Monthly Archives: يناير 2014

النتائج الممكنة لمؤتمر جنيف2 والموقف منها

3906346f-f223-4184-920a-24bf2583ca3a

ماذا يمكن أن ينتج عن مؤتمر جنيف2؟ ربما هذا هو السؤال الأكثر ترددا هذه الأيام. في هذا المجال لا بد من التمييز بين الموقف وسياق الواقع الموضوعي، أي بين ما نريد وبين ما يمكن أن يجري في الواقع.

وبالتالي علينا أن نتلمس هل أن ما يمكن أن يجري سيكون مفيدا في شكل ما أو على العكس من ذلك سيكون ضد الثورة؟

هذه النظرة يمكن أن تساعد في الخروج من منطق حدي يقود إلى اتخاذ مواقف تدعم أو ترفض نتيجة تلمس بعض الزوايا، ولمس بعض النزعات هنا أو هناك. فالمسألة أعقد من أن نكون مع أو ضد جنيف2، حيث لا بد أولا من فهم ما يريد الشعب بدقة، ومن ثم فهم الواقع القائم، وتلمس كل مشكلاته، وبالتالي رؤية الممكن على ضوء ذلك، ومن ثم تحديد هل أنه يخدم الثورة أو يلحق الضرر بها؟

لهذا فإن الأمر لا يتعلق بموقف “ذاتي”، بل لا بد من فهم مجريات الواقع بعيدا عن تحيزاتنا ومواقفنا ومطالبنا، لكي يكون الموقف الممكن مطابقا لممكنات الواقع، لكن في سياق يخدم الثورة ذاتها، وليس من أجل تصفيتها.

من هذا المنظور يمكن التحديد أولا بأن ما يمكن أن يجري في جنيف2، إذا نجح تماما وأطيح ببشار الأسد والفئة “العائلية” المسيطرة على السلطة، لن يحقق المطالب التي ثار الشعب من أجل تحقيقها، لا فيما يخص الدولة المدنية (ولن أقول العلمانية لأن النخب السورية كانت أهزل من أن تطرحها، بل طالبت بدولة ديمقراطية)، ولا بحل مشكلات البطالة (30% من القوى العاملة) والفقر (نسبة مشابهة) والتهميش وانهيار التعليم والصحة.

فالطرف السلطوي المشارك في الحل، والمعارضة السورية كلها ليس لديها بديل عن الاقتصاد الحر والسياسات الليبرالية، ولقد كان الإفقار والتهميش والبطالة كلها نتاج هذه السياسات، وإعادة إنتاجها سوف تزيد من البطالة والفقر والتهميش.

هذا المستوى لا خلاف عليه بين السلطة والمعارضة، ويكمن الخلاف في من يحتكر السيطرة على الاقتصاد، هل آل مخلوف والأسد وشاليش (بالتحالف مع البرجوازية التجارية الشامية الحلبية)، أو ينتهي احتكار هؤلاء لمصلحة احتكاري جديد (ربما البرجوازية ذاتها، مع بعض رجال الأعمال المنخرطين في المعارضة الآن، لأن السيطرة السابقة كانت تهمش دورهم)؟

بالتالي فإن ما يجري هو إعادة إنتاج للسلطة كبنية طبقية، أي كاقتصاد ليبرالي مهيمن عليه من أقلية تحتكر الثروة.

هذا في المستوى المحلي، أما انطلاقا من فاعلية القوى الدولية، التي باتت تحدد مسار الحل، فإن الأمر بات في مصلحة المافيا الروسية التي أصبحت موكّلة باحتكار “السوق السوري”، وبهذا سوف يستمر “النهب الإمبريالي” لكن مع تحوّل المركز المهيمن.

وإذا كان هناك صراع على الهيمنة في السنوات السابقة بين كل من تركيا وفرنسا وقطر، وإيران، في ظل ابتعاد أميركا وميلها لفرض عقوبات على السلطة السورية، وحيث حصلت كل من تركيا وقطر على موقع مميز، فإن المرحلة القادمة سوف تشهد سيطرة روسية كاملة، ربما مع هوامش لإيران وتركيا، وبمشاركة صينية.

