Monthly Archives: مارس 2014

حوار: الماركسية ليست معادية للدين

“سلامة كيلة مفكر ماركسي، ولد في بيرزيت بفلسطين عام 1955م، حصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة بغداد عام 1979م، عمل في المقاومة الفلسطينية، وانخرط في أنشطة اليسار العربي، ثم استقر في سوريا وتعرض للسجن ثماني سنوات، أصدر ما يزيد عن 30 كتاباً، كما كتب في العديد من الصحف والمجلات العربية”.


ـ بداية يطرح السؤال نفسه، أين اليسار مما يحدث في العالم العربي الآن؟

سلامة كيلة: فيالسنوات الماضية، كان مصطلح اليسار يشمل كل جماعة تستهدف التغيير الاجتماعي من القوميين إلى الشيوعيين، الآن الواقع كشف أن مجمل الأحزاب التي تكونت في الفترة الماضية أصبحت أحزاباً منتهية الصلاحية، والتغيرات التي حصلت في الفترة الأخيرة أدت لتهميش الأحزاب اليسارية التي لم تستطع فهم الواقع، وقد كتبت في عام 2010 “إن علينا أن ندفن موتانا”، تعبيراً عن واقع اليسار العربي، وعندما حصلت الثورات كان الشباب الذي خاضها يميل لإبعاد الأحزاب، لأنها تحولت إلى عبء، والسؤال المطروح الآن هل سيتأسس يسار جديد أم لا؟

ـ وما رأيك؟

سلامة كيلة: أعتقد نعم.

ـ ولكن كيف يمكن تأسيس يسار حقيقي في إطار وضع ثوري؟ وما هي شروط التأسيس؟

سلامة كيلة: تأسيس وعي جديد مخالف لثقافة الشفاهة الجامدة التي انتشرت في أحزاب اليسار؛ فالحزب يعتمد على التكتيك السياسي، وليس فهم الواقع كما هو، والعضو ملتزم بالتكتيك، والمثقف يضيق بتهميش مساحة الحرية المتاحة داخل أروقة الأحزاب، والسؤال كيف تتأسس نخب سياسية بناء على فهم التراث الفكري الإنساني وليس الماركسي فقط ؟ والسؤال أيضاً كيف يمكن استخدام الجدل المادي في فهم الواقع؟

ـ كيف يمكن تفسير نجاح تيار الإسلام السياسي الذي يتبنى سياسات اقتصادية يمينية في الانتشار بين الطبقات الاجتماعية المهمشة من فلاحين وعمال، بينما فشل الماركسيون في تحقيق ذلك، على الرغم من تمركز المشروع السياسي الماركسي حول هؤلاء؟

سلامة كيلة: استسلمت الأحزاب اليسارية للتفكير في السياسي دون التفات لواقع الناس، وهو ما دفعهم للتشرنق، وأصبحوا جزءاً من النظام السياسي، لم يعد النظر إلى المهمشين والفقراء ضمن أولوياتها، ولا سيما مع تحول الدولة إلى دعم الاتجاه الأصولي، وعلى الأخص الإخوان المسلمون في مصر وسوريا، لمواجهة الفكر اليساري لتمرير السياسات الليبرالية، ومع توسع حركة انهيار حركات التحرر الوطني دخل الإخوان المسلمون على الخط، مما دفع الدولة للصراع معهم، هنا ظهر أنهم وحدهم يمثلون المعارضة، وهذا ما دفع الشعوب للتعاطف معهم، وكان قيام حماس وصراعها مع إسرائيل، وما ظهر من قيادة الإسلاميين للصراع ضد الإمبريالية، حتى إنهم احتكروا الشعارات اليسارية، ومن منظور الليبرالية فالقوى الليبرالية كانت ترى أن الإسلاميين تطوروا إلى اتجاه ديمقراطي؛ أي أنهم ليبراليون، هنا احتكر الإسلاميون الشعارات اليسارية واليمينية، وقد تكشف كذب تلك الأفكار مع قيام الثورات العربية، وظهور عجز الإسلاميين عن المشاركة فيها بشكل فعال، وبعد تجربتهم في مصر ظهر أنهم ليسوا معادين للإمبريالية الأمريكية؛ لدرجة أن أمريكا أصبحت تدافع عنهم وكذلك إسرائيل، ولم يختلفوا على السياسات الليبرالية الاقتصادية، مما كشفهم أمام الناس، وأنا شاهدت كتلاً ضخمة في 30 يونيو من طبقات اجتماعية متفاوتة خرجت كلها بسبب كذب الإخوان، وخوفاً من طبيعة السلطة التي كانت أقرب للقرون الوسطى، مما أثار خوف قطاعات واسعة، وتفككت الرمزية التي حصلوا عليها، فهم ليبراليون من الناحية الاقتصادية يعبرون عن أفكار العصور الوسطى، هم تجار يعبرون عن الإسلام السني التجاري الذي ظهر بالحضر، بالإضافة لذلك، فهم لم يكونوا في حالة تناقض إيديولوجي ضد نظام مبارك أو بسبب تهميش وتفقير المصريين، ولكن بسبب تهميش كتلهم الاقتصادية. وأعتقد أن تجربة مصر قد أنهت تلك المرحلة، وكنت أدرك هذا جيداً، ففي 4 فبراير 2011 كتبت أن الأمريكيين سيأتون بهم وسيفشلون، وكذلك في سوريا حيث يلعبون دوراً تخريبياً بسبب وعيهم الخارج من القرون الوسطى ومستوى التفكير المحدود.

ـ الثورات العربية هدمت أنظمة استبدادية عتيقة، وأطاحت بالإسلام السياسي في مصر، ويبدو أنها تتجاوز كافة الإيديولوجيات القديمة، فهل تدرك نخب اليسار هذا التحول التاريخي؟

سلامة كيلة: اليسار لم يدرك التحول، ولم يدرك مطالب الناس وكيف تتحقق؛ فالبنى الحزبية القديمة حتماً ستنتهي؛ لعدم قدرتها على تغيير نفسها بسبب شيوخ الأحزاب، والقطيعة المعرفية والسياسية بين الشباب والأحزاب، وبدا أنها تسير نحو الموت؛ فالذهنية السياسية الحالية تجتر المفاهيم ليس إلا، حتى في نضالها السياسي اهتمت فقط بالتركيز على تجميع الكتل الثورية ضد مبارك ثم المجلس العسكري ثم الإخوان دون التركيز على البعد الطبقي، مما يدل على أنهم لم يلمسوا مشكلات الواقع وكيفية الوصول إلى تغيير حقيقي وجذري.

ـ ولكن هل النظرية الماركسية قابلة للتطوير والتطبيق في واقعنا العربي المعاصر؟ أم باتت من كلاسيكيات التاريخ؟

سلامة كيلة: ما معنى النظرية هنا؟ هذه هي الإشكالية، أنا أفهم النظرية بفهم الواقع، والنظرية عدة مستويات، وقد طور ماركس المنهج من الصوري إلى المادي الجدلي، وهذا يقوم على فهم مفتوح للواقع، أن نحلل الواقع ونطرح حلولاً لذلك الواقع ومشكلاته، وهذا ما فعله لينين؛ فقد اكتشف استحالة تكرار البرجوازية الروسية للمسار البرجوازي الغربي، وهذا ما دفعه لتطوير دور الدولة الاقتصادي، ما حدث بعد ذلك أنه تم تجميد النظرية وتحولت من جدل مادي إلى فكرة مثالية تنظم الواقع وتقيس الواقع على الأفكار، أصبح هناك فكرة مسبقة، ونسوا الواقع الملموس المنتج للأفكار، وانعكس ذلك على رؤية الأحزاب في السياسة إما مع أو ضد أمريكا، وهذا هو الإشكال، الاستسلام لبنى ذهنية وتطبيقها على الواقع، إنها المثالية البعيدة عن الواقع، لأن طرح فهم للواقع وصراعاته وتحديد مطالب الناس هو الهدف الأساسي للجدل المادي.

ـ ونحن نناقش تلك المفاهيم والمصطلحات التاريخية ومحاولات تطويرها، مصطلح آخر يطرح نفسه بقوة هو الفكر القومي، فهل هناك مستقبل للقومية العربية في مرحلة ما بعد الثورات؟

سلامة كيلة: في السنوات الأخيرة أصبح هناك انتباه للفكرة، لكن يجب التمييز بين الفكر القومي المثالي الذي طرح في فترة كانت الشيوعية عاجزة عن التعبير عن المسألة القومية وتبنيها، على عكس فيتنام والصين، لكن الأحزاب الشيوعية نتيجة ارتباطها بالسوفييت ظلت سياساتها ترفض المبدأ القومي، إلا أن قضية القومية ما زالت قوية، لقد انتشرت الثورة من تونس إلى باقي الدول العربية، ويجب وضع القومية في إطار مشروع طبقي واضح، فلا مستقبل للبلاد والصناعة بدون تكامل الأمة العربية، وهذا كان حلم محمد علي الألباني بأن يوحد السوق تحت اسم العرب، وكذلك عبد الناصر الذي لم يبدأ قومياً، وكان مشروعه حقيقياً يتبنى هذه المسألة.

ـ ولكن يبدو أن هناك قطيعة بين الفكر الماركسي والفكر القومي.

سلامة كيلة: لقد طرح ماركس وإنجلز المبدأ القومي بالبيان الشيوعي، والحزب الشيوعي الألماني كان هدفه توحيد ألمانيا، والآن مع الرأسمالية انتقل العالم إلى الدولة الأمة، والأممية مطروحة بهدف تحقيق تحالف أمم وليس أفراداً أو طبقات، والارتباط بالسوفييت فرض رؤى خاصة، فعندما ضُرب الحزب الشيوعي المصري كان الحزب الشيوعي الفلسطيني يتابع الوضع في مصر، وكان الميل القومي التحرري للوصول للاشتراكية هو الغالب، لكن الأحزاب الشيوعية العربية أخفقت، ولم تدرك أنه لا إمكانية للتطور إلا في ظل نظام اشتراكي، ولم تلعب هذه الأحزاب دوراً قومياً لتبعيتها للسوفييت، رغم أن فراغ السلطة كان يسمح خاصة في ظل الانقلابات المتتالية.

ـ في رأيك هل يستطيع الفكر الماركسي إعادة إنتاج نفسه وتقديم تصورات واقعية قابلة للتطبيق؟ أعني هنا عدم الجمود النظري والانطلاق نحو مساحات جديدة تحقق مطالب القطاعات العريضة من الشعوب على غرار ما فعله لينين فيما يعرف بسياسة الـ “نيب”NEP ؟

سلامة كيلة: الماركسية تحتاج لطرح تصورات جديدة ومختلفة للاستفادة من أخطاء التجربة السوفيتية وإيجابياتها، ويجب التأسيس لفهم حقيقي للارتقاء بحركة الناس، وخاصة مع الثورة التي تفتح أفقاً لإعادة بناء مجال حقيقي أمام الشباب للتغيير، والآن الشباب الذي يخوض الصراع مرتبط بتكوين حقيقي عضوي مع الواقع ومع البديل الاشتراكي، وتنتابه حالة إحباط من الرأسمالية التي فشلت في المجتمعات، كل هذا يدفع الشباب إلى البحث عن بديل، والنظم القديمة انتهت رغم محاولتها القفز على الواقع، والأحزاب القديمة انتهت، والشباب يبحث تطوير وعيه، وهناك حالياً مرحلة تخمر لتكوين البديل وفتح أفق جديد، والثورة ستستمر ما دامت هناك حاجات لم تشبع.

ـ كيف يرى المثقف الماركسي سلامة كيلة قضية العلاقة مع التراث الديني؟

سلامة كيلة: هذه المشكلة طرحت في مرحلة ما انطلاقاً من منظور خاطئ، أصبح هناك اعتقاد لدى قطاعات من المثقفين بأن انحسارهم وتقوقعهم ناتج عن عدم فهم الوعي الشعبي، والابتعاد عن تراث تلك الشعوب، وبعضهم انتقل من الماركسية للفكر الإسلامي، بالأساس أعتقد أن المسألة أعمق من ذلك، فكيف نفهم تاريخنا ونربط بين علاقة الحاضر بالتاريخ؟ لا بد من فهم التاريخ بشكل علمي لكي نصل لاستنتاجات صحيحة، لا أن نخضع لابتزاز القوى الإسلامية، فالأساس هنا هو كيف نبلور بديلاً يتضمن التاريخ، ويستوعب مشكلات الحاضر ويؤسس لمستقبل بديل، فالإسلام جزء من التاريخ وليس مجرد دين، وكل النقاش الحالي دائر في مجال العقيدة، لا بد أن نناقش ماذا لعب الإسلام في التاريخ من أدوار وماذا قدم للاقتصاد والسياسة والتاريخ؟ وهذا ما تأملته في كتاباتي، وأنا لست معنياً بالمنظور الفقهي، وهناك شخصيات، مثل علي عبد الرازق الذي قام بتفكيك الدين من الداخل للدفع بحركة التاريخ، لا بد من مساءلة التاريخ وتحليله وفهم الإسلام في سياقه التاريخي.

ـ ولكن هل يمكن أن يتبلور موقف ماركسي جديد من الدين؟

سلامة كيلة: الماركسية ليست معادية للدين، وهناك فارق بين الإلحاد والمادية، وهذا ما تبلور في الدولة العباسية ودفع الغزالي للهجوم على الفلسفة ظناً منه بأنها تؤسس للإلحاد حسب وجهة نظره، ثم انطلق ابن رشد ليوازن بين الدين والفلسفة. الماركسية تنطلق من الإنسان لذلك فهي تحترم حقه في العبادة، وبالتالي فهي أيضاً في قطيعة مع الفهم الأصولي للدين الذي يحاول فرض عقيدته على الآخر، وعندما نقرأ “في المسألة اليهودية” نرى الإيمان العميق بحق الجميع في حرية التعبد. كان الاتهام الدائم للماركسية بأنها تدعو للإلحاد نوعاً من الهجوم والتشويش على الماركسية للتخويف منها، انطلاقاً من مسألة قديمة هي ثنائية الإيمان /الإلحاد.

