن ثم تناول ميل قطاعات منها إلى المراهنة على التدخل الخارجي كحل لـ “استعصاء” إسقاط النظام. وبالتالي أفق المعارضة في سياق التحولات المحلية والدولية.

مقدمات الثورة

الملاحظ أن كتاب “مصائر الشمولية” يختتم فصوله بمطالع الثورة السورية؟
نعم، ربما كان كل ما جاء في الكتاب هو تحليل للظروف التي قادت إلى الثورة، والتي نلمسها اليوم بوضوح. فأولاً كان تحليل التحولات الاقتصادية يهدف إلى القول بأن اللبرلة التي تفرض تقود إلى انهيار اجتماعي كبير، حيث ينهار الوضع المعيشي للشعب، وتتمركز الثروة بيد أقلية. ويفضي بيع وتدمير “القطاع العام” إلى زيادة البطالة. فهو من هذه الزاوية يؤشر إلى الانحدار الاجتماعي الذي كان يهيء لانفجار الثورة.

وثانياً كان تحليل تكوين السلطة الاستبدادي يؤشر إلى ممكنات ممارستها ضد الشعب. وثالثاً كان تلمس وضع المعارضة يؤشر إلى عجزها عن مواكبة الانفجار الاجتماعي المحتمل حينها، ولقد شهد النقاش في إطار المعارضة وقتها افتراقاً بين من يريد التركيز على “الانتقال السلمي من الاستبداد إلى الديمقراطية” كمدخل للتغيير، ومن يعتقد بأن الأمور تسير نحو ثورة شعبية. وكنت ممن يطرح السياق الثاني، بالضبط نتيجة تحليلي للتحولات التي كانت تجري في المستوى الاقتصادي وانعكاسها الاجتماعي الطبقي. وبالتالي لم يكن من انفجار الثورة بد.

وأخيراً ربما كان الوضع الدولي الذي جرى توصيفه خلال ذاك العقد قد تغيّر بعد الأزمة المالية والاقتصادية الشاملة التي حدثت في البلدان الرأسمالية سنة 2008. فقد تراجع دور أميركا كإمبريالية تسعى إلى السيطرة وتحقيق “مشروع الشرق الأوسط الموسع”، وتفكيك المنطقة، بالضبط نتيجة تلك الأزمة التي أشّرت إلى “أفول” السيطرة الأميركية. وهذا ما توضّح جلياً سنة 2010 بعد اليأس من معالجة الأزمة الاقتصادية.

صيرورة الثورة

ما هي أبرز الخلاصات التي توصلت اليها مباحث الكتاب في ما يتعلق بالاقتصاد السياسي لسوريا؟
ربما كان الأهم هنا هو ما شمله العنوان الفرعي للكتاب، أي “سورية في صيرورة الثورة”، رغم أنني كنت قبل انفجار الثورة قد وضعت العنوان الفرعي على الشكل التالي: “سورية في صيرورة الانحدار”، وكنت أقصد الانحدار نحو الثورة.

لكن يمكن الإشارة إلى عديد من الخلاصات الأخرى. مثل عمق الجذور الاستبدادية للسلطة. ومثل ما يمكن أن يؤدي إليه تخلي الدولة عن دورها “الاقتصادي”. وكذلك مثل تلمس نتائج البطالة والفقر والتهميش التي تُظهر الان مدى قوة وصلابة الشباب الذي يخوض الثورة.

الانهيار المتأخر

كيف تقرأ على خلفية هذا الكتاب الثورة السورية بتحولاتها؟
إذا كان التحوّل الاقتصادي يؤدي إلى الثورة، وقد أدى فعلاً إلى ذلك، فإن تأخر انتصار اللبرلة إلى سنة 2007، قد اوجد مشكلات ظهرت في مسار الثورة ذاتها. فالثورة توسعت ببطء ولزم الأمر سنة كاملة كي تشمل كل سورية. وإذا كان العنف أحد عناصر ذلك، فإن تأخر اللبرلة والانهيار المتاخر للوضع المعيشي الكبير، كان عنصراً مهماً في ذلك. وأيضاَ فإن تحليل الطابع الاستبدادي ربما يؤشّر إلى الطابع الدموي الوحشي لممارسة السلطة ضد الثورة.

وربما يكون تحليل وضع المعارضة ونقد سياساتها يؤشّر إلى دورها في الثورة. لقد كان دوراً هامشياً كما نرى، ولقد اتبع بعضها سياسة أضرت بتوسع الثورة، سواء تعلق الأمر بالدعوة للتدخل العسكري الإمبريالي، الذي تأسس المجلس الوطني بناء عليها، أو المنطق الطائفي الذي يحكم الإسلام السياسي. فهذا وذاك كانا يزيدان من تردد فئات اجتماعية كبيرة كان يجب أن تشارك في الثورة لكي تنهار السلطة.

