Monthly Archives: أغسطس 2013

أميركا تعود إلى الحرب؟

أميركا تعتبر سوريا من «مقتنيات» روسيا، حيث أقرت بـ «المصالح الحيوية» لروسيا فيها.

بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في ريف دمشق ظهر تغير مهم في الموقف الأميركي، حيث اندفع باراك أوباما إلى تقرير ضربة عسكرية ضد السلطة السورية عقاباً لها على استخدام الأسلحة الكيماوية. لكن استخدام الأسلحة الكيماوية حدث خلال هذه السنة ونهاية السنة الماضية العديد من المرات في مناطق مختلفة دون أن يثير الأمر سوى بعض التصريحات الأميركية. لماذا إذن يندفع أوباما الآن لـ»عقاب» السلطة بشأن الكيماوي؟

طبعاً واضح مما قاله أوباما، وانطلاقاً مما يجري من حشد عسكري أميركي، ومن «عدم حماس» العديد من الدول الإمبريالية، أن الأمر يتعلق بضربة صاروخية فقط، ولا تتعلق بـ «زحف» أو احتلال.

وتبدو حتى أقل من مشاركة الطيران الأميركي في الحرب الإمبريالية ضد ليبيا. أي أن الأمر يتعلق بإطلاق صواريخ «كروز» على العديد من المواقع العسكرية، أشار أوباما إلى أنها تلك المواقع التي تخص الأسلحة الكيماوية، ربما إضافة إلى المطارات وصواريخ سكود، والمراكز الأمنية. ويمكن أن يتوسع الصراع فيما إذا ردت السلطة السورية بإطلاق صواريخ سكود على فلسطين المحتلة (رغم أنها لم تفعل ذلك حتى حينما ضربت الطائرات الصهيونية العديد من المواقع العسكرية والنووية في سورية خلال العقد الماضي). أو «تحمّس» حزب الله للرد، حيث سوف يتعرض لموجة من القصف. أو أن تجرؤ السلطة الإيرانية على إطلاق الصواريخ على القواعد الأميركية في الخليج العربي أو حتى على الدولة الصهيونية، وهذا مستبعد. ولا شك في أن الموقف الروسي واضح كل الوضوح من خلال تصريحات رسمية أكدت رفض الإنجرار إلى الصراع في سوريا، ولهذا سحبت قطعها البحرية من قاعدتها في طرطوس. إذن، هي ضربة «عقابية»، وربما من أجل إرهاب السلطة (وإيران) لكي توافق على الذهاب إلى مؤتمر جنيف 2 دون «عنجهية»، وبشروط أقل، أو على الأقل بموافقة كاملة على الحل الروسي. فأميركا لم تعد قادرة على خوض الحروب الكبيرة، ولا التدخل بقوى برية كما حدث في العراق وأفغانستان، وأوباما لم يعد حرا في تقرير ذلك نتيجة مراقبة الكونغرس.

فما يجب أن يكون واضحاً هو أن أميركا باتت تعتبر أن سوريا هي من «مقتنيات» روسيا، حيث اقرت بـ «المصالح الحيوية» لروسيا فيها. كما عملت خلال الأشهر الماضية على تغيير مواقف قوى إقليمية ودولية لكي توافق على الحل الروسي، وعلى التنازل لروسيا في سوريا (هذا ما حدث مع تركيا وفرنسا، وقطر، خصوصاً)، كما عملت على تغيير وضع الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية بحيث يهمّش دور جماعة الإخوان المسلمين وكل التحالف الذي كان مرتبطاً بكل من فرنسا وتركيا وقطر (المجلس الوطني السوري)، لمصلحة قوى توافق على الحل السياسي كخيار وحيد، وأيضاً عبر الحل الروسي القائم على مبادئ جنيف، وبالتالي يوافق على الذهاب إلى جينيف 2. أي أن أميركا قامت بترتيب الطرف المعارض الذي يقبل بـ «بيع» سوريا لروسيا، ووقف معارضة القوى الإمبريالية والإقليمية الأخرى لعملية البيع هذه. لكن روسيا، التي سترث سوريا، لم تستطع إيجاد طرف في السلطة يوافق على الحل، وأيضاً لم تستطع ضبط استخدام السلطة لأسلحة فتاكة، من البراميل المتفجرة إلى صواريخ «سكود»، وخصوصاً السلاح الكيماوي. هذا الأمر شكّل إحراجاً لباراك أوباما الذي كان قد أعلن بأن السلاح الكيماوي هو خط أحمر، وكان قد تغاضى أكثر من مرة عن استخدامها نتيجة عدم اهتمامه بالتدخل العسكري في «الشرق الأوسط» بعد أن بنى إستراتيجيته على أن الأولوية في الإستراتيجية الأميركية باتت تتحدد في آسيا والمحيط الهادي وليس في «الشرق الأوسط».

وهو يعرف بالمعارضة العالمية الكبيرة لأي دور عسكري أميركي بعد احتلال كل من أفغانستان والعراق، ويعرف بضعف «التحالف الغربي»، وأصلاً يعرف بضعف قدرات أميركا ذاتها على ضوء الأزمة الاقتصادية المستمرة، والتي لازالت تهدد بانهيارات كبيرة.كل ذلك يجعل الضربة العسكرية «محدودة»، ربما كشكل من أشكال إظهار الوجود بعد أن بات «الشرق الوسط» ينزع للتخلص من سيطرتها، لكي لا تخرج مهزومة، أو يظهر أنها مهزومة. وربما يدخل ما حدث في مصر، والخلاف بين قيادة الجيش المصري (التي كانت تعتبر تابعة لأميركا) وبينها، وبالتالي الخوف من فقدان مصر، في تحديد ضرورة القيام بعملية عسكرية ما للتذكير بأن أميركا لازالت قادرة على التدخل العسكري. في كل الأحوال هو عمل عسكري محدود، لا يهدف إلى إسقاط السلطة، وربما يستغل بالدفع نحو عقد مؤتمر جنيف 2. ولكن في كل الأحوال هو تدخل إمبريالي، واعتداء على سوريا لا يجوز التهليل له أو دعمه، رغم كل وحشية السلطة التي ساعدت أميركا والدول الإقليمية، مثل روسيا وإيران على تشجيعها، البعض من أجل الحفاظ على السلطة ومنع انهيارها، والبعض من أجل تدمير سوريا البلد والحضارة. لكن كذلك يجب أن يكون واضحاً هو أن السلطة هي التي استجرت هذا التدخل بعد أن فاقت فظائعها كل تصور.

الضربة لن تسقط السلطة، وسوف تبقي الوضع كما هو، ربما مع ضعف في السلطة، لا يبدو أن وضع الكتائب المسلحة قادرةً على الاستفادة منه موضوعياً. لهذا يبقى السؤال: كيف تنتهي سيطرة آل الأسد لمصلحة قوى قابلة بالحل الروسي لفتح الأفق لمرحلة انتقالية؟ كل الوضع السوري بات يتلخص في الإجابة عن هذا السؤال.

المصدر: العرب

Advertisements

الثورة السورية تزداد تشوشا

تدخل الثورة السورية في حالة من التشوش الشديد، سواء تعلق الأمر بطابعها، أو بدور الشعب فيها، أو باحتمالات وصولها إلى نهاية تشير إلى نجاحها. هذه الأمور تدفع إلى حالات من اليأس والقنوط، وحتى إلى انقلاب المواقف. وباتت تظهر المسألة وكأنها مجزرة يقوم بها متآمرون أو مهووسون.

bfb534d8-285d-40e9-97cb-6aef36ec2eb4

وفي النهاية “تتدمر سوريا لمصلحة المشروع الإمبريالي”. وهذا ما يزيد الميل لدعم السلطة من قبل أطراف عربية ودولية، وتلاشي التعامل مع ما يجري انطلاقا من أنه ثورة.

الصورة الأخيرة تشكلت على أساس أن ما يجري هو صراع بين “دولة العراق والشام الإسلامية” (وجبهة النصرة) والنظام السوري، بعد أن أخذت تتمدد في الشمال والشرق، وباتت تحاول فرض سيطرتها على كل هذه المناطق، ومن ثم فرض قانونها “القادم من عصور الظلام”، والذي لا يفعل سوى تدمير كل شيء من أجل “الدولة الإسلامية”.

وإذا كان قتالها النظام محدودا كما تشير كل الوقائع العملية (وليس الإعلامية، إذ إنها وجدت بالأساس في المناطق التي كانت قد انسحبت السلطة منها بفعل قوة الثورة، فقد سارعت إلى فرض “الدولة الإسلامية” بقوة السلاح بعد أن تمكنت، أو ظنت أنها تمكنت.

لكنها وفق المنظور الذي يتحكم في فهم الثورة تحسب على أنها القوة الأساسية التي تقاتل النظام. الأمر الذي يعطي صورة بأن المعركة قد أصبحت بين النظام وتنظيم القاعدة (حيث إن دولة العراق وجبهة النصرة فرعان منه). ويزيد من هذا التشوش كل مظاهر “الأسلمة” التي تكتنف الكتائب المسلحة، سواء من حيث الأسماء أو الأشكال، أو حتى التصريحات.

وإذا كانت الثورة قد باتت مسلحة في معظم فاعلياتها، بعد أن انهارت إمكانيات التظاهر وأشكال الاحتجاج الأخرى، نتيجة ميل قطاع كبير من الشباب الذي كان يتظاهر إلى العمل المسلح، والدمار الذي أحدثته السلطة وهي تواجه المجموعات المسلحة كعقاب للشعب الذي تمرد على سلطتها، وبالتالي تحول جزء آخر من المتظاهرين إلى العمل الإغاثي أو تم تشريدهم أصلا.

إذا كانت الثورة قد باتت مسلحة فقط بفعل كل ذلك، فقد اكتملت صورة أن الصراع بات صراعا مسلحا بين السلطة ومجموعات “أصولية”، وأن ثورة الشعب قد انتهت. ولا شك أن زيادة دور الإسلاميين، وسرعة ميلهم إلى فرض سلطة قروسطية (هي نتاج أحط مراحل التخلف في التاريخ العربي الإسلامي بعد انهيار الدولة المركزية)، مع كل مظاهر الأسلمة الأخرى، أوجدت حالة إحباط لدى قطاع من الشعب الثائر، وفرضت زيادة الخوف لدى فئات اجتماعية كان يجب أن تنخرط في الثورة، وبالتالي زيادة الارتباك في صفوف الشعب الثائر.

وكان كل ذلك يستغل من أجل تشويه الثورة، والتركيز على طابعها “المؤامراتي”، والطائفي الأصولي، وهو ما كان يعزز من وضع النظام بعد أن كان يتهاوى نتيجة الضعف الشديد الذي طال قوته العسكرية (وهو الضعف الذي فرض عليه استقدام قوات حزب الله، وكتائب أبي الفضل العباس الطائفية من العراق، وقوات من الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى الدعم العسكري الروسي).

كانت معركة القصير مفصلية، حيث أعيدت “فاعلية” السلطة عبر القوات التي استقدمتها، وفتحت في الوقت ذاته على سعي “دولة العراق والشام الإسلامية” إلى السيطرة على المناطق التي هي خارج سلطة النظام. وهو ما يظهر أن “تناسقا” ما يحكم كل ذلك، خصوصا بعد سعي السلطة إلى استرجاع حمص، والغوطة، والتوجه إلى حسم الصراع بالقوة.

لم تنجح السلطة في ذلك، ولن تنجح. لكن ما يظهر واضحا على الأرض هو أن المراوحة هي السمة التي تحكم الوضع العسكري. هناك تقدم للكتائب المسلحة، وتقدم مقابل للسلطة، وهكذا منذ فترة، دون أن يستطيع أي منهما تحقيق الحسم خصوصا الكتائب المسلحة التي تعبر عن الثورة، حيث لا يزال التسليح شحيحا، وكل الوعود كانت فارغة، وكل ما يصل هامشي لا يتجاوز محاولة “حفظ التوازن”، وعدم السماح بالحسم.

وينعكس ذلك سلبا على “مزاج” ومعنويات الشعب، حيث يشعر بأننا ندخل في “نفق طويل” يتسم بصراع دموي لا أفق له. والمراوحة في الصراع توحي بذلك، ولهذا تثير حالة اليأس التي تتراكم العناصر التي تولدها. لكن ذلك أيضا يعزز النظرة التي باتت ترى فيما يجري “صراعا مسلحا” بين سلطة وأصوليين خصوصا حينما يشار إلى مصادر التسليح، أي الغرب.

ويقع كل ذلك في ظل اهتراء المناطق التي سميت محررة، نتيجة للفوضى بالتحديد، و”التشبيح”، والعصابات، وتنافس الكتائب المسلحة وعدم تعاونها، وأخيرا دور دولة العراق والشام وجبهة النصرة الذي حوّل الصراع من صراع مواطني هذه المناطق ضد السلطة إلى صراعها مع هؤلاء، بالضبط نتيجة محاولتهم فرض سلطة لا يقبلها أكثر الناس إيمانا بمجتمع تجاوز القرون الوسطى منذ زمن طويل، وباتت تحكمه قيم حديثة.