ـ وهل ترى إمكانية تطوير الخطاب الديني الراهن أم أن القطيعة مع الخطاب الديني هي الحل؟

سلامة كيلة: ليس الإصلاح ولا القطيعة، في كتابي “الإسلام في سياقه التاريخي” رأيت أن الإسلام مثل باقي الأديان سيتكيف مع كل تطورات الواقع، لقد طرح الإسلام نفسه ديناً ودولة، وهو أشبه بما حدث للمذهب الكاثوليكي في التجربة الأوروبية، فقد ظل يقاتل حتى اللحظة الأخيرة من أجل الدفاع عن مواقعه، ولكنه في النهاية تكيف مع الأمر الواقع.

ـ هل تتفق مع فكرة أن الإسلام دين ودولة أم أن الإسلام دين في حدود الشخصي فقط؟

سلامة كيلة: الإسلام دين ودولة، والقرآن دستور الإسلام وذلك في محيطه التاريخي، لا بد من تحديد الرؤية من خلال منظور تاريخي، فعلي عبد الرازق ـ كنموذج ـ أراه مخطئاً في فصل الإسلام عن السياسة، جاء عبد الرازق في زمن كانت هناك رغبة في نشر الفكر العلماني والمدني، وهو من منظور طبقي خدم التطور الحداثي، ولم يكن علي عبد الرازق دقيقاً في تأويل الآيات القرآنية، والقرآن دستور دولة ينص على تشريعات وقوانين تمس حياة الناس، لكنها يجب ألا يتم تأويلها خارج بعدها التاريخي، لا يمكن أن تمتد التجربة خارج عصرها، الإسلام دين ودولة في عصره الذي جاء فيه، يوجد مجال للتأويلات تؤدي عموماً لتكيف الدين مع الفكر الحديث، وهي آليات تفتح الطريق للمدنية وتحديث الإسلام، وستظل التأويلات موجودة طالما ظل الإسلام يمثل معضلة أمام التحديث.

المصدر: مؤمنون بلا حدود

Advertisements

اليسار السوري والثورة

من حيث التكرار الإعلامي هناك يسار سوري، حيث توجد أحزاب وقوى تتسمى بذلك، لكن في الواقع ليس من يسار. هذه هي المعادلة القائمة في سورية كما في البلدان العربية عموماً. وهي معادلة إشكالية نتيجة أن الثورات امتدت من تونس إلى سورية، دون أن تجد حزباً يستطيع أن يضع استراتيجيا ثورية تفضي إلى انتصار الثورة، الأمر الذي جعلها مجال تلاعب بين قوى في السلطة، ومجال عجز عن تغيير النمط الاقتصادي وإسقاط الطبقة المسيطرة. وفي سورية جعل الثورة تسير في متاهات صعبة، وتستمر ثلاث سنوات دون أن يظهر أفق للانتصار، بل أن ما يظهر هو تحقيق حل ربما يوقف الفوضى والدموية، ويزيح رأس السلطة، لكنه لا يغيّر أكثر من ذلك، وبالتالي يبقي مطالب الثورة قائمة. بعد دمار هائل وخسارة مئات آلاف الشهداء نتيجة وحشية السلطة، والتدخلات الإقليمية والدولية المضادة للثورة.

أولاً، لا بد من التنويه إلى أن مصطلح يسار مضلل لأنه غائم، حيث أنه مصطلح سياسي عام لا يحدد طبقة ولا أيديولوجيا، بل ربما يشمل طبقات وأيديولوجيات، في وضع يفرض تحديد دور الطبقات والأيديولوجيات. فهو يتعلق بكل من يسعى إلى تحقيق التطور لتجاوز البنى القائمة. ولهذا فإن مضمونه متحوّل وفق واقع الطبقات وموقعها في الصراع الطبقي. ورغم أن مصطلح اليسار بات يتحدد في التيار الماركسي عموماً سوف يكون القصد هنا تناول وضع الأحزاب التي تعتبر أنها “تعتنق” الماركسية. رغم أن بعض التيارات القومية يمكن أن توضع تحت هذا المصطلح.

وإذا كانت سورية قد شهدت وجود حزب شيوعي منذ سنة ١٩٢٤، ونشأت أحزاب ماركسية أخرى فيما بعد، كما تشقق الحزب الشيوعي إلى أحزاب، فقد كان واضحاً بأنها كلها باتت “على الهامش”. بعضها في السلطة شريكاً لحزب البعث، وبالتالي مسؤولاً عن سياسات السلطة رغم أنه ليس مقرراً فيها، بل هي كحزب البعث واجهة لسلطة “طبقة” تبلورت مع بداية القرن الجديد كمافيا مهيمنة بعد أن كانت قد نمت في حضن سلطة فريدة شمولية، فأصبحت جزءاً من بيروقراطية السلطة. وبعضها الآخر تلبرل، خصوصاً بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وبات “يعشق الغرب”، وأصبح يرى في الديمقراطية مطلبه الأساس، الذي يفرض اللبرلة الاقتصادية كضرورة حتمية. لكنه أيضاً كان ينحصر في كادرات قديمة في الغالب، ولم يستطع أن يبدو كبديل لا للطبقات الشعبية ولا لشباب الفئات الوسطى.

في هذا الوضع أصبح هناك “شيوعيون” يشاركون في السلطة، ويبررون ذلك برفع نغمة “الخطاب الوطني”، و”المقاومة والممانعة”، دون النظر الجدي إلى طابع السلطة الشمولي الاستبدادي (إلا بشكل خجول)، وبدفاع خجول كذلك عن وضع الطبقات الشعبية التي أنهكها نهب الطبقة المسيطرة. لقد ظل “الصراع مع الامبريالية” هو الهاجس الذي يحكمهم في تجاهل كامل لما يجري في الاقتصاد، وكيف يتم النهب وتسيطر “طبقة جديدة” هي مافياوية الطابع، ومتشابكة مع رأسمال خليجي ودولي (مع تركيا قبل الثورة، ومع روسيا بعد ذلك). وبالتالي كان يظهر هنا هزال الفهم الماركسي، حيث لم يجرِ فهم العلاقة بين تعميم اللبرلة والعلاقة مع الامبريالية عبر تحقيق فصل قسري بين الوطني والطبقي. وتغليب “الوطني” على الطبقي، رغم انحكام الوطني للطبقي بالضرورة، ورغم أنه كان يجب تفسير سبب “الخلاف” مع الإمبريالية تأسيساً على أن الطبقة المسيطرة هي طبقة “رجال أعمال جدد” ذو طابع مافياوي، وتميل للتكيف مع النمط الرأسمالي العالمي وليس التناقض معه.

وبات هناك “يسار” يعتبر بأن الديمقراطية هي المطلب الجوهري، وأن الصراع هو من أجل الانتقال إلى نظام ديمقراطي، بعضه انسياقاً مع الخطاب العولمي الذي أعلى من نغمة خطاب الحرية والديمقراطية لكي يفكك “النظم الاستبدادية”، لكن في المستوى الاقتصادي عبر فرض التحرير الكامل للاقتصاد. هنا أصبحت الديمقراطية هي كل المسألة، وبات “النضال” من أجلها هو الهدف الأساس. وإذا كان قد سقط الخطاب “الوطني” هنا، وبات قطاع كبير من هؤلاء ينظر بـ “عشق” للدول الامبريالية (الغرب)، ويقبل ما يعتقد بأن السلطة ترفضه، فقد تجاهل كلياً وضع الاقتصاد والظروف التي تعيشها الطبقات الشعبية، في مرحلة كانت تشهد تحولاً كبيراً فرض إعادة صياغة الاقتصاد وتوسيع الفارق الطبقي عبر تمركز الثروة بيد أقلية.

إذن، لقد كان واضحاً بأن ما يسمى اليسار لم يكن يساراً بل ربما عبّر في وجه منه عن بيروقراطية سلطة، وفي وجه آخر عن فئات وسطى مأزومة تسعى لأن تجد مساحة لها في التكوين السياسي القائم فقط. ولهذا كان وضع الطبقات الشعبية مهمشاً، أو حتى غائباً، وباتت السلطة هي محور “الوعي”، سواء تعلق الأمر بقبول الدفاع عنها، أو رفض طابعها الاستبدادي وشموليتها. وهذا ما انعكس في الموقف من الثورة، سواء لجهة رفضها كونها “مؤامرة إمبريالية”، أو كونها تهدف إلى تحقيق الحرية والديمقراطية فقط. كما انعكس في الدور العملي لمجمل الأحزاب التي تتسمى يسارية، والتي لم تعرف ما الدور الذي يجب أن تلعبه في الثورة ذاتها، وما هي مهماتها فيها. ولهذا نشطت في أماكن بعيدة عن الفعل الثوري.

الثورة قامت نتيجة التحوّل الكبير في الاقتصاد، رغم كل المطالب الأخرى، التي كانت مطالب فئات وسطى في الغالب. ولهذا لم تكن متوقعة من مختلف الأطراف نتيجة تركيز المتابعة في المستوى السياسي فقط. ومن ثم باتت مجال “تحميل مواقف”، حيث دافع “اليسار الممانع” عن السلطة معتبراً أن ما يجري هو مؤامرة، معيداً تكرار “الخطاب الوطني”. ونشط “اليسار الليبرالي” من أجل تحميلها أوهامه الديمقراطية.

لقد ظهر أن الثورة تتقدم بفعل “فاعلين جدد”، هم من الطبقات الشعبية الذين لم ينخرطوا سابقاً في السياسة. حيث اندفعت قطاعات من هذه الطبقات لكي تسقط النظام. وهؤلاء هم الأساس في الثورة. لكن سنلمس بأن كادرات وشباب ممن كانوا ينتمون لأحزاب “يسارية” قد انخرطوا في الثورة. وإذا كان بعضهم يحمل تصوراً ليبرالياً، حيث توافق مع “اليسار الليبرالي” في طموحه الديمقراطي، فإن آخرين قرروا العمل على تفعيل دور يساري حقيقي في الثورة. وفي هذا الإطار تشكلت مجموعات يسارية (أو ماركسية) متعددة.

كانت الخطوة الضرورية مع بدء الثورة هي تنظيم نشاط تلك الكادرات من أجل تفعيل دور اليسار في الثورة، ومحاولة التأثير في صيرورتها عبر محاولة التأثير في الشعارات وتوضيح المطالب العامة، والتأشير إلى سياق توسعها لكي تنتصر. وفي هذا المجال التركيز على أساسها الاقتصادي المطلبي دون تجاهل الحاجة لتأسيس الدولة العلمانية الديمقراطية، وبالتالي تكريس ميلها “المدني” والديمقراطي على الضد من الميل الأصولي الذي كانت بعض قوى المعارضة (والمحيط الإقليمي) تعمل على فرضه عليها. ومن ثم محاولة تنشيط كل القوى الشعبية لكي تتشكل قيادة فعلية لها من الممارسين الثوريين، بعيداً عن تأثير الأحزاب والقوى المعارضة التي كان واضحاً أن لها مصالح أخرى غير تلك التي تطرحها الطبقات الشعبية، فبعضها يريد تغيير شكل السلطة فقط دون لمس الواقع الاقتصادي، وبالتالي حل مشكلات البطالة والفقر والتهميش وانهيار التعليم والصحة، وبعضها يريد الانتقام من السلطة القائمة لكي يصبح هو بديلها دون إحداث أي تغيير، حتى وإن كان شكلياً. كما أن هناك أطراف عملت على تخويف الشعب عبر المطالبة بالتدخل الامبريالي، وبتعميم خطاب طائفي. وهو الأمر الذي أربك توسع الثورة نتيجة تشوّش الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه، أكثر من هدف الحرية والديمقراطية الذي جرى تلخيص مطالب الثورة به. أكثر من ذلك كان يجري تعميم الخطاب الأصولي وليس الخطاب الذي يطرح مطالب الشعب المعيشية، الحياتية، التي كانت في أساس تحركه.

لقد كان لا بد للنشاط من أن يتمحور حول عدة مستويات، منها بلورة البرنامج والرؤية والخطاب، ومنها تطوير صراع الشعب ضد السلطة ومن أجل إسقاطها، ومنها كذلك خوض صراع ضد المعارضة التي كانت تريد سحب الثورة إلى مجالات تدمرها، وتربطها بدور القوى الإمبريالية. وهي مهمات كبيرة على أفراد ومجموعات لم تكن قد تبلورت، بل كان هذا النشاط هو الذي سيسهم في تبلورها من أجل تأسيس حزب ثوري منخرط في الثورة، ومؤسس من كادرات شعبية، ويحظى بثقة الطبقات الشعبية. وظهر أن كثير من الكادرات اليسارية التي انخرطت في الثورة ظلت تحمل “وعيها” السابق، وأمراض الأحزاب اليسارية. ومنها من مال إلى التحلل من العمل اليساري وانخرط في الثورة دون شعور بضرورة الفعل اليساري. وأيضاً ظلت “عقد” الماضي مستحكمة، وكذلك الخضوع لـ”التحيّز الأيديولوجي المسبق” (الحلقية). وظهر من ثم بأن الوعي الرائج هو الذي لازال يستحكم في الكثير من هذه الكادرات، التي لم تستطع إعادة النظر في وعيها السابق، وإعادة بناء مفاهيمها على ضوء ما فرضه الواقع. لهذا تشكلت مجموعات صغيرة ولم يتحقق توحيد الكادر اليساري في حزب أو ائتلاف أو حتى تحالف. وبالتالي وصلنا العام الثالث للثورة دون أن يتبلور منظور ماركسي مشترك للثورة، ولا جرى انتاج خطاب واضح يعبّر عن مطالبها وأهدافها، وظلت مواجهة “اليسار الممانع” دون المطلوب.

كل ذلك أبقى اليسار الذي يريد التغيير الحقيقي دون فاعلية، مشتت وغير متوافق، ومتأثر بالتيارات الماركسية التي نشأت قبل قرن تقريباً. في الوقت الذي لم يتشكل يسار جديد من الشباب الذي يخوض الثورة بعد، ربما لأنها انجرفت إلى دموية فرضت وضعاً صعباً، لكن أيضاً لأن نشوء الجديد يحتاج إلى وقت أطول. وهذا ما يفرض أن يكون هناك استخلاص لتجربة ثلاث سنوات، ومحاولة وضع أسس لعمل حقيقي في الفترة المقبلة ينطلق من فهم الواقع.

