Monthly Archives: يوليو 2012

الحل الدولي للمسألة السورية

تبدو المسألة السورية كأنها دخلت في دهاليز الصراع الدولي، وأن حلها بات مرتبطاً بالتفاهم الأميركي الروسي. لقد سعت بعض أطراف المعارضة لنقل المسألة إلى مجلس الأمن، ففوجئت بتغيّر درامي في الوضع الدولي يُفشل كل إمكانية لاتخاذ قرار من المجلس تحت البند السابع، يفتح أفق التدخل العسكري الذي ظنت أن “الغرب” مستعد له، فتبيّن أن النظام في سوريا هو الذي يريد هذه النقلة من أجل إظهار أنه محمول على حليفه الدولي: روسيا، وأن التغيير الداخلي غير مسموح به حتى وإن قرر الشعب ذلك.

من جهة، أصبح الاهتمام بالموقف الدولي هو المسيطر، ومن جهة أخرى ظهر كم أن الوضع الدولي بات غير مفهوم وملتبس. فما يبدو واضحاً هو أن الجغرافيا السياسية العالمية لا تحمل حلاً لما يجري في سوريا، لا عبر التوافق بين الأطراف المختلفة (الغرب وروسيا)، ولا عبر التدخل العسكري من قبل البلدان الرأسمالية.

فروسيا تعتقد بأنها المعنية وحدها بما يجري وأن الحل يجب أن تقرره هي، والبلدان الإمبريالية القديمة لم تعد قادرة على التدخل العسكري نتيجة وضعها الاقتصادي المتهاوي.

الوضع الدولي لم يعد كما كان قبل بضع سنين، وتوازنات القوى فيه تغيّرت. وربما نكون في مرحلة تؤشّر على عودة الصراع من أجل تقاسم العالم بين رأسماليات قديمة (أميركا وأوروبا) ورأسماليات جديدة (روسيا والصين).

والمسألة السورية كانت هي المفصل الذي أظهر هذا الوضع وكل هذه التناقضات، وكشفت الانقسام الجديد للعالم والذي ربما يؤدي إلى عودة الثنائية القطبية، لكن هذه المرة بين محورين رأسماليين (إمبرياليين)، وليس بين محور إمبريالي وآخر اشتراكي كما كان الوضع خلال الحرب الباردة (1945–1991).

من جهة، سنلحظ أن روسيا كانت تستعيد “تماسكها” بعد الانهيار الذي حصل في عهد بوريس يلتسين ونهب المافيا لثروة الشعب الروسي، ووقوفها على حافة التفكك والتحوّل إلى بلد طرفي (عالمثالثي).

فقد شكّل عهد بوتين الأول مرحلة وقف التدهور ومحاولة تثبيت قوة روسيا عالمياً، ومن ثم استمرت هذه السياسة في مرحلة خليفته. ولقد استطاعت أن تتبلور كبلد رأسمالي (إمبريالي) يطمح في إيجاد أسواق ونفوذ. وكانت الصين تفرض ذاتها كقوة عالمية في المستوى الاقتصادي.

ومن جهة أخرى كانت الولايات المتحدة تعاني من أزمة اقتصادية عميقة حاولت حلها عبر “الطريق التقليدي” -أي الحرب- منذ عام 1991 دون أن تفضي إلى تجاوزها، على العكس من ذلك فقد أدت هذه الطريق إلى مفاقمتها. ولقد شكّل انفجارها عام 2008 لحظة تحوّل كبيرة ظهرت بشكل واضح منذ نهاية عام 2010 حيث ظهر أن الاقتصاد الأميركي لم يتعافَ، وأنه معرّض لأزمات أكبر، كما أن أوروبا بدأت تغرق في أزمة كبيرة كذلك، هي أزمة المديونية التي تهدد بانهيار اليورو وتفكك الاتحاد الأوروبي، وأيضاً ستنعكس على الاقتصاد الأميركي بشكل مباشر.

هذا الوضع جعل أميركا تتراجع عن “عنجهيتها” التي كانت تدفعها للتصرف كقائدة وحيدة للعالم، وجعل قبضتها تضعف ليبدأ تراجعها العالمي. لهذا رسمت إستراتيجيتها الجديدة على هذا الأساس الذي أظهر تراجع ميلها إلى السيطرة العالمية، وتمحور اهتمامها في منطقة الهادي (في مواجهة الصين)، واعترافها بأنها غير قادرة إلا على خوض حرب واحدة، بعدما كانت إستراتيجيتها تنطلق من مقدرتها على خوض حربين كبيرتين وعدة حروب صغيرة في الآن ذاته، حيث فرضت أزمتها المالية تقليص عدد قواتها وميزانية وزارة الدفاع.

وما دامت السياسة خاضعة للقوة، فقد بدأ الوضع العالمي يميل إلى التغيّر وفق موازين القوى (الاقتصادية/العسكرية) الجديدة، وحيث بدأ شكل التمحور الماضي في التلاشي مقابل بدء بزوغ شكل جديد يقوم على سعي العديد من البلدان إلى أن تصبح قوى عالمية (الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا)، وأن يبدأ في التبلور تحالف عالمي جديد يضم كلا من الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، يعمل لأن يكون القوة المهيمنة عالمياً في منظور إمبريالي لفرض تقاسم جديد للعالم انطلاقاً من موازين القوى الجديدة.

روسيا هنا هي “رأس الحربة” التي تحاول عبر قوتها العسكرية أن تفرض تراجع السيطرة الإمبريالية القديمة، وأن تفتح على وضع عالمي جديد يتأسس على سيطرة جديدة. وأميركا تسارع في “الانسحاب” من مواقعها القديمة، وهي تتلمس أزمتها التي تهدد بانفجار جديد.

وإذا كانت المسألة الليبية قد فلتت من يد الروس نتيجة المساومات الدولية، فقد ظهر أن موسكو تعتبر أن المسألة السورية هي المفصل الذي يجب أن يؤسس لعالم جديد تستطيع فيه فرض مصالحها. فقدت بدت أميركا أضعف، وبدا الروس في لحظة شعور بالقوة وبإمكانية فرض هذا “العالم الجديد”.