المصدر: 24

العقل «الشكلي» لليسار العربي في تحالفه مع «البعث» وخصومته للثورة

نعم، هناك قطاع كبير من اليسار العربي والعالمي يفعل ذلك تحت عنوان الممانعة والمقاومة، ومناهضة الإمبريالية. وهو يسار كان ملحقاً بالسياسة السوفياتية سابقاً، التي كانت تنطلق من أن الصراع العالمي هو صراع ضد الإمبريالية، الذي هو «الحلقة المركزية»، والإمبريالية كانت هنا تتحدد في الإمبريالية الأميركية بالأساس، التي كانت تقود النمط الرأسمالي ككل. لهذا، بات كل معادٍ أو مختلف مع الإمبريالية الأميركية هو في «الصف الوطني» أو «التقدمي» أو «التحرري». ومن ثم يجب التحالف معه بالضرورة. وهذا «الوعي» أو «الفهم» ظل يحكم هؤلاء، ويتحكم في سياساتهم. على رغم انهيار الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية، وتشكل عالم جديد لا يحوي السمات ذاتها التي كانت خلال الحرب الباردة (أي الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية)، وعلى رغم أن الفكرة ذاتها كانت خاطئة ماركسياً، ولقد عبّرت عن سياسة الدولة السوفياتية في صراعها العالمي، الذي كان يفرض أن تمحور كل المختلفين والمعادين للرأسمالية حول سياساتها. وهذا ما كانت تقوم به الأحزاب الشيوعية عموماً، بصرف النظر عن الواقع الموضوعي في بلدانها.

لهذا، كانوا دائماً ملحقين بقوى ليست شيوعية ولا اشتراكية بل هي في جوهرها رأسمالية ما دامت تختلف مع الإمبريالية الأميركية تحديداً. فمثلاً التحقت في البعث الذي كان يقيم سلطة «تحالفت مع السوفيات لكن علاقاتها الاقتصادية كانت مع الدول الإمبريالية الأوروبية. ودافعت عن اشتراكيتها على رغم أنها لم تكن اشتراكية إلا من حيث الشعارات، التي كانت تحمل مضموناً يعبّر عن «اشتراكية البرجوازية الصغيرة» أو «اشتراكية الفلاحين»، ولقد مثّل البعث هذه الفئات الاجتماعية. وهي «الاشتراكية» التي كانت بالضرورة تؤسس لنمو رأسمالي، ومن ثم مافيوي.

على رغم كل خطل التجربة لم يدقق هؤلاء بالأفكار التي ركنوا إليها، بل ظلوا محكومين لـ «العقل» ذاته.

هؤلاء دافعوا باستماتة أيضاً عن «الجهاديين» و «الإخوان المسلمين»، الذين هم معادين للإمبريالية كما كان يقول هذا اليسار، على رغم أن ليس لدى الإسلاميين مصطلح الإمبريالية، ولا سياسة تنبني على ما هو سياسي. وأيضاً اتهم هذا اليسار كل من يرفض تأييد الإسلاميين أو التحالف معهم بأنه مع الإمبريالية. وبهذا فقد مهدوا الطريق للإسلاميين لكي يصبحوا القوة الأولى «المعارضة» للنظم، و «المعادية للإمبريالية»، وبالتالي أن يكون وصولهم للسلطة أمراً بديهياً بعد الثورات التي حدثت. فهذه السياسة لم تقوِّ الإسلاميين فقط بل أضعفت قوى اليسار. لأن هذه القوى في خطابها السياسي كانت تظهر كهامش للإسلاميين، الأمر الذي كان يجعل المأزومين من النظم، أو المعادين للإمبريالية يميلون إلى دعم الإسلاميين وليس دعم اليسار الذي يمجد هؤلاء. وهذا ما ضخّم من حجم الإسلاميين وهمّش اليسار.

لم يتوقف هذا اليسار أمام ما طرح، لم ينتقد تحالفه مع الإسلاميين أو دعمه لهم. على رغم أن تضخم وضع «الإخوان» والإسلاميين عموماً نتج في بعض الزوايا من هذا التهليل الإعلامي والدعائي «اليساري»، لأنه كرسهم كقوة معارضة وكقوة مناهضة للإمبريالية. وظل «منطق الفهم» هو ذاته، كما ظل المبدأ العام الذي ورثوه من السوفيات يحكم رؤيتهم. ظل مفهوم الحلقة المركزية هو مفصل التحليل، مرتبطاً بالنظر «السياسي»، أي النظر للسياسة بما هي أحداث ومواقف وعلاقات، من دون فهم عميق لطبيعة القوى ومصالح الطبقات، وعلاقة القوى بالطبقات. لهذا، يكرر الأخطاء ذاتها، ليبقى مهمشاً وهامشياً، يمارس الندب والحديث عن المؤامرات، ويكثر من الشتم.