وهذا يعني استحكام السيطرة الإمبريالية، وتعميق النهب، خصوصا ونحن نشهد ضرورة إعادة إعمار ما تهدّم بفعل وحشية السلطة، وهذا الأمر سوف يراكم مديونية عالية على الدولة، ويجعلها تخضع أكثر فأكثر للنهب الإمبريالي.

هذا هو جوهر الحل الذي يمكن أن يفرض من قبل كل من أميركا وروسيا، وهو الحل الذي لا يحقق مطالب الشعب، وربما يؤسس ضرورة لقدر من الانفراج “الديمقراطي” نتيجة الحاجة لقبول قوى جديدة في السلطة من أجل “إنهاء الثورة”، وكضرورة فرضتها مطالب الشعب (والنخب خصوصا) بالحرية.

وبالتالي ربما يخلق وضعا مشابها لأوضاع تونس ومصر من حيث “المتنفس الديمقراطي” الذي يختزل بالانتخابات “الحرة”، وبعض الحرية للصحافة والأحزاب والنقابات وأشكال الاحتجاج الأخرى.

وهو الحل الذي سوف يجعل الشعب يستمر في الثورة، ويفرض التأكيد على ضرورة استمرار الصراع من أجل تحقيق مطالب الشعب، ولا بد من ملاحظة هنا هي أن كل الثورات العربية لم تستطع بعد تحقيق هذه المطالب، ولم يتغيّر سوى شكل السلطة.

ولذا فإن الحراكات الشعبية ما زالت مستمرة، رغم أن الثورات أطاحت برؤساء وحاشيتهم، هذا ناهيك عن كل الدمار والقتل الذي حدث في سوريا، ولهذا سيبدو أن ترحيل بشار الأسد مطلب ضروري في كل الأحوال.

انطلاقا من هذه الرؤية لا إمكانية للموافقة على الحل الذي يمكن أن يخرج عن جنيف2، سواء ظل الأسد (وهذا احتمال غير ممكن كما سنوضح) أو رحل. طبعا إلا من قبل الفئات التي سوف تستفيد منه عبر وصولها إلى السلطة.

وهذا الأمر يفرض البحث في وضع الآليات التي يستلزمها تطوير الثورة، وإعادة بنائها بما يجعلها تخرج من عفويتها وفوضويتها وسيطرة “العسكرة” عليها، ويؤسس لها قيادة فعلية.

لكن، لا بد من النظر الموضوعي لما يجري، ليس بالضرورة لتغيير الموقف الآنف الذكر، بل لكي يوضع في السياق الذي تجري فيه الأحداث، فيخرج عن أن يكون “موقفا أخلاقيا” أو “أيديولوجيا” أو دوغمائيا.

فالواقع يحتمل موقفا مركبا يتجاوز القبول أو الرفض (ويتضمن القبول والرفض معا)، لهذا لا بد من فهم الواقع كما هو من أجل الوصول إلى هذا الموقف المركب، فالموقف المبدئي المنطلق من معرفة النتائج سوف يوصل إلى الرفض حتما، لكن هل يتطابق هذا مع الواقع العياني؟ وإذا كان الحل مرفوضا، ما هي “قيمته” في الواقع القائم الآن؟

من هذا المنظور يمكن القول إن استعصاء بات يلف الصراع، وإن المسألة السورية باتت بقبضة القوى الدولية، روسيا وأميركا خصوصا، وإن الوضع الشعبي بات في غاية الصعوبة نتيجة أن عددا كبيرا صار لاجئا في الداخل أو في الدول المجاورة (تقريبا ثلث الشعب).

هذا فضلا عن أن نتيجة الوضع أدت إلى صعوبة شديدة في القدرة على العيش نتيجة انهيار الوضع الاقتصادي، وأسوأ نتيجة الحصار الشديد المفروض على مناطق عديدة، إضافة إلى الوضع الأمني السيئ في كل المناطق.