ما تريده روسيا في سوريا هو أن تكون من “حصتها” في التقاسم العالمي، رغم أن العلاقات التجارية لم تكن قوية سابقاً، وكانت الشركات الروسية العاملة في سوريا قليلة، حتى شراء السلاح كان قد تراجع في السنوات الأخيرة نتيجة الوضع المالي للدولة السورية.

فقد كان “رجال الأعمال الجدد” (الذين هم من المحيط العائلي) يميلون إلى العلاقة مع “الغرب”، وحين سُدّ الباب اتجهوا إلى الشراكة مع الرأسمال الخليجي ثم التركي. لكن الروس تقدموا بعد الثورة، خصوصاً بعد شعور السلطة بالحاجة إلى دعم دولي (أو حتى حماية دولية)، فقد أعيد تشغيل القاعدة البحرية في طرطوس بشكل كبير، وحصلت الشركات الروسية على كثير من العقود التي كانت من حصة شركات تركية. ولهذا فقد أصبحت تدافع عن السلطة بكل قوة، وأصبحت حاميها في مجلس الأمن، وتقريباً الماسك في قرارها.

لكن تطور الثورة يدفع هؤلاء إلى إعادة التفكير في الخيارات، بالضبط من أجل ضمان استمرار “الهيمنة”. وإذا كان الروس يصرون على دعم سلطة بشار الأسد، وظلوا يرفضون أن يتحقق الإصلاح بدونه، فقد ظهر في الآونة الأخيرة ميل إلى قبول حل يتجاوز الأسد وحاشيته. وأجروا اتصالات مع أطراف في المعارضة كان عنوانها ترتيب مرحلة ما بعد الأسد، لكن تبدو حركتهم بطيئة ومرتبكة وغير واثقة، بينما تجري الأمور على الأرض بتسارع شديد. ولهذا ربما تتجاوزهم الأحداث فيخسرون موقعهم “المهيمن” الذي تحقق فقط خلال الثورة. فمن الواضح أن معلوماتهم عن الوضع ضحلة، وفهمهم لموازين القوى مختل.

وإذا كان “أصدقاء سوريا” يظهرون كمؤيدين للثورة وداعمين لانتصارها، فإن مصالحهم لا تشير إلى ذلك، فأميركا المنسحبة من سيطرتها العالمية اتخذت مواقف متناقضة وباهتة منذ بداية الثورة، وبدت أنها تنظر من بعيد إلى الوضع، وبحماسة فاترة أو حتى بدون حماسة، رغم أن سياستها التي تلت احتلال العراق كانت تقوم على إحداث تغيير في النظام السوري، وفرض سلطة “موالية” (رغم أن النخب المالية التي كانت تهيمن على السلطة السورية كانت تميل إلى تحقيق هذه الموالاة، لكن “الرؤية الإستراتيجية” كانت تفرض عليها تغيير الطابع الطائفي للسلطة لمصلحة “الأغلبية” كضمانة لتأسيس سلطة غير مستقرة ضعيفة وتابعة بشكل مستمر). وهذا التغيّر في السياسة الأميركية انبنى على الأزمة التي تفجرت عام 2008، والتي جعلت أميركا ضعيفة في مقدرتها على السيطرة العالمية كما أشرنا من قبل.

فرنسا اندفعت قليلاً، لكن عدم تجاوب أوروبا معها جعل القرار الأميركي هو المسيطر، وجعلها عاجزة عن تقديم أكثر من الكلام.

لكن ما هو المنظور الذي يحكم هؤلاء وهم عاجزون عن أن يلعبوا دور المبادر لتحقيق “التغيير”؟

ربما كانت أميركا أوضح حينما طالبت الروس برعاية مرحلة انتقالية كما جرى في اليمن، وهي في ذلك تؤكد تقديم سوريا لروسيا في سياق التقاسم العالمي. لكن الدب الروسي ظهر أبطأ من أن يلتقط اللحظة ويشرع في دعم تغيير داخلي يحافظ له على مصالحه، بل تهوّر في دعم السلطة والدفاع عنها دولياً، وكان بذلك يخسر من رصيد روسيا شعبياً ويكشف طابعها الإمبريالي، لكنه طابع يفتقد الذكاء الإمبريالي، حيث لم يلمس المسؤولون الروس ممكنات توسع الثورة وتطورها، وفي المقابل ضعف السلطة وتفككها، مما سيقود إلى انتصار الثورة.

في هذا الوضع أصبحت سياسة “الغرب الإمبريالي” تتمحور حول كيفية “دعم الثورة”، لكن لكي تتحوّل إلى “حرب أهلية” أو صراع طائفي. ولهذا أصبح مطلوباً زيادة “العمل المسلح” على حساب النشاط الشعبي، وتدعيم الفئات الأصولية على حساب الفئات المدنية في العمل المسلح ذاته. كل ذلك من أجل تحقق “الحرب الأهلية” أو “الطائفية” التي بدأ الإعلام “الغربي” يروج لها، وبدأت تتكرر من قبل مسؤولين دوليين.

السياسة الإمبريالية الغربية الآن باتت تتمثل في تحويل الثورة إلى حرب طائفية من أجل إضعاف سوريا كمجتمع. وكل النشاط “الداعم للثورة” الذي تمارسه مجموعة “أصدقاء سوريا” ينطلق من الإظهار الإعلامي للدعم من أجل كسب مصداقية تسمح بتعزيز الخيار الذي يركز الإعلام عليه، وتؤكد بعض الدول دعمه، أي خيار التسليح وتحويل الثورة إلى صراع مسلح.

هنا الغرب الإمبريالي “الداعم للثورة” يتآمر عليها لأنه لا يريد ثورة منتصرة، ويريد تفكيك سوريا وضعفها لكي يكسب هو في مرحلة تالية ربما أو يورث الروس وضعاً لا فائدة منه. هذا هو المنطق الإمبريالي الذي لم تستطع روسيا كإمبريالية جديدة التعامل معه من أجل ضمان مصالحها.

