Monthly Archives: ديسمبر 2011

صراع الشرعيات في مصر

اللحظة الراهنة في مصر هي لحظة حرجة، لأنّها اللحظة التي يتقاطع فيها منطقان: الأول ينطلق من أنّ الثورة انتصرت وحققت أهدافها، ففتحت الأفق لصيرورة ديموقراطية هي التي سترسم طابع النظام الجديد. والثاني يرى أنّ ما تحقق لا يفي بتحقيق مطالب الشعب الذي انتفض، والذي تحدد في العمل والأجر والأرض والتعليم والصحة، والدولة المدنية، لأنّ الوضع لا يزال كما هو، والدولة التي تتكوّن لا تختلف عن دولة حسني مبارك، ملفوفة بثوب أصولي. وهذا التقاطع هو الذي يوجد الصراع القائم الآن، والذي يمكن أن يستمر، لأنّهما منطقان متناقضان.

لا شك في أنّ المنطق الأول هو الأقوى، لأنّه يقوم على أربعة عناصر مهمة، و«مغرية». العنصر الأول يتعلق بكون الأمور سارت نحو الانتخابات، وإنشاء مجلس شعب تكون مهمته كتابة دستور جديد، يرسي أسس النظام الجديد. وذلك مطلب كبير، لطالما رددته «النخب» والأحزاب طيلة عقد كامل (على الأقل) من الصراع من أجل الديموقراطية. ولقد تمحور الصراع طيلة العقد الأول من الألفية الجديدة، حول رفض التمديد والتوريث، وهو ما كان يبدو تركيزاً على شخص الرئيس وعائلته. وربما كان من ذكاء المجلس العسكري أنّه حقق هذا المطلب، مما أدى إلى موجة فرح هائل في ميدان التحرير، ولدى الشعب المصري عموماً. وبالتالي، تأثرت فئات مجتمعية عديدة بذلك «الوعي»، وأصبح الخروج من الأزمة يمرّ بالانتخابات، وبالنتائج التي تفرزها. لذلك مالت لدعم خيار الانتخابات، وشاركت فيها، وأصبحت تعتقد بأّن المتظاهرين مشوشون، على أقل تقدير. وهو الوضع الذي فرض مشاركة كبيرة في الانتخابات، وتقليص الفئات المشاركة في ميدان التحرير.

العنصر الثاني يتعلق بالموقف من الجيش، ومن الاعتقاد بأنّه وقف مع الانتفاضة، وأسهم في انتصارها، كما أنّه جيش وطني، حارب الدولة الصهيونية، وطرد الملك وأسس الجمهورية قبل ذلك، وهو فوق «الشبهات»، وممنوع المسّ به. لذلك، أصبح هناك من يوافق على السياسات التي يتبعها المجلس العسكري، ومنها الانتخابات. وبات هناك من يريد أن يعطيه فرصة من أجل تحقيق المطالب الأخرى.

العنصر الثالث يتعلق بالمعارضة التقليدية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، التي تساوقت مع منطق المجلس العسكري، وأصبحت ترى أنّ الانتفاضة انتهت، وبات من الضروري الانتقال إلى «نظام ديموقراطي» من بوابة الانتخابات التي ستأتي بمجلس يجعلها تصوغ هي الدستور الجديد. وتلك الأحزاب لم تشارك فعلياً في الانتفاضة، لكنّها تريد الآن أن تصبح هي المنتصرة، وأن تكون هي السلطة الجديدة.

والعنصر الرابع يتعلق بكلّ الفئات التي ظلّت تدافع عن نظام مبارك، والتي مثّل قسم منها القاعدة التي أنتجت البلطجية، فيما كان قسم آخر يرفض الانتفاضة ويحرّم الخروج على الحاكم، وهي القاعدة السلفية التي كانت سند سلطة مبارك، وستكون سند السلطة الجديدة. فهي باتت تدافع عن المجلس العسكري، وعن سياساته، وتعمل على فرض منطقه، ونجاح الخطوات التي يقوم بها، لأنّها تخدم الطبقة الرأسمالية المافياوية التي يعمل هؤلاء لديها، أو يرتبطون برابط نفعي معها.

