Monthly Archives: أبريل 2013

الثورة والدولة من منظور الثورات العربية

6f2a458b-e290-4526-b2f2-d5fa20e06b2b

الثورات في البلدان العربية طرحت مسألة الدولة على بساط البحث، خصوصاً وأن البرجوازيين الصغار “الاشتراكيين سابقاً” كانوا قد ساروا في سياق ليبرالي يؤكد على “الانتقال السلمي الديمقراطي والآمن”، وانتقلوا إلى مصاف الإصلاحيين الذين يعتبرون أن الثورة هي شرّ، وأنها من مخلفات “ماركسية”، و”ستالينية”، و”تروتسكية” متحجرة وعنفية.

لكن تجربة الثورات في تونس ومصر، من جهة، وليبيا وسوريا من جهة أخرى، يمكن أن تلقي الضوء على هذه المسألة، رغم أن هؤلاء حاولوا أن يوظفوها في سياق ليبرالي ديمقراطي. فلم يُظهروا أنهم ضد الوضع الذي ألقى بالطبقات الشعبية في الفقر والبطالة والتهميش (أي النمط الاقتصادي الليبرالي) بل أكدوا على رفض الاستبداد والدكتاتورية وكأنهما ليسا نتيجة حاجة الرأسمالية التي لا تستطيع أن تعمم كل هذا الفقر والتهميش دون دكتاتورية واستبداد.

وعملوا على تحويل الثورة من ثورة شعبية من أجل تهديم النمط الاقتصادي القائم وبناء نمط اقتصادي يحل مشكلاتها، ويجعلها تعيش حياة كريمة، إلى ثورة من أجل تغيير شكل السلطة، أو أفراد فيها.

لكن الدولة التي هي سلطة طبقة رأسمالية مسيطرة تأبى التغيير، ولا تسمح بتغيير النمط الاقتصادي المهيمن. لهذا استنفرت قواها للدفاع عما هو قائم. في تونس ومصر تحرّك الجيش (الذي هو أداة القمع بيد السلطة) لكي يمنع انتصار الثورة من خلال محاولة الالتفاف عليها. لهذا قام بانقلاب تحت اسم “تنحي الرئيس” وتبنى مطالبها، وأشرف على مرحلة انتقالية كان هدفها إعادة إنتاج السلطة الطبقية ذاتها، لكن من خلال “واجهات جديدة”، هي أحزاب ليبرالية وبعضها أصولي هو الذي ظهر أنه يحكم، اعتماداً على دور “معارض” كان له ضد “النظام القديم”. وهذا هو الذي أصبح “السلطة” شكلاً.

“المرحلة الانتقالية” كانت الطريق لإعادة إنتاج السلطة إذن. فقد أسرع “الانقلابيون” في تحقيق انتخابات، ووفق ظروف لم تكن قد اختلفت عما كانت عليه زمن “التزوير” واللعب من قبل بيروقراطية السلطة، هذه البيروقراطية التي لم تتغيّر إطلاقاً. من أجل أن تفضي إلى إنجاح أحزاب معروفة مسبقاً، هي جزء من الطبقة الرأسمالية المسيطرة لكن الصراعات داخل الطبقة فرض تهميشها (الأحزاب الأصولية والليبرالية)، أو من البرجوازية الصغيرة الموهومة بتطور ديمقراطي. كانت تبدو في العقود الأخيرة كمعارض لـ”النظام القديم”، بالضبط نتيجة التمركز المالي الذي فرضته الفئة الحاكمة من الطبقة، أو نتيجة التمركز السياسي الذي فرض كمتمم لذلك.

بالتالي ظلت بنية الدولة كما هي دون تغيير في السياسات والتكوين، وبالتالي ظلت الخادم الأمين للرأسمالية ذاتها. هذا ما عملت قيادة الجيش على التمسك به، من أجل أن تعيد عبره إنتاج السلطة الطبقية ذاتها في شكل سياسي جديد.

وبهذا يمكن القول بأن فئات الرأسمالية تحاول أن تتوحد من أجل “هزيمة” الثورة، وتكريس النظام القديم ذاته. وإذا كان ليس مؤكداً أن تصل إلى ذلك، لا أن تتوحد ولا أن تعيد إنتاج النظام القديم، فقد أصبحت هي هدف الشعب الذي ما زال ينهض من أجل التغيير. ما زال في الشوارع يقاتل من أجل انتصار الثورة.

هنا نجد أن تغيير الأشخاص أو شكل السلطة لم يغيّر من جوهرها كسلطة طبقية، سلطة طبقة تستخدم الدولة كواجهة لتمرير مصالحها. ولهذا حين تمرّد الشعب ضدها ناورت من أجل أن تبقى مسيطرة. وتبين أن الأشخاص لم يكونوا السلطة رغم فظاظة دكتاتوريتهم وسلطتهم الفردية المطلقة.

وأنه في لحظة تهديد السلطة جرى التخلي عنهم من أجل استمرار تسيّد مصلحة الطبقة المسيطرة. إن لحظة اهتزاز السلطة نتيجة ثورة الشعب هي اللحظة التي أظهرت ضرورة التخلي عن الدكتاتور، ولقد تحقق ذلك بسلاسة، وليظهر أنه دون سلطة.

الدولة هنا تدافع عن “وجودها” عبر تغيير الأشكال، وتمتلك المرونة لتحقيق ذلك، لأن الجيش مؤسسة “مستقلة” عن السلطة، وبالتالي كانت في لحظة الثورة قادرة على أن تقوم بـ”انقلابها” لمصلحة طرد الدكتاتور، لكن من أجل الحفاظ على دكتاتورية الطبقة الرأسمالية المسيطرة.

في اليمن لم يستطع الجيش القيام بعملية الالتفاف هذه رغم أنه انشق، وظلت السلطة تقاوم السقوط أمام إصرار الثورة على التغيير، لكن دون أن تكون قادرة على تحقيق ذلك.

ما حدث هو “تدخل خارجي” لإقناع الرئيس بالرحيل وفق اتفاق لم يغيّر شيئاً في بنية السلطة، وإن كانت المعارضة قد وافقت على تمرير ذلك من خلال المشاركة في السلطة. وبالتالي ظهر أن الجيش ليس مؤسسة “مستقلة” بل مهيمن عليها أمنياً، ومن خلال تشكيل قوة موالية متماسكة يقودها أبناء وأخوة الرئيس.

لهذا نلمس تداخل “الطبقة” (التي هي رجال أعمال من العائلة الحاكمة) والسلطة، وتشكيل أجهزة الدولة العسكرية والأمنية في صيغة لا تسمح لها بالتحرر من هذه السيطرة. ورغم قوة الثورة وشمولها، وانشقاق الجيش لم يستطع “النضال السلمي” تغيير الوضع، فقط عبر تدخل السعودية وأميركا تحقق رحيل الرئيس عن أن يفقد السيطرة على الدولة، أو يحاسب على نهب وقتل طويلين مارسهما. وبالتالي فإن ما يجري هو ترقيع واقع سلطة دون تحقيق تغيير ضروري.

في ليبيا استخدمت السلطة كل عنفها الوحشي، الأمر الذي حوّل الانتفاضة إلى حرب مسلحة، وفرض التدخل المباشر لحلف الناتو. لتفرض سلطة “جديدة” هي تهجين من السلطة القديمة التي انشقت عن العقيد القذافي، وأصوليين جهاديين قاتلوا في أفغانستان، والإخوان المسلمين، وبعض الليبراليين.

وبالتالي أعيد إنتاج السلطة كسلطة ليبرالية أصولية وتابعة. رغم أن الواقع الثوري يدفع باتجاه تهميش كل هؤلاء. فقد حصد الليبراليون النسبة الأعلى من المقاعد في المجلس الوطني، وتشتت الأصوليون. كما أن الثوار ما زالوا يقاتلون ضد هؤلاء وضد الأصوليين والسلفيين المسلحين. الأمر الذي يفرض القول إن الدولة باتت هشة في ليبيا، وإن قوة الحراك الشعبي سوف تبقيها كذلك إلى أن يتحقق تغيير شعبي.

أما في سوريا فما زالت الثورة مستمرة، ولقد تطور الصراع بعد توسع الانتفاضة لكي يقف على حافة الصراع المسلح. السلطة هنا لم تتفكك بعد، وما زالت الفئة الماسكة بها، وهي الرأسمالية المافياوية (أو التحالف الأمني المالي)، مصرّة على الصراع إلى النهاية. ليس لديها ما تربحه إذا ما تنازلت، ولهذا تريد الحرب إلى النهاية. وأمام قوة الشعب انتقلت إلى استخدام العنف العاري، إلى الحرب من أجل احتلال المدن والبلدات التي خرجت عن سيطرتها بفعل الحراك الشعبي الكبير.

السلطة هنا تدافع حتى آخر رمق عن وجودها، وهي بذلك تدافع إلى النهاية عن مصالح الرأسمالية المافياوية التي تمثلها، والتي صرّح بها أهم رمز فيها، ومحورها: رامي مخلوف. السلطة هنا تقوم بما قرره رامي مخلوف للدفاع إلى النهاية عن مصالحه. وبالتالي تظهر بكل بهائها كمدافع عن رأسمالية النهب والفساد والمافيا، ومن أجل استمرارها مسيطرة.
هذا الذي جرى ويجري في الثورات يجب أن يفرض إعادة طرح مسألة الدولة على بساط البحث. أو يجب طرح مسألتي الثورة والدولة على بساط البحث. فقد طرحت الثورات ذاتها مسألة البحث فيهما معاً. وخصوصاً هنا مسألة الربط بين السلطة والطبقة المسيطرة، التي تكون هي السلطة، وتدافع إلى النهاية عن سيطرتها، سواء من خلال محاولة الالتفاف لتجاوز الثورة، أو من خلال الحرب من أجل الحفاظ على السلطة دون تقديم تنازلات لأي كان. وكذلك مسألة تكوين السلطة، وأجهزة الدولة، وكيف تقوم الطبقة المسيطرة في صياغة السلطة لكي تبقى مسيطرة وحاكمة “إلى الأبد”.السلطة هي سلطة طبقة هي التي تفرض إيقاعها وتحدد شكلها، و”أعداءها”. وبالتالي لا يمكن التركيز على أشخاص السلطة دون فهم ارتباطهم بالطبقة المسيطرة. وحين يرفع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” يكون الهدف هو ليس إسقاط الأشخاص بل إسقاط الطبقة المسيطرة، ونمطها الاقتصادي، والدولة التي تؤسسها. ولهذا لا يجب التوهان في دهاليز الأشخاص والأشكال وتجاهل جوهر السلطة.