فهي ما زالت تتمسك بالسلطة ذاتها التي قررت خوض الحرب ضد الشعب إلى النهاية، دون قناعة بحوار أو تنازل عن أدنى حجر في هذه السلطة التي شيدها حافظ الأسد لكي تكون إرثاً عائلياً “إلى الأبد”. ولهذا يمرّ الوقت دون أن تعرف كيف تقوم بخطوة تضمن مصالحها.

لكن، ما هو مهم ليس كل ذلك، بل هو أن هذا الوضع الدولي لم يعد يسمح بتدخل إمبريالي غربي، وهو الخطر الذي كان ممكناً في سنوات سابقة، ويُبقي روسيا في حيرة من أمرها عاجزة عن فعل شيء، ومن ثم سيتحقق التغيير بقوة الشعب ومقدرته على منع تحويل الثورة إلى “حرب مسلحة أصولية”، ودفعها نحو إسقاط السلطة عبر تفكيكها، بمعنى أن الثورة ستنتصر بقواها الذاتية في وضع عالمي مرتبك ومشلول.

المصدر: الجزيرة نت

المجازر والاحتجاج الشعبي المستمر… جزء من الحسم

السمة العامة لسياسة السلطة السورية اليوم هي الإغراق في المجازر والإغراق في القصف والتدمير والقتل. لقد انجرفت إلى النهاية، إذ يبدو أنّها وصلت إلى النتيجة البسيطة الواضحة منذ البدء، أي إنها زائلة. فقد استخدمت كل أساليب القمع والاعتقال، ثم القتل، ومن ثم الجيش الذي أصبحت مهمته اقتحام المدن أو تدميرها، وجلبت أعداداً كبيرة من الشبيحة المدربين وغير المدربين، لكي توقف الثورة، لكنّها فشلت.

كذلك، صعّدت الاعتقال والقتل، وأصبح الجيش هو العنصر الرئيسي في الصراع، وأطلقت يد الأمن لكي يفعل ما يشاء، دون أن تتوقف الثورة. بل توسعت هذه الأخيرة إلى أن وصلت إلى كل سوريا بعدما كانت محصورة في مناطق الريف والمدن المهمشة، كما شملت كل الطبقات الشعبية والفئات الوسطى والتجار. حتى الفئات المتخوفة وجدت أن عليها أن تفك دعمها لهذه السلطة.

لذلك زادت السلطة من المجازر التي يرتكبها شبيحة محترفون هم جزء من الجهاز المافياوي الذي يتبع المافيا الحاكمة، والذي تدرب كـ«جيش» مافياوي، ويعمل في كل أشكال التهريب والسوق السوداء التابعة لهؤلاء. والهدف هنا هو تخويف العلويين من أنّ أي انهيار للسلطة سوف يقود إلى رد فعل طائفي ضدهم لكي يبقوا متمسكين بالسلطة ومدافعين عنها، إذ بدأت السلطة تشعر بأنّ هؤلاء ينفكون كذلك مثل بقية «الأقليات» (الدروز والمسيحيين) التي ابتعدت أو حتى انخرطت في الثورة.
ولقد وسعت من القصف والتدمير والقتل الجماعي في كل المناطق المتحركة، من درعا إلى آخر نقطة في الشمال. وأصبح هدفها هو تدمير كل مدينة تقاوم، بغض النظر عن الضحايا.

إن العري «الشعبي» الذي باتت تعانيه السلطة فرض عليها أن تتمسك بآخر حلقة لها، وهي ما تعتقد بأنّهم أداتها الأخيرة التي جرى اللعب منذ بدء الثورة على تخويفهم من مصير دموي فيما إذا سقطت السلطة. أي إنها باتت تعتمد على «الفئات العلوية» في أجهزة السلطة وتتشكك في بنية السلطة كلها. ولهذا كانت المجازر ضرورة لضمان تماسك هؤلاء للدفاع عن مصالح مافياوية أنهكتهم قبل أن تنهك بقية فئات الشعب السوري، وأبقتهم مفقرين ومهمشين، لكن بات عليهم أن يخافوا المستقبل، وبالتالي أن يتمسكوا بالسلطة إلى النهاية لكي لا يحاسبوا على ما لم يفعلوه.

وهنا نلحظ أنّ ما يطبَّق هو الشعار الذي رُفع منذ البدء: الأسد أو لا أحد. الشعار الذي تلخّص في كلمات رامي مخلوف منذ الأيام الأولى بأنّهم قرروا خوض الحرب إلى النهاية، لكن الشعب لا يزال مصراً على خوض الصراع، رغم كل ذلك. وإذا كان هناك من يلحظ «قوة السلطة» من خلال كل هذا العنف، فإنّ تلمس وضعها الحقيقي يفتح على تفسير السبب وراء كل هذا العنف، الذي لا يسمح أصلاً باستمرار السلطة، لأنّه يظهرها كعصابة مافياوية مجرّدة من كل هيبة السلطة التي كانت تضفيها على ذاتها، أو يُنظر إليها من خلالها.

فقد انتهت «قاعدتها الشعبية» تماماً، وانشقت قاعدتها الطبقية بخروج التجار من مسار دعمها. وتغلغل الشك إلى بنيتها فبدأت في الانقسام، لأنّ فكرة أن الخيار الأمني العسكري هو الحل أصبح مشكوك فيها لدى كتل كبيرة في بنية السلطة ذاتها، ولهذا يجري البحث عن خيار بديل لا يتحقق إلا بتصفية الممسكين بالسلطة الآن. وإذا أضفنا الإنهاك الاقتصادي وافلاس الدولة، والانهاك العسكري، فسنلحظ عمق المأزق الذي يحكم من قرروا الانتصار حتى وإن تحقق ذلك بألا يبقى أحد.
الآن، ولكي تنتهي المجازر صار لزاماً إسقاط السلطة. أيضاً لكي ينتهي الركون الاقتصادي يجب أن تنتهي السلطة ويرحل من قرر هذا الخيار الدموي. وكذلك لكي تمارس مؤسسات الدولة نشاطها لا بد من أن تنتهي السلطة التي قررت اختصار الدولة بالعنف المسلح.

