Monthly Archives: ديسمبر 2012

الدولة الصهيونية في وضع عالمي جديد

37279b37-6586-4a50-8585-ff7ec1b86628

ما هو وضع الدولة الصهيونية في الوضع العالمي الذي يتشكل؟ وفي التحولات التي تجري فيه؟ وأيضاً في ظل انفجار الثورات في الوطن العربي، وربما في العالم؟ الفارق بين الدولة الصهيونية والدول “الطبيعية” هي أنها تشكلت كقاعدة عسكرية إمبريالية في مواجهة المنطقة، ولكنها تشكلت على صيغة دولة ومجتمع. بمعنى أن المجتمع والدولة هما الغطاء على “الوجود الفعلي” لقاعدة عسكرية. لكن هذين الأمرين، القاعدة العسكرية وتشكيل المجتمع، جعلاها في وضع “غير طبيعي”، حيث إنها تحتاج إلى ضخ مليارات الدولارات من أجل تنفيذ كل منهما.

الدول الطبيعية لا تحتاج إلى بناء مجتمع لسكان يجلبون من العالم. ولا تحتاج إلى ضخامة في الإنفاق العسكري، إنفاق يتجاوز قدرات دول صغيرة حتى في الوضع الطبيعي.

هذا الأمر كان يفرض الحاجة إلى “المساعدات”، لكن المساعدات الضخمة. المساعدات من أجل “البناء” والإسكان وعيش المهاجرين. والمساعدات العسكرية التي هي أضخم من مقدرة دولة صغيرة وناشئة، بالضبط لأنها “قاعدة عسكرية” لمواجهة المنطقة، وضمان منع تطورها عبر التهديد والحرب عند الضرورة كما حدث في فترات سابقة.

وبالتالي يظهر الارتباط الوثيق بين وجود هذه الدولة وحاجات الدول الإمبريالية التي عملت للسيطرة على الوطن العربي، ورسمت واقعه المجزأ والمتخلف والهش. ودور الدولة الصهيونية هو حماية كل ذلك أولاً، الأمر الذي لا يتحقق سوى عبر الهيمنة المباشرة على المنطقة، وهو ما كان يجري العمل من أجله خلال العقود الستة من عمر هذه الدولة. ووصل الأمر إلى السعي لتفكيك المنطقة طائفياً وإثنياً وقبائلياً من أجل تحقيقه.

وإذا كانت الدولة الصهيونية قد بنت علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية مع أوروبا، فقد كانت في “علاقة عضوية” مع الإمبريالية الأميركية. فقد كانت تحصل على المساعدات العسكرية السخية منها. لكنها كانت تحصل على ما هو أهم، أي على الدعم المالي بشكل مباشر عبر مساعدة معروفة، وغير المباشر عبر تسهيل تطورها الاقتصادي وفتح الأسواق لسلعها ضمن “الحصة الأميركية”، وتسهيل دخول هذه السلع إلى أميركا دون قيود، ودون اعتبار أنها سلع منافسة. كما كانت تشكل جدار الحماية لها في المحافل الدولية، والمروج للتعامل معها مع كثير من بلدان العالم. بمعنى أنها كانت تتقاضى أجرة كونها “قاعدة عسكرية”، وكانت الإمبريالية تلتزم كل مستتبعات ذلك.

الآن نحن في وضع متغيّر. أميركا تنسحب من “الشرق الأوسط” بعد أن أنهكتها الأزمة “المالية”. وتشكل العالم أحادي القطب ينهار. وهناك عديد من الدول التي تسعى للتحول إلى “قوة عالمية”، وتحالفات تصاغ على أمل فرض سيطرة محور على حساب آخر. لكن كل ذلك يجري في ظل أزمة عميقة تعيشها كل هذه الدول والنمط الرأسمالي ككل.

وبالتالي من غير الواضح من سيكون القوة المسيطرة أو هل ستكون هناك قوة مسيطرة. ما يبدو أنه في طور التشكل، أو ما يظهر إلى الوجود، هو أن هناك محورا يتراجع وينهار هو الرأسمالية القديمة (أميركا وأوروبا واليابان)، ومحورا يتشكل بهدوء هو محور روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. وأن دولاً مثل تركيا تحاول أن تكون ضمن “الأقطاب”.

لقد تأسست الفكرة الصهيونية بالترابط مع الرأسمالية الإنجليزية، وحين نهضت ألمانيا حاولت التحالف رغم التطرف في النظر إلى اليهود من قبل النازية، والذي استغل لتحويل “المحرقة” إلى حالة رعب تفرض هجرة اليهود إلى فلسطين وإلى “ذنب” يحكم الشعوب الأوروبية خصوصاً. لكن الدولة الصهيونية نشأت بالتبعية للإمبريالية الأميركية (رغم استفادتها من علاقة سريعة مع فرنسا)، وظلت طيلة العقود الماضية تعمل وفق الإستراتيجية الإمبريالية الأميركية. وأصبحت أخيراً جزءاً من الإستراتيجية العسكرية الأميركية في المنطقة.

لهذا سيبدو تراجع أميركا أنه ذو أثر مباشر عليها. لكن سيبدو أنها لن تجد بديلاً قادراً على هذا الحمل “الثقيل”. ما يظهر هو أن الدولة الصهيونية تعزز علاقاتها مع الهند والصين، وأخيراً مع روسيا، وتقيم علاقات اقتصادية مع هذه البلدان كما مع البرازيل. وبالتالي يظهر وكأنها تترابط مع المحور الذي يتشكل حديثاً، رغم أن علاقاتها الاقتصادية لازالت مع المحور القديم (أميركا وأوروبا). ويبدو أن هذا المحور يعزز العلاقة معها، من الهند والبرازيل إلى الصين وروسيا (وفي هذا السياق تأتي زيارة بوتين الأخيرة).

لكن هل تتحقق “العلاقة العضوية” مع هذه البلدان التي هي ضرورية لكي تستمر؟
هذا ما لا يبدو واضحاً، ربما لها. لأنها تتلمس الأزمة العميقة للرأسمالية التي يمكن أن تطال هذا المحور نتيجة الترابط العميق في الرأسمال، والذي هو السمة الأساس في التكوين الإمبريالي الراهن.

بمعنى أن الرأسمالية متداخلة وأصبح الترابط وثيقاً إلى حدّ خطر انتقال الأزمات من بلد إلى آخر كما لمسنا في أزمة النمور الآسيوية سنة 1997، التي انتقلت إلى أميركا اللاتينية وروسيا. وربما الآن إلى انعكاس أي انهيار في الاقتصاد الأوروبي على روسيا والصين والهند والبرازيل.

لهذا، ورغم محاولات الدولة الصهيونية تعزيز علاقاتها مع “المحور الجديد” فهي ربما لا تثق بأنه حل ممكن، وأنه يمكن أن يؤسس لعلاقة تنقذها من وضعها الذي يغرق مع غرق الاقتصاد الأميركي خصوصاً والرأسمالي عموماً.
إذن، ورغم أن عمر الدولة الصهيونية قد زاد على ستين عاماً فإنها لازالت بحاجة إلى الدعم الاقتصادي الخارجي، بالضبط نتيجة كونها تشكلت كـ “قاعدة عسكرية” قبل أن تكون دولة مهمتها حل مشكلة “مشردين”. ولا يبدو أن حجم فلسطين، وكل التطور الاقتصادي فيها يمكن أن يعوّض عن الحاجة التي يفرضها وضع قاعدة عسكرية مهمتها مواجهة منطقة بأكملها. هذه الأزمة هي التي كانت تفرض التوسع الصهيوني، وضمان سيطرة الدولة الصهيونية على المنطقة لكي يتحوّل إلى “إمبريالية إقليمية” قادرة على العيش.

هذا الأمر لا يبدو أن الوضع بات يسمح به، لا السيطرة الإقليمية ولا الدعم الخارجي. ولهذا نلمس بأن الدولة الصهيونية تواجه إشكالين حاسمين، الأول يتعلق بانعكاس أزمة الإمبريالية على اقتصادها، والثاني هو الثورات العربية التي أشّرت إلى نهوض جديد يمكن أن يقلب كلية الوضع القائم.

اقتصادياً، يمكن تلمس أن الاقتصاد الصهيوني في ترابط وثيق بالاقتصاد الإمبريالي، والأميركي خصوصاً. ترابط الرأسمال، والحاجة إلى الأسواق التي توفرها ليس المنافسة بل الاحتكار الأميركي الذي كان يعطي حيزاً للسلع الصهيونية، والمساعدة في تحقيق التطور التكنولوجي. ليظهر الاقتصاد الصهيوني كـ “فرع” في الاقتصاد الأميركي. الأمر الذي يجعل أزمة المركز تصيب هذا الفرع الطرفي.

وإذا كانت قد سعت إلى توفير أسواق بديلة في الهند والصين والبرازيل وروسيا، وتعاونت تكنولوجياً مع الهند والصين، فإنها تظل في حاجة إلى الدعم المباشر (المساعدات) وغير المباشر، ولم تصل بعد (وربما لن تصل) إلى أن تحقق هذه النقلة الضرورية لوجودها كدولة “مستقلة”.

هنا نلمس أهمية بحثها عن بدائل، عبر فتح خطوط مع “المحور الجديد”. لكن ليس من مؤشر على إمكانية ذلك الآن على الأقل، ولهذا سوف نلمس تفجّر الأزمة الاقتصادية فيها خلال الفترة القادمة كانعكاس للأزمة العامة للإمبريالية. فربما يؤدي انهيار مالي جديد في أميركا إلى انهيار مشابه فيها. وهذا أمر متوقع في الفترة القادمة. كما يمكن أن يؤدي انهيار مالي أوروبي إلى أزمة مشابهة.

كل هذه العناصر تؤسس لارتباك الوضع، والخوف من المستقبل، رغم كل المحاولات التي تجري لترتيب “علاقة عضوية” مع إمبريالية جديدة. لكن الوضع الدولي لم يعد يحتمل الصيغة التي كانت في الماضي، ويدفع إلى تشكيل فوضوي ومرتبك وغير مستقرّ. لهذا يمكن أن نشهد تصاعدا كالحراك الاجتماعي” في الدولة الصهيونية، كما يحدث في بعض بلدان أوروبا، أو حتى كما يجري في الوطن العربي.

الاقتصاد الصهيوني سيدخل مرحلة الأزمة، فهو في تشابك عميق مع الاقتصاد الإمبريالي “القديم”، لم يقطع معه، ولا يبدو أنه قادر على ذلك رغم محاولاته، وكما أشرنا فإن “الجديد” يعيش أزمة “القديم” بالضبط نتيجة تشابك الاقتصاد العالمي.

من الممكن تلمس “خشية” الدولة الصهيونية من الثورات العربية، فقد فتحت الأفق لتجاوز كل التكوين الاقتصادي الذي عملت الإمبريالية الأميركية على فرضه طيلة عقود خمسة, من هذا المنظور يمكن تلمس “خشية” الدولة الصهيونية من الثورات العربية، فقد فتحت الأفق لتجاوز كل التكوين الاقتصادي الذي عملت الإمبريالية الأميركية على فرضه طيلة عقود خمسة.

التكوين الذي كان يلحظ ضمان السيطرة الصهيونية وتوسعها في الوطن العربي. وهو التكوين الريعي المافياوي الذي يفترض التبعية ويؤكدها، ويسمح بالنهب دون رادع، وبالتالي يبقي البنى الاقتصادية المجتمعية متخلفة وملحقة، وسلبية قابلة بالسيطرة.

لكن هذا التكوين، بالترافق مع الأزمة الإمبريالية، هو الذي فرض انفجار الثورات، التي باتت تهدف إلى تجاوز الوضع القائم، ومن ثم تجاوز التكوين الإمبريالي ومستتبعاته. وهو الأمر الذي يعني بالضرورة الصدام مع السيطرة الإمبريالية، والصهيونية بالتالي. لهذا ينفتح وضع سوف يطيح بموازين القوى القائمة، ويفرض متحولات يمكن أن تهدد وجود الدولة الصهيونية. إنها تخشى وضعاً عاصفاً يتهددها في وضع عالمي مربك، واقتصادي خطر.

إذا كان العالم يهتزّ ويسير نحو التغيير العميق نتيجة الأزمة الإمبريالية فإن الدولة الصهيونية تعيش هذا الوضع دون أن تتلمس إلى الآن من “يتعهدها” لكي تستطيع العيش، ربما رغم طموح بعض الدول التي باتت إمبريالية وتسعى للسيطرة على العالم، وهنا روسيا خصوصاً، التي تتطور علاقاتها مع الدولة الصهيونية بتسارع أكبر مما تتطور مع البلدان العربية. لهذا لا بد من ترقب الوضع وملاحظة تحولاته.