وأيضاً فإن هذه السلطة تفرض الثورة من أجل إسقاطها، وليس من خيار في وضع تسلط الرأسمالية المافياوية إلا الثورة لكي تُسقَط.

المصدر: الجزيرة

التوافق الأميركي الروسي و… نظرية المؤامرة

الشكل النمطي لنظرية المؤامرة في سورية انطلق من أن أميركا التي هي زعيمة الإمبريالية، والتي تحيك المؤامرات للسيطرة على العالم، والتي وضعت مخططها لـ «الشرق الأوسط الموسّع»، وصاغت نظرية «الفوضى الخلاقة»، تكمل ما بدأته في العراق من خلال استثارة الوضع السوري، من أجل إسقاط «نظام الممانعة» و «المقاومة»، حيث استغلت نشوب الثورات العربية لكي تفتعل الصراع في سورية.

والجزء الآخر من هذا الشكل النمطي قام على أساس أن روسيا هي الحليف «الطبيعي»، حيث أنها ليست إمبريالية، و «تدعم الشعوب»، لكن في خلفية كل ذلك أن روسيا هي «اشتراكية»، أو شيء من هذا القبيل، مثل تحررية أو «معادية للإمبريالية»، أو «دولة بازغة» كما يُطلق سمير أمين. ولهذا كان من «الطبيعي» أن تكون إلى جانب النظام السوري.

بالتالي فروسيا ضد أميركا، هذه الأخيرة التي هي «العدو الرئيسي»، ومن ثم فنحن حلفاء روسيا.

من الواضح أن هذا التحديد استعادة لمعادلات الحرب الباردة كما رسمها الاتحاد السوفياتي وتعممت على أساس أنها جزء ثابت وجوهري من «النظرية الماركسية». فأميركا هي الإمبريالية، وروسيا هي الاشتراكية، وفي هذا الثنائي يكمن التناقض، ويقوم الصراع. وإذا كان هذا التناقض يتأسس على التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية، فقد جرى اختصاره لكي يتحدد في روسيا وأميركا. وهذا ما تكلس في ذهن قطاع من «اليسار»، وبات هو المنهج الذي يحكم نظرته إلى العالم. إلى حد أنه بات «القالب الجاهز» لتفسير أحداث العالم كلها.

هذا ما جعل بن لادن وتنظيم القاعدة «ثوريين»، و «معاديين للإمبريالية»، وبات وجه بن لادن يغطي وجه غيفارا. وبات الإخوان المسلمون «حلفاء» ضد الإمبريالية والصهيونية، وهم قيادة التحرر الوطني. وأصبح «الماركسي القويم» هو من يتحالف معهم ويدافع عن بن لادن، وكل من لا يفعل ذلك «إمبريالي».

في سورية انطبقت هذه «النظرية» تماماً، حيث كان النظام السوري في تحالف «مختلف» مع أميركا (وإن كان فاتحاً كل الخطوط مع أوروبا التي لم يبدُ أنها إمبريالية)، وفي حلف «مقاوم»، وضد الدولة الصهيونية. وأصبحت روسيا هي الداعم الرئيسي له. بالتالي تفعّل نشاط هذا «القالب» بشكل غريزي، وبات ما يجري في سورية مؤامرة، وروسيا هي الحليف «الاشتراكي» أو «البازغ» أو «التحرري» أو «المعادي للإمبريالية». وجرى التشكيك في كل تحليل يقول بأن روسيا دولة إمبريالية. وظلت أميركا هي التي تصيغ المؤامرة ضد سورية. وتقوم بها من خلال دول إقليمية ودولية أخرى، أو بشكل مباشر.

لهذا لم يُرصد الموقف الأميركي مما يجري في سورية بشكل جيد، وظل «الموقف المسبق» هو الحاكم لكل «تحليل» وموقف، حيث بدت أميركا بعيدة عما يجري، تترقب من بعيد، وتحاول التصريح أحياناً، أو التواصل في أحيان أخرى. ولقد حددت موقفها منذ البدء انطلاقاً من أنها غير ميالة لإسقاط النظام، وتريد الحل السياسي. لهذا لم تدعُ، كما فعلت في تونس ومصر، إلى رحيل الأسد. وقررت أنها لا تريد التدخل العسكري، وبعد انتقال الثورة إلى العمل المسلح قررت عدم تسليح المعارضة. ومنذ بداية 2012 طلب أوباما من روسيا «رعاية مرحلة انتقالية كما حدث في اليمن».

ولقد توضح موقفها أكثر منذ نهاية 2012، حيث حسمت أنها لا تريد التدخل العسكري ولا تسليح المعارضة، وترى أن الحل هو حل سياسي، ورأت بأن على المعارضة ألا تخضع لمطالب الشعب بل عليها أن تخفض من هذه المطالب. وحين دعمت تشكيل الائتلاف الوطني السوري (وهو أول تدخل أميركي مباشر في الصراع) هدفت إلى أن يكون جزءاً من «الحوار مع النظام».

وإذا كانت قد صاغت مع روسيا وثيقة جنيف، وجرى القول بأن خلافاً يقوم بين روسيا وأميركا حول «وضع الرئيس» في الحل المقترح، وهل سيبقى أو يرحل، فقد تبيّن أن لا خلاف حول ذلك. هذا ما ظهر واضحاً بعد مجيء جون كيري وزيراً للخارجية، والذي طلب من المعارضة والنظام الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وهذا ما أشار إليه لافروف مؤخراً حيث صرّح بأن روسيا وأميركا تحضران لعقد حوار بين وفد من المعارضة ووفد من النظام. وبالتالي فقضية «وضع الرئيس» لم تعد مطروحة، ولا خلاف حولها. والأساس هنا هو اتفاق جنيف الذي يدعو إلى تأسيس «حكومة انتقالية كاملة الصلاحية»، من النظام والمعارضة.

لهذا سنجد أن أميركا باتت تلعب دور السمسار للحل الروسي. وبدا أن مهمتها تتمثل في «ترويض» معارضة الخارج لكي تدخل كطرف في الحل. لسنا هنا في تقييم قيمة هذا الحل، وهل يفيد، أو هو التفاف على الثورة، على رغم أن كل «حل» ينهي العنف الدموي للسلطة، ويفتح على أن يكون الصراع صراعاً سياسياً، هو أمر مفيد في وضع سورية الراهن. لكن ما يهمنا هنا أن أميركا باتت في توافق «كامل» مع روسيا في ما يتعلق بالحل، وباتت معنية بترتيب وضع القوى التي «تمون» عليها، سواء في المعارضة أو الدول الإقليمية أو الدول الإمبريالية الأخرى. كل ذلك من أجل إنجاح «الحل الروسي». وهذا يستلزم فهماً جديداً للوضع العالمي، وتلمس المحاور التي تتبلور فيه.

فأميركا تتوافق مع روسيا في الحل. وتعترف بأن «الحل روسي». وبهذا يذوب التناقض الموهوم الذي تأسست عليه كل «تحليلات» «الممانعين» و «المقاومين»، ويتكسر «القالب» الذي تكلّس منذ الحرب الباردة. وبالتالي إذا كانت هناك مؤامرة فهي مؤامرة على الشعب السوري والثورة السورية. فكل ما جرى «دولياً» هو من أجل تدمير سورية وتدمير الثورة، في عصر ستكون الثورات سمته، ولهذا يجب تدميرها بأقسى ما يمكن من العنف. وليكون الحل بيد الدول الإمبريالية، سواء كانت فرنسا أو أميركا أو روسيا أيضاً.

لكنه عصر الثورات حتماً. الثورات ضد كل الإمبرياليات.

المصدر: الحياة

حول موقف الماركسيين من الثورة السورية

(رسالة من ائتلاف اليسار السوري إلى اليسار في البلدان العربية والعالم)

تعاني القوى الماركسية من تشتت حول الموقف من الثورة السورية، فهناك منهم منْ يدعم الثورة، وهناك من يرفض أصلاً أن يعتبر أنها ثورة، ويميل بعض هؤلاء إلى دعم السلطة الطبقية الحاكمة. ولقد ظهر أن هذا التشتت هو نتاج إشكالية في فهم الماركسية ذاتها أولاً، عدا عن تهتك القوى وانحكام العديد من أطرافها لفهم صوري يؤسس على السياسي/ الحدثي، ويتمسك بأفكار تجاوزها الواقع، وكليشيهات لم تكن صحيحة في أي وقت من الأوقات. وبالتالي أن الماركسية ذاتها كانت غائبة، بعد أن ظهر أن كل المخزون المعرفي حولها لم يخرج عن التسطيح الذي فعلته “الماركسية السوفيتية”، الذي كان يلغي الماركسية ذاتها بتحويلها إلى “منطق صوري”، و”عقائد لاهوتية”.

الآن لا بد من تحديد موقف ماركسي من الثورة السورية. موقف ينبني على الماركسية كمنهجية ( وليس كشعارات وكليشيهات )، أي التي تعني الجدل المادي كآلية تفكير وفهم ومعرفة في واقع يتغيّر لأنه في صيرورة. الماركسية فهم مادي وليست “عقيدة” او شعارات سياسية، وهي انطلاقاً من ماديتها (التي هي جدلية بالضرورة) تحدد تصورها للواقع من أجل تحديد الموقف العلمي الضروري للماركسيين في صراعهم من أجل التطور والحداثة والاشتراكية.

من هذا المنظور يمكن تحديد المسائل التالية:

1) المبدأ الذي يقود إلى تحديد موقف ماركسي هو دراسة البنية التي يتشكل المجتمع فيها. فالتناقضات التي تشير إليها الماركسية هي تناقضات في البنية الطبقية القائمة. هذا هو أساس أي تحليل وفهم، ومن ثم تحديد موقف. هو المفصل في كل التحليل. وأي تجاوز لهذه البديهية تجعل كل تحليل غير ماركسي، وغير علمي، لأنه لم ينطلق من الواقع الملموس. فالماركسية تبدأ من الاقتصاد (وليس من السياسة) في تحليل الواقع دون أن تقف عنده بل يتصاعد تحليلها للواقع إلى المستوى الطبقي، ومن ثم الأيديولوجي، فالسياسي. هذه الأخيرة التي قال لينين أنها التعبير المكثف عن الاقتصاد، بالتالي الذي يفرض فهمها فهم الاقتصاد اولاً.

البدء من الملموس يفرض أن نبدأ بسورية ونحن نناقش وضع الثورة فيها. وأن نبدأ من تحليل التكوين الاقتصادي الطبقي قبل أن نلمس الموقف السياسي والخلاف السياسي والصراعات السياسية. حيث يجب أن نبحث عن الخلافات والصراعات في الواقع الاقتصادي الطبقي كي نكون ماديين في التحليل. وسنلمس هنا أن كل الذين يرفضون الثورة ينطلقون من الخلافات والصراعات السياسية دون تلمس الواقع الاقتصادي الطبقي، أو باستنتاج هذا الواقع من الخلافات والصراعات ذاتها. وهذا فهم مثالي، هو مقلوب الماركسية بالضرورة. ولهذا يخرج عن كونه تحليلاً ماركسياً.