الوضع يتسم بالشلل الكامل في الاقتصاد والدولة. والفكرة التي باتت واضحة هي أنّ هذه السلطة عاجزة عن الحسم، ولهذا يجب أن ترحل. ولا شك في أن هذا الشلل يؤشر إلى أن العقدة يجب أن تحل، أي إن الجمود يجب أن ينتهي عبر تغيير السلطة، فهذه السلطة هي من أوصل إلى ذلك، ولهذا عليها أن ترحل.

ما سيسرّع في ذلك يتمثل في سياقين: الأول الانضمام العلني الواضح للساحل في الثورة، لأنّ ذلك سوف يفقد السلطة آخر أدواتها التي تعتمد عليها في العنف، ويسمح بفقدانها آخر مرتكزاتها التي تستميت من أجل استمرار تماسكها. والساحل، كغيره من المناطق السورية يخاف من البديل الأصولي الذي روّجت له السلطة وأطراف في المعارضة. ويتضح الآن كم هو وهمي هذا البديل، ومستحيل (مثل التدخل الإمبريالي الذي روّج له وأصبح واضحاً أنّه غير موجود). ولذلك لا بد من اكتمال انخراط الشعب في الثورة بعدما انخرط جبل العرب.

والثاني هو كف الدعم الروسي للسلطة، وإذا كان الروس لا يسمحون بالتدخل العسكري فإنه يجب أن يكون واضحاً موقفهم من السلطة التي تحملوا وزر ما فعلت طيلة الشهور الماضية. أي أن تفهم السلطة، وأن يعرف الشعب أن الروس لا يدافعون عن السلطة في مواجهة الشعب، وأنهم بالتالي لا يتمسكون بها. ربما هناك مؤشرات في هذا السياق، لكن يجب أن تكون الأمور أوضح كثيراً. إن اتّضح عدم دعم روسيا للسلطة فسوف يسرّع هذا في تفككها بالضرورة، وهو أمر مهم لتحقيق التغيير.
في كل الأحوال ما ترتكبه السلطة من جرائم يوضح أنّها في الرمق الأخير، ولا بد من استمرار كل أشكال الاحتجاج الشعبي والعسكري، وتطوره لكي نصل إلى تحقيق التغيير.

المصدر: الأخبار

عن الخطاب السياسي للمعارضة السورية

لكل ثورة خطابها السياسي، ولقد حاولت الثورة السورية أن تنتج خطابها، رغم طابعها العفوي واعتمادها على شباب كان الاستبداد الطويل قد فرض عليهم «الخواء الفكري» بعد أن أصبحت «خطابات الرئيس» هي الفلسفة والتاريخ والسياسة وكل فروع العلم.

من يتابع خطاب المعارضة على الإعلام يلحظ أنه يتخذ سياقات ثلاثة: الشتم وتقريع السلطة و «كشف» جرائمها، الندب على الشهداء، واستجداء العالم من أجل التدخل لـ «وقف المجزرة».

لقد أصبحت الثورة السورية مجزرة، وباتت الإدانة ضرورية للسلطة التي تمارسها، وبالتالي تجب استثارة «النخوة» العالمية من أجل التدخل لوقفها. كيف يمكن أن تتحوّل ثورة إلى مجزرة، ويصبح الندب هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عنها، ويكون تحليل اسبابها هو التركيز على «فواحش» السلطة من دون أي مسٍّ للواقع الذي فرض حدوثها؟ ثم يجري بعدها الانطلاق من الإقرار بالعجز الذاتي، بما يفرض بالتالي دعوة العالم للتدخل.

كل ذلك يؤشر إلى غياب الخطاب السياسي، ويوضّح أن هذه المعارضة لا تمتلك تحليلاً للواقع السوري، ولطبيعة الثورة، وتلتمس مشكلات عاشتها وتعيشها من أجل الوصول إلى انتصارها، أضف إلى ذلك تحكُّم سطحية مذهلة في الفهم، جعل الأمر يتعلق بتبيان استبدادية السلطة وقمعها فقط، دون تلمس التكوين الذي أوجدته في الواقع، وجعل كتلاً أساسية تعيش تحت خط الفقر. لقد رأت السلطةَ وممارساتها القمعية ضد العمل السياسي، لكنها لم تلحظ آثار النهب الذي مورس وفَرَض تمركزَ الثروة بيد أقلية عائلية حاكمة، وبالتالي إفقار كل هذه الكتلة البشرية وتهميشها. ومن هنا، فقد فشلت في تلمس ظروفها، ومن ثم فشلت في توقّع إمكانية ثورتها، حيث ألقت عليها كل الأحكام السيئة، من الخضوع والخنوع، إلى قدرة البعث على فبركة وعيها وإخضاعها، إلى جهلها وما إلى ذلك.

ولهذا مازالت لا ترى إلا السلطة وممارساتها، ولهذا السبب تكرِّر كل الكلام الذي يقال منذ عقود حول الاستبداد والحاجة إلى الديموقراطية، دون تلمّس مطالب الطبقات الشعبية التي انتفضت، وفهم مقدرتها وقدرتها، وبالتالي العمل -كما يفعل كل حزب حقيقي في وضع ثوري- على تنظيم نشاطها وبلورة برامجها، وتحديد السياسات والتكتيكات الضرورية لتوسع الثورة وتطورها، وصولاً إلى كيفية انتصارها، وتحقيق ذلك عبر العمل مع الشعب المنتفض وليس في الهواء الإعلامي.