فالثورة تعسكرت بشكل عشوائي، وهو الأمر الذي أدى إلى “اختراقها” من جهة، وإلى الفشل في ممارسة سياسة عسكرية صحيحة في الصراع نتيجة غياب الخبرة لدى المقاتلين من جهة أخرى، وذلك نتيجة دخول قوى أصولية لا تفعل سوى التخريب والإرباك، وتحولها إلى قوة كبيرة بفعل الدعم المالي من قوى إقليمية.

وبالتالي فقد تشكل جسم عسكري مفكك ومتناقض، وذو طابع محلي، ونمت على هامشه قوى مخترقة أو عصابات عملت على استغلال الفوضى لكي تستفيد ماليا.

هذا الأمر يوضح أن الثورة بالقوى العسكرية التي تكونها، وبالخبرات والسياسات العسكرية، لا تستطيع إسقاط النظام، خصوصا أن الصراع انفتح ضد داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ويمكن أن ينفتح ضد جبهة النصرة والجبهة الإسلامية نتيجة الأجندات التي تمثلها وتؤدي إلى تخريب الثورة.

كما أن الثورة باتت بلا هدف واضح بعد أن تراجع شعار الحرية، وبدأت تطغى شعارات الدولة الإسلامية، وهو الأمر الذي أربك قطاعا كبيرا من الشعب الذي خاض الثورة وأراد تغيير النظام من أجل الحرية والعدالة.

في المقابل فقد ضعفت السلطة نتيجة تدمير جزء مهم من “بنيتها الصلبة”، وعجزها عن استخدام كل قطاعات الجيش نتيجة الاحتقان الذي تولّد لديها كونها جزءا من الشعب ومن المناطق التي ثارت ووُوجهت بالعنف الشديد. وباتت محمولة من قوى عسكرية خارجية، من إيران وحزب الله والقوى الطائفية العراقية، وبدعم عسكري روسي كبير. وبهذا أصبح صراع الشعب مع “قوى خارجية”، تريد الحفاظ على السلطة، وتعمل على منع سقوطها.

وهذا هو الاستعصاء القائم، الذي لا يبدو أن له حلا الآن، فالثورة ليس من السهولة إعادة بناء قواها بشكل مختلف في ظل سيطرة السلاح، وقوى السلطة بداعميها الإقليميين لم تستطع إنهاء الثورة والانتصار عليها، ولا يبدو أن هذا ممكنا في الفترة القادمة.

وما هو ظاهر هو تزايد القتل والدمار، والوحشية التي تزيد من فضح السلطة، في وضع باتت “المسألة السورية” تنعكس سلبا على “دول الجوار”، بالضبط نتيجة مشاركة قوى طائفية في قتل الشعب السوري دفاعا عن السلطة (لبنان والعراق)، أو نتيجة إرهاق وضع اللاجئين بعد أن تزايد عددهم كثيرا.

ما أشرت إليه يوصل إلى أن الشعب بات يمكن له أن يقبل بحل نتيجة “فقدان الهدف” من جهة، والوضع الشديد الصعوبة الذي يعيشه من جهة أخرى، وربما هذا ما أرادته بعض القوى الدولية (روسيا)، لكنه أيضا يوصل إلى أن استمرار السلطة بات مستحيلا، وأن استمرار الصراع سوف ينعكس سلبا على كل المحيط الإقليمي والوضع العالمي.

هذه المسألة ربما هي التي توحي بأن روسيا وأميركا باتتا معنيتين بفرض حل، فقد حققت أميركا تدمير سوريا (بقوى السلطة وبالسلاح الروسي)، وباتت معنية بإرضاء الروس عبر مساعدتهم على فرض سلطة “تابعة”.

وروسيا باتت مرهقة في المسألة السورية وتريد ترتيب وضع سوريا بما يسمح لها بالتمدد في “الشرق الأوسط”، ولهذا بات مطلوبا “الوصول إلى حل”.