هذا اليسار يمارس المقياس المنهجي ذاته، هناك وهنا، في سورية ومع الإسلاميين. وبالتالي إذا كان قد خرج فاشلاً في الموقف الأول فلا بد من أن يكون فاشلاً الآن. فهو يرى «الخلاف» بين السلطة وأميركا بالتحديد (بالتالي ليس مع كل الإمبريالية، حيث كان في علاقات مع أوروبا، ومع تركيا) من دون لمس أسباب الخلاف، انطلاقاً من فهم الطبيعة الطبقية للسلطة كما تفترض الماركسية، وطبيعة مصالحها، ولماذا تختلف مع أميركا وتعقد اتفاقاً استراتيجياً مع تركيا، وتجهد لكسب أوروبا، وحتى تبذل كل الجهود للتفاهم مع أميركا (حتى بوساطة صهيونية في وقت من الأوقات)؟ وهل التكوين الاقتصادي الذي تبلور في العقد الأخير يفترض الصراع مع أميركا أو يفترض الالتحاق بها؟ أو يفترض الالتحاق بالنمط الرأسمالي؟ ومن ثم لماذا حدث الخلاف مع أميركا؟

ما كان مهماً لدى هذا اليسار هو «وجود الخلاف»، الذي بات يعطى توصيفات من قبله، هي توصيفات «مجردة» ناتجة عن فهم مسبق وتحديد مسبق لكل من يختلف مع الإمبريالية الأميركية. أي ناتجة عن «قوالب جاهزة» تلصق بكل من ظهر أنه يختلف مع أميركا. هذه القوالب انطبقت على الإسلاميين في مرحلة، وها هي تنطبق على السلطة السورية الآن. هذا ما يسمى بالنظر الشكلي، الذي يخضع لمسبقات لا تمت للواقع بصلة. حيث ليس من تحديد طبقي واضح للقوى التي يجري دعمها، على العكس من ذلك يصبح التحديد السياسي المسبق هو الذي يؤسس لـ «أوهام» حول طابع هذه القوى تتوافق مع المسبق هذا. لهذا، يكون كل من هو «ضد الإمبريالية» من الطبقات الثورية أو التقدمية (أو برجوازية وطنية)، على رغم أن اختلافه مع الإمبريالية لا يصل إلى حد الصراع الحقيقي، بل ربما يفرض التنافس أو محاولة التهميش شكلاً من الصراع بين قوى طبقية متشابهة. فـ «الإخوان» طبقياً هم رأسمالية تجارية تقليدية متداخلة مع الطغم المالية العالمية. والسلطة السورية هي «رجال أعمال جدد» يعملون كمافيا في القطاعات الريعية ككل الرأسماليات الحاكمة في الأطراف. وطابعها هذا هو الذي فرض حدوث ثورة كما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا، ونهوض الحراك الثوري في المغرب والأردن… حيث إن التكوين الطبقي متشابه، لهذا يجب السؤال عن سبب الاختلاف بين المافيا السورية والإمبريالية الأميركية (على رغم أن هذه المافيا هي جزء من التكوين الرأسمالي العالمي).

إذاً، هناك تناقض ينشأ مع الإمبريالية، هو بالأساس تناقض الشعوب، وهناك اختلاف لسبب أو لآخر في إطار التنافس أو التكيف مع الطغم الإمبريالية. وهذه غير تلك، وهي تؤسس نتيجة طبيعة الطبقة المسيطرة كل الظروف لنشوء الثورة. فهل نغلّب الخلاف الهامشي بين الطبقة المسيطرة مع الإمبريالية على التناقض العميق بين هذه الطبقة والشعب؟

سنلمس بأن البحث في التكوين الطبقي والواقع الاقتصادي بات خارج اهتمام هذا اليسار، على رغم أنه من أواليات الماركسية، وأساس كونها منهجاً مادياً. وبالتالي لا تلمس التناقضات الطبقية بل يلمس الخلاف السياسي، بالضبط لأن وعيه هو وعي سياسوي (أي حدثي يتابع سياسة السلطة والأحزاب والعلاقات الدولية وتصريحات القوى). وكل الصراع الطبقي هو خارج هذا المنظور، لأن السياسي لا يتأسس على معرفة الواقع الاقتصادي والتناقضات الطبقية، ومن ثم تمثيلها السياسي، هو يبدأ من السياسي فقط. ومن هذا المنظور هو سطحي، حيث لا تعود السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد، بل تصبح سياسة من دون قاع اقتصادي.

كل ذلك هو خارج ممكنات «العقل الشكلي» (العقل الذي يتبع المنطق الشكلي)، لأنه أعقد من فهم مبسط يفرز الأبيض والأسود من دون أن يرى طيف الألوان الذي يسكن بينهما.

العقــل شكلـــي، سطحي، والنتيجة سياسة خاطئة بالضرورة. وأــصلاً هذا ليس بيسار. لكن، عن أي مصالح يعبّر؟ هل هو «رمم» الــماضــــي الذي لا زال يتعلــــق بأوهام أفكـــار تجــاوزها الواقع؟

المصدر: الحياة

عن البديل في سورية

الإسلاميون في مصر يفشلون وهناك من يعتقد أنهم البديل في سورية.