الثورة تحتاج إلى خطاب قوة وعنفوان وليس إلى خطاب ندب، إلى خطاب فهم وتفهيم السياسات الضرورية لتطورها ولمس كل التفاصيل اليومية التي تتعلق بالنشاط على الأرض، وليس إلى خطاب ردح واستجداء، خطاب يوضح المطالب والشعارات التي تساهم في توسع الثورة عبر كسب المترددين وشل المؤيدين. ولقد كان همّ السلطة طيلة الفترة الماضية يتركز على إبقاء المترددين مترددين لكي لا ينضموا إلى الثورة، وتركّز خطابها الإعلامي على ذلك، ومع الأسف كان ناجحاً. أما خطاب المعارضة (وهنا يمكن القول إنني أقصد معارضة الخارج خصوصاً، او القوى الأساسية فيها)، فقد أفضى إلى نتيجتين، الأولى دفع قطاعات مجتمعية إلى الالتصاق بالسلطة، والثانية إبقاء تردد المترددين. ولقد تحقق ذلك عبر تركيزها على التدخل الخارجي الذي كان يخيف قطاعات مجتمعية مهمة، و «النفس الأصولي» الذي كان يخيف الأقليات الدينية وقطاعات من العلمانيين، في وضع كان لانضمام هؤلاء أهمية كبيرة في تسريع انتصار الثورة، نتيجة المواقع المفصلية لأفراد من بعضها (وهنا العلويون)، وبالتالي تسريع إضعاف السلطة وتفكيكها.

ما يبدو هو ان المعارضة ظلت «خارجية»، ليس بالمعنى المكاني فقط بل بمعنى فهم الثورة ومسك بنيتها وصوغ الخطاب الذي يعبّر عنها، فلا الندب يفيد، حيث باتت السلطة مكشوفة إلى أبعد حدّ حينما يقرر الشعب إسقاطها، من ثم لا حاجة لمزيد من مراكمة «الكشف» و «الفضح» لتاريخها وممارساتها، خصوصاً بعد أن اصبحت تشاهَد بالعيان، ولا رثاء الشهداء بصفتهم قتلى يفيد، بعد أن اصبحوا أبطالاً، وبات من الضروري توضيح جرأتهم وقوتهم. وليس المطلوب أن تُستغل الثورة من أجل مطلب «سخيف» يتعلق بالتدخل «العسكري من أجل الوصول إلى السلطة بغض النظر عن انعكاس هذا التدخل على الثورة، وعلى سورية ككل.

لقد توسعت الثورة من دون فعل «سياسي»، وشملت سورية كلها من دون تأثير المعارضة، اللهم سوى التأثير السلبي الذي كان يؤخّر توسعها نتيجة تخويف فئات اجتماعية كان يجب ان تنخرط سريعاً فيها. هي تفكِّك السلطة بقوتها وليس بفعل سياسي، وينشا فيها شباب يمتلك المقدرة على القيادة من دون الحاجة إلى أحزاب تعيش في «عالم آخر».

بالنسبة لهذه المعارضة، يمكن أن أكون تحدثت «سانسكريتي»، فمن لم يدرس الكيمياء لا يستطيع فهم معادلاتها. أقصد من لم يفكّر في الثورات، وكيف تحدث وما هو دور الفعل السياسي فيها، لن يفهم ما أقول.

المصدر: الحياة

الإمبريالية سياسة أم اقتصاد سياسي؟

ينظر للإمبريالية من زاوية السياسة، أي انطلاقاً من المعنى الحرفي لكلمة إمبريالية، التي تعني الاستعمار. وكانت قد جرت ترجمة كتاب لينين «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» بـ«الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية»، بينما كان لينين يتحدث عن شيء آخر غير الاستعمار الذي هو احتلال دولة لدولة أخرى، يتعلق بتكوين اقتصادي سياسي عالمي تسيطر عليه الرأسمالية. تكوين جعل «الربط الاقتصادي» بديلاً عن الاستعمار المباشر، ولهذا انتقلت السيطرة من السياسة (عبر الدولة) إلى الاقتصاد. والدارج الآن هو النظر إلى الإمبريالية كـ«مشروع سيطرة سياسية»، أي من زاوية سياسية محض، إذ يحل بدل الاستعمار القديم الذي كان قائماً على الاحتلال، دور القوى الإمبريالية في إلحاق النظم الأخرى، وإتْباعها بسياساتها.
في المقابل، هناك من يرى في السيطرة الاقتصادية (أو التبعية الاقتصادية) صيغة جديدة للاستعمار القديم (المباشر)، وبالتالي يجعل هذه مثل تلك، ويظل الهدف هو التحرر بمعناه السياسي، ومن ثم الاقتصادي. ويجري النظر إلى الإمبريالية من المنظور السياسي كذلك. أي يجري قلب الموضوع من شكل الدولة المتوافق مع التبعية الاقتصادية إلى التبعية الاقتصادية الناتجة عن شكل الدولة.

هذا المنطق يجعل الدولة هي محور النظر. فالعلاقات هي بين الدول، والسياسة العالمية تقوم على دور الدول، والصراعات العالمية هي صراعات بين الدول، والتحالفات العالمية هي كذلك بين الدول. والدولة هي الشكل السياسي للوجود «البشري»، والتعبير السياسي عن سيطرة طبقة بعينها، لكنّها تعبير سياسي كما يجري اختزالها حين النظر إلى الوضع العالمي.
وبالتالي يصبح المطلوب هو تحديد في أي «جبهة» نحن، انطلاقاً من الانقسام العالمي، دون تلمس علاقة هذا الانقسام بمصالح الشعب، سوى عبر الشعارات العامة التي تتكرر من هذا الطرف أو ذاك. بمعنى أنّ الصراع العالمي بين الدول هو أساس فهم العالم. ولهذا يدخل المنطق الصوري بعنف لكي يحدِّد الخير والشر، أي من هو الطرف الذي نحن ضده، لكي تؤيد الطرف الآخر الذي يختلف معه، بعيداً عن محاولة فهم أسباب الاختلاف، وحدودها، وعلاقتها بالشعب هنا أو هناك، وبالمصالح الخاصة لأمة معينة.