لذلك، فإنّ الوضع العام يشير إلى أنّ الميل الشعبي هو نحو إنجاح الانتخابات، ودعم خطوات المجلس العسكري. وبالتالي يصبح كل استمرار للتظاهر أو الإضراب أو أي شكل من أشكال الاحتجاج «تخريباً»، و«تآمراً». إنّها «مطالب فئوية»، من منظور أنّها ضد مصالح الشعب ككلّ. ولذلك، فإنّ ميزان القوى، نتيجة تلك العناصر، يميل إلى دعم «الديموقراطية» بواسطة فئات شاركت في الانتفاضة، وأخرى لم تشارك أصلاً فيها، أو كانت ضدها. وموقف تلك الأخيرة نابع من معاداتها للانتفاضة أصلاً. ويكون «النصر» هو لذلك الخيار، الآن على الأقل. فالأمور تبدو كأنّها تسير نحو تأسيس دولة ديموقراطية، ستأتي بالحلول لمشكلات الشعب، كما عممت الأحزاب المعارضة كلّها قبل الانتفاضة، وأيضاً خلالها.

لكن الشعب لا يزال في الشارع، وميدان التحرير لم يخلُ من مئات الآلاف، وأشكال الإضراب والاعتصام والتظاهر تملأ كلّ شوارع مصر. لذلك، فإنّ المنطق الثاني الذي يتعلق باستمرارية الانتفاضة يُمارس واقعياً من قبل فئات مجتمعية، هي ليست كل المشاركين في انتفاضة «25 يناير»، لكنّها جزء مهم من هؤلاء. هؤلاء لا يقعون في وهم «التغيير الديموقراطي»، بل إنهم اكتشفوا أنّ المجلس العسكري «ضد الثورة»، وأنّ الانتخابات الآن لا تفعل سوى إعادة إنتاج نظام مبارك مغطى بآيات الله الحسنى التي يغدقها حزب «الحرية والعدالة» (واجهة جماعة الإخوان المسلمين). ما يجعل هؤلاء يكتشفون كل ذلك هو أنّهم من الفئات المفقرة إلى حدّ أنّها لا تستفيد من كل التغيير «الديموقراطي»، وربما لا يهمها أصلاً، وبالتالي ستبقى تقاتل من أجل تحقيق مطالبها في العمل والحد الأدنى للأجر، والظروف المعيشية الأفضل. هي فئات فقدت أبناءها في الانتفاضة ولم يجرِ تعويضها، إلى جانب الفئات الشبابية التي أدت دوراً محورياً في الانتفاضة، واكتشفت لعبة المجلس العسكري، مما فرض تجذير مواقفها، ودفعها إلى السعي نحو فرض قيادة مختلفة للمرحلة الانتقالية، هي مجلس رئاسي مدني يختاره الشعب، وأجندة أخرى تبدأ بإقرار دستور جديد.

وإذا لم يكن من خيار أمام الفئات المفقرة سوى الاستمرار في حراكها إلى حين فرض تغيير النمط الاقتصادي، بما يسمح بإيجاد فرص عمل وزيادة حقيقية للأجور، وإعادة بناء التعليم والصحة، فإنّ الفئات الشبابية سوف تلمس أنّ طرحها قد تجاوزه الزمن، لأنّ هناك من يعتقد بأنّ الانتخابات قد أصبحت أمراً واقعاً، أو لأنّه يجب أن يرتبط بتغيير النمط الاقتصادي، إذ إنّ كل الذين يمكن أن يتألف منهم المجلس الرئاسي، على أساس التوافق، هم ممن ليس لديهم خلاف عميق مع النمط الاقتصادي الريعي المافياوي القائم، ومن لديه ملاحظات فهي لا تطاول النمط ذاته (أي لا تسعى إلى بناء الصناعة وتطوير الزراعة، وتعزيز دور الدولة لتحقيق ذلك). وربما هذا الوضع هو ما يجعلهم أضعف الآن، إذ لا يبدو أنّ الخلاف سيكون كبيراً في الحال الراهنة (أي عبر سياسة المجلس العسكري) أو وفق الصيغة التي يطرحها هؤلاء، التي قد تؤسس لديموقراطية «جدية»، أو تجذير بنية النظام الديموقراطي (وليس ذلك مؤكداً). فالديموقراطية الممكنة في ظل اقتصاد ريعي هي «ديموقراطية» حسني مبارك، وربما أوسع قليلاً. وقد يكون هذا السياق هو سياق تبلور وعي الفئات الشبابية وتجذيره، لأنّ في ذلك تبلور التطابق السياسي لأهداف الانتفاضة، وفتح أفق التغيير الحقيقي، الذي يحقق مطالب الطبقات الشعبية. الآن، سيبقى المنطقان يتصارعان، وإذا كان المنطق «الديموقراطي» سيفرض تأسيس برلمان يصوغ دستوراً «جديداً»، فإنّ ميدان التحرير سوف يبقى نشطاً نتيجة استمرار الحراك من قبل الفئات الشعبية المفقرة. وما سيزيد من فاعليتها هو التحوّل الذي سيجري في موقف الفئات الشعبية التي تراهن الآن على الانتخابات. فموقف تلك الفئات ليس نابعاً من تمسكها بالديموقراطية، بل نتيجة شعورها بأنّ ما يجري سوف يوصل قوى تحقق مطالبها، وهي هنا تراهن على الإخوان المسلمين، أو على بعض الأحزاب الليبرالية. وهي المطالب التي تتعلق بالعمل والأجر. وبالتالي سوف تتلمس بالتجربة أنّ الأحزاب التي ستصل إلى السلطة لا تمتلك حلولاً لهذه المطالب، وأنّها تتمسك بالنمط الاقتصادي القائم، الذي أوصلها إلى وضعها الراهن. والإخوان هم كذلك ليبراليون في الاقتصاد، وسيحافظون على الوضع القائم فيما إذا ألّفوا الحكومة (كما يبدو من نتائج الانتخابات). هذا الأمر سيدفع المفقرين إلى الالتحاق بميدان التحرير، إذ لم يعودوا يستطيعون انتظار تحقيق مطالبهم. وهذا الوضع هو الذي سيعيد الانتفاضة إلى الواجهة، ويفرض توسيع الحراك، وتصاعد الصراع. مما يفرض انقلاب الوضع لمصلحة التغيير الثوري.