بالتالي سنلمس بأن هناك مستويات متعددة تحكم النظر إلى وضع اليسار ودوره، أولاً، ما هي الرؤية العامة للوضع؟ وكيف يفهم الثورة من منظور أساس نشوئها وأهدافها وسياق تطورها، وما هو الهدف الجوهري لها؟ وثانياً، كيف تتبلور كادرات تحمل رؤية جديدة، وتكون منخرطة في الثورة ذاتها، لكي تكون أساس بنية جديد ليسار جديد؟ وثالثاً، ما هو الخطاب الضروري في الثورة؟ وكيف يمكن أن تطرح مطالب الطبقات الشعبية؟ ورابعاً كيف يمكن أن يتحقق التنظيم الذاتي لليسار، وفي الوقت ذاته تنظيم النشاط الثوري؟

ما كان معروفاً هو أن الثورات حدثت في ظل وجود حزب ماركسي عمل على وضع استراتيجيا لتطوير نضالات العمال، ولتنظيم قوتهم من أجل تحقيق انتصارهم. وبالتالي كانت هناك “نواة” متماسكة وتمتلك الرؤية والسياسة. وبهذا فقد تحقق تراكم كان يفضي إلى تحقيق التغيير الذي يحقق مصالح هؤلاء العمال، والطبقات الشعبية عموماً. لكن سنلمس بأننا في وضع لا نمتلك “النواة”، ولا الرؤية. هذا طبعاً حال كل الثورات التي حدثت في البلدان العربية، وربما سيكون وضع الثورات التي ستجري في بلدان كثيرة في العالم على ضوء الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية. خصوصاً وأن العقود السابقة، وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية تحديداً، قد فرضت تلاشي “الشعور” بالحاجة إلى حزب، وتجاوز مفهوم الثورة، وحصر التفكير في المستوى السياسي عبر التركيز على الحريات، لدى قطاع كبير من “الماركسيين”. وأساساً نتيجة تفكك الماركسية إلى ماركسيات هي أقرب إلى “الطوائف”، تنحكم إلى التحيزات الأيديولوجيا المسبقة، الأمر الذي أفرغ الماركسية من جوهرها، ومرتكز وجودها، أي منهجيتها.

هذا الأمر يفترض البحث في مستويات متعددة، منها ماهية الماركسية التي يجب أن تحكم النظر بعد الفشل الذريع الذي عاشته الماركسية الرائجة، والتي تعممت عبر السوفيات أو عبر التأثر بهم؟ وهذا موضوع إشكالي كبير، لكن ليس من الممكن أن يتأسس يسار حقيقي دون التحديد الصحيح لماهية الماركسية التي يجب أن تصبح هي وعي الكادرات الجديدة. حيث أن هذه مسألة حاسمة لوعي الواقع، ومحاولة تلمس الاستراتيجيا الممكنة لتحقيق التغيير الذي يحمل حلاً للمشكلات المجتمعية التي كانت في أساس تفجر الثورات. ومنها ماهية الحزب؟ وهل هو “الطليعة” أو “الطبقة المنظمة” انطلاقاً من أن الصراع هو صراع طبقي وليس صراعاً سياسياً فقط؟ وكيف يمكن تطوير آليات الثورة لكي تحقق مطالب الطبقات الشعبية؟ ومن ثم ما هي الرؤية التي تؤسس لنمط اقتصادي بديل؟

وربما المسألة الأصعب هي، كيف يتبلور الحزب اليساري من شباب يخوض الثورة يومياً؟ وربما لا يمتلك الوقت الذي يسمح له بأن يطوّر وعيه، ويستخلص النتائج من التجربة اليومية التي يخوضها؟ الحزب يتبلور في الثورة، ومن الثوريين الذين يخوضون الصراع من أجل تحقيق مطالب الشعب، ولهذا كل شيء يجب أن يتبلور عبر الممارسة. لا زلنا في البداية، لكن الواقع والتجربة يفرزان وضعاً مختلفاً يمكن أن يفتح الأفق لبناء حزب حقيقي.

المصدر: المنشور

ثورة سوريا.. الواقع والأهداف وسبل الانتصار

71a7cf0c-3794-4f83-88ef-444fbe8ce8bb

سعت السلطة إلى ضمان تماسك “بنيتها الصلبة” من خلال ضمان خوف “الأقليات”، خصوصا العلويين، لكي تستطيع سحق الثورة.

لهذا أصرّت منذ البدء على خطاب يركز على أن الثورة هي حراك سلفي أصولي إخواني، ولم يكن لديها غير هذا الخطاب لتخويف الأقليات والعلمانيين.

وساعدتها الأوضاع الإقليمية والدولية على ذلك، بما في ذلك بعض أطراف المعارضة التي كانت تعتمد على التدخل الإمبريالي لإسقاط السلطة، وبالتالي فرحت بالخطاب الذي يجعل الثورة إسلامية الطابع.

هذا ما فرض الاستعصاء، حيث كان يجب أن تتفكك السلطة لكي تحقق الثورة خطوتها الأولى في إزاحة بشار الأسد وحاشيته، وخصوصا أن الثورة ظلت عفوية، وقادها شباب لم يعرفوا السياسة أو الحرب، بعد أن همّشت المعارضة دورها فيها، وعملت السلطة على تصفية كل الناشطين الذين يمتلكون قدرا من الوعي.

الآن، بعد ثلاث سنوات من الثورة، البطولية، التي واجهت وحشية سلطة “مافياوية” لم يعنها تدمير المدن وقتل الشعب، لا بد أن يعاد البحث في كيفية تطورها بشكل يخدم انتصارها.

الأمر الذي يفرض معالجة جملة مشكلات: وأولها، تجاوز الانقسام الذي أوجدته السلطة في صفوف الشعب، بين ما يسمى “الأغلبية” و”الأقليات”، فهذه لم تكن أقل نقمة على السلطة، ولا كان وضعها المعيشي أفضل -بل إن الساحل كان يعتبر من أفقر مناطق سوريا- رغم استفادة فئات منها من متنفذين في السلطة، أو استخدام السلطة فئات فقيرة منها -نتيجة الحاجة- لكي تكون هي “البنية الصلبة” التي تدافع عنها.

بالتالي، لا بد من أن يعود التأكيد على أن الثورة هي ثورة الشعب، وأن الاستبداد والإفقار كان يصيب الشعب في مناطقه المختلفة.

وهو الأمر الذي يفرض إعادة تحديد الأهداف التي يسعى الشعب عبر الثورة إلى تحقيقها، فالمسألة هنا لا تتعلق بإسقاط النظام بمعنى تغيير الأشخاص، بل تتعلق بتحقيق جملة أهداف يكون تحقيقها مدخلا لحل مشكلات الشعب المتعددة والمختلفة.

هذا يعيدنا إلى تحديد هدف الثورة، الذي جرى ابتساره إلى إسقاط النظام، والذي يمثل إسقاط النظام المدخل لتحقيقه، فما الأهداف التي تفرضها المشكلات التي جعلت الشعب يتحرك من أجل إسقاط النظام؟

بالطبع، يكون الهدف من التمرد على نظام استبدادي هو الانتقال إلى دولة مدنية (بمعنى علمانية) ديمقراطية، وهو الهدف الذي راود النخب وقطاعا من الفئات الوسطى التي كانت تريد التعبير عن ذاتها، والإحساس بأنها كيان سياسي، أي كيانا له رأي وفاعلية.

لكن، هل يمكن أن نتجاهل أن أغلبية الشعب -نتيجة الاستبداد الطويل الذي ألغى السياسة في المجتمع، ودمر الثقافة عبر تخريب التعليم وزيادة الأمية- لا تعرف السياسة؟ وبالتالي لا تعرف معنى الحرية والديمقراطية؟ إذن، لماذا ثارت؟

هنا يجب أن نلمس مشكلات الشعب -الطبقات الشعبية المفقرة- التي بات جزء كبير منها عاطلا عن العمل، ومن يعمل لا يكفي أجره لتحقيق الحد الأدنى من المعيشة اللائقة به، فضلا عن العجز في مجالات التعليم والصحة وتوفير مسكن.

أغلبية الشعب (تقريبا 60%) تعيش في هذه الوضعية، و20% تعيش في وضعية قلقة نتيجة ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الأجر، بعد أن سيطرت أقلية ضئيلة على الثروة، واستفادت فئات أخرى من النمط الاقتصادي الذي تشكل كاقتصاد ريعي “مافيوي”.

هل هذا السبب كافٍ لكي يثور هؤلاء؟ أو أن “الفكرة المجردة للحرية” هي التي دفعتهم إلى ذلك؟ بالتأكيد إن وضعهم هو الذي فرض ثورتهم رغما عن أوهام النخب التي أرادت أن “تسرق” الثورة فتقلصها إلى تحقيق مطامحها، أو توهمت أن مطلبها هو مطلب الشعب بأسره نتيجة نرجسية تعيشها.

لقد ساعد الخطاب الذي حصر الثورة في الحرية على عدم المقدرة على تحريك قطاعات شعبية هي مفقرة وتريد التغيير (العلويون خصوصا)، وعلى العكس سهّل انجرافهم خلف السلطة خوفا من أن يكون هدف الحرية مدخلا لتغيير السلطة لمصلحة الإخوان المسلمين والقوى الأصولية (التي ستأتي لكي تنتقم مما حدث سنة 1980-1982).

ومن جهة أخرى، فتح الأفق لكي تكون “الدولة الإسلامية” هي البديل عن “الدولة الديمقراطية”، وأصبح الانتقال من هذا إلى ذاك سهلا ما دام الأمر يتعلق بشكل السلطة فقط، خصوصا أن الشعار الأول الذي طرحته نخب “شبابية” هو “الله، سوريا، حرية وبس”، ليكون المرتجع إلى الله سهلا.

وهذا ما فرض تغييب شعار الحرية، وحصر الصراع في إسقاط النظام من قبل تلك النخب، ليكون البديل الإسلامي هو “الحل” لما بعد الأسد، حيث لم يعد يطرح بديلا سوى هذه القوى الأصولية “الجهادية”، من جبهة النصرة وداعش، إلى جيش الإسلام والجبهة الإسلامية.

إذن، لا بد من إعادة تحديد هدف الثورة وتقديم البديل الذي يتضمن حلا لكل المشكلات المجتمعية، وأولى نقاطه هو إعادة بناء الاقتصاد بما يسمح ببناء قوى منتجة، وتوظيف العاطلين عن العمل، وتحديد أجر مناسب مقابل الأسعار، بما يسمح بعيش لائق.

مع إعادة بناء منظومة التعليم والصحة من قبل الدولة الجديدة، لكي تناسب العيش الإنساني والتعليم الذي يخدم عملية التطور والاقتصاد المنتج.

ويعني هذا -تحديدا- ضرورة حل مشاكل البطالة (كانت بين 30 و33% من القوى العاملة)، والأجر المتدني، وانهيار التعليم والصحة.

وتبقى الدولة وحدها المعنية بهذا المجال، حيث نجد أن “رجال الأعمال” المعارضين يتنافسون للحصول على جزء من كعكة إعادة الإعمار، ويدفعون إطارات المعارضة لفرض اقتصاد ليبرالي شره، بات متجاوزا حتى لدى مطلقيه. وأيضا لا بد من أن تكون إعادة الإعمار “محلية” أي سورية، بعيدا عن نهب الشركات الإمبريالية وسمسرة السماسرة، حيث لا تفعل سوى مراكمة الديون على الدولة.

بالتالي، لا بد أن يحظى “الخطاب الاقتصادي” بالأولوية، وأن يعبّر عن مصالح المفقرين في مواجهة سعي “رجال الأعمال الجدد” لمراكمة الثروة على حساب الشعب المفقر.

ولا شك في أن من يتابع النشاط في أروقة معارضة الخارج يلمس الشره الذي يحكم هؤلاء، ومن يقرأ التصورات حول البديل يلمس ركاكة الخطاب الليبرالي بعد أن فشل.

وفي موازاة ذلك، لا بد من التأكيد على أن الدولة يجب أن تكون علمانية ديمقراطية، وهذا لا يحتاج إلى تمويه أو خوف من الأصوليين، أو تبرير لرفض ذاتي.

إن فصل الدين عن الدولة أمر لا تراجع عنه، وكل التخوفات التي تطرح تنمّ عن تشوش ذاتي أكثر مما تنمّ عن ظرف موضوعي لا يسمح بذلك.

ولا شك أن الدولة الديمقراطية هي الضمانة لكي لا تتحول الدولة التي تنشط في الاقتصاد لخدمة تطور المجتمع إلى مزرعة لفئة تنهب، مستغلة مواقعها السلطوية.

وفي مستوى ثالث، لا بد أن يكون واضحا أن الصراع ليس مع “بيت الأسد”، بل مع نمط اقتصادي فرض انهيار الزراعة والصناعة والتبعية لهذه الدولة الرأسمالية أو تلك (من تركيا وأوروبا إلى روسيا، وأميركا التي كانت تسيطر على حقول النفط) نسجته المافيا الحاكمة التي اتخذت طابعا عائليا، لكنها كانت تعبر كذلك عن البرجوازية التقليدية التي لا زالت تدافع عنها.

بالتالي، فإن “التلهف” على دعم الخارج “الإمبريالي”، والسعي لدعم تدخله، وتغييب المسألة الوطنية، أفضى إلى تجاهل مشاعر الشعب الذي رأى نتائج التدخل الإمبريالي في العراق، والذي لا يستطيع أن يتصالح مع الدولة الصهيونية كونها عدوا يحتل فلسطين والجولان، وهو الأمر الذي كان يجعل الشعب السوري يدعم كل مقاومة حقيقية.

ولا شك أن مصالح أطراف المعارضة و”رجال الأعمال” الذين انخرطوا في المعارضة، كانت تجعلهم أميل لـ”التبعية” للقوى الإمبريالية (الفرنسية والأميركية)، ولقوى إقليمية.

وهذا الأمر أضرّ بالثورة، وأسهم في تخوّف قطاع شعبي منها، انطلاقا من أن هؤلاء “الفطاحلة” الذي يغزون الفضائيات باسم الثورة هم ممثلو الثورة، رغم أن مسار الثورة كان مختلفا.

