Monthly Archives: يناير 2011

ما حدث وما يمكن أن يحدث في تونس

تطور الوضع التونسي إلى اللحظة التي فرضت هرب الرئيس زين العابدين بن علي، ولم يفد التهديد الذي مارسه الرئيس السابق، ولا فادت الوعود التي أطلقها في لحظاته الأخيرة، ولن يفيد الحل الذي أخرج به الهرب، ويجري فيه نقل السلطة إلى رئيس الوزراء.

وربما لن ينجح الحل “الدستوري” الذي أتى برئيس البرلمان كرئيس مؤقت يعمل على التحضير لانتخاب رئيس جديد خلال مدة لا تتجاوز الستين يوماً.

ما يجري العمل على أساسه هو إعادة إنتاج السلطة من خلال إبعاد الرئيس وتحميله كل وزر الماضي، واستقطاب بعض أحزاب المعارضة، وبالتالي إبقاء السيطرة الطبقية للفئات ذاتها. فالخطوات أخذت على أساس الدستور الذي صاغه زين العابدين بن علي، والذي يحدد شكل الصيغة “الديمقراطية” التي كانت تمارس، والتي تبقي الحزب الدستوري هو المحدِّد لشخص الرئيس القادم من خلال البرلمان الحالي الذي يهيمن عليه. ولتبقى أجهزة السلطة ذاتها، البوليس والبيروقراطية اللذين حكما طيلة ربع قرن في عهد بن علي، هي المقررة لنتائج الانتخابات التي ستجري.

وبالتالي يجري التركيز على الدمقرطة وحرية الأحزاب والصحافة، وإشراك المعارضة في السلطة، بينما تبقى البنية الاقتصادية كما هي، وتظل الطبقة الرأسمالية المافياوية هي ذاتها، ربما مع إبعاد مافيا العائلة، وربما لمصلحة مافيا عائلة جديدة.

هذا ما أوضحته التجربة حينما يجري “التغيير” على أرضية السلطة ذاتها، ووفق القوانين ذاتها، والأهم وفق البوليس والبيروقراطية ذاتها. ليكون هناك مرحلة انفراج ديمقراطي، وحرية سياسية، لكن دون لمس المشكلة الأساس التي قادت إلى تفجُّر الانتفاضة، وهي مشكلة النمط الاقتصادي الذي تشكل خلال العقود السابقة، والذي أفضى إلى الإفقار الشامل من جهة، والبطالة الواسعة من جهة أخرى. بالتالي تتراجع نخبة السلطة قليلاً من خلال تحقيق الانفراج “الديمقراطي”، واشراك بعض المعارضة في السلطة، وإعطاء الوعود بتحقيق كثير من المطالب، وتستغل “نخبة” من السياسيين “المعارضين” كل هذا الانفجار الاجتماعي الذي يعبّر عن مشكلات عميقة تفضي إلى الانتحار أو الموت جوعاً، من أجل القفز إلى السلطة، وإن كان ذلك يتحقق من موقع الهامش والملحق لأن البيروقراطية الحزبية القديمة (الحزب الدستوري) ستبقى هي الممسكة بمقاليد السلطة. وهي “اللعبة” التي يراد لها أن تمتص الأزمة، وترحلها إلى أمد أبعد.