الشعب سوف يعود إلى الميدان بالضرورة، وبالتالي ستسقط المراهنة على طريق الانتخاب. وستسقط الأحزاب التي جرت المراهنة عليها، أي الإخوان المسلمون خصوصاً، لكن هل يكون الشباب الثوري قد أسس حزبه القادر على تسلّم السلطة لتحقيق مطالب الطبقات الشعبية؟ هنا يكمن التحدي.

المصدر: الأخبار

في مصر شرعيتان

جرت الدورة الأولى ثم الثانية من الانتخابات المصرية رغم أن ميدان التحرير كان مشتعلاً، وهو ما يزال كذلك ونحن في انتظار الدورة الثالثة والأخيرة من انتخابات “مجلس الشعب”. وكأن مصر تسير في طريقين، أو تؤسس لشرعيتين، شرعية الانتخابات التي تنطلق من مبدأ الديمقراطية، وبالتالي الخطوات التي قررها المجلس العسكري بعد تنحية حسني مبارك. وشرعية الشارع الذي انتفض في 25 يناير 2011 وفرض تنحية مبارك، والذي ما يزال ينتفض لأنه لم يلمس أي تغيير قد تحقق، سوى التغيير الشكلي الذي سوف تنتجه الانتخابات.

من خلال الشرعية الانتخابية، بدأ المجلس العسكري حرباً حقيقية ضد المعتصمين في الميدان وأمام مجلس الوزراء، وتطاول حتى قارب الحالة السورية في العنف الدموي. فتحت حجة الشرعية الديمقراطية، أصبحت شرعية ميدان التحرير مسقطة. حيث ربما قرّر حسم هذه الاستمرارية التي اتسمت بها الانتفاضة، والتي هدأت على ضوء فهم بأن المجلس العسكري سوف يحقق مطالب الشعب، ثم أصبح من الضروري الضغط عليه لتحقيقها عبر مليونيات متتالية. لكن توصل الشباب إلى أن المجلس العسكري يعمل على إعادة إنتاج نظام مبارك، لهذا بدأ النشاط من أجل استمرار الثورة إلى حين تحقيق مطالب الشعب التي لم تكن أصلاً رحيل مبارك فقط، بل كانت إسقاط النظام من أجل سلة مطالب طُرح بعضها في بيان الدعوة لـ”إضراب” 25 يناير، واستكمل فيما بعد في مطالب أكثر جذرية تمس وضع الشعب، ومطلب تشكيل مجلس رئاسي يقود المرحلة الانتقالية، ويعمل على صياغة دستور جديد، ومن ثم يحضّر لانتخابات برلمانية. هذه هي الشرعية التي تبلورت في الميدان، وهي الشرعية التي ما تزال تفرض الاعتصام في الميدان إلى الآن.

