Monthly Archives: سبتمبر 2011

الثورات العربية وفلسطين

وُضعت الانتفاضات التي بدأت في الوطن العربي في سياق الثورات البرتقالية، ولهذا سميت بـ”الربيع العربي” مقارنة بـ”الربيع” الذي أطاح بالنظم الاشتراكية، والذي تمحور حول الحرية والديمقراطية، وأشّر إلى انقلاب عالمي كبير بحيث انتهت الاشتراكية وتسيدت الإمبريالية، التي بدأت حروبها ضد المنطقة من أفغانستان إلى العراق. وبهذا فقد أصبح تعبير “الربيع” هذا مرادفاً للسيطرة الإمبريالية، وللحرب والاحتلال والنهب بالتالي.

الذين لا يعنيهم كل ذلك، وينطلقون من منطق ليبرالي خالص، ويناضلون “بشدة” من أجل الحرية والديمقراطية تمسكوا بهذا الاسم، وعمموا تعبير “الربيع العربي”، ربما تيمناً واستبشاراً بما حدث في بلدان الاشتراكية المنهارة. ولقد أصروا على أن هدف هذه الانتفاضات هو الحرية والديمقراطية ليس إلا، وأن كل زوغان عن هذه الرؤية هو “حرف للنضال”، وتشويه لما يجري. هنا للحرية القيمة العليا، لكنها الحرية التي يمكن أن تقبل بالتدخل الإمبريالي كما حدث في العراق، وهي بعيدة عن “الأيديولوجيا” و”المثاليات القومية”، وبالتالي تنطلق من “بناء الدولة الوطنية” المستقلة ذات السيادة والنهائية. لهذا جرى حشر الانتفاضات في هذه الحدود الضيقة.. الحرية ثم الحرية ثم الحرية ونقطة.

لكن ربما ما جرى في القاهرة ضد السفارة الصهيونية قد فتح على مسائل كان يجري الغلق عليها، رغم أن كل الثورات كانت تؤشر إلى ما هو أبعد من التغيير الداخلي. ففي تونس رفع شعار “الشعب يريد تحرير فلسطين” بعيد الانتصار الأولي بقليل. وفي مصر، ظهرت مؤشرات واضحة على موقف من اتفاقيات كامب ديفيد والتبعية للدولة الصهيونية، والموقف من فلسطين. وهو ما تكرر في اليمن، وأيضاً في ليبيا التي يقال إن “الناتو” هو الذي حررها، حيث ارتبط دخول طرابلس بترداد “جايينك فلسطين”. ليظهر بأن ما جرى ضد السفارة الصهيونية هو سياق طبيعي لوضع عربي جديد، يصاغ من قبل الشباب الثوري الذي كان يرى مآسي السنوات الماضية في فلسطين والعراق، وبالتالي يرى الترابط بين وضعه المأساوي الذي أوجدته المافيا المسيطرة على السلطة، والتي تلعب دور الملحق الإمبريالي، وبين كل هذه الغطرسة الإمبريالية الصهيونية، الأمر الذي فرض تبلور الوعي بالترابط الثلاثي بين النظم والإمبريالية والدولة الصهيونية.

إذن، الانتفاضات عربية. بمعنى أنها لا تحمل الهم الداخلي فقط، بل تحمل هماً عربياً سوف يفتح الأفق لوضع عربي جديد. ولهذا أشير إلى أن هدف الانتفاضات هو ليس الحرية فقط؛ هو أشمل من ذلك لأنه هدف مجتمعي. بمعنى أنه يريد قلب وضع لمصلحة وضع آخر مناقض لما هو قائم. وهنا تطرح المسألة القومية برمتها، كما يطرح التطور الاقتصادي وكل الوضع المجتمعي.

وإذا كانت عفوية الثورات لم تسمح بوضع برنامج ورؤية لها، وأن النخب الليبرالية تلقفتها لكي تصيغها وفق مطمحها هي (أي أن تبقيها في حدود الحرية والديمقراطية)، فإن تطور الثورات سوف يوضح أكثر فأكثر هذا الطابع الشامل لها. وهو ما يظهر في الممارسة عبر التوسع في طرح الأهداف، من القضايا الاقتصادية التي تتعلق بالعمل والأجر والسكن والطبابة والتعليم، إلى المسألة الوطنية التي تتعلق بأفق عربي جديد.