لهذا يصبح السؤال البديهي هو: ما هو الوضع الاقتصادي الطبقي في سورية قبل الثورة؟ ما هو وضع العمال والفلاحين والفئات الوسطى؟ وما هي الطبيعة الطبقية التي تسم السلطة؟ حيث أن الموقف ينبني على هذه بالضبط، وليس على أي شيء آخر، إلا إذا كان هناك وضعية احتلال بالمعنى المباشر فيصبح التحليل مرتبطاً بذلك. وسورية ليست محتلة (وفقط هناك احتلال للجولان، وسياسة السلطة تقوم على أساس أن السلام هو الخيار الإستراتيجي).

الليبرالية انتصرت في سورية في ظل بشار الأسد، حيث تحرر الاقتصاد وتهمّش “القطاع العام”، وبيعت بعض شركاته الرابحة، وأصبح الاستيراد هو الأساس في العملية الاقتصادية، فانهارت الصناعة والزراعة، وأصبح الاقتصاد اقتصاداً ريعياً متحكما فيه من قبل أقلية ضئيلة من العائلة الحاكمة وأتباعها. وبالتالي باتت أغلبية تعيش في وضع مزرٍ، من العمال والفلاحين والفئات الوسطى. وباتت البطالة كبيرة (30 -33%)، والأجر دون توفير المقدرة على العيش (الحد الأدنى هو خُمْس الحد الأدنى الضروري). وبالتالي أصبحت السلطة هي سلطة “رجال الأعمال الجدد” الذين أخضعوا البرجوازية التجارية التقليدية، حيث انتقل شكل السيطرة من الرئيس كما في زمن حافظ الأسد إلى هذه الفئة، التي باتت تشكل تحالفاً مالياً أمنياً. وبات العمال والفلاحون الفقراء والمتوسطون، والفئات الوسطى المدينية في غالبيتها دون المقدرة على العيش، بينما بات هؤلاء يسيطرون على 70 – 80% من الاقتصاد الوطني (ونسبتهم لا تتجاوز الـ 2%).

في هذا الوضع أين يجب أن يكون كل ماركسي؟ هذا تحديد مبدئي، أي قبل الثورة وفي كل الأحوال. حيث أن الماركسي هو مع العمال والفلاحين الفقراء، ومع التحالف الذي يضم كل الطبقات الشعبية. هذا هو موقعه المبدئي لكي يكون ماركسياً أصلاً. وهو بالتالي ضد السلطة الرأسمالية المافياوية البوليسية الحاكمة بالضرورة. ويجب عليه أن ينظر إلى كل القضايا الأخرى انطلاقاً من هذا الموقع وليس من منظور نخبوي منعزل، يغلّب ذاتيته وتحليله “الوهمي” على مصالح هذه الطبقات.

بالتالي، الماركسي هو مع الشعب، ويعمل من أجل تفعيل حراك الشعب ضد الرأسمالية المافياوية الحاكمة.
وهل ينتج هذا الوضع ثورة؟ بالتأكيد فهو الظرف المثالي لكل ثورة. وهو وضع مشابه على كل حال لوضع البلدان التي شهدت ثورة حيث تتشكل سلطة عائلية مافياوية بوليسية. هذا هو الوضع الثوري الذي بتنا نعيشه في كل البلدان العربية، وسوف نلمس أنه يطال بلدان أخرى كثيرة في العالم. بالتالي ما هو موقف الماركسي من الثورة؟

2) مع الأسف، وككل البلدان العربية (مع استثناءات جزئية)، كان كل من يسمي ذاته ماركسياً بعيداً عن تلمّس وضع الطبقات، ولم يحسّ بتراكم الاحتقان الذي كان يتصاعد لدى الطبقات المفقرة، خصوصاً هنا العمال والفلاحون الفقراء. وكان الميل العام يشي بأن هؤلاء باتوا يمحورون سياساتهم حول الديمقراطية ومقاومة الاستبداد، دون تلمّس الأساس الطبقي للاستبداد، ودون وضع الديمقراطية في سياق تغيير طبقي شامل. وهو الأمر الذي فرض انعزال هؤلاء عن الشعب، وتأسيس قطيعة ظهرت واضحة خلال الثورة.

لكن حين يتصاعد الاحتقان الطبقي ستكون النتيجة هي انفجاره بالضرورة. هذا ما حصل، ولهذا كان عفوياً إلى أبعد الحدود، خصوصاً في سورية التي لم يكن فيها لا أحزاب ولا نقابات تلاقي هذا الانفجار لتحاول التأثير فيه.
في هذه الوضعية، أين هو موقع الماركسي؟

في تاريخ الحركة الماركسية تجارب لم يجرِ الالتفات إليها، منها تجربة ثورات 1848 في أوروبا وكيف تعامل ماركس معها. ومنها كومونة باريس، حيث كان ماركس يحذر من الثورة التي ستفضي إلى إراقة دماء الطبقة العاملة، لكنه حين انفجرت دعمها وشارك فيها، لكي تتعلم الجماهير كيف تصنع ثورة منتصرة، ولم يقف يندب. ومنها ثورة 1905 في روسيا التي شارك فيها حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي.

كل هذه الثورات كانت عفوية، وغير واضحة الأهداف في الغالب، و”برجوازية”، لكن كان موقف الماركسية هو الانخراط فيها مع العمال ليس من أجل انتصار عمالي لم يكن وارداً، ولا حتى نتيجة تحليل مسبق لحتمية انتصار الثورة، فقد كان واضحاً لماركس ولينين أن هذه الثورات فاشلة، لكن كان الهدف هو تطوير خبرات الشعب لكي ينتصر في ثورة أخرى، فالجماهير تتعلم في التجربة كما تؤكد الماركسية.

بالتالي فإن الموقف الماركسي الحقيقي يتمثل في الوقوف مع الثورة، المشاركة فيها، والعمل على تطويرها إذا أمكن ذلك. حيث ليس من خيار أمام الماركسيين حين ينشب الصراع بين الشعب المفقر والرأسمالية المسيطرة، وكل زوغان عن هذا الصراع هو انحراف عن الفهم الماركسي، وانزياح نحو الطبقة الرأسمالية. فالمفقرون هم الذين نهضوا من أجل تحقيق حياة أفضل، أو من أجل المقدرة على العيش فقط، لأن هناك من يريد العمل في بلد بلغت نسبة العاطلين عن العمل الـ 30- 33% من القوى العاملة, ومستوى الأجور في أسوأ وضع كما أشرنا قبلاً. وإذا كانوا يريدون إسقاط النظام فمن أجل تحقيق التغيير الذي يؤدي إلى تأسيس نمط اقتصادي يستوعب حالتهم، ويوجد حلاً لمشكلاتهم. وإذا كانت نخب من الفئات الوسطى “المدينية” قد حرّضت وشاركت من أجل تحقيق “الدولة المدنية” والحرية وإنهاء الاستبداد، فإن ذلك لا يغيّر من الطابع الاجتماعي للثورة، ولا يسمح بأن يصبح مطلبهم هو الأساس، لأن واقع المفقرين سوف يدفع إلى استمرار الثورة إلى أن يتحقق التغيير الجذري (كما نلمس الآن في تونس ومصر). فالمحرّض على الثورة هو البطالة والفقر والتهميش بالأساس، مع ارتباط ذلك بتحقيق الدولة الديمقراطية بعد أن ارتبط النهب والإفقار بالاستبداد.

ولا شك في أن تصاعد دور الماركسيين في الثورة سوف يفرض توضّيح طابعها الطبقي الجلي، وسوف يعمّق من صيرورتها.

من هذا المنظور لا بد من رفض كل ميل لوضع “كاتالوجات” للثورة باسم الماركسية، سواء تعلق الأمر بالبرنامج أو بالحزب الذي، كما يقال، يجب أن يقود. أو سواء بسيادة نظرة “تطهرية” تريد ثورة “نقية” كـ “الثلج في أقاصي روسيا”. فهذه هي نظرة “المتفرّج”، أو الارستقراطي الذي لا يريد أن يتلطخ حذاؤه بتراب الأرض. نخبوية لا تزال تحكم “ماركسيين” كثر. فالثورة العفوية هي حراك شعب بكل ما يحمل من ثقافة وسلوك ودين وتمرّد، لكن الأمر الذي يحكمها هو هذا الشعور المشترك بالعجز عن العيش ومن ثم السعي لتحقيق التغيير. والثورة هي لحظات تصعيد “الحس السليم” لديه (كما كانت تشير الماركسية) التي تجعله يعرف من سيسقط وماذا يريد ممن يكون بديلاً.

يعرف أن الإسقاط يجب أن يجلب التغيير الذي يسمح له بالإحساس أن وضعه قد تغيّر، وأنه خرج من حالة الموت الذي كان يندفع نحوها نتيجة البطالة والفقر والتهميش. وهذا هو الأساس الذي يجب أن يبني عليه كل ماركسي حقيقي. كل ماركسي ثوري يريد تحقيق التغيير الجذري.

3) في هذا الوضع، حيث لا دور لليسار ولا لأي حزب سياسي، سوف تكون العفوية هي التي تحكم الثورة، وسوف يكون وعي الطبقات المفقرة هو المحدِّد لشعاراتها ولحدود طرح مطالبها. وإذا كان المنخرطون فيها قد أجمعوا على إسقاط النظام فإن لكل طبقة وفئة مطالب معينة، كانت تعبّر عنها بعفويتها فقط حين تٌسأل. ومن رسم المطلب العام فهو شباب من الفئات الوسطى الذي كان يطمح إلى الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. هو الذي رد على شعار السلطة: الله، سورية، بشار وبس، بشعار: الله، سورية، حرية وبس. أما المفقرين فلم يستطيعوا طرح مطالبهم بوضوح. فهم لا يجيدون الفكر ولا السياسة، ولكنهم يستطيعون التعبير المباشر عن حاجتهم. ومع الأسف لم يسأل اليسار هؤلاء عن مطالبهم، ولم يتقدم لصياغتها في برنامج وشعارات وسياسات، بالضبط لأنه كان بعيداً عن “روح” الثورة.

وفي هذا الوضع تضاربت مصالح القوى المعارضة، وظهر أن كل منها يحاول أن يفرض منطقه وأهدافه، وأن يستغل الثورة لكي يحقق أغراضه هو. هذا أمر طبيعي، حيث تسعى كل فئة أو طبقة لفرض سيطرتها من أجل أن تكون هي السلطة.