لقد وصلت المسألة السورية إلى حالة من التخثر الذي قد يفضي إلى “الخروج عن السيطرة”، لهذا تقرر عقد جنيف2 بعد أن أصبح الأمر موثقا في قرار من مجلس الأمن الدولي.

والحل هو “خريطة الطريق” المقررة في جنيف1 من قبل مجموعة العمل الخاصة بسوريا، وخصوصا من قبل روسيا وأميركا. وتقوم على تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية، لكي تعيد ترتيب وضع السلطة، والتحضير لكتابة دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية، بعد أن يكون قد جرى وقف الصراع المسلح، وإطلاق سراح المعتقلين، وعودة المهجرين، والبدء بإعادة الإعمار.

لكن هذا الأمر يُواجه برفض من طرفين: بشار الأسد والدائرة المحيطة به، بالضبط لأن الحل ينهي سلطته، وبعض أطراف المعارضة التي أخرج بعضها من اللعبة. وتبقى المسألة التي تحتاج إلى حل هي كيفية إخراج بشار الأسد من السلطة لكي يتحقق الحل، وأيضا كيفية إنهاء وجود القوى الأصولية.

إذا تحقق هذا الحل فما هو مفيد فيه هو رحيل بشار الأسد والعائلة والمافيا المحيطة به من جهة، وإنهاء الصراع المسلح من جهة أخرى، وبالتالي وقف وحشية السلطة والانتقال إلى مرحلة ستشهد انفراجا ديمقراطيا.

إضافة إلى محاولة العودة لحياة طبيعية للشعب، المهجّر والمحاصر، وأيضا لباقي الشعب عموما الذي اختنق من توقف عجلة الاقتصاد والضغط الأمني الشديد والتعرّض للقتل اليومي. ومن ثم تهميش دور القوى الأصولية، لينفتح الأفق على إعادة بناء الصراع على أسس جديدة.

وهذا ربما يكون مفيدا لإعادة بناء الثورة عبر إعادة تفعيل المجتمع، وتنظيم الصراع وفق أهداف واضحة ورؤية تسمح بتطوير الصراع من أجل التغيير.

هذه المسائل لا تبدو ممكنة الآن في ظل الوحشية التي تمارسها السلطة، والتي سمحت بأن يصبح السلاح هو الرد الوحيد، ومن ثم توسع دور القوى الأصولية بفعل التأثير الإقليمي.

من هذا المنظور لا أرى أن السلطة الجديدة يمكن أن تحقق مطالب الشعب، إلا أن الحل يمكن أن يوفر فرصة لإعادة بناء الثورة من قبل القوى التي تريد تحقيق تلك المطالب بتحقيق التغيير الجذري في بنية الدولة ككل، لكنها في ذلك ستكون في تصادم مع السلطة الجديدة، وفي وضع أفضل من حالة الاستعصاء القائمة الآن.

المصدر: الجزيرة

الأصولية ليست البديل في الثورة السورية

من تحمّس لتحريك الشارع السوري بعد ما حدث في تونس ومصر من ثورات همُ الشّبابُ المتطلع إلى الحرية والديمقراطية بالأساس، أي تلك النخب الشبابية من الفئات الوسطى التي كانت تريد التحرُّر من كابوس الاستبداد الطويل لكي تعبّر عن مكنوناتها، وتتلمس ذاتها. وهي الفئات التي شكلت التنسيقيات، وتشابكت مع الإعلام، ولعبت دور الموثق لكلِّ التظاهرات التي حدثت في الأشهر الستة الأولى من الثورة. وكانت المؤثر بشكلٍ ما في تحديد المطالب والشعارات، التي كانت تبدو كَرَدٍّ على طابع السلطة وشعاراتها.

انخرطت فئات شعبية كثيرة في الثورة، وتحرّكت المناطق الأكثر فقراً وتهميشاً. وكان هؤلاء هم الأكثر جرأة واندفاعاً في التظاهرات، رغم كل العنف الذي كان يواجهها، ويجعل المتصدرين مشاريع شهداء بالضرورة. وحين أصبح عنف السلطة أكبر من أن يبقي السلمية ممكنة، كان هؤلاء هم من انتقل إلى التسلح، والى مقاومة الأجهزة الأمنية والشبّيحة، وأعوان السلطة.