الانتفاضات بالتالي هي من أجل الحرية والديمقراطية، لكنها أيضاً من أجل حق العمل والأجر والطبابة والتعليم المجاني والسكن، وكذلك من أجل التحرر من السيطرة الإمبريالية ومن الاحتلال الأميركي الصهيوني في فلسطين والعراق.
لهذا ليس غريباً أن يرفع الشعار في تونس أم الثورات العربية: الشعب يريد تحرير فلسطين.

المصدر: الغد

عن تركيا “المحيرة”

بعد الهجوم الصهيوني على أسطول الحرية، وخصوصاً بعد الرد التركي العنيف، أصبحت تركيا “أمّنا”، وباتت من محور المقاومة والممانعة. وأصبحت حليفاً “استراتيجياً” للعرب، إلى الحد الذي فرض العودة إلى تمجيد “النزعة العثمانية”، والتغني بالدولة العلية. وعُقد الأمل بأن تكون القوة الداعمة حتى لتحرير فلسطين. ولقد أصبحت ضمن محور الممانعة، وشكلت ثالث الثلاثي المكوّن من سورية وإيران وتركيا.

بعد الانتفاضة السورية أصبحت تركيا دولة معادية، وليدة الصهيونية، وباتت تنفذ “الأجندة الأميركية في المنطقة”. أصبحت جزءاً من المشروع الإمبريالي الهادف إلى السيطرة على المنطقة وتقسيمها. ولهذا انصبّت الإدانات على أردوغان وتركيا، وتحوّلت إلى العدو ربما رقم واحد. فسورية دولة ممانعة، وداعمة للمقاومة، ومستهدفة من قبل الإمبريالية الأميركية، وبالتالي يجب أن تسحق شعبها من دون أن يتدخل أحد، حتى للقول بأن استمرار السلطة يفترض بعض الإصلاحات، وهذا ما كانت تقوله الحكومة التركية، انطلاقاً من تمسكها الشديد ببقاء هذه السلطة، وليس رحيلها.

السؤال هو: كيف يمكن لحكومة أن تصبح هذا وذاك في فترة قصيرة جداً؟ ثم ماذا يمكن القول الآن والحكومة التركية تخفض العلاقات الدبلوماسية مع الدولة الصهيونية، وتوقف التعاون معها، وتهددها، ثم تعتبرها عدواً؟

تركيا فعلت كل ذلك، لكنها قطعت تقريباً مع السلطة السورية نتيجة ما يجري. ماذا يمكن أن نقول في وضع كهذا؟ الأهم الصراع مع الدولة الصهيونية أم الدفاع عن السلطة في سورية؟

ليس هذا ما أردت الوصول إليه، لكن وددت أن ألفت إلى سوء فهم الواقع لدى “شبيحة” السياسة؛ القومجيين (وأنا قومي بمعنى ما) و”المعادين للإمبريالية” (وأنا ماركسي أعمل على نقض الرأسمالية من جذورها)، وبالتالي تمسكهم بالألفاظ، وحبهم للتهويم النظري (الخالي من النظرية)، وهو الأمر الذي يجعلهم يلاحقون أشباح أفكار، ويخوضون معارك طاحنة هوائية.

طبعاً بعكس ما يمكن أن يبدو، هدفي ليس الدفاع عن السياسة التركية، حيث إنني أعتبر أنها تعبّر عن مصالح البرجوازية التركية التي صحت من وهمها اللحاق بأوروبا، فزحفت من أجل السيطرة على المنطقة. إنها تريد سوقاً واسعة لسلعها، لهذا كانت حريصة على بقاء السلطة السورية، هذه السلطة التي قدّمت لها كل التنازلات السياسية (التخلي عن الإسكندرون)، والاقتصادية التي أفضت إلى تسريع انهيار الصناعة وحتى الزراعة، وتحوّل سورية إلى سوق تركية. وسورية هي المدخل للشرق، لهذا أصبحت مسألة داخلية تركية.

وهذه النظرة الجديدة هي التي فرضت أن ينشأ تنازع بينها وبين الدولة الصهيونية، هذه الدولة التي تعتقد بأن المنطقة هي للولايات المتحدة وأنها هي حارستها.

لهذا أصبح تحجيم الدولة الصهيونية مسألة تركية خالصة، ليس حباً بالعرب، ولا دعماً للفلسطينيين. فهذا وذاك هما نتاج مصلحة تركية، في سياق السعي لكي تصبح تركيا “قوة عالمية صاعدة”، وجزءاً من قيادة عالم جديد يتشكل. وأردوغان يتصرف اليوم انطلاقاً من هذه القاعدة، ويعمل من أجل أن تصبح تركيا هي القوة الإقليمية الجديدة، التي تفرض إيقاع المنطقة.