هنا، في الماركسية، يصبح من الضروري لمس مصالح هذه القوى، وتعبيرها الطبقي، وأيضاً فاعليتها في الصراع. هل هذه القوى، من الليبراليين واليسار والقوميين والإسلاميين، مؤثرة وفاعلة في الثورة؟ أي هل أنها تمثّل حقيقة الطبقات التي تعبّر عنها؟

في المنطق الرائج نجد أن الثورة قد جرى تلخيصها في الأحزاب المعارضة، وبالتالي ليس هناك شعب يقاتل بل هناك معارضة تقاتل السلطة. هذا المنطق الرائج، الذي يعبّر عن ماركسية ضحلة، يختصر الشعب بالمعارضة، وبالتالي يرى الثورة من خلال المعارضة. وهو هنا يتجاهل عفويتها، ويرتكب “جرماً” نظرياً لأنه لا يميّز بين الطبقة والحزب (الذي يقال أنه يمثلها)، والشعب والمعارضة (التي يقال أنها تمثل الشعب). لكن في الواقع أن الأمر أمرّ من ذلك، لأن هذا المنطق في الحقيقة لا يرى الشعب أصلاً، بل يعتقد بأن كل فعل سياسي هو من فاعلية حزب أو قوة. لهذا لا يرى في الوجود سوى الوجود السياسي (أي الدولة). ويتعامل هو أصلاً في السياسة من منظور الحزب/ السلطة بعيداً عن تلمّس الأساس الاقتصادي الطبقي كما اشرنا قبلاً. وهذا ما خاض ماركس صراعاً ضده من أجل الوصول إلى فهمه المادي الذي يبدأ من الاقتصاد ليصل المجتمع.

هذا الأمر لا يجعل هذا المنطق قادراً على معرفة أن في الثورة السورية هناك شعب يقاتل دون رؤية أو وعي سياسي، وبالتالي دون حزب. وأن هناك أحزاب معارضة ليس لها امتداد شعبي، ولا قاعدة اجتماعية، بل هي أحزاب نخب مهمشة، هرمة، نشطت وتنشط في المستوى “السياسي”، أي بما يعارض الدولة دون أن تلتفت إلى الشعب، أو تكون معنية بواقعه ومشكلاته. ولطالما اعتبرته “رعاعاً”.

لهذا لا بد من رؤية الشعب كشعب “مجرّد من السياسة”، وليس عبر تبلورات سياسية ليس بالضرورة أن تعبّر عنه، وهي في الغالب لا تعبّر عنه، بل تعبّر عن طموحات نخب لأن تكون بديلاً للسلطة. وهي كلها (تقريباً) ليبرالية الاتجاه، ورغم أنها تقول بالديمقراطية إلا أنها ليست ديمقراطية على الإطلاق.

هذه الأحزاب يجب أن تنقد بكل تأكيد، وأن يدان بعضها، تلك التي نادت بالتدخل العسكري الإمبريالي، أو التي نشرت خطاباً طائفياً، والمتحالفة مع الدول الإمبريالية والرجعيات العربية. هذه كلها كانت تشكّل عبئاً على الثورة، وتأخّر توسع الحراك، بالضبط نتيجة الخطاب “الإمبريالي” الطائفي الذي كانت تطرحه، والذي كان يخيف “الأقليات”، ولكن أيضاً قطاعا شعبيا أوسع من ذلك، هو قطاع داعم، ككل الشعب السوري، للمقاومة ولمواجهة الإمبريالية والصهيونية. ورافض للأصولية التي أرهقته فترة صراعها الطائفي ضد السلطة نهاية سبعينات القرن العشرين وبداية ثمانيناته.

هل يمكن لنا إذن أن نميّز بين الشعب والمعارضة؟ أن نلمس نشاط الشعب العفوي البسيط الذي يقاتل بجرأة وبطولة، ونلاحظ سياسات المعارضة التي يبدو أنها تستغل الوضع لتحقيق مصالحها؟

المعارضة بالتالي تعبّر عن مصالح فئات ليبرالية ضيقة همشتها دكتاتورية السلطة وسيطرة “العائلة” على الاقتصاد. وهي تستعين بالإمبريالية لكي تسترجع سيطرتها هي بديلاً عن آل الأسد وآل مخلوف وآل شاليش. رغم أن البرجوازية التقليدية السورية (تجار دمشق وحلب خصوصاً) هي في تحالف مع “العائلة”. هذه إذن تمثّل أقلية ليبرالية، وسياساتها تدلّ على ذلك بكل وضوح.

أيضاً، حين أصبح العمل المسلح هو سمة الصراع الرئيسية، ظهرت الفوضى نتيجة “قلة خبرة” الشباب الذي خاضها، وهو الشباب ذاته الذي كان يتظاهر سلمياً في الغالب، والذي دفعه عنف السلطة إلى ذاك. لكن أيضاً ظهر أن القوى الأصولية تحاول السيطرة عليه، وأخذت تعمل وكأنها القوة الأساسية، ولقد أثّرت عبر المال في تحديد أسماء الكتائب بأسماء إسلامية، حيث كانت هذه الكتائب بحاجة إلى المال والسلاح، دون أن تحصل على ما يكفي كذلك. لكن ظل الأمر هامشياً، تطوّر بعد الدفع السعودي لإرسال “جهاديين”، هم سلفيون منغلقون، صراعهم في إطار الدين وليس سياسياً أو طبقياً، طائفيون بالتالي، ويعملون على فرض سلطتهم على المناطق التي فرضت الثورة على السلطة الانسحاب منها، على أسس قروسطية.

هذا الأمر فرض نشوء تناقض جديد، فإذا كان الصراع مع القوى الأصولية السابقة (الإخوان خصوصاً) يتسم بطابع “أيديولوجي”، فإن الأمر هنا يتجاوز ذلك نتيجة ممارسات جبهة النصرة، التي باتت تمارس الخطف ضد الأقليات وتفرض “قوانين الشريعة” كما تفهمها الوهابية على الشعب. مما دفع إلى ميل الشعب إلى العمل ضد ممارساتها من خلال التظاهر وحتى استخدام السلاح. بالتالي باتت الثورة تواجه ليس السلطة فقط، بل كل القوى التي تحاول ركوبها، أو تعمل على حرفها.

وهنا يجب على الماركسي أن يكون مع الشعب ضد السلطة، لكن يجب أن يخوض صراعاً ضد هذه المعارضة بكل سياساتها، وضد هذه القوى الأصولية التي تهدد بتحويل الصراع إلى صراع طائفي تريده السلطة ذاتها، ولقد حاولته منذ بدء الثورة. وأن يعمل على تطوير فاعلية الشعب، وتوضيح مطالبه وبرنامجه، وعلى تنظيم الثورة ووضع الإستراتيجية التي يجب أن تتطور وفقها لكي تتجاوز عفويتها، وتصبح كتلة منظمة واعية.

ربما لا يجد الماركسيون في البلدان العربية متسع لهذا الصراع، فهم غارقون في صراعهم ضد نظمهم، وأيضاً لأوضاع مشابهة في الصراع ضد “المعارضة”، لكن عليهم دعم الماركسيين الثوريين في سورية، من منظور فهمهم لهذا الواقع المعقد. فالماركسيون السوريون يخوضون صراعاً متعدد الجبهات من أجل تطور الثورة وانتصارها، منطلقين من التمييز الدقيق بين الشعب الذي صنع الثورة والمعارضة التي تريد أن تجرها هنا أو هناك، أو أن تستغلها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك.

ولا شك في أن صعوبات كبيرة تواجه ذلك، نتيجة “غياب السياسة” لدى الذين يخوضونها بكل بطولة. لكن لا بد من ذلك، خصوصاً أن الشباب الثوري يطوّر وعيه وخبراته بهدوء لكن باستمرار. وهو الوضع الذي نلمسه في كل البلدان العربية.

4) لا شك في أن عفوية الثورة وغياب اليسار قد أسس لنشوء مشكلات فيها، والوقوع في أخطاء، خصوصاً وأن الشعب يمارس تجريبية عالية لأنه يقاتل بقدراته. ولقد مارس التظاهر وكل أشكال الاحتجاج السلمية أشهراً، لكنه انتقل إلى العمل المسلح تحت عنف ووحشية وجرائم السلطة. وكل ذلك لا يزيل عنها كونها ثورة، أو يجعل الماركسي “يتعفف” عن دعمها والانخراط فيها.

لقد جرى نقد اندفاع الثورة نحو التسلح، ولقد نبهنا منذ البدء إلى عظم هذه الخطوة والأخطار التي يمكن أن تنتج عنها. لكن حين تكون الثورة عفوية لا يمكن لنا أن نضبط مساراتها. فالثورة لم تكتب في “كاتالوج” يجب الالتزام به، بل هي فعل شعبي يسير وفق الظرف القائم. وينحكم لطبيعة الممارسة التي تواجه السلطة بها حراك الشعب. لهذا لم نعتبر أنها انحرفت أو خرجت عن مسارها السلمي، بل قلنا أنها انتقلت إلى مستوى جديد علينا أن نحاول ضبطه لكي لا يقود إلى فوضى، وأن يترابط مع الحراك الشعبي ويكمله بدل أن يحلّ محله.

لا شك أن الأمور سارت في مسار جعل العمل المسلح هو “كل شيء”، لكن كل ذلك لا يلغي مسألة أنه جاء كرد فعل شعبي على العنف الوحشي الذي مارسته السلطة منذ البدء، دون أن يلقى حينها ولمدة أشهر رد فعل عسكري (وهذا ما اعترف به مؤخراً بشار الأسد، ثم فاروق الشرع) بل ظل التمسك بالسلمية أساسا في الثورة.
وبالتالي لم تكن المشكلة في الانتقال إلى العمل المسلح، الذي جاء نتيجة عنف وحشي، فالثورات يمكن أن تنتقل إلى أشكال متعددة، والماركسية تتناول ذلك، ونظّر لينين لـ “الانتفاضة المسلحة”. بل كانت في أن عفوية الثورة يمكن ان تقود العمل المسلح إلى فوضى (كما نلاحظ الآن)، الذي يشير إلى تقصيرنا كيسار وليس إلى خطأ في الثورة.

إن كل التنظير حول “اللاعنف” و”الثورات السلمية” (المخملية) ظهر كوهم، وبدا أنه نتاج عقل ليبرالي، أو مدخل لإفشال الثورات. فالعنف يلازم الثورة كما تقول الماركسية. وإذا كان هناك من اعتقد أن عصر الثورة قد ولى، وتبيّن أنه مخطئ، فإن كل الذين يقولون بأن عصر العمل المسلح (أو الثورات المسلحة) قد أفل سوف يصدمون نتيجة أنه ليس من ثورة اجتماعية لا تدخل في طور العنف في لحظة من لحظاتها.