كما يقع كل ذلك أيضا في ظل وضع اقتصادي بالغ الصعوبة نتيجة توقف عجلة الاقتصاد أصلا، وفقدان قطاعات واسعة مداخيلها، وشح المواد السلعية، خصوصا الغذائية. وغياب كل سلطة سوى سلطة “المسلحين”، رغم المحاولات التي جرت في العديد من المدن والأرياف لبناء سلطة شعبية، كانت تجهضها القوى المسلحة، ودولة العراق والشام خصوصا.

هذا الوضع يشير إلى غياب أفق الحسم العسكري من قبل الثورة في الوقت الذي تغرق فيه المناطق التي سميت محررة بكل هذه الفوضى والانفلات، وبالتالي يغرق ذلك الثورة في التشوش، وينمي الميول للوصول إلى “الخلاص” بأي طريق كان. لكنه كذلك يشوش على الثورة ذاتها، فهل هي ثورة أم فوضى؟ وهل هؤلاء ثوار يريدون إسقاط النظام أم مجموعات تتسابق على السيطرة وبعضها يمارس عمل العصابات؟ وهل نريد إسقاط النظام من أجل دولة مدنية أم أن الهدف هو إقامة “الخلافة الإسلامية”؟

السؤال الذي يطرح بعد ذلك، وبكل بساطة: هل هذه ثورة؟ ويكون الجواب هو أننا خرجنا من دائرة الثورة ودخلنا دائرة العبث. هل الوضع فعلا كذلك؟
لا أظن ذلك على الإطلاق، لكن كل المشكلات المشار إليها بحاجة إلى معالجة حقيقية. فالشعب لا يزال يسعى لتغيير النظام، رغم كل حالات اليأس أو حتى الانقلاب على الثورة. وبالتالي لا بد من إعادة تقييم شديدة الدقة للوضع القائم، وتحديد إستراتيجية واضحة. فالثورة انطلقت من أجل إسقاط النظام، لكن أيضا من أجل تغيير النمط الاقتصادي الذي أفضى إلى وجود أعداد هائلة من العاطلين عن العمل، وأعداد هائلة من المفقرين. ولتحقيق ذلك لا بد من تحقيق عدد من المسائل التي باتت ضرورية جدا:

– أولا: لا بد من الحسم مع كل المجموعات التي أتت لتنفيذ مشاريعها في سوريا، وهنا دولة العراق وجبهة النصرة، فهذه قوى “غريبة” وتمارس ما يخرب على الثورة، وتشتت نشاط الشعب عبر إدخاله في صراع جانبي خطر جدا، من خلال افتعال الصراعات الطائفية، والفرض الأصولي والقتل العشوائي أو المبني على “فتوى”. وهذا يستلزم موقفا واضحا من المعارضة (الائتلاف الذي يقول إنه يمثل الثورة) والكتائب المسلحة. بالتالي يجب أن ينتهي وجود هذه القوة لكي تنتظم الثورة بشكل أفضل، فهي ثورة مضادة وليست قوة دعم للشعب في مواجهة السلطة.

– ثانيا: لا بد من أن تكون المجالس الشعبية هي السلطة الفعلية في كل المناطق التي باتت خارج سيطرة النظام. الشعب الذي قاتل هو الذي يجب أن يحكم ويدير أموره في مناطقه (من الخدمات، إلى الأمن، إلى القضاء، إلى تسهيل أمور المواطنين). فلا سلطة غير سلطة الشعب، والكتائب المسلحة هي للقتال ضد قوات النظام وليس لفرض سلطة، أو التحرش بالناس، أو ممارسة كل أشكال التعدي.

– ثالثا: لا بد من وجود خبرات عسكرية جدية، حيث إن معظم المقاتلين هم شباب متحمس لكنه لا يعرف الحروب ولا القتال. ومن ثم يجب توحيد الكتائب ومحاسبة كل من يريد التمسك بسيطرته على مناطقه أو إقامة “سلطة تافهة” على قرية أو حي أو حتى مدينة.

– رابعا: لا بد من القطع مع كل القوى الخارجية التي تزيد من تفتيت الكتائب، وتربطها بسياساتها الخاصة بعيدا عن الثورة. هذا الباب الذي فتح بحجة الدعم العسكري والمالي يجب أن يغلق لأنه أضر أكثر مما أفاد، ومن ثم يمكن ترتيب الدعم عبر الهيئة المركزية (إذا كان هناك من يريد الدعم بعد أن اتضح أن الوعود كلها كاذبة).

– خامسا: كيف يمكن أن تتشكل قوى سياسية حقيقية يمكنها التعبير عن الثورة؟ ما هو قائم عاجز عن ذلك، ولقد أضر بالثورة كثيرا خلال المرحلة الماضية، وبالتالي لا بد من بناء سياسي في داخل سوريا يمكنه التعبير الحقيقي عن الثورة.

كل ذلك ربما يحتاج إلى “مبادرين” حيث تغيب القوى السياسية، أو تكون عاجزة. لكن لا بد للثورة أن تعود واضحة بعد أن تتخلص من كل ما علق بها من ركام التاريخ الوسخ.

المصدر: الجزيرة

الثورة السورية في دائرة التشوش

لم يكن وضع الثورة السورية واضحاً كما في تونس ومصر نتيجة الوضع الجيو- سياسي للسلطة السورية، وهذا أمر يمكن أن يناقش في سياق آخر، لكن لا بد من أن نلاحظ بأن الثورة دخلت في مرحلة التشوش بشكل أسوأ مما كان حين انطلقت. والمشكلة هنا تتمثل ليس في أن الآخرين تشوشوا، بل أن الثورة ذاتها باتت مشوشة. وهذا أمر خطر، وأخطر من تشوش. فئات وقوى “خارجية”، لأنه يمس الممارسين أساساً.

فمن يلقي نظرة على وضع الثورة سوف يصطدم بالفوضى والانفلات، والزعرنة، ويصطدم أكثر بالمعازب التي تتشكل حيث تهيمن كل مجموعة على منطقة وتقيم سلطتها فيها. والآن قيام “دولة العراق والشام” بفرض سلطتها على مناطق لم تحررها أصلاً، وبعكس ما يقال عنها لم تقاتل من أجل دحر قوات السلطة عنها، بل أتت على مناطق فارغة من السلطة، لم يعرف الناس فيها فرض سلطة بديلة لسلطة النظام الذي قرر الانسحاب منها نتيجة إشكالياته التي جعلت قواه العسكرية تتشتت وتضعف، بالضبط ليس نتيجة قوة عسكرية، بل نتيجة الاحتقان الذي جعل قطاعات واسعة من الجيش قابلة للانشقاق، الأمر الذي فرض عليه وضعها في معسكرات مغلقة، وبالتالي الاعتماد فقط على “البنية الصلبة” التي يمتلكها (والتي تهشمت، الأمر الذي فرض عليه الإتيان بقوى حزب الله، وكتائب أبو العباس، والحرس الثوري الإيراني).

هذا الانسحاب فرض كل تلك الفوضى، حيث سعت مجموعات إلى السيطرة وإقامة سلطة، واستطاع الشبيحة “السابقين” والمجرمين والعصابات انتحال صفة الجيش الحر. وأخيراً أتى “الجهاديون” الذين لا يظهرون إلا في “مناطق الفراغ” (وهذا معروف عنهم في كل المتابعات لنشاطهم). وهم لم يأتوا لقتال النظام، بل أتوا لكي يحلوا محل النظام بإقامة “الدولة الإسلامية”. وإذا كان هناك من رحّب بهم توهماً بأنهم آتون لمساندة الشعب، أو هلل لقدراتهم العسكرية، وإنسانيتهم، فقد هيئ لهم الأرضية لكي يستحكموا، وهذه هي الخطوة الأولى في طريق فرض سلطتهم.

الآن، باتوا يفرضون سلطتهم بالقوة، ويطبقون قوانينهم عبر الهيئة الشرعية، يعتقلون ويعدمون ويقتلون، ويفرضون قيماً هي قيم قرون الانحطاط والتخلف التي بادت منذ مئات السنين (حتى في أكثر مجتمعاتنا تخلفاً)، وبالتالي بات الوضع موزاييك مرعب.

بالتالي بات الشعب مشتتاً بين أن يقاتل النظام، أو يعمل على إنهاء الفوضى وضبط العصابات التي تحتمي باسم الجيش الحر، أو مواجهة “دولة العراق والشام”. البعض من المعارضة “العبقرية” يعتبر أن المعركة الرئيسية هي مع النظام، وبالتالي يدعو إلى تجنب “المعارك الجانبية”، و”عدم الانجرار إلى مخطط النظام”. وبتحليل كل هذه الكلمات نستنتج بأنه علينا أن نترك الفوضى والخطف والسرقة التي تمارس باسم الثورة، وان نقبل بسلطة “دولة العراق والشام”، وأن نقبل بهم كذلك.

لكن هل الفوضى تسمح بتحقيق انتصار؟ وهل تهريب الشعب من الثورة نتيجة كل هذه الممارسات يفيد الثورة وانتصارها؟ وهل تسليم الشمال والشرق لـ “دولة العراق والشام” يعزز انتصار الثورة؟

لن أتحدث هنا عن الترابط بين “جبهة النصرة” ومن ثم “دولة العراق والشام”، أو عموماً “الجهاديين” القادمين من كنف السعودية وأميركا وباكستان والخليج، والذين جرى “التبرع” بهم من الشبيحة والأمن، بأجهزة الأمن، لكن كفعل “تكتيكي”، أليس مدمراً لقوة الثورة أن نقبل هذا التشتت الذي لم نصنعه نحن بل صنعه آخرون؟ هل تنتصر “ثورة في فوضى”؟ وخصوصاً إذا كانت الفوضى ممنهجة، ومدروسة من قبل النظام وجهات عديدة لا تريد انتصار الثورة وسقوط النظام.

الأمر يحتاج الآن، أولاً لقرار من الائتلاف الوطني الذي يعتبر أنه ممثل الثورة السورية (والذي دافع العديد من قادته عن جبهة النصرة، وحمى ويحمي العصابات) بتجريم “دولة العراق والشام” وجبهة النصرة، وتحريم وجودهم في كل سورية. ثم أيضاً وكذلك تفعل مختلف الكتائب المسلحة في كل المناطق، ومن يشذ لا بد من أن يحاسب. هنا الصراع لا علاقة له بالإسلام، فهؤلاء “الجهاديين” جهلة في الدين، والعصابات لا تعرف الدين. بل هو من أجل انقاذ الثورة بعد أن غرقت في متاهات المصالح الذاتية، والتخريب في العديد من المناطق السورية.

الثورة بحاجة إلى إعادة بناء، وإعادة البناء تقتضي تنظيف الثورة.

المصدر: صدى الشام

عن ثورة مصر وسورية

عن ثورة مصر وسورية: لقاء مع المفكر الفلسطيني السوري سلامه كيله/ حوار فادي سعد – صحفي سوري

بالقرب من ميدان طلعت حرب المتفرع من ميدان التحرير حيث كان مقرراً للثورة ان تقع في الامس، التقيت الاستاذ سلامه، جلسنا في مقهى ريش، حيث تلتقي أغلبية النخبة الثقافية المصرية، وحيث مرّ نجيب محفوظ وأمل دنقل وصلاح جاهين ورعيل كامل من المثقفين والسياسيين المصريين …

وكما في مقهى ريش، كانت ثورة مصر تنبض في كل مكان ولحظة، محور كل حديث بقربنا او بعيداً الى شوارع القاهرة ومدن مصر والعالم، ثورة مصر التي تتجدّد للمرة الثانية خلال ما يقرب من ثلاثة اعوام فتسقط زعيمين وتخلط اوراق الداخل والخارج في مصر والعالم العربي وتعيد فتح ملف الثورات العربية التي راهن البعض على أنها ستدفن في سورية، سورية التي وجهت ثورتها بتدمير شامل على صعد شتى مازال ينزف منه ملايين السوريين ….

والاستاذ سلامه كيله مفكر ماركسي فلسطيني معروف نفي من بلده الثاني سورية حيث كان يعيش بعد إطلاق سراحه إثر اعتقال استمر اسابيع طويله في سجون النظام السوري الرهيبة، وحيث تعرّض للتعذيب  النفسي والجسدي  ….

عن ثورة مصر الثانية وعن ثورة سورية كان هذا الحديث .