إن كل هذا الانفجار الاجتماعي، ولكي يحقق أهدافه، لا بد له من أن يفضي إلى أن يتجاوز ليس الرئيس، بل كل بنية السلطة التي شكلها، بما في ذلك وأساساً الحزب الذي حُكم باسمه، والبوليس والأجهزة الأمنية اللذين تدربا لكي يخدما مصالح مافياوية لتلك الطبقة التي تحكم تونس منذ عقود، وتوثق ارتباطه بالطغم الإمبريالية. وهي التي، وانطلاقاً من هذا الارتباط، فرضت الإفقار الشامل والبطالة المفرطة، إضافة إلى الاستبداد الشامل الذي هو ضرورة، ليس من أجل ذاته بل من أجل تحقيق السيطرة الطبقية التي تسمح بالنهب وبصياغة النمط الاقتصادي. لهذا فإن تقدم الانتفاضة وانتصارها ليس ممكناً إلا من خلال فكفكة أجهزة الدولة البوليسية، وتجاوز الدستور الذي فرضته المافيا، وكذلك تجاوز كل بنية السلطة القائمة، فهذه يجب أن تنتهي، أن تهزم، وأن يجري تشكيل حكومة من القوى الأساسية التي لعبت دوراً مهماً في الانتفاضة، أي النقابات والاتحادات والأحزاب، من اتحاد العمال إلى المحامين وأحزاب اليسار التي كان لها دور بارز، إلى الهيئات واللجان التي تشكلت خلال الانتفاضة. حكومة مؤقتة تعد لانتخابات لمجلس تأسيسي يضع دستوراً جديداً يقر الحريات، ويضع سياسة اقتصادية مختلفة تخدم الطبقات الشعبية.

وهنا لا بد من أن نلحظ بأن المسألة لا تتعلق فقط بتشكيل نظام ديمقراطي، يعتمد الانتخابات والتعددية وحرية الصحافة، فهذه لا تحل مشكلات الطبقات الشعبية وستفضي إلى أزمة بعد حين تفرض انتفاضة جديدة. ولاشك في أن لعب الطبقة الرأسمالية المافياوية كان يجري على هذه المسألة، حيث يجري التنازل في المجال “الديمقراطي” وغض النظر عن كل ما يتعلق بما يتعلق بالنمط الاقتصادي وبالفروق الطبقية، وخصوصاً بوضع الطبقات المفقرة، التي هي أساس كل انتفاضة. ولسوء الحظ تقبل بعض قطاعات المعارضة بهذه اللعبة، فتنقاد خلف السلطة، وتتجاهل الوضع الطبقي الذي كانت تعتبر أنها تعبّر عنه. ويصبح همها هو “اللعبة الديمقراطية”، في وضع غير متكافئ لا يسمح لقوى تطرح بديلاً اقتصادياً أن يحقق ما يجعله يفرض برنامج يمثل الطبقات الشعبية.

وتونس تقف الآن في هذه اللحظة، هل تقبل المعارضة، واليسارية خصوصاً السير مع الحل الذي طرحه أفراد نظام بن علي (أو نظام المافيات)؟ أو تقول بأنها تسعى إلى تحسينه، لكنها تقبل في الأخير؟ أو تشكل سلطة بديلة، وتفتح الطريق لانتصار حقيقي للانتفاضة؟ فالحل من خلال آليات السلطة ذاتها سوف يوجد متنفساً مؤقتاً في المستوى السياسي، لكنه لن يحل مشكلات الفقر والبطالة، لأنه لن يغيّر من النمط الاقتصادي القائم، الذي هو كما أشرنا نمط رأسمالي مافياوي. وبالتالي سوف يعيد الصراع إلى نقطة الصفر. وهو حل يجب أن يرفض نهائياً. ومن ثم ليس غير البديل الذي يقوم على أنقاض النظام القائم، حتى لو لم ينجح الآن، لكن يجب أن يكون واضحاً بأن الأزمة العميقة التي تعيشها الطبقات الشعبية لن يحل عبر الحل السلطوي، وبالتالي حتى فيما إذا توقفت الانتفاضة الآن فإنها سوف تعود في فترة قريبة بعد أن يتوضح للعاطلين عن العمل والمفقرين بأن شيئاً لم يتحقق. وهنا يكون طرح البديل الآن من قبل اليسار هو الأفق الذي سيحكم الانتفاضة القادمة.

المسألة إذن لا تتعلق بشكل السلطة فقط، بل أساساً في طبيعة التكوين الاقتصادي الذي صيغت فيه تونس خلال العقود الماضية. ومن استطاع أن يعرف السبب الذي جعل الطبقات الشعبية تنتفض بهذه القوة عليه أن يعرف بأنه لم يعد من الممكن أن يتحقق حل شكلي تمويهي كما تريد المافيات، وأن الأمور سوف تندفع نحو تصاعد الصراع الطبقي، حتى وإن كان قد هدأ الآن. لهذا سوف يموت اليسار إذا وافق على لعبة المافيا المطروحة من خلال بيروقراطية السلطة القديمة، وبالتالي عليه أن يتبلور كبديل واضح، وأن يدفع الطبقات الشعبية لإكمال الانتفاضة لكي تنتصر حقاً.