وهذه هي العملية التي استمرّت عاماً كاملاً قادت إلى توسُّع الثورة إلى كل سوريا تقريباً. وكانت التظاهرات هي العنصر الأساس فيها رغم عنف السلطة، وبالتالي كان السلاح هو الرديف فقط. وهذه الحالة هي التي فرضت على السلطة سحب الجيش من مناطق واسعة في الشمال والشرق، خصوصاً أن معظم الجيش بات يشكل خطراً على السلطة ذاتها نتيجة الاحتقان الذي بات يعانيه، والذي فرض زيادة الفرار والانشقاق في الجيش. وهو الأمر الذي فرض أن “يحجز” في معسكرات خشية الانشقاق أو التحرُّك المباشر ضد السلطة.

لهذا باتت القوة التي تستخدمها السلطة من قطاعات الجيش محدودة، وكانت قد استهلكت قبلئذ لأنها كانت القوة التي تواجه بها الشعب منذ البدء (الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، وقطاعات قليلة أخرى). لهذا بات عليها أن تقلّص سيطرتها، وتمركز قواها في المدن، والطرق والمواقع الاستراتيجية.

هذا الأمر أوجد مناطق واسعة دون سلطة، ولم يستطع الشعب بناء سلطته عليها نتيجة العفوية المفرطة التي كانت تلفّ الثورة بغياب الأحزاب السياسية الواعية لدورها الثوري. وأصبح همّ المُسلّحين حماية مناطقهم فقط من السلطة دون اكتراث لما يجري بعد من ذلك.

هذا الوضع هُيِّئ لتكونَ هذه المناطق مفتوحة لـ “الجهاديين”، حيث يصدّرون للمناطق الخالية من كلِّ سلطة.

ولقد عملت جهات متعددة على إرسال هؤلاء، منها السعودية، والمالكي، لكن الأهم هو أن إطلاق سراح معتقلي القاعدة في السجون السورية حدث قبل ذلك، وبعضه قبل ذلك بقليل (نيسان 2012، حيث أطلق أبو مصعب السوري وعدد من كادرات التنظيم)، ليكونوا هم نواة جبهة النصرة.

المأساة أن بساطة الكتائب المسلحة والمقاتلين ضد السلطة ظنوا بأن هذا الحشد أتى لكي يساعدهم على إسقاط السلطة. وهو الأمر الذي هَيّأ “بيئة حاضنة”. وإذا كانت أزمة الشعب الناتجة عن وحشية السلطة تسمح بهذه “المقامرة”، فإن المعارضة التي من المفترض أنها تعرف السياسة كان عليها أن تتنبه لما يجري، سواء ممّا تمارسه السلطة أو من فهم وضع هؤلاء “الجهاديين” الذي أدى وجودهم في العراق إلى إفشال المقاومة، بالضبط لأنهم أسسوا لصراع طائفي من جهة، ولأنهم فرضوا سلطة على الشعب أفضت به إلى التشتت بين مقاومة الاحتلال الأميركي ومواجهتهم. لكن المعارضة رحبت بجبهة النصرة بعد أو وضعتها الإدارة الأميركية على لائحة الإرهاب (نكاية بأميركا التي كان يطمحون لأن تتدخل عسكرياً وخذلتهم). ومن ثم لم تلتفت إلى دور داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، على أساس أنها ضد السلطة.

الآن انفجرت الأوضاع وظهر أن داعش تلعب دوراً لمصلحة السلطة، وأنها مخترقة للسلطة (ولإيران وربما روسيا). وأيضاً سيظهر في الفترة القادمة دور النصرة والجبهة الإسلامية. حيث أن الأصولية تكون سهلة الاختراق لمن أراد، لهذا فهي مخترقة للولايات المتحدة والسعودية والمالكي وإيران والسلطة السورية، وأجهزة أمنية عديدة، بالضبط لأن الشباب الذي ينخرط في “الجهاد” من السطحية والسذاجة ومن التأزم، والهامشية ما يجعله سهل السيطرة من كلِّ تلك الأجهزة.