بالتالي ليس النقد هو نقد للعمل المسلح، بل يمكن أن يطال هذا النقد طريقة ممارسة العمل المسلح والإستراتيجية التي تحكمه، وهل يخدم الحراك الشعبي أو يلغيه؟ ونحن معنيون بكل هذا النقد لأننا نلمس مشكلات العمل المسلح، وكيف أصبح مدخلاً لـ “شراء” كتائب مسلحة نتيجة الحاجة إلى المال والسلاح. أو اضطرار بعض الكتائب إلى التسمي بأسماء “إسلامية” نتيجة الحاجة إلى التمويل. أو مشكلات غياب الإستراتيجية العسكرية، أو طريقة حسم الصراع عبر السيطرة على المدن.

في الماركسية “الأصلية”، وليس في التشويه السوفيتي لها، يكون الصراع ليس مع طرف واحد فقط، بل مع عدد من الأطراف، لأن الواقع متعدد، والتناقضات فيه بالتالي متعددة. فإذا كان الصراع الطبقي هو ضد الطبقة المسيطرة وسلطتها، وأن الشعب يريد إسقاط نظامها، الاقتصادي والسياسي، فإن في الثورة ذاتها تناقضات لا بد من مواجهتها. هناك التناقض مع القوى الليبرالية التي تريد حصر الثورة في تغيير شكل السلطة (وربما أشخاص السلطة)، وهناك التناقض مع الإخوان المسلمين الذين يريدون فرض سلطتهم الأصولية (واقتصادهم الليبرالي)، ويحاولون أن يظهروا الثورة كـ “ثورة إسلامية” من أجل الوصول إلى ذلك، وهناك ثالثاً التناقض الذي ظهر مؤخراً مع جبهة النصرة كقوة طائفية أتت لكي تفرض سلطة على الأرض التي “حررها” الشعب، وتفتح صراعاً طائفياً، “عقيدتها” تفرضه عليها. ولقد بات انتصار الثورة مرتبط بكيفية إنهاء تأثيرها المضرّ، وتنظيم الثورة وفق إستراتيجية تنطلق من مطالب الشعب الأساسية، وتحدد السياسة التي تفضي إلى إسقاط السلطة.

إننا معنيون بتحقيق الترابط بين العمل العسكري والنشاط الشعبي، لأننا نرى أنه الأمر الذي يقوّي الثورة ويحقق نجاحها، حيث ليس من حسم عسكري دون فعل شعبي، وحيث أن مهمة العمل العسكري هي كسر مراكز قوة السلطة، وليس فتح “حرب شاملة” من أجل تسهيل الانتصار الشعبي.

وفي هذا الإطار نخوض صراعاً ضد إستراتيجيات القوى الأصولية التي تعمل على تكريس التسلح كمبدأ يقود إلى إسقاط السلطة عبر “تحرير” سورية من “الاحتلال الأسدي”. ولا شك في أن هذه إستراتيجية صبيانية لا تقود سوى إلى مساعدة السلطة على زيادة التدمير والقتل. ما يهمنا هو شكل مقدرة السلطة على التدمير والقتل ومواجهة حراك الشعب.

5) هل السلطة ضد الإمبريالية؟
أولاً، بغض النظر عن توضع السلطة العالمي فإن الماركسية هي مع الشعب حين يثور لأنها أصلاً مع الشعب. ولهذا، وبغض النظر عن طبيعة السلطة، فإن الماركسي يجب أن يكون مع الشعب لأن ثورته لم تنتج عن “مؤامرة” (ولا يمكن لشعب أن ينخرط في مؤامرة، سواء عن وعي أو عن سذاجة) بل نتجت عن وضع لم يعد يستطيع العيش فيه. هذا ما هدّم الاشتراكية وفتح على التحوّل الرأسمالي. فكيف إذن إذا كانت السلطة رأسمالية مافياوية عائلية بوليسية؟

إن تحليلنا سابق الذكر يشير إلى طابع الطبقة المسيطرة، الذي هو طابع رأسمالي مافياوي ريعي. بالتالي يجب أن نجيب على السؤال: هل هذه الطبقة المسيطرة هي ضد الإمبريالية؟ ما هي شبكة علاقاتها المالية ونشاطها الاقتصادي؟ وكيف يؤثر ذلك على سياساتها؟

لقد عملت هذه الطبقة على تعميم الاقتصاد الريعي القائم على الخدمات والسياحة والعقارات والتجارة (الاستيراد خصوصاً) والبنوك. وتشابكت مع الرأسمال الخليجي والأوروبي، وعملت كوكيل للشركات النفطية الأميركية (محمد مخلوف مثلاً)، وحاولت أن تكون وكيل شركات السيارات، وكل الشركات الإمبريالية. وتشابكت كذلك مع الرأسمال التركي، إلى أن وصلت إلى التشابك مع مافيات أوروبا الشرقية وروسيا. هذه هي شبكة “علاقاتها” المالية. وكانت تطمح لأن ترتب وضعها مع الإمبريالية الأميركية، لكن سياسة بوش الابن منعت ذلك نتيجة “قصر نظر” أميركي انبنى على الشعور بالتفوق الكبير الذي دفع السياسة الأميركية إلى الشغل على تغيير السلطة السورية بعد احتلال العراق.

هذه الواقعة الأخيرة هي التي جعلت السلطة في “تحالف” آخر. حيث وجدت ذاتها محاصرة ومهددة بالإسقاط، لهذا أسست تحالفها مع إيران بتوقيع الاتفاق الإستراتيجي سنة 2006، وإتباعه بتوقيع الاتفاق الإستراتيجي مع تركيا (ربما لحفظ التوازن الذي اختل بعد الخلاف مع السعودية، ولكن لمصالح اقتصادية نتيجة أن تركيا رفضت تطبيق العقوبات الأميركية على هؤلاء).

إذن، هنا ليست المسألة هي مسألة تناقض طبقي، ولا تناقض وطني، بل مسألة صراع مصالح، كما يجري بين رأسماليات. ومن ثم فإن السلطة هنا هي ليست استمرار لـ “حركة التحرر الوطني”، ولا نظامها هو استمرار للنظم “القومية”. هو شيء آخر ليبرالي مافياوي، تناقض مع أميركا، وسعى لترتيب العلاقة مع إمبرياليات أخرى (فرنسا وألمانيا، والآن روسيا والصين). إن الرأسمالية التي تسم الطبقة المسيطرة هي رأسمالية ريعية كما يوضّح البحث في تكوين الاقتصاد السوري الذي تدمّرت القطاعات المنتجة فيه (الزراعة والصناعة). وهذا النمط من الرأسمالية لا يمكن إلا أن يكون تابعاً، لأن طبيعة النشاط الاقتصادي الذي يمارسه تفرض ذلك (الاستيراد والنشاط المالي، الخدمات). فمع فرض الانفتاح الاقتصادي وانهيار القطاع المنتج أصبح الاستيراد ضرورة، وهو ضرورة أصلاً لهذا النمط من الرأسمالية.

بالتالي يكون السؤال: كيف يمكن لهذه الرأسمالية أن تكون في تضاد مع الإمبريالية؟
الصراع كان هنا، صراع على الشكل الأفضل للسيطرة، الذي دفع الإمبريالية الأميركية إلى التفكير بتغيير السلطة بدل أن تتفاهم معها، وكانت السلطة تترجى ذلك، وتسعى إليه. فالـ “هوى” الليبرالي كان يفرض حينها تمتين العلاقة مع المركز الإمبريالي، الذي هو أميركا. وكان ذلك هو “هوى” النخب التي أتت مع بشار الأسد إلى السلطة، والتي على أساسه أبعدت النخب التي تربت زمن حافظ الأسد (في الغالب في الاتحاد السوفيتي).

إذن، كان الخلاف مع أميركا نتاج “سوء تقدير أميركي”، ربما كانت الأزمة الاقتصادية العميقة تفرضه، والذي ارتبط بفرض ما أسمي “الشرق الأوسط الموسع”. ولم يكن نتاج مصالح الطبقة التي سيطرت وباتت هي التي تحكم السلطة بعد أن خرجت من عباءتها.

لم تعد السلطة هي سلطة “التحرر الوطني”، ولم يعد الاقتصاد هو اقتصاد “تنموي”، بل باتت سلطة رأسمالية مافياوية تتشابك مع الرأسمال الإمبريالي، وإن ليس بالضرورة مع الرأسمال الأميركي.

هذا هو التحليل الماركسي لطبيعة السلطة ولتشابكها العالمي. وهو الأمر الذي يجعلها في تشابه كبير مع النظم الأخرى رغم اختلافها مع أميركا. فهي سلطة رأسمالية ريعية مافياوية، تنهب البلد بالتشابك مع رأسمال إمبريالي، أو رأسمال هو جزء تابع للرأسمال الإمبريالي. وهذه الوضعية بالضبط هي التي جعلت “منظري” السلطة يطلقون على السلطة صفة الممانعة وليس المعادية للإمبريالية أو المقاومة لها. لأنهم يحددون بالضبط ما هم، حيث يجدون أنهم يتمنعون عن قبول بعض شروط السياسة الأميركية ولا يرفضونها كلها. ولهذا أبقوا الباب مفتوحاً لإعادة العلاقة مع أميركا، وبذلوا جهوداً في هذا المجال. لكن كانت التحولات العالمية ونشوب الثورات قد فرض تحالفات اضطرارية جديدة. لكن مع إمبريالية أخرى، هي روسيا. ومن يدرس الاتفاقات الاقتصادية التي جرى التوقيع عليها قبل أشهر يلمس هذا الأمر جلياً، لأنها اتفايقات اقتصادية شبيهة بكل الاتفاقيات مع أي بلد إمبريالي.