المصدر: الأفق الإشتراكي

عن مسألة الاحتجاجات الاجتماعية

هل ما يحث في تونس استثناء مما يمكن أن يحدث في أي بلد عربي؟ وماذا نسمي كلّ أشكال الاحتجاج التي تجتاح مصر منذ سنوات خمس، والتي تتصاعد بالتواتر؟ أو ماذا نقول عن كلّ الاحتجاجات التي اجتاحت المغرب قبل فترة قصيرة؟
أو أشكال التذمر والتململ في الأردن ولبنان، وحتى العراق المحتل، وفي سوريا، حيث ينزلق قطاع واسع من الطبقات الشعبية إلى حالة الفقر المدقع؟

لا شك في أنّنا على أبواب موجة جديدة من الانتفاضات الشعبية يمكن أن تجتاح كلّ البلدان العربية. لقد شهدنا الموجة الأولى في نهاية سبعينيات القرن المنصرم وثمانينياته، بدءاً من انتفاضة 18 و19 كانون الثاني / يناير سنة 1977 في مصر، مروراً بالسودان وتونس والمغرب، وعودةً إلى مصر وتونس والمغرب والسودان، ثم إلى الجزائر والأردن والمغرب. وهي الانتفاضات التي حدثت بعد البدء بتحقيق «تحرير الاقتصاد» انطلاقاً من وصفة صندوق النقد الدولي الذي فرض ما سمّي «سياسات التصحيح الهيكلي». تطلبت هذه السياسات الخصخصة وعنت بيع كل ثروة الشعب لمافيات كانت قد بدأت تتألّف (وهي تحكم اليوم)، و«كفّ يد» الدولة عن كل ما يتعلق بالاقتصاد. وأصبحت مهمّة الدولة تسهيل نشاط الرأسمال الإمبريالي، والمال المضارب، وحمايته، من خلال إصدار قوانين تحمي نشاطه تحت شعار استقطاب الرأسمال الأجنبي.

عبّرت تلك الموجة من الانتفاضات عن غضب، ولم تحقق أكثر من ذلك (سوى في السودان حيث فرضت الانتفاضة تغيير السلطة)، وربما فرضت تحقيق بعض الانفتاح السياسي في عدد من البلدان (مصر، الأردن، الجزائر، المغرب)، لكنّها كانت تشير إلى غياب الأحزاب التي تطرح ذاتها بديلاً. لم تكن هذه الأحزاب تتوقع حدوث الانتفاضات، رغم أنّ بعضها أسهم في تحريض الطبقات الشعبية وهو يناكف السلطات، ولم تستطع بالتالي التعامل معها بعدما وقعت، ثم انساقت مع العلنية التي اخترعتها النظم لتحقيق الانفصال الكامل بين الطبقات الشعبية والأحزاب، من خلال جرّها إلى «أرضية النضال الديموقراطي»، وتحقيق «التغيير السلمي» الذي يعني تداول السلطة. وهو ما تحقق بالفعل لأحزاب كانت قد أصبحت تعبة، وهرمة، وبالتالي كانت تريد أن تبقى في الرقعة السياسية أكثر من أي شيء آخر.