وبالتالي، فإن تموضع سوريا -الدولة الجديدة- يجب ألا يكون في صف القوى الإمبريالية، القديمة والجديدة (أي الروسية/الصينية)، بل لا بد أن يكون مع حركة الشعوب الناهضة في العديد من بلدان العالم، والتي ستشمل كل العالم في الفترة القريبة القادمة.

بمعنى أن الثورة يجب أن تكون مع الشعوب ما دامت هي ثورة شعب يريد التحرر والتطور والعدالة ضد الطغم الإمبريالية، وضد تقاسم العالم بينها، ومع أفق يحقق الرفاه والتحرر لها جميعا.

هذا الأمر يفرض أن يكون الشعار الذي رفع في ثورتي تونس ومصر هو المعبّر الحقيقي عن الثورة في سوريا، أي شعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، فليس من حرية والشعب مفقر، ولا يمكن أن تنشأ دولة ديمقراطية في ظل اقتصاد ريعي “مافيوي”.

هذه الأهداف هي التي توحّد الشعب، وتؤسس لوضع الصراع على أساسه المكين، وتسمح بتجاوز الاستعصاء القائم الآن.

المصدر: الجزيرة

اليسار السوري والثورة

من حيث التكرار الإعلامي هناك يسار سوري، حيث توجد أحزاب وقوى تتسمى بذلك، لكن في الواقع ليس من يسار. هذه هي المعادلة القائمة في سورية كما في البلدان العربية عموماً. وهي معادلة إشكالية نتيجة أن الثورات امتدت من تونس إلى سورية، دون أن تجد حزباً يستطيع أن يضع استراتيجيا ثورية تفضي إلى انتصار الثورة، الأمر الذي جعلها مجال تلاعب بين قوى في السلطة، ومجال عجز عن تغيير النمط الاقتصادي وإسقاط الطبقة المسيطرة. وفي سورية جعل الثورة تسير في متاهات صعبة، وتستمر ثلاث سنوات دون أن يظهر أفق للانتصار، بل أن ما يظهر هو تحقيق حل ربما يوقف الفوضى والدموية، ويزيح رأس السلطة، لكنه لا يغيّر أكثر من ذلك، وبالتالي يبقي مطالب الثورة قائمة. بعد دمار هائل وخسارة مئات آلاف الشهداء نتيجة وحشية السلطة، والتدخلات الإقليمية والدولية المضادة للثورة.

أولاً، لا بد من التنويه إلى أن مصطلح يسار مضلل لأنه غائم، حيث أنه مصطلح سياسي عام لا يحدد طبقة ولا أيديولوجيا، بل ربما يشمل طبقات وأيديولوجيات، في وضع يفرض تحديد دور الطبقات والأيديولوجيات. فهو يتعلق بكل من يسعى إلى تحقيق التطور لتجاوز البنى القائمة. ولهذا فإن مضمونه متحوّل وفق واقع الطبقات وموقعها في الصراع الطبقي. ورغم أن مصطلح اليسار بات يتحدد في التيار الماركسي عموماً سوف يكون القصد هنا تناول وضع الأحزاب التي تعتبر أنها “تعتنق” الماركسية. رغم أن بعض التيارات القومية يمكن أن توضع تحت هذا المصطلح.

وإذا كانت سورية قد شهدت وجود حزب شيوعي منذ سنة ١٩٢٤، ونشأت أحزاب ماركسية أخرى فيما بعد، كما تشقق الحزب الشيوعي إلى أحزاب، فقد كان واضحاً بأنها كلها باتت “على الهامش”. بعضها في السلطة شريكاً لحزب البعث، وبالتالي مسؤولاً عن سياسات السلطة رغم أنه ليس مقرراً فيها، بل هي كحزب البعث واجهة لسلطة “طبقة” تبلورت مع بداية القرن الجديد كمافيا مهيمنة بعد أن كانت قد نمت في حضن سلطة فريدة شمولية، فأصبحت جزءاً من بيروقراطية السلطة. وبعضها الآخر تلبرل، خصوصاً بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وبات “يعشق الغرب”، وأصبح يرى في الديمقراطية مطلبه الأساس، الذي يفرض اللبرلة الاقتصادية كضرورة حتمية. لكنه أيضاً كان ينحصر في كادرات قديمة في الغالب، ولم يستطع أن يبدو كبديل لا للطبقات الشعبية ولا لشباب الفئات الوسطى.

في هذا الوضع أصبح هناك “شيوعيون” يشاركون في السلطة، ويبررون ذلك برفع نغمة “الخطاب الوطني”، و”المقاومة والممانعة”، دون النظر الجدي إلى طابع السلطة الشمولي الاستبدادي (إلا بشكل خجول)، وبدفاع خجول كذلك عن وضع الطبقات الشعبية التي أنهكها نهب الطبقة المسيطرة. لقد ظل “الصراع مع الامبريالية” هو الهاجس الذي يحكمهم في تجاهل كامل لما يجري في الاقتصاد، وكيف يتم النهب وتسيطر “طبقة جديدة” هي مافياوية الطابع، ومتشابكة مع رأسمال خليجي ودولي (مع تركيا قبل الثورة، ومع روسيا بعد ذلك). وبالتالي كان يظهر هنا هزال الفهم الماركسي، حيث لم يجرِ فهم العلاقة بين تعميم اللبرلة والعلاقة مع الامبريالية عبر تحقيق فصل قسري بين الوطني والطبقي. وتغليب “الوطني” على الطبقي، رغم انحكام الوطني للطبقي بالضرورة، ورغم أنه كان يجب تفسير سبب “الخلاف” مع الإمبريالية تأسيساً على أن الطبقة المسيطرة هي طبقة “رجال أعمال جدد” ذو طابع مافياوي، وتميل للتكيف مع النمط الرأسمالي العالمي وليس التناقض معه.

وبات هناك “يسار” يعتبر بأن الديمقراطية هي المطلب الجوهري، وأن الصراع هو من أجل الانتقال إلى نظام ديمقراطي، بعضه انسياقاً مع الخطاب العولمي الذي أعلى من نغمة خطاب الحرية والديمقراطية لكي يفكك “النظم الاستبدادية”، لكن في المستوى الاقتصادي عبر فرض التحرير الكامل للاقتصاد. هنا أصبحت الديمقراطية هي كل المسألة، وبات “النضال” من أجلها هو الهدف الأساس. وإذا كان قد سقط الخطاب “الوطني” هنا، وبات قطاع كبير من هؤلاء ينظر بـ “عشق” للدول الامبريالية (الغرب)، ويقبل ما يعتقد بأن السلطة ترفضه، فقد تجاهل كلياً وضع الاقتصاد والظروف التي تعيشها الطبقات الشعبية، في مرحلة كانت تشهد تحولاً كبيراً فرض إعادة صياغة الاقتصاد وتوسيع الفارق الطبقي عبر تمركز الثروة بيد أقلية.

إذن، لقد كان واضحاً بأن ما يسمى اليسار لم يكن يساراً بل ربما عبّر في وجه منه عن بيروقراطية سلطة، وفي وجه آخر عن فئات وسطى مأزومة تسعى لأن تجد مساحة لها في التكوين السياسي القائم فقط. ولهذا كان وضع الطبقات الشعبية مهمشاً، أو حتى غائباً، وباتت السلطة هي محور “الوعي”، سواء تعلق الأمر بقبول الدفاع عنها، أو رفض طابعها الاستبدادي وشموليتها. وهذا ما انعكس في الموقف من الثورة، سواء لجهة رفضها كونها “مؤامرة إمبريالية”، أو كونها تهدف إلى تحقيق الحرية والديمقراطية فقط. كما انعكس في الدور العملي لمجمل الأحزاب التي تتسمى يسارية، والتي لم تعرف ما الدور الذي يجب أن تلعبه في الثورة ذاتها، وما هي مهماتها فيها. ولهذا نشطت في أماكن بعيدة عن الفعل الثوري.

الثورة قامت نتيجة التحوّل الكبير في الاقتصاد، رغم كل المطالب الأخرى، التي كانت مطالب فئات وسطى في الغالب. ولهذا لم تكن متوقعة من مختلف الأطراف نتيجة تركيز المتابعة في المستوى السياسي فقط. ومن ثم باتت مجال “تحميل مواقف”، حيث دافع “اليسار الممانع” عن السلطة معتبراً أن ما يجري هو مؤامرة، معيداً تكرار “الخطاب الوطني”. ونشط “اليسار الليبرالي” من أجل تحميلها أوهامه الديمقراطية.

لقد ظهر أن الثورة تتقدم بفعل “فاعلين جدد”، هم من الطبقات الشعبية الذين لم ينخرطوا سابقاً في السياسة. حيث اندفعت قطاعات من هذه الطبقات لكي تسقط النظام. وهؤلاء هم الأساس في الثورة. لكن سنلمس بأن كادرات وشباب ممن كانوا ينتمون لأحزاب “يسارية” قد انخرطوا في الثورة. وإذا كان بعضهم يحمل تصوراً ليبرالياً، حيث توافق مع “اليسار الليبرالي” في طموحه الديمقراطي، فإن آخرين قرروا العمل على تفعيل دور يساري حقيقي في الثورة. وفي هذا الإطار تشكلت مجموعات يسارية (أو ماركسية) متعددة.

كانت الخطوة الضرورية مع بدء الثورة هي تنظيم نشاط تلك الكادرات من أجل تفعيل دور اليسار في الثورة، ومحاولة التأثير في صيرورتها عبر محاولة التأثير في الشعارات وتوضيح المطالب العامة، والتأشير إلى سياق توسعها لكي تنتصر. وفي هذا المجال التركيز على أساسها الاقتصادي المطلبي دون تجاهل الحاجة لتأسيس الدولة العلمانية الديمقراطية، وبالتالي تكريس ميلها “المدني” والديمقراطي على الضد من الميل الأصولي الذي كانت بعض قوى المعارضة (والمحيط الإقليمي) تعمل على فرضه عليها. ومن ثم محاولة تنشيط كل القوى الشعبية لكي تتشكل قيادة فعلية لها من الممارسين الثوريين، بعيداً عن تأثير الأحزاب والقوى المعارضة التي كان واضحاً أن لها مصالح أخرى غير تلك التي تطرحها الطبقات الشعبية، فبعضها يريد تغيير شكل السلطة فقط دون لمس الواقع الاقتصادي، وبالتالي حل مشكلات البطالة والفقر والتهميش وانهيار التعليم والصحة، وبعضها يريد الانتقام من السلطة القائمة لكي يصبح هو بديلها دون إحداث أي تغيير، حتى وإن كان شكلياً. كما أن هناك أطراف عملت على تخويف الشعب عبر المطالبة بالتدخل الامبريالي، وبتعميم خطاب طائفي. وهو الأمر الذي أربك توسع الثورة نتيجة تشوّش الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه، أكثر من هدف الحرية والديمقراطية الذي جرى تلخيص مطالب الثورة به. أكثر من ذلك كان يجري تعميم الخطاب الأصولي وليس الخطاب الذي يطرح مطالب الشعب المعيشية، الحياتية، التي كانت في أساس تحركه.

لقد كان لا بد للنشاط من أن يتمحور حول عدة مستويات، منها بلورة البرنامج والرؤية والخطاب، ومنها تطوير صراع الشعب ضد السلطة ومن أجل إسقاطها، ومنها كذلك خوض صراع ضد المعارضة التي كانت تريد سحب الثورة إلى مجالات تدمرها، وتربطها بدور القوى الإمبريالية. وهي مهمات كبيرة على أفراد ومجموعات لم تكن قد تبلورت، بل كان هذا النشاط هو الذي سيسهم في تبلورها من أجل تأسيس حزب ثوري منخرط في الثورة، ومؤسس من كادرات شعبية، ويحظى بثقة الطبقات الشعبية. وظهر أن كثير من الكادرات اليسارية التي انخرطت في الثورة ظلت تحمل “وعيها” السابق، وأمراض الأحزاب اليسارية. ومنها من مال إلى التحلل من العمل اليساري وانخرط في الثورة دون شعور بضرورة الفعل اليساري. وأيضاً ظلت “عقد” الماضي مستحكمة، وكذلك الخضوع لـ”التحيّز الأيديولوجي المسبق” (الحلقية). وظهر من ثم بأن الوعي الرائج هو الذي لازال يستحكم في الكثير من هذه الكادرات، التي لم تستطع إعادة النظر في وعيها السابق، وإعادة بناء مفاهيمها على ضوء ما فرضه الواقع. لهذا تشكلت مجموعات صغيرة ولم يتحقق توحيد الكادر اليساري في حزب أو ائتلاف أو حتى تحالف. وبالتالي وصلنا العام الثالث للثورة دون أن يتبلور منظور ماركسي مشترك للثورة، ولا جرى انتاج خطاب واضح يعبّر عن مطالبها وأهدافها، وظلت مواجهة “اليسار الممانع” دون المطلوب.

كل ذلك أبقى اليسار الذي يريد التغيير الحقيقي دون فاعلية، مشتت وغير متوافق، ومتأثر بالتيارات الماركسية التي نشأت قبل قرن تقريباً. في الوقت الذي لم يتشكل يسار جديد من الشباب الذي يخوض الثورة بعد، ربما لأنها انجرفت إلى دموية فرضت وضعاً صعباً، لكن أيضاً لأن نشوء الجديد يحتاج إلى وقت أطول. وهذا ما يفرض أن يكون هناك استخلاص لتجربة ثلاث سنوات، ومحاولة وضع أسس لعمل حقيقي في الفترة المقبلة ينطلق من فهم الواقع.