فمن يتابع ما يجري في مصر يلمس بشكل واضح أن حكم الإخوان المسلمين دخل في مأزق عميق. لقد طرح هؤلاء بأن الإسلام هو الحل، والشعب ينتظر “الحل الإسلامي” دون أن يلمس شيئاً سوى تكرار سياسة حسني مبارك. وظهروا أنهم في “عداوة” مع أميركا، فظهر أن علاقتهم بها قوية. وحاربوا العلاقة مع الدولة الصهيونية، فتبين أنْ ليس لديهم مانع من استمرار العلاقة معها كما كانت زمن حسني مبارك. وأخذوا يكررون الخطاب المباركي ذاته فيما يتعلق بالاقتصاد، والسياسة الاقتصادية التي يجب أن تتبع “خدمة لمصالح مصر”. والتي تتركّز على الاستدانة من صندوق النقد الدولي، وطلب المساعدات من “البلدان الشقيقة”، واستجلاب “الاستثمارات الخارجية”، وهي السياسة التي قادت إلى حدوث الثورة لأنها أفقرت الشعب وراكمت الثروة بيد أقلية مع نهب كبير قامت به الشركات الإمبريالية. وأسسوا لـ “ديمقراطية” على مقاس حسني مبارك. فالدستور رئاسي مفرط، ولم يغيّر في هياكل الدولة، فقط “زادت الأسلمة” فيه، لكي يفتح على استبداد أشد يطال ما هو شخصي (السلوك الأخلاقي).

كل ذلك أوضح للشعب الذي صنع ثورة 25 يناير سنة 2011 بأن الأمر لازال عند “نقطة الصفر”، وأن ثورته لم تحقق أيّاً من المطالب التي رُفعت في السنوات السابقة للثورة، والتي رُفعت في الثورة. لهذا توسع الحراك من جديد، وأصبحت الثورة الجديدة ممكنة. فالشعب ينهض الآن لإسقاط النظام كما نهض ضد نظام حسني مبارك، فهو لم يكن يسعى لتغيير أشخاص بل أراد تغيير بنية اقتصادية سياسية كاملة. فذلك هو ما يسمح بحل كل مشكلاته وتحقيق المطالب التي رفعها.

الإخوان الآن في مواجهة الشعب. وإذا كان هناك من الشعب من راهن على أن يعمل الإخوان على حل مشكلاته بعد وصولهم إلى السلطة، الأمر الذي دفع إلى انتخابهم، فإن نسبة المراهنين تقلصت كثيراً، وزادت نسبة الرافضين لسلطتهم لمعرفتهم بأنهم ليسوا الذي يمتلك حلاً. ربما لا تكون الثورة قريبة جداً، لكن المؤكد بأنها قادمة. وما يؤكده حراك الشعب هو أن تغييراً كبيراً يجب أن يحصل من أجل حل مشكلات مجتمعية تبدو بسيطة لكنها تتعلق بحياة ملايين البشر، مشكلات البطالة والفقر والعجز عن العلاج والتعليم، وسوء البنى التحتية، وما إلى ذلك. وهذا يتعلق بتغيير النمط الاقتصادي الليبرالي والريعي بالتحديد. كما أن هناك مطالباً أساسية تتعلق بطبيعة الدولة ذاتها، ومدى تحكمها بالمجتمع، لمصلحة دولة علمانية ديمقراطية.

في هذا الامتحان سقط إسلاميو مصر (وسيسقط الليبراليون كذلك). ولأنهم قبلوا النمط القائم (الذي هم جزء منه أصلاً) تكيفوا مع كل السياسات التي يفترضها (العلاقة مع أميركا والدولة الصهيونية، والسلطة الاستبدادية).

إذن، لماذا يقبل الشعب السوري سلطة الإسلاميين؟

من فشل في مصر هو فاشل في سورية. ومن ظهر أنه يريد السلطة فقط، وأن صراعه مع السلطة القائمة هو من أجل السلطة فقط، لن يفكّر في حل مشكلات الشعب السوري الذي لا يريد التخلص من الاستبداد لمصلحة استبداد أشد، ولا يريد التخلص من مافيا نهبت البلد من أجل سيطرة مافيا أخرى.

الثورة قامت من أجل تغيير النمط الاقتصادي بما يسمح بحل مشكلات الأغلبية المفقرة، وبناء دولة لا تلغي الشعب بل تخضع لسلطته. ولهذا الحل ليس لدى الإسلاميين.

المصدر: شام

الثورة السورية مستمرة

dc784de5-2fd6-4ec5-89e7-4ba6d88ef625

ما يبدو واضحاً هو أن الأمور تسير نحو ضعف السلطة وسقوطها، والمتابع لكل النشاط الدولي يتلمس خوفاً من نهاية السلطة، لهذا تصاعد دور المبادرات والحديث عن حلول، وحتى التخويف من أجل قبول حل “وسط”.