هذا جيد على الصعيد التكتيكي، أي من زاوية الصراع في المنطقة، حيث برزت قوة تحاول تحجيم الدولة الصهيونية، وفرض قبولها بدور محدود، وتنازلها عن جزء من فلسطين، من دون طموح لأن تكون قوة عظمى إقليمية كما كان يرسم لها. وتركيا في هذا السياق معنية بتعزيز “الممانعة” و”المقاومة”، لمصلحتها على الأقل. ومعنية بالتحالف مع إيران، وبتعزيز وضع مصر في السياق ذاته.

هذا ربما معادل لـ”الممانعة” السورية، وأيضاً ربما أهم (لأنه حقيقي)، وكذلك ربما يفتح على ألا يقود سقوط النظام السوري إلى تحوّل أميركي، بل إلى تحوّل لا يغيّر كثيراً في السياسة الخارجية لسورية.

في المدى الأبعد، سنجد بأن الميل التركي هو ميل هيمني، ويسعى لتكريس الليبرالية الاقتصادية لكي يستطيع تحقيق ذلك. وسيدعم التحولات إلا في المجال الاقتصادي، حيث يريد هو أن يسيطر بدل آخرين.

المسألة هي أن الانتفاضات العربية سوف تقود بالحتم إلى بناء نظم ترفض الليبرالية والهيمنة، لأنها تعمل على تحقيق مطالب الطبقات الشعبية في العمل والأجر والتعليم المجاني والطبابة والحرية؛ أي في فرض نمط اقتصادي بديل ينطلق من بناء القوى المنتجة، أي الصناعة، وتطوير الزراعة، والتأسيس العلمي، في سياق السعي العربي لأن تبنى الدولة الأمة، وتصبح قوة اقتصادية مستقلة ومتحررة.

المصدر: الغد

دور الإسلاميين في الانتفاضة السورية

يبدو أنّ السلطة في سوريا والإسلاميين توافقا على اعتبار الانتفاضة إسلامية. تريدها السلطة كذلك لتخويف الأقليات الدينية، وتبرير القمع الشديد الذي تمارسه، لكن أيضاً لتخويف البلدان الإمبريالية من «الخطر الإسلامي». لكنّني لست هنا في مجال الحديث عن موقف السلطة، بل عن وهم الإسلاميين، الذين صدّقوا رواية السلطة، وعاشوا حالة انتشاء هائلة، إلى الحد الذي جعلهم يحسبون أنّهم السلطة منذ الآن، وبالتالي أن ينشطوا خارج سوريا لترتيب «السلطة الجديدة» لكي تكون سلطتهم.

لا شك في أنّ الملاحظ لمسار الانتفاضة يتلمس مسألتين: الأولى هي انطلاق التظاهرات من الجوامع أيام الجمعة، والثانية ترداد الكثير من التعابير الدينية الإسلامية في تلك التظاهرات. وسيتلمس المراقب أيضاً الكثير من التركيز على الشعارات الإسلامية في وسائل الإعلام التي تنقل التظاهرات، وأيضاً أنّ كثيراً من المواقع التي «تدعم» الانتفاضة على شبكة الإنترنت ذات طابع إسلامي، حتى تلك المسماة «الثورة السورية»، التي بدت كأنّها الناطقة باسم الانتفاضة. وبالتالي، سيكون التقدير هو أنّ سيطرة إسلامية كاملة تحكم الانتفاضة.

جعل ذلك الوضع جماعة الإخوان المسلمين تعتقد أنّها تقود الانتفاضة، وأنّ كلّ المتظاهرين «من أعضائها»، أو على الأقل من المؤيدين لها. وبدأت تتصرف كمن يملك أغلبية الشعب، وأنّ من حقه تحديد طبيعة السلطة الجديدة «ديموقراطياً»، فالحكم هو لـ«الأغلبية»، كما هو متعارف عليه.

طبعاً، ليس المهم ما يقول الفرد أو الحزب عن ذاته، المهم ما يحصل في الواقع. وفي أحيان كثيرة، يقود العجز الذاتي إلى توهمات وتخيلات لا علاقة للواقع بها، تؤسس لعنجهية مفرطة. وبالتالي، يتصوّر المرء ما يريده، لا ما هو عليه. ولا شك في أنّ وجود جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، كان محرّماً بقانون يحكم بالإعدام على كلّ عضو، ولذلك أصبحت في الخارج من دون مقدرة على بناء تنظيمي في الداخل. وأشير إلى أنّ المرحلة التي اشتعل فيها الصراع، تقتضي المحاسبة على تسعير الصراع الطائفي من قبل الجماعة، كما بالرد السلطوي على الأحداث. لكن هل كافأ الشباب الذي يخوض الانتفاضة الجماعة على دورها ذاك، أم أنّه اتخذ موقفاً سلبياً منها؟ فهي خلّفت قتلى ومعتقلين ومفقودين، وتشدداً في القمع، وإهانات.