6) “المؤامرة الإمبريالية”
طبعاً ردد كثير من “الماركسيين” عبارة “مؤامرة إمبريالية”، واعتبروا أن الثورة هي ليست ثورة بل مؤامرة تنفذها الإمبريالية الأميركية (وعمم البعض هذه النظرة على كل الثورات العربية، ليعتبر أنها هي “الفوضى الخلاقة” التي عملت الإمبريالية الأميركية عليها منذ بداية القرن الجديد). ولقد أشرت إلى “مؤامرة” الإمبريالية الأميركية الفاشلة للتو، لكن هل لا زالت هذه “المؤامرة” قائمة؟

هذا المنظور يشير إلى قصور في المعرفة وليس في الفهم فقط، لأنه لا يرى كل التحولات التي حدثت خلال السنوات الخمس الأخيرة، خصوصاً بعد الأزمة المالية الإمبريالية سنة 2008، التي فتحت باباً عريضاً لتضعضع وضعف النمط الرأسمالي ككل من جهة، ولتبدل موازين القوى من جهة أخرى. فقد فشلت سياسة الإمبريالية الأميركية للسيطرة على العام التي بدأتها بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسرّعت فيها بعد أحداث 11 سبتمبر سنة 2001. ولم تعد قادرة على أن تكون القوة العالمية الأوحد في سياق سعيها لحل أزمتها المتنامية منذ بداية سبعينات القرن العشرين. الأمر الذي فتح على صراعات “خفية” لترتيب إعادة تقاسم العالم، وسمح لروسيا أن تصبح قوة مكافئة لأميركا، ويصبح الخوف الأميركي هو من الصين. وأن تصبح كل البلدان الرأسمالية في وضع انهياري نتيجة الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تكوين الاقتصاد العالمي و”انحراف” الرأسمالية إلى شكل مالي يهيمن على كل النشاط الاقتصادي.

إذن، لم نعد في عصر السيطرة الأميركية، وإن كانت ظلالها لازالت قائمة. ونشهد توسعاً للدور الروسي يعمل على السيطرة على الأسواق ككل إمبريالية.

انطلاقاً من ذلك أين هي “المؤامرة الإمبريالية”؟

ما توضّح على الأرض هو أن هناك مؤامرة حقيقية، لكن على الثورة وليس على السلطة. فأميركا تبيع سورية لروسيا، والسعودية التي ترتعب من الثورات العربية تعمل جاهدة على افشال الثورة عبر دعم الأصولية (السلفيين)، وتصدير “الجهاديين” الذين باتوا مشكلة في الثورة. وتركيا التي فقدت سورية، وترى أن أميركا تبيع هذا البلد لروسيا، تعمل على دعم الأصولية و”الجهاديين” لكي تحصل على نصيب. وقطر تريد، كما تركيا ربما، وبدعم فرنسي، وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، لهذا سخّرت لهم قناة الجزيرة وعممت خطابهم الأصولي، وشوهت صور الثورة لكي تضخّم من قوتهم.
وهكذا هو الوضع الدولي الذي يصبّ كله في خدمة السلطة، وفي عرقلة الثورة.

مشكلة هؤلاء “الماركسيين” هي أنهم لازالوا يكررون خطاباً صار من الماضي، حفّظهم إياه الرفاق السوفيت، ولم يجدوا بعد من يحفظهم غيره. فالتناقض الرئيسي هو تناقض طبقي وليس مع الإمبريالية إلا من المنظور الطبقي، وهذا خطأ في الفهم الذي عممه السوفيت. والإمبريالية المسيطرة لم تعد أميركا التي كانت في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وإن ظل لها دور لكن ليس ذاك الذي يريد السيطرة على العالم. رغم أنها لازالت إمبريالية، وبالتالي لا يمكن إلا أن نكون ضدها. لكن وضعها العالمي تغيّر نتيجة أزمتها العميقة، والتي لا حل لها، وانفتح العالم على تقاسم للأسواق لا بد من ملاحظته. رغم أن كل النمط الرأسمالي بات في “غرفة الإنعاش” نتيجة التكوين الذي بات يحكمه كاقتصاد مضارب مالي يهمّش قوى الإنتاج، التي هي في أزمة كذلك نتيجة “فيض الإنتاج”.

كل ذلك يجعل الثورة السورية في صراع متعدد الأشكال، لأنها في مواجهة قوى متعددة، محلية وإقليمية وعالمية. ليس روسيا والصين وإيران فقط، بل أميركا والسعودية وكل الدول الإمبريالية أيضاً.

الماركسي يجب أن يرى كل ذلك، لا أن يظل متمسكاً في “كليشيهات” باتت من الماضي. يجب أن يرى واقع وسياسات الإمبريالية الآن وليس كما حفظها منذ عقود.

والماركسي يعرف بأن كل حدث مهم سوف يفرض تدخلات كثيرة لقوى لها مصالح، وعليه أن يعرف أين تصبّ هذه التدخلات؟ وما هي مصالح هذه القوى بالتحديد والآن وليس في وقت مضى؟

من هذا المنظور تسقط نظرية المؤامرة رغم تدخلات القوى، وتصبح “المؤامرة” هي على الثورة والشعب وسورية. وتكون السلطة هي أداة فيها تنفذ ما فعلته أميركا في العراق من تدمير وقتل واعتقال وحشي. فقط لأنها تدافع عن مصالح المافيا الحاكمة.

7) لكل ذلك يجب أن يبلور الماركسيون في البلدان العربية موقفاً واضحاً من الثورة السورية:
فهي أولاً ثورة بكل معنى الكلمة، نتجت عن الانهيار الاقتصادي الذي حدث خلال العقد الأخير، وفرض إفقار وتهميش قطاعات واسعة من الشعب، ومركزة الثروة بيد أقلية عائلية مافياوية.

ولهذا، ثانياً يجب أن تدعم من أجل أن تنتصر وتفتح الأفق لتحقيق تحولات اجتماعية وسياسية مهمة. وأيضاً لكي ينفتح الطريق لامتداد الثورة إلى البلدان الأخرى (من المغرب إلى السعودية).

وثالثاً لا بد من رفض كل منطق يدعو إلى التدخل العسكري الإمبريالي، وبالتالي رفض تدخل روسيا، وإيران. ورفض كل منطق طائفي أو يريد فرض طابع ديني على الثورة. وكشف سياسة المعارضة التي تلخص الثورة بمطلبها هي، الذي هو مطلب ليبرالي لا يحل مشكلات الشعب، بل يحل مشكلات أفراد يريدون السلطة.

ورابعاً فضح السلطة في ممارساتها الوحشية ضد الشعب، والتي تصل إلى حد ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وأيضاً فضح التخريب السعودي القطري الخليجي الذي يهدف إلى افشال الثورة بالنسبة للسعودية، وسيطرة الإخوان بالنسبة لقطر. وفضح عملية تصدير “الجهاديين” إلى سورية كجزء من عملية تخريب الثورة.

وخامساً دعم اليسار السوري، سياسياً وإعلامياً، وبكل ما هو ممكن، كجزء من سياسة تهدف إلى تنسيق نشاط كل الماركسيين في البلدان العربية، الذين يعملون على المشاركة في الثورات، ويسعون إلى تطويرها، وتحويلها إلى ثورات شعبية منتصرة.

وسادساً التنسيق في المجال الإعلامي لكسر سيطرة الإعلام الخليجي الإمبريالي الذي يشوّه الثورة وينقل صورة مختلفة عن ماهيتها، من خلال تبادل المعلومات، ونشر تحليلات الماركسيين السوريين عن الثورة.
وسابعاً العمل على صعيد كل الماركسيين في العالم لتوضيح طابع الثورة، والسعي لتحويل مواقف اليسار الذي يدعم سلطة مافياوية مجرمة تحت حجة “مناهضة الإمبريالية” كي تتخذ موقفاً ثورياً حقيقياً يدعم الثورة، ويعتبر أنها جزء من الثورات العربية، ومن نهوض عربي ثوري جديد، هو الشرارة الأولى لنهوض عالمي كبير، تدفع أزمة الإمبريالية إلى تفجره في أوروبا وآسيا وربما كل العالم.

وربما يحتاج ذلك إلى تنظيم مؤتمر عام يضم كل الماركسيين المعنيين بالثورة والتغيير، وتطوير الثورات لكي تنتصر حقيقة بإسقاط الطبقة الرأسمالية الريعية المسيطرة في كل البلدان العربية. فالثورة باتت بحاجة (وهي بحاجة أصلاً) إلى قوى جذرية منظمة، واضحة الإستراتيجية والأهداف والرؤية، لكي تحقق مطالب الشعب. وما دام الحل ليس رأسمالياً على الإطلاق، لأن الحل الرأسمالي الذي جرى تطبيقه منذ قوانين الانفتاح التي قررها أنور السادات أواسط سبعينات القرن الماضي هو الذي فرض نشوب الثورات، فإن الحل يكمن في تجاوز الرأسمالية. وهذا ما يؤسس لأن يكون للماركسيين الدور الأهم، لأنهم من يستطيع حمل مشروع يتجاوز الرأسمالية، ويتضمن حلاً للمشكلات المجتمعية كلها.

نأمل التفاعل، والتواصل، والحوار لتحقيق المهمات المطروحة الآن في أفق تحقيق الاشتراكية.

سلامة كيلة
ائتلاف اليسار السوري

نحن في عالم جديد يتشكل

كأننا ما زلنا نعيش الحرب الباردة، حيث لم يظهر أن لانفجار الأزمة المالية عام 2008 أي أثر على تحليل الوضع الدولي، وتلمّس المتغيرات التي تحصل فيه. ولهذا ما زلنا نعيش الحرب الباردة، حيث ينقسم العالم إلى منظومة إمبريالية على رأسها أميركا، ومنظومة اشتراكية على رأسها الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي يظهر واضحاً في كل ما يصدر من تحليلات ورؤى ومواقف.

انهيار الاتحاد السوفياتي أنهى الحرب الباردة، وجعل روسيا الاتحادية جزءاً من المنظومة الإمبريالية، حاولت أميركا أن تجعلها ملحقاً لكن الأمر تجاوز ذلك. وبالتالي فإن كل التحليلات والمواقف التي انبنت عليها خلال الحرب الباردة باتت من الماضي.

لقد بات العالم رأسمالياً “صرفاً”، ولم يعد “الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية” هو الذي يحكمه، ومن ثم بات كل صراع هو بين رأسماليات. روسيا التي باتت رأسمالية مع سيطرة يلتسين وتفكيك الاتحاد السوفياتي، والصين باتت رأسمالية بعدما اندمجت في الاقتصاد الرأسمالي، وأميركا وأوروبا واليابان هي البلدان الرأسمالية التي شكلت الثالوث كما يقول سمير أمين.

أميركا عملت جاهدة لأن تسيطر على العالم بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، وحاولت تأسيس عالم أحادي القطب، مستغلة الفراغ التي نشأ عن غياب القوة العظمى الأخرى، أي الاتحاد السوفياتي، وبفعل ضعف الرأسماليات الأخرى.

العولمة هي شكل فرض السيطرة الأميركية، والشكل الاقتصادي الذي يحقق مصالح الشركات الاحتكارية الأميركية، وأصلاً الطغم المالية الأميركية. وكانت السيطرة تنطلق من التدخل العسكري والاحتلال، ونشر القواعد العسكرية، أي عسكرة العالم.