السؤال الاول: استاذ سلامه كيله، ماذا يجري في مصر ؟ هل هو ثورة ؟ ام هو استكمال للثورة؟ ام انقلاب ؟

الجواب: من المؤكد أنه قد بدأ هذا النقاس الان، وهو مبنى على سوء فهم للواقع نفسه، سوء فهم لما جرى منذ 25 يناير، سوء فهم لمعنى الثورة وللواقع الموجود، لانه من الواضح انه يوجد احتقان اجتماعي، المشكلات الاجتماعية لم تحل في زمن العسكر وفي زمن مرسي، الشعب لم يعد يحتمل استمرار الوضع الذي هو فيه، ولأنه لم يعد يحتمل ذلك، ثار الشعب المصري على مبارك الذي كان يعتبر جبار، من اجل ان يأتي بسلطة تحل مشكلات الناس، البطالة والفقر، الصحة والتعليم المنهار، والبنية التحتية المنهارة، ومن ثم تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية  العلمانية، هذا الوضع هو الذي كان يؤشر الى ان انفجاراً سيحدث، بغضّ النظر عن  المسار السياسي الذي أسّس لانتخابات هي شكلية ولدستور استبدادي، بالتالي لم يغير في تكوين  السلطة القديمة إلا انه ادخل الدين كعبا ضد الناس، عبر سيطرة الاخوان المسلمين، بهذا المنظور ما حدث هو ثورة، الان لماذ حسمت عبر الجيش ؟  للأسف كل من يسألون هذا السؤال لا يشيرون الى السبب، وهو ان الشعب لا يملك القوة السياسية التي تضع استراتيجية واضحة للتغيير، لأن التغيير لا يتحقّق الا بوجود قوى سياسية ووعي سياسي واستراتيجية تفضي الى استلام الشعب السلطة، لهذا لا إمكانية إلا لتدخل طرف ثالث هذا الطرف هو الجيش لانه الطرف الاقوى، وبالتالي يحاول الجيش كما فعل زمن مبارك لكي يحافظ على السلطة عبرابعاد الرئيس، الآن يفعل نفس الشيء، وبالتالي الذي يجب ان يبحث بشكل جدي هو لماذا هذا الغياب للقوى الحقيقية التي تعبر عن مصالح الناس، والتي تضع رؤى استراتيجية واضحة لكيفية التغيير، لايصال الثورات الى منتهاها الحقيقي، والذي هو اسقاط الطبقة المسيطرة وليس فقط الرئيس، وتاسيس نمط اقتصادي مختلف يخدم الطبقات الشعبية،

سؤال : حجّة الذين  لهم اعتراض على تسمية ماحصل في مصر على انه ثورة، هو ان مرسي وصل الى الحكم بطريق شرعي عبر الانتخابات، باعتقادك استاذ سلامه، أيها الأصل والأقوى؟  شرعية الانتخابات ام شرعية الشارع ؟ اليست الجماهير التي انتخبت مرسي هي من ارتأت النزول الى الشارع لتسقطه ؟

جواب: اولاً شرعية الشارع هي الاساس، في زمن الثورات الشارع هو الذي  يقرّر وهو الشرعي وليس اي سلطة، المسالة الاخرى : ايضاً حسني مبارك كان منتخب من الشعب وكان يحكم بالدستور، لماذا اعتبرنا ان اسقاط مبارك طبيعي رغم ان شكل الاسقاط ذاته  ؟ والآن نتحجّج بالشرعية، الاخوان المسلمين نجحوا بنسبة 12 بالمئة من الشعب الذي يحق له الانتخاب، والآن يسقط بنسبة تتجاوز ال 60 بالمئة من الشعب الذي نزل الى الشوارع، من هذا المنظور اجد ان الميل الليبرالي يتحكم بعقول الكثير من الاشخاص الذين باتوا يرفضون الثورات، والذين يعتبرون الثورات عمل خاطئ، والذين صاروا يعبدون صندوق الانتخابات رغم ان الديمقراطية ليست صندوق الانتخاب فقط، الديمقراطية هي بنية كاملة، صندوق الانتخاب هو نتيجة جزئية فيها، والانتخابات في بلادنا لا زالت تزوّر، لا زالت تخضع لسيطرة النظام نفسه لازالت تخضع لتأثيرات عدة، وبالتالي ليست هي المعبّر الحقيقي عن الديمقراطية .

سؤال: برأيك استاذ سلامه كيله هل سيكون للجيش دور سياسي في المستقبل ؟

جواب: انا لا اعتقد ان الجيش سيكون له دور، الجيش يحكم فعلاً وهو الذي يمسك الامور على الارض، كان في زمن( …؟)  وكان في زمن مرسي وسيكون في المرحلة القادمة مادامت الثورة لم تغير الطبقة المسيطرة، الجيش بنية تشكلت لخدمة الطبقة الرأسمالية المسيطرة، التي تنهب وتحتكر الاقتصاد، والتي كان حسني مبارك واجهة لها رغم كل جبروته، وكانوا الاخوان المسلمين ايضاً واجهة لها، بالتالي سيأتي الجيش بأشخاص آخرين وسيعمل على المناورة أكثر، ل( تنفيس ؟) الثورة دون الوصول الى حل حقيقي للمشكلات القائمة، من أجل الحفاظ على البنية القديمة وإعادة انتاجها، بما يجعلها تستقر، وتفشل الخيار الشعبي .

سؤال: انتقالاً الى الوضع السوري العديد من مثقفي الثورة ومثقفي الاخوان تحفظوا على مايجري في مصر، والبعض يعتبره انقلاب عسكري، برأيك ما يجري في مصر هل يمكن ان يؤثر على مسار المعارضة السورية او على مصير الاخوان السوريين في المستقبل ؟

الجواب: اولاً هناك نظرة سطحية تحكم النظر السياسي لدى اليسار وبقية القوى الاخرى ينطلق من ان هناك موقف معين  من قوى معينة تحدد باقي المواقف انطلاقاً منها، الآن يصبح في سورية الصراع ضد النظام السوري هو الصراع الاساسي، من هذا المنظور يصبح الاخوان المسلمين (المصريين) حلفاء  لدى هؤلاء، وبالتالي محمد مرسي قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري  وبالتالي هو يدعم موقف الثورة، من هذا المنظور يفتعلون الحجج للقول ان إسقاطه خاطئ، سواء تكلموا عن الديمقراطية والانتخابات او تكلموا بأي شكل من الأشكال الاخرى ، هذا الاشكال له علاقة بالوعي والمنهج،  وبالتالي هو الذي اتى بالمعارضة السورية الى هذا المصير المأساوي لا يجب ان ننظر سطحياً الى المسألة، اعتقد ان انهيار المشروع الاسلامي في مصر انهيار لكل المشروع الاسلامي في المنطقة، هذا الامر مهم جداً لسورية لأن الاخوان المسلمين لعبوا دوراً تخريبباً تدميرياً في الثورة السورية، وهم مسؤولون عن الدم والتدمير الذي حدث، شاركوا النظام نتيجة جملة سياسات: اولاً دعوا للتدخل الخارجي وبخطاب طائفي جعل الفئات الخائفة والمترددة تتردّد بالانضمام الى الثورة، فأخّر كثيراً الانضمام للثورة، قطاع كبير من المجتمع وهذا ما اعطى فرصة حقيقية للنظام كي يحكم سيطرته، ومن ثم صاروا يعملون بطريقة التسليح السريع لدفع النظام كي يزيد من تدميره وقتله، لكي يفرضوا تدخل خارجي حينما اكتشفوا ان العالم الخارجي لا يميل للتدخل، من هذا المنظور فهم الآن عقبة وعائق ولهذا نجد ان الشعب السوري قد بدأ يتحرك ضدهم وبدأ يشعر انهم يعملون لمخطط خاص بهم وليس متعلق بالثورة ايضا اعتقد ان الاخوان المسلمون في سورية انتهوا من اللحظة التي وافق فيها امريكا على الحل الروسي وتوافق مع الروس على حل سياسي، وهذا ما ظهر في الصراع في اطار الائتلاف السوري، والذي يظهر اليوم او غدا نتائج الانتخابات، كان واضحاً الميل لإبعاد الاخوان المسلمين عن الهيمنة على المعارضة الخارجية وتهميش دورهم الواقعي،  الان ما يجري في مصر سيعزّز هذا الاتجاه كثيراً وسيدفع باتجاه انهاء الدور التخريبي

سؤال: صحيح ان الاخوان سقطوا من السلطة لكن عدد من وسائل الاعلام المصرية في اليوم الاول لسقوط مرسي مارست ما يشبه نوع من التهدئة والتوجيه الاجتماعي باتجاه احتواء الاخوان والقبول بهم،  السؤال استاذ سلامه كيله: برأيك هل سيستمر الاخوان المسلمون كقوة سياسية في مصر ؟ ومن ناحية ثانية، في حال لم يتم حل الازمة الاقتصادية للفقراء للشعب المصري عموماً، هل يعاود الاخوان المسلمون صعودهم السياسي في مصر ويشكلوا جزء من المعارضة المصرية   ؟

جواب: اعتقد من حيث المبدأ انه انتهى دور الاخوان السياسي، خروجهم من السلطة يعني نهايتهم، هذا لا يعني انه مطلوب الحجر عليهم، طبعاً هذا يعتمد على طبيعة ردود افعالهم وتصرفاتهم، وما يمكن ان تؤدي إليه، فهم في بعض الاماكن يمارسون عنف، فبالتالي يمكن ان يتفاقم الامر، لكن من حيث المبدأ ليس خطأ التركيز انه ليس المطلوب تحريمهم ومنعهم كقوة سياسية، فقط المطلوب الان أن يحتوي الدستور ما يؤكد على منع تأسيس الاحزاب القائمة على اساس ديني، لكن اعتقد ان ما جرى انهى الوهم الذي رسم حول الاخوان المسلمين، بالتالي ينهي البيئة الاجتماعية التي كانوا يعتمدون عليها، وسيجعل قطاعات كبيرة منهم تترك الاخوان الآن، خصوصاً أن الصراع في مصر لم يأخذ فقط طابع اقتصادي إنما اخذت طابع مواجهة أصولية دينية تهيمن، وبالتالي سيكون هناك تحرر واسع في المرحلة القادمة على الصعيد الاجتماعي، على صعد العلاقات الاجتماعية التحرر العام، هذا سيهمش دور الاخوان المسلمين ويجعل قواهم معزولة ، مشروعهم السياسي انتهى وتبيّن انه غلط، واضح انه لا يختلف عن مشروع حسني مبارك والقوى الاخرى، مشروعهم الليبرالي ايضاً لا يختلف، فقط حاولوا ان يفرضوا على المجتمع قيم قروسطية قديمة، هذه القيم ترفض الان رفض كامل،  وسيندفع المجتمع لحالة تحرر جديدة لن تبقي للأخوان المسلمين سوى حيز ضئيل

سؤال: لنتحدث استاذ سلامة عن الحالة الاجتماعية في مصر، برأيك ما هو وضع الطبقات واصطفافها في مصر ؟ ماهو وضع الفقراء ؟ في الثورة هل كان هناك تحالف بين الفقراء والطبقة الاقتصادية الغنية المتضررة من الاخوان المسلمين ؟

جواب: لا يوجد تحالف لان التحالف يعني وجود احزاب ووعي سياسي، هذا غير موجود، لكن يوجد فئات شعبية مفقرة، نسبة البطالة عالية جداً في مصر ونسبة الفقر عالية جدا هناك 80 بالمئة من الشعب المصري يعانون من فقر شديد، بالتالي هناك وضع صعب جداً في المدينة والريف، هذا الوضع هو الذي يحرك الفئات الفقيرة، هناك فئات وسطى وتضررت هناك فئات وسطى تريد الحرية والديمقراطية بالمعنى السياسي، هناك بعض رجال الاعمال وهم محدودون وقفوا ضد حكم الاخوان ويريدون التغيير لمصلحتهم، كذلك رجال اعمال من زمن مبارك يريدون ان يسقطوا الاخوان، لكن القطاع الاساسي الذي يقود الصراع وملأ الشوارع هو الشعب الفقير، حتى الطبقة الوسطى التي شاركت في التظاهرات هي من الفئة المفقرة، نتحدث عن عمال وفلاحين، هؤلاء من يقود الصراع لكن للأسف لا يوجد تعبير سياسي عنهم، يضمن حل اقتصادي لمشاكلهم وحل سياسي للنظام السياسي، هذه هي المشكلة القائمة الآن، التي تجعل الجيش يكون في مركز الثقل

سؤال عن بنية الثورة المصرية: من هي حركة تمرد التي حشدت هذه الملايين  والتي كانت هيكل الثورة العظمي ؟ من هم بنية الثورة  هل هم الطلاب والموظفين ام الفلاحين والمهمشين ؟ من ناحية ثانية  بدت ثورة مصر متباينة في الايام الثلاثة التي استمر فيها الحشد بين 30 حزيران و3 تموز، ففي العاصمة ولاسيما في ميدان التحرير بدى الحراك سلمياً بل وراقياً، لكنه في الاطراف خصوصاً في الريف جرت صدامات وسمعنا عن جرحى وقتلى، ما تفسير ذلك برأيك ؟

“تمرد” ليست حزب، صعب ان نحدد ماهيتها، لكنها مجموعة شباب جمعت توقيعات تتعلق بتنحية الرئيس، لا يوجد إمكانية لتوصيفها من المنظور الاجتماعي، لكن الناس التي نزلت الشارع هم من العمال والفلاحين والفقراء والمثقفين الفئة الوسطى، هؤلاء من ملأوا الشوارع، بالتالي هذا هو الطابع الاساسي للثورة، فئات شعبية تحاول ان تغير النظام