من الواضح أنّ الانتفاضة عفوية، وعمادها فئات اجتماعية مفقرة بالأساس (مع مشاركة واضحة لفئات وسطى)، وهي محرَّكة من الشباب الذي يمثل نسبة كبيرة في المجتمع، ومن العاطلين من العمل. وهؤلاء لم يتعاطوا العمل السياسي، ومعلوماتهم السياسية محدودة أو حتى معدومة (سوى نخب الشباب الذي له علاقة ما بالسياسة). ولقد بدأ الخروج من الجوامع تقليداً لتجربة مصر، واستفادة منها، إذ ظهر أنّ ذلك هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يجمع ما يمثّل نواة تظاهرة. ومن بدأ ذلك هم شباب يساري أو علماني، كشكل من أشكال الدفع لتفجير انتفاضة ما، تأثراً بما جرى في مصر وتونس (وطبيعة معتقلي أيام 15 و16 آذار توضح ذلك). بعد درعا، بدأ انضمام الفئات الشعبية، لكن ظلّ فعل هؤلاء قائماً نتيجة التوسع البطيء للانتفاضة، وأصبح هناك مدن وقرى تشارك بكاملها تقريباً، رغم أنّ العبء الأساس بقي على الشباب المفقر والمهمش، وفي الغالب البسيط الثقافة، مع مشاركة من بعض كادرات أحزاب المعارضة اليسارية، أو من كادر يساري مستقل، وهو ما كان يلوّن التنسيقيات بالتشارك مع إسلاميين ليسوا مسيسين، ولا على توافق مع الإخوان المسلمين.

ظهر إسلاميون ينتمون إلى الإخوان المسلمين، وأيضاً إلى حزب التحرير، لكن حضورهم كان هامشياً. ولقد كان وجود حزب الاتحاد الاشتراكي في الانتفاضة أكبر، مثلاً. لكن كل الوجود السياسي ظل محدوداً في خضم انتفاضة من المفقرين والمهمشين والبسطاء، الذين تقوم الانتفاضة على فعلهم العفوي، الناتج من الحالة الاقتصادية التي فرضها نهب المافيات في ظل استبداد حقيقي. كان واضحاً لهؤلاء المفقرين أنّهم في صراع مع السلطة، سلطة تلك المافيا.

إنّ غياب الثقافة السياسية عموماً، وغياب الأحزاب عن البيئة الشعبية (وانحصارها في نخب)، جعل عفوية النشاط ترتبط بشعارات تمتح من الوعي التقليدي. وذلك أمر طبيعي في تلك الحالات، ولا يعبّر بالتالي عن انتماء سياسي. وكان ذلك يختلط بشعارات تطرحها نخب الشباب التي لامست السياسة بصيغة أو أخرى، فظهرت شعارات الحرية والدولة المدنية، وضد الاستبداد والفساد. لقد حرّض خطاب السلطة الذي اتهم الانتفاضة بأنّها سلفية وبأنّ الإخوان هم من يحرّكها، على رفع شعارات مثل «لا سلفية ولا إرهاب، الثورة ثورة شباب»، وأيضاً «لا سلفية ولا إخوان». شعارات ترددت في المدن والمناطق التي كانت محسوبة على الإسلاميين (بانياس وتل كلخ وحمص وحماة والتل، وحتى حوران التي لم تحسب عليهم). وتكررت تلك الشعارات يوم الجمعة التالي لإعلان الإخوان المسلمين المشاركة في الانتفاضة، بعد أسابيع من انطلاقها، وظلّت تتكرر بعدئذ، وهو الأمر الذي كان يشير إلى رفض الربط بالسلفية وبالإخوان المسلمين، وتوضيح حقيقة الحراك كحراك عفوي شعبي يطرح مطالب دون خلفية فكرية أو سياسية. وكان الشباب يتقصّد توضيح ذلك ليس تقية، بل نتيجة موقف واضح بأنّ المسألة تتعلق بالوضع الذي يعيشه، وبضرورة التحرر من السيطرة الشمولية للسلطة.