المصدر: الجزيرة

Advertisements

مقابلة جريدة “الموندو”- سلامة كيلة: علينا أن نتخلص الآن من المتطرفيين

1353346520_0

نشرت بالإسبانية بتاريخ 19-11-2012

معروف على أنه من أكثر المفكريين الماركسيين احتراماً في الشرق الأوسط، سلامة كيلة، لم يكن يوماً من الشخصيات المحببة الى النظام السوري على الرغم من تواجده في سوريا منذ 1981.

أمضى المفكر الفلسطيني ذو ال 57 عاماً ثماني سنوات في سجون الأب الأسد و خرج منها قبل ثلاث شهور فقط من موت الدكتاتور الاب.

عضو سابق في حركة فتح، له كتب عديدة حول الماركسية والقومية العربية، كان من أول المشاركين في منتديات الحوار “لربيع دمشق” التي سمح بها الرئيس بشار الأسد لشهور قليلة والتي يصفها المحلل السياسي سلامة بأنها كانت ” خدعة”.

خلال الثورة السورية اليوم، أعيد سلامة الى السجون الأسدية مرة اخرى حيث تعرض للتعذيب الوحشي هذه المرة على الرغم من معرفتهم بإصابته بالسرطان. أخيراً بعد سَجنه لمدة 3 أسابيع تم ترحيله الى الأردن.

المفكّر الفلسطيني الأردني الجنسية، هو أحد الأصوات الأكثر استقلالية داخل المعارضة السورية ، لا يتورع في توجيه نقده الى المعارضة المسلحة في الداخل و كذلك الى المعارضة في الخارج.

لكن نقده اللاذع يوجهه، بدون شك للنظام, وكذلك للتجمعات الإسلامية التي يتهمها بمحاولة الهيمنة على الحركة الشعبية.

على وجه التحديد فقد قامت مجموعة من الكتائب الإسلامية المقاتلة في سوريا اليوم مثل “جبهة النصرة” بالتصريح بانها تقاطع أيّ حوار مع الائتلاف الوطني الحديث التشكيل، و هو التحالف الذي يعارض بشار الأسد اليوم، و أعلنت إقامتها لدولة إسلامية عادلة.

كيف تم اعتقالك في أيار ؟

اعتقلوني في 23-04-2012 و أخذت الى فرع المخابرات الجويّة. هذا الفرع يعتبر رأس حربة النظام. قاموا بتعزيزه و تعضيده بعناصر من الطائفة العلوية. في ذلك الفرع تم ضربي، لكن ضمن حدود المعقول . أسوأ ما في الأمر حين قرروا إرسالي الى المستشفى بأمر من الطبيب ، هناك فعلاً بدأت رحلة التعذيب. كنّا ثلاثة عشر مريضاً (معتقلين) نتقاسم ستة أسرّة، و كنا مكبلي الأيدي و الأرجل. حتى أننا اضطرننا الى التبول و التغوّط على السرير. الضرب كان مبرحاً و وحشياً لدرجة أن اثنان من المعتقلين قضوا نحبهم أمامي.

في أيّ مرحلة نجد الثورة السورية الآن ؟

الفوضى انتشرت بصورة كبيرة. والشباب الذين يقودون ما نسميه “الجيش الحرّ” يفتقدون الى الخبرة السياسية مما جعلهم يرتكبون عدد من الأخطاء و التصرفات الغير صحيحة في المناطق التي سيطروا عليها. النظام أيضاً يساهم في هذه الفوضى و التشتت عن طريق تنظيمه لمجموعة من المجرمين و الخارجين عن القانون كميليشيات و نسبهم الى الجيش الحرّ.

كيف يمكننا أن نضع حداً لهذه الفوضى ؟

عبر تأسيس نظام أمني بسيادة القانون في المناطق المحررة من قبل الجيش الحرّ تتضمن محاكم خاصة بهم مثلاً. الشىء الأهم الآن هو إعادة الأمن لهذه المناطق. بشار الأسد لم يسقط الى الآن لأسباب تتعلق بنا، و منها حالة الفوضى التي تتسم بها هذه الثورة.

 ما رأيك في الإئتلاف الجديد للمعارضة الذي شُكّل حديثاً في قطر؟

برأيي هم بعيدون عمّا يجري على أرض الواقع، أغلب الشخصيات هي شخصيات تعيش في الخارج و ليست على اطلاع بما يتطلّع اليه الشعب.

 هل حصل النظام على ما يريده و هو إدخال البلد في حرب أهليّة؟

أنا لا أعتقد أن ما يحصل هو حرب أهليّة ، بل هي ثورة ضد الحاكم. النظام يحاول تغذية الطائفية عن طريق المجازر التي يقوم بها و التي تؤدي الى ردود فعل من الطرف الآخر. لكن الشعب السوري مُدرك لتلك المخططات.

 ما هو الدور الذي تلعبه المجموعات السلفية في الصراع الحالي ؟

القادمون من خارج سوريا يمكن أن يكونوا عنصر خطير جداً على الثورة السورية كونهم يستمدّون قوانينهم حصراً من الدين ، فهم ينظرون الى الأمر على أنه صراع بين السنّة و الشيعة (كون العلوييون جزء من الفئة الأخيرة)، و كأنها معركة ضد الملحدين. كلّ هذا يساعد النظام على ضمان ولاء العلويين له. علينا أن نتخلص الآن من هذه المجموعات قبل أن يصبحوا قوة أكبر.

صحيح أن الجيش الحرّ لا يتعاون معهم ، لكن بنفس الوقت لم يتخذ القرار بمواجهتهم، نعرف تماماً ما حصل في العراق و كيف دخلوا في محاولة منهم لدعم المقاومة ضد الاحتلال و انتهوا الى إقامة حرب مع الشيعة و فرضوا على السنّة اتباع نظام ديني رجعي. لذا علينا طردهم من سوريا حتى لو جاؤوا بالمال و العتاد اللازمين.

 هل يمكنهم أن يسيطروا على حركة المعارضة؟

سوريا لا يمكن أن تُحكم من قبل جماعات دينية ، لأن أيّ من هذه الأحزاب ، حتى حزب الأخوان المسلمين ، يفتقر الى التأييد الشعبي اللازم. لن يكون باستطاعتهم الفوز بأي انتخابات.

 ما هو موقف اللاجئين الفلسطينين من المسألة السورية؟

الفلسطينيون لم يكونوا بانتظار إشارة ، و لا حتى من أبو مازن نفسه، ليقول ان عليهم البقاء على الحياد. هم التحقوا بالثورة منذ اليوم الأول. الفلسطينيون السوريون يعيشون في سوريا كسوريين تماماً و معاناتهم واحدة.

هل يستعين نظام بشار الأسد بقوات جيش التحرير الفلسطيني المكوّن من فلسطينيين فقط؟

في البداية قام النظام بقتل عدد من الضباط من جيش التحرير الفلسطيني الذين رفضوا توجيه السلاح ضد المدنيين. لكن تم اجبار جيش التحرير على المشاركة في أحداث درعا لاحقاً ، أيضاً يتم استخدام الضبّاط في عمليات التحكم العسكري كذلك حماية المنشآت الاستراتيجية. الهدف من هذا كلّه هو الإيحاء للسوريين أن الفلسطينيين يدعمون بشار . لكن غالبية الفلسطينيين مع الثورة على الرغم من انقسام الأحزاب السياسية.

النص الأساسي:

http://www.elmundo.es/elmundo/2012/11/19/internacional/1353346520.html

سلامة كيلة: من أجل حل سريع للحالة السلفية تفاديا لعرقنة سوريا

2012-11-15 10.20.59

حوار “كوارتو بودر” مع المفكر الماركسي سلامة كيلة

ترجمة إلى العربية: أحمد عيساوي

نشرت بالإسبانية بتاريخ 27-11-2012

مليئا بالمشاعر ذهب سلامة كيلة (بيرزيت، فلسطين، 1955) الى الموعد المحدد مع كوارتو بودر.اس في بيروت. المفكر السوري-الفلسطيني الذي كان عضوا في حركة فتح، لم يخف تعاطفه الكبير مع قطاع غزة الذي كان يتعرض للقنابل الإسرائيلية أثناء المقابلة، ولكن أيضا مع الأردن،حيث أبعد،التي كانت تشهد احتجاجات خطيرة ضد الملك عبد الله دون ان ننسى سوريا، حيث أمضى معظم حياته وعانى من ظلم النظام لمشاركته في المعارضة ضد الديكتاتورية الفكرية.

آخر مرة اعتقل فيها سلامة كانت اثناء الثورة وتعرض لتعذيب على مدى عشرين يوما وحدث ذلك في 23 أبريل الماضي.” أولا،تعرضت للإستجواب تحت وقع الكدمات ولكن كان لديهم أوامر متعلقة بعدم تعذيبي بشكل يظهر آثار واضحة على جسدي، ولم يعرفوا أن لدي مرض جلدي وأن جميع انواع الضغط على الجلد قد تؤدي الى الموت. ثم تم نقلي الى مستشفى عسكري، حيث تعرض للتعذيب هناك ايضا.كنا شخصين،مقيدين في السرير، وكنا نتعرض لضربات مستمرة. و كان السجناء يتعرضون للضرب الوحشي حتى قتل اثنين من السجناء اثناء وجودي.” لم يترددوا في تعذيبه رغم علمهم أنه يعاني من السرطان. ومع ذلك، يتخطى سلامة سوء المعاملة هذه ويقول:لا شيء خطير وصعب اليوم مقارنة بسنوات السجن الثماني التي قضاها في ظل دكتاتورية حافظ الأسد.

يتمتع سلامة بسمعة عالمية كبيرة بحيث يعتبر من أهم المفكرين الماركسيين في المنطقة وله مؤلفات عديدة حول الإمبريالية والماركسية والقومية العربية وحدودها والعولمة والصهيونية، وكل هذه السمعة لم تشفع له من ادانة النظام لسبب واحد فقط هو ايمانه العميق بالثورة القائمة في البلاد ووقوفه الى جانبها.

وكان حسه النقدي يدفعه دائما للحديث عن الصعوبات والتحديات في ومن الثورة خاصة بعد تحولها الى ثورة مسلحة. “واحدة من المشاكل اليوم هي ان الفوضى في تزايد مستمر، وللأسف تغيب وحدة الموقف السياسي.وغياب السلطة والأمان على الأرض سمح لعصابات منظمة بتقديم نفسها كما لو انها مجموعات في اطار الجيش السوري الحر.هناك قلة في الخبرة العسكرية وازدياد في نسبة الأصوليين اضف الى ان الثوار كانوا يختبئون في المدن الكبيرة وليس في مساحات مخفية وهذا ما يحتّم سقوط مدنيين”. ويذكر سلامة ان بعض سكان دمشق طلبوا منذ فتر قليلة من مجموعات تابعة للجيش الحر مغادرة الأحياء السكنية خوفا من قصفها وهذا ما تم فعلا.

يعتبر سلامة من أكثر الأصوات استقلالية داخل الثورة السورية، ولا يخفى انتقاده الدائم لاخطاء الجيش الحر الا انه ايضا كان دائم التنبيه لظاهرة المجموعات الجهادية القادمة من الخارج والتي يمكنه ان تشوه الثورة وتحول مسارها، ومنها جبهة النصرة وكتائب “أحرار الإسلام” اي المجموعات التي تعتنق فكرا اصوليا مرتبط بتنظيم القاعدة ولذلك كان دائما على مسافة من معارضة الخارج والتي أكدت بدورها ان تلك المجموعات الخارجة عن الثورة تسعى الى اقامة دولة اسلامية.

“نعم هنالك اخطاء من جانب الجيش الحر تجاه مدنيين وتحديدا من المجموعات السلفية”. ثم يشرح سلامة ضرورة بناء جسم موحد للمجموعات العسكرية المقاتلة والعمل على تحقيق الامن والعدالة في المناطق التي تسيطر عليها المحاكم الخاصة بالجيش الحر. الامر الاهم هو كيفية تنظيم البلاد لأن نظام بشار الأسد لم يسقط بعد، كي نتجنب الفوضى في الحراك الثوري.

“السياسيون المعارضون في الخارج ابتعدوا كثيرا عن تطلعات وطوح الشعب السوري، أضف الى ان النظام دمّر جيلا سياسيا كاملا، هذا يعني ان الشعب المنتفض لا يمتلك ممثلين حقيقين على ارض الواقع، وبالطبع فإن المنفى لا يلبّي متطلبات السوريين”.