ما يقوله الإبراهيمي، وتهدد به روسيا، وتلمح إليه طهران يصب في هذا المساق. لكن الأمر لا يتوقف عند هؤلاء، بل إن الدول الإمبريالية تتدخل لكي تشوّش على ما تعتقد أنه توافق روسي أميركي. من تركيا التي تريد أن تعيد مجد علاقتها ببشار الأسد بعد أن أصبح مهدداً بالضياع مع سقوط النظام، لهذا تحاول أن تجد “البديل” من بعض أطراف المعارضة، لكنها تحاول كذلك التشويش على كل حل ممكن يتجاوزها.

وفرنسا حاولت التدخل وتشكيل “كادر” يخصها يمكن أن يصبح جزءا من السلطة الجديدة، لكنها كما يبدو أحست بأن الأمور قد تجاوزتها فزحفت على مالي لكي تعوّض خسارتها. رغم أن الحوار حول سوريا بات، كما يبدو، منحصراً في أميركا وروسيا. أميركا التي يتراجع وضعها العالمي، وتحاول أخذ ما يفيدها في إستراتيجيتها الجديدة بعيداً عن المنطقة. وروسيا تعمل جاهدة على كسب ما حققته بدعمها السلطة في المحافل الدولية وعلى تثبيته في التقاسم الجديد للعالم.

لكن ليس كل ذلك هو المهم، وربما كان هذا هو الهامش في الصراع الكبير الذي يجري. فما يبدو هو أن السلطة تتراجع، وهي في تراجعها تميل إلى ممارسة التدمير الشامل بالقوى التي ظلت بحوزتها، وخصوصاً الطيران والمدفعية والصواريخ.

ويظهر أنها لم تعد تستحوذ على قوى عسكرية كافية لفرض سلطتها على الأرض، حتى في دمشق العاصمة. بالتالي فهي تمارس الانتقام من شعب تمرّد عليها، ويريد رحيلها. وهو أمر لا يقوم به سوى الذي بات مقتنعاً بأنه انتهى.

لهذا يلجأ إلى النصف الآخر من المعادلة التي طرحها: “الأسد أو نحرق البلد” (أو بشكل آخر: “الأسد أو لا أحد”). الممارسة العسكرية على الأرض تقول بذلك، رغم أن كل المجهودات الإقليمية تنصبّ لخدمة استمراره عبر “تخريب” الثورة وتحويلها إلى صراع طائفي، وأصوليات حاكمة في مناطق تراجعت سلطة الدولة عنها بفعل قوة الشعب ذاته.

لكن السؤال الذي يطرح على ضوء كل ذلك هو: لماذا إذن تستمر السلطة، ولا يبدو أن الثورة قادرة على إسقاطها؟ ولماذا تظهر الثورة وكأنها في مأزق، وأن استعصاءً بات يحكم الوضع؟ هناك التدخلات “الخارجية”، ولا يتوقف الأمر عند روسيا وإيران اللتين تدعمان السلطة، حتى بما هو عملي، بل إن دولاً “إقليمية” باتت تتدخل لفرض تحويل في طبيعة الصراع، عبر فرض قوى أصولية تصبح هي الثورة.

لكن الخطر هنا يتمثل في “العقل الطائفي” الذي يمكن أن يتوافق مع منطق السلطة التي عملت منذ البدء على استثارة صراع طائفي لكي تضمن تماسك “الأقليات” خلفها، وهنا نشير بالتحديد إلى العلويين الذين لتمردهم قوة الحسم في هذا الصراع كما تعتقد السلطة. وبالتالي تتحول الثورة من ثورة شعب ضد سلطة مستبدة ونهابة إلى صراع بين طوائف تقف السلطة حكماً بينها، أو تستجير، وهي تسقط، بطوائف لكي تبقى.

وهناك الدول الإمبريالية القديمة التي تعمل على تغذية الصراع دون السماح بحسمه، وهي لا تريد التدخل ولا الدعم العسكري بالضبط، لأنها ترى أن السلطة تفعل ما فعلت أميركا في العراق، أي التدمير والقتل. وهي تريد استمرار هذا الصراع لكي تسمح للسلطة بأن تدمر أكثر، بغض النظر عن النتائج التالية. وكما أشرنا، بعضها يساوم في سوريا لكي يحصل في مكان آخر، والبعض يشوش لأنه يعتقد أنه بات خارج التقاسم، أو لكي يحصل على “شيء ما” في هذا التقاسم.

لهذا نجد أن الثورة تواجه ليس السلطة فقط، بل كل الوضع الدولي، كما تواجه دولا تريد فشل الثورة لأنها تتخوّف من انتقالها إليها. وأيضاً أطراف المعارضة، خصوصاً الأصوليين الذين يعملون من الآن على فرض “سلطتهم” ومنطقهم، وإصباغ الثورة بصبغتهم، التي هي معيق لتطور الثورة وانتصارها، نتيجة تنفير قوى الثورة، وتمكين السلطة.