بالتالي سنلمس بأن هناك مستويات متعددة تحكم النظر إلى وضع اليسار ودوره، أولاً، ما هي الرؤية العامة للوضع؟ وكيف يفهم الثورة من منظور أساس نشوئها وأهدافها وسياق تطورها، وما هو الهدف الجوهري لها؟ وثانياً، كيف تتبلور كادرات تحمل رؤية جديدة، وتكون منخرطة في الثورة ذاتها، لكي تكون أساس بنية جديد ليسار جديد؟ وثالثاً، ما هو الخطاب الضروري في الثورة؟ وكيف يمكن أن تطرح مطالب الطبقات الشعبية؟ ورابعاً كيف يمكن أن يتحقق التنظيم الذاتي لليسار، وفي الوقت ذاته تنظيم النشاط الثوري؟

ما كان معروفاً هو أن الثورات حدثت في ظل وجود حزب ماركسي عمل على وضع استراتيجيا لتطوير نضالات العمال، ولتنظيم قوتهم من أجل تحقيق انتصارهم. وبالتالي كانت هناك “نواة” متماسكة وتمتلك الرؤية والسياسة. وبهذا فقد تحقق تراكم كان يفضي إلى تحقيق التغيير الذي يحقق مصالح هؤلاء العمال، والطبقات الشعبية عموماً. لكن سنلمس بأننا في وضع لا نمتلك “النواة”، ولا الرؤية. هذا طبعاً حال كل الثورات التي حدثت في البلدان العربية، وربما سيكون وضع الثورات التي ستجري في بلدان كثيرة في العالم على ضوء الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية. خصوصاً وأن العقود السابقة، وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية تحديداً، قد فرضت تلاشي “الشعور” بالحاجة إلى حزب، وتجاوز مفهوم الثورة، وحصر التفكير في المستوى السياسي عبر التركيز على الحريات، لدى قطاع كبير من “الماركسيين”. وأساساً نتيجة تفكك الماركسية إلى ماركسيات هي أقرب إلى “الطوائف”، تنحكم إلى التحيزات الأيديولوجيا المسبقة، الأمر الذي أفرغ الماركسية من جوهرها، ومرتكز وجودها، أي منهجيتها.

هذا الأمر يفترض البحث في مستويات متعددة، منها ماهية الماركسية التي يجب أن تحكم النظر بعد الفشل الذريع الذي عاشته الماركسية الرائجة، والتي تعممت عبر السوفيات أو عبر التأثر بهم؟ وهذا موضوع إشكالي كبير، لكن ليس من الممكن أن يتأسس يسار حقيقي دون التحديد الصحيح لماهية الماركسية التي يجب أن تصبح هي وعي الكادرات الجديدة. حيث أن هذه مسألة حاسمة لوعي الواقع، ومحاولة تلمس الاستراتيجيا الممكنة لتحقيق التغيير الذي يحمل حلاً للمشكلات المجتمعية التي كانت في أساس تفجر الثورات. ومنها ماهية الحزب؟ وهل هو “الطليعة” أو “الطبقة المنظمة” انطلاقاً من أن الصراع هو صراع طبقي وليس صراعاً سياسياً فقط؟ وكيف يمكن تطوير آليات الثورة لكي تحقق مطالب الطبقات الشعبية؟ ومن ثم ما هي الرؤية التي تؤسس لنمط اقتصادي بديل؟

وربما المسألة الأصعب هي، كيف يتبلور الحزب اليساري من شباب يخوض الثورة يومياً؟ وربما لا يمتلك الوقت الذي يسمح له بأن يطوّر وعيه، ويستخلص النتائج من التجربة اليومية التي يخوضها؟ الحزب يتبلور في الثورة، ومن الثوريين الذين يخوضون الصراع من أجل تحقيق مطالب الشعب، ولهذا كل شيء يجب أن يتبلور عبر الممارسة. لا زلنا في البداية، لكن الواقع والتجربة يفرزان وضعاً مختلفاً يمكن أن يفتح الأفق لبناء حزب حقيقي.

المصدر: المنشور

سلامة كيلة: المعارضة السورية تعبر عن سياسات النظام ومصر على أبواب ثورة ثالثة

باريس / 20 فبراير 2014

*قبل انطلاق الثورة السورية ومن إحدى المحاضرات التي ألقيتها في مخيم اليرموك بدمشق أشرت إلى أن الربيع العربي قادم إلى سوريا على العكس من بعض الآراء السائدة في ذلك الوقت، ما هي المعطيات التي بينت عليها رؤيتك؟ ولماذا استبعدت نخب أخرى قيام ثورة في سوريا؟

**يتعلق الأمر في طبيعة فهمي للمجتمعات والظروف التي تدفع البشر في لحظة معينة لأن يثوروا، وهذا ما حاولت أن أكتبه سابقاً اعتماداً على تجربة الاتنفاضات العربية التي حدثت في الثمانينات، وهذا ما أصدرته في كتاب في عام 2007 وضعت له مقدمة تشير إلى أننا مقبلون في المنطقة العربية على ثورات جديدة.
الأساس في التحليل ينطلق من فهمي للأزمات المجتمعية، لأنني أعتقد أن الشعوب التي تعيش حياتها” الطبيعية” بمعنى: الحياة الاجتماعية؛ بعيداً عن السياسة، لا تشكل عنصر سياسي فاعل، لأنها تميل إلى الابتعاد عن السلطة والسياسة، وتهرب من ضغوط السلطة عليها في حياتها العادية. لكن في اللحظة التي تشعر بها الشعوب أنها عاجزة عن العيش نتيجة انهيار الوضع الاقتصادي وانهيار الوضع المعاشي، تميل للتمرد؛ وفي هذه اللحظة تستطيع أن تصنع أكبر ثورة.
لهذا أشرت منذ العام 2007 بأن المنطقة العربية مقبلة على ثورات، ومنذ انطلاق الثورة التونسية أشرت في مقال نشر في جريدة الأخبار أن المنطقة العربية ومن ضمنها سوريا ومصر مقبلة على ثورة وذلك بسبب الانهيار الاقتصادي الذي حدث في العقود الماضية والذي أدى إلى إفقار وتهميش الكتلة الأكبر من الشعب، وهذا الأمر ظهر واضحاً في تونس وظهر واضحاً في مصر، وأيضاً كان واضحاً في سوريا رغم أن الليبرالية انتصرت تقريباً في العام 2007.
كان هناك احتقان اجتماعي ينمو في سوريا ويشير إلى إمكانية حدوث انفجار، لكن قرب اكتمال الانفتاح الاقتصادي وخوف الناس من السلطة والذي كان لا يزال يحكمها يجعلان ميل الناس للتمرد أضعف، وهذا الأمر جعلني أقول أيضاً أن الثورة السورية ستحدث لكن ربما تتأخر قليلاً.
وهو ما انعكس أساساً في الثورة حيث أن العنف والدموية كانت تضعف الإنتفاضة من زاوية إلا أنها تشعلها من زاوية أخرى، واتسعت الثورة السورية على خط توسع عدد الشهداء، بمعنى لو بقي الاعتصام في درعا بحدود ضيقة دون بطش النظام لكان الحراك سيأخذ مدى أطول، أي أن الثورة لن تكون متوالية بهذا الشكل السريع. لكن الرصاص دفع أهالي حوران للتمرد وبالتالي كسر حاجز الخوف عبر عنف السلطة ذاته وليس عبر تراكم الاحتقان الداخلي فقط، عنف السلطة أيضاً جعل مناطق أخرى تتأخر في الالتحاق بالثورة، وهو ما جعل الثورة بحاجة لعام كامل لتعم أرجاء سوريا.
أما عن التوقع بعدم قيام ثورة داخل سوريا فذلك عائد إلى أن القوى السياسية العربية والنخب عموماً لا ترى الشعب ولا ترى مشكلات الناس، وتميل للتعبير عن همومها الذاتية على اعتبار أن همومها الذاتية هي الهموم المجتمعية، إضافة إلى أن العنصر المركزي خلال العقود الأخيرة هو مسألة الديمقراطية ومواجهة الاستبداد، وبسبب رؤيتهم لقواهم المحدودة كنخب في مواجهة نظم استبدادية قوية، طغى هدف الديمقراطية والحريات على أي شيء آخر، مع تجاهل كامل للوضع الاقتصادي الذي بدأ يسبب تدهور الوضع المعاشي، في سوريا كان واضحاً التركيز على الديمقراطية والانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية كشعار مركزي مترافقاً مع خطاب موازي وهو القبول باللبرلة والدفع باتجاهها، رغم أن اللبرلة التي كان يقوم بها النظام واقعياً هي التي أفقرت وهمشت الناس، وبالتالي لم تكن النخب تريد رؤية هذه الحركة الواقعية التي همشت المجتمع ودفعته للقيام بثورة، مغطيةً ذلك بالحديث عن استسلام وتبعية الشعب وخوفه وجبنه، وهذه نزعة استعلائية على الناس لا ترى الواقع ولا ترى السبب الموضوعي الذي يجعلهم لا ينشطون سياسياً. فكان المنطق الذاتي هو الذي يحكم، لأنني أنا أنشط سياسياً يجب على كل الشعب أن يلحقني في ذلك، لا أن يكون العكس أن أفهم حركة الشعب وأفهم كيف أتعامل معه وهي مشكلة حتى الآن قائمة عملياً.

*من ذات الزاوية لم تكن هناك لبرلة في عهد حافظ الأسد، إلا أنه شهد ثورة في الثمانينات، كيف تقرأ ذلك؟

**ما حدث في الثمانينات ليس ثورة، هي ردة رجعية كما أسميها، الإخوان المسلمين قاموا بدور تخريبي ودور رجعي، لأنهم بالأساس عبروا عن فئات تقليدية اجتماعية كانت تتهمش أمام سيرورة التطور والتحول الاقتصادي الذي كان يجري، وهم التجار التقليدين في المدن خصوصاً حلب وحماة وإدلب بالإضافة لقطاعات ريفية مهمشة في الشمال، هذا هو الأساس الموضوعي. فالمناطق الأخرى لم تشهد حراك قوي، ففي درعا مثلاً لم يكن للإخوان المسلمين وجود وفي دمشق كان وجودهم هامشي كذلك في دير الزور، بالتالي هي ليست ثورة إنما ردة رجعية كانت تقوم بها قوى أصولية لمواجهة صيرورة تحدث، مثلا: كان هناك حرفيين صغار فجاءت المحلات التجارية الكبيرة لتدمر هذا النمط الحرفي وهذا كان واضحاً في المدن، في الريف أيضاً كان الإهمال والتهميش للشمال عنصر أساسي لتواجد الإخوان، وهنا تحديداً الأساس، فهم لم يكونوا يواجهون استبداد سياسي ولا هم يواجهون النظام من منظور أنه يسحق الشعب، لذلك قام المنظور على أساس طائفي والإخوان مسؤولين عن افتعال صراع طائفي في ذلك الوقت ويتحملون المسؤولية كما النظام، وقد استفاد النظام من دور الإخوان لكي يكرس سلطته ويكرس هذا الشكل الذي نجده قائماً الآن، سلطة تعتمد على هيمنة أفراد من طائفة معينة على مفاصل أساسية في الدولة، اعتماداً على العصبية من أجل حكم سوريا، فالإخوان ساعدوا في الوصول إلى هذه النتيجة. حافظ الأسد توصل إلى أنه من غير الممكن أن يحكم إلا عبر جمع فئات من بيئته الأساسية تواليه في الحكم، والمسألة ليست طائفية كما يشاع، المسألة لها علاقة بالبيئة الاجتماعية لأن الفلاح يعتمد على بيئته ولا يعتمد على طائفته، فالنظم القومية أو التي تمسى بالقومية كلها اعتمدت على أفراد من بيئة الزعيم، بالتالي ما مارسه الإخوان أدى إلى تدمير الحركة السياسية وتمركز السلطة بشكل أعلى وأقوى.

*كيف ترى مستقبل الثورة السورية الراهنة؟

**أعتقد أن بدء الشعوب بثورات سيفرض بالتأكيد تغيرات، في بعض اللحظات من الممكن أن تفشل وليس هناك حكم مطلق أن كل ثورة يجب بالضرورة أن تنجح، لكن الواقع الموضوعي القائم الآن في سوريا وفي كل الوطن العربي، هو تهميش كتلة كبيرة من المجتمع ربما تبلغ ثمانون بالمائة، نتيجة النمط الإقتصادي الذي تشكل وأصبح نمطاً ريعياً يعتمد على السياحة والخدمات والعقارت والاستيراد، والذي دمر القوى المنتجة التي كانت موجودة في الصناعة وأيضاً في الزراعة والتي تعد إرث تاريخي في بلداننا، هذا النمط أوجد كتلة كبيرة من المهمشين والمفقرين وفرض زيادة مضطردة في البطالة تجعل من إمكانية الثورات أن لا تقود إلى تغيير حقيقي في الوطن العربي مسألة فيها صعوبة، لأن الشعوب التي تمردت لا ترى إمكانية للتراجع ولا ترى إمكانية لتتوقف إلا بتحقيق مطالب أساسية، طبعاً هذه المطالب من الممكن أن تكون جذرية ومن الممكن أن تكون غير جذرية، كمثال الحركة القومية التي تأسست في الخمسينات في مصر وسوريا والعراق لم تكن تستطيع أن تحقق تغيير جذري لكنها في اللحظة التي وصلت فيها إلى السلطة حققت مطالب مباشرة لقطاع كبير من المجتمع، كالإصلاح الزراعي الذي أعاد صياغة الريف وجعل الفلاحون يملكون أرضاً، كذلك مجانية التعليم سمحت للريف أن ينخرط في التعليم ويرتقي بشكل أو بآخر، كذلك جعل فقراء المدن يجدون عملاً سواء في الصناعات الحديثة أو الدولة، لذلك قامت هذه الخطوة بحل مشكلات مباشرة للناس، لكنها لم تكن جذرية لأن الطبقة التي سيطرت قامت على النهب من جديد وأعادت خلط الأوراق لفترة قريبة.
الآن الأمور أعتقد بأنها أكثر تعقيداً، هي بحاجة حلول لهؤلاء المسحوقين، هذه الحلول لم تكن ممكنة إلا في مواجهة الرأسمالية لأنها تبدأ بالعودة للقوى المنتجة زراعياً وصناعياً وهو ما يناقض وجود السيطرة الإمبريالة والسيطرة الرأسمالية عموماً، وهو ما سيفتح أفق لأن تكون الثورات أكثر عمقاً، ومن هذا المنظور سيبقى الحراك قائماً إلى أن تتبلور بدائل سياسية قادرة على أن تحمل مشروع تغيير يحقق مطالب الناس، لذلك أعتقد بأنه لا إمكانية لتوقف الثورات حتى لو انحدرت في بعض الأمور أو تراجعت أو بدت ساكنة للحظات، لكنها ستستمر إلى أن يحدث تغيير حقيقي.