ما لا بد من توضيحه هو ضرورة التمييز بين الوعي الذي يحكم الانتفاضة، ويجعل الشعارات أو الهتافات إسلامية في كثير من الحالات، وبين أنّ ذلك هو نتاج انتماء سياسي إلى حركة الإخوان المسلمين من معظم تلك الجموع. فليس الشعار الإسلامي هو ملك الحركة، ولا الخروج من الجوامع هو نتاج قصد سياسي مسبق. رفعت تلك الجموع شعار الدولة المدنية، وشعارات رفض التدخل الإمبريالي، وأكدت أنّ الشعب السوري واحد، من دون تمييز على أساس ديني أو طائفي أو إثني، وهذا هو أساس المواطنة التي لا تتسق مع الدولة الدينية أو ذات المرجعية الدينية.

وإذا كان الوعي السياسي بما هو وعي البديل غائباً، فإنّ ما هو مرفوض من قبل المنتفضين واضح وأُشير إليه في الشعارات، وهو لا يسير في اتجاه دعم تيار ديني، أو حتى دعم كلّ المعارضة، بل لا يزال يعبّر عن مكنون الطبقات الشعبية، من دون شكل سياسي متبلور. وربما ذلك هو سياق تطور الصراع في المرحلة المقبلة، إذ لا بد من أن يتبلور ذاك الشكل لكي يصبح ممكناً انتصار الانتفاضة بشكل نهائي.

إنّ التفسير الشكلي لما يجري، جعل الإخوان المسلمين ينشطون في الخارج لصياغة بديل تحت سيطرتهم، انطلاقاً من أنّهم على الطريق إلى السلطة. وإذا كانت مسألة المشاركة في السلطة الحالية مطروحة عبر وساطة تركية منذ سنتين تقريباً، وهو ما جعلهم يوقفون «الصراع» مع السلطة، ويؤكدون وطنيتها، فإنّ الأمور تجري الآن انطلاقاً من أن تصبح الحركة هي أساس تحالف يؤسس مجلساً «وطنياً»، أو انتقالياً، أو حكومة انتقالية لكي يجري الاعتراف الدولي بها، بديلاً من النظام. وهي تعقد المؤتمرات وتناور للوصول إلى ذلك. وقد تنشط في إطار «التوافق» الذي جرى، لكي تصبح حركة الإخوان المسلمين جزءاً من «النظم الجديدة» التي تؤدي الإمبريالية الأميركية دوراً في تكوينها. فقد رفعت الإمبريالية الأميركية «الفيتو» على مشاركتها في النظم التي هي قيد التكوّن، وأصبحت تعتقد أنّ «معجزة إلهية» قد حدثت ومهّدت لها الطريق إلى السلطة.

المشكلة هي أنّ كلّ ذلك ينعكس سلباً على الانتفاضة، لأنّه يعزز من ادعاءات السلطة بالطابع الأصولي للانتفاضة، كذلك فإنّه يظهر الإعداد الخارجي لـ«السلطة الجديدة»، ما يستتبع التصوّر بإمكان تدخل إمبريالي، يتعزز ببعض التصريحات التي تطلق في الخارج، المرتبطة ببناء تشكيلات سياسية تؤكد ذاك التصوّر (مثل المجلس الوطني أو المجلس الانتقالي أو الحكومة الانتقالية). يعزز ذلك من تردد وتخوف فئات اجتماعية يجب أن تكون في صلب الانتفاضة، نتيجة وضعها المفقر، فقط لأنّ ذلك «البديل» يخيفها، رغم أنّه وهمي، وبالتالي، نتيجة فشل المعارضة في الداخل في توضيح طبيعة الصراع وأدوار القوى، وانغماس بعض «النخب» في الخوف من البديل الأصولي أو من الحرب الطائفية.

ما يمكن أن يقال هو أنّ دور «القوى الإسلامية» محدود، بل هامشي، في الانتفاضة، وأنّ تضخم دورها الخارجي هو نتاج تلك الهامشية الداخلية. وكما في تونس ومصر، ليس من إمكان لمشاركتهم في «النظم الجديدة» إلا من خلال التوافق مع المافيات الحاكمة، وبتوافق إقليمي و«دولي». أما الانتفاضة فبديلها مختلف جذرياً، ويتأسس على تغيير كليّة النمط الاقتصادي القائم. ذلك النمط الذي سيعطى كلّ بركات الإخوان المسلمين لكي يستمر كنمط ريعي مافياوي، ما يجعل الصراع واضحاً مع «النظام الجديد».

المصدر: الأخبار