مع ضعف السلطة نلمس العفوية التي تحكم قوى الثورة، والتشتت الذي تعيشه، والتنافس الذي يربكها، والميل لفرض سلطة هذا الطرف أو ذاك. وتدخلات المعارضة لـ”شراء” هذه الكتيبة أو تلك، أو هذه القوة أو تلك. وخلال كل ذلك تصبح المناطق التي باتت تعتبر “محررة” مشاعاً لاستبداديين جدد ومرتزقة وعصابات، و”أزلام السلطة”، وكلها تعمل باسم الثورة والجيش الحر.
وبدل أن يقيم الشعب سلطته تمارسها قوى تريد الهيمنة بدل استمرار الصراع مع السلطة، تتسرع للسيطرة وفرض سلطة بدل تطوير صراعها ضد السلطة. ويتراجع وضع الحراك الشعبي، كما يزداد النقد لما يجري، ويزيد خوف الشعب من فوضى يمكن أن تتوسع. ويغرق في حالة من الحرب اليومية، ومن النقص في الغذاء والدواء، ومن التدمير والتهجير.

ولا يبدو أن هناك إستراتيجية واضحة لكيفية إسقاط السلطة. لا في المستوى السياسي، ولا في المستوى العسكري. وهو الوضع الذي بات يطرح السؤال عن سبب عدم انتصار الثورة بعد ظهور الضعف الشديد للسلطة، وبالتالي الإحساس بالغرق في بحر من الفوضى في الأيام المقبلة.

لهذا يبدو أنه يجب أن تقدم إستراتيجية جديدة، تنطلق من حتمية انتصار الثورة، وتعتمد على الشعب، وتعزز العمل المسلح. فالوضع بات يفرض بشكل حتمي ذلك، لكي لا يعم اليأس من جهة، أو يستغل الوضع من أجل زيادة الصراعات في إطار الثورة لتفتيتها، وإنجاح سياسة تحويلها إلى صراع طائفي. ومن أجل أن يصبح أفق الانتصار واضحاً. لهذا يجب أن يترسخ ما يلي:

1- إن المناطق التي تلاشت سلطة الدولة عنها بقوة ونشاط الشعب، وبالكثير من الشهداء، يجب أن تدار من قبل لجان يختارها الشعب، وأن تصبح هذه اللجان هي المسؤولة عن كل الوضع بما في ذلك الأمن والإدارة وتنظيم الحياة.

2- أن يعود الحراك الشعبي كقوة فاعلة بعد أن تراخى، سواء نتيجة الميل المبالغ فيه نحو العمل المسلح أو نتيجة الضرورة التي فرضها التهجير الكبير لملايين السوريين، وانغماس كثير من الناشطين في مساعدة هؤلاء المهجرين.

3- أن الثورة التي انطلقت من خلال التظاهر، وهزت السلطة، ثم تحوّلت إلى العمل المسلح، يجب أن تعيد التوازن بين هذا وذاك، وأن تعود ثورة شعبية يدعمها السلاح. وأن يسقط مبدأ “التحرير” الذي هو جزء من إشكالية الاستعصاء القائم، على ضوء نقص السلاح والمال، وضعف الخبرة، وغياب الإستراتيجية العسكرية الواضحة. ولكي تنتصر الثورة لا بد من أن يظل الحراك الشعبي جوهرياً.

4- إن مبدأ “التحرير” الذي تطرحه بعض القوى المسلحة لا يفي بالغرض، على العكس يسهّل زيادة التدمير والقتل، إذ إن هذا الشكل من الصراع يفترض دعم الحراك الشعبي بالسلاح وليس التحول إلى عمل مسلح معزول، وينطلق من السيطرة على المدن والقرى في وضع تستطيع السلطة فيه التدمير الأقصى والأقسى. في وضع يتسم بتملك السلطة لقوة نيران هائلة قادرة على التدمير الشامل. هذا الشكل غير مناسب في إطار ميزان القوى القائم، حيث يجب أن تبقى قوة الشعب هي الأساس لكي يتحقق الانتصار.

5- كل ميل طائفي هو خطوة نحو تدمير الثورة، وكل سعي لفرض منطق أيديولوجي طائفي على الثورة وحصرها فيه هو تدمير لها. لهذا لا بد من عزل كل من يعمل على فرض هذا الميل.

6- يجب التركيز على كسب العسكريين، والعمل على أن يتحرك الجيش كجيش ضد السلطة التي تتحكم بالقرار الآن، خصوصاً بعد أن باتت معظم قطاعاته “محتجزة” في معسكرات بعد أن بات الجنود والضباط محتقنين وقابلين للانشقاق. لهذا لا بد من نشاط فاعل في هذا السياق. كما يجب كسب كل المترددين أو المتخوفين والخائفين، فهم من يمكن أن يساعد على كسر قوة السلطة، خصوصاً مناطق الساحل.