لكن كان ثمن تنحية مبارك تحكّم المجلس العسكري في المرحلة الانتقالية، وصياغتها بما يسمح بتكريس سلطته أولاً، ولكي تنتج برلماناً، ومن ثم حكومة، لا يخرجان عن نظام مبارك من حيث النمط الاقتصادي، والمصالح التي تحكمه، وتكريس “ديمقراطية” لا تتجاوز كثيراً “ديمقراطية” حسني مبارك، لكنها هذه المرة توسّع قاعدة المشاركة السياسية من خلال جعل الإسلاميين (الإخوان والسلفيين) هم أساس الشكل السياسي الذي تنتجه، بتحالف مع ليبراليين يمثلون المافيات التي نمت على هامش السلطة.

في هذا السياق جرى الاستفتاء حول تعديل الدستور، والمعركة التي خيضت حول التعديلات، والتي كان الهدف منها تكريس سطوة الإخوان والسلفيين في معركة مفاجئة، وخيضت بشكل غير محسوب من قبل القوى الأخرى، وخصوصاً شباب الثورة. ثم كرّس المجلس العسكري دستورية مرحلته بإعلان دستوري، وحدّد الانتخابات في موعد “قريب” لا يسمح بإعادة بناء الدولة (الأجهزة الأمنية والإدارات) والسياسة (الأحزاب، خصوصاً الأحزاب التي يجب أن تعبّر عن الانتفاضة ذاتها).

لم تنجح “صحوة” الشباب، خصوصاً في تموز (يوليو)، في وقف هذا المسلسل، سوى ربما في تأخير الانتخابات إلى نهاية تشرين الثاني (نوفمبر). والآن تتصادم الشرعيتان، لكن في وضع تبدو فيه شرعية “الانتخابات” أقوى (أي شرعية المجلس العسكري)، لأنها تؤشر إلى انتصار الديمقراطية، وليبدو أن ما يجري في الميدان هو تخريب، وتشويش على الانتصار الذي حققته الثورة، التي هي ليس غير هؤلاء الذين في الميدان. وهذا، ربما، هو “سر” قوة المجلس العسكري وهو يتصدى للثورة. لقد انقلبت الأمور، فبات الشعب هو “الثورة المضادة”، والمجلس العسكري هو الثورة.

خطأ الشباب يتمثّل في أنهم لم يلحظوا بأن الجيش هو غير المجلس العسكري، وأن “دعم” هذا الأخير للانتفاضة لم يكن سوى تصفية حساب مع حسني مبارك، لوقف عجلة التوريث، مع استمرار البنية التي أقامها، والتي درّت عليهم جزءاً مهماً من الدخل الوطني.

لكن يبدو واضحاً بأننا إزاء اصطراع بين شرعيتين؛ شرعية الانتخابات التي صيغت من أجل تكريس استمرار الماضي، وشرعية الميدان التي تؤسس للمستقبل. ولا يبدو أن الوضع قد وصل إلى انتصار إحداهما، رغم “المشروعية” التي تلف الانتخابات لأنها تشير إلى تحقيق ما هو “ديمقراطي”، مع أن الشرعية الأخرى هي شرعية الثورة ذاتها التي تجري “سرقتها”. فالصراع هنا هو بين إعادة إنتاج البنية ذاتها، وتغيير كلي لوضع الشعب من حيث تغيير النمط الاقتصادي والبنية السياسية التي عبّرت عنه.

المصدر: الغد

سوريا: الموقف الروسي وبراغماتيّة المصالح

يبدو الموقف الروسي مفصلياً، على المستوى الدولي، في ما يتعلق بالوضع السوري، إذ لا يزال يتمسك برفض إدانة السلطة، برغم كل العنف الذي تمارسه، وكل الوضوح بأنّها آيلة إلى السقوط. هل لذلك التمسك علاقة بالمساومات التي تجرى عادة مع الولايات المتحدة خصوصاً؟ أو يمكن اعتبار أنّ روسيا اليوم هي ذاتها الاتحاد السوفياتي السابق؟

لا شك في أنّ روسيا خسرت كثيراً في العقدين السابقين، ورغم كل ما قدمته من تنازل للغرب، لم تحصل على وضع يسمح بتطوّرها الداخلي السلس، وتحوّلها إلى رأسمالية تُعامل بتكافؤ مثل الرأسماليات الأخرى. فقد ظلّت تشعر بأنّها محاصرة، في سياساتها كما في اقتصادها. وظلت تحسّ بأنّ ذلك «الغرب» لا يزال يعمل على تقليص مناطق نفوذها، وحتى تفكيك مناطقها. لقد خسرت أسواق سلاح كانت لها، كما خسرت أسواقاً تجارية عدّة، دون أن يُفتح لها باب يسمح بتجارة مناسبة مع وضعها وضمان تطورها. ولم يكن يظهر بأنّ هناك من يريدها منافساً، أو يحسب لمصالحها حساب.