بالنسبة للشكل فهو مختلف عمى جرى في الايام الاولى للثورة ضد حسني مبارك ، كانت بنية الدولة  مهيئة للدفاع عن النظام السياسي بشكل كامل ولهذا لجات الى اعلنف ولكن ضخامة الحراك الشعبي حينها كسرت الامن المركزي الذي كان هو القوة الاساسية في القمع، وبالتالي جعلت قيادات الجيش تتشكّك في إمكانيتها ان تخوض صراع ضد الشعب، وقفت بحياد بين قوسين لكن مع منع الثورة من الاستيلاء على مؤسسات الدولة، بالتالي اوقفتها عن حد ان تبقى حالة احتجاج،  اصبحت كما رأيتها الان احتجاج في الميادبن دون ضغط الامن المركزي الجيش عمل على الحفاظ على الامن، الان كان واضح ان الحراك يمكن ان يكون هائل وبالتالي كان قرار الجيش منذ البداية ان لا يجري الاصطدام مع الناس خصوصا ان الجيش لم يكن مرتاحا لحكم الاخوان المسلمين، فمحمد مرسي والاخوان ارتكبوا حماقة ربما كانت طبيعية بالنسبة لهم، وهي انهم عملوا على الهيمنة على الدولة، كان ذلك يعني الاصطدام ايضاً مع بيروقراطية الدولة التي لها مصالح حقيقية لهذا لم تكن في وارد الدفاع الحقيقي عن مرسي  خصوصاً انها وجدت ان الشارع ملتهب وان الاعداد التي نزلت هائلة، طبعا ربما لو نزلت اعداد قليلة الى الشارع  لكانت قيادة الجيش اتخذت موقفاً آخرن لكن ضخامة الاعداد حددت ان هذا الجيش غير قادر على مواجهة الشعب لأنه يمكن ان يقوم بخطوة ابعاد مرسي، هذا الوضع جعل الحراك بلا عنف “جينتلماني” بلا عنف في المدن حيث سيطرت الملايين على الميادين وفي الارياف  الوضع مختلف لن الاخوان المسلمين كانوا يعتقدون أن سيطرتهم هي اساساً على الريف، ومعظم الذين حشدوا من الاخوان المسلمين في القاهرة أوتي بهم من الريف، هذا الوضع جعل الريف أكثر حساسية في الصراع، خصوصاً لأن الريف يدخل لأول مرة في الصراع، ففي الثورة ضد حسني مبارك لم يدخل الريف في الصراع، بقي الريف خارج إطار الثورة التي سيطرت على المدن الرئيسية، كان هناك بعض التحركات المحدودة في الايام الاخيرة للثورة في بعض القرى كقطع الطرق مثلاً لكن لم تصل الورة إلى عمق الريف، الان تصل الثورة إلى عمق الريف، لهذا يصبح الاشتباك في الريف أعنف.

سؤال: كلامك ايتاذ سلامة يدفعنا الى مقاربته بالوضع السوري، برأيك أن توازن القوى بين الجيش والحراك الشعبي هو الذي يحدّد طريقة تعامل الجيش مع الحراك، في سورية الاجهزة الامنية والجيش مصممان بشكل كامل من اجل الحفاظ على النظام، وكان لديها الشعور دائماً بقدرتها على السيطرة على الشارع، هذه الفكرة (توازن القوى) هي الاساس لمواجهة الجيش النظام السوري للثورة السورية في بدايتها  ؟

جواب: وضع الجيش في سورية محتلف عن وضع الجيش في مصر، في مصر  الجيش مؤسسة لها بنيتها المتماسكة الى حد ما، رغم خضوعها للقاعدة الاعلى، لكن لديها قدر من المرونة ان تستقل عنه، في سورية بني الجيش منذ زمن حافظ الاسد انطلاقاً من فكرة بسيطة هي: كيف لا يقوم هذا الجيش بانقلاب بعد حافظ الاسد. لهذا بنى الاسد بنية سياسية تعتمد على الامن وليس على الجيش، وعلى تعددية الاجهزة الامنية التي يراقب كل منها الآخر، وكلهم يقمع الشعب، وفي المستوى الآخر الهيمنة الامنية على الجيش، وبالتالي أصبح المسؤول الامني في أي فرقة عسكرية أهم من قائد الفرقة العسكرية، وهذا ما جعل الجيش ليس جيشاً منظماً وليس جيشاً قتالياً لأنه أخضع حتى اللواء مسؤول الفرقة مثلاً لأبسط عنصر أمن في الفرقة، هذا الوضع لم يسمح للجيش ان يلعب دور مستقل عن الآمن وأصبح خاضع لبنية السلطة،

ما جرى في سورية هو أن الثورة أدت الى احتقان اجتماعي داخل الجيش فبدأت الانشقاقات الفردية وتوسعت، لهذا لجأ النظام منذ سنة الى وضع الجيش في معسكرات مغلقة دون إجازات لكي يمنع إمكانية الانشقاقات، وهذا ما جعل النظام يعتمد على قوى اساسية صلبة محددة.

الآن أمام وضع الثورة يمكن أن تتفكك هذه البنية الصلبة لأنها تعرضت لضربات حقيقية أدت الى قتلى بأعداد كبيرة وهذا ما دفع أصلاً لإدخال حزب الله وايران في هذه الحركة لمصلحة النظام، وضع الجيش لم يكن يسمح بالتالي أن يحدث في سورية ما يحدث في مصر منذ اللحظة الاولى، النقطة الاخرى النظام قرر منذ البداية ممارسة العنف الشديد لكي يمنع حالات امتلاك الميادين وبالتالي جعل تطور الثورة بطيء ومحدود، وتوسّع على مدى سنة، هذا عنصر جعل هذه البنية الصلبة في النظام قادرة على مسك الوضع بطريقة لا تفلت منها،

تعقيب: هذا يعني انه لامجال للمقارنة بين الحالتين السورية والمصرية لا من حيث بنية النظامين ولا من حيث الحراك الثوري …

جواب: لا طبعاً، هناك شكلين مختلفين رغم ان الاساس واحد، لكن هناك اختلاف، من حيث ان مصر تعاني من انهيار اقتصادي اجتماعي  كبير قديم، الشعب مارس خلاله كل اشكال الاحتجاج قبل الثورة،وبالتالي كان مهيّأ في لحظة معينة ان يتجاوب لدعوة على الانترنت للثورة، في سورية اللبرلة انتصرت متأخرة تقريباً سنة 2007 والانهيار الاقتصادي الاجتماعي بدأ بشكل سريع بعد 2007 ، لكن هذا الزمن لم يكن كافياً ليكسر حاجز الخوف عند الناس، هذا فارق مهم، إضافة لأنه -كما اشرت- وضع الجيش وبنية السلطة مختلفان،

تعقيب: إضافة للتركيبة الاجتماعية والمشكلة الطائفية في سورية

جواب: ربما ليس مهماً لو كان الوضع الاجتماعي تفاقم بشكل اعلى، فمثلاً انا كنت في لحظة اتوقع ان الذي  يقوم بالثورة هي العشوائيات المحيطة بدمشق وجزء اساسي منها علويون وهم مفقرون حقيقة، ولكن للأسف آليات النظام وخطابه الاعلامي والمعارضة الخارجية التي ساعدت النظام على إظهار الثورة على انها اسلامية أخوانية سنية آتية كي تنتقم من العلويين، السعودية ودورها فيإبراز العرعور وتعميم الخطاب الطائفي، أيضاً قطر وقناة الجزيرة كلها كانت تلعب دور في خدمة النظام، لإبقاء الفئات المفقرة العلوية خائفة من التغيير، بدل ان تكون هي جزء أساسي منه، هذه مشكلة ولهذا قلت قبل قليل أن الأخوان المسلمين يتحملون مسؤولية كبرى إضافة للقوى الاقليمية التي أصلاً لا تريد للثورة السورية أن تنتصر،

سؤال: استاذ سلامة كيلة برأيك هل كن لثورة 25 يناير في مصر أثر حاسم في انطلاق الثورة السورية، رغم أن الظرف الاقتصادي الاجتماعي في سورية لم يكن وصل الى مستوى من النضج يؤهله لتفجير ثورة ؟

الجواب: بالتأكيد ن الظرف الاقتصادي كلن ناضج لكن الاحتقان الاجتماعي لم يكن قد وصل الى لحظة كسر حاجز الخوف من سلطة كانت استبداديتها واضحة، في مصر كانت استبدادية السلطة قد تراجعت شكلاً، منذ نهاية عهد السادات حيث بدى هناك – بين قوسين- ديمقراطية، وبالتالي احزاب تشتم ليلاً نهاراً الرئيس والحكومة، اصبح هناك امكانية لإضرابات وحركات احتجاج، في سورية لم يكن كل ذلك قائماً أصلاً، حدث انهيار اقتصادي سريع، دون ان يعبّر الشعب عن أزمته، النظام كان مازال مستبد من آثار الاعتقال الطويل للمعارضة، آثار مجزرة حماه، كانت بعدها في ذهن الشعب،  لهذا كان الشعب بحاجة لوقت اطول كي ينفجر بشكل طبيعي . الآن اتت مسألة الثورات العربية تونس ومصر لكي تدفع قطاع من الشباب للتحرك، وكي تعطي الجرأة لقطاعات من الشعب للتعبير عن نفسها كما جرى في الفحامة  ودرعا

ماكسر حاجز الخوف هو رصاص السلطة، طبعاً بعكس ما ارادت، هذا من زاوية/ لكن خدم السلطة من زاوية أخرى بحيث جعل اي تحرك في المناطق الاخرى يحتاج الى جرأة اعلى كي ينفجر ولهذا كنا نلاحظ ان توسع الحراك في المناطق كان يعتمد على استشهاد اشخاص، هذا الاستشهاد هو الذي كان يكسر حاجز الخوف، اما دون استشهاد كان يبقى الحراك بسيطاً

سؤال: يرأيك ان ثورة مصر الآن ونحن نعيش ساعاتها الاولى يمكن ان يكون لها ارتدادات في تونس او في سورية او ليبيا إن كان من حيث التأثير على حركة الاخوان المسلمين او من حيث إعطاء الحراك الشعبي دفعة جديدة ؟

جواب: بالتأكيد ستؤثر على كل المنطقة، اولاً الاسلاميين انتهى دورهم كما اشرت وبالتالي الآن يجب ان تنتقل المسألة الى تونس ايضاً السودان يجب ان ينتهي البشير، الاسلاميين في سورية سيهمشون في الفترة القادمة، لك نالاهم كما اعتقد هو ان القوى الاقليمية السعودية قطر القوى الامبريالية ايضاً حاولت ان تجعل الثورة السورية هي نهاية الثورات العربية، لهذا دفعت باتجاه تصعيد العنف السلطوي ضد الشعب وتحويل الصراع الى مسلح وكأننا في حرب جماعات مسلحة، وإعطاؤه شكل طائفي، من اجل تخريب الثورة وتدميرها، ومن ضمن ذلك ارسال جبهة النصرة بالتوافق مع النظام لكي تحوّل الصراع الى شكل آخر وتخربه.

الآن تبيّن انه لا يمكن إيقاف الثورات في المنطقة العربية فالثورة في مصر أعادت فتح الطريق بشكل طبيعي للثورات في المنطقة  العربية، بالتالي نحن امام لحظة يعاد فيها فتح آفاق الثورات بعد ان وقفت امام ابواب دمشق نتيجة كل هذا التكالب الدولي والاقليمي والمعارضاتي في سورية لتخريب الثورة .

القاهرة

3 تموز 2013

فادي سعد – صحفي سوري

المصدر: صفحات سورية

حوار مع سلامة كيلة: مصر وسوريا واليسار

عن أحداث مصر الأخيرة وأبعادها في الإسلام السياسي العربي، عن سوريا وكتائبها الإسلاميّة-الجهاديّة، وعن موقف اليسار في الساحة السورية. حوار أجرته شيرين الحايك في القاهرة مع المفكر والمناضل الفلسطيني سلامة كيلة (مواليد فلسطين 1955)، الحائز على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد (1979)، والفاعل في عمل المقاومة الفلسطينية واليسار والماركسيّة العربية. اعتُقل لمدّة ثمان سنوات في حقبة حافظ الأسد، وأُعيد إعتقاله بعيد اندلاع الثورة السورية، قبل أن يُبعد عن سوريا نهائيّاً عام 2012. له العديد من المقالات في الصحف والمجلات العربية، وعدد من المؤلفات في شؤون اليسار والعرب، آخرها كتاب عن الثورة السورية «واقعها، صيرورتها وآفاقها» صدر عن دار أطلس في بيروت (2013).
عن أحداث مصر وأبعادها في العالم العربي وسوريا

1) كمراقب عن كثب، ما هو رأيك بالحاصل مؤخراً في مصر؟

من الواضح أنّ الشعوب بعد أن نهضت لم تعد تحتمل نظماً لا تحقق لها مطالبها، لهذا حينما أزاح الشعب المصري حسني مبارك كان يعتقد أنّ النظام الذي سيأتي سيحقق له مطالبه، والتي كانت واضحة خلال ثورة 25 يناير سواء بما يخص بالبطالة أو الأجور أو التعليم أو الصحة، وأيضاً الدور المدني. لكنه اكتشف أن المجلس العسكري لم يُرد ذلك. من ثمّ ساعد المجلس العسكري في إيصال الإخوان المسلمين، الذين عملوا على زيادة المشاكل عوضاً عن حلها. سواء تعلق الأمر بممارسة السياسات الاقتصادية ذاتها، مما أدى إلى زيادة الأسعار وعدم زيادة الأجور وعدم التطرق للفساد القائم، أو بالميل لفرض سلطه دينية أشعرت الناس أن عقل القرون الوسطى يعود لكي يتحكم بهم. كان من الطبيعي أن يقود هذا الأمر إلى حراك جديد للشعب المصري، وهذا ما حصل فعلاً وأدى إلى سقوط سلطة الإخوان المسلمين. طبعاً، الشعب إلى الآن لم يحقق ما يريد، ولا يبدو أنّ السلطة الجديدة، كما أظهرت إلى الآن، معنية بتحقيق مطالب الناس.