7- لا بد من تنظيم العمل المسلح وتوحيده، وأيضا تنظيم القوى الفعلية لتشكيل قيادة سياسية عسكرية للثورة.

8- أخيراً يجب أن يكون واضحاً أن الهدف الأساسي هو بناء دولة علمانية ديمقراطية، وتحقيق مطالب المفقرين والمهمشين من خلال تغيير النمط الاقتصادي خدمة لمصالح هؤلاء. الثورة انطلقت من أجل ذلك ويجب أن تحقق ذلك، دون التفاف أو مناورة أو تهميش. وأن أي تغيير لا يمس هذه المسائل، التي هي الجوهرية، سوف يبقي الثورة مستمرة، لأنها في أساسها هي ثورة اجتماعية، وإنْ ظهرت بمظهر سياسي (بمعنى إسقاط النظام السياسي وتأسيس دولة ديمقراطية)، أو حاولت القوى الليبرالية حصرها في هذا المستوى السياسي، أو أيضاً حاولت القوى الأصولية إلباسها “جلباباً” وإطلاق لحيتها.

هذه خطوات باتت ضرورية من أجل انتصار قريب، ولتجاوز كل التدخلات الدولية واللعب الإمبريالي، ولفتح الطريق لامتداد الثورة إلى البلدان العربية الأخرى بعد أن كانت قد بدأت بتونس وامتدت إلى مصر والبحرين واليمن وليبيا. فلا شك في أن انتصار الثورة السورية سوف يفتح طريقاً واسعاً لثورات تغيّر الواقع الذي عملت الإمبريالية والنظم الاستبدادية على فرضه طيلة العقود الماضية.

المصدر: الجزيرة

سوريا وروسيا وحدود العلاقة “الحميمة”

4027647d-63ca-4734-8128-38226215198b

الدعم الروسي للنظام السوري يوحي بأن العلاقات حميمة منذ زمن طويل، خصوصاً أن العلاقات كانت كذلك لعقود. لكن هذه النظرة تتجاهل صيرورة تحوّلات مرت بها. لقد كانت العلاقة حميمة حين كانت الحرب الباردة، حيث تحالف النظام مع الاتحاد السوفياتي رغم أنه لم يكن يقطع مع الإمبريالية الأميركية ويركز علاقاته الاقتصادية مع أوروبا.

وبالرغم من أنه كان يدفع نقداً قيمة كل الصفقات التي يجريها مع البلدان الرأسمالية فقد كان يشتري السلاح والأدوية من روسيا والبلدان الاشتراكية الأخرى بالدين. لهذا حين جرى التحوّل في الاتحاد السوفياتي قبل سقوطه جرت تصفية المديونية السورية التي بلغت حينها 12 مليار دولار على أساس أن تصبح العلاقة بعدئذ تقوم على “الحساب الرأسمالي”.

وتعزز هذا التوجه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتصار الرأسمالية. الأمر الذي فرض تراجع العلاقات الاقتصادية، وانحصارها في أدنى مستوى يتمثل في شراء قطع الغيار الضرورية، وأجور خبراء ظلوا يمارسون دورهم في سوريا.

بالتالي لم يعد لروسيا مصالح حقيقية في سوريا. وخصوصاً مع تأزم الاقتصاد السوري في تسعينيات القرن العشرين، أي مع نهاية عهد حافظ الأسد الذي كان ينطلق في سياسته الخارجية من ضرورة تحقيق التوازن الذي يسمح للنظام بأن يبقى “مستقلاً”.

الأمر تجاوز ذلك مع مجيء الرئيس السوري بشار الأسد، حيث عمل “الطاقم الجديد” على التخلص من كل الكوادر التي تدربت في الاتحاد السوفياتي من المواقع الأساسية في الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وارتبط بناء أجهزة الدولة تلك في الميل الذي فرضته سيطرة فئة جديدة على الاقتصاد، وسعيها لتحقيق الانفتاح الاقتصادي الكامل، الذي كان يعني منطقياً التوجه نحو “الغرب”.

فاللبرلة تفترض الارتباط بالمركز الإمبريالي، وتوسيع العلاقة الاقتصادية مع السوق الرأسمالي. لهذا ظلت العلاقات الاقتصادية قائمة مع هذا “الغرب”، وتوسعت. ودخل فيها النشاط المالي للفئة الرأسمالية (رجال الأعمال الجدد، الذي يسيطر عليهم حلف عائلي) التي باتت تسيطر على الاقتصاد والسلطة. وبدا التشابك الاقتصادي في هذا السياق. ورغم أن روسيا باتت رأسمالية لم يجرِ السعي لتطوير العلاقة معها.