*تنطلق في رؤيتك لتحليل الثورات العربية والثورة السورية من منظور يساري، كيف تفسر مواقف الأحزاب اليسارية من الثورات ومن الثورة السورية تحديداً؟

**بالطبع كانت الثورة السورية مفصل أساسي لتغير النظرة للثورات الأخرى لدى قطاع كبير من اليسار العربي والعالمي، لكن المشكلة الأساسية أن هذا اليسار كان ميتاً قبل الثورات، فمجمل الأحزاب اليسارية القائمة عربياً وحتى عالمياً عدا استثناءات ليست كبيرة هي أحزاب ميتة، بمعنى أنها تبلورت في منظومة ذهنية متقادمة صاغتها الحرب الباردة، وفي النهاية لخصت كل الماركسية في صراع الإمبريالية ضد إمبريالية أخرى، فتخلت عن جوهر الجدل المادي الماركسي لمصلحة فهم شكلي سطحي يكرس الإمبريالية الأميركية كإمبريالية مطلقة على مدى تاريخها، فيصبح لدى هذه الأحزاب كل صراع ضد أميركا هو صراع ثوري، هذا الأمر جعل قطاع من هؤلاء يدعم بن لادن وتنظيم القاعدة لأنه كان يقاتل أميركا، وقسم أكبر منهم دعم الإخوان المسلمين وبأنهم هم الذين سيحررون فلسطين وهم الذين سيقاتلون أميركا، وهذا منظور سطحي لا يمت لليسار بصلة لأن العالم تغير، فلم تعد أميركا هي القوى الأساسية المتحكمة والقادرة على استمرارها في الهيمنة على العالم، فهناك روسيا برزت كإمبريالية جديدة كذلك الصين تتحول إلى إمبريالية، بالتالي هناك منظور جديد للعالم يجب أن يرى.
إضافة إلى ذلك ظهر أن هذه القوى لا تثق بشعوبها ولا تنطلق من مفهوم الصراع الطبقي إنما تنطلق من مفهوم الصراع الوطني، بينما الصراع الطبقي أصبح خارج التحليل لديها وخارج الفهم في حين أن الماركسية تنطلق من تحليل الصراع الطبقي، الصراع في داخل الظاهرة ذاتها، فلا تستطيع أن تدرس العالم بشكل مجرد دون البدء من نقطة محددة بتناقضاتها، لذلك لا أستطيع أن أرى سوريا فقط كنظام سياسي مختلف مع الإمبريالية إذا اعتبرنا أن هذا الأمر قائماً، دون أن أرى أن هناك طبقات وصراع طبقي وشعب يفقر وفئة تنهب، الأساس هنا ومن ثم يمكن أن نرى المستويات الأخرى، أما الأمور لدى هؤلاء فهي مقلوبة، فهو يبدأ من الأعلى من المنظور السياسي وهذا يجعله مثالي وليس مادي، فيعكس الأمور لتصبح: أن النظام السوري ضد الإمبرالية كما يدعي هو بالرغم من أنه ليس كذلك، فيصبح عندها النظام وطني وتصبح البرجوازية المسيطرة وطنية وبالتالي يصبح مبرراً لها أن تسحق الشعب. ولا ينظر إلى الشعب على أنه يعاني من اضطهاد طبقي، على العكس من ذلك ينظر لحراكه وكأنه مؤامرة إمبريالية لإسقاط نظام وطني، هناك هزل فكري وقحط فكري وجمود فضيع يحكم مجمل هذه الأحزاب والقوى، وهو نتاج الماركسية السوفيتية التي أصبحت هي الثقافة العامة حتى لدى من كان ينتقد السوفييت، لذلك تجد أن قطاعات الأحزاب الشيوعية التقليدية تلتف حول الاتحاد السوفيتي عدا مجموعات قليلة منها، فيصبح لديها الشعب السوري متآمر مع الإمبريالية ضد نظام وطني. وهذه الإشكالات تشير إلى إفلاس اليسار العالمي عموماً، هذا اليسار انتهى والثورات ستنتج يسار آخر مختلف.

*تعرضت للسجن في سوريا لمدة ثمان سنوات في ظل حكم حافظ الأسد وبعد الخروج من السجن بقيت في سوريا لماذا؟

**لأنني أعتبر سوريا بلدي ولن أهجره، ففي المرة الأولى من الاعتقال علمت بأنني مطلوب قبل اعتقالي، وأصدقائي طلبوا مني أن أسافر لأنني أحمل جواز سفر أردني ولم تكن المخابرات بالتأكيد قد عممت أسمي فكان يمكن لي أن أسافر، إلا أني لم أكن لأعلب دور سياسي وأهرب منه، لذلك فضلت الذهاب إلى السجن، وهذا ما جعلني أبقى في سوريا لاحقاً، وأن لا أعتبر نفسي طارئ وفي اللحظة التي أتعرض فيها لتهديد” أترك وأمشي”، ولولا أن النظام طردني مؤخراً لبقيت في سوريا إلى الآن ولن أخرج، فأنا أخوض صراع ضد هذه النظم وأعتبر نفسي مواطن عربي يخوض صراع ضد كل النظم العربية، أينما حللت أخوض الصراع ضد النظام الذي أعيشه، ولا أترك إذا حدث قدر من الصعوبة، وإلى الآن أتعامل كذلك.

*في عهد بشار تم ترحيلك بالعكس من عهد حافظ، مالذي اختلف بين عهد الأب والأبن؟

**سألت هذا السؤال في صحيفة عربية وأجبت كالتالي: أنا كنت فرحاً أن نظام حافظ الأسد اعتقلني وأبقاني في السجن، لأنه كان نظاماً قومياً، وبالتالي لا يفرق بين سوري وغير سوري، في حين أني حزنت أن نظام الإبن أصبح قطرياً واعتبرني مواطن أردني ولا أستحق أن أبقى في سوريا، حتى في السجن.
فالمؤكد أن النظام يتعامل مع من يتحرك ضده بنفس الطريقة لكن لا أعلم لماذا قرر إبعادي! ربما الضغوط الدولية وربما الضجة الإعلامية التي حدثت لكن في كل الأحوال بالنسبة لي كانت لحظة سيئة وليست إيجابية.

*كيف تقرأ الأصوات التي تتحدث عن إسرائيل كدولة إنسانية إذا ما قورنت بالاستبداد العربي وتحديداً النظام السوري؟

**أعتقد أن هذه الأصوات تنطلق من مفهوم صوري ذاتي، ومن تحليل غريزي أكثر منه فهم عقلاني للمسائل، المسألة لا تتعلق بأن أقارن بعض المظاهر في بلد ببعض المظاهر المشابهة في بلد آخر، يجب أن أرى كلية التكوين هنا وهناك لكي أحدد موقفاً، المشكلة أن المنطق الصوري الذي يحكم العديد من النخب، يجعل المسألة وكأنها مسألة مقارنات انطلاقاً من مفهوم أبيض أسود، ودائماً المقارنات تتعلق بزاوية صغيرة هي التي تلمس هذا الشخص، أن نرى الحريات فقط فنقول أن إسرائيل أفضل من الدول العربية. المؤكد في خصوص الحريات الدولة الصهيونية أفضل، لكن ننسى أن الدولة الصهيونية قامت على احتلال وسيطرة ونهب وبالتالي هذا شيء غير إنساني وغير ديموقراطي وهو أيضاً مناهض للديمقراطية، كذلك ننسى التمييز الذي يجري بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، وبالأحرى اليهود العرب والعرب ككل، كما أن الدولة الصهيونية قامت كمرتكز عسكري للسيطرة على المنطقة، في داخلها بعض الممارسات الديمقراطية نتيجة وجود اليهود الذين أتوا من أوربا بشكل أساسي، لكن هذا لا يغير أنها دولة قائمة كقاعدة عسكرية تريد الهيمنة على المنطقة وأنها تمارس القتل والإرهاب ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب بشكل عام، وأن دورها الأساسي هو منع تقدم المنطقة العربية، فمن هذا المنظور أرى أن هناك عقول صغيرة تتناول هذا الموضوع تنطلق من انفعالات غريزية وعقل ضيق انفعالي وليس من فهم عقلاني للواقع بكليته، وهذه مشكلة لدى نخب كثيرة في سوريا والمنطقة العربية، وهذه للأسف أضرت الثورة السورية لأنها بدت وكأنها تريد أن تعتمد على إسرائيل، أو نكاية بالسلطة تريد التفاهم مع إسرائيل، وهذا العقل هو الذي أدى بنا لأن تكون المعارضة على هذه الشاكلة. فالمعارضة والنخب السورية بنت تصوراتها كشيء مناقض لما يقوله النظام وليس لما يمارس، بمعنى النظام يدعي القومية لكنه من أكثر النظم التي كرست القطرية وهذه النخب تنظر إلى الشعار ولا تنظر إلى الممارسة لذلك تصبح هي قطرية، وتدعو للوطنية السورية والدولة السورية وبأنه ليس لنا علاقة بقضايا العرب، والنتيجة أنها تصب في المسار الذي يكرسه النظام، فهي تروج ما يمارسه النظام عملياً بحجة أنها تناقض خطابه الإعلامي، لأنها النتاج الطبيعي لمنافسة النظام، أما عملياً فالنظام ليس ضد إسرائيل وحما جبهة الجولان لعقود طويلة وكانت أكثر منطقة مستقرة للحدود الصهيونية هي الجولان حتى أكثر من سيناء بعد اتفاق كامب ديفيد، النظام لم يكن قومياً على العكس لعب دور هيمنة إقليمي خرب خلاله المناطق المحيطة، النظام لم يكن ضد أميركا كما يشاع، لكن كانت الالتباسات في العلاقة هي التي تظهر هذه المسافة بينه وبين أميركا، بالتالي خطاب المعارضة هو التعبير العملي عن سياسة النظام بهذا المجال، كل هذه المسائل من قطرية لعدم معاداة النظام الصهيوني للقرب من أميركا والميل للبرلة النظام قام بفرضه واقعياً، والمعارضة لحقته إعلامياً.

*ماهي أبرز تأثيرات الربيع العربي على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو العربي الإسرائيلي؟

**هو أولاً صراع عربي صهيوني، لأن التقزيم الأساسي الذي تحقق أن يكون صراع فلسطيني صهيوني، فخسر الفلسطينيون وجرى تحقيق الهيمنة الصهيونية على النظم العربية، لأنه وبحجة الصراع الفلسطيني الصهيوني كل النظم العربية فتحت علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع الدولة الصهيونية واعتبرت أنها ليست في صراع معها، بينما وجود الدولة الصهيونية هو وجود للهمينة على المنطقة ولمنع تقدم المنطقة ككل، هذا مبدأ أساسي يجب أن يكون واضحاً، ومن هذا المنظور هو خطر على المغربي كما هو خطر على الفلسطيني، الفارق أن الدولة الصهيونية قامت على أرض فلسطينية وبالتالي أصبح هناك تشريد عملي مباشر ملموس للشعب الفلسطيني لكن المغربي ربما لا يحس بذلك تماماً، لكن وجود الدولة الصهيونية هو لمنع تقدم كل المنطقة، فحينما حاولت أن تنهض مصر طورت الدولة الصهيونية الصراع معها، العراق حينما حاول أن يبني سلاح نووي لعبت الدولة الصهيونية دوراً بمنعه، بالتالي يجب أن ننظر للدولة الصهيونية كقاعدة عسكرية إمبريالية لمنع تطور المنطقة.
لذلك من المؤكد أن للثورات العربية أثر كبير على الصراع العربي الصهيوني، لأن المعادلة التي تكرست خلال العقود الماضية لخدمة الوجود الصهيوني والسيطرة الإمبريالية عبر تكريس النظم القائمة والنمط الاقتصادي المهيمن تبدو الآن مهددة، وتهديد هذه البنية التي تخدم الوجود الصهيوني والإمبريالية سينعكس سلباً على الدولة الصهيونية، لذلك أعتقد أن الدولة الصهيونية هي أكثر من يتلمس خطر الثورات العربية ومن يتلمس احتمالات تعرض المنطقة لتغيرات جذرية كبيرة تفرض على الدولة الصهيونية وضع مختلف، وهذا في المنظور الاستراتيجي الصهيوني يبدو واضحاً الآن، لهذا يطرح سؤال أنه إذا حدث ذلك كيف يمكن الدفع باتجاه زيادة ميزانية الأمن لكي نستطيع المواجهة، أو ما هو أثر ذلك على تحقيق اختلال كامل في ميزان القوى في المنطقة، وهذا جانب مهم وأساسي يجعل الدولة الصهيونية تفكر جدياً بالوضع إضافة إلى ذلك الأزمة الإمبريالية نفسها أي الأزمة الاقتصادية العالمية، كذلك وضع أمريكا الحالي الذي هو وضع انسحابي من المنطقة، كل ذلك يخلق عناصر ضعف للدولة الصهيونية، فإذا كانت الدولة الصهيونية ترى أنها بحاجة لدعم أعلى في المرحلة القادمة مع تحولات المنطقة العربية، فإن انسحاب أميركا يجعل الأمر صعباً عليها، لأن أميركا الآن أصبحت أولويتها هي آسيا والمحيط الهادي ولن تسطيع مواصلة الدفع المالي بشكل مباشر أو غير مباشر كما كانت تفعل في العقود الماضية حينما كانت المنطقة هي الأولوية الأمريكية، وهذا مهم حتى في إطار المؤسسات الأميركية، والتي لا تنطلق من حب إنساني لليهود بل تنطلق من المصلحة، فلأن للإمبريالية الأميركية مصلحة للسيطرة على المنطقة كانت تقدم من دون حساب للدولة الصهيونية، الآن حين لا ترى الإمبريالية الأميركية أن المنطقة هي أولوية سيختل الوضع في هذا المجال وهو إشكال سينعكس على وضع الدولة الصهيونية ، بمعنى من سيمول المرحلة القادمة والتي لا يستطيع الوضع الاقتصادي والاجتماعي القائم تمويلها. لأنها بحاجة لتسليح عالي أكبر من قدرتها وحجمها العسكري القائم، وهي أيضاً بنت مجتمع مدني بحاجة لتمويل أكبر من قدرة شعب طبيعي موجود في المنطقة، فهي بحاجة ماسة لدعم مالي مستمر، هنا مأزق إسرائيل إضافة لانسحاب أميركا الذي يعري ظهرها وهي تحاول الآن أن تقيم علاقة مع روسيا، وروسيا غير قادرة أن تعوض الدور الأميركي لأنها مالياً وعسكرياً غير قادرة، هذه عناصر تزيد من ارباك الدولة الصهيونية.
العنصر الأخير هو أن الأزمة الاقتصادية انعكست على الدولة الصهيونية ذاتها، وهناك أزمات اقتصادية بدأت تبدو وستشهد تفاقم، وربما ستشهد تفاقم للصراع الذي بدأ في صيفها عام 2011 خلال المظاهرات الكبيرة التي حدثت، لأنه أيضاً التكوين الطبقي للدولة الصهيونية ظهر وكأنه مشابه للدول العربية، أغلبية مفقرة وأكثرية تتحكم بالاقتصاد، كل هذه العناصر ستجعل التحولات العالمية الحالية تتفاقم والثورات العربية ربما تمتد إلى الدولة الصهيونية، بالتالي سيكون هناك أفق جديد للمرحلة القادمة، وهو ما يفرض علينا أن نعيد دراسة طبيعة الصراع وكيف نؤسس لمشروع صراع بديل في المرحلة القادمة.