2) هل تتفق مع تسميته بالإنقلاب العسكري؟

لا أعتقد ذلك، رغم أن هناك مظاهر لذلك. لكن حتى لو عدنا إلى ثورة 25 يناير، أو ما حدث في تونس، سنلاحظ أن الشعب ثار وكسر هيبة السلطة، لكن من قام بالتغيير هو الجيش. يعني، من أزاح حسني مبارك هو المجلس العسكري ولم تزحه سلطة الشعب التي كانت في الشوارع، وبالتالي فأن يتدخل الجيش في ظلّ الأوضاع القائمة أمر طبيعي، بالتحديد نتيجة لكون الثورة ليس لها قيادة سياسية واضحة تدفع إلى أن يكون الشعب هو من يستلم السلطة دون الاعتماد على طرف ثالث. بالتأكيد كان للجيش مصلحة بالتغيير، لأن التوافق الذي كان قد تحقق بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين برعاية أميركية بعد ثورة 25 يناير كان ينص على أن يستلم الإخوان المسلمين مجلس الشعب والشورى وأن يأتي رئيس قريب من المؤسسة العسكرية.

لكن يبدو أن غرور الإخوان المسلمين وشعورهم بالقوّة بعد انتخابات مجلس الشعب والشورى، دون أن يفهموا سبب هذه القوة، دفعهم أكثر لمحاولة السيطرة على بنى الدولة، وهذا ما أخاف البيروقراطية والقيادة العسكرية، لأنها بدأت تشعر أن هناك قوة آتية للسيطرة على الدولة كبديل لها. من هذا المنظور، كان واضحاً أن القيادة العسكرية تركت مرسي بالأشهر الستة الأولى من حكمه ليقع بأخطاء متعددة، ومن ثمّ بدأت بالدفع باتجاه تغييره، فاستغلت هذا الحراك الشعبي الكبير الذي حدث لتُبعد مرسي، وبالتالي كان لها دور في التغيير بكل تأكيد. لكن ما أحاول التركيز عليه هو أنّ الرغبة الأولى التي أطاحت بالإخوان المسلمين كانت القوّة الشعبية على الأرض، والتي فاقت حتّى ما كان في ثورة 25 يناير.

3) مظاهرات 30 يونيو اعتُبرت، وفقاً للسي إن إن، أنها المظاهرات السياسيّة الأكبر حشداً في التاريخ. ما تعليقك؟ هل تخلى الشعب عن الحاضن الديني مقابل ذاك البحث عن الحاضن الاقتصادي؟

لا أعرف إذا كان هو أكبر حشد بالتاريخ، لكن بالتأكيد كان حشداً هائلاً ولم يحدث ضد حسني مبارك، حتى في اليوم الأخير، الذي شهدتُه في مصر وكان التقدير أنّ من شارك فيه كانوا تقريباً 23 مليون مصري. الحشد الذي رأيته في 30 يونيو كان بالتأكيد أضخم من ذلك.

هذا الحشد هو نتاج عنصرين باعتقادي: الأوّل هي القوة الشعبية الأساسية التي تخوض صراعاً من أجل تحقيق مطالبها؛ والعنصر الثاني هو بعض بقايا الفلول ومن شعروا أن قيادة الجيش أميل لأن تكون مع التحرّك وبالتالي اندفع للمشاركة رغم أنه لم يكن لينزل لو شعر بأن الصراع حقيقي. بالتالي هذان العنصران هما اللذان شكّلا هذه الصورة للعدد الكبير من المصريين. لكن في كل الأحوال هو حشد هائل. الجزء الأساسي منه يسعى لتحقيق مطالبه، وهو الذي استمرّ بالحراك بعد 25 يناير، حيث كان واضحاً، بالأشهر الأخيرة على وجه الخصوص، أنّ الشعب يريد تغييراً جذرياً، وهذا ما لمسته مثلاً في نهاية 2012 عندما حاصر الشعب قصر الاتحاديّة واقتحمه، وأيضاً في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، حيث كان الحشد هائلاً بوضوح وكان مؤشراً على أن الغضب يتصاعد وأن هذا الشعب نفسه سيقوم بثورة ضد محمد مرسي. هذا هو أساس الكتلة الشعبية التي تحركت في ثورة 30 يونيو.

الآن، بالتأكيد أن الشعب عندما انتخب الإخوان المسلمين لم ينتخبهم لمجرد كونهم إخواناً مسلمين، إنما لأنه أعتقد أن لديهم حلولاً لمشاكله، وأنهم من الممكن أن يكونوا صادقين ما داموا يتمسحون بالدين. ولكنه اكتشف بعد أشهر أنهم يستخدمون الدين لأسباب حزبيّة خاصّة، خصوصاً وأنه بدأ يلمس أن ما يقومون به هو استمرار أسوأ للوضع القائم أيام حسني مبارك، بشكل خاص على الصعيد الاقتصادي.

لذا أعتقد أنّ عنصراً بارزاً في فهم كلّ الثورات في المنطقة وما يجري في مصر هو أنّ مطالب الشعوب الأساسية هي مطالب اقتصادية، لأنّ الشعوب، لا تتحرك في بلداننا خصوصاً والبلدان المتخلفة عموماً، إلّا حين تشعر بأنها تعيش بين الحياة والموت نتيجة الانهيار الاقتصادي الذي يجعلها لا تستطيع العيش. هذا الوضع هو الذي يحرّك الشعوب، كما ظهر في التجارب التاريخية في بلداننا وجميع بلدان العالم، لذا من الواضح أنّ هذا الشعب سيبقى يتحرّك من أجل التغيير إلى أن يتغير النمط الاقتصادي-السياسي القائم. لهذا، لا الدين هو المحرك الأساسي، ولا قضية الحرية هي الأولويّة. بالتأكيد الحرية ضرورية، وهي تأتي في سياق فهم عمق المشكلات القائمة، وبالتالي حلّها، لأنه لا إمكانية لوجود حرية حقيقية ضمن وجود شعب مفقَر ومهمّش، وهذه قضية أساسية في ظل اقتصاد ريعي لا يستطيع أن يشغّل إلّا قسماً ضئيلاً من المجتمع ويهمّش البقية. الديمقراطية الحقيقية تفترض بناء اقتصاد منتج حقيقي. من هذا المنظور، كيف يمكن أن يتأسس اقتصاد منتج بعد أن قامت النظم الليبرالية بتدمير كل ما هو إنتاجي، من الصناعة إلى الزراعة، وبعد التركيز على الريعي في الاقتصاد، أي التركيز على خدمات السياحة والبنوك والاستيراد، وهذا قطاع هامشي أصلاً ولا يستطيع أن يستوعب إلا حوالي 20% من المجتمع ثم يهمّش الباقي. لهذا لا إمكانية لديمقراطيّة حقيقية في ظلّ هذا الفارق بين فئة قليلة تستطيع أن تعيش بشكل جيد وغالبية أخرى مهمّشة. سيبقى الشعب يتحرّك إلى أن يتغيّر النمط الاقتصادي، وفي هذا السياق نستطيع أن نطرح مشروع تغيير جذري يتعلّق ببناء دولة مدنية ديمقراطيّة.

4) هل يمكن القول بأنّ سقوط الإخوان في مصر هو مؤشر بداية سقوط نفوذهم كقوّة سياسيّة، في العالم العربي عموماً وسوريا خصوصاً؟

بالتأكيد. لأنّ اللحظة التي أصبح للإخوان المسلمين حضور رمزي انتهت مع وصولهم إلى السلطة، لأنّ قوتهم نبعت من جملة عناصر حدثت في العقود الماضية، بأساسها كان انهيار المشروع القومي وانهيار الكتلة الاشتراكيّة، وبالتالي انتكاس المدّ التحرّري التقدّمي في العقود الماضية. هذا الأمر ترك فراغاً مُلئ بالوعي الديني، نتيجة انهيار الثقافة عموماً وانهيار التعليم، وبالتالي عودة للوعي التقليدي كوعي أساسي لدى قطاعات واسعة في المجتمع. وفي إطار الدعم السعودي الخليجي الرجعي ومن قبل النظم نفسها التي حكمت بعد مرحلة التحرر القومي، أصبح للإخوان المسلمين قوّة في الشارع، ولكن ما زال جزء من هذه القوّة هو ما تبلور في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أي أنّ الإخوان المسلمين هم من يناهض النظم، فقد كان يبدو أنّ من يقاتل النظام هم الإسلاميون والجهاديون، وبالتالي فهذه القوة هي من يريد التغيير. لذا كان يبدو أنها تعبّر عن رغبات فئات أخرى مهمّشة بدأت تشعر بأنّ عليها أن تتمرّد. المستوى الثاني أنهم بعد 11 سبتمبر بدأ يبدو أنهم هم من يناهض المشروع الأميركي، وهذا أيضاً أكسبهم قدراً من الرمزية والتعاطف الاجتماعي. كذلك، ثالثاً، مستوى الصراع مع الصهيونية، حيث ظهر الإسلاميون على أنهم هم خصوم الصهيونيّة بالمنطقة، وظهرت كحركات التحرير الوطني، وأنهم بالتالي من سيحرر فلسطين.

جملة هذه العناصر كانت تطلق رمزيّة لدى الشعب عن الإسلاميين تجعلهم وكأنهم هم البديل. أضيف إلى ذلك ميول العديد من الجهات الليبراليّة-الديمقراطيّة في بلداننا، والذين بدأوا يضخمون من الميل الديمقراطي والتحديثي لدى الإخوان المسلمين، وظهروا باعتبارهم هم من سيحقق الثورة الديمقراطيّة. بالتالي حصلوا على كلّ العناصر التي تجعلهم يملأون فراغ البديل. هذا هو الوضع الذي رسم لهذه القوّة، ومع الأسف لعب الكثير من الليبراليين والديمقراطيين واليساريين دوراً في تضخيم حجم الإسلاميين في كل هذه العناصر.

الآن، وبعد أن وصلوا إلى السلطة، أصبحوا أمام مفترق: هل سيحافظون على هذه الرمزية، أو سيمارسون سياساتهم الفعلية؟ طبعاً بالنسبة لي كانت هذه الرمزية وهمية ولم تكن تعبّر عن جوهر الإسلاميين، لأنني أعتقد بأنّ الإسلاميين هم أولاً ليبراليّون على الصعيد الاقتصادي، لأنّ المنظور الفقهي الذي ينطلقون منه يعتبر التجارة هي الأساس، يعادي الصناعة، يكرّس كبار ملّاك الأرض كأساس في النمط الاقتصادي، وهذا ما ظهر عندما أيدوا حسني مبارك عام 1997 حين أصدر قانوناً بإعادة الأرض إلى الإقطاعيين. لهذا كنت أعتقد أنهم لن يحققوا تغييراً اقتصادياً. من منظور آخر، كنت أعتقد أنهم ما زالوا على تواصل مع الإمبريالية الأميركية، وأنهم جزء من هذه الشبكة الخليجية الأميركية ولن يخرجوا منها، وبالتالي صراعهم مع الدولة الصهيونية هو صراع شكلي، لأنهم في مراحل أسبق كانوا يعتبروا أنّ الصراع قائم على تحالف الإيمان ضدّ الإلحاد، وبالتالي تحالفوا مع الدولة الصهيونيّة ضدّ الشيوعية والسوفيتية.

لذا من الطبيعي أن أتوقع أنّ وصولهم إلى السلطة سيكشف الغطاء على كلّ هذا الغطاء الرمزي الذي حصلوا عليه فعلاً. أولاً، استمرت العلاقة مع الدولة الصهيونية، مع أنهم كانوا يقولون بأنهم سيُلغون اتفاق كامب ديفيد. هم كرّسوا العلاقة والاتفاق. بدا وكأن علاقتهم مع الولايات المتحدة وثيقة جدّاً، وبدأ يبدو واضحاً أنّ الولايات المتحدة هي من يدافع عن وجودهم في المنطقة. على الصعيد الاقتصادي استمرّوا بالسياسية الليبراليّة القائمة على الاستدانة دون زيادة بالأجور، دون خلق فرص عمل، بل على العكس من ذلك اتبعوا خطوات اقتصاديّة أضرّت بالشعب أكثر، وبالتالي كان واضحاً أنهم سينهارون… انهيارهم هنا كان سينعكس على كلّ المنطقة، لأنّ الرمزية السابقة تحطمت في مصر، وستتحطم بالتالي في كل المنطقة.

5) وماذا عن الأحزاب الدينية عموماً؟ هل يصحّ القول أن الشعوب الإسلامية قد استيقظت من مرحلة الأحزاب السياسية الدينية؟

الشعوب لم تغرق في هذا الموضوع. للأسف الشعوب تقاتل من أجل العيش، ووجدت في لحظة أنّ القوة السياسية الموجودة هي القوة السياسية الدينية: اليسار تهمّش، القوميّة تهمّشت، الليبراليون لم يستطيعوا من أن يصبحوا قوّة وبالتالي لم يكن من خيار سوى الإسلاميين. هذا الأمر هو الذي دفع الشعوب في تونس أو مصر لانتخاب الإسلاميين، وليس أي شيء آخر، لأن الشعوب أصلاً لا تميل إلى السياسة بالأساس، وحين تقاتل فهي تقاتل من أجل مصالحها وبالتالي تبحث عن قوة تحقق لها هذه المصالح. وفي لحظة ما، بدا وكأن الإسلاميين هم هذه القوة التي ستحقق المصالح، ولكن تبيّن فعلياً للناس بأنها ليست كذلك وبالتالي جرى تجاوزها. أعتقد أنّ نهوض الحراك الشعبي كان يقطع بالضرورة مع مجمل الدور الذي أصبح للإسلاميين في المرحلة الماضية، لأن هذا الدور قام على ركود وليس على حراك شعبي، كما قام، كما أشرت، على تضخيم دور الإسلاميين وإعطائهم رمزية هي أصلاً لليسار وليست لهم. الآن حينما يتحرّك الشعب يتحرك لتحقيق مطالب مباشرة، وفي هذه اللحظة تسقط كل قوة لا تستطيع تحقيق مطالب مباشرة للناس، لذا أصبح الحراك الشعبي بالضرورة يتجاوز كل ما تشكل في الماضي بما في ذلك الإسلاميين الذين سيصبحون في المرحلة القادمة هامشاً صغيراً لا أثر حقيقي له.
الثورة السورية

6) هل يمكن لهذا (أي أحداث مصر مؤخراً) أن يحمل أثراً في الثورة السورية؟ إن نعم، فهل يعتبر هذا الأثر سلبياً أم إيجابياً برأيك؟

بالتأكيد سيحدث أثر مهمّ في الوضع السوري. لأنه أظهر أنّ الشعوب لا تثق بالإسلاميين وأنها أسقطتهم الآن في مصر وغداً في تونس وليبيا… وبالتالي سيتكرّس الوعي المجتمعي في سوريا أن الإسلاميين ليسوا الحل أو البديل، خصوصاً أنّ ممارسات الإخوان المسلمين في سوريا خلال الثورة كانت سلبيّة وليست إيجابيّة.

فالإخوان المسلمون مارسوا خطاباً أو اتبعوا خطاباً سياسياً كان في تناقض مع الوعي الشعبي عموماً، أي جزء منه يتعلق باستدعاء التدخل الخارجي والجزء الآخر يتعلق بالميل الطائفي، خصوصاً أنّ الشعب السوري كان يعرف أنّ أيّ صراع طائفي هو لمصلحة السلطة. لهذا عندما حاولت السلطة افتعال صراع طائفي عن طريق القيام بمجازر، لم يردّ الشباب حتى المتديّن برد طائفي، لأنه يعرف أن هذه هي لعبة السلطة التي لا يريد الوقوع فيها لأنه يعرف نتائجها كما توضح له بالتجربة العراقية. لهذا كان يُنظر للإخوان المسلمين من هذا المنظور بحذر وتوجّس.

أكثر من ذلك، الممارسات التي اتُبعت من قبل الإخوان المسلمين في سوريا، كشراء الناس في الكتائب وتخزين الأسلحة بدل دعم المقاتلين بها، أوجد موقفاً سلبياً جداً من الإخوان في سوريا، أضيف إليه الموقف السلبي جدّاً من جبهة النصرة أو دولة العراق والشام التي باتت الآن في صراع مع الشعب نفسه عبر ممارسات آتية من العصور الوسطى في وضع الشعب أصبح يتجاوزه كثيراً. من هذا المنظور انتهت حظوظهم، مع العلم أنّ حظوظ الإخوان المسلمين لم تكن قويّة أصلاً نتيجة التكوين السوري، لكن الآن انتهت تماماً، وهذا ما يشعر به الإخوان المسلمون ويعتقدون بأنّ الأمور سائرة بإتجاه تهميشهم.

7) وماذا عن جبهة النصرة ودولة العراق والشام، وغيرها من التنظيمات التي تعطي الثورة طابع الثورة «إسلاميّة-جهاديّة» وتضعها على النقيض من ثورات عربية أخرى تجري حالياً في المنطقة؟

طبعاً، مع الأسف، ضعف التجربة والخبرة لدى الشعب الذي خاض الثورة في سوريا، وخصوصاً الشباب الذي مالَ إلى العمل المسلح، سمح بقبول مجموعات خطرة كمجموعات القاعدة التي سمّيت جبهة النصرة والآن دولة العراق والشام، انطلاقاً من أنّ صراعنا الأساسي هو مع النظام.

لم يجرِ النظر إلى أنّ هذه القوة بتكوينها الذاتي هي قوّة تخريب في أيّ مكان وُضعت فيه، لأنّ التكوين الذي قامت عليه ينطلق من أن أولوية الصراع تكمن في داخل الدين وليس في المستوى السياسي. بمعنى أنّ الصراع السياسي الذي يذهبون لخوضه هو صراع ضد الروافض والمارقين والملحدين وقيم المجتمع الذي يرون أنه تجاوز ما يعتقدون أنه الدين، وبالتالي معركتهم الأساسية هي أولاً ضد الطوائف والأديان الأخرى التي يعتبرونها كافرة، فبالنسبة لهم ليس على الأرض سوى إسلامهم. ومن جهة ثانية فإنّ هذا المجتمع السني هو أيضاً مارق، لأنه لا يطبّق الشريعة التي –باعتقادهم– يجب أن تطبّق.

لذلك تصبح معركتهم على مستويين: الأوّل طائفي والثاني فرض سلطة قهرية على الناس تستطيع أن تطال أيّ إنسان في أيّ لحظة من اللحظات، لأنّ قيم الإنسان العادي هي خارج إطار الشريعة التي يعتقدونها. وهكذا يصبح لبس المرأة مشكلة، وتدخين الرجل مشكلة، وحركة أي إنسان يمكن أن تكون مشكلة، ويصبح عدم الالتزام بما يعتقدون هم أنه الدين مشكلة. هذا الأمر هو الذي يجعل الهيئة الشرعية هي الحاكم الأساسي الذي يحاكم كل حركات وسكنات الناس، ويجعل الصراع في داخل البيئة التي يتواجدون بها وليس صراع هذه البيئة مع النظام، وهذا ما حدث في الشمال في الفترة الماضية في الرقة وحلب وتل أبيض والعديد من المناطق.

طبعاً هذه المشكلة ضخمت في الإعلام، وطبعاً كان هناك قصد من ذلك سواء من النظام أو من قبل الإعلام الخليجي أو العالمي لإظهار الثورة السورية كدولة إسلاميّة. وهذا مبدأ كان في أساس سياسة النظام للتعامل مع الثورة، ولكنه مع الأسف كان في أساس سياسة الإخوان المسلمين السوريين، وكذلك الدول الخليجية التي كانت تريد للثورة أن تبدو على أنها ثورة إسلاميّة، وأيضاً كان هدف الإعلام الغربي القول أن ليس هناك ثورات بل حراك ديني متخلف. لذا جرى تضخيم الإخوان المسلمين في الثورة في المرحلة الأولى، الآن انتهى هذا الدور وأصبح هناك تضخيم لدولة العراق والشام وجبهة النصرة، رغم أنّ وجود كل هذه المجموعات لا يساوي وجود مئات الآلاف من الشباب المسلّح، كثير منه متدين ولكن هذا التدين أفهم أنه تديّن شعبي قد يُستغل من قبل بعض المجموعات، وأمام الموت هناك الكثير من الشباب العلماني أصبح متديّناً أو أخذ شكل التدين الواضح، وهناك الكثير من أسماء الكتائب الإسلاميّة تحوي شباباً لا يعرف الكثير عن الدين أصلاً.

ولهذا فإنّ الشكل العام الذي يأخذ عن هذه الكتائب لا يعكس الواقع الحقيقي، الواقع الحقيقي أنّ معظم المقاتلين هم شباب بسيط لم يمتلك وعياً سياسياً في السابق، يخوض صراعاً دموياً مع النظام وأخذ هذا الشكل، ولكن شكله لا يعكس شكل فئات لديها أيديولوجيا لفرض نظام إسلامي، فحتى بعض الكتائب التي تقول أنها تطمح لدولة إسلاميّة كثير ممن يقاتلون فيها لم يكونوا يعرفون الصلاة أصلاً. وبالتالي هذا غير ذاك.

الآن جبهة النصرة ودولة العراق والشام أصبحت خطراً على الثورة، وتلعب دوراً مساعداً للسلطة في مواجهة الثورة، وهذا هو العنصر الآخر الذي يجب أن ندرسه عندما نتناول جبهة النصرة ودولة العراق والشام والقاعدة عموماً في سوريا، حيث للسلطة دور في تشكيلها وللسعودية دور في تشكيلها ولإيران دور في تشكيلها، لأنّ تنظيم القاعدة هو شكل من أشكال الميل الأصولي المتعصب القروسطي لفئات تريد أن تذهب إلى الجنة. يعني شباب بسيط يريد أن يذهب إلى الجنة بسرعة، وتحكّم مخابراتي يوظف هؤلاء الشباب في صراعات تخدم الدول والقوى التي تشاغب. الآن في سوريا إيران والنظام السوري يلعبان الدور الأكبر في تخريب المناطق التي انسحب منها النظام، في شكل من أشكال تهيئتها لعودة النظام إليها، فجبهة النصرة وتنظيم دولة العراق والشام يلعبان هذا الدور، تكفير الناس بالثورة وتكفير الناس بالدين أيضاً، ثم ليحدث ما حدث بالعراق في مواجهة الأميركان حينما سيطرت القاعدة، فقد دُفعت القوة التي كانت تقاتل الأميركان للتحالف مع الأميركان ضد القاعدة، والآن النظام يروّج لوجود مجالس صحوة كما حدث في العراق، يعني قوة كانت مع الثورة ستتحوّل للتحالف مع النظام ضد التنظيمات الأخرى. آمل أن ينتهي وضع جبهة النصرة، وأعتقد أنه يجب أن تُصفّى كما يجري الآن في منطقة درعا من خلال عدّة اشتباكات وقعت معها –مما يبدو أنه قرار في تصفيتها– لأنها عنصر تخريب وليست عنصر مساعد، هي عنصر يخدم النظام ولا يخدم الثورة.

8) مع الأخذ بعين الإعتبار موقف اليسار من الثورة السورية، والتي قد تُعتبر معادية لها، بشكل خاص من قبل شباب ثورات الربيع العربي، ما هي برأيك فرص تغيير هذا؟

مع الأسف هذا صحيح. ولكنه يدل على قصر نظر هؤلاء الشباب وخصوصاً من اليسار. الشباب العادي البسيط لم ألمس مشكلة معهُ في التعاطي مع الثورة السورية، المشكلة في قطاعات اليسار والقوميين الذين يعتبرون أولاً أن النظام السوري هو نظام معادٍ لأميركا، ويعتقدون بأنّ الصراع الأساسي في العالم هو «مع أميركا» أو «ضد أميركا»، وبالتالي يصبح تصنيف النظام السوري على أنه «ضد أميركا» ومن ثم فأيّ حراك ضده هو أميركي بالضرورة. يعني هذا التحليل الميكانيكي للمسائل يقوم به الذهن دون فهم الواقع ورؤية المشكلات على الأرض. هذا هو، للأسف، ما دفع قطاعاً كبيراً من اليسار العربي، والعالمي أيضاً، لكي يقف مع النظام ضد الثورة السورية. طبعاً هذا يؤشر على شكل سطحي جدّاً لفهم الأمور. وهو شكل قروسطي لتحليل الأمور بناءً على الموقف الصوري الذي ينطلق من مبدأ القياس ومن منظور أن هناك عدواً رئيسياً هو الأساس وكل من يختلف معه هو ثوري وحقيقي ويجب أن ندافع عنه. لذلك وقف هؤلاء مع بن لادن لأنه ضد أميركا ودافعوا عن تنظيم القاعدة طويلاً بحجّة أنها ضد أميركا ودافعوا عن الإخوان المسلمين بحجّة أنهم يريدون تحرير فلسطين ويقفون ضد أميركا… لنكتشف بأنّ كل تحليلهم عن الإخوان المسلمين والقاعدة هو تحليل سخيف وخاطئ. لكن هذا العقل ما زال يمارس الآلية نفسها بالنسبة للنظام السوري. أيضاً انطلق من أنّ الإمبريالية الأميركيّة هي العدو الرئيسي، وبالتالي النظام السوري ضدها وبالتالي ما يجري في سوريا مؤامرة.

طبعاً لعب النظام على هذا الموضوع عن طريق الإعلام الذي مارسه بالتركيز في خطابه على الأسلمة ومجموعات إرهابيّة من تنظيم القاعدة منذ اللحظة الأولى، يعني استخدم نفس الخطاب الأمريكي الذي شيطن الإسلاميين من أجل أن يغزو العالم، النظام السوري كرر هذه العملية. وكررها أيضاً باختراع جبهة النصرة كما فعل الأميركيون في العراق، وبالتالي هو التلميذ النجيب للإمبريالية الأميركية في هذه المسائل. وأيضاً ساعد على ذلك المعارضة السورية التي يجب أن تتحمّل مسؤولية الدم كما النظام، وخصوصاً الإخوان المسلمون الذين كانوا حريصين منذ اللحظة الأولى أن الثورة السورية هي ثورة إسلاميّة وأنها مجرّد استمرار لما حدث في 1982 وبالتالي هم العنصر الأساسي فيها، رغم أن وجودهم على الأرض كان هامشياً جداً. وساعدهم في ذلك الإعلام الخليجي كالجزيرة والعربية والذي كان هدفه أيضاً تشويه الثورة السورية ووضعها في سياق يخرّبها ولا يساعدها على الانتصار. وكانت الأسلمة هي أفضل عنصر لتخريبها. على سبيل المثال، كانت السعودية تدعم النظام السوري لأشهر بعد الثورة، وربما لا زالت إلى الآن. بعض التحليلات تقول بأنّ السعودية تدفع اليوم مالياً لدعم النظام السوري مثلها كمثل الإمارات والكويت، أيضاً السعودية دعمت الأسلمة وأطلقت العرعور، والذي ظهرَ ليكرّس خطاب النظام السوري بأنّ الثورة إسلاميّة وليُخيف الأقليات وخصوصاً العلويين، لأنّ العرعور هو من الوهابيين الذين كانوا يُفتون بقتل الروافض بما في ذلك العلويين. بالتالي ساعدت السعودية النظام على أن ينجح خطابه لأنها كانت تريد أن تبقي الأقليات بعيدة عن الثورة كي تفشل الثورة. لأنّ إبعاد العلويين تحديداً عن الثورة هو نقطة ضعف أساسية تبقي النظام متماسكاً وقوياً كما لاحظنا. أيضاً الدول الأخرى كانت تدعم الأسلمة من أجل فرض نظام بديل، فقطر مثلاً كانت تعمل على دعم الإخوان المسلمين عن طريق المجلس الوطني كسلطة بديلة، بما يدعم مصالحها.

كلّ ذلك كان يعطي مبرراً لهذا اليسار بأن يقول أنّ هذه الثورة إسلاميّة وتدعمها السعودية وقطر وبالتالي يدافع عن النظام السوري. وهو لا يرى نتيجة شكليته، بالنظر إلى أن ما تقوم به السعودية أو قطر شكل من أشكال تخريب الثورة، يعني دون أن يحلل خطاب قطر والسعودية ومغزاه، وحتى الدول الغربية، لكي يفهم ماذا يجري بشكل حقيقي. هذه هي المشكلة التي عانيناها مع قطاع اليسار. للأسف، القطاع الذي يمثّل معظم كتل اليسار القديم الذي أعتقد أنه مات أصلاً، لأنه ما زال يعيش بأوهام مرحلة الحرب الباردة، وأصبح هرِماً إلى حد أنه لم يعد يستطيع التفكير.

9) أخيراً، هل تعتقد بإمكانيّة بقاء الأسد على رأس السلطة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن موعد تجديد الإنتخابات الرئاسية بعد أقل من عام في سوريا؟

لا أعرف سبب الربط مع التجدد. الثورة مستمرة. لا أحد يقدّر أن تنتهي، يمكن أن تستمر سنوات. وبالتالي تجديد الاننخابات الرئاسية بأي شكل من الأشكال، رغم أن وضع سوريا لا يسمح بإجراء انتخابات أصلاً. ويمكن أن تنتهي الثورة بفترة ليست بعيدة. المشكلة تتعلّق بآليات الصراع وتطوره، الربط نتج عن الكلام عن حل سياسي عن طريق جنيف 2 وأن المطلوب هو استمرار بشار الأسد حتى 2014 ومن ثمّ ينتهي. أعتقد أنّ هذا الأمر غير عقلاني أصلاً، لأنّ الكل يعرف أنه لا إمكانيّة لوجود حل حقيقي في سوريا إلا بإنهاء سلطة بشار الأسد ومجموعته.

المسألة تتعلّق حالياً بالصراع على الأرض. بمعنى أن النظام بالأشهر الأخيرة استنفد قواه الأساسية لأنه كان يقاتل بالبنية الصلبة التي شكّلها لتكون ركيزة السلطة الأساسية، أي الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، ومن ثمّ زاد من دور المخابرات الجويّة كعنصر أساسي بعد أن بدأ يشك بالأجهزة الأمنية الأخرى، هذه القوة التي خاضت الصراع منذ اللحظة الأولى مع الشعب تكسرت على مر الزمن، خصوصاً بعد أن أصبح العمل المسلح هو العمل الأساسي في الصراع مع النظام، لهذا بدا في لحظة أنّ النظام يتهاوى. لكن المشكلة كانت بأنّ بنى الكتائب المسلحّة لم تكن على مستوى خوض صراع حاسم لإسقاط النظام، سواء لأنها لا تمتلك الخبرة أو لأنها بدأت تتبلور كمجموعات مختلفة متخالفة ولا تنسق فيما بينها، وبالتالي لها طابع مناطقي، أي كل مجموعة تدافع عن منطقتها فقط، وليس لديها أفق كيف تصل إلى إسقاط النظام، لذلك تعمل إقطاعيّة لذاتها في منطقة معينة. ولنقص السلاح أيضاً دور، خصوصاً أن الكلام عن إرسال سلاح من الخارج يبدو أنه كان وهميّاً. يعني لم يصل شيء مهم من الخارج، وبالتالي اعتمدت الكتائب المسلحة على ما تحصل عليه من النظام أو ما تحصل عليه من السوق، سوق السلاح، لكن عاد النظام فاستعاد قدراً من قواه اعتماداً على الدعم الذي قدمه حزب الله والدعم الذي قدمته إيران عبر إرسال قوى من الحرس الثوري وإرسال مجموعات من العراق من القوى الطائفية جداً المرتبطة بإيران، وقد حاول استعادة فواه عن طريق البدء بهجوم لإعادة السيطرة على بعض المناطق كما حدث في القصير والخالدية، وحاول في حمص لكن واضح أنّ ميزان القوى على الأرض عاد ليحقق توازناً مختلفاً، لأنّ الكتائب الثورية المسلحة عادت لتحقق تقدّماً على الأرض في منطقة الساحل. هذا الأمر هل سيؤدي إلى إمكانية ارتقاء العمل المسلح ليصبح هو القوة المتماسكة القادرة على وضع استراتيجيّة تغيير، أو أن هذا الصراع سيوصل القوى الدولية إلى أنه لا مجال للحل إلا بفرض حلّ على الأرض الآ،ن لأنّ استمرار الصراع سيؤثر سلباً على مصالحها. نحن الآن في هذه اللحظة.

أعتقد أنّ العديد من القوة الدولية تدفع باتجاه الوصول إلى حل، لأنها ترى أنّ الصراع يتفاقم ويمكن أن يخرج عن السيطرة، خصوصاً روسيا التي يبدو أنها راهنت، بعد أن حصلت على الدعم الأميريكي والغربي في فرض سيطرتها على سوريا، على أن تدعم النظام فيستعيد قواه وسيطرته ربما لفرض حل أقرب لأن ينتصر النظام فيه. لكن ربما أقنعها الصراع على الأرض الآن أنّ هذا غير ممكن، وأن ميزان القوة أصبح واضحاً بأنّ السلطة غير قادرة على تحقيق انتصارات مهمّة، ومن ثمّ لا إمكانيّة إلّا فرض حل لا يصب في مصلحة النظام ويقوم على إبعاد بشار الأسد وإنهاء سلطته. هذا يجري الآن في هذه الأوقات كما يبدو.

لا أعرف تماماً إلى أين سيسير المسار لكن هناك ميل لفرض حل دولي، وفي نفس الوقت إذا لم يفرض حل دولي سيستمر الصراع. وهنا يجب أن نركز على كيف يمكن أن يصبح هناك عمل مسلّح حقيقي، كتائب مسلحة حقيقية، أن ينتهي الميل إلى أن يصبح كل شخص قادراً على فرض سلطته الذاتية على منطقة محدودة، أن يصبح هناك قوة مسلحة تعرف ماذا تريد، وأن تنتهي كل هذه القوة التخريبية التي تلعب دوراً تخريبياً وإعاقياً، من دولة العراق وجبهة النصرة إلى العصابات التي دخلت باسم الثورة وشاركت، كذلك الزعران الذين يسعون نحو مصالحهم عبر النهب والسرقة وغيرها. كل هذا يجب أن ينتهي كي تتطور الثورة. وهنا يجب أن تلعب السياسة دوراً عبر إعادة بناء الفعل السياسي الداخلي في سوريا، بعيداً عن معارضة الخارج التي لم تقدم ولن تستطيع أن تقدم شيئاً.

المصدر: الجمهورية

«جبهة النصرة» تمارس مهماتها

كالعادة تنبهنا إلى خطر «جبهة النصرة» (ومن ثم دولة العراق والشام الإسلامية) بعد أن أصبح مكشوفاً واضحاً. المعارضة تلطم، ومن دافع عنها إما ساكت أو بات يدينها من دون أن يشير إلى الخطر الذي شكله ذاك الدفاع، والجريمة التي اقترفها. أما الشعب فقد بات في صراع مع مستبد آتٍ من القرون الوسطى، في مظهره وأفكاره وما يريد فرضه على شعب تحرر وتقدم، وكان يعمل على أن يعيش العصر الحديث.

تنظيم «القاعدة» كان امتداداً لـ «المجاهدين العرب» الذين أرسلوا لقتال السوفيات في أفغانستان، و «جبهة النصر» أعلنت أنها فرع له، وكانت «دولة العراق الإسلامية» فرعه العراقي. بالتالي كان من المفترض أن تقييماً قد جرى لهذا التنظيم لمعرفة ماهيته، وتحديد الأهداف التي «يقاتل» من أجلها، والأيديولوجية التي تحكمه، وبالتالي هل يفيد في الصراعات السياسية أو يضر؟ وهل أنه حين أعلن عن ذاته في سورية يخدم الثورة أو يضرها؟ خصوصاً أن تجربة دوره في العراق لم تكن بعيدة، وكان واضحاً بأنه خرّب المقاومة (وبالتالي خدم الاحتلال الأميركي). فقد افتعل صراعاً طائفياً، فرض تحوّل المقاومة إلى صراع سني – شيعي، كما فرض سلطة جلبها من أحط القرون الوسطى دفعت المقاومين ينحازون إلى عدوهم (بتشكيل مجالس الصحوة).

وإذا كان هناك بعض التخوّف من وجود بعض الأفراد من هذا التنظيم في الشمال في الفترة الثانية من الثورة، حيث بدأت أشكال من العمل المسلح، فقد كان وضع التنظيم على قائمة الإرهاب الأميركية كافياً لقبوله والترحيب به كفصيل في الثورة، مختلف نوعاً ما، وأصولي، لكنه فصيل من فصائل الثورة. طبعاً من دون التدقيق في تكوينه وأفكاره، وممارساته التي حصلت منذ وقت قريب. والمشكلة أن معظم من هلل له بعد القرار الأميركي هم الذين جهدوا لدفع أميركا (والغرب) كي تتدخل عسكرياً، ويبدو أنهم تبنوا التنظيم كـ «نكاية» فيها، ربما كان هذا العنصر يكمن في اللاوعي، لكنه كان قائماً. لكن ما جعل النكاية ممكنة هو الجهل بالتنظيم. وأكثر هو حالة العجز التي فرضت أن يقبلوا كل من يريد القدوم لـ «قتال» النظام. لقد كانوا يريدون من يسقط النظام لكي يصبحوا هم السلطة.

الآن، انكشفت الورطة، وبات التنظيم/ الدولة يفرض سلطته الاستبدادية الشمولية والقروسطية على مناطق تواجده، في الرقة وفي حلب وتل أبيض. وبات يصطدم بالأكراد ويخطف منهم كما خطف من الدروز والاسماعيليين والمسيحيين، والناشطين من كل الطوائف (بمن في ذلك الأب باولو الذي عاش في سورية طويلاً وبات جزءاً منها، ولأنه كذلك طردته السلطة منها). لقد بات يمارس الممارسات ذاتها التي مارسها في العراق، والتي حذرنا منها منذ البدء في مقال سابق (عن «جبهة النصرة» وانسانيتها). بات يعتقل ويقتل ويخطف، ويفرض قوانينه وسطوته. كل ذلك من دون اكتراث للصراع الدائر مع السلطة من أجل إسقاطها، بالضبط لأن هذه ليست معركته.

تشكل التنظيم من قيادات وكادرات كانت معتقلة لدى السلطة السورية، الذي أفرج عنها في نيسان (أبريل) 2012، أي بعد أكثر من عام من اندلاع الثورة، وبعد أن كانت استخدمت اسم «جبهة النصرة» قبل أن يوجد حين قامت بتفجير أمن الدولة في كفر سوسة، وفرع المنطقة للأمن العسكري في الجمارك (في إطار صراع الأجهزة الأمنية الذي فرض سيطرة المخابرات الجوية). ومن ثم أتى «المدد» من قوى إقليمية هدفت إلى تخريب الثورة، وكانت في ذلك على توافق كبير مع السلطة رغم الخلاف الشكلي الذي كان يحكم العلاقة بينها. ومن ثم دخلت مجموعات من تنظيم «دولة العراق الإسلامية» على الخط، وعلى رغم الخلاف الشكلي هنا أيضاً فقد أصبحت دولة العراق هي الأساس، رغم أنها على تبعية للمخابرات الإيرانية.

لماذا كل ذلك؟ لأن السلطة التي قررت في نيسان عام 2012 الانسحاب من بعض المناطق نتيجة ضعفها العسكري، قررت أن توجد القوة التي تستطيع استخدامها لإفشال كل إمكانية لتنظيم المناطق «المحررة»، وكرأس جسر من أجل السيطرة عليها مجدداً. ويبدو أن قرار السلطة بحسم الصراع فرض أن تتقدم «دولة العراق والشام الإسلامية» لكي تربك الكتائب المسلحة، وتهيئ الوضع لعودة قوات السلطة (خصوصاً أن كثير من عناصر النصرة كانوا من الشبيحة في العديد من المناطق).

الآن، دولة العراق والشام تمارس «طقوسها» من دون رادع. وحين تشتبك مع قوى كردية (بغض النظر عن تقييمنا لها) تقف الكتائب الأخرى متفرجة، رغم أن الدور سيصلها إذا ما قويت هذه أكثر.

نعود للذين طبّلوا وزمّروا، خصوصاً المعارضة التي تمارس وكأنها هي قيادة الثورة (وهنا الائتلاف)، والتي دافعت عن «جبهة النصرة»: أليس من المطلوب إصدار موقف واضح حاسم بعد كل الذي تمارسه دولة العراق هذه؟ أليس مطلوباً العمل على إنهاء وجودها قبل أن تستحكم أكثر، وتفرض سيطرة السلطة على المناطق «المحررة»؟

المطلوب، بالضرورة، هو تصفية وجود جبهة النصرة ودولة العراق، هذه خطوة حقيقية على طريق إعادة ترتيب وضع حيث يجب أن تكون «الجبهة الداخلية» مؤمنة، لكي يكون ممكناً نقل الصراع إلى «خطوط العدو».

على أمل ألا يظل تعامل المعارضة مع الثورة بالسطحية التي لمسناها هنا، وفي كثير من المواقف. أو ربما يجب أن تنهي تمثيلها الوهمي للثورة. فالثورة مستمرة بقوة الشعب، وبطولة الشباب الذي قرر خوض الصراع إلى النهاية. وأفضل له ان يبقى بلا هادي على أن يكون هاديه فاشل، ويؤشر إلى الوجهة الخطأ.

المصدر: الحياة

الوضع السوري بين جنيف 2 والحسم العسكري

5e78986e-93c8-40ed-ae52-999478ee4dcf

في أيّ سياق يسير الوضع السوري؟ هل نحو “حل سياسي” أم نحو حل عسكري؟ من الواضح أن الواقع يشير إلى أننا أمام أحد هذين الحلين، رغم أن ما يجري على الأرض يشير إلى تصاعد الفعل العسكري، لكن أيضاً مع استمرار الحديث عن الترتيب لجنيف 2.

فالتواصل الروسي الأميركي مستمر ومكثف من أجل ذلك، وبالتالي يصبح السؤال هو هل ما يجري على الأرض هو من أجل جنيف 2 أو من أجل إجهاضه؟

مع إعلان التوافق الأميركي الروسي حول سوريا ظهر وكأن الأمور تسير نحو حل سريع كان يؤمل أن يكون في مايو/أيار أو يونيو/حزيران الماضيين، لكن ذلك ارتبط كما قيل بتعديل وضع الائتلاف الوطني السوري لكي يكون قادراً على المشاركة.

وقد جرى الدفع نحو توسيع الائتلاف لخلق توازن ينهي سيطرة جماعة الإخوان عليه، وطرح دخول “كتلة ديمقراطية” بزعامة ميشيل كيلو كحل يسمح بذلك.

لكن شابت ذلك إشكاليات تمثلت في أن الإخوان مسيطرون على الائتلاف أصلا فكيف يمكن أن يقبلوا بصيغة تلغي سيطرتهم وهم يرون أن المسار السياسي يفرض تهميش دورهم، وإنهاء حلمهم في أن يصلوا السلطة في سوريا، إسوة بإخوتهم في تونس ومصر، وقبل ذلك في غزة.

لهذا جرى تعطيل توسيع الائتلاف في اجتماع مايو/أيار، وبات مصير جنيف 2 مجهولاً، الأمر الذي فرض الحديث عن يونيو/حزيران، ثم تأجيله إلى يوليو/تموز، قبل أن يرحل إلى سبتمبر/أيلول.

وخلال ذلك كان التوافق الأميركي الروسي قد حظي بدعم “أصدقاء سوريا” ومجموعة الثماني. لكن الأمور على الأرض سارت في اتجاه كان يلقي بظلال الشك على هذا المسار، ويظهر فشله إلى الحد الذي أوصل إلى أن عقد مؤتمر جنيف 2 غير وارد.

فقد بدأت السلطة هجوماً على مدينة القصير لـ”تحريرها”، ومن ثم توسّع الهجوم إلى تلكلخ، ووصل إلى حمص، وطال ريف دمشق وأطراف دمشق.

وكان واضحاً أن السلطة تريد استعادة كل هذه المناطق، وأنها تريد تغيير ميزان القوى لمصلحتها، وأنها مصممة على استعادة حلب ودير الزور وكل المناطق التي كانت قد انسحبت منها، أي باختصار حسم الصراع عسكرياً.

لماذا هذا التحول؟
حين تحقق التوافق الأميركي الروسي كان واضحاً أن ميزان القوى مختل لمصلحة الثورة، حيث بات جزء كبير من سوريا خارج سيطرة السلطة، وأصبحت قواها مهزوزة بعد الضربات التي تعرضت لها، وبعد الأعداد الكبيرة من القتلى في صفوف قواتها وشبيحتها (حسب بعض الأرقام وصل العدد إلى 40 ألف قتيل).

وبات الجزء الأكبر من الجيش خارج إمكانية الاستغلال نتيجة الاحتقان الذي تنامى لديه، والذي فرض على السلطة حصره في المعسكرات دون إجازات أو تواصل. وبالتالي قاتلت السلطة بـ”قوتها الصلبة”، المتمثلة في الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والشبيحة، وهي القوات التي منيت بخسائر فادحة، مما سمح للكتائب المسلحة بالتقدم في أكثر من منطقة حساسة، بما في ذلك في دمشق.

وكان واضحاً أن فوضى الكتائب وغياب التنسيق وقلة الخبرة، ونقص التسليح كلها أسباب منعت سقوط السلطة.

لكن يبدو أن التوافق الأميركي الروسي قد سمح للروس وللسلطة بالسعي لتغيير موازين القوى، فقد بدأ الروس بإرسال أسلحة حديثة ومتطورة، كما دعموا دخول حزب الله وإيران في الحرب التي تخوضها السلطة ضد الشعب.

ونتيجة لذلك أرسل حزب الله عشرات آلاف المقاتلين، وأرسلت إيران قوات من الحرس الثوري، ودعمت إرسال عصابات طائفية من العراق (كتيبة أبو الفضل العباس)، وهذا ما سمح بسقوط القصير وتلكلخ، وهيأ لحصار حمص والبدء بمحاولة السيطرة عليها عسكريا.في الوقت نفسه بدأت معركة استعادة أطراف دمشق الشرقية والجنوبية، والتقدم للسيطرة على الغوطة الشرقية واستعادة دوما وحرستا، مستغلة النجاح الذي تحقق في القصير خصوصاً.

كما تحرّكت جبهة النصرة (أو دولة العراق والشام الإسلامية) لفرض سيطرتها على الشمال في لحظة دقيقة، هي بالضبط لحظة هجوم السلطة للسيطرة على كل تلك المناطق.

وبدا أنها تغرق الكتائب المسلحة والشعب هناك بصراعات تشل مقدرتهم على الدعم أو التحضّر لهجوم محتمل للسلطة على هذه المناطق.

وبات الصراع هناك هو مع جبهة النصرة، سواء عبر التظاهر ضدها أو بالاشتباك المسلح معها، خصوصاً بعد أن بدأت تظهر بعض الخيوط التي تشير لرابط ما بينها وبين السلطة.

وربما تسير الأمور هنا في اتجاه تصفية هذه الجبهة التي مثلت ثورة مضادة هدفها إرباك الحراك الثوري وتشويهه، ومن ثم اتخاذها شماعة لعدم الدعم من قبل القوى الإمبريالية، التي هي من أنجبها (خصوصاً هنا أميركا).

إن تغيير ميزان القوى يفرض كما يبدو خلخلة وضع المناطق “المحررة”، وربما التمهيد لإعادة السيطرة عليها. هذا ما زاد من حجم جبهة النصرة (أو دولة العراق) في الفترة الأخيرة، ومن تحرشها بالكتائب المسلحة وبالناس.

إلى الآن لم تستطع السلطة السيطرة على أيّ من هذه المناطق، وبدا أن قواتها تستهلك كما استهلكت من قبل، وأن الدعم الإيراني وقوات حزب الله لم يستطيعا أن يغيّرا من معادلة الصراع.

على العكس من ذلك يظهر الآن أن الكتائب المسلحة تحقق تقدماً في العديد من المناطق في الشمال (حلب وما حولها)، وفي ريف دمشق، وأيضاً في بعض مناطق حوران. ورغم أن كل وعود التسليح من قبل أميركا و”أصدقاء سوريا” لم تكن صادقة كما ظهر في الواقع، فقد تراجعت كل الدول التي وعدت، والتي قالت أثناء لقاء “أصدقاء سوريا” في الدوحة إن هدف التسليح هو الحفاظ على التوازن القائم فقط.

ويبدو أنها لم تجد ضرورة لذلك، ما دامت الكتائب المسلحة قادرة على “الردع” دون دعم، وبات الهدف من تصريحاتها حول الدعم العسكري هو الضغط على السلطة لكي تذهب إلى جنيف 2 كما صرّح أكثر من مسؤول أوروبي في الفترة الأخيرة.

السلطة بطبيعة الحال ما زالت تحاول تغيير موازين القوى، وهي تزيد في عنفها من أجل ذلك، لكن هل سيقتنع الروس بأن ميزان القوى المختل لغير مصلحة السلطة هو الأساس الذي يجب أن يبنى عليه مؤتمر جنيف 2؟

سيظهر أكثر في الأيام القادمة أن أيّ محاولة لتعديل ميزان القوى العسكري لن تفعل أكثر من إطالة أمد الحرب، دون أن تحقق السلطة ما يريده الروس، وهذا ما يفرض -ربما- اهتماما روسيا وربما تسريعا للخطى من أجل عقد هذا المؤتمر.

وهل سيقبل الروس استمرار الصراع والتدمير والعنف في منطقة باتت مرتكزهم للعودة إلى “الشرق الأوسط”؟ خصوصاً هنا بعد أن حصلوا على الاعتراف الأميركي والموافقة “الغربية”. هذا يعيدنا إلى مؤتمر جنيف 2، حيث يمكن أن يعود الروس عن دعمهم السلطة في سياستها تعديل ميزان القوى.

في الطرف الآخر نجحت مسألة “توسيع الائتلاف الوطني” بعد ضغوط أميركية وتركية/فرنسية، ودور سعودي نشط، حيث أعيد تشكيل هيئاته على ضوء ذلك.

وظهر أن “التيار الديمقراطي” هو الذي سيطر ونجح مرشحوه في الوصول إلى الرئاسة وإلى الأمانة العامة، وهنا ظهر أثر السعودية واضحاً.

بالتالي بات الفريق المهيمن على الائتلاف الآن -بعد تهميش الإخوان المسلمين وإعلان دمشق- مستعداً، أولا: للتفاهم مع معارضة الداخل (هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي)، وثانياً: قابلا للذهاب إلى مؤتمر جنيف 2.

وتكون عقدة تمثيل المعارضة في المؤتمر قد سويت، وأصبح الأمر يتعلق بالزمن الذي سيعقد فيه، بعد أن كان فشل المعارضة في توحيد ذاتها ورفض القوى المسيطرة على الخارجية منها هو السبب الذي فرض تأجيل المؤتمر.

إذن، بعد التأكد من العجز عن تغيير ميزان القوى من قبل روسيا وترتيب وضع المعارضة، هل سيعقد مؤتمر جنيف 2؟

أظن أن الوضع السوري قد وصل إلى حالة من الإنهاك تفرض ذلك، كما أن الوضع الدولي بات يميل إلى الوصول إلى حل بعد كل القتل والدمار الذي حدث.

ولعل روسيا التي باتت تمسك الملف السوري من كل جوانبه، تريد انتهاء “الأزمة” لكي تتحرك شرقاً وجنوباً، أي نحو العراق ومصر، من أجل تحقيق مكاسب على ضوء ما جرى في مصر مؤخراً، والذي ربما يفتح على عودة بعد رحيل دام أربعة عقود.

المصدر: الجزيرة