بعد أزمة اغتيال رفيق الحريري، والحصار الأميركي لسوريا، وبالتالي انسحاب الشركات النفطية الأميركية التي كانت تسيطر على حقول النفط السورية، جرى الاتفاق مع روسيا على تشغيل بعض الحقول. لكن دون أن تتوسع العلاقات، التي سارت نحو النشاط المالي في الخليج، ومن ثم إلى تركيا، وبعد إذ إلى بعض بلدان أوروبا الشرقية. وظلت العلاقات التجارية قائمة مع البلدان “الغربية”.

كما ظلت العلاقات السياسية للنظام “باردة” مع روسيا، رغم تطور الحصار الأميركي. فقد عززت السلطة تحالفها مع إيران التي وقعت معها اتفاقاً إستراتيجياً لم يحدث زمن حافظ الأسد. وكذلك تحالفت مع تركيا، التي وقعت معها اتفاقاً إستراتيجياً أيضاً.

وبالتالي لم يقد الحصار الأميركي إلى أن يكون البديل هو روسيا. حتى فرنسا التي دعمت السلطة خلال السنوات الأولى من حكم بشار الأسد على أمل أن تكون هي المسيطرة، انقلبت ضده بعد تلمسها أن كل المشاريع الاقتصادية تذهب للشركات الأميركية، رغم أنها رعت عملية الإصلاح الاقتصادي والإداري. وحتى حينما عمل ساركوزي -بعد أن أصبح رئيساً- على فك الحصار عن السلطة، ظلت متمسكة بأن تكون وجهتها أميركا.

فقط في سنة 2010 حصل تقارب تمثل في إعادة تأهيل القاعدة البحرية الروسية في طرطوس (التي بنيت سنة 1981 وأغلقت سنة 1983 بناء على ضغط أميركي)، ومن ثم أنجزت صفقة صواريخ إس إس 300 التي كان البحث فيها قد بدأ من سنوات سابقة، ولقد أنجزت بعد أن دفعت إيران قيمتها.

وبالتالي فقد بدأت الثورة والعلاقة السورية الروسية ليست قوية، وكانت العلاقات الاقتصادية في أدنى مستوياتها. وهو الأمر الذي يطرح السؤال حول السبب الذي جعل روسيا تتحمّس كل هذا الحماس في دفاعها عن النظام.

حين اندلعت الثورة كانت روسيا قد خسرت ليبيا للتو، ولم تتحقق الوعود الأميركية بالتعويض حينها (دخول روسيا منظمة التجارة العالمية). لكن الأهم هو توصل روسيا إلى أن الوضع الأميركي قد أصبح صعباً بعد الفشل في تجاوز الأزمة الاقتصادية التي شهدتها سنة 2008، الأمر الذي جعلها تؤسس لسياسة جديدة تقوم على فرض “نظام عالمي جديد”، ينهي الأحادية الأميركية ويؤسس لثنائية جديدة أو لعالم متعدد الأقطاب.

من هذا المنظور كانت المسألة السورية مدخلاً لتحقيق ذلك، حيث عملت على إظهار ذلك عبر مجلس الأمن للتأكيد بأن أميركا لم تعد هي المقررة في السياسات الدولية، وأن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الوضع الجديد الذي يفرض أن تكون روسيا شريكاً أساسياً في رسم هذه السياسات. وبالتالي أن يرتبط حل المشكلات الدولية، وتقاسم العالم بالتوافق بينهما.

لكن هذا الهدف الدولي، الجوهري لروسيا، لم يتم دون اتفاق مع النظام السوري. فقد عملت روسيا ككل قوة إمبريالية على أن يكون لموقفها ثمن سوري. وهي الصيغة التي أقامت العلاقة مع إيران على أساسها، حيث باتت تدافع عنها دولياً مقابل اتفاقات اقتصادية. ما الذي حصلت عليه روسيا من النظام إذاً لكي تدافع عنه بهذا الشكل “الجنوني”؟

في زيارته إلى موسكو بصفته نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية (ووزير حماية المستهلك) وقّع د. قدري جميل عدداً من الاتفاقات الاقتصادية، ربما تحتاج إلى دراسة خاصة لكي يتوضح الطابع “الإمبريالي” للعلاقة الاقتصادية الجديدة.

لكن ما كان تسرّب قبل توقيعها بأشهر هو أن روسيا ترث الاتفاقات الاقتصادية التي كانت السلطة قد وقعتها مع تركيا. والتي كانت جزءاً من السياسة الاقتصادية التي أفضت إلى انهيار اقتصادي كبير كان في أساس الانفجار الشعبي، وكان قدري يعتبرها جزءاً من السياسات السيئة لـ”الفريق الاقتصادي” الذي وقعها، هذه السياسات التي قال إنها سوف تؤدي إلى كارثة، وفسّر بداية الحراك الشعبي في مراحله الأولى كنتاج لها (وليس مؤامرة إمبريالية، افتتاحية عدد أبريل/نيسان سنة 2011 من جريدة قاسيون).

المصدر: الجزيرة