لكن خلال السنوات التالية كانت اللبرلة تفرض ذاتها، والفئات المافياوية تُحكم سيطرتها على النظم والاقتصاد، وتحكم تبعية الاقتصاد (والنظم ذاتها) للرأسمال الإمبريالي. لقد انتهى القطاع العام، وانتهى كلّ حديث عنه. بل أصبح الحديث عنه تهمة لأنّ اليسار الذي اندفع نحو الليبرالية بعيد انهيار الاشتراكية، وانساق مع موجة اللبرلة العالمية التي أطلقتها العولمة (المضمخة بالحروب والقتل والتدمير)، أصبح «يشيطن» كلّ الأفكار التي كانت تطرحها الاشتراكية ويفرضها تحقيق التطور، ومنها القطاع العام ودور الدولة الاقتصادي. وفي هذه المرحلة من الندب كان الاقتصاد يُنهب، ويتدمر كل القطاع المنتج الذي بني بفعل دور الدولة الاقتصادي وبمجهود الطبقات الشعبية، ويعود الاستيراد هو السمة المسيطرة، ويتحكم الرأسمال الإمبريالي بالمفاصل الأساسية في الاقتصاد والمجتمع. وقاد ذلك إلى مراكمة الديون على الدولة رغم أنّ القطاع العام كان يعدّ ثروة مهمة بيعت وهمّشت من دون أن تمنع الميل نحو الاستدانة، التي أصبحت مربوطة بالشروط الدولية التي يفرضها صندوق النقد الدولي، وهي شروط الطغم الإمبريالية. وهذا يوضح أنّ المافيات هي التي نهبت أموال القطاع العام، ونهبت أموال الديون التي كانت تسجل على الدولة. هذه الأخيرة كانت تزيد من الضرائب وتتخلى عن دورها الاجتماعي وتوقف رفع الأجور رغم أنّها كانت تفتح الأسواق لتكون أسعار السلع المحلية هي الأسعار الدولية ذاتها. وهو الأمر الذي كان يلقي بكل الطبقات الشعبية في قعر الفقر والتهميش.

وتحققت الهوة الطبقية التي أصبحت من السعة والتركز بما يجعلها سبباً في شعور الطبقات الشعبية بأنّها غير قادرة على العيش، وأن هناك طبقة مافياوية تنهب كل شيء، وتتحكم بكل الوضع، وتزيد من قوة الدولة البوليسية والاستخبارية. لقد كانت سنوات التسعينيات والعقد الأول من القرن الفائت هي السنوات التي أعادت تكوين النخب الحاكمة، وشكل الدولة الخاضعة لهذه النخب، لكن بالأساس للطغم الإمبريالية. فهي نخب بالغة الثراء، لكنّها مافيا تميل إلى النهب لا إلى النشاط الاقتصادي الحقيقي، حتى في التجارة التي كانت سمة البرجوازية التقليدية في النصف الأول من القرن العشرين، التي كان هذا النشاط يكيفها مع النمط الرأسمالي العالمي، وهيمنة الرأسمال الإمبريالي. ونشطت في العقار والصفقات، حتى حينما يتعلق الأمر باستيراد السلع. وهي تراكم أموالها في البنوك والشركات الإمبريالية. وربما كان هذا الشكل المافياوي هو المطابق لطبيعة الرأسمال الإمبريالي ذاته، إذ هيمن المال على الرأسمال نتيجة التضخم الذي أصبح يتسم به، وبات ينشط في المضاربات لا في الاقتصاد الحقيقي.

وهذه النخب التي سيطرت أعادت صياغة الدولة بما يجعلها مشاعاً لنشاط الشركات الاحتكارية الإمبريالية ونشاط المال المضارب، من خلال قوانين «الإصلاح الاقتصادي»، التي أعطت الحرية المطلقة لهذا المال المضارب. وبالتالي وضعت الدولة في تبعية بنيوية للطغم الإمبريالية، ثم قوّت من مقدرة الأجهزة الأمنية وألّفت شرطة مهمتها القمع المفضوح (الدرك أو الأمن المركزي أو ما شابه)، وبالتالي باتت دولاً بوليسية. ذلك رغم أنّ الغطاء الذي كانت تتحقق هذه العملية فيه هو الدمقرطة، من خلال الانفراج السياسي الذي حكم سنوات التسعينيات إلى الآن، والذي لم يكن سوى عملية إلهاء للأحزاب المعارضة في وضع كانت تعاد فيه صياغته بنحو بشع.