وتحدث سلامة عن التحالف المعارض الجديد الذي لقي ترحيبا من الإتحاد الأوروبي مع اشارة خاصة الى فرنسا وبريطانيا وتركيا ودول منظمة التعاون الخليجي.”لا أعتقد أن التحالف سيقدم شيئا جديدا بحيث حمع ممثلين عن ائتلافات هي نفسها لم تتغير واعضاؤها مقيمون في الخارج منذ فترة وبقي المجلس الوطني متصدرا وحتى الشباب الأعضاء هم من معارضة الخارج في الأساس. بالإضافة الى ان المعارضين القادمين من الداخل كسهير الأتاسي ورياض سيف (نواب الرئيس) بعيدين عن الناس وما زال جزء كبير داخل احزاب سورية معارضة تعيش بعيدا عن الواقع.

وعن سؤالنا حول اعتقاده بوجود حرب اهلية بالبلاد يجيب سلامة “لا أعتقد أنها حرب أهلية، هي منذ البداية ثورة شعبية ضد النظام، وقد عمل النظام باكرا على انتهاج سياسة المجازر واللعب على مسألة الطائفية لتوليد الفتنة والكراهية بين المواطنين ولإستجلاب ردات فعل سلبية.ومن الواضح أن الناس على الأرض على بينة من هذا الخطر، وهذا هو السبب في انه تجنب حرب طائفية حتى الآن”.

يرى المفكر الماركسي ان الخطر الأكبر اليوم بعد الدكتاتورية التي يجسدها النظام هو وجود المجموعات السلفية “هذه المجموعات لا تقاتل من اجل مثل عليا انما مدفوعة باولوية الدين وترى ان الصراع اليوم هو بين السنة والشيعة، ونحن واثقون ان هذه المجموعات قادمة من الخارج وهي تهدف لخلق مشاكل كبيرة عجز النظام عن خلقها واولها ربط العلويين به وتقديمهم اعداء للثورة لتوليد صراع طائفي”.

ولكن الحل في خضم هذه الفوضى ليس سهلا، “يتمثل التحدي اليوم في كيفية التعامل مع المال القادم ن الخارج واستخدامه لملئ الفراغ في السلطة.يجب علينا العمل على ايجاد طريقة لتوحيد المجموعات المسلحة كي نتفادى خطر نموها في المستقبل القريب وخروجها عن المبادئ الثورية.ولا شك ان الجيش الحر ليس على وئام مع تلك المجموعات الخارجة عن الثورة بالرغم من انه تجنب الصراع معها حتى الآن. منذ مدة طلب أحد المسؤولين في الجيش الحر، يدعى مصطفى الشيخ، من هذه المجموعات مغادرة سوريا ولا اعتبرت مرتزقة وجب طردها. لذلك يجب علينا ان نجد حلا سريعا كي لا تتحول سوريا الى عراق جديد يرفده السلفيون لمواجهة الغزاة الشيعة ويبررون تلك المواجهة لإقامة دولتهم الإسلامية التي يحكمه منطق الشريعة”.

ويؤكد سلامة في كل مرة استحالة الوصول الى حكم اسلامي في سوريا ما بعد الأسد “لن تكون سوريا دولة اسلامية لأن اي من هذه المجموعات لا يتمتع بغطاء شعبي كاف حتى جماعة الإخوان المسلمين لا تتمتع بالشعبية التي يروج لها في الإعلام. سوريا ليست مصر او تونس او ليبيا والإسلاميين ليسوا أكثرية خاصة بعد احداث الثمانينات والتي كانت بدافع سياسي لا ديني. ان كل ما هو ديني ليس قادرا على ربح انتخابات في سوريا”.

بالنسبة لسلامة “إن النظام يبقى قائما طالما تسود الفوضى الثورة، وهنالك حديث متكرر عن ضعف قوة النظام في الآونة الأخيرة حتى داخل النظام فإن الامر بات واضحا ان ايام النظام باتت معدودة. حتى رجالاته اصبح لديهم شكوك جدية حول استمرار الدكتاتورية. حتى الدائرة الضيقة للنظام من مخابرات وفرق جوية وحرس جمهوري فقدت الثقة به وتتسارع لديها الإنشقاقات وقوة النظام الجدية اليوم ترتكز على ولاء “الشبيحة” “.

النص الأساسي:

http://www.cuartopoder.es/elfarodeoriente/debemos-acabar-con-los-salafistas-antes-de-que-siria-sea-el-nuevo-irak/3727

Subjects about Socialism and Revolution in the Imperialist Era

Download as PDF

Subjects about Socialism and Revolution in the Imperialist Era

عن التغيير وتغيير التغيير في مصر

ما يجري في مصر لافت، ربما للذين اعتقدوا بأن الثورات انتهت بسلطة طويلة الأمد للإسلاميين. حيث لا يبدو أن السلطة تستقر لهؤلاء رغم «النجاح الكبير» في الانتخابات. ولا يبدو أن الأمور تسير نحو الاستقرار، على العكس من ذلك نشهد تفاقم الصراع من جديد، الذي يمكن أن يتحوّل إلى ثورة جديدة في أي لحظة.

يمكن الملاحظة أولاً بأن نتائج الانتخابات ليست دقيقة، ولا تؤشّر إلى ميزان القوى الواقعي. فقد حصل الإخوان على نسبة 25 من نسبة 46 في المئة شاركت في انتخابات الرئاسة في المرحلة الأولى. أي أنهم لم يحصلوا سوى على 12 في المئة من الذين يحق لهم الانتخاب. وهذه نسبة بسيطة، وهي تشمل فئات في الغالب لم تشارك في الثورة، بل استجرّت إلى التصويت من خلال «الماكينة الانتخابية» للجماعة. ولهذا كانت أغلب المجموعات التي شاركت في الثورة وقادتها تقاطع الانتخابات. بالتالي الشرعية هنا هي «قلقة» و «هزيلة» ولا تعبّر عن الروح الثوري الذي حرّك الشعب نحو الثورة.

لكن الأهم هنا هو أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً كبيراً في حركة الاحتجاج أظهرت بأن مصر عادت إلى الوضع الذي كانت عليه أواخر أيام حسني مبارك. وهي تحمل كل المطالب التي كانت تطرحها حينها. بمعنى أن كل التغيير في السلطة لم يلمس بعد المشكلات التي حرّكت الطبقات الشعبية. وإذا كان هناك شك في طبيعة الدولة التي يشكلها «الإخوان»، حيث يظهر بأنها تنزع إلى تكريس سلطة مطلقة وشاملة، وبالتالي طويلة الأمد (وهو ما يشير إليه المتخوّفون)، فإن الشك الأكبر يطاول إمكان حل المشكلات التي كانت في أساس ثورة الشعب في 25 يناير. أي البطالة والحد الأدنى للأجور، والأرض التي جرى تجريد الفلاحين منها لمصلحة الملاك السابقين، وهي المطالب التي شملتها الدعوة لـ «إضراب» 25 يناير 2011. وهي المطالب التي تشمل 80 في المئة من السكان تقريباً. وإذا كان الاعلان الدستوري هو الذي فجّر الثورة الجديدة فقد استندت إلى كل هذه الاحتجاجات ومن أجلها.

المنطق الصوري تلمّس نشوب الثورة ومن ثم الانتخابات وانتصار الإسلاميين، تحمّس للثورة ثم صدم بالنتيجة فانقلب متشائماً. ربما يستطيع الآن معالجة تشاؤمه، أو يفهم أن المشكلة تكمن في منطقه وليس في الواقع. وهنا يمكن الإشارة إلى اليسار المتشائم، والمراقب (أو المترقب)، الذي يلمس الأحداث بعد نشوئها ولا يستطيع تلمس صيرورة الواقع لكي يعي إلى أين يسير الوضع. ولهذا نلمس بأنه لا يرى عمق الواقع بل «تحولاته» عبر الأشكال التي تظهر فيها. لهذا فرح للثورة وصدم بنتائجها. وربما يفرح الآن، ويمكن أن يصدم بعد قليل. لكأن الأحداث هي التي تسيّره.

المسألة هنا تتمثل في أن اساس ما جرى ظل خارج الفهم، الذي هو أن الوضع الذي بات يعيشه الشعب فرض عليه ألا يستطيع التحمّل، لم يعد يستطيع تحمّل واقعه لهذا ثار من أجل تغييره. ولقد كسر وهو يقوم بذلك حاجز الخوف وامتطى التمرّد لكي يفرض واقعاً آخر. واقع يحمل حلاً لكل مشكلاته، وأبسطها مقدرته على العيش. هذا ما فرض الثورة في لحظة بدت صدفة أو مفاجأة أو استثناءً، لكنها في الواقع كانت نتيجة موضوعية لوضع كان ينجرف إليه نتيجة عملية التحوّل الاقتصادي التي حدثت وفرضت تمركزاً في الثروة وتهميشاً لتلك الكتلة المجتمعية من العمال والفلاحين الفقراء والمتوسطين والفئات الوسطى المدينية.

هذه النقلة تشكّل حالة نوعية، لأنها عنت التحرر من الخوف والتمرّد على السلطة، ولكن أيضاً القناعة بأن الواقع القائم يساوي الموت الأمر الذي يفرض حتماً تجاوزه إلى وضع يعيد الحياة. هذا هو عمق الثورات، وهو الوضع الذي سيظهر بأنْ لا إمكانية لتحقيق الاستقرار دون تحقيق التغيير العميق في الوضع، الاقتصادي أولاً، ومن ثم بنية الدولة ودورها.

ما جرى في مصر هو أن «الرئيس الجديد» كرّس السياسة الاقتصادية التي سادت ايام حسني مبارك وكانت في اساس التهميش الذي أفضى إلى الثورات، إضافة إلى تكريس السياسة الخارجية التي تقوم على التبعية للإمبريالية الأميركية، ويعمل على تكريس سلطة مطلقة كذلك. هذا الوضع يعني بأن مطالب الشعب لم تتحقق، وأن نسبة البطالة ظلت على ما كانت عليه، أو ربما تصاعدت. وأن الأجور ظلت كما كانت مع تصاعد كبير في أسعار السلع والخدمات، وهي مرشحة للتصاعد بعد أن وقع «الرئيس الجديد» اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي بهذا الشأن من أجل الحصول على قروض. والبنية التحتية ساءت.

إذاً، كيف يمكن لهذا الشعب أن يقبل بنتائج انتخابات وبشرعية لم تجلب حلولاً لمشكلاته؟ بعض الذين انتخبوا الإسلاميين انتخبوهم على أمل أن يحلوا هذه المشكلات. لكن لا حل، ولا أفق لحل بعد أن تبيّن أنه يجري إعادة إنتاج السياسات ذاتها. ولأن الشعب ثار لأنه وصل إلى حد العجز عن التحمّل فلن يكون بإمكانه أن ينتظر سنوات لكي تحلّ مشكلاته. لقد ثار من أجل أن تحل مشكلاته الآن، وهو يريد حلها الآن. بالتالي فإن من لا يملك حلاً الآن سوف يطاح به حتماً.

هذا هو الأمر الذي دفع الشعب في مصر إلى التحرّك من جديد، وإذا كان هناك من اعتقد بأن انتخاب الإسلاميين سوف يحل مشكلاته فقد توضّح بأن هؤلاء يكررون السياسات ذاتها كما أشرت، وهم في الواقع يتبعون المصالح ذاتها التي كانت تحكم سلطة حسني مبارك، ولهذا يصرّون على استمرار السياسة الاقتصادية، ويرفضون معالجة المشكلات التي كانت في جوهر شعارات الثورة. بالتالي كيف يمكن للشعب أن يسكن بعد أن كسر حاجز الخوف؟

المسألة التي باتت واضحة بالتالي هي أن ما هو ضروري هو تحقيق «مطالب الشعب» وإلا ظل يخوض الصراع. وهذا يعني أن تبقى السلطة هشة ما دامت عاجزة عن تحقيق تلك المطالب، وتظل مرتبكة وعاجزة عن الحكم. وهو الأمر الذي يفتح على صراع مستمر إلى أن تتحقق المطالب، التي تفرض تغيير النمط الاقتصادي، وبالتالي الطبقة المسيطرة كلها.

النتيجة الممكنة الآن هي أن الشعب مستمر، وأن الإسلاميين عاجزون عن حل مشكلات الشعب، وأن الحل يقوم أساساً على تغيير النمط الاقتصادي والطبقة المسيطرة، وهو الأفق الذي يفتح على تحقيق دولة مدنية ديموقراطية. ملخص الأمر هو أننا دخلنا في عقد من الثورات، هل ينهض المعنيون بمطالب الشعب لتنظيم كل هذا الصراع من أجل تحقيق التغيير الفعلي؟

المصدر: الحياة

أميركا.. إمبراطورية في مرحلة الأفول

1abb5280-797b-43bd-8f8e-f2ef6b10e5d2

هل لا تزال أميركا في وضعها العالمي قوة مهيمنة؟ وبالتالي هل لا تزال تستطيع فرض تصوراتها وإستراتيجياتها التي رسمتها خلال العقود السابقة؟

كل الإشارات توصل إلى نتيجة هي أن أميركا لا تزال في وضعها السابق، وأنها تستمر في سياساتها ذاتها. وهي سياسات مرفوضة لدى قطاعات من السياسيين ومقبولة لدى قطاعات أخرى.