*من وجهة نظرك ما هي أبرز أدوات الصراع البديل للمرحلة القادمة؟

**هي تتعلق بتطوير بنى النظم العربية فيما يتعلق بالمرحلة القادمة، لكن يجب أيضاً أن نستفيد من التفكك الذي يمكن أن يحدث في إسرائيل، ونطور صراع داخلي كالصراع بين اليهود العرب وغير العرب، والعرب بالمجمل والدولة الصهيونية، والاستفادة من إمكانات تفاقم الصراع الطبقي بداخل إسرائيل مع تغيير الواقع العربي بما يخدم الضغط من الخارج على الدولة الصهيونية، هذا يحتاج إلى رؤية أوسع في المرحلة القادمة، ولكن يجب أن يكون واضحاً أننا نطرح حلاً لمشكلة اليهود ولا ننطلق من مفهوم طائفي أو ديني أو قومي متعصب، بمعنى أننا نريد تدمير اليهود، فنحن إنما نريد فلسطين كجزء من المنطقة العربية ونريد إنهاء المشروع الصهيوني كمشروع إمبريالي يسعى للهيمنة على المنطقة، ولكن يجب أن لا نكون سبباً في دفع اليهود للتمسك بهذا المشروع الإمبريالي، وهناك إمكانات كبيرة في المرحلة القادمة، سواء نتيجة أن نموي الحس الطبقي الذي أعتقد أنه سيتطور في الفترة القادمة أو حتى أن نموي الحس القومي لدى اليهود العرب .

*بعد زيارتك لباريس تنوي العودة إلى القاهرة حيث تعيش حالياً، كيف ترى الأمور في مصر في ظل عودة حكم العسكر؟

**الثورة ستبقى مستمرة أيضاً في مصر، ما يجري هناك منذ ثورة 25 يناير هو أن الشعب يريد التغيير الحقيقي لتحقيق مطالبه، والشعب المصري كان أكثر من عبر عن مطالبه قبل الثورة، من خلال الاعتصامات في الميادين، وهي مطالب شاملة معظمها اقتصادي بالتالي الشعب يريد تحقيق هذه المطالب كحد أدنى للأجور مثلاً إلى الآن لم يتحقق، رغم أنه في زمن حسني مبارك فرضت المحكمة حد أدنى من الأجور قدره ألف ومائتي جنيه إلى أنه لم يطبق حتى الآن، بالإضافة لمعدلات البطالة العالية جداً وازديادها خلال الفترة الماضية بسبب غياب الحل ولا يبدو أن هناك حل في الأفق، كما تعاني البنية التحتية من انهيار بشكل مريب وانهيار التعليم والصحة والدولة المدينة الحديثة، كل هذه العناصر لم يتحقق منها شيء، ما ظهر أنه يحدث أن السلطة المسيطرة كانت تناور لامتصاص الأزمة ودفع الناس إلى الملل وبالتالي لتحقيق الاستقرار من جديد، دون تغيير حقيقي في بنية الاقتصاد، لهذا حاول المجلس العسكري في المرة الأولى أن يتحالف مع الإخوان المسلمين لكي يكسب جزء من القاعدة الشعبية كما كان يعتقد، ولكي يقول أن الثورة انتصرت لأنها أتت بالقوة التي عارضها حسني مبارك وبأنها وصلت إلى السلطة، لكنهم يعلمون أن الإخوان المسلمين لا يمتلكون حلاً اقتصادياً، وبأنهم يكرسون النمط الاقتصادي الذي بني في زمن حسني مبارك، وبأنه من السهل أن يعودو للموافقة على السياسة الخارجية التي رسمها حسني مبارك كالعلاقة مع اسرائيل رغم كل حديثهم عن إلغاء الاتفاق مع كامب ديفيد أو الصراع مع أميركا الذي كان يبدو شكلياً جداً، وهذا ما حدث فعلاً بعد أن أصبحوا في السلطة. فهم لم يغيروا شيء من السياسة الاقتصادية وتكيفوا مع السياسة الخارجية بكل سرور وطيبة خاطر، بالتالي بات واضحاً أن الشعب يريد تغيير السلطة الجديدة، الآن تناور قيادة الجيش من أجل تخويف الناس على أساس أن هناك قطاع من الشعب تعب وباعتبار أن الإخوان المسلمين أصبحوا منبوذين من الناس ما يعكس تحييد جهة اجتماعية عن الحراك، كذلك إعادة التخويف قد تجعل قطاعات أخرى أكبر تتخلى عن ميلها للتغير، وهذا ما يجري الآن، لهذا وجدنا أن آليات نظام حسني مبارك تعود وبشكل أكثر فضاضة أمن الدولة والشرطة بالإضافة للسيطرة على الإعلام، جملة هذه العناصر بدت تعود لكن هل سيؤدي ذلك إلى إنهاء الثورة؟ أنا أعتقد لا، لأن الناس تضررت ولن تعود دون تحقيق شيء ولأن الشباب الذي لم يكن له علاقة بالسياسة انخرط بشكل واسع في السياسة، وهو صاحب مطامح وطالب وأهداف، لذلك سنشهد في المرحلة القادمة تطور جديد للصراع، الآن تعود الاضرابات العمالية بشكل واسع، الحراك الطلابي كذلك يعود والذي يقال أنه حراك إخوان مسلمين وهو ليس كذلك، للإخوان دور محدود فيه، وبالمجمل الحراك بمعنى التظاهر هادئ قليلاً في المجتمع الآن، لأن بعض القطاعات الشعبية تراهن على السيسي، على أمل أن يحل لها مشاكلها، ولكن حين يصل السيسي ويمكث في السلطة شهرين أو ستة أو سنة دون أن يحل أي مشكلة سيحدث معه كما حدث مع الإخوان المسلمين، فكما توهمت بعض القطاعات الشعبية بأن الإخوان المسلمين سيحلون مشاكلهم إلى أن انقلب الأمر وبسرعة، الآن سيحدث نفس الشيء ونحن على أبواب ثورة ثالثة في مصر.

المصدر: الحوار المتمدن

ثورة سوريا.. استعصاء وفوضى وأسلمة

428ad8e2-7547-4eb3-a0d1-625aa217404d

إلى الآن، الثورة السورية هي أطول ثورة منذ بدء الموجة الثورية في 17/12/2010 في تونس، ولازالت مستمرة دون مقدرة على تحديد نهاية لها، على الأقل كما حدث في البلدان الأخرى من إزاحة للرئيس وحاشيته، وفتح أفق لتغيير ما.

ما هو مطروح هو الحل السياسي في جنيف2، الذي يبدو متعثرا إلى الآن، بالضبط لأن نجاحه يتوقف على إبعاد بشار الأسد وحاشيته بينما هو من يشارك في المؤتمر، ويسعى لإفشاله، لأن نجاحه يعني رحيله بالتحديد.

منذ البدء كان واضحا بأن الثورة لن تحقق انتصارا أوليا إلا من خلال إحداث كسر في بنية السلطة يفتح على إبعاد الأسد وتحقيق انفراجة ديمقراطية.

فالثورة السورية، ككل الثورات في البلدان العربية، عفوية، دون أحزاب لديها رؤية عن الثورات وكيفية تطويرها لكي تسقط النظام. هذا الشعار الذي رفعه الشعب، والذي كان زخم الثورات يسمح به، لكن فعل التنظيم كان غائبا. وهو الأمر الذي كان يستدعي تدخل الجيش كي يزاح الرئيس انطلاقا من أن ذلك يعني إسقاط النظام.

في سوريا كان الوضع أكثر تعقيدا في هذه المسألة نتيجة البنية التي أوجدها حافظ الأسد، والتي كانت تؤسس لدولة بوليسية متعددة الأجهزة، وجيش خاضع للسيطرة الأمنية، ويتحكم في مفاصله ضباط شديدو الولاء، ومن بيئة الرئيس ذاته.

لهذا كان كسر السلطة يحتاج إلى “تكتيك” نبيه، وسياسة تقوم على إدماج البيئة التي تشكل السلطة منها “قوتها الصلبة” كي يصبح ممكنا إيجاد الكسر الضروري في السلطة.

بمعنى أن ما كان عفويا و”طبيعيا” في ثورات تونس ومصر كان بحاجة إلى جهد ووعي في الثورة السورية، وهذا ما لم يحدث، على العكس حدث ما يساعد السلطة على تشديد تماسك “الأقليات” (خصوصا العلويين) خلفها.

وبهذا إذا لم تكن السلطة قد نجحت في إنقاذ ذاتها فقد نجحت في خلق الاستعصاء الذي نعيشه الآن، والذي لا يسمح بتوقع انتصار الثورة رغم تهلهل قوة السلطة، واعتمادها على “قوى خارجية” (إيران وحزب الله وعصائب أهل الحق الطائفية العراقية، وعلى الدعم العسكري الروسي). وهذا الأمر يمكن أن يقود إلى انهيار السلطة، لكن البديل الآن هو الفوضى، وتقاتل الجبهات المسلحة. وهو الأمر الذي يفرض بناء إستراتيجية جديدة تكون بديلا عن “الحل السياسي” في حال فشله، واستمرارا للثورة في كل الأحوال.

خطاب السلطة ومصيدتها
ما كررته السلطة منذ البدء هو أن ما يجري هو من فعل “عصابات مسلحة”، ومن “إرهابيين سلفيين”، وأن ما يجري هو حراك يقوم به الإخوان المسلمون، وتنظيم القاعدة. ومن ثم فالمستهدف هو “الأقليات” و”الدولة العلمانية”، وأن الأمر يتعلق بعنف مسلح ضد الدولة وليس بشعب يتظاهر من أجل مطالب.

وسنلمس اليوم أن السلطة نجحت في أن يصبح ما قالته أمرا واقعا، وإن كان ذلك لن يتيح لها إنقاذ ذاتها، ما نجحت به هو إبقاء “البيئة الاجتماعية” خائفة، وهي التي أسست قوتها عليها، وتدافع عنها، حتى دون قناعة، خشية الخوف القادم من التغيير ومن الانتقام الذي تريده قوى أصولية طائفية.
هذه هي العقدة التي أفضت إلى الاستعصاء والتي تحتاج إلى وقفة حاسمة بعد ثلاث سنوات من الثورة، لأن حلها هو المدخل لتغيير الوضع بفتح أفق جديد للثورة.

ويمكن هنا أن نشير إلى “المصالح” التي كانت توصل إلى هذه النتيجة، وهي مصالح فئات معارضة وقوى إقليمية ودولية، كان لكل منها حساباته وأوهامه، بينما كان الشباب الذي حرّك الشارع في الأشهر الأولى واعيا لخطر الانجرار للأصولية والصراع الطائفي، وإن لم يستطع تقديم خطاب يجذب تلك “الأقليات”، التي كان على انخراطها في الثورة يتوقف مصيرها كله، بالضبط لأن ذلك هو ما كان سيفرض شق السلطة وفتح أفق للتغيير.

فقد عمل طيف معارض وقوى إقليمية ودولية على تحويل “خطاب” السلطة ضد الثورة إلى “حقيقة”، لهذا أخذت الثورة تظهر وكأن الأمر يتعلق بصراع قوى أصولية وتكفيرية مسلحة ضد السلطة.

وفي هذه المعادلة كانت السلطة هي الرابحة، لأنها شدت خلفها “الأقليات”، وأعطت مبررا لكل القوى الدولية، وإخطارا للشعوب في العالم كي تقف موقف اللامبالاة من الثورة.

بالتالي إذا كانت تريد السلطة إظهار الثورة كحراك سلفي “إسلامي” لأن ذلك يخدم تماسكها، فقد عملت أطراف في المعارضة بدت أنها هي التي تمثل الثورة (المجلس الوطني، وضمنه الإخوان المسلمون، وأطراف في إعلان دمشق، والعديد من “السياسيين”) على التأكيد بأن الثورة إسلامية وضد “نظام علوي”، وفي هذا الشحن الطائفي المتبادل كانت الثورة تدفع للتسلح.

ولا شك في أن نجاح التسلح لم يعتمد على دعواتها بل على وحشية السلطة التي فرضت المواجهة العسكرية، لكنه كان يحمل أخطارا كبيرة نتيجة غياب “الضابط” السياسي، ووجود تحريض طائفي متبادل ودعم مالي مؤثر.

هنا نلمس أن السلطة التي لا تمت للطائفية بصلة نتيجة مصالحها تتمسك بمنطق “طائفي” لكي تحافظ على “القوة الصلبة” التي تحميها، وأن أطرافا في المعارضة لكي تصبح هي البديل دفعت بأن ينتصر “الخطاب الطائفي” الذي زرعته السلطة، فهي في هذه الوضعية فقط تستطيع أن تسيطر على الثورة كما اعتقدت.

ولقد ساعدتها القوى الإقليمية، والإعلام الذي عمل جاهدا على “أسلمة” الثورة، حتى الإعلام الغربي كان يميل إلى “التصديق السريع” لهذا الخطاب، وعمل على تعميم فكرة أن ما يجري هو “حرب أهلية” (أي طائفية) حتى قبل أن يصبح للقوى الأصولية قوة.