إذا كانت العقود الثلاثة التالية لثورة تموز / يوليو في مصر سنة 1952 قد أعادت صياغة البنى الطبقية في وضع أوجد قدراً من التوازن قلّص التفارق الطبقي، وخلخل وضع كل الطبقات بعد تحقيق الإصلاح الزراعي وتوسيع البناء الصناعي والتعليم، فإنّ السنوات منذ التسعينيات قد أطاحت هذا الوضع وأعادت تحقيق التفاوت الطبقي بنحو سافر. لقد أعيدت صياغة الطبقات بحيث تحتكر قلة جزءاً هائلاً من الدخل القومي، وتعيش قطاعات واسعة تحت خط الفقر (المحدد بدولارين في اليوم). لهذا نجد أنّ الحد الأدنى الضروري للعيش في مصر هو 1200 جنيه (تقريباً 240 دولاراً) بينما لا يبلغ متوسط الدخل الـ100 دولار. وأيضاً نجد أنّ الحد الأدنى الضروري للعيش في سوريا يبلغ 31 ألف ليرة سورية (نحو 600 دولار) بينما نجد أنّ متوسط الدخل يراوح بين 9 آلاف و11 ألف ليرة سورية (بين 200 و230 دولاراً تقريباً)، ونجد أنّ الحد الأدنى للأجور في تونس هو 250 ديناراً (أي ما يقارب الـ170 دولاراً) وهو أجر لا يكفي إطلاقاً. وهكذا في المغرب والأردن ولبنان… إلخ. الأسوأ هو أنّ نسبة البطالة بلغت معدلات عالية في كل البلدان العربية (22% في تونس مثلاً)، وحين يجتمع تدنّي الأجور مع البطالة يصبح الاحتقان الاجتماعي في أوجه.

لهذا نلمس أنّ الاحتقانات الاجتماعية بدأت منذ عقد، لكنّها تسارعت في أواسطه، لتأتي الأزمة «المالية» العالمية مكمّلة على عوامل الانفجار الاجتماعي. لقد أدّت الكتلة المالية الضخمة التي تنشط في المضاربات (والتي أصبحت هي الكتلة المهيمنة في الاقتصاد الرأسمالي) دوراً كبيراً في ارتفاع أسعار المواد الأساسية، مثل القمح والأرز والذرة والسكر، وهي مواد أساسية لعيش المواطن، من خلال عمليات المضاربة التي حدثت سنوات 2006 و2007 و2008. كذلك أفضت إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط، الأمر الذي أسهم في زيادة أسعار سلع أساسية أخرى، وكذلك الخدمات، وحتى عناصر الإنتاج، الزراعي خصوصاً، ثم أسعار السلع الصناعية. لكنّها في المقابل عززت النهب الذي يمارس على شعوب الجنوب، فعمّقت أزمة المديونية، وفرضت على النظم الميل إلى زيادة الضرائب لسد عجز الميزانيات، ومالت إلى التسريح. كذلك نفّذ القطاع الخاص نتيجة أزمته عملية تسريح كبيرة، وسدّت الدولة إمكانية التوظيف، وخصوصاً لحاملي الشهادات، مع زيادة هامشية في الأجور لا تجاري التضخم أبداً.

في هذا الوضع لن تكون الانفجارات الشعبية ممكنة فحسب، بل مؤكدة. فالإفقار بلغ حداً غير ممكن الاحتمال، والتهميش توسع، والبطالة أصبحت سمة عامة.

الفارق هذه المرة يتمثل في أنّ النظم باتت هشّة رغم كلّ جبروتها الأمني، وخصوصاً أنّ النمط الرأسمالي الذي هي تابع فيه بات مهزوزاً. لقد أدت الأزمة العامة التي دخل فيها إلى ضعف سيطرة الطغم الإمبريالية الأميركية نتيجة عمق الأزمة في الاقتصاد الأميركي، وبالتالي تصاعد التنافس بين الرأسماليات، والتصارع لإعادة بناء السيطرة. وتسعى الرأسماليات الأميركية والأوروبية واليابانية إلى ترتيب العلاقة في ما بينها بنحو جديد، كما أنّها تتخوف من التنافس الصيني والروسي ومن صعود «القوى النامية» (الهند، البرازيل وجنوب أفريقيا، وربما تركيا). وهو وضع شبيه بما حدث بعد الحرب الثانية إثر تراجع وضع أوروبا وسعي أميركا إلى السيطرة الشاملة.