وإذا كانت السلطة قد تحدّثت عن “خطة بندر” منذ بداية الثورة، فقد نفذتها بجدارة بالتنسيق مع بندر.

وبهذا ظهر وكأن البديل عن السلطة هو الأصولية، رغم أنهما واحد.

المصدر: صدى الشام

زمن الثورات العربية وآفاقها

bbce3293-4a62-4a7f-b6e0-de17e43ac499

قبل ثلاثة أعوام، وعبر “حادث عابر”، شهدنا ثورات كبيرة، بدأت من مدينة صغيرة في تونس هي سيدي بوزيد، حيث أشعل احتجاج شاب ثورة أفضت إلى تهريب بن علي، لتمتد بعد أيام من انتصارها إلى مصر، حيث جرى تنحية الرئيس محمد حسني مبارك بعد 18 يوما من الاعتصام في ميادينها.

ثم توسع الأمر لاحقا إلى البحرين واليمن وليبيا، وتحرك الشعب في الأردن والعراق والمغرب، بعد أن كان قد تحرك لفترة وجيزة في الجزائر، ثم تحرك أيضا في السودان.

ومازلنا في معمعان الثورات رغم ما أتت به، وما أوحى بأنها فشلت أو جرى الالتفاف عليها، أو حتى أنها انتهت، فقد أفضت، كما ظهر، إلى اللاشيء، حيث تكرّس النظام القديم بأسماء جديدة.

وكانت قد قادت أطراف من السلطة القديمة مرحلة انتقالية سريعة، أوصلت في انتخابات أطرافا “إسلامية” (جماعة الإخوان المسلمين) إلى السلطة في كل من تونس ومصر، ووصل أيضا السلفيون، وبدرجة أقل مع سلطة أضعف في ليبيا التي جرى فيها تدمير الدولة والجيش معا، وبتغيير شكلي جدا في اليمن.

وما زال الصراع الدموي قائما في سوريا، حيث تدافع السلطة عن وجودها إلى النهاية، حتى وإن قاد ذلك إلى تدمير البلد، وتراجعت التحركات في البلدان الأخرى دون أن تنتهي تماما.

السؤال الذي طرح خلال السنوات الثلاث تلك هو: هل هذه هي نهاية الثورات؟ وبالتالي ما الداعي لها ما دامت توصل إلى أن يسيطر الإسلاميون؟

خصوصا هنا مع ما جرى في الثورة السورية، التي تحولت إلى مجزرة بفعل الوحشية التي مارستها السلطة، وممالأة العالم، ومساعدته على ذلك بأشكال مختلفة، سواء ادعى دعم الثورة أو وقف على الحياد، حيث بدا أنها يجب أن تكون نهاية الانتشار الثوري، وخاتمته المأساوية.

وذلك من أجل أن “تتأدب” الشعوب، وتتعلم قبول الحكم القائم، والتكيف مع النمط الاقتصادي القائم، وتقبل ما يُعطى لها من النظم القائمة، بعد أن ظهر أنها استمرأت التمرّد، وباتت تقلّد سابقاتها بسرعة لا مثيل لها.

وبعد أن ظهر أيضا أنها تحمل من الاحتقان ما يجعلها تهدم أحلام الطبقات المسيطرة، وتهدد مصالحها.

لا شك أولا في أن الثورات قد أحدثت صدمة كبيرة لدى التكوين السياسي القائم، الإقليمي والعالمي، حيث إنها فاجأت بأن الشعوب يمكن أن تنهض، وأنها بدأت فعلا بالنهوض، وهو الأمر الذي فرض وضع إستراتيجيات مواجهة، خصوصا وأن العالم يعيش أزمة كبيرة يمكن أن تجعل ما حصل هنا بداية لثورات عالمية كبيرة.