وكما فعل حزب التحرير الإسلامي حين ظل ينطلق من أنّ الصراع في العالم هو بين بريطانيا وأميركا، ليكون ضد أميركا ومع بريطانيا، أو كما فعل جمال عبد الناصر وبعض القوميين نهاية الأربعينيات والخمسينيات حينما راهنوا على أميركا ضد بريطانيا، نجد أنّ هناك (من اليسار) من لا يزال يعتقد بأنّ الصراع هو بين روسيا «الاشتراكية» وأميركا، وهو هنا مع روسيا. بريطانيا وأميركا كانتا إمبرياليتين، وتختلفان في المصالح وتتوافقان. وروسيا وأميركا الآن هما إمبرياليتان، تتصارعان على «تقاسم الغنائم» وتتوافقان، كل ذلك دون أي حساب لمصالح الشعوب. ولقد اختلفت فرنسا وألمانيا مع أميركا في السنوات السابقة على عديد من المسائل (منها الحرب على العراق) دون أن يلغي ذلك كونها إمبرياليات، لكن يبدو أنّ هناك من يريد التخلص من السيطرة الأميركية دون أن يلحظ وضع بديلها، بالضبط كما توهم عبد الناصر ورهط من القوميين.
الصراع العالمي هو بين دول، لكنّه يعبّر عن مصالح طبقات مسيطرة فيها. وسعي كلّ منها لكي يفرض سيطرته على العالم، ما دامت كلّها باتت تحكمها الرأسمالية، من فرنسا وأميركا إلى روسيا والصين، لكن إذا جرى النظر من زاوية السياسة فقط، فسيتحدد الموقف منها على ضوء «حدث ما».

السياسة والاقتصاد

أشرت إلى ترجمة كتاب لينين للإشارة إلى الفارق في الوعي الذي يحكم النظر إلى الإمبريالية. فترجمة كلمة «إمبرياليزم» بكلمة استعمار نتجت عن المعنى الحرفي لهذه الكلمة، الذي هو بالتالي يظل يشمل المستوى السياسي، لكن قصد لينين كان أبعد من ذلك (وهذا القصد كان يتبلور في إطار الماركسية منذ بداية القرن العشرين مع تشكّل الرأسمالية في شكل جديد) ويتمثل في كليّة التكوين الاقتصادي السياسي الذي صاغت الرأسمالية العالم فيه. لهذا تحدث عن التمركز والاحتكار، والرأسمال المالي، وتصدير رؤوس الأموال والسلع، وتقاسم الأسواق العالمية، ومن ضمنها مسألة الاستعمار.
وبالتالي لا بد من النظر إلى الإمبريالية كتكوين اقتصادي سياسي عالمي. وقبل النظر إلى صراعات الدول، يجب تلمس التكوين الاقتصادي الذي فرض على العالم، لأنّ صراعات الشعوب هي نتاج هذا التكوين، قبل أن تكون نتاج صراعات سياسية بين الإمبرياليات أو معها.

فقد صيغت البنى الاقتصادية وفق مصالح الطغم المسيطرة على الصناعة، التي فرضت على العالم المتخلف أن يصبح مصدّراً للمواد الأولية، ومستورداً للسلع، وبالتالي أن ينزع التراكم المالي المحلي للنشاط في القطاع الوسيط الذي هو التجارة والخدمات. هكذا أصبحت الطغم المالية الإمبريالية هي مركز العالم، وباتت رأسماليات الأطراف كومبرادور يسهّل عملية السيطرة على السوق المحلي، ويمنع تحقيق التطور لمصلحة تغليب الاستيراد. وبهذا باتت الدورة المالية تبدأ من المراكز لتصبّ فيها، عبر حركة سلع مصدرة إلى الأطراف. هذا هو «العالم السفلي» الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، وهو الأساس الضروري لفهم كل الصراعات العالمية.

وكل من ينشط في هذه الدائرة هو تابع اقتصادياً، وجزء تبعي في التكوين الرأسمالي العالمي. لهذا حين يصبح النشاط الاقتصادي متمحوراً حول التجارة والخدمات والعقارات والبنوك، تكون الرأسمالية بالحتم تابعة، وتصبح اختلافاتها نابعة من تناقضات هامشية في إطار النمط الرأسمالي ذاته. هناك مثلاً صراعات كبيرة بين الرأسمال الأميركي والرأسمال الأوروبي (الألماني/ الفرنسي خصوصاً)، لكن في إطار تشابك وترابط مصالح بين رأسماليات «حقيقية»، إلا أنه يمكن أن يكون هناك تناقض مع بعض رأسماليات الأطراف لسبب يتعلق بالصراع بين الرأسماليات، أو نتيجة اسباب أخرى. وهذا التناقض لا يحوّل الرأسمالية التابعة إلى طبقة تعبّر عن مشروع مختلف مع الإمبريالية، بل يجب النظر إلى هذا التناقض من زاوية المصالح التي تؤسسه، وهي في كل الأحوال متناقضة مع مصالح الشعب محلياً. إذ إنّ تشكل هذا النمط من الرأسمالية يؤسس لتناقض عميق في البنية «القومية» (أو المحلية)، إذ يتمحور الاقتصاد حول قطاعات ريعية مثل الخدمات والسياحة والعقارات والمال والاستيراد، تفضي حتماً إلى دمار القطاع المنتج، وبالتالي نشوء بطالة عالية وانحدار في الأجور مقابل أسعار عالمية للسلع، وانهيار عام في الاقتصاد والوضع المعيشي والبنى التحتية.

في هذا الوضع تكون الرأسماليات المحلية جزءاً تابعاً في التكوين الإمبريالي. ولهذا يجب فهم الاختلافات التي يمكن أن تنشأ انطلاقاً من ذلك، وخصوصاً بعدما ضعفت الإمبريالية الأميركية، وتعمل كل من روسيا والصين على فرض تقاسم جديد للعالم انطلاقاً من الأساس الرأسمالي ذاته. ولهذا يمكن أن تميل رأسمالية ما في الأطراف إلى الربط مع الطغم الإمبريالية في روسيا أو مع الصين، لكن انطلاقاً من التكوين «الرأسمالي التابع» ذاته، وللحفاظ عليه.
إذ إنّ روسيا اليوم هي دولة إمبريالية تسيطر فيها طغم رأسمالية شبيهة بتلك الطغم التي تسيطر في كل البلدان الرأسمالية. وهي تعمل على إخضاع العالم لمصالحها، كما فعلت البلدان الرأسمالية سابقاً، وصراعها اليوم مع أميركا هو نتاج ذلك، إذ تسعى إلى إعادة تقاسم العالم انطلاقاً من ميزان القوى الجديد، الذي تبدو هي فيه قوة مقابلة لأميركا، وربما تحلم بأن تصبح هي القوة المسيطرة على العالم.