إذن، بعكس الثمانينيات التي شهدت انتفاضات كبيرة لكن في وضع كانت فيه النظم مستقرة، والنمط الرأسمالي بالكاد قد دخل أزمته، فإنّ الوضع الراهن يشير إلى احتمالات مختلفة. وضع العالم بات مطروحاً لإعادة الصياغة. وبالتالي فإنّ إمكانيات تحقيق الانتفاضات شيئاً هو أمر ممكن. لكن أين قوى التغيير؟ وهل تولد في خضم هذا الصراع الذي بدأ للتو؟

المصدر: الأخبار

فواحش النظم الأصولية

محافظة بغداد، تغلق البارات وتمنع المشروبات، وتعمم التشدد «الديني». وفي السودان يقوم النظام بجلد النساء اللاتي يلبسن اللباس «غير المحتشم». وفي غزة تلاحق محلات المشروبات ويمنع النشاط الشبابي، ويضيق على الممارسات العامة. كل ذلك تحت يافطة تطبيق «الأحكام الإسلامية».

في المقابل، في العراق احتلال. وفي غزة احتلال. والسودان ذاهب للتقسيم والتفكك.
ربما هذا ما يوضح «وعي» القوى الأصولية التي تحكم في هذه البلدان والمناطق. إنها تجري خلف ما تعتبر أنه المهم والأساسي، والذي يفرضه عليها شرع الله. والوضع الذي تحكم فيه يغرق وينهار، ويتدمر لمصلحة السيطرة الإمبريالية. بمعنى أن ما يستحكم في وعي هذه القوى هو أضيق كثيراً مما يتطلبه الواقع. وعي قروسطي، هو المعبّر عن تخلف وسطحية و«أمية» تلك القرون، يريد أن يحكم، ويطبق الأحكام العتيقة، على وضع عالمي ومحلي مختلف جذرياً، ويحمل وعياً جديداً. فالملاحظ لـ «وعي» الحركات الأصولية عموماً يلمس أنه لم ينبن إلا على قراءة نصوص تدور في حقل الماضي السحيق، وتحاكم المسائل انطلاقاً من آليات تبلورت آنئذ. فالمنطق يقوم على «عكس الشاهد على الغائب»، حيث يجري قياس الحادثة الواقعية على «حكم» فقهي، صدر ربما قبل ألف عام أو خمسمئة عام. لأن فقيهاً محدَّداً قد أصدر فتوى بموضوع شبيه أو قريب، أو يمكن تقريبه. ومهمة «العقل» هي هذه الوصلة. وهو لا يستطيع أكثر من ذلك. وبالتالي حين لا يكون هناك «غائب» (أي فتوى) يتيه العقل الأصولي. ولأن القضايا التي حملها الفقه هي قضايا «ذاتية»، أو تتعلق بالمعاملات والأخلاق، فإن الزاد «الفكري» الأصولي هو هذه. لهذا سنجد كل الأصوليين يرددون ويكررون قصص وحكايا وشواهد قيلت في العصور السحيقة تلك.
لهذا حين تصبح في الحكم سوف تمارس ما تعرف.

لقد حكم البشير السودان (ومن خلف الستار حسن الترابي في المرحلة الأولى) منذ سنة 1989، وطبّق «الشريعة»، لكن الدولة والمجتمع لم يحتملا سلطته. فقد انهارت الدولة نتيجة هذا الشكل من الحكم الأصولي، ونهب المجتمع نتيجة شره الفئات «المشربة» بالدين، وهَزَلت سلطتها، إلى الحد الذي قاد إلى أن يقف السودان على عتبة التفكك إلى دول. وربما يتناسى كل الذين يدعون إلى «دولة إسلامية»، ويعلنون أن «الإسلام هو الحل» أن السودان خضع إلى سلطة «إسلامية» فككته بعد أن نهبته، ولا زالت تتلهى في «تطبيق الشريعة» على فتاة تلمس البنطال، أو رجل يشرب الخمر هرباً من الوضع الذي أوصلته السلطة إليه.