لهذا كان الميل الأولي يتمثل في تحقيق التغيير السريع لتسكين الوضع الشعبي، وهو الأمر الذي حصل في تونس ومصر، لكن من ثم بدا الأمر أعقد من ذلك، لهذا جرى التدخل العسكري في ليبيا، وفرض حل شكلي في اليمن وسحق ثورة البحرين، وصولا إلى جعل الثورة السورية هي خاتمة المسار الثوري عبر تحويلها إلى مجزرة.

وما زال الأمر كذلك، حيث أصبح إجهاض الثورات هو الهدف العام، وبات القلق الذي ينتاب الرأسمالية يفرض البحث عن سبل وقف تمرّد الشعوب.

وستصوّر الثورة السورية كمثال على أن التمرّد يفضي إلى الدمار، وأن ما تأتي به الثورات هو الخراب.

لكن هل هذه هي حصيلة الأعوام الثلاثة من الثورات؟

ما يبدو اليوم هو أن التغيير الذي تحقق كان شكليا إلى حدّ كبير، وأن الثورات عممت الفوضى، وبالتالي لا يبدو أن التغيير الحقيقي ممكن، لأن النظم (أي الطبقات المسيطرة) تدافع عن سلطتها بكل العنف، وحتى الوحشية.

وحيث إن الثورات قادت إلى الديمقراطية نجح “الإسلاميون” دون أن تتحقق مطالب الشعب، ومن ثم فالأفق مسدود، لأنه لا الطبقة المسيطرة تتخلى عن سلطتها ولا المعارضة تحمل مشروعا مختلفا، يمكن أن يكون مدخلا لتحقيق مطالب الشعب.

ولهذا بعد الأمل الكبير الذي حكم الشعوب، والأوهام التي حكمت النخب، أصبح اليأس هو المسيطر، وبات الوهن هو الذي يحكم نشاط النخب.

طبعا لم تجرِ مساءلة الماضي لماذا سيطر الإسلاميون، ولم يجرِ التشكيك في ممارسات النخب، ولا في سياسات الأحزاب المعارضة، فكما فاجأت الثورات تلك النخب، فاجأها انتصار الإسلاميين، وأيضا فاجأها انهيارهم في مصر.

لهذا يجب ألا يؤخذ وضع هذه النخب بعين الاعتبار لأنها هي ذاتها من الماضي. ولقد توهمت بأنها يمكن أن تركّب على الثورات مطمحها الأساسي وهو: الحرية، لكي لا تتعرض للمساءلة فقط، وليس لكي تبني عليه مشروع تغيير كبير، ففوجئت بأن الحرية تأتي بالإسلاميين، لهذا أخذت تهرب إلى دكتاتور يحميها من سلطة هؤلاء.

وإذا كانت التجربة قد أوضحت بأن “الإسلاميين” غير جديرين بالحكم، لأنهم لا يمتلكون برنامج تغيير يحقق مطالب الشعب، فقد أوضحت كذلك بأن الحرية والديمقراطية هي أوهام النخب، وأن الأمر أعمق من أن يحلّ في انتخابات أو حريات يمكن أن تسمح للنخب بأن تعلي صوتها.

فلا حريات حقيقية تحققت، ولا استقرار عاد، وظهر أن الأمور تسير نحو الفوضى. هذا الأمر فرض أن تميل بعض النخب لأن تقبل الاستقرار حتى في ظل “دكتاتور” على أن تسير الأمور نحو الفوضى أو نحو صراع دموي كما في سوريا.

لكن في كل الأحوال يمكن أن نشير إلى أن هناك ثلاث مسائل جوهرية توضحت خلال السنوات الثلاث، وهي التي تؤشر لماهية المستقبل بالضرورة.

فأولا أن للشعب مطالب، وأن من يصل إلى السلطة بعد الثورات يجب أن يحققها أو أن يرفض من جديد، والمطالب لا تقف عند تغيير الأشخاص أو شكل السلطة بل تفترض إيجاد حلول اقتصادية لمشكلات مجتمعية عويصة.