لكن سياساتها كانت مرتبكة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وأسهم «الغرام بالغرب» الذي حكم تلك السياسات زمن بوريس يلتسين، الرئيس الأول بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، في وضع كارثي حاول الرئيس الجديد حينها، فلاديمير بوتين، الحدّ منه. لكن وضع روسيا لم يكن يساعد كثيراً نتيجة وضعها الاقتصادي الكارثي (بفعل التدمير الذي مارسته مافيات يلتسين)، عدا أنّها قوة عسكرية كبيرة، وتمتلك الأسلحة النووية. ولذلك فرضت الولايات المتحدة الدرع الصاروخية رغماً عن إرادتها، وهي مستمرة في ذلك، حتى وهي تتراجع عالمياً بفعل أزمتها الاقتصادية العميقة. وكانت قد سحبت العراق منها بعد احتلالها، وعملت وتعمل على حصارها في كثير من مناطق العالم، ومنها إيران.

ورغم العلاقة الروسية مع النظام الليبي، فقد وافقت روسيا على قرار يجيز التدخل العسكري، رغم أنّها ادّعت بأنّ موافقتها ارتبطت بحماية المدنيين. وكان واضحاً بأنّ ليبيا دخلت في إطار المساومات العالمية الروسية، التي كان منها الموافقة الأميركية على دخول روسيا منظمة التجارة العالمية. وإذا كان المسؤولون الروس قالوا بأنّهم تعلموا من الدرس الليبي في سياق تعاملهم مع الأزمة السورية، فإنّ الأمور سوف تظهر أعقد من هذا «التعلم»، ما دامت روسيا تعمل على ترتيب وضعها العالمي في إطار الصراع، لكن التفاهم أيضاً، مع البلدان «الغربية». وبالنسبة إليها، فإنّ سوريا موضع من بقايا الماضي الذي لا يزال يشمل «مصالح» معينة، هي ليست كبيرة، لكنّها مهمة في المساومات العالمية. فالعلاقات الاقتصادية السورية هي ليست مع روسيا، عدا عمليات شراء الأسلحة الذي تراجع في العقد الأخير نتيجة العجز المالي السوري. وربما المهم هو «القاعدة البحرية» في طرطوس التي تبدو أساسية لوجود الأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط. ولذلك، فإنّ النظر إلى الموقف الروسي يجب أن ينطلق من فهم المصالح العامة لروسيا عالمياً، والذي يشير إلى إمكانات مساومة وتغيير حال تحقيق مصالح تعتبر القيادة الروسية أنّها ذات أولوية لها.

لقد وضعت روسيا الفيتو ضد القرار «الغربي» في ما يتعلق بسوريا، من أجل وضع «حدّ» للسياسات الغربية، ولرسم وضع عالمي جديد، كما قالت. وهي بالتالي تنظر إلى وضعها العالمي وهي تدافع عن السلطة في سوريا، وتحاول تعزيز مواقعها في وضع تدفعها البلدان الإمبريالية لخسارة كل ما كان لها. ولهذا، لا تزال تناور حماية للسلطة، وتعمل بشكل حثيث على «التحكم» في «القرار السوري» من خلال ما تقدمه من «نصائح»، لكي تُنجح «معركتها» العالمية تلك. ورغم أنّ أميركا لم تتراجع عن الدرع الصاروخية، وبدأت بالفعل نصبها في بولندا، فإنّ الروس يحاولون نقل الصراع إلى البحر المتوسط عبر إرسال بوارج حربية إلى الشاطئ السوري. وربما تكون قد حصلت على شيء الآن، إذ أصبحت عضواً في منظمة التجارة العالمية بعد رفع الفيتو الأميركي.