وإذا كانت أميركا عبر كل ذلك تريد تجاوز أزمتها “المالية” التي بدأت مع بداية سبعينيات القرن العشرين، وتفجرت بأشكال مختلفة منذئذ، فقد أوضحت الأزمة المالية التي تفجرت عام 2008 أن المسألة أعقد من أن تحل، حتى عبر السيطرة على العالم، هذه السيطرة التي ظهر لأول مرة أنها تزيد الأزمة ولا تقود إلى حلها كما كان الأمر في الأزمات السابقة.

حاول أوباما في فترته الأولى تجاوز الأزمة عبر الاستمرار في سياسة بوش الابن على أمل أن يجري تجاوزها، لكن ربما كانت سنة 2010 سنة فاصلة في التاريخ العالمي، حيث ظهر أن الأزمة لم تحل، وأن حلها يستلزم سياسة أخرى مختلفة جذرياً. هذا ما أسّس لوضع عالمي جديد. نحن بالتالي في وضع عالمي جديد، ليس من المفيد فيه تكرار كل التصورات السابقة، أو الاعتماد على أفكار تبلورت خلال الحرب الباردة، وحتى خلال السيطرة الأحادية القطب. نحن في عالم جديد يتشكل، ربما لم يتبلور بعد، وليس واضحاً كذلك، لكنه يتشكل.

أميركا لم تعد أميركا التي نعرفها وأسسنا كل تصوراتنا السابقة انطلاقاً من هذه المعرفة. وروسيا لم تعد روسيا التي انهارت وباتت ملحقاً بأميركا، وأوروبا لم تعد جزءاً من الثالوث، كذلك اليابان التي تتهمّش، والصين تفرض إيقاعاً جديداً جعل الإمبريالية الأميركية تعتبرها الخطر الأول عليها.

باختصار يشهد العالم مخاضاً من أجل تشكّل جديد لم يتبلور بعد، وهو يعاني من أزمة تخترقه، لكنه بالتأكيد لم يعد العالم القديم. ليس عالم الحرب الباردة ولا عالم الأحادية القطبية، وربما لا يكون عالم الرأسمالية ذاتها.

أميركا تراجعت عن سياستها الأحادية القطبية بعدما ظنت أن العالم بات ملكا لها. تواضعت وباتت تتكيف مع وضعها الجديد، فلم تعد ترى أنها قادرة على أن تكون “زعيم العالم”، والمسيطر بقوته العسكرية، لأن هذه السيطرة لم تقُد إلى تجاوز الأزمة العميقة التي تعيشها، والتي ما زالت تتهددها.

وبالتالي يبدو أنها اقتنعت بأن تكون قوة “عظمى” بين قوى متعددة، وأن تهتم بحماية وضعها الداخلي وحل أزمتها “المالية” بدل الاندفاع للسيطرة. لقد انكفأت، وباتت تخشى تنافسا يطيح بها، وتخشى “قوة الصين” التي باتت شاغلها الأول. هذا هو مضمون إستراتيجيتها الجديدة التي أقرت بداية سنة 2012، والتي أسست كل سياستها العسكرية على أساسها، وجعلها تنظر من منظور “الحماية من الصين”.

وروسيا تقدمت، باتت تتصرّف كقوة إمبريالية تريد حصتها في التقاسم العالمي الجديد، وهي تعرف أزمة أميركا ومشكلاتها، لهذا تقدمت لفرض إيقاع جديد، ربما يذكّر “بالحرب الباردة”، لكنه هذه المرة يعبّر عن تنافس إمبريالي. روسيا تريد السيطرة والاستحواذ على الأسواق وتحقيق مصالح طغمها المالية.

الصراع هنا صراع بين رأسماليات، بين طغم مالية يريد كل منها أن يسيطر، ويستحوذ على الحصة الأكبر. روسيا هنا ليست الاتحاد السوفياتي الذي دعم “حركات التحرر” من أجل تقليص السوق الإمبريالي، وإضعاف البلدان الإمبريالية لكي “تنتصر الاشتراكية”، بل هو روسيا الإمبريالية التي تريد الأسواق، وهي تحاول تشكيل محور عالمي يعمل لأن يرث الثالوث الإمبريالي القديم (أميركا وأوروبا واليابان)، ويصبح هو الإمبريالية الجديدة.

الصين لا تطرح ذاتها قوة منافسة في المستوى السياسي، لكنها تنتصر في التنافس الاقتصادي، هي تستحوذ على كتلة نقدية هائلة من الدولار (ثلاثة تريليونات)، وتوظف في سندات الخزينة بمبلغ معتبر (1.5 تريليون دولار)، وسلعها تغزو كل العالم بما يجعلها “إمبريالية تجارية” من الدرجة الأولى. كما تتحوّل إلى قوة عسكرية هائلة. وفي كل ذلك يظهر خطرها على أميركا، خصوصاً أنها تتحالف مع روسيا (ومع البرازيل وجنوب أفريقيا، وحتى الهند العدو التاريخي).

اليابان يبدو أنها تغرق في أزماتها، فبعدما كان التوقع يشير إلى أنها سترث أميركا وتصبح القوة الأولى، باتت هامشاً لا يذكر تقريباً.. إنها غارقة في حل مشكلاتها، هذا باختصار هو وضعها.

أوروبا مهددة بأزمة مديونية ربما تدفعها إلى الانهيار، ورغم أن ألمانيا ما زالت “دون مشاكل”، وهي المستفيد من “الاتحاد الأوروبي”، فسيفضي انهيار بلدان مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا إلى انهيارها هي كذلك.

وهي ترتب وضعها بالتحالف مع روسيا، بينما تسعى فرنسا إلى أن تستعيد بعض مواقع نفوذها لكي تتجاوز الأزمة الممكنة التي لن تستطيع تجاوزها، لهذا تبدو في “تناقض” مع مطامح ألمانيا، و”تخلي” أميركا، وطموح روسيا. لقد اعتقدت أنها تستطيع أخيراً “وراثة” سوريا، لكنها اكتشفت أن أميركا قد باعتها لروسيا، فاندفعت لكي “تسرق” مالي، وربما تغرق فيها.

عالم مضطرب، ولم يتشكل بعد، لكن يجب أن يكون واضحاً أن أميركا لم تعد أميركا التي نعرفها، وهذا أمر مهم وأساسي، خصوصاً أن “الصورة النمطية” لها تتأسس على أنها طرف في الحرب الباردة وقائدة “المعسكر الرأسمالي”، وأنها الطرف الوحيد المسيطر بعيد انهيار المنظومة الاشتراكية، وأنها تحيك المؤامرات، وتتدخل في كل تفاصيل العالم.

لكن أزمة 2008 قلبت الوضع كله، وباتت أميركا في تراجع، وتعمل على إعادة ترتيب وضعها العالمي على ضوء أزمتها وقدراتها التي تراجعت، وهي تسعى لأن تبقى قوة من القوى العالمية.

ومن ثم فهي تعيد رسم تحالفاتها وتموضعها العالمي، ومركز اهتمامها هو منطقة الباسيفيك (آسيا والمحيط الهادي). ولهذا لا بد من رؤية سياساتها انطلاقاً من هذا الأساس، وليس من السياسة التي اتبعتها خلال الحرب الباردة، أو خلال مرحلة العولمة وسيطرة الأحادية القطبية. وأي كلام لا ينطلق من ذلك تكرارا لما كان، سيبدو سطحياً.

إن العالم الجديد لم يتشكل بعد، وإن كل الصراعات التي تجري في الخفاء، تنطلق من السعي للحفاظ على وضع القوى القائمة أو تدعيم وضع بعضها على حساب بعضها الآخر، وإن “تراجع” أميركا لا يعني انسحاباً شاملاً وسريعاً، بل يعني أن منطقة الباسيفيك باتت هي محدِّدة السياسات والأولويات، وأن “الشرق الأوسط” بات في الدرجة الثالثة أو الرابعة من الاهتمام الأميركي.

وهذا يفرض التفكير في “الدور الجديد” لأميركا في “الشرق الأوسط”، كما يفرض تلمس أدوار القوى الأخرى. ولهذا لن تفيد هنا كل “الذخيرة المعرفية” التي سادت منذ عقود، ويقتضي “التحليل الملموس للواقع الملموس”، وأنه كله يعاني من أزمة اقتصادية بنيوية لن تسمح بإعادة إنتاج السيطرة الإمبريالية مهما كانت القوة الأكبر فيها.

بالتالي لن نشهد وراثة إمبريالية أخرى بعدما ورثت أميركا بريطانيا عقب الحرب العالمية الثانية، بل سنشهد هزات وأزمات اقتصادية تطال كل الدول الإمبريالية، بما في ذلك روسيا والصين.

العالم إذن ينفتح على صراعات كبيرة، وعلى أزمة عميقة ستفرض تصاعد الصراع بين الشعب والطغم الإمبريالية، الأمر الذي سيجعل الثورات العربية هي المقدمة لثورات عالمية قد تفتح أفقاً لعالم جديد.

المصدر: الجزيرة

المجلس الوطني والإخوان المسلمون والائتلاف الجديد

أخيراً تحقق حلم الإخوان المسلمين السوريين بالسيطرة على المجلس الوطني، لكن بعد أن أصبح واضحاً أن في الأفق ائتلاف جديد يتجاوز المجلس. واللافت أنهم قرروا فرض السيطرة بعد عملية توسيع جرى الإيهام بأنها تهدف إلى توسيع التمثيل في المجلس، وذكرت الأخبار عدد القوى والمجموعات التي انضمت حديثاً، وهي بالعشرات، والتي قيل أنها تمثل الثورة.

ومن ثم ها هم يفرضون رئيس الوزراء الذي يريدون، ليظهر أنهم أيضاً مسيطرون على الائتلاف، الذي تشكّل أصلاً لتهميش سيطرتهم على المجلس الوطني في سياق وضع المعارضة السورية في الخارج في طريق «مختلف».

ليس غريباً ذلك، ولا مفاجئاً إلا للذين أغمضوا أعينهم أو اعتقدوا أنهم قادرون على اللعب، أو الذين كانوا يريدون تعبيراً سياسياً عن الثورة من دون التدقيق في ما يجري. فالإخوان المسلمون هم الذين خططوا منذ البدء، ونشطوا في شكل حثيث، ولعبوا بالكلمات، لكي يتوصلوا إلى تشكيل «مجلس وطني انتقالي». ولقد حددوا الهدف منه، وكيف يمكن أن يلعبوا بالقوى الأخرى لكي يصبحوا هم المسيطرين. حيث أنهم عملوا على أن يحتكروا الثورة، وأن يلبسوها «أيديولوجيتهم»، وأن يصلوا إلى السلطة عبر «الدبابة الأميركية». كل ذلك انتقاماً مما جرى لهم في سنوات 1980/ 1982، على رغم أنهم هم من أكمل سياسة تنظيم الطليعة المقاتلة في تفجير الصراع الطائفي. الذي ووجه بصراع مقابل، ظهر واضحاً في تدمير مدينة حماة. وبالتالي فهم ينطلقون من منظور طائفي عميق، الأمر الذي يجعلهم غير مبالين بسورية إلا من منظور تدمير السلطة عبر التدخل العسكري الخارجي، لأنهم يعرفون بأن وجودهم الواقعي لا يعني شيئاً، وأن الشعب الذي يخوض الثورة (ومنه الشباب المتدين) يحملهم مسؤولية أحداث الثمانينات كما يحمّل السلطة. ولهذا لن يصلوا إلى السلطة إلا عبر «الدبابة الأميركية»، حيث ليس من مراهنة عليهم كما حدث في مصر وتونس حين جرى اعتبار الإخوان المسلمين معارضة يمكن أن تحمل حلولاً لمشكلاتهم. وبالتالي أتوا هناك عبر الانتخابات.