وهي في ذلك تبقي اقتصادات الأطراف كما صاغتها الإمبريالية الأميركية، أي كاقتصادات ريعية. وتترابط مع رأسماليات تابعة وريعية (مافياوية) في البلدان التي «تحتكرها».
وربما يكون النظر السياسي هو الذي يجعل الحماسة لروسيا عالية نتيجة رفض أميركا، حيث كانت، ولا تزال، المسيطر على الوطن العربي، والناهب لثرواته، والداعم للدولة الصهيونية، وهي من هذه الزاوية العدو الرئيسي. وأيضاً ربما يكون ذلك صحيحاً إلى حدّ معين من المنظور السياسي، لكن هذا وضع عابر، وخصوصاً أنّ روسيا لا تدعم جدياً في المسألة الفلسطينية، وما تقوم به هو محاولة إحلالها محل أميركا ضمن التكوين الاقتصادي الذي تفرضه كلّ إمبريالية، وليس كما كان الوضع زمن الاتحاد السوفياتي حين دعم التطور الصناعي والعلمي في كلّ بلدان التحرر الوطني.

هذا الهامش إذن يفيد الرأسماليات المحلية ولا يفيد الشعوب، ويدعم الدول التي تسيطر عليها في الصراع العالمي دون أن يغيّر ذلك من التكوين الاقتصادي الريعي الذي يفقر المجتمع ويهمشه. هنا يمكن لدولة تمثل هذه الرأسمالية أن تكون في صراع مع أميركا، دون أن يمسّ ذلك التكوين الاقتصادي الريعي، الذي يمكن أن يترابط مع إمبريالية أخرى.

الاقتصاد والسياسة

هنا تصبح الدولة التابعة اقتصادياً في تناقض مع إمبريالية، هي الإمبريالية الأميركية، وفي تبعية لإمبريالية أخرى هي الإمبريالية الروسية. فالدولة التي تقيم العلاقات العالمية هي التمظهر لمصالح الطبقة المسيطرة، وبالتالي لا بد من لمس طبيعة تلك الطبقة لكي يكون ممكناً فهم صراعاتها «العالمية». فالصراع هنا ليس من أجل التحرر وبناء اقتصاد وطني، كما كان في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ إن الرأسمالية التي تحكم قد خصخصت وعممت الليبرالية، وأقامت قوتها المالية على أساس الاقتصاد الريعي الذي يفرض عليها حتماً اللحاق بمركز إمبريالي، ولا تستطيع أن تكون مستقلة، لأنّ كلّ نشاطها المالي يتحقق من خلال هذه العلاقة. لتكون «أداة صغيرة» في الصراع العالمي بين رأسماليات.

وروسيا والصين هما الآن الطرف الآخر في الصراع الإمبريالي في سياق سعيهما لكسب مواقع وأسواق وفرض تقاسم جديد للعالم ينطلق من ميزان قوى جديد يقوم على ضعف أميركا وأزمة أوروبا، و«قوة» كل منهما الحالية. لهذا سوف يقفان مع كل مختلف مع أميركا، ويكون ميل كل من لا تدعمه أميركا نحو تطوير العلاقة مع كل منهما. وهذا ما نلاحظه في دعم النظام الإيراني، والسوري، والسوداني، والكوري الشمالي، وكل دولة يبرز اختلافها مع أميركا.
لكن ما قيمة ذلك في ما يتعلق بالوضع الداخلي إذا لم يؤدِّ إلى دعم التطور الاقتصادي؟

ما يمكن قوله هو أنّ هذه العلاقة لا تؤدي إلى تطوير اقتصادي، بل إلى نهب إمبريالي من خلال دعم طبقة مافياوية تحكم من أجل النهب. ولهذا سيبدو التقدير السياسي القائم على تحليل جيوبوليتيكي لتموضعات الصراع العالمي دون معنى، لأنّ النظام لن يكون مع أميركا بل سيكون مع روسيا. وسيبدو أنّ روسيا تحل محل أميركا كما حلت أميركا محل بريطانيا بعيد الحرب العالمية الثانية. وليبقى التكوين الاقتصادي الطبقي كما هو، ريعياً مافياوياً.

إذن هذا التموضع للنظم التي تميل للتبعية لروسيا يدعم وجودها، ويعزّز نهبها الداخلي، ويقويها في مواجهة شعبها. لتبقى نظم رأسمالية تابعة، تحوّل السيطرة الإمبريالية من طرف إلى طرف آخر. وسيكون الخلاف مع أميركا «سياسياً» دون أساس اقتصادي، والارتباط بروسيا نتيجة للخلاف مع أميركا لا نتيجة أي شيء آخر.

ولهذا سيبدو التحليل «الجيوبوليتيكي» سطحياً وساذجاً، وينطلق من بقايا ماضٍ رحل، أكثر مما يساعد على فهم وقائع العالم الراهن. وهو يتأسس على منطق صوري لا يرى سوى الـ«مع» والـ«ضد»، وحيث يحدد وجع الماضي العدو، بالتالي ليكون كل من يختلف معه حليفاً يجب الدفاع عنه، دون لمس الشعب والطبقات المفقرة والتكوين الاقتصادي، وعلاقة كل ذلك بالسياسة والتحالفات العالمية.

الإمبريالية تكوين اقتصادي سياسي، وبغير هذا الفهم سيبقى سوء التحليل رائجاً.