إذاً، هل سيبقى الموقف الروسي «صلباً» كما هو الآن؟

في كل الأحوال، سيبقى الوضع السوري جزءاً من مناورة القيادة الروسية في توضعها العالمي الذي يواجه معارضة «غربية»، أميركية خصوصاً، رغم أنّ وضع واشنطن الراهن يشير إلى إنهاكها وضعف قدراتها العالمية، وتخوّفها من انهيار اقتصادي جديد، سيكون أضخم من انهيار 2008. لكن سيبقى الموقف الروسي عنصراً في جملة العناصر التي تتحكم بالتفكير الأميركي والأطلسي في إمكان التدخل العسكري في سوريا. وهنا سيكون عنصراً مانعاً، لأنّ التدخل سيكون أوسع من أن يتوقف عند سوريا.

بالنسبة إليّ، هذا يكفي. لكن ما يجري تسويقه هو أنّ السلطة السورية محمولة على «دعم خارجي وإقليمي»، وأنّ هذا الوضع الإقليمي يمنع سقوط السلطة. لا شك في أنّ هذا السيناريو الإعلامي يُطرح على ضوء الشعور بالضعف الداخلي، الأمر الذي فرض الاستعانة بالوضع الإقليمي والدولي للتأكيد أنّ السلطة مدعّمة بكل قوة الروس. ولذلك يستخدم الموقف الروسي (كما موقف حزب الله) كمؤشر على أنّ هؤلاء لا يريدون سقوط السلطة، وأنّهم سيدافعون عنها. لكن سنلمس بأنّ للروس هدفاً من ذلك، ربما يختلف «قليلاً» عما تريده السلطة، التي تريد تعزيز وضعها الداخلي المتدهور إزاء استمرار الانتفاضة، وفشل كلّ محاولات سحقها أو تخفيفها. فما يراد هنا هو الحفاظ على تردد المترددين، وتخوّف المتخوفين، من الشعب، لكي لا تصل الانتفاضة إلى مواقع وفئات تفرض حسم الصراع ضد السلطة. وهنا يجري القول بأنّ الروس والحلفاء الإقليميين لا يسمحون بسقوط السلطة، ولهذا يجب التخوّف من ردود فعلهم، أو القول بأنّه مهما بُذلت من جهود داخلية لإسقاط السلطة فلن تفلح نتيجة هذا الموقف الروسي الإقليمي.

ربما يؤخّر ذلك في حسم نتيجة استمرار تردد قطاعات مجتمعية، وخوف بعضها، لكن لا يبدو أنّه سوف يؤدي إلى تراجع الانتفاضة أو انهيارها. ففي كلّ الأحوال، المراهنة هي على الحسم الداخلي، وعلى الوصول إلى مشاركة الكتلة الأهم من الشعب في الانتفاضة، إذ إنّ ذلك هو الذي سوف يفرض التغيير.

وإذا كان الموقف الروسي وفق هذه السياسة يقود إلى أن تخسر روسيا «شعبيتها» عربياً، فربما تكون مناورة الروس تلك هدفها أن تكون العنصر المؤثر في التغيير الداخلي، وأن يأتي هذا التغيير لكي يحافظ على مصالحها. ولا أظن بأنّ ميزان القوى الواقعي سوف يكون بعيداً عن ذلك.

المصدر: الأخبار

ما هو المطلوب اليوم في سورية؟

تظهر الانتفاضة السورية وكأنها في مأزق، الأشهر تمرّ من دون أن ينفتح أفق يشير إلى الطريق الموصل إلى «إسقاط النظام». لقد ظهر أن توسعها الأفقي قد توقف، أو حتى تراجع، على رغم أن الملاحظ يلمس أن مناطق جديدة تدخل كل جمعة جديدة، وربما كل يوم. لكن في كل الأحوال ما قيمة التوسع من دون أن يكون واضحاً ما يمكن أن يضيفه لكي يفتح أفق التغيير؟

ثم برزت الحاجة إلى «تعبير سياسي» عن الانتفاضة. وربما أحسّ الشعب المنتفض بأن هذا التعبير يمكن أن يوجد الأفق الذي يدلّها الى طريق التغيير. وإذا كان هدف توحيد المعارضة قد طرح كأساس لبلورة هذا التعبير السياسي، فإن «ألعاب» المعارضة قادت إلى أن يتشكل المجلس الوطني السوري ممثلاً لجزء من هذه المعارضة، معظمه في الخارج. لكنه أصبح التعبير السياسي الذي يلمّ كتلة كبيرة من المنتفضين، انطلاقاً من الأمل الذي يحدوهم بتوضيح الطريق.