لكن المأساة تكمن في أن نخب متأمركة لعبت دور المحلل. وأن بعض أطراف المعارضة في الداخل (إعلان دمشق، ورياض الترك خصوصاً) انساقت خلف الرؤية ذاتها لقناعتها بأن سقوط السلطة لا يتحقق إلا عبر «الدبابة الأميركية»، ربما لأنها انطلقت من «حقد غريزي» نتيجة الاستبداد الذي مارسته السلطة، والذي كان وحشياً بلا شك.

وهذا الثلاثي هو الذي أنجب «المجلس الوطني السوري». وهو الذي رسم سياسته التي تنطلق من السعي الحثيث لجلب التدخل العسكري الإمبريالي. ولهذا حاول المجلس تكرار التجربة الليبية، من تغيير العلم، إلى الجهد الدولي الكبير لتدويل المسألة السورية، إلى فرض «حماية المدنيين» التي أصبحت تعني «الحظر الجوي»، وصولاً إلى الدفع نحو التدخل العسكري. الأمر الذي جعله ينشط «دولياً» في سياسة تقوم على استجداء التدخل، واللهاث للقاء مسؤولي الدول الإمبريالية ومحاولة الحصول على اعتراف به كممثل شرعي وحيد.

لكن إمساك الإخوان، الذين تواجدوا في المجلس عبر مسميات متعددة هي وهمية في الغالب، بالمفاصل الأساسية للمجلس منذ البدء (بيت المال، والإغاثة)، وظلوا يحرصون على أن تبقى لهم الغلبة في كل توسيع فيه، فرض نجاح غالبية كبيرة لهم في المكتب التنفيذي في الانتخابات الأخيرة التي أجريت عشية تشكيل الائتلاف الوطني السوري، بالاستناد إلى أهم فكرة تسعى إليها الثورة: الديموقراطية، حيث أتت السيطرة عبر الانتخاب. هنا لا بد من ملاحظة «التفاعل المشترك» بين الإخوان المسلمين والسلفيين، وكل المجموعات المتأسلمة، التي تخوض الصراع من أجل السلطة.

المجلس إخواني منذ البدء على رغم الواجهة التي عرفت قيادة الجماعة كيف تلعب بها. والهدف احتكار التمثيل، والسعي لفرض التدخل الخارجي بعد أن خذلت أميركا محبيها وعشاقها، لكن الإخوان يصرون على فرض التدخل لهذا نجدهم يمارسون سياسة عسكرية في المناطق التي لهم تواجد فيها تقوم على زيادة التدمير والقتل عبر تكرار سياسة عسكرية توصل المقاتلون أنها فاشلة، والتي تتمثل في الاستحكام في المدن والاحتماء بالشعب. وهم بذلك يزيدون الدم، وبالتالي يشاركون في المجزرة التي تجري. كل ذلك من أجل استجداء التدخل الإمبريالي عبر تحويل الثورة إلى مجزرة، أو الإيهام بأن ما يجري هو مجزرة تستحق «التدخل العسكري الإنساني».

الإخوان المسلمون هم الإخوان المسلمون، ولن يكونوا غير ذلك، أي قوة أصولية تستميت من أجل السيطرة على السلطة، وتمتلك أحقاداً لا تستطيع تجاوزها. وهم يلعبون بأطراف المعارضة المتهافتة، والمستلبة للدول الإمبريالية. وهم يربطون رؤيتهم بالتحولات التي تجري في الوطن العربي، من منظور أن الثورات التي انفجرت فتحت الأفق لسيطرة «إسلامية» على كل النظم العربية، بعد أن تحقق «الوعد الإلهي» بأن يقيموا «الخلافة الإسلامية». وبالتالي هم الآن ينشطون ما بين تصعيد الصراع «الغريزي» ضد السلطة بغض النظر عن انعكاسها على سورية البلد، وبين «الوعد الإلهي» الذي يشعرهم أن عليهم «التكتكة» من أجل الجلوس في المقعد الأمامي لـ «الدبابة الأميركية»، بعد أن يكونوا قد أوجدوا كل المبررات التي «تفرض» على الدول الإمبريالية التدخل، كما أشرنا من خلال الإسهام في زيادة المجازر والتدمير.

الآن جاء دور السيطرة المباشرة على المجلس، ربما لأنهم يستشعرون بأن الأمور قد نضجت لحل يتجاوزهم بعد أن ظهر أن لا إمكانية للتدخل العسكري الإمبريالي، حيث سقط رومني الذي كان يُعتقد بأنه سينجح وسيغيّر في سياسة أميركا تجاه المسألة السورية، ليصبح التدخل العسكري ممكناً. خصوصاً أيضاً أنه يبدو أن أميركا تميل للتفاهم مع روسيا على حل هو أقرب إلى الموقف الروسي.

لكن، يجب أن يجري التنبيه لما يمكن أن يفعله هؤلاء أكثر من ذلك. فقد اتبعوا سياسة خاطئة، ومارسوا عملاً عسكرياً في سياق ضار، وها هم يستشعرون انفلات الوضع منهم. هل يندفعون لممارسات عسكرية أكثر سوءاً؟

الآن يدفن المجلس الوطني ويتشكل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة على أنقاضه. والائتلاف الجديد هو تحالف المجلس القديم مع المنشقين عنه بالأساس، ومجموعات قيل أنها أتت «من الأرض». لكن لماذا هذه النقلة؟

المسألة اللافتة هنا هي أن تشكيل التحالف الجديد تم بضغط من قبل الإمبريالية الأميركية، وأوروبا، ودول الخليج، وجرى الاعتراف به حالما تشكل. بالتالي ليس المسألة هي مسألة تشكيل التحالف بذاته بل هي مسألة ماذا تريد تلك الدول من هذا التحالف؟

في تجارب سابقة كان الهدف من تشكيل تحالف كهذا هو اتخاذه مدخلاً للتدخل العسكري، لكن في سورية ليس من تدخل عسكري، وحتى ليس من دعم عسكري للمجموعات المقاتلة، ربما فرنسا فقط كانت تعمل على كسر هذه القاعدة قبل تدخلها في مالي، على رغم التصريحات الرنانة الداعية لتسليح المعارضة، والتي يبدو أنها ذات مغزى تكتيكي. لهذا لا بد من تحليل الهدف من الخطوة الإمبريالية الجديدة. منطلقين من أن تأثير التحالف الجديد لن يكون أكبر من سابقة، أي لن يكون ذو تأثير في المسار الفعلي للثورة.

ما يمكن لمسه هنا أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح على احتمالين، الأول هو استمرار الدول الإمبريالية في المراوغة، أي الإيهام بأنها تقدمت خطوة عبر الاعتراف بالمعارضة «الموحدة»، وبالتالي استمرار السياسات القديمة التي تقوم على ترك المسألة السورية «تتفاعل»، بمعنى ترك الصراع يتفاقم من دون حسم، وهو ما يؤدي إلى زيادة التدمير والقتل وإضعاف بنى المجتمع، وهذا ما حصل إلى الآن. والثاني يتعلق باحتمال أن تكون الأمور قد وصلت إلى لحظة تفرض التوافق الدولي على حل، ولهذا يجب أن تشارك المعارضة كطرف في حوار تشارك السلطة فيه برعاية «مجموعة العمل» الدولية. ربما هذا الأمر هو الذي أطلق الإشاعات حول أن هدف التحالف الجديد هو «الحوار مع السلطة». وأيضاً ربما كانت التسريبات حول الموقف الأميركي تصبّ في هذا السياق. فقد أشير إلى أن السفير الأميركي في دمشق، والذي شارك في حوار الدوحة، قد أكد الرفض الأميركي للتدخل العسكري وتسليح الجيش الحر، وأن الحل للمسألة السورية هو حل سياسي. وطالب بعمل المعارضة على تخفيض سقف مطالب الشعب.

الآن، يبدو أن التوافق الأميركي الروسي قد تحقق، وبالتالي أن لحظة التقدم خطوة نحو الحل باتت مطروحة جدياً. خصوصاً بعد مبادرة معاذ الخطيب رئيس الائتلاف، التي تدعو إلى الحوار مع السلطة من أجل التوصل إلى حل سلمي. هذا الأمر فرض حدوث مفاجأة جديدة، كان الإخوان وراءها كذلك. فقد قرر الائتلاف تشكيل حكومة، وهو الأمر الذي يظهر أنه يشوش على الخطوات نحو الحوار من أجل تشكيل «حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة». الصيغة التي تقررت في مبادئ جنيف، التي باتت أساس التفاهم الأميركي الروسي.

لكن المفاجئ الآخر هو أن الانتخابات أسفرت عن حصول «إخواني» غير معروف على أعلى الأصوات، واختياره رئيساً للوزراء. الإخوان هنا أظهروا «دهاءهم» المعهود، حيث تبيّن أنهم أدخلوا مجموعات عدة في صلب الائتلاف كمستقلين أو كناشطين «يمثلون الثورة»، وبالتالي باتوا يملكون الغالبية في الائتلاف الجديد. لماذا هذه الخطوة؟ هل لإفشال «الحوار» من أجل ترتيب مرحلة انتقالية؟ أم لكي يصبح لهم حصة في هذا الترتيب؟

أظن أنه بات واضحاً أن الإفشال غير ممكن، خصوصاً بعد أن قررت أميركا، و «خضعت» فرنسا راضية بما حصلت عليه في مالي، وارتبكت تركيا، وربما تهمشت قطر. بالتالي هل رئيس الوزراء «المنتخب» سيكون بديل معاذ الخطيب على طاولة «الحوار»؟

الإخوان السوريون «يدسون» أنفهم لكي يحصلوا على «مقعد». ربما هذا هو ملخص الصورة بعد سنتين من الثورة التي تقاتلت على «ركوبها» قوى كثيرة.

المصدر: الحياة