المصدر: الأخبار

حرب أهلية في سورية؟

النغمة التي بدأت تسود هي أن سورية دخلت مرحلة الحرب الأهلية. فهل دخلت سورية مرحلة الحرب الأهلية؟

الموفد الدولي أشار إلى ذلك، وقالها بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، وباتت العنوان الرئيس في كبريات الصحف العالمية، ويروّج لها في الإعلام العربي.

أولاً مطلوب أن نعرف معنى الحرب الأهلية، حيث كما يجري عادة تلقى الكلمات من دون تحديد المعنى المقصود، أو يجرى تداولها بمعانٍ مختلفة. فالحرب الأهلية عادة ما ترتبط بالصراع ليس بين الشعب والسلطة الحاكمة بل بين فئات الشعب ذاتها. الحرب الأهلية اللبنانية كانت بين طرفين قيل إن كلاً منهما يمثّل طائفة (مسيحيون/ مسلمون)، والحرب الأهلية الإسبانية كانت بين من هم مع الجمهورية ومن هم مع الملكية من الشعب ذاته. بمعنى أن الحرب هنا تتحوّل من حرب بين فئات من الشعب والسلطة الحاكمة إلى حرب بين فئات من الشعب ذاته، أو تبدأ أصلاً بصراع بين فئات من الشعب.

في سورية، كل ما يشار إليه هو أن الصراع يتحوّل من صراع بين الشعب والسلطة الحاكمة إلى صراع بين فئات من الشعب ذاته. والقصد هنا هو أن الصراع يتحوّل إلى صراع طائفي (سنّي/ علوي) بالتحديد. والمبرر الذي يجرى الاستناد إليه هو المجازر التي ترتكبها «قوى» من السلطة (الشبيحة)، وردود الفعل عليها. آخرها مجزرة الحولة (ومجازر أخرى لحقتها). أو تجرى الإشارة إلى توسّع نشاط الجيش الحرّ للقول إن الصراع يتحوّل إلى حرب أهلية.

على الأرض لا يزال الصراع بين الشعب والسلطة مستمراً، حيث توسعت الفئات المشاركة في الثورة وأصبحت السلطة بلا قاعدة شعبية، أو حتى اجتماعية بعد أن تحوّل التجار من داعم للسلطة، وبعضهم ممول للشبيحة، إلى مقتنع بضرورة رحيل السلطة التي ظهر أنها عاجزة عن حسم الصراع وتحقيق الاستقرار الضروري للحركة الاقتصادية. ومن ثم انتقل بعضها خطوة عبر اعلان الإضراب. وعلى رغم كل محاولات السلطة تسعير الصراع الطائفي منذ أشهر، خصوصاً في حمص، فقد ظلت ردود الفعل الشعبية تتسم بالتركيز على الصراع مع السلطة وليس مع طائفة تريد السلطة زجّها في صراع طائفي (وأقصد العلويين) من أجل ضمان تماسكها حول هذه السلطة نتيجة أن «البنية الصلبة» التي تعتمد عليها هي من هذه الطائفة تحديداً. ولم تحدث سوى ردود أفعال لحظية تجاوزت ذلك. لهذا ظل الصراع مركزاً على الأشكال التي بدأت الثورة بها واستمرت، ولم تنحرف نحو صراع طائفي تريده السلطة.

في المقابل، لا نستطيع أن نقول إن العلويين يخوضون صراعاً طائفياً. هناك شبيحة يمارسون القتل، وهم مدربون في إطار شبكة المافيا التي تأسست مع جميل الأسد وورثها رامي مخلوف وماهر الأسد، بالتالي فهؤلاء جزء مافيوي عسكري مرتبط بمصالح من يتحكم بالسلطة. أما العلويون، وعلى رغم ما يبدو من تمسك بالسلطة من جانبهم، فإنهم في كثير من القرى والبلدات يميلون للانكفاء خوفاً من ردود الأفعال التي يمكن أن تنتج من مجازر السلطة وممارسات الشبيحة.

بهذا، لا نلمس أن الوضع قد وصل إلى مرحلة الحرب الأهلية، ولا يبدو أنه سيصل نتيجة تمحور الصراع حول مطالب الشعب ومواجهة السلطة التي أوصلته إلى الوضع الذي هو فيه. لهذا تستمر التظاهرات، ويتوسع نشاط الجيش الحر ضد السلطة، ويبقى الهدف المركز حاضراً، أي إسقاط السلطة وليس التوهان في صراع طائفي. الشباب الذي يلعب الدور المحوري في الثورة يعي أن صراعه هو مع السلطة، ومع هذا يدافع عنها فعلياً، وأن هدفه هو إسقاط السلطة. لهذا، وعلى رغم حدوث تجاوزات، فإن الصراع ظل صراع شعب ضد سلطة. وسيظل كذلك نتيجة وعي هؤلاء.

لهذا يمكن القول ان كل الكلام عن حرب أهلية هو إما نتيجة سوء فهم (وأحياناً نتيجة تشوش المفاهيم، أو استعجال الأحكام) أو نتيجة سعي لتحويل الصراع إلى حرب أهلية. هذا الأخير يبدو واضحاً في سياسة بعض البلدان التي تقول انها تدعم الثورة، وتدفع نحو التسليح لتحويل الثورة الشعبية إلى حرب مسلحة مختلّة القوى منذ البدء، وتقوم على أكتاف قوى أصولية ربما تسعى للانجرار إلى حرب طائفية على أمل استجرار التدخل الإمبريالي. وبالتالي، فإن الكثير مما ينشر في الإعلام الغربي والعربي ليس بريئاً، ولا هو نتاج رؤية واقعية أو خطأ «معرفي». فما يبدو واضحاً هو أن هناك من لا يريد للثورة السورية أن تنتصر، ويعتقد أن أفضل الطرق لإفشالها هو تحويلها إلى حرب مسلحة تتخذ منحى طائفياً. وهذا ما أرادته السلطة منذ البدء.

ليس في سورية حرب أهلية، ولا أظن أنها ستكون، لأن الشعب صمم على إسقاط النظام.

المصدر: الحياة