ولهذا يجري التعامل مع الواقع الآن من هذا المنظور بالتحديد. البعض لا يزال يرفض سياسات أميركا التي هي السياسات التي تتعلق بالسيطرة والنهب والتفكيك. والبعض الآخر لا يزال يأمل في أن “تتدخل” من أجل تحقيق شعاراتها “الإنسانية”، شعارات الحرية والديمقراطية، حتى وإنْ افترض ذلك التدخل العسكري.

إذن أميركا هي أميركا التي نعرفها منذ أن أصبحت هي القوة الإمبريالية المسيطرة بعد رحيل الاستعمار القديم وانقسام العالم إلى “معسكرين”: المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي.

ولا شك في أن انهيار النظم الاشتراكية منذ سنة 1989 إلى سنة 1991 قد سمح باندفاع أميركا إلى أن تفرض سيطرة أحادية على العالم، وأن تتحكم في منابع النفط والأسواق، وأن تستخدم خطاباً أيديولوجياً يستند إلى فكرة الحرية والديمقراطية. وهو الخطاب الذي كان يغري قطاعات من النخب والأحزاب وكثيرا من الشيوعيين الذين مالوا نحو الليبرالية. ومن ثم أصبح هؤلاء يعتقدون بأن أميركا هي رأس حربة “التحرر” من النظم الاستبدادية، التي ليس ممكناً إسقاطها دون هذا الدور.

في المقابل أدت هذه السياسة الإمبريالية إلى اندفاع نخب وأحزاب، ومنها أحزاب شيوعية، إلى الإعلاء من الصراع ضد الإمبريالية التي تزحف من أجل فرض “الشرق الأوسط الجديد”، وتفكيك الوطن العربي واستثارة الصراعات الطائفية والإثنية والقبائلية. وكان هذا التحليل صحيحاً، حيث إن السيطرة الإمبريالية الأميركية قامت على تأسيس واقع بعيد المدى ينطلق من تنفيذ هذه العناصر.

لكن هذه السياسة الأميركية نبعت من أن الأزمة العميقة التي تعيشها أميركا، والتي كانت تتمظهر في تصاعد العجز في الميزان التجاري وفي الميزانية وتراكم المديونية، كانت تفرض السيطرة على العالم تحت مسمى العولمة من أجل حل مشكلاتها من خلال عملية معقدة لنهب العالم.

وهي عملية نهب باتت تتخذ شكلاً “بدائياً” (ما يسمى التراكم الأولي)، عبر نهب المواد الأولية، وملكيات الدول والأرض، وتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي يقوم على التوظيف في العقار والسياحة والخدمات والاستيراد، وتسهيل كل أشكال النشاط المضارب والمافياوي. وكانت السيطرة على النفط والمنطقة العربية عنصراً جوهرياً في هذه السياسة للنهب حيث توجد الفوائض المالية الهائلة، وللتحكم في التنافس مع الرأسماليات الأخرى (الأوروبية واليابانية).

كان هجوم السيطرة على العالم نتيجة أزمة تراكمت في الاقتصاد الأميركي منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، ومن أجل حلها عبر استخدام “الأسلوب التقليدي” القائم على الحرب والسيطرة والنهب.

لكن سنة 2008 أوضحت أن كل ما حاولته منذ انهيار النظم الاشتراكية لم يمنع تصاعد الأزمة وتفجّرها. فقد تفجّرت أكبر أزمة بعد أزمة “الكساد العظيم” سنة 1929.

سنة 2008 يجب أن يُنظر إليها على أنها لحظة فاصلة في التاريخ العالمي. حيث ظهر أن السيطرة على العالم لم تمنع انفجار الفقاعة، وأن النهب الشامل الذي قامت به خلال كل هذه العقود لم يحل مشكلاتها الاقتصادية، حيث تصاعدت المديونية وباتت أكبر من الدخل الوطني، وتصاعد العجز في الميزان التجاري، رغم أن عجز الميزانية جرى حله لبعض الوقت.

والأخطر هو أن الاقتصاد كله بدا كفقاعة تفجّرت محدثة صدمة هزت كل الاقتصاد العالمي، وكشفت أن الأزمة لم تعد أزمة إنتاج وأسواق وتنافس، بل أزمة تراكم هائل للمال الذي خرج عن أن يكون جزءا من كتلة الرأسمال المالي لأنه خرج من التوظيف في “الاقتصاد الحقيقي” (الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات)، وبات يفرض تأسيس قطاعات جديدة طفيلية لأنها لا تنتج فائض قيمة، بل تؤسس لزيادة وهمية في القيم، منها المشتقات المالية والمديونية والمضاربة في أسواق الأسهم والعملة.

والقطاعات السابقة هي التي باتت تشكل 90% من مجمل الكتلة المالية، وبالتالي باتت تهيمن على الاقتصاد الحقيقي وتوجه سياسات الدول وتفرض تشكيلاً عالمياً جديداً طابعه طفيلي ومافياوي.

وهذا التشكيل لا حل لأزماته لأنه بطبيعته ينتج الأزمات ويفاقمها، حيث إنه اقتصاد فقاعات. وكانت أميركا هي البلد الأكثر تأثراً في هذا التشكيل لأنها هي التي صنعته من خلال تمركز التراكم المالي في يد الطغم المالية الأميركية.

ولهذا تراجعت أميركا كبلد صناعي وزراعي، وبات المال هو صناعتها المفضلة. الأمر الذي وضعها في موقع المركز للأزمة، والمتأثر بها إلى حدّ العجز عن حلها. فقد حاولت إدارة بوش الأب حلها عبر فرض السيطرة على العالم من خلال الحرب على العراق.

وحاول بيل كلينتون الاستفادة من الهجوم العسكري الأميركي للحصول على امتيازات اقتصادية هائلة وبالقيام بعدد من الحروب. لكن بوش الابن قرر السيطرة العسكرية على العالم، فاحتل أفغانستان والعراق ونشر قواته في معظم مناطق الوطن العربي وآسيا وأفريقيا. لكن الأزمة تفجرت ولم يحلها كل ذلك، على العكس فقد ظهر أن “الحل التقليدي” بات يشكل عنصراً مراكماً للأزمة بدل أن يحلها.

الآن، ما يجب أن يكون واضحاً هو أن الأزمة باتت “تأكل” أميركا. وأنها لم تعد قادرة على حلها عبر السياسة التي كانت تقوم على أساس السيطرة الشاملة على العالم، خصوصاً وأن الاقتصاد الأميركي يسير نحو انفجار فقاعة جديدة، وبالتالي انهيار مالي جديد. وترابطه مع الاقتصاد الأوروبي جعله معرضاً لأزمة المديونية الأوروبية. وأن الانكماش المالي الذي يشمل العالم نتيجة تصاعد البطالة والفقر يؤدي بالضرورة إلى زيادة أزمة القطاعات المنتجة، ومن ثم انهيارها.

أميركا في وضع انهياري إذن، وإذا كانت تعمل على تجاوز هذا المصير خصوصاً منذ أن سعت للسيطرة على العالم فقد أظهر انفجار الأزمة أنها لم تعد قادرة على حلها عبر السيطرة، وأن وضعها العالمي المسيطر قد انتهى، بالتالي عليها أن تراجع كلية وضعها لكي تحافظ على أميركا.

نجح باراك أوباما بفعل الأزمة التي تفجرت قبيل الانتخابات بقليل، وحاول أن يستمر في السياسة الخارجية ذاتها على أمل تجاوز الأزمة من خلال السياسة الاقتصادية التي اتبعها، والتي قامت على زيادة الضرائب وإعانة الفئات الفقيرة صحياً.

لكن الأزمة استمرت حيث لم يتحسن وضع الاقتصاد وظل النمو هامشياً. بل إن احتمالات حدوث انهيار مالي ظلت ترفرف مربكة كل أمل بتجاوز أسوأ أزمة في تاريخ الرأسمالية.

لهذا شكلت سنة 2010 لحظة جديدة ومفصلية في وضع أميركا، لأنها اللحظة التي فرضت إعادة النظر في كل الإستراتيجية الأميركية. فظهر واضحاً أن أميركا تقرر “الانسحاب” من العالم، والتركيز على الحفاظ على وجودها. بمعنى أنها تخلت عن فكرة أن وجودها يعتمد على مدى سيطرتها وتحكمها في العالم، وأنها القوة التي يجب أن تظل مهيمنة على العالم، والقوة الأقوى التي تستطيع ردع كل المنافسين.

يجب أن نلحظ، بالتالي، أن أميركا قررت أن تخفض من طموحاتها، لأنها بالضبط توصلت إلى أن قدرتها الاقتصادية لم تعد تسمح لها بأن تكون القوة المسيطرة في العالم.

وأنها باتت تعاني من أخطار حقيقية تتهددها كدولة، وفي أساس ذلك الصين التي باتت تمتلك أكبر كمية من العملة الأميركية (3 تريليونات دولار)، ومن سندات الخزينة الأميركية (1.2 تريليون دولار)، والتي باتت سلعها تغزو أميركا كما تغزو العالم، والتي تملك طموح السيطرة، وتعمل على تطوير قدراتها العسكرية.

هذا الوضع فرض عليها إعادة تحديد الأولويات، وإعادة بناء السياسات، انطلاقاً من أنها في وضع ضعيف في عالم بدأ يعاني من أزمة عميقة، ومن تحولات تتجاوز “الستاتيك” الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة موازين القوى التي أفرزتها. لقد انتهى عالم القطبين (سنة 1991) وفشلت هي في تشكيل عالم أحادي القطب (2010). لكن هل يمكن لها أن تصبح قوة في عالم متعدد الأقطاب تسعى دول عديدة لفرضه؟

هذا أمر غير واضح إلى الآن، وأصلاً من غير الواضح أن عالماً متعدد الأقطاب يمكن أن يتشكل نتيجة الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية كنمط، ولا تعيشها أميركا فقط. فروسيا والصين اللتان تسعيان (بالتفاهم مع الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا) لتشكيل قطب بديل، تعيشان وضعاً لا يسمح بأن تحكما العالم كما كان في النمط الرأسمالي في العقود الماضية.

من هذا المنظور أعادت الإدارة الأميركية (والرئيس أوباما) صياغة الإستراتيجية العامة، وجسدتها في إستراتيجية عسكرية جديدة. لقد أعلن باراك أوباما إستراتيجية جديدة في خطاب “حال الأمة” في يناير/كانون الثاني 2012، انطلقت من نقل الأولوية من “الشرق الأوسط” إلى منطقة الباسيفيك.

وعلى ضوء ذلك حددت الإستراتيجية العسكرية الجديدة التي انطلقت من تخفيض عدد القوات بما في ذلك المارينز، وخفضت ميزانية الدفاع.

وأقرت بأن أميركا باتت غير قادرة على خوض حروب عديدة في الآن ذاته، بل إنها لا تستطيع سوى خوض حرب واحدة، متخلية عن إستراتيجية رامسفيلد الذي قرر بأن أميركا قادرة على خوض حربين كبيرتين وعدة حروب صغيرة في الآن ذاته.

ولأن الأولوية باتت لمنطقة الباسيفيك، فقد جرى نقل القطع البحرية من الخليج العربي إلى هناك. وأصبحت مهمة قواعد الطيران الموجودة هي استخدام الطائرات عند الضرورة فقط.

المعنى هو أن أميركا تنسحب من المنطقة، وأنها لا تزال تعمل على الحفاظ على منابع النفط، والحفاظ على بقايا وجودها دون مقدرة على التدخل العسكري.

وإذا كان ذلك لا يعني ترك المنطقة بسهولة فهو يعني أن قدراتها على التأثير باتت أضعف كثيراً، وأن فاعليتها للسيطرة وكسب المواقع قد انتهت. فقد غدت معنية بالدفاع عن أميركا ذاتها، وهي في وضع يتسم بانهيار داخلي كبير نتيجة الأزمة العميقة التي باتت تسيطر على اقتصادها. الأزمة التي لا حل لها.

أميركا لم تعد قوة مهيمنة، وهي لم تعد تعتبر أن “الشرق الأوسط” هو أولوية، لهذا ليس من الممكن أن تكون ناشطة من أجل تحقيق تصورات وإستراتيجيات كانت في وقت سابق تعمل من أجل تحقيقها.