وكانت أطراف المجلس الوطني المؤسسة (الإخوان والليبراليين) تشير منذ أمد إلى التدخل الدولي لحماية المدنيين والحظر الجوي، وحتى التدخل العسكري، لهذا ظهر وكأن مهمة المجلس العتيد هي النشاط الدولي من أجل حماية المدنيين، وليتسرّب معها مطلب الحظر الجوي، ويشار من جانب بعض أطراف المجلس الأساسيين (الإخوان وإعلان دمشق) إلى التدخل العسكري. وقد لعب الإعلام الذي هو بيد هذه الأطراف، أو الداعم لها (مثل قنوات الجزيرة والعربية) على العنف الدموي الذي يواجَه به المنتفضون، خصوصاً بعد انتصار ليبيا بمساندة حلف الناتو، لتعميم فكرة الحماية الدولية، والحظر الجوي، وربما البدء بالتحضير لطرح فكرة التدخل العسكري، على رغم أن الوضع الدولي يؤشر إلى عدم إمكانية ذلك (الآن على الأقل).

وبهذا أصبح المخرج من «مأزق» الانتفاضة هو بالضغط من أجل تدخل دولي لـ «حماية المدنيين»، وأصبحت مهمة المجلس الوطني هي الحصول على الاعتراف الدولي، ودفع الدول للتدخل من أجل ذلك… الذي كان يُطرح على أن يؤخذ قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع (الذي ينص على التدخل العسكري) من أجل فرض حظر جوي لـ «حماية المدنيين» (كما أوضح رضوان زيادة مراراً في نص محفوظ). وهذا ما وجد من يدعمه في الانتفاضة، انطلاقاً من أن حماية المدنيين لا تعني التدخل العسكري، أو أن الحظر الجوي لا يعني التدخل العسكري. وربما يقود القتل الممارس والتدمير وكل أشكال العنف قطاعات إلى الاعتقاد بأن التدخل العسكري يمكن أن يحلّ مشكلتها، بالتالي تطالب بذلك.

شهران وأيام من نشاط المجلس لم تصل إلى حل، وظهر أن الجامعة العربية تماطل، و «الدول الغربية» لا تريد التدخل العسكري. الأمر الذي يجعل هذا الأفق مغلقاً، حتى للمتحمسين له. بالتالي سيكون كل الجهد الذي بذل بلا فائدة، ويكون قد تعمم وهم أربك الانتفاضة، وجعل المنتفضين ينتظرون حلاً لا يأتي، بدل البحث عن أفق آخر. وإذا كان التفكير أصلاً بالتدخل «الخارجي» لأن نتائجه خطيرة، وسيكون الدم والتدمير أكبر، وسيقود إلى صراع طائفي وتفكك الدولة، فإن الوضع الدولي كان يشير إلى أن الإمبريالية الأميركية والأطلسي ليسا في وارد التدخل نتيجة الأزمة الاقتصادية العميقة التي تلفّ الاقتصاد الرأسمالي. وتركيا، وهي التي تمتلك قدرة عسكرية، لا يبدو أنها تريد التدخل العسكري.

بمعنى أنه ارتبط دعم المجلس الوطني بخيار «الدعم الدولي»، ولا يبدو أن «الأمل بحل ليبي» هو أمر ممكن. الآن عاد البحث عن أفق يطرح من جديد. المشكلة التي تحكم النظر هنا هي أن العنف الدموي الذي يمارس يجعل الشعور بـ «العجز» لدى المنتفضين أمراً ممكناً، خصوصاً في المناطق التي تتعرّض للقصف والقتل والحصار، وبالتالي يستدعي من يعتقد بأنه يخفف من ذلك… هذا تفكير «طبيعي» في وضع دموي. لكن النظر الإشكالي هو الذي يحكم أطراف المعارضة التي لا تعتقد من الأساس أنه يمكن أن يهزم الشعب السلطة، لأنها أقوى من أن تسقط، لهذا لا بد من الدور الدولي. ولهذا لا نشاط لها سوى على الصعيد «الدولي»، الذي لا يبدو أساسياً في كل الأحوال، لأن الدول «الغربية» تتدخل حينما تفرض مصالحها ذلك، ولا تتدخل حين لا ترى حاجة. وبالتالي سيكون كل نشاط هو زائدة. وقد عززت البلدان «الغربية» من حصارها على السلطة، على رغم أنها لم تحسم كلها حول «التنحي»… والنظم العربية تماطل كما يظهر، لأن دورها لا حاجة له إلا حين تقرر البلدان الإمبريالية، وهذه لم تقرر.