ما سمح بتحقيق ذلك واقعيا هو أن السلطة ركزت كل مجهودها لكي تدمر كل النخب المنخرطة في الثورة، بدءا من التنسيقيات التي شكلها شباب لديه قدر بسيط من الوعي والفهم والهدف وكل الناشطين الإعلاميين والأطباء، الأمر الذي سمح لشباب أكثر بساطة لأن يصبح هو الفاعل.

وهذا ما كان ينعكس ضعفا في الشعارات والنشاط، والخضوع أكثر لتأثير الحاجة، التي باتت كبيرة بعد أن أصبحت الثورة، في الغالب، محكومة بالسلاح، وعلى ضوء الموت الوحشي الذي تمارسه السلطة، والذي جعل الصراع ينتقل إلى شكله الغريزي.

في هذا الوضع ضاعت أهداف الثورة، رغم أن “الهدف” ظل هو إسقاط النظام، وهو الهدف الذي كان مقصودا منه منذ البداية تحقيق الحرية ومطالب الشعب المفقر، ومن ثم بناء الدولة المدنية، لكن تلاشى كل ذلك إزاء وحشية السلطة وتصاعد الصراع المسلح لكي يبتسر الأمر إلى مجرد “إسقاط النظام”.

وهو الأمر الذي فتح على تسرّب كل الأوهام التي باتت تحكم قطاعات من الذين يحملون السلاح، وخصوصا هنا عندما طرح هدف “دولة الإسلام”، أو حتى تطبيق ذلك واقعيا كما فعلت جبهة النصرة ثم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وهو الهدف الذي باتت تطالب به كل الكتائب الإسلامية (جيش الإسلام، وأحرار الشام، ولواء التوحيد وغيرها).

ولأن الهدف بات هو إسقاط النظام فقط، فقد وجدت هذه التيارات أرضية لها، وحتى موافقة من قطاع مهم من المعارضين انطلاقا من أن المهم هو إسقاط النظام، وأنه يكفي “مساعدتها” للثورة من أجل ذلك، هذا قبل أن ينكشف أمر داعش التي باتت قوة قمع للشعب في المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة، وأيضا دون الانتباه لدور القوى الأصولية الأخرى، من جبهة النصرة إلى جيش الإسلام والجبهة الإسلامية، التي تمارس الدور ذاته في مناطق سيطرتها.

بهذا تحول ما كانت تقوله السلطة منذ البدء، أمرا “واقعا”. وأصبح الأمر-كما يجري التداول في الإعلام- صراعا مسلحا بين السلطة وقوى متطرفة.

وهذه الصورة التي أخذت في التبلور بعد عام ونصف من الثورة باتت تغطي على الشعب، وعلى الثورة، وأصبحت هي المعبّر عن الصراع القائم بديلا عن الواقع الذي يقول بأن الأمر يتعلق بشعب يخوض ثورة من أجل إسقاط النظام لتحقيق الحرية والعدالة.

لقد “اختفت” الثورة (أو أخفيت) لمصلحة صراع مسلح بين قوى السلطة وقوى متطرفة، وبتدخل إقليمي ودولي عالي المستوى، وهو الأمر الذي سمح للسلطة بأن تمارس كل أنواع الوحشية والهمجية دون أن يحرّك كل ذلك شعوب العالم.

فالسلطة تمارس كل ما يمكن أن يوصف بأنه جرائم ضد الإنسانية، وتوغل في الإبادة الجماعية، بكل أنواع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، تحت كاميرات العالم، دون أن تلقى ما يناسب الأمر من ردود الفعل.

وإذا كانت الدول الإقليمية والدولية المتدخلة لا تأبه للقتل والتدمير لأنها تريد أن تكون الثورة السورية هي مقبرة الصيرورة الثورية التي بدأت في تونس، فإن الأمر المذهل يتعلق بالشعوب، وبشكل أخص ما يسمى اليسار العالمي.

هذا الوضع يفرض إعادة بناء الرؤية، وتحديد الهدف، وبالتالي التفكير الجدي في إعادة بناء الثورة كثورة شعب يريد إسقاط النظام من أجل الحرية والعدالة.

المصدر: الجزيرة

الأسباب غير الاقتصادية في الثورة السورية.. عن الخبز والحرية

1ffdeda0-bcff-4e3d-8380-72ef8e9a867f

انصب التركيز أثناء الفترة الماضية من عمر الثورة على الحرية، ولا شك في أن الحرية ضرورة في ظل سلطة استبدادية شمولية حظرت السياسة عقودا واستحكمت الأجهزة الأمنية بكل شيء، وعملت على “تنميط” الشعب وفق منطقها من خلال الخطاب الموحد والزي الموحد والمؤسسات “الموحدة”، أي التي تخضع للأجهزة الأمنية، من النقابات إلى الاتحادات إلى المؤسسات، وأيضا منظمات الطلائع والشبيبة، وحتى “الجبهة الوطنية التقدمية”.

إذن، كل هذا العبء على الشعب سوف يشعره بالكابوس الذي يجثم عليه، ويؤسس لحالة خوف وهلع من الميل إلى السياسة.

وكان الهدف من الاعتقال الطويل لكل من ينشط في حزب ليس تدمير الحزب فقط بل “تربية المجتمع”، حيث إن الخروج على السلطة يعني السجن الطويل أو حتى القتل.

وهذا ما كان يبعد الشعب عن السياسة، ويحصر السياسة في مجموعة قليلة من الناشطين، والذي أدى مع العنف المستمر الممارس ضد كل من يحمل رأيا أو ينضوي في حزب، إلى أن تحدث قطيعة بين الشباب والأحزاب التي بدا أنها تضم مجموعة من “كبار السن”.

عبء السلطة الأمنية على الشعب كان يظهر من خلال الممارسات اليومية، حيث كانت الحاجة للموافقة الأمنية ترافق المواطن من الولادة إلى الممات، مرورا بالمدرسة والجامعة والعمل، وكل أشكال الحياة اليومية.

هذا هو العبء الحقيقي الذي كان يشعر به الشعب، والذي كان يؤسس الاحتقان ضد السلطة كسلطة، أي أن العبء أتى من طريق الحياة العادية وليس من طريق السياسة، من المعيش وليس من الوعي والفهم، من الممارسة الضدية وليس من وعي معنى السلطة، وفهم تكوينها.

والسلطة وهي تفعل ذلك دمرت السياسة في المجتمع أولا، لا يتعلق الأمر بالأحزاب التي دُمرّت فعلا، بل يتعلق بالثقافة السياسية كذلك، ودمرت الثقافة عموما ثانيا، حيث انهار التعليم وتسطحت كل المسائل التي تتعلق بالمعرفة العامة تحت شعار “تبعيث التعليم”، وبات خطاب الرئيس هو أساس دراسة الفلسفة والاجتماع والتاريخ والجغرافيا واللغة، وحتى الدين، وهو في كل الأحوال “خطاب سياسي” (بمعنى حدثي لا يتضمن أي عمق معرفي)، وبالتالي هيمن “الوعي التقليدي” البسيط على قطاع كبير من الشباب (وكان يتخذ في الفترة الأخيرة طابعا دينيا).
ولكن قادت أزمة فقدان المقدرة على التوظيف (حتى في الدولة كما كان يجري سابقا) وتضخم عدد طالبي العمل من خريجي الجامعات إلى ترك الأجيال الجديدة التعليم في مراحل مبكرة، وهو الأمر الذي زاد من نسبة الأمية كثيرا، وبالتالي أبقى “الوعي التقليدي” مسيطرا على قطاعات مهمة من هؤلاء.

لا بد من ملاحظة أن “الوعي التقليدي” هو وعي غير سياسي، وضد السياسة، نتيجة الموروث الطويل لـ”رهاب السلطة” الذي انبنى على الخوف من السلطة ذاتها، وهو ما أسس لوجود “مجتمع طبيعي” هم البشر الذين يعيشون حياتهم “الخاصة” التي تسمى “حياة اجتماعية”، ويؤسسون “وعيهم” وعلاقاتهم على أساسها.

وهنا ينشأ “الوعي الشعبي” والعلاقات “الشعبية” في إطار البيئات الاجتماعية، العائلة والمنطقة والقرية أو المدينة، وهو التكوين غير السياسي رغم أنه يتلقى ضغوط السلطة وتحرشاتها، وهو تكوين يفرض الهرب من السياسة كثقافة وكمتابعة بشكل عام، وبالتالي يصبح المجتمع في وضع من “يتقي شر السلطة” رغم أن ضغوطها تؤسس احتقانات متعددة.

هنا كان الاحتقان من تغوُّل السلطة يوقفه الخوف منها من جهة، ومن جهة أخرى كان يقود إلى غياب السياسة (بالمعنى الحزبي والمعرفي) في المجتمع (حتى حزب البعث كان قد هجر السياسة من زمن طويل، وأصبح حزب مصالح).

بالتالي قاد عبء السلطة الذي يراكم الاحتقان إلى التفكير بالتخلص منها، لكن دون وعي سياسي، ولهذا لا يقود إلى تفجّر الشعب في ثورة، بل يجري التكيف مع تغول السلطة ما دام “الوضع الطبيعي” محتملا، أي ما دامت مقدرة الشعب على تحمّل العيش قائمة، وهو الأمر الذي حكم الشعب لعقود، حيث كان الهروب من مواجهة السلطة هو الموقف الأساس، رغم الاستبداد الذي طال الأحزاب السياسية والضغط الأمني وتدخلات الشرطة في حياة الشعب.

طبعا في ظل هذا الوضع لم يكن معنى “الحرية” كمفهوم حاضرا، وذلك نتيجة غياب السياسة، والفكر السياسي الذي ما زال أبعد عن “الوعي الشعبي” نتيجة ما أشرنا إليه للتو، وهو الأمر الذي يجعل المسألة تتعلق بالحاجة إلى التخلص من العبء للتخلص من ضغط وتحرشات وخوف.

الحرية هنا هي التخلص من عبء إذن، وهذا غير كافٍ للقيام بثورة من أجل ذلك، وعي الحرية هو الذي يدفع إلى الثورة من أجلها كما شهدنا في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا، وهذا لم يتأسس في “الوعي الشعبي” بعد، نتيجة أن الوعي التقليدي يكرس القمع وينفي الحرية، وأيضا نتيجة أن التعليم يكرس القمع كذلك على الضد من الحرية.

ولدى شخص يسكنه الخوف من السلطة تكون الحرية حالة خوف لأنها سياسة وضد السلطة، ولهذا يبقى متقوقعا في “مجتمعه الطبيعي” يتحاشى قدر المستطاع الصدام مع السلطة، وهو في ذلك يهرب من الحرية التي ستضعه في صدام معها، ويهرب من الثقافة السياسية التي سوف “تورطه” في الصدام مع السلطة، وبهذا لا يريد فهم معنى الحرية، رغم أن ضغوط السلطة توجد احتقانات ضدها -كما أشرنا- لا تصل إلى حد الثورة، رغم أنها تؤدي إلى احتكاكات موضعية في بعض الحالات.

هذا الأمر يعني أن للثورة أساسا آخر كما أشرنا قبلا، أي حين يتعرض “المجتمع الطبيعي” لخطر الاندثار نتيجة العجز عن العيش بفعل غياب العمل أو الأجر الذي لا يعيل. هنا يكون أمر آخر، بالضبط لأنه يتعلق بالحياة ذاتها، وليس فقط بتحمّل ضغوط السلطة، وفي هذه الحالة يطلق الشعب كل مكنوناته ضد السلطة، ويفتح على كل تعدياتها.

حينها، يجري “نكش” كل ممارسات السلطة، وتصبح هي المستهدفة، فـ”الشعب يريد إسقاط النظام” الذي بات يعني هنا ليس تغيير النظام السياسي وتأسيس نظام قائم على الحرية فقط، بل وتغيير كلية النمط الاقتصادي الذي فرض الاختلال الذي بات يطيح بحياة الشعب، والذي يجعل الدولة الديمقراطية حلا غير كافٍ على الإطلاق بل يجب أن ترتبط بحل مجمل المشكلات الاقتصادية (البطالة والأجر والتعليم والصحة والبنية التحتية) التي بات تفكيكها يفترض بالضرورة تغيير النمط الاقتصادي، من هنا تأتي جذرية الثورات الراهنة.

لكن هذا لا يعني أن مسألة الحرية هي “خارج الموضوع”، بل هي في جوهر الثورة، حيث إن الثورة هي تمرد من أجل الحرية، ولهذا فإن البديل -الذي يجب أن يكون حقيقيا- هو البديل الذي يتضمن تحقيق الحرية بالضرورة، فالحرية ضرورة، والتحرر من البنى التقليدية ضرورة، والتحرر من الاستبداد العائلي والديني والمجتمعي والسلطوي هو ضرورة أيضا، وتحرير فعل البشر وتحقيق فاعليتهم يفترضان الحرية كضرورة.

غير أنه لكي نعي ما جرى من أجل أن نحدد ما يجب أن نفعل يجب أن نفهم الأساس الذي حرك الشعب لكي ينهض في لحظة بكل هذه القوة الخارقة، وبالتالي أن نعرف أن هدف الثورة ليس الحرية فقط، بل أولا وأساسا تغيير النمط الاقتصادي السائد لمصلحة اقتصاد منتج يسمح بحل مشكلات البطالة والفقر، وهذا ما كان يراد له أن يتهمش ويخفى من قبل المعارضة، وذلك بالضبط لأنها لا تختلف مع السلطة على “اللبرلة”، وإن اختلفت على من يهيمن من الرأسماليين.

وهذا الأمر هو الذي فتح المجال لأن يتحقق الانحراف من مطلب الحرية إلى الأسلمة، وإلى تمسك قطاعات من الأقليات الدينية بالسلطة، لهذا لا بد -والثورة تكمل عامها الثالث- من إعادة صياغة الرؤية لكي تطرح مطالب الشعب وتتجاوز أوهام النخب.

وهذا الأمر يفرض أن يكون تغيير النمط الاقتصادي مرتبطا بالضرورة بتأسيس دولة الحرية.

المصدر: الجزيرة