وفي غزة، أصبحت مهمة شرطة حماس متابعة الاختلاط بين الجنسين، أو إغلاق محلات بيع الخمور، أو متابعة ذهاب الأعضاء إلى الجامع وفرض الحجاب. وبالتالي تأسيس مجتمع أصولي قروسطي لا يتسع إلا لقلة من «المحاسيب». والمأساة أن ذلك يحدث في ظل الاحتلال الذي يحاصر القطاع ويخنق الناس. بالتالي كيف يمكن لهذا المجتمع أن يقاوم الاحتلال؟ إنه يدمّر الأرض التي يجب أن تقوم عليها المقاومة، حيث يفكك المجتمع، ويوصل قطاعات واسعة من الشعب إلى حدّ الكفر بسلطة كهذه، وبالتالي بـ«مقاومة» كهذه.

ولا شك في أن القوى الأصولية هي التي تحكم في العراق منذ الاحتلال، حيث صمّمت الولايات المتحدة السلطة على هذا الأساس، وقسمتها بين الطوائف. وإذا كانت قوى طائفية (من الشيعة والسنة) تمارس القتل بدعم أميركي، وتحقق الفرز الطائفي الضروري لتحقيق التقسيم، فإنها تتلهى كذلك بملاحقة ما هو حضاري، وكان جزءاً أصيلاً من تاريخ العراق. وتوهم بأن العراق تحرر أو يتحرر بعد «إكمال الانسحاب الأميركي»، كأن بقاء خمسين ألف جندي، و أكثر من مئة ألف مرتزق يعمل تحت اسم الشركات الأمنية، ليس وجوداً احتلالياً. ولا يفرض هو السياسة التي يجب أن تمارسها الحكومات. ولهذا دعم عودة المالكي حاكماً، وفرض تحالف «الكتل السياسية» معه.

وهنا نجد أن «بدوياً» يحكم في عصر الذرة، ولهذا فلا يجد سوى الفكر الوهابي أيديولوجية يعممها من أجل الحفاظ على سلطته، وتهديم كل ممكنات التطور الذي يمكن أن يطيحه. وسنجد أن تحالفاً ضم الوهابية وجماعة الإخوان المسلمين (وتفرعاتها) تشكل منذ زمن طويل لمواجهة الفكر الحداثي، مرة تحت شعار العودة إلى الأصول، وأخرى تحت عنوان الأصالة، ولكنه يهدف إلى تكريس البنى التقليدية المهيمنة آنئذ. والآن من أجل إعادة تلك البنى أو تكريس ما بقي منها.
وتدمير الحداثة الآن لا يعني محاربة أفكار فقط، بل بات يعني تدمير تكوين مجتمعي، تدمير بنى تشكلت في الواقع، وتدمير ممارسات مجتمعية، ووعي مجتمعي. ولهذا ليس من طريق سوى القتل والفرض العنيف، وتحويل الاختلاف الديني والطائفي إلى تناقضات، وبالتالي حروب طائفية. ومن ثم تشكيل سلطة حين استلامها ضيقة بضيق «الوعي الأصولي»، تعمم التناقض مع كل طبقات المجتمع، سواء نتيجة الاختلاف الديني أو الطائفي، أو سواء نتيجة تناقض التخلف والحداثة (الصراع ضد العلمانية واليسار). في الوقت الذي تستأثر فيه بنهب المجتمع، وتكريس نمط اقتصادي «أحادي» (وهنا تجاري)، يعمق التبعية للمراكز الإمبريالية.

إنها عملية نهب وحشي وسلطة متوحشة باسم الدين. لا تقود سوى إلى الدمار المحلي والسيطرة الإمبريالية. بغض النظر عن كل الشعارات التي ترفعها، أو الأوهام التي تطلقها.

المصدر: السفير