وقد ظهر أن التركيز على الحرية والديمقراطية ليس كافيا، وأصلا هو غير ممكن دون تلمّس المشكلات الأساسية التي فرضت ثورة الشعب.

فقد سارت مصر نحو الانتخابات وتحققت حريات معينة لكن الشعب لم يتوقف عن الاحتجاج في مطالب اقتصادية واضحة، وبات الحراك الشعبي يتمحور حول المطالب الاجتماعية، وليس في التوهان خلف الانتخابات والصراعات السياسية.

هذا الأمر يوضح بأن أفق الثورات مرتبط بتحقيق ما هو أبعد من تغيير شكل السلطة أو أشخاصها، أو حتى إعطاء قدر أعلى من الحريات، بل مرتبط بتغيير النمط الاقتصادي الذي فرض نشوء مشكلات البطالة والفقر الشديد وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية.

ولهذا فإن المطلوب هو تغيير جذري يبدأ من البنية الاقتصادية، ليعيد صياغة الشكل السياسي، وكل تجاهل لذلك لا يفعل سوى استمرار الثورات، ومن ثم لا استقرار قبل تحقيق التغيير العميق ذاك. نحن في عقد من الصراعات إذن.

وثانيا أن مستوى التهميش والفقر والبطالة والسحق فرض على الشعوب أن تتمرد، وبالتالي أن تكسر حاجز الخوف الذي أقامته النظم عبر كل أجهزتها الأمنية وعنفها طيلة عقود طويلة.

فقد قامت إستراتيجية النظم على إرعاب الشعوب عبر الاستبداد، وفرضت عليها قبول الأمر الواقع، لكن كان ممكنا قبول الأمر الواقع حينما كانت الشعوب قادرة على العيش، لكن أن تصبح غير قادرة على العيش يفرض كسر كل إمكانية للخوف.

وهذا الأمر يعني بأن الصراع سيستمر، وأن الاستقرار لن يكون ممكنا قبل تحقيق التغيير الذي يحقق مطالب الشعب، وبالتالي نحن في مرحلة صراع ربما يكون ممتدا لعقد، ولن يتوقف قبل أن يتحقق التغيير بما يعنيه من تغيير النمط الاقتصادي والتكوين السياسي، وهنا تندرج مطالب الحرية والدولة العلمانية الديمقراطية بمطالب العمل والأجر المناسب والتعليم والصحة المجانيين والحقيقيين.

الشعب لم يعد يستطيع العودة إلى السكون والهدوء بعد أن تمرّد، وهو يريد التغيير الذي يغيّر من وضعه الاقتصادي أولا والسياسي بالتالي.

وثالثا أن الثورات قامت على أكتاف الشباب الذي كان قد “هرب” من السياسة والأحزاب السياسية، وأصبح منخرطا في السياسة بعد أن خاض الثورة، واكتشف أنه يخوض في غمار السياسة من أوسع أبوابها: الثورة.

وهذا الأمر فرض الميل العام لتطوير الوعي السياسي وزيادة الفعل السياسي، وهذا الأمر يعني تحقيق تجديد عميق في الفعل السياسي وفي الحركة السياسية، يقوم على مبدأ التغيير العميق انطلاقا من مطالب الشعب، وهو ما يؤشر على أن المرحلة القادمة سوف تشهد تبلورات سياسية جديدة وجادة، يمكن لها أن تخرج الثورات من عثراتها التي نتجت بالضبط عن غياب القوى السياسية والفعل السياسي.

هذه العناصر هي خلاصة سنوات ثلاث من الثورات، وهي البداية لثورات أعمق وأكثر تأثيرا، فالشعوب تريد التغيير الحقيقي لكي تتحقق مطالبها، وهي مصممة على الاستمرار بعد أن كسرت حاجز الخوف. وإذا كانت لم تحظَ بقوى تساعدها على التغيير فقد أخذت تفرز من ذاتها القوى التي يمكن أن تحمل مشروع التغيير.

المصدر: الجزيرة