وقصر النظر هذا لدى المعارضة، خصوصاً وبالأساس التي في الخارج، لاتباع سياسات تربك الانتفاضة. وإذا كانت سياسات السلطة تدفع الشعب إلى الانتفاض بفعل الوحشية التي تمارس، فإن سياسات المعارضة هذه تلعب دور تأخير انتصار الانتفاضة. فليست المسألة هي مسألة انتفاضة تفجرت، وتتوسع عفوياً، وبوعي الشباب البسيط المنتفض وجرأته، ليكون دورنا هو «الشحدة» عليها، ليصبح القتل والتدمير هو أساس السياسة الإعلامية من أجل القول إن «هذا الشعب العاجز» يحتاج إلى من يحميه. الانتفاضة هي ثورة حقيقية ليست بحاجة إلى الندب، أو «الشحدة». ولا شك في أن انتصارها مرتبط بفاعليتها هي، من دون كل هذا الخوف من قوة السلطة (الذي كسره الشباب المنتفض)، والشعور بالعجز عن التغيير. على رغم أن الانتفاضة بحاجة إلى فعل سياسي، لكن لتنظيمها وتوضيح شعاراتها، والشغل على انخراط فئات اجتماعية متخوفة أو خائفة.

السلطة يمكن أن تتفكك، والفئات التي لم تشارك لا بد من أن تشارك لأنها معنية بالتغيير ككل الشعب، وأهداف الانتفاضة هي ابعد من هدف إسقاط السلطة، حيث إن الإسقاط هو مدخل تحقيق أهداف طبقات، لكي تشارك لا بد من طرح مطالبها. ووضع سورية يفرض أن تؤخذ «الحساسيات» السياسية والطائفية في الاعتبار، من أجل إفشال سياسة السلطة (التي نجحت في اللعب على أخطاء بعض أطراف المعارضة). ولهذا لا بد من أن يكون واضحاً أن كل دعوة للتدخل «الخارجي»، حتى وإن تعمم تحت الدعوة لحماية المدنيين، هي أمر يؤخر الانتفاضة، لأنه يزيد من تخوّف المتخوّفين، ويربك قطاعاً من المشاركين. كما أن كل شعار أو تصريح أو حديث يأخذ منحى طائفياً يؤخر الانتفاضة كذلك. أو وضع سورية مسبقاً في «صف» عربي ودولي، كما فعل د. برهان غليون في تصريحاته الأخيرة.

بمعنى أن وضع الانتفاضة في سورية الداخل هو الأولوية، والتفكير في توسّعها لكي تشمل الفئات التي لم تنخرط بعد (خصوصاً من «الأقليات») هو المهمة الأكبر. لأن في ذلك ما يسمح بضعف أكبر للسلطة، وبالتالي فتح طريق التغيير.

المصدر: فايسبوك سلامة كيلة

المؤامرة الإمبريالية

من المدهش في الذين يدافعون عن السلطة في سورية أنهم يخوضون صراعاً ضارياً ضد “المؤامرة” التي تتمظهر في التدخل الخارجي من دون أن يكون هناك تدخل. والأرجح أنه لا يوجد ما يشير إلى أن التدخل العسكري مطروح كما حدث في ليبيا.

لا شك في أن الإمبريالية عملت منذ عقود على إعادة صياغة المنطقة، وقامت باحتلال العراق، وأحكمت سيطرتها على معظم النظم التي باتت نظماً مافياوية تابعة، وخططت لتفتيت المنطقة طائفياً وإثنياً وفرض السيطرة الصهيونية. ولا شك كذلك في أن الإمبريالية تعمل من أجل السيطرة وإكمال الهيمنة الشاملة. لكن هذا لا يعني أن كل ما يجري في الوطن العربي، وكل حركة وفعل، هو من صنع الإمبريالية، وإلا أصبحت الإله المطلق.

الثورات العربية كانت مفاجأة كبيرة للإمبريالية، وسوف تراكم لها مفاجآت أخرى، لأنها تظن بأنها استطاعت احتواء الوضع، وأنها قادرة على الالتفاف عليها. ولقد تحركت بسرعة في البلدان التي أسست فيها قوة “مرتبطة”، وتحاول أن تستفيد من الثورات في البلدان الأخرى. لكