Monthly Archives: فبراير 2015

رد .. نقاش مستمر عن الأساس الاقتصادي للثورات

يبدو أن كل إعادة إلى الأساس الاقتصادي للثورات يستفزّ “النخب”، خصوصاً السورية، بشكل لافت. تثير الرعب لديها، فتندفع إلى “الهجوم”. ولا شك في أن رد الأستاذ حسين عبد العزيز على مقالين لي تناولا الثورات في سورية ومصر (رداً على سلامة كيلة.. قراءة خاطئة لأسباب الثورات، العربي الجديد 8 /2 /2015) سيبدو مثالاً جيداً على ذلك، إذ تظهر حالة “إقناع الذات” بأن “السياسي، وليس الاقتصادي، هو سبب الثورات”. معمماً ذلك على “التجارب الثورية العالمية”، ومبتسراً فهم الواقع بما يتوافق مع هذه الفكرة، ومستنداً إلى من كان يفعل الأمر نفسه، أي “إقناع الذات”، بأن أساس الثورات سياسي، وملتقطاً من الواقع ما يتوافق مع فكرته، أو عارضاً الواقع في “صورة متخيلة”، ليصل إلى أن قراءتي ناقصة، أو ربما غير تاريخية، وتكرر قراءة تقليدية للماركسية، جرى تجاوزها، خصوصاً من غرامشي وألتوسير.

أبدأ بكل هذا التشوش، فأولاً غرامشي استند إلى الأساس الاقتصادي في تحليله، مركزاً على ما لم تبحث فيه الماركسية، وهو المستوى السياسي، وكتاباته تقول ذلك صراحة. وألتوسير جعل ماركس “عالم اقتصاد” فقط. بالتالي، يبدو واضحاً أن حسين لم يقرأ لا غرامشي ولا ألتوسير. ثم ثانياً، يشير إلى ثورات تونس ومصر، متجاهلاً أن الشعار الأول في الثورة التونسية كان “العمل استحقاق يا عصابة السرّاق”، وأن الشعار الثاني خصّ الأجور، ثلاثة أسابيع قبل أن يُطرح شعار الشعب يريد إسقاط النظام، وقبل أن تُطرح المطالب الديمقراطية. وفي مصر، تضمن بيان الدعوة لاعتصام 25 يناير على خمسة مطالب، ثلاثة منها تخص الاقتصاد (العمل، الحد الأدنى للأجور وإعادة الأرض إلى الفلاحين)، وحين بلور شباب الثورة في الميدان مطالبهم، كان الشعار: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. وعلى الرغم من نشاط حركة كفاية، إلا أن دورها كان هامشياً في الثورة (كانت تظاهراتها السابقة، على الرغم من أهميتها تشمل المئات فقط). وهنا نجد “عدم معرفة” بالواقع كذلك. ثم ثالثاً وضع تونس الاقتصادي لم يكن جيداً، ولا ليبيا ولا عُمان والسعودية، البلدان النفطية، بل كان الشعب مفقراً كذلك. وهنا، لا يعود الأستاذ حسين إلى الأرقام، بل يعتمد ما كان يقوله صندوق النقد الدولي عن “المعجزة التونسية” (تراجع عنه بعد الثورة). ولا شك في أن الشعارات الأولى التي أشرت إليها تواً توضّح هذا الأمر. وهنا يجري الاعتماد على شذرات متكررة في الإعلام، وليس على فهم الواقع، وإذا كان الدكتور عزمي بشارة قد أشار إلى تونس قبل سبع سنوات، فقد نشرت كراساً قبل ثماني سنوات، عنوانه “طريق الانتفاضة، لماذا تثور الطبقات الشعبية”، كتبت فيه أن البلدان العربية مقبلة على الثورة، بالضبط، لأنني كنت أتابع التحولات الاقتصادية، والتهميش والفقر والبطالة التي كانت تتعمم. والكراس موجود على شبكة الإنترنت قبل نشوب الثورات، ومطبوع سنة 2007.

ثم أخيراً، يعتمد حسين على ما قاله صموئيل هنتغتون حول بلدان أميركا اللاتينية، فقد أشار إلى أن 90% من الثورات فيها كانت قد حققت نمواً اقتصادياً، أي لم يكن الاقتصاد السبب. ولا شك في أن هنتغتون كان يراوغ من أجل تجاهل النهب الإمبريالي، فكل ثورات أميركا اللاتينية نشبت نتيجة التمايز الطبقي الصارخ الذي نتج عن نهب أميركا خصوصاً. وهو يعتمد، في إشاراته إلى التقارير الدولية التي تريد رسم صورة وردية لاقتصاد تلك البلدان. فقد كانت البرازيل معجزة اقتصادية، لكنها انهارت وأفلس شعبها، كذلك الأرجنتين، بداية ثمانينيات القرن الماضي، والبيرو وكولومبيا ونيكاراغوا وغواتيمالا وغيرها.

يا عزيزي، لكل ثورات التاريخ، إلى الآن، أساس اقتصادي، فقط ثورات البلدان الاشتراكية كان لها علاقة بالشمولية (وليس بالاستبداد فقط)، حيث كان الوضع الاقتصادي “معقولاً”. ولا شك في أن غياب الفهم العميق لواقع الشعوب يسمح بوضع الذات بديلاً، ووضع الرغبة الذاتية مكان الواقع المجتمعي. خصوصاً لدى شعوبٍ لا تعرف الفكر والثقافة والسياسة بشكل كافٍ، وبالتالي، لم تصل إليها أفكار الحداثة التي منها الحرية والديمقراطية وتداول السلطة والانتخابات.

يشير ذلك كله إلى عدم فهم، وثقافة شفوية (مع الاعتذار مسبقاً عن “فجاجة” هذا الحكم). وبالتالي، تكوين صورة لا علاقة لها بالواقع، أصلاً، وليس بمنطق التحليل فقط. حين ننتقل إلى الحالة السورية، تبدو الأمور أكثر تشوشاً، وينكشف غياب “الأدوات المعرفية”، ويظهر “الفهم المقلوب”. يقول حسين “إن ربط الثورات بالعامل الاقتصادي يخدم الأنظمة الاستبدادية، لأنه يغيب حقيقة هذه الأنظمة والدمار الذي ألحقته في بنية الدولة والمجتمع، ومحاولتها الهيمنة علة كينونة الإنسان ومستقبله”، كيف ذلك؟ طبعاً يريد أن يشير إلى الاستبداد، من دون أن يحدد ما هو الدمار الذي أحدثته النظم، وما علاقته بالثورات؟ لكن، كيف أغيب حقيقة الأنظمة؟ تحليلي واضح أنها نظم استبدادية شمولية. لكن، ليس “لوجه الله” بل لنهب المجتمع، وهدف كل الهيمنة التي تفرضها “على كينونة الإنسان” نهبه، وليس نتيجة “مرض نفسي” أو “عقدة أزلية”. هذا بالضبط ما يجعل الأساس الاقتصادي موضحاً سبب تشكل النظم بهذا التكوين الشمولي الاستبدادي. والنهب هو الذي أفضى إلى إفقار أغلبية الشعب من العمال والفلاحين والفئات الوسطى، وهمّش بعض الفئات البرجوازية. السؤال: لماذا تركز “النخب” على الاستبداد، وتتجاهل السبب الجوهري في وجوده؟

“لا ماركس ولا لينين أشار إلى أن نسبة البطالة في سورية قبيل الثورة هي 30- 33%”

في سورية، كان “سوء فهم” الوضع يجعل هذه النخب تخاف من أن تلجأ السلطة إلى زيادة الأجور فتنهي الثورة. لهذا، أصبحت تصاب بعصاب، حين الإشارة إلى الاقتصاد، لكنها كذلك تحمل حلاً ليبرالياً الذي هو حل السلطة نفسها. لهذا، لا تريد الإشارة إلى الاقتصاد لإخفاء حلها. هذا يجعلها تركز على المستوى السياسي. وفي ردي على الصديق علي العبدالله، أشرت إلى الوضع الاقتصادي السوري قبل الثورة، حيث ظهر أن نسبة غالبة تعيش حالة بطالة وفقر شديد وتهميش. لكن، لا تهم كل تلك الأرقام شخصاً يريد إقناع الذات بأن الثورة نتيجة الاستبداد، وأن الهدف هو إزالة النظام الاستبدادي فقط من دون التفات إلى الاقتصاد، أو تغيير في النمط الاقتصادي الليبرالي الريعي الذي يحكم سورية (وكل البلدان العربية، وأطراف العالم). لهذا، تصبح الإشارة إلى الوضع الاقتصادي “ترفاً فكرياً”، و”مسبقات نظرية”. مع الأسف، لا ماركس ولا لينين أشار إلى أن نسبة البطالة في سورية قبيل الثورة هي 30- 33%، ولا قال إن الحد الأدنى للأجور هو خُمس ما يجب أن يكون، لكنني أشرت إلى ذلك، ولم أعتمد على صموئيل هنتغتون.

أخيراً، يضع الأستاذ حسين عبد العزيز ربطي الحرية بالليبرالية في سياق مقلوب. لهذا، يشير إلى واقع الثورة الذي أعرفه، وتناولته كثيراً، فما كتبته أن “النخب” تربط الحرية بالليبرالية وليس الثورة، أي الشعب الذي تظاهر وما زال يقاتل. وهذا الربط ناتج عن أنها لا تختلف مع السلطة في لبرلة الاقتصاد، بل في شكل السلطة، أو في من يحكم فقط. وهذا هو جذر هجومها على كل تناول للاقتصاد.

المصدر: العربي الجديد

قصف دمشق

تعرضت دمشق، في الأيام الماضية، لوابل من صواريخ كان زهران علوش قد أعلن أنه سيطلقها. وجاء القصف عشوائياً، وطال أحياء مدنية، وأودى بحياة مواطنين. لكن هذه المفردة، أي “مواطنين”، لا تدخل في قاموس جيش الإسلام وزهران علوش، فسلفيته تقسم الأمور إلى ديار إسلام وديار حرب، والمناطق التي يسيطر عليها هي ديار الإسلام فقط، أما دمشق فهي ديار حرب، و”الشرع” يتيح قتل الأبرياء في ديار الحرب، كما يظن وفق منطقه الوهابي.
ما الهدف من قصف دمشق؟ يبرر علوش أن مناطق النظام يجب أن “تتألم”، كما تتألم “مناطقنا”. لكن دمشق “يحتلها” النظام، وهي مناطقنا، جزء من سورية التي نهضت لإسقاط النظام، وتحركت، أولاً، في 15 مارس/آذار، ويوم 16 مارس/آذار، وبعد ذلك. وحيث كانت تنسيقيات أحياء دمشق هي الأهم طوال أشهر من الثورة. ولأنها كذلك، عملت السلطة على تدميرها. وذلك كله قبل أن يصبح زهران علوش، بعد أن أطلقته السلطة لكي يحمل السلاح “ضدها”، كما قال في مقابلة معه، فالسلطة أطلقت سراحه، وهي تعرف أنه سيحمل السلاح ضدها. وبالتالي، لكي يجهض نشاط الشباب الذي بدأ الثورة، وعمل على دفعها نحو الانتصار. واعتقال رزان زيتونة وحده يكشف كل الأمر، فهي من كان فاعلاً منذ بداية الثورة، وهو من خطفها وأخفى أثرها. وربما تشير هذه الرمزية، بوضوح، إلى عملية اختطاف الثورة، والتوافق الكبير بين السلطة وجيش الإسلام وكل المجموعات الأصولية التي خرجت معه، أو بعده، من السجن.
دمشق جزء من الثورة، ومن يقصفها يقصف الثورة، وهذا أمر يكمل ما قام به جيش الإسلام، في الغوطة، وفي كل المناطق التي وصل إليها، ربما منذ سلّم العتيبة للسلطة لكي تحاصر الغوطة، ومن ثم انسحابه إلى الشمال، بعد التمركز حول دمشق، وتخزينه السلاح الذي سيطر عليه من مخازن السلطة، وتصفيته كتائب مسلحة عديدة في الغوطة وغيرها. لأي استراتيجية إقليمية يتبع زهران علوش؟ ربما يوضّح منطقه أنه لا يدافع عن شعب، ولا يحمل مشروعاً لتحقيق مطالب هذا الشعب، فكل ما يقوم به ينطلق من منظور أصولي مدمّر، يقوم على التمييز بين “المسلم” (أي الذي معنا) وفي سلطتنا، والآخر الذي هو جزء من السلطة فقط، لأنه يقيم تحت سيطرتها. داعش تعتبر أن كل المجتمع “جاهلي”، كما قال سيد قطب، ويحتاج إلى الاستتابة، وإلا فهو مرتد، وللحرب ضد المرتدين الأولوية على الحرب ضد الكفرة. والآن، نجد زهران علوش يقيم تقسيماً آخر، ينطلق مما أشرت إليه من قبل، لهذا يعتبر أن من حقه أن يقصف الشعب، فقط لأنه تحت سيطرة السلطة، والشعب هو الثورة. لهذا، فهو يقصف الثورة، بالضبط كما تفعل داعش والنصرة وغيرها.
هذا من منظور “التأصيل الفقهي”، الذي هو مرجعية كل هؤلاء في “الفهم” (أو بالضبط عدم الفهم). لكن، للأمر مرجعية أخرى، لهذا طرحت السؤال حول الاستراتيجية الإقليمية التي يتبعها زهران علوش. هل ما يقوم به جزء من ضغوط أطراف إقليمية (سعودية خليجية) للقول إن أي حل يمكن أن يتحقق بالتوافق بين أميركا وروسيا، أو أميركا وإيران، ليس ممكن التنفيذ، من دون مشاركة من هذه الأطراف؟ بالتالي، يصبح زهران علوش ممثلاً لـ”الثورة”؟
هذا ما يبدو الهدف من القصف الوحشي على دمشق، وزهران أداة إقليمية، ينفّذ ما يعزز من مساومات الدول، من دون التفات إلى أن الذي يُقتل هو الشعب السوري، الذي بات يقتل من أطراف كثيرة تدّعي أنها الثورة، أو التي تركب الثورة، كما يقتل من السلطة وداعميها، من حزب الله، إلى المليشيا الطائفية العراقية، إلى الحرس الثوري الإيراني. ليبدو أن كل هؤلاء واحد، هو ضد الشعب السوري، ويريد إجهاض ثورته.

المفكر الفلسطيني سلامة كيلة: الثورة السورية لم تنته ولكن تطحنها وحشية النظام والمجموعات الجهادية معاً

عمان – «القدس العربي»: سلامة كيلة مفكر عربي يحمل صدق المبادئ والانتماء للقضية العربية أينما حلت، رافضا الأنظمة الاستبدادية ومدافعا عن الفكر الماركسي. حصل على شهادة العلوم السياسية من جامعة بغداد وانخرط في أنشطة اليسار العربي وسجن على يد النظام السوري ثمانية أعوام قبل أن يستقر به المقام في مصر، وله العديد من المؤلفات والمقالات في الصحف والمجلات العربية. التقته «القدس العربي» وكان هذا الحوار:
■ ما رأيك في «النهضة المجهضة» وهو عنوان لأحد كتبك، وكيف تفسر أسباب فشل النهضة في التاريخ العربي المعاصر؟
□ المحاولة الأولى التي بدأت مع محمد علي باشا في مصر وامتدت إلى بلاد الشام في سياق بناء «إمبراطورية عربية»، قائمة على بناء الصناعة والحداثة، أُجهضت بفعل التدخل الرأسمالي الغربي، حيث عمل محمد علي باشا على تحقيق التطور بالتوازي مع تطور فرنسا وبالتعاون معها قبل ألمانيا بخمسين سنة، وقبل اليابان بسبعين سنة. لكن بريطانيا التي كانت قد دخلت عصر الصناعة صممت على منع تصنيع مصر، لهذا حشدت الدول الغربية دعماً للدولة العثمانية المتهالكة لهزيمة محمد علي، ونجحت في ذلك سنة 1840 حيث فرضت عليه التقوقع في حدود مصر الحالية والتزام عدم تصنيع مصر كما ورد في اتفاق الاستسلام.
بعد ذلك بدأ احتلال البلدان العربية، والسيطرة على مسار تطورها الاقتصادي، حيث كانت الرأسمالية تريد المواد الأولية (القطن، الحرير، وأيضاً القمح)، والأسواق لتصريف سلعها. لهذا حاربت كل محاولة لبناء الصناعة وتحقيق الحداثة، على العكس عملت على تكريس البنى التقليدية والوعي التقليدي، وقامت بتغييرات تخدم سيطرتها ونهبها فقط.
ولا شك في أن نهاية القرن التاسع عشر شهدت انتشار أحلام التطور والحداثة، وطرحت مشاريع كثيرة، كما نشأت حركات تدعو إلى ذلك، وكانت كلها تقوم على تحقيق المثال الرأسمالي الذي انتصر في أوروبا. وإذا كانت هذه المشاريع تواجه من قبل الرأسمالية الأوروبية (عبر دعمها قوى «أصولية» وفكرا تقليديا، أو بالمواجهة المباشرة)، فإن أمر الفشل هذه المرة تعلّق بغياب الحامل الاجتماعي لتلك المشاريع، حيث كانت الفئات التي تستحوذ على المال (كبار ملاّك الأرض والتجار) تميل إلى توظيفها في التجارة والبنوك والخدمات، وليس في الصناعة كما حدث في أوروبا.
جاءت المحاولة الأخيرة في القرن العشرين من طرف الجيش، المغطى بتيار قومي «اشتراكي»، ولقد عبّر بالأخص عن الفلاحين الذين كانوا يعيشون الوضع الأسوأ في مجتمعات كانت ريفية عموماً، وإذا كانت الشعارات العامة تحمل حلم التطور، فقد كان ذلك يعني تحقيق تغيير مجتمعي ينهي البنى التقليدية، ويؤسس لمرحلة جديدة، لكن منطق «الريفي» يقوم على تحقيق ما هو مباشر وخاص، من دون التفات كبير لما هو مجتمعي.
في كل ذلك، فيما عدا التجربة الأولى، نلمس بأن كل محاولات التطور الرأسمالي باءت بالفشل، حتى تلك التي استفادت من التجربة الاشتراكية، من خلال التخطيط وتحكم الدولة بالتطور الاقتصادي، ونتيجة ذلك لم تنتصر قيم الحداثة، واستمرت البنى التقليدية، واستمر الوعي التقليدي.
■ وماذا عن مستقبل الثورات التي انخرطت فيها بعض الدول العربية بظهور الثورات المضادة لها؟
□ هو صراع طبقي يجري في شكل جديد. فإذا كان الصراع كامناً سابقاً، أو عبّر عن ذاته في أشكال متعددة من الاحتجاج، بات الآن صراعاً مفتوحاً. الشعب اندفع لتحقيق مطالبه، التي هي في جوهرها اقتصادية، مع مطالب نخب بالحرية والديمقراطية في دولة مدنية. ولقد سيطر على الشارع، لكن غياب البديل، سواء كأحزاب أو كرؤى وبرامج، جعل الطبقة المسيطرة تحاول المراوغة لكي تستمرّ.
السلطة تدافع عن مصالح رأسمالية مافياوية، وتريد تكريس النمط الاقتصادي الريعي القائم، وتكريس النهب الاقتصادي لمصلحة الطبقة الرأسمالية. وكذلك تريد استمرار شكل السلطة الديكتاتوري القمعي، وإعطاء شيء من «الحريات» الشكلية. والشعب لم يعد يستطيع الاستمرار في الوضعية التي بات فيها، من بطالة عالية (خصوصاً بين الشباب)، وأجور متدنية جداً، مع انهيار نظام التعليم والصحة، والفشل في الحصول على مسكن. ولهذا فقد تمرّد وكسر حاجز الخوف التاريخي، والحرص على تحاشي السلطة، بالضبط لأنه لم يعد يستطيع العيش، من دون «وعي سياسي»، أو تصوّر بديل، لأنه يعرف أن المطلوب هو أن توجد الظروف التي تسمح له بالعيش، العيش فقط. وتحديد هذه الظروف عبر بديل هو من مهمة الأحزاب، والنخب التي تنشط في مجال الفكر والسياسة. لكن ظهر واضحاً أن الأحزاب والنخب لا تحمل بديلاً مجتمعياً، بل طرحت «بديلها» الذي يتمثّل في «الحرية» و»الديمقراطية» في ظل الوضعية الاقتصادية القائمة، كما أنها لم تعرف كيف تدفع الشعب الثوري لكي يفرض التغيير الحقيقي عبر السيطرة على الدولة، بل ظلت تراهن على الدولة ذاتها.
هذا الأمر سمح للسلطة بالمناورة، أو بإنجاح سياستها تجاه الثورة، فلم يتحقق شيء مهم إلى الآن، بل ظل الوضع كما هو وظلت المطالب الشعبية كما كانت.
■ تعيش الماركسية اليوم أزمة عالمية وواقعا صعبا في الوطن العربي من حيث التنظير والأحزاب، فكيف ترى هذا المشهد؟
□ بالتأكيد الماركسية في أزمة في كل العالم، والأحزاب التي تدعي الاسترشاد بها هامشية وكثير منها يتلاشى بعد أن ظهر ارتباط وجوده بوجود الاتحاد السوفييتي، حيث ظهر أن الإنتاج النظري الماركسي كان ضعيفاً، وفي الغالب كان تكرارا نصيّا، أو تمحور حول الصراع ضد الإمبريالية أو السوفييت، ولم يلمس جيدأ الواقع العالمي في تحولاته، لهذا حين بدأ التشكيل العالمي الذي نشأ منذ النصف الأول من القرن العشرين يتفكك بانهيار الاتحاد السوفييتي، ومن ثم الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008، تاهت كل هذه الأحزاب.
تمثلت الأزمة في العجز عن تمثُّل الماركسية كونها منهجية، وتحديد موقع الماركسية فيه بصفتها ترتبط بالعمال والفلاحين الفقراء. ولقد أظهرت الثورات أن كل الأحزاب التي تقول إنها ماركسية باتت من الماضي، حيث تجاوزتها عفوية الشعب، وظهر عدم فهمها لما يجري، فقد تحدث بعضها عن الثورة كثيراً، لكنه حين حدثت الثورة اعتبر أنها ليست الثورة التي قال بها، وبالتالي أنها ليست ثورة. ولا زالت غير قادرة على تحديد دورها الفعلي في الثورة، بل أن كثيرا منها بات يدعم الطبقة المسيطرة ضد الثورة.
■ في ما يخص الثورة السورية، كيف تقيّمها؟ واين توقفت؟
□ الثورة لم تتوقف، ولم تنته، لكن بات يطحنها ليس عنف ووحشية السلطة فقط، بل كذلك المجموعات الأصولية «الجهادية» التي اشتغلت دول عديدة على إدخالها في المشهد، وأيضاً تفتت الكتائب المسلحة والعبء السيئ للمعارضة. فقد مارست السلطة، ولا زالت، أقصى الوحشية ضد الثورة، فهي تقتل وتدمر بشكل واسع وممنهج، وتعتقل خيرة الشباب، ليقتل كثير منهم في السجون. ولقد ساعدت على نشوء المجموعات المتطرفة كلها بعد أن أخرجتهم من السجون ليعيثوا فساداً في الثورة، ويمارسوا كل أشكال القمع والقتل والاعتقال في المناطق التي انسحبت السلطة منها، أو التي تسمى مناطق محررة. فبات الشعب يقاتل على أكثر من جبهة، في الوقت ذاته، ولقد دعمت دول إقليمية مثل السعودية هؤلاء «المجاهدين»، وأمدتهم بالمال وساعدتهم على الحصول على السلاح. وظهر ان الدول الإقليمية إما تدعم السلطة وتدافع عن وجودها، حتى أن إيران وميليشياتها في المنطقة (من حزب الله إلى فيلق بدر وعصائب أهل الحق وغيرها، التي هي لا تختلف عن داعش والنصرة من حيث التعصب الطائفي) هي التي سمحت بعدم سقوط السلطة منذ سنتين. وأيضاً عملت روسيا بكل جهدها لعدم سقوط السلطة. وهو الأمر الذي يوضح بأن الثورة السورية تواجه ليس السلطة، بل كذلك كل قوة إيران وروسيا.
في المقابل نجد أن «أصدقاء الشعب السوري»، إما يدعمون تفكيك الثورة وأسلمتها والسيطرة عليها، أو يقولون انهم يدعمون ولكن لا يبالون بكل المجازر التي يقوم بها النظام، حتى تلك التي توضع تحت بند جرائم حرب أو حتى إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. وهي كما يبدو تريد تحويل الأمر إلى مجزرة تدمر سورية، وتنهك الشعب، وكذلك تعطي المثل على أن الشعب الذي يثور سوف يكون مصيره كما جرى ويجري في سورية. وبالتالي نجد أن الثورة تواجه كذلك كل الوضع الإقليمي الذي يرتعب من الثورات، والوضع الدولي الذي يتلمس أن المرحلة المقبلة عالمياً هي مرحلة ثورات كبيرة في كثير من بلدان العالم.
ما هو الأفق؟ الصراع سيستمر، والثورة لن تتوقف، لكن ربما تصل الدول الإقليمية والعالمية المتحكمة بالسلطة إلى ضرورة تحقيق حل سياسي. وهذا يعني موافقتها على إبعاد الرئيس بشار الأسد ومجموعته، وفتح أفق لمرحلة انتقالية تعيد بناء الدولة، أو سيستمر الصراع وتزيد التدخلات من قبل أمريكا والسعودية، ويتصاعد دور «الجهاديين»، الذين يُستخدمون لمصلحة تدمير الثورة، والمجتمع، من قبل أمريكا والسعودية، ولكن أيضاً السلطة ذاتها وإيران وروسيا وغيرها، فهي مجموعات مخترقة من أجهزة أمنية متعددة، وإنْ كانت تنحكم في الأخير للسيطرة الأمريكية صانعتها منذ تدريب «المجاهدين الأفغان».
■ كيف ترى مستقبل «داعش»، وما رأيك في ما يحدث هناك؟
□ مستقبل «داعش» مرتبط بسياسات الدول المشغّلة لها، وبالتالي بتحقيقها الأهداف التي عملت من أجلها عبر إطلاق «داعش» بهذا الشكل «المذهل»، بالضبط كما فعلت مع تنظيم «القاعدة». إيران والمالكي استخدما تنظيم «دولة العراق الإسلامية» ضد الحراك الشعبي، وفي سورية استخدمت إيران والنظام «داعش» للقضاء على الثورة (كما استخدمت السلطة جبهة النصرة كذلك). لكن «داعش» الآن يلعب دوراً في سياق السياسة الأمريكية التي تريد أن تفرض أمراً واقعاً جديداً في العراق، يتمثل في تغيير مركز السيطرة في السلطة لمصلحتها بعد أن سيطرت إيران بشكل كامل قبيل وبعد الانسحاب الأمريكي، ثم أنها تريد إعادة تموضع جزء من جيشها في القواعد التي بنتها في العراق بعد أن تحصل على حصانة كما فعلت في أفغانستان.
لقد ضخّمت أمريكا من قوة «داعش»، ودعمته بأشكال مختلفة لتحقيق ذلك، وسيتراجع دوره في العراق بعد أن تحقق أمريكا أهدافها. أما في سورية فالأمر متعلق بالتفاوض مع إيران (الذي هو أوسع من سورية، حيث يشمل العراق، ويشمل تحقيق تفاهم مشترك)، وما يمكن أن ينتج عنه، لينتهي حينها وجود «داعش» بالضبط كما حدث مع تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، حيث اختفت بعد ان احتلت أمريكا البلد.
«داعش» إذن، هو «بعبع» يستغلّ لأهداف سياسية، وينتهي دوره حين تحقيق تلك الأهداف.
■ هل تعتقد أن الإعلام خذل الربيع العربي؟
□ الإعلام العربي عموماً ليس فقط خذل الثورات، بل كان في الغالب جزءاً من إستراتيجية النظم لتشويه الثورات، حيث أنه إما تابع لهذه النظم، أو ملك لرجال أعمال، وفي الحالين كان ضد الثورة، وفي الثورة السورية ظهر ذلك واضحاً، حيث ركّز على أسلمتها، أو على تعميم أن ما يجري حرب أهلية، أو تشويه الحقائق.
ربما فتحت قنوات التواصل الاجتماعي، والنت عموماً، على صيغة أخرى سمحت بنشر الفكر المضاد، لكن يبقى الضخ الإعلامي، سواء عبر الصحف أو القنوات الفضائية كثيرة العدد، عنصر تشويه وتشويش، خصوصاً لدى الفئات الاجتماعية التي لا تقرأ أو تتابع الفكر والثقافة.
■ كيف تجد الحركة الفكرية العربية اليوم؟ ومن من هم أبرز المفكرين العرب الذين تركوا إرثا عظيما؟
□ الوضع بائس مع الأسف، حيث تراجع الفكر كثيراً، خصوصاً مع تحولات عديد من المفكرين، وتعميم الأصولية، وأصلاً مع الانهيار الكبير الذي شهده التعليم، وسيطرة النظم على الثقافة والإعلام، وتجييرها لتبرير سياساتها ومنطقها.
هناك عديد من المفكرين هم في الواقع من بقايا المرحلة السابقة، وربما تكون الثورات مدخلاً لتحريك الفكر وإعادة الفعل الفكري، ما يمكن قوله هنا هو أن الفكر النقدي ظل غائباً طيلة العقود السابقة، سوى بعض الحالات، حيث اتسم الفكر بدوغما لا زالت تحكمه، نتيجة التشبث بمنظومات «جاهزة»، لكن الأمر أسوأ الآن.
■ في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الوطن العربي من مآس وحروب وإرهاب، تراجع المشهد الثقافي بشكل كبير في العام الماضي، برأيك ألم يحن الوقت لتكون الثقافة جزءا فاعلا من هذه الأحداث ومؤثرا فيها؟
□ لا شك في ذلك، فقد أفضت الأزمة السابقة إلى حالة من الجمود وهجرة الثقافة، أو الميل نحو التدين، ربما تفتح الثورات أفقاً جديداً. فقد تفاقم الصراع الطبقي، وانفجر في ثورات، كما أشرت لم تجد التعبير الفكري والثقافي عنها، لكن هذه الهزّة الكبيرة فتحت بالضرورة على تلمّس ضرورة الفكر والثقافة، لهذا سنشهد تحولاً كبيراً في الفترة القادمة، سوف ينهض البحث الفكري، ويتوسع النتاج الأدبي، وسنكتشف مواهب مذهلة. لقد هزّت الثورة الأعماق، وحررت المكبوت، وأوضحت أنه بدون وعي ورؤى وبدائل ليس من تقدّم، وهو الأمر الذي دفع الشباب، أو قطاعا مهما منهم، إلى البحث عن الفكر والثقافة، للإجابة على سؤال: ما العمل؟.

آية الخوالدة

المصدر: القدس العربي

عن اليونان وانتصار اليسار

انتصر حزب سيريزا في الانتخابات اليونانية، وبات يحكم. الحزب جديد، تشكّل على ضوء الأزمة الطاحنة التي تعيشها اليونان، وأدت سنة 2010، أي قبل الثورات العربية، إلى حراك كبير، وثورة عارمة لم تكن سوى احتجاج على الأزمة الاقتصادية في البلد، والتي أدت إلى إفقار كبير وبطالة عالية. وإذا كانت الأزمة تتمثل في حالة الإفقار هذه، فإن الدولة كانت تعيش أزمة، نتيجة تراكم المديونية بما تجاوز مجمل الدخل القومي، حيث باتت عاجزة عن سداد فوائد هذه الديون، وأصبحت مهددة بالإفلاس.
بالتالي، أصبحت اليونان تعاني من أزمتين، أزمة مجتمعية تتعلق بالبطالة والفقر وانهيار الفئات الوسطى، وأزمة الدولة التي لم تعد تستطيع سداد ديونها. لكن، بدل أن تولى الشعب الأولوية، فيجري تجاوز حالة البطالة والفقر، اهتمت البورجوازية اليونانية، ودول الاتحاد الأوروبي، بمديونية الدولة، حيث كان واضحاً أن إفلاس اليونان سوف يقود إلى انهيار بنوك أساسية في فرنسا وألمانيا، البلدين اللذين يحظيان بالنسبة الأعلى من ديون اليونان. لهذا، هرع صندوق النقد الدولي، وكل من ألمانيا وفرنسا، إلى تقديم قروض جديدة، لتستطيع الدولة اليونانية سداد الفوائد المستحقة. لكن، أيضاً فرضت سياسة تقشفية شديدة الصرامة مقابل ذلك، ما كان يعني مزيداً من البطالة والإفقار، أي مراكمة الأزمة المجتمعية. وهو ما كان يشير إلى سياسة الطغم المالية التي تعمل على مراكمة ثروتها ومركزتها بشكل أشدّ، من دون حساب لعواقب ذلك على الشعوب. وسارت البورجوازية اليونانية في المسار نفسه، فهي، أصلاً، من راكم الديون على الدولة، في سياق مراكمة ثروتها هي، وهي معنيّة بأن تزيد من المراكمة من دون اعتبار للشعب.
كانت السياسة التقشفية التي جرى اتباعها ستقود، حتماً، إلى انهيار الحكومة التي تمثّل الرأسمالية، في بلد أفضى انهيار وضع الشعب إلى حراك كبير أصلاً. ثم كان الحراك وتفاقم الأزمة يدفعان نحو تشكيل “يسار جديد”، بعد أن فشل اليسار السابق عن متابعة الأحداث، وظهر متخلفاً عنها، فلم يستطع أن يطرح ما يوازي الأزمة، وما يستجيب لمطالب الشعب. في هذا السياق، تشكّل حزب سيريزا لتوحيد مجموعات ماركسية ويسارية عديدة، ولأجيال شبابية، تميل نحو اليسار، معبّراً عن رفض الوضع المزري الذي يعيشه الشعب، ورفض السياسة التقشفية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان. ربما هذه هي حدود التوافق بين كل تلك المجموعات، مع غموض الرؤية في ما يتعلق بالبديل الضروري في هذا الوقت. فلا المجموعات الماركسية طرحت بديلاً واضحاً، ولا الشباب وصل إلى مرحلة بلورة البديل نتيجة “نقص الوعي” الماركسي. وهذه حالة أحزاب تشكلت في إسبانيا وإيطاليا، وربما تتشكل في بلدان أخرى. حيث يظهر رفض ما هو قائم، من دون وضوح ما يجب طرحه بديلاً.
يجعل هذا الأمر التساؤل حول ما يمكن أن يفعله حزب سيريزا، بعد أن وصل إلى السلطة، هل يستطيع إلغاء الديون التي نهبتها الرأسمالية اليونانية، وأفادت الطغم المالية العالمية؟ أو هل سيغيّر الطابع الرأسمالي للاقتصاد لمصلحة اقتصاد اشتراكي؟ وأصلاً، هل تتوافق مجمل أطراف الحزب على ذلك؟ أسئلة لا بد من الإجابة عليها، وربما يقود عدم الإجابة إلى فشل الحزب في السلطة. وبالتالي، تفككه وانهياره. لقد بُني الحزب عبر رفض سياسات، وبالتالي، ربما يقوم بتغييرها. لكن، هل يمتلك الرؤية التي تؤهله لأن يؤسس اقتصاداً جديداً، يحلّ المشكلات المجتمعية ويطوّر الاقتصاد؟
هذا هو التحدي. لكن، ليس تجاوز الرأسمالية مطروحاً على برنامج الحزب. لهذا، سوف يدخل في أزمة، لأن حل مشكلات اليونان لا تتحقق إلا عبر ذلك، فالبقاء في النمط الرأسمالي يعني استمرار المشكلات وتصاعد الأزمة المجتمعية.
ربما هذه مرحلة أولى من تبلور ماركسية جديدة، تتسم بالضعف النظري، وتحمل بعض الأوهام الرأسمالية.