أميركا الآن تساوم لكي تبقى قوة كغيرها. لقد انكسر جبروتها وباتت مهددة بالزوال، في وضع عالمي مأزوم، وقوى تستطيع منافستها فقط لأن أزمتها لم تتفجر بعد. وهذا هو وضع روسيا والصين.

كل ذلك يجب أن يجعلنا نتجاوز كل الأفكار المسبقة والسابقة، وأن نراقب بالملموس سياسة أميركا الإمبريالية المنهارة. فأميركا هي إمبراطورية في مرحلة الأفول، لكن معها يمكن أن يأفل كل النمط الرأسمالي.

المصدر: الجزيرة

وضع الثورة المصرية وإستراتيجية العمال والفلاحين الفقراء

(هذا تصور كتب في شهر شباط/ فبراير سنة 2012، وربما تحتاج التورات إلى تعديلات في الصياغة لكنه يتضمن فهماً لواقع الثورة وما هو ضروري لتطورها وانتصارها)

يبدو الوضع في مصر وكأنه لم يهدأ، وأن الانتفاضة لازالت مستمرة رغم التقطعات التي حدثت نتيجة أوهام اعتبار بأن المجلس العسكري بات يحمل همّ تحقيق أهدافها. فحركات الاحتجاج في ميدان التحرير تعود بقوة، رغم إجراء الانتخابات، وفي التوازي معها. وهي تستمر حتى بعد الانتخابات التي أفضت إلى سيطرة إسلامية على مجلسي الشعب والشورى. وهي لن تهدأ لأسباب كثيرة.
هذا يعود إلى طبيعة الثورة ذاتها. وإذا كان جرى تقزيمها إلى انتخابات، وتغيير شخوص من يحكم، وشكل الحكم الذي بات يشاع بأنه ديمقراطي، فإن الثورة لم تقم من أجل كل ذلك، رغم أهمية الدمقرطة وضرورتها، وضرورة تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، بل لا بد من ملاحظة مجمل مطالب كل الطبقات الشعبية التي عبّرت عنها خلال السنوات الخمس (على الأقل) السابقة للثورة، وهي مطالب تتعلق بوضعها المعيشي بالأساس، والتي كانت في أساس انخراطها في الثورة ومطالبتها بإسقاط النظام.

وربما كان السياقان هذين هما اللذين يتواجدان اليوم في الشارع. أو اللذين قسما الشارع والأحزاب السياسية. حيث أن كل الأحزاب السياسية المعارضة اعتبرت بأن الثورة انتهت، وأن الانتخابات قد أفرزت القوى التي تمثل الشارع، وما هو مطلوب الآن هو السكينة من أجل أن تحقق هذه الأحزاب مطالب الشعب. وهذا ما يعبّر عن قسم مهم من الذين خاضوا الثورة، واندفعوا للمشاركة في الانتخابات، واختاروا الإخوان المسلمين بالأساس.
مطالب الشعب.

لكن، في كل الأحوال لا يجب أن ننسى أن إسقاط النظام كان هو الشعار الموحد لكل مطالب الطبقات الشعبية، التي قامت الثورة على أكتافها. وهي المطالب التي خاضت كل طبقة أو فئة نضالاً خلال السنوات السابقة من أجل تحقيقها. وتتعلق بالأجور، حيث خيض صراع من أجل تحديد الحد الأدنى، وتحدد بـ 1200 جنيه حسب حكم قضائي سابق للثورة. كما تتعلق بالبطالة وإيجاد فرص عمل، او تتعلق بالتعليم والصحة. أو حتى بمطالب تخص مناطق بعينها نتيجة مشكلات بيئية أو تتعلق بالبنية التحتية، أو بإعادة أرض الفلاحين للملاك القدامى وطرد الفلاحين من الأرض. وهذه كلها مطالب اقتصادية طال النضال من أجلها آلاف الإضرابات والتحركات سابقاً.

كما تتعلق المطالب بتغيير طبيعة الدولة، التي ورغم “الحريات” التي كانت متوفرة (الصحافة والأحزاب) لم تظهر كدولة ديمقراطية، بل ظلت سلطة فردية تُحكم من قبل “الحزب الواحد” الذي كان يفوز بالانتخابات عبر التزوير. وبهذا أصبح مطلب الدمقرطة وتأسيس الدولة المدنية التي تقر بحريات حقيقية، هو مطلب قطاع مهم من النخب التي “إكتملت فرديتها” ربما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)، والنت عموماً، وأصبحت تعتقد بأن لها دور مجتمعي لا بد من أن تمارسه. وأن من حقها الاحتجاج والإضراب التظاهر من أجل مطالب محدَّدة.

إضافة إلى ذلك، كان يتوضح بأن مصر باتت ملحقة بالولايات المتحدة والدولة الصهيونية، وأن السلطة تخدم هذه وتلك أكثر مما تخدم مصر ذاتها.

هذه المسائل/ المطالب كانت في أساس كل حركات الاحتجاج التي حدثت بشكل متواتر منذ سنة 2000. لكنها كانت حركات كبيرة لا تحمل مبدأ التغيير(دعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ورفض الحرب على العراق)، أو محدَّدة في طبقة اجتماعية أو جزء منها (تحرك الفلاحين سنوات 2003 و2004، والتحركات العمالية منذ سنة 2007، ثم تحرك فئات اجتماعية متعددة بعدئذ)، أو من أجل رفض التمديد والتوريث (مع حركة كفاية التي تأسست نهاية سنة 2004).

لهذا حملت الثورة في 25 يناير سنة 2011 كل هذه المطالب، التي تلخصت في شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. وإذا كان هناك من يعتقد بأن الدمقرطة وتأسيس الدولة المدنية هما أساس الثورة، فإن شعار إسقاط النظام يعني حتماً، على ضوء مطالب الطبقات الشعبية (التي هي في جوهرها مطالب اقتصادية)، إسقاط النمط الاقتصادي كما إسقاط السلطة السياسية وشكل الدولة الذي رسّخته. مع ملاحظة أنه حتى الدمقرطة ليست ممكنة إلا انطلاقاً من تغيير النمط الاقتصادي، لأن الاقتصاد الريعي يؤسس لـ “دمقرطة” في مستوى تلك التي حققها نظام حسني مبارك. وبالتالي ليس من الممكن تأسيس دولة مدنية ديمقراطية دون تغيير النمط الاقتصادي ذاته، في إتجاه حل مشكلات الطبقات الشعبية المفقرة. خصوصاً بعد أن انتفضت هذه الطبقات ولم يعد ممكناً لها أن تستكين قبل تحقيق مطالبها الجوهرية، تلك التي تتعلق بمعيشتها.

وسنلمس بأن كل مطالبها لا تتحقق إلا بتغيير كلية النمط الاقتصادي الذي صاغته الطبقة الرأسمالية المسيطرة بالتبعية للطغم الإمبريالية. وبالتالي بسيطرة طبقات أخرى تحمل هدف تغيير النمط الاقتصادي بما يسمح في حل مشكلاتها الطبقات الشعبية. هنا تنفرض مسألة السيطرة الطبقية على الدولة من قبل هذه الطبقات، وليس من الأحزاب التي تمثل الرأسمالية ذاتها.

وهذا لم يتحقق بعد، حيث جاءت الانتخابات بأحزاب لا تمتلك برنامجاً اقتصادياً يحمل حلاً لمشكلات هذه الطبقات، بل ينطلق من تكريس النمط الاقتصادي الذي تشكل في ظل نظام حسني مبارك. وإذا كانت المسألة تتعلق بتحقيق مطالب الشعب، الاقتصادية أولاً، فإن الأحزاب المنتصرة لا تملك التوجه لتأسيس اقتصاد يتضمن حلاً لهذه المطالب. فالإخوان المسلمين ليبراليين في الاقتصاد إلى حدّ القداسة. ولقد صرّح مسئولون منهم بأنهم لم يختلفوا مع السياسة الاقتصادية لنظام حسني مبارك. وسوف يكررون الخطاب ذاته، و”يحلون” مشكلات الشعب بالطريقة ذاتها. حيث الاعتماد على الرأسمال الخاص والاستثمار الأجنبي، والتوظيف في التجارة والخدمات والسياحة والعقار والاستيراد والبنوك. وأصلاً كل نشاط رأسمالييهم يقوم على ذلك. ولهذا سوف يكرسون النمط الريعي القائم، وتصبح المسألة هي مسألة تهميش فئات مافياوية لمصلحة أخرى.

“انتصار الثورة”، أو وهم انتصار الثورة

لحظة تنحية حسني مبارك أحس الشعب المنتفض بأنه انتصر وأسقط النظام. ولقد انبنت هذه اللحظة على مخزون من الإيجابية تجاه الجيش، ومن الدور الذي لعبه هذا الجيش منذ اليوم الثالث للثورة حين بدا أنه يحمي الشعب المنتفض. ورغم خطوات قليلة كان يبدو فيها أنه “يضيق” على الانتفاضة في ميدان التحرير وأماكن أخرى، فقد ظل يبدو “حامياً للثورة”، ومدافعاً عنها. وجاء دوره في “تنحي” أو تنحية حسني مبارك لكي يكمل هذه الصورة، ويكرّس بأنه حسم الأمر وسوف يحقق مطالب الشعب.

ورغم عدم انفضاض الشعب، واستمرار فاعليته في الشارع، إلا أنه عمل انطلاقاً من مبدأ الضغط على المجلس العسكري الذي استلم السلطة من أجل تسريع التغيير، أو من أجل رفض بعض ممارساته، انطلاقاً من دور “تصحيحي” لهذه الممارسات. وهنا خصوصاً حول ما هو مطلوب، أو حول الأولويات، حيث ظل ميدان التحرير يشهد اعتصامات متكررة. وربما كانت بداية ابريل هي اللحظة التي بدأت تشعر بأن المجلس العسكري هو في وادٍ آخر، حيث عمد إلى استخدام العنف ضد المعتصمين. ورغم ذلك، لا يمكن القول بأن كل المحتجين قد توصلوا إلى نتيجة بأن هذا المجلس ينفذ أجندة أخرى. لقد اكتشف البعض ذلك حينها، لكن سياسات المجلس التالية كانت توصل قطاعات جديدة من المحتجين إلى النتيجة ذاتها: المجلس العسكري يمتلك أجندة أخرى. في يوليو توسع الشك فيهن وفي نوفمبر شمل الشك قطاعات أكبر. لكن ظل جزء مهم من الشعب يتمسك بالمسار الذي رسمه المجلس.

فقد انطلق المجلس من ضرورة “تسليم السلطة بأسرع وقت إلى سلطة مدنية منتخبة”، لهذا قرر تعديل الدستور بدل صياغة دستور جديد، ودفع إلى استفتاء على التعديل المقترح (الذي لم يكن أكثر مما طرحه حسني مبارك في خطابه الأول بعد الثورة)، قاد إلى تشنج مجتمعي نتيجة الوجهة التي دُفع إليها الصراع، حيث بدت و:انها معركة من أجل الدين. سرعان ما تجاهل نتائج الاستفتاء وأصدر إعلان بمبادئ دستورية تنظم العمل إلى حين الاستفتاء على دستور جديد. ثم اصدر قانوناً للأحزاب أسوأ مما كان في زمن حسني مبارك، وقانون يجرّم “الاحتجاجات الفئوية” لم يكن حسني مبارك قادراً على إصداره. ومن ثم أجرى الانتخابات لمجلسي الشعب والشوري.

كان واضحاً بأن هذا المسار سوف يعطي الأغلبية للإسلاميين في المجلسين. لقد طالب الإخوان المسلمين قبيل الثورة ببعض الإصلاحات التي لا تمسّ بنية السلطة، ولا تزيح حسني مبارك. ورغم مشاركة شباب منهم فقد رفضوا المشاركة في “إضراب 25 يناير”، وشاركوا فقط بعد 28 يناير حينما توضّحت وجهة الصراع. وسرعان ما قبلوا المساومة حين دعاهم “نائب الرئيس” عمر سليمان. لكنهم ظهروا كحلفاء للمجلس العسكري من اللحظة الأولى. وباتوا يتصرفون وكأنهم هم السلطة. أما السلفيين فقد كانوا ضد “التمرد على الحاكم”. وكان كل تكتيك المجلس العسكري يصبّ في مصلحة هؤلاء، حيث انعقد تحالف (برعاية أميركية). ولقد لعبت كل أجهزة السلطة (الإعلام والبيروقراطية والأجهزة الأمنية) وكل أساليبها (الضغط وربما التزوير) في مصلحة نجاح كبير لهما.

لكن ما جعل هذه النتيجة ممكنة هو ان قطاع كبير من الشعب، الذي لم يشارك جدياً في الثورة رغم موقفه المؤيد لها، أو الذي كان ليس مع الثورة، أو حتى قطاع ممن كان مشاركاً في الثورة، انطلق من المراهنة على أن وصول الإسلاميين إلى السلطة يمكن أن يحمل حلولاً للمشكلات التي يعيشونها، وبالتالي يمكن لنجاح هؤلاء أن يقود إلى تحقيق مطالبهم. وكان واضحاً بأن المراهنة تنصبّ على الإخوان المسلمين (الذين شكلوا حزب الحرية والعدالة) تحديداً، كونهم كانوا في المعارضة، ويرفضون الفساد، ويقدمون خدمات لقطاعات مجتمعية.

وبالتالي أصبحت كتل مجتمعية ترى بأن تحقيق مطالبها سوف يتحقق من خلال حكم الإسلاميين. وهذا ما قسم “قوى الثورة” بين مراهنٍ على “المسار الديمقراطي”، وعلى الإسلاميين خصوصاً، وآخر يرى بأن الثورة تسرق، وأنه يجب الاستمرار بها. هنا أصبح يتشكل “تناقض” بين كتلتين مجتمعيتين، واحدة ترى بأنه يجب إعطاء فرصة للإسلاميين، وبالتالي لا بد من “قليل من الهدوء”. وأخرى تعتقد بأن الثورة قد سرقت ويجب استردادها من أجل تحقيق مطالب الشعب. وبالتالي لا بد من الاستمرار بالثورة. لقد أصبح، بالتالي، شعار: الثورة مستمرة، هو الشعار الذي يحكم هذه الكتل. وباتت في مواجهة مزدوجة، مع المجلس العسكري ومع الإسلاميين معاً. لكنها باتت في موقع انتقادي، وربما في مواجهة، مع كتل مجتمعية أخرى ترى بأنها تُفشل التغيير بتهورها.

وضع الثورة

لقد ترسخت هيئات “شرعية” عبر الانتخاب، على الأقل لدى هذه الكتل المجتمعية التي تدعم هذا المسار (وهي كتل كبيرة)، لكن شرعية الميدان لازالت قائمة. بالتالي نحن إزاء تنازع شرعيتين. لكننا أصلاً إزاء انقسام الطبقات الشعبية ذاتها بين داعم للمسار “الديمقراطي” كمدخل لتحقيق مطالبه، وبين الثوريين الذين لا يرون في هذا المسار طريقاً لتحقيق مطالب الشعب.

الثوريون أعادوا طرح تشكيل مجلس رئاسي مدني كبديل عن المجلس العسكري، لكن من الواضح بأن ما يتحكم بهم هو تصفية نظام حسني مبارك، دون أن يكون واضحاً الكيفية التي يمكن أن تتحقق مطالب الشعب عبرها. حيث يشدّ بعضهم الميل لتحقيق الدولة المدنية فقط، ويحلم بعضهم بـ “العدالة الاجتماعية”، ويرفض آخرون حكم الإسلاميين، أو حكم العسكر الذي يظنون أنهم باقون في السلطة، وهو الأمر الذي جعل شعارهم هو: يسقط حكم العسكر. أي لازالوا “عنصر سلب” ولم يتحوّلوا إلى عنصر تغيير عبر بلورة بديل يعبّر عن مطالب الشعب ويحققها.

وفي هذا السياق يندفعون في الصراع نحو الحسم، دون تلمس وضع الطبقات، وممكنات ثورة جديدة. إنهم يعتقدون بأن إرادتهم التي اسقطت حسني مبارك قادرة على إسقاط المجلس العسكري والإخوان والسلفيين، دون لحظ انقسام “الشارع”، وميل كتلة مجتمعية مهمة للمراهنة على نجاح الإسلاميين. لقد وقعوا في الإرادوية هنا. وظلوا يعملون في عفوية كاملة رغم كل الزمن الذي مرّ. لهذا لازالوا يطرحون ما هو “سلبي”، أي المطالبة بالسلب من خلال إسقاط الجديد. بمعنى أنهم لازالوا يفتقدون للبديل، سواء كبرنامج أو كبديل سياسي (حزب)، أو بديل طبقي (الدعوة لاستلام الطبقات الشعبية للسلطة).

بينما ينتظر الذين شاركوا في العملية الانتخابية الحلول من قبل الإسلاميين الذين باتوا يسيطرون على مجلسي الشعب والشورى. وهؤلاء يتوجسون من “ثورية” الذين لازالوا يقاتلون في الشوارع. وربما يجري الاعتقاد بأنهم يؤخرون الحلول.

في المستوى السياسي انتصرت الأحزاب الليبرالية (بشقيها الإسلامي والمدني)، وتشكلت سلطة ليست في وارد تغيير النمط الاقتصادي، على العكس باتت تتمسك به. لهذا سوف يحدث التفارق بينها (خصوصاً الإسلاميين) وبين الفئات التي انتخبتها، لأن هذه الفئات تريد حلاً، وسريعاً، لوضعها المعيشي خصوصاً. وستلمس المماطلة والتأخير والتجاهل من قبل حزب الحرية والعدالة الذي راهنت عليه حين انتخبته، الأمر الذي يجعلها تبدأ في التحوّل عن دعمه، وبالتالي ستميل إلى التمرد من جديد. وصيرورة التحوّل هذه لن تكون بعيدة، بل ستكون أقرب مما يمكن أن يجري التوقع، لأن هذه الفئات تنتظر حلولاً سريعة بفعل وضعها المؤسي الذي لا يسمح بانتظار طويل. وهي لن تنتظر انتخابات أخرى، لأنها جرّبت الانتخابات ولم تأتِ بما يحقق مطالبها.

وهو الأمر الذي يؤسس لاستعادة الوضع الثوري الذي يمكن أن يؤدي إلى ثورة جديدة. لكن لا بد من أن تكون هذه المرة غير عفوية، وبالتالي تنحكم لإستراتيجية واضحة. تنطلق من كيفية التعامل مع الوضع الآن، لتصل إلى الاستيلاء على السلطة.

حول التكتيك الآن

في هذا الوضع ما هو التكتيك الضروري؟
أولاً لا يجوز تجاهل بأن هناك شرعيتان الآن. الشرعية التي تطالب بالاستمرار بالثورة إلى حين تحقيق مطالب الشعب، انطلاقاً من أن كل ما تحقق لم يحققها، وأنه لا المجلس العسكري ولا الإسلاميين أمناء على تحقيقها. وهي الشرعية التي بات يمثلها ميدان التحرير، والتي تعبّر عن ذاتها في تحركات مستمرة، تهدأ أو تصعد انطلاقاً من “حماوة” الوضع السياسي. لكنها أيضاً تتسم بالتجريبية، وعدم وضوح المطالب الآنية ودون إستراتيجية واضحة. بمعنى أنها لازالت تخضع لعفوية الثورة ذاتها، دون تقدم مهم. ولازال الشباب غير المسيس أو المسيس قليلاً هو العنصر الأساس فيها.

والشرعية الأخرى هي الشرعية التي نتجت عن الانتخابات، بغض النظر عن كل الملاحظات التي يمكن أن تقال في طبيعة الانتخابات، والاستعجال في إجرائها والقوانين التي حكمت العمل السياسي قبلها، وأيضاً تحيزات سلطة المجلس العسكري. فقد شارك أكثر من نصف الذين يحق لهم التصويت (رغم ما شابها من تزوير أو تضخيم لعدد المشاركين)، وإذا لم يكن كل هؤلاء هم جزء من الثورة، حيث انتخب كثير ممن لم يشارك (وربما نقول بأن المشاركة الأساسية كانت للوسطيين)، فإن جزء منهم كان مشاركاً فيها. وأن الثورة تهدف إلى تحقيق مطالب معظمهم.

بالتالي إذا كان المجلس العسكري قد أخذ شرعيته من “دعمه” للثورة، وهي الشرعية التي تقلصت فيما بعد على ضوء سياساته، وانكشاف أهدافه، فإن شرعية البرلمان أتت من مشاركة قطاع مهم من الشعب في الانتخابات. لهذا لا يجب تجاهلها، على العكس يجب الانطلاق من فهم ذلك ونحن نسعى لتجاوزها. والمسألة هنا تتعلق بانقسام “الشارع” بين الشرعيتين، وبالتالي اقتناع جزء منه بأن البرلمان أصبح هو الذي سيحقق مطالب الشعب ما دام أتى بحزب الحرية والعدالة الذي هو أصلاً من المعارضة، ويُظنّ بأنه قادر على حل المشكلات الاقتصادية كونه لم يظهر كجزء من الليبرالية المسيطرة، حيث يطرح حلاً “إسلامياً” يجري الاعتقاد بأنه ليس ليبرالياً، رغم أنه ليبرالي.

وإذا كان التحليل المنطقي يوضّح بأن هذا الحزب لا يمتلك الأسس التي تجعله قادراً على حل المشكلات المجتمعية، على العكس فإن سياسته تكرّس اللبرلة لأنه ينطلق من المبدأ البسيط القائل بقدسية الملكية الخاصة، وأن الشكل الاقتصادي الأساس في رؤيته هو التجارة. وهذا هو أساس الليبرالية المتوحشة التي تفرضها الطغم الإمبريالية. إذا كان التحليل المنطقي يوضّح ذلك فإن تصريحات قيادييه قبل وبعد الانتخابات تشير إلى أن الإخوان المسلمين لم يختلفوا مع حسني مبارك في سياسته الاقتصادية، الأمر الذي يعني بأنه لن يتحقق تغيير في طبيعة النمط الاقتصادي كنمط ريعي. مما يعني بأن كل مراهنة على حل اقتصادي من قبل الحزب الحاكم الجديد سوف تتلاشى مع مرور الوقت، سواء الآن أو بعد حين. لهذا سوف يتحوّل التأييد والدعم إلى رفض وتمرّد. وبالتالي سوف تعود الكتل الأساسية التي “انشقت” إلى الميدان من جديد من أجل الثورة.

لكن، ليس الانتظار هو المطلوب، بل يجب أن يتحدد التكتيك الذي يسرّع في عملية “الكشف”، أي كشف زيف ما يطرح هذا الحزب، وكل الأحزاب الليبرالية التي شكلت قوام مجلسي الشعب والشورى. إن الانطلاق من رفض ما نتج عن الانتخابات بشكل صريح ومباشر سوف يفضي إلى الاصطدام بتلك الكتل الشعبية التي لا بد من إعادتها إلى مسار الثورة. كما أن التركيز على إسقاط المجلس العسكري في وضع يراهن جزء من الشعب على كل العملية الديمقراطية سوف يبعد المنخرطين في المسار الديمقراطي، ويوسّع الشقة بين كتلتي الشعب. وأصلاً يجب تجاوز مبدأ الإسقاط نحو تقديم البديل السياسي الاقتصادي والطبقي.

لهذا ليس من بدّ في تسريع كشف سياسة الأحزاب الليبرالية المسيطرة تلك. ويتحقق ذلك من خلال طرح المطالب التي أصبح من الضروري أن يقررها البرلمان، ودفع مؤيدي الشرعية البرلمانية نحو الصراع مع البرلمان وأحزابه. فما دام البرلمان أصبح ذو قرار فيجب أن يقرر. والقرارات الواجبة تتعلق بعدد من المسائل الماسّة بوجود الطبقات الشعبية، والمحدِّدة لمصيرها. والتي يمكن تكرارها هنا كالتالي:

** الحد الأدنى للأجور (والتي تحددت بـ 1200 جنيه).
** إيجاد فرص عمل، وتوفير بدل بطالة يساوي نصف الحد الأدنى للأجور.
** العودة للتعليم المجاني، وفرض تحسين الدراسة، وتحقيق استقلالية الجامعة.
** تحقيق الضمان الصحي لكل فرد، ومراقبة مشافي الدولة.
** إصدار قوانين تتعلق بمحاكمة رجالات النظام السابق، تنطلق من الشرعية التي فرضتها الثورة.
** إعادة بناء العقيدة الأمنية والعسكرية، وإعادة تأهيل الشرطة والأمن على ضوء ذلك، لكي يكونوا في صف الشعب.

هذه مطالب أصبح من صلاحيات مجلس الشعب التقرير فيها، وبالتالي يجب أن يقرر. وأظن بأن كل الحراك في الميدان وفي المدن الأخرى يجب أن يتركز على ذلك، بعد أن أصبح مستحيلاً فرض مجلس رئاسي مدني (ولقد بات هذا المطلب من الماضي لأنه جرى التخلي عنه في اللحظة التي كان من الضروري التمسك به)، ومستحيل إسقاط المجلس العسكري وهو يتحضّر للمغادرة بعد فترة وجيزة. وأيضاً لم يتبلور بديل واضح يستحق الثورة من أجله. فالمهمة الآن هي كشف زيف أقوال الأحزاب المنتصرة، وتحقيق القطع بينها وبين الفئات الشعبية التي انتخبتها وراهنت على أن تحقق لها مطالبها.

الشغل يجب أن ينصبّ على إصدار قوانين من مجلس الشعب تتعلق بالحد الأدنى للأجور، ولمحاربة الفساد ومحاكمة “العهد البائد”، ومن أجل هيكلة الأمن والشرطة على ضوء عقيدة تنطلق من خدمتهم للشعب. لا يجوز تجاهل مجلس الشعب الذي هو شرعية قائمة، لكن يجب أن يُطلب منه ما يخدم الطبقات الشعبية، لكي يتكشف تناقضه مع هذه الطبقات. لكن أيضاً دون أن يصبح مجال مراهنة، بل أن يكون واضحاً بأن الشغل هنا من أجل كشف طبيعة المجلس، وانحياز الأحزاب التي سيطرت عليه.

وهذا يفرض تكتيكاً مختلفاً للحراك المستمر، فليس المطلوب التصعيد إلى الحد الأقصى (مثل المطالبة بإسقاط المجلس العسكري، أو حتى الإخوان) بل المطلوب الحشد من أجل فرض المطالب، والعمل على تحشيد الفئات التي تراهن على المجلس ذاته.

فإذا لم يظهر إلى الآن تنازع بين الشرعيتين، الشعبية والبرلمانية، فمن الضروري الشغل على تحقيق التنازع من أجل تكريس شرعية الميدان، وتحويلها إلى بديل عن كل شرعية اخرى. وهذا ليس ممكناً إلا من خلال كسب الفئات التي تراهن على المسار الديمقراطي، وعلى أن يحقق حزب الحرية والعدالة، او البرلمان عموماً، مطالبها.
في الوقت ذاته لا بد من “طرح فكرة” تشكيل مجالس مجتمعية، والدفع لبناء نقايات واتحادات تمثّل العمال والفلاحين الفقراء. كل ذلك في سياق السعي لاعطاء شرعية الميدان شكلها العملي، الذي يتمظهر في كل أشكال تنظّم الشعب. فالميدان هو لحظة احتجاج، لكن لا بد من أن تتهيكل في مجالس شعبية ونقابات عمالية ومهنية، واتحادات تمثّل فئات نوعية (المرأة، الطلاب، المعطلين، …). ولا بد من زرع ثقافة العمل الجمعي في إطار العمل والمهن، لكي يكون ممكناً أن تتشكل في لحظة معينة سلطة بديلة من الشعب.

هذا هو جوهر التكتيك الضروري الآن.

حول الإستراتيجية

وإذا كانت الثورة التي حدثت في 25 يناير سنة 2011 عفوية، رغم كل التخطيط الذي قامت به الحركات الشبابية، كيف يمكن أن تكون الثورة الجديدة غير ذلك، بحيث تنطلق من رؤية واضحة، ويكون الهدف الجوهري فيها هو الاستيلاء على السلطة من قبل العمال والفلاحين الفقراء، وعموم الطبقات الشعبية؟

المسألة التي يجب أن تكون واضحة في هذا المجال هي أن حل المشكلات المجتمعية، وخصوصاً مشكلات الطبقات المفقرة، وبالتحديد العمال والفلاحين الفقراء، لن تتحقق إلا بتغيير النمط الاقتصادي الريعي، وتكوين اقتصاد منتج، من خلال بناء قوى الإنتاج الصناعية وتطوير الزراعة (أو إعادة تأهيلها بعد أن جرى تدميرها)، وإعادة تأهيل البنية التحتية. فهذا هو ما يسمح بحل مشكلات البطالة وتدني الأجور، وتوفير ظروف معيشية لائقة. وهي المسائل الأساس في ثورة الشعب المفقر، الذي يشكّل أغلبية المجتمع. وليست الرأسمالية هي من يمكن أن يحقق كل ذلك، فالنمط الريعي القائم هو من فعلها عبر ترابطها مع الطغم المالية الإمبريالية التي باتت معنية ليس فقط بمنع نشوء الصناعة كما كان الأمر منذ انتصار الرأسمالية، بل كذلك بتدمير الزراعة لكي تصدّر الفائض الذي أصبح ممكناً في بلدانها، ومن ثم التركيز على تشكل اقتصاد خدمات وسياحة وعقارات ونشاط بنوك، واستيراد. ولقد باتت كل رأسمالية محلية “منضبطة” في هذا الوضع، لأنه يدرّ الربح دون أن تكون في صدام مع الطغم الإمبريالية. ولهذا فهي من أشرف على تحويل الاقتصاد بتصفية الصناعة وتدمير الزراعة، والتحوّل إلى اقتصاد النهب والفساد، وتشكيل الاقتصاد الريعي.

بالتالي، إن الرأسمالية كطبقة هي جزء من التكوين القائم، حيث أصبح هذا التكوين هو ما يخدم مصالحها. ولن تفكّر في صيغة أخرى. الأمر الذي يجعل حل المشكلات المجتمعية ينطلق من إسقاطها. هنا يكون شعار إسقاط النظام ذو معنى محدَّد يتمثل في إسقاط الرأسمالية المسيطرة/ الحاكمة.

ثم أن الفئات الوسطى، التي حملت في خمسينات القرن العشرين مشروع التغيير وإسقاط الرأسمالية الكومبرادورية، لم تعد تحمل مشروعاً غير المشروع الليبرالي. لقد كان فقراء الريف من الطبقة الوسطى ومتوسطيه هم من حمل مشروع تصفية الإقطاع وإنهاء الرأسمالية التجارية المتداخلة معه، في سياق حل مشكلات الفلاحين والمجتمع عموماً، تحت شعار تحقيق الاشتراكيةن لأنه لم يكن ممكناً مواجهة الإقطاع المتداخل مع الرأسمالية والمدعّم من قبل الرأسمالية الإمبريالية إلا بمشروع يبدو أنه يتجاوز الرأسمالية، رغم أنه في الجوهر كان مشروعاً رأسمالياً. أما الآن، فإن الفئات الوسطى النشطة تميل إلى تبني الليبرالية والحريات السياسية، وهذه لا تحل مشكلات الطبقات المفقرة، لأنها لا تمس (سوى شكلياً ربما) جوهر النمط الاقتصادي الريعي القائم، وتؤسس على منطلقاته (الاستثمار من خلال الرأسمال الأحنبي، وتحرير الاقتصاد). بالتالي لن يكون ممكناً لها أن تحل المشكلات المجتمعية. ربما تميل أكثر لتأسيس دولة مدنية حديثة، لكن لا إمكانية لتحققها في ظل سيطرة اقتصاد ريعي يؤسس لبطالة عالية وفقر شديد.

وسنلاحظ بأن هذه تتمظهر في القيادات الشبابية التي لعبت وتلعب دوراً فاعلاً في الثورة. ولهذا نجدها تطرح بديلاً يقوم على دور فئات ليبرالية ديمقراطية، وتركّز على شكل الدولة أكثر مما تتناول اقتصادها. أو تطرح صيغة اقتصادية “معممة” (أو عمومية)ن هي صيغة العدالة الاجتماعية.

الآن، إن الأحزاب التي أصبحت هي المسيطرة في البرلمان هي كلها ليبرالية أو تدور في الفلك الليبرالي، وليس من حزب منها يحمل تصوراً آخر. فحزب الحرية والعدالة الإسلامي هو حزب ليبرالي في جوهر رؤيته، وإن كان يغلّفها بالصبغة الإسلامية مستنداً إلى المرجعية الدينية. وحزب الوفد ليبرالي وكان حزب كبار الملاك. وحزب نجيب سويرس كذلك هو حزب ليبرالي. الحزب الوحيد الذي يشكّل خليطاً هو حزب النور السلفي، الذي يضم في قاعدته فئات مفقرة. لكنه ينطلق من “تطبيق الشريعة”، التي تكرّس الاقتصاد الليبرالي (بمعنى القائم على الحرية المطلقة للملكية الخاصة، وحق الإثراء). ولهذا لا تمتلك هذه الأحزاب حلاً للمشكلة الأساس، التي تتعلق بالنمط الاقتصادي. وهو الأمر الذي سوف يكون في أساس تحوّل الصراع إلى صراع معها.

وكما أشرنا لا بد من أن يكون واضحاً بأن تحقيق نقلة في الاقتصاد تقوم على تصفية الاقتصاد الريعي لمصلحة اقتصاد منتج، يعني التناقض مع الطغم المالية الإمبريالية، ومع كلية النمط الرأسمالي العالمي. وهو ما يجعل كل محاولة لبناء صناعة أو تطوير الزراعة والتعليم هي محاولة لتجاوز الرأسمالية ذاتها.

في هذا الوضع سيكون على الطبقات المفقرة أن تحقق هي التغيير من أجل تحقيق مصالحها، فليس غيرها من سيفعل ذلك. لكنها في هذا السياق يجب أن تحل كل المشكلات المجتمعية، بما في ذلك بناء دولة ديمقراطية علمانية. وستكون كذلك في صدام واضح مع الطغم الإمبريالية، الطغم التي لا تريد حلولاً لهؤلاء انطلاقاً من تكريس نمط الاقتصاد الريعي.

هذا الأمر يجعلنا نتلمس بأن خيار التطور هو خيار جذري في جوهره، حيث يفرض أن يتقدم العمال والفلاحون الفقراء للاستيلاء على السلطة.

الآن، في ظل الثورات وغياب بلور العمال والفلاحون الفقراء وعدم وجود الحزب الذي يعبّر عنهم، يمكن تلمس حلول ربما تكون أقرب إلى ما يطرحه الشباب قادة الثورة، أي التركيز على تحالف يحقق الدولة المدنية الديمقراطية ويحقق العدالة الاجتماعية. وربما يكون هذا هو الشعار التكتيكي الآن. لكن مع تلمس بأن إمكانية تحقيقه ليست قائمة، لكنه مهم في مواجهة الأحزاب الليبرالية المتحالفة مع المجلس العسكري، والتي تعمل على إعادة إنتاج النظام القديم ذاته. لكن يجب أن يكون واضحاً بأنه يجب العمل على أن يمسك العمال والفلاحون في مسار الثورة من أجل تحقيق سلطتهم، التي سيكون من مهماتها حل كل المشكلات المجتمعية، سواء البطالة أو تدني الأجور أو انهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، أو إعادة بناء الدولة من خلال إعادة تأهيل كل أجهزتها الذي ربما يفترض حلها أو حل بعضها. وهذا مما يُطرح من قبل الشباب المستمر في الثورة، سواء في مواجهة جهاز الأمن أو الشرطة، أو حتى الجيش. لكن أيضاً بيروقراطية الدولة، وفك علاقة الدولة بالنقابات والهيئات التي تمثل الطبقات والفئات الاجتماعية.

كل ذلك في أفق تحقيق الاشتراكية، وليس هو تحقيق الاشتراكية. فهذه تفترض بناء القوى المنتجة من جهة، وإعادة تكوين الوعي المجتمعي من جهة أخرى، وإعادة بناء الدولة من جهة ثالثة.

إذن، يجب أن يكون واضحاً بأن الهدف الإستراتيجي يتمثل في استيلاء العمال والفلاحين الفقراء (ربما بالتحالف مع الفئات الوسطى المفقرة) على السلطة. هذا هو ما يجب أن يصبح أساس النشاط الثوري، وهدف كل فعل الآن. وبالتالي أن المطلوب الآن هو تطوير الثورة، عبر الاستمرار في الحراك القائم، والعمل على إعادة توحيد الطبقات الشعبية من أجل ثورة جديدة. هنا يجب أن يتركز النشاط في تطوير الصراع الطبقي، وفي تحديد التكتيكات الضرورية من أجل تطوره، والتمسك بالشعارات الصحيحة التي تسمح بإعادة استقطاب الفئات التي تراهن على المسار الديمقراطي (أو بالتحديد على أن يحل حزب الحرية والعدالة المشكلات القائمة).

بالتالي سيكون السؤال هو: ما هي السياسة التي تقود إلى تحقيق ذلك؟

انفجرت الثورة والعمال في أدنى مستويات التنظيم نتيجة السياسة التي فرضت عليهم اتحاد سلطوي. ولم تفلح محاولات تأسيس نقابات تمثلهم (إلا في فترة متأخرة تمثلت في نشوء نقابة لموظفي المصالح العقارية). والفلاحون كانوا في وضع أسوأ، دون اتحادات رغم محاولات بُذلت. لهذا ظل نشاط الفلاحين منعزلاً، كذلك ظلت الإضرابات العمالية معزولة. ولقد كان دخول العمال الصراع هو الذي فرض التحوّل في وضع الثورة وفرض ترحيل حسني مبارك، خشية امتداد الأمر إلى الريف الذي كان دخوله يعني الانحياز الحقيقي للجيش إلى جانب الثورة وفلتان الأمر من يد الدولة. لكن غياب القوى التي تنشط من أجل تحريك العمال والفلاحين هو الذي أخّر الرحيل من جهة، ولم يسمح بتحقيق أكثر من ذلك من جهة أخرى.

وهذا يوضّح إشكالية غياب الفعل الواعي في الثورة، وغياب الاستراتيجية التي تفرض توسّع الثورة وانتصارها.
لكن الأمر الآخر السيئ هنا هو أن الأحزاب التي تدعي أنها تمثل العمال، أي الأحزاب الشيوعية والاشتراكية (الماركسية)، هي أحزاب هامشية. بمعنى أن وجودها ضعيف، وتواجدها بين العمال محدود. وهي مفتتة، متناقضة كذلك. يغلب عليها طابع الفئات الوسطى، لهذا إنجرف معظمها في سياق “النضال الديمقراطي”، وطرح برنامجاً هو أقرب إلى الإصلاحية. لهذا كان ملحقاً في حراك الشباب خلال الثورة، دون فعل مميز، هو من طبيعة وجود الحزب. فقد خضع لتكتيك الشباب الذي انطلق من ضرورة الاعتصام إلى أن يسقط النظام، مقلداً تجارب بعض بلدان أوروبا الشرقية، في وضع يحتاج إلى أكثر من ذلك، أي إلى الزحف على مراكز السلطة للسيطرة عليها. ولهذا ضاع بين الجموع الهائلة، دون أن يلمس حاجة إلى تحريك العمال أو الفلاحين، ولا فهم ضرورة هذا التحريك أصلاً، من أجل انتصار الثورة.

المطلوب الآن هو أن يتبلور العمال والفلاحون الفقراء في طبقة، فهو الأمر الذي يحوّلهم من كم إلى نوع. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الفعل السياسي، أي من خلال انتظامهم في حزب. وهنا يجب أن ينبع الحزب من صلب الطبقة، لكن من خلال فئات تمتلك وعياً تستطيع أن تعممه عليها، من أجل أن يصبح وعيها هي بالذات. ولكي يكون ممكناً ذلك يجب أن يمس وضعها ومطالبها، ويعبّر عن مصالحها.

نحن هنا إزاء خطوتان، الأولى تتمثل في الفئة التي تمتلك الوعي الماركسي وتؤسس لفهم الواقع لكي تضع الرؤية التي تمثل إستراتيجية التغيير، وتؤسس الخطاب الذي يطابق مصالح العمال والفلاحين الفقراء. والثانية تتمثل في أن يرتبط ذلك في العمل الفعلي في الطبقة من أجل تنظيمها، وتطوير صراعها.

لهذا سنجد بأننا إزاء عمل مركب. حيث يجب تشكيل “نواة ماركسية”، وفي الترابط مع الطبقة وفي ظل صراعها القائم بالفعل، وفي إطار الصراع مع الفئات الأخرى التي باتت هي السلطة من أجل كسب كل المفقرين الذي يراهنون على المسار الديمقراطي. وأيضاً في سياق تبلور البديل الطبقي الذي يسعى للاستيلاء على السلطة.
وما يجعل الوضع كذلك هو غياب الحزب الذي يمتلك الرؤية ويسعى لأن يكون البديل، وفي ترابط مع العمال والفلاحين الفقراء. والقطيعة التي باتت قائمة بين الشباب الجديد الذي يخوض الصراع، والذي يحمل مطالب الطبقات المفقرة، ويميل إلى اليسار، من جهة، وبين أحزاب اليسار القائمة عموماً من جهة أخرى، وأيضاً عجز هذه الأحزاب عن أن تتلمس الوضع الجديد وأن تتكيف مع متطلباته من جهة ثالثة. الأمر الذي فرض أن يجري العمل في كل هذه المستويات في الوقت ذاته. خصوصاً وأن بلورة العمال والفلاحين الفقراء في حزب هو ضرورة من أجل أن تنتهي الثورة بانتصار هؤلاء، الذين ليس من خيار غير خيارهم يستطيع أن يوصل الثورة إلى نهايتها المنتصرة.
كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟

هذا سؤال جوهري، لأنه يرتبط بتطوير الوعي لدى فئات شابة، وفي الوقت ذاته بلورة الأفكار الضرورية لفهم الواقع وتطور الثورة، وأيضاً بلورة الخبرة عبر الممارسة العملية التي تتحقق في الصراع القائم، وإغناء التجربة، وبناء الكادر. ولا شك في أن الثورة مدرسة، وربما أهم مدرسة تسهم في تطور سريع في الوعي، وفي تراكم الفهم، واكتساب الخبرة. وكذلك في وعي الماركسية فعلياً، ووعي الواقع كما هو بعيداً عن كل “المسقطات” التي تأتي من “أيديولوجيات” تبلورت في ظروف أخرى. وهنا يمكن تحقيق تراكم سريع في الوعي والخبرة، وبناء التنظيم، وتطوير وعي العمال والفلاحين الفقراء، وبالتالي تشكيلهم كقوة قائدة لفعل التغيير الثوري.

الماركسية يجب أن تمدنا، فقط، بآليات الفهم، التي هي منهجيتها: الجدل المادي، أكثر من الإتكاء على أفكار باتت من الماضي، أو تكرار سياسات مورست في زمن سابق. ويجب البحث في الواقع عبرها لبلورة ما يطابق وضع العمال والفلاحين الفقراء الآن، ويؤسس على ضوء الوضع العالمي القائم الآن.

هنا لا بد من أن يلتصق بناء الوعي بالممارسة. وأن يترابط تبلور الرؤية بنشاط الطبقات تلك. وأن يتأسس كل النشاط انطلاقاً من التحضير لثورة جديدة تهدف إلى الاستيلاء على السلطة.

نقد تكتيكات اليسار

نحن هنا إزاء سياسة تقوم على تطوير الصراع الطبقي من أجل الوصول إلى السلطة. لكن ما يبدو مطروحاً لدى معظم قطاعات اليسار تتمثل في التكيف مع التكوين الجديد للسلطة، انطلاقاً من أن الهدف هو تأسيس نظام برلماني ودولة ديمقراطية. ويصبح النشاط متعلق في كيفية إرساء الدولة الديمقراطية، وما هو الدور الممكن في هذا الوضع؟

بمعنى إن إستراتيجية اليسار تميل لأن تتمحور حول تحقيق “الدولة الديمقراطية”، أي على الشكل الذي تتبلور فيه الدولة (بغض النظر عن الجذرية التي تُطرح فيها هذه المسألة)، دون لمس أساسها الطبقي، ولا الأساس الاقتصادي الذي يحكم كلية المجتمع. وكان يمكن أن يدافع الماركسي الثوري عن سياسة تقوم على تشكيل الدولة المدنية الديمقراطية، ويجب أن يدافع، لكن من الواضح بأن هذه ليست ممكنة أصلاً. حيث أن الأحزاب والقوى المسيطرة هي في جوهرها ليبرالية، وهو الأمر الذي يكرّس الاقتصاد الريعي الذي لا يحتمل تأسيس دولة ديمقراطية حقيقة. وهو الأمر الذي يربط تأسيس هذه الدولة بتغيير اقتصادي جذري.

لهذا ستكون سياسة اليسار هذه فاشلة، ومضيعة للوقت، وتكرّس هامشيته، وتفككه.

فالسؤال الذي لا بد من أن يطرح بوضوح هو: هل يريد اليسار أن يستولي على السلطة من خلال تصعيد الصراع الطبقي، القائم والمستمر، أو اختيار “النضال البرلماني”؟

ما يبدو واضحاً في سياسات اليسار هو أنه يريد “الشرعية” من خلال التحصل على ترخيص من سلطة لا تختلف عن سلطة حسني مبارك طبقياً وسياسياً، لكنها قررت توسيع “القاعدة السياسية” لـ “شرعيتها”. ويعمل هذا اليسار انطلاقاً من أن الأساس هو “الطريق الديمقراطي” رغم كل عيوبه التي سوف تُصحح في سياق التجربة. وأنه يمكن عبر التركيز على تأسيس دولة ديمقراطية فتح الطريق لتحقيق “العدالة الاجتماعية”. لقد انطلق من أن الثورة “انتهت”، وأنه يجب التركيز على بناء الدولة. وإذا أراد الإشارة إلى الحراك الشعبي المستمر فإنه ينطلق من أنه يمكن أن يكون أداة ضغط على المجلس العسكري، وربما على البرلمان الجديد، أو الحكومة الجديدة.

طبعاً هذا الطريق مناقض لمنطق الواقع الذي يتسم باستمرار الصراع الطبقي، وإن خفت حيناً أو تفجّر في حين آخر. حيث أنه ينبني على نشوء حالة من الاستقرار، وإمكانية لأن يتشكل نظام ديمقراطي. وهذا ما يبدو مستحيلاً نتيجة أن مطالب الطبقات الشعبية لم تتحقق ولا يبدو أنها سوف تتحقق مع سيطرة قوى “جديدة” على السلطة، وأيضاً يلمس الشباب الذي قاد الثورة بأن ما يجري لا يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، وأن كل الترتيب خلال سنة كان من أجل إيصال الإسلاميين إلى السلطة.

لقد اختار اليسار القديم الطريق “الديمقراطي” من جديد، ولم تفلح ثورة 25 يناير في التوضيح له بأن كل سياسته السابقة كانت فاشلة لأن المسألة الأهم كانت تخمّر الصراع الطبقي، أكثر مما كانت إمكانية تحقيق الديمقراطية. وبالتالي أن الصراع الطبقي لازال مستمراً، ولن يهدأ إلا بتحقيق التغيير الذي يلبي مطالب الشعب، الاقتصادية أولاً ثم الديمقراطية والوطنية.

إذن، اليسار القديم يختار إستراتيجية النضال البرلماني في وضع يحتاج إلى تطوير الصراع الطبقي. لم يلمس الفارق الذي نشأ، والذي يشير إلى انتقال إلى مرحلة جديدة، سمتها الصراع الطبقي. وهذا ما سوف يعزز انفصاله عن الطبقات الشعبية، وعن الشباب خصوصاً. وبالتالي سيسير إلى حتفه مكللاً بالفشل.
السؤال الذي يجب أن تكون الإجابة واضحة عليه اليوم هو: هل نريد تأسيس حزب للصراع الطبقي أو تأسيس حزب برلماني؟

كل الأوضاع تشير إلى ضرورة حزب الصراع الطبقي، الحزب الذي يؤسس لتطوير فاعلية العمال والفلاحين الفقراء في الصراع من أجل التغيير عبر إسقاط الطبقة الرأسمالية المسيطرة، سواء بشكلها القديم، او في شكل المجلس العسكري، أو في شكل البرلماني الليبرالي الأصولي. ولهذا هو حزب من صلب العمال والفلاحين الفقراء، وفي تناقض عميق مع سلطة الرأسمالية التابعة في مختلف أشكالها السياسية. وأن لا يرى في الشكل البرلماني المشوّه الذي نشأ سوى محاولة من قبل الرأسمالية لتفريغ الثورة من محتواها، والالتفاف على مطالبها، على أمل استمرار سيطرتها. وأن المرحلة الأولى من الثورة قد أفرزت “المعارضة” بين شعب مفقر يريد التغيير وأحزاب تريد السلطة، خصوصاً هنا الإسلاميين بالتحديد.

لهذا فإن الأساس في فعل اليسار الثوري هو التحضير لثورة جديدة هدفها الاستيلاء على السلطة. ولا بد له من أن يتبلور كقوة طبقية تكون أكثر فئات العمال والفلاحين الفقراء فاعلية، وتستطيع قيادتها، وجذب كل الفئات الوسطى المفقرة (من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة المدينية). وأن ينطلق من أن سلطة العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين هي وحدها التي تستطيع حل مشكلات المجتمع، وتحقيق مطالب كل هؤلاء، وبناء دولة ديمقراطية علمانية حقيقة، وكذلك تكون –كونها تريد تحقيق التطور- في تناقض مع الطغم الإمبريالية. وهو الأمر الذي يفرض أن تؤسس ترابطها “الطبيعي” مع العمال والفلاحين الفقراء في الوطن العربي من أجل ثورة شاملة تنهي السيطرة الإمبريالية الصهيونية وتحقق التوحيد العربي، وتقيم السوق القادر على بناء الصناعة وتحقيق النهضة الاقتصادية. كل ذلك في أفق الانتقال إلى الاشتراكية.

المصدر: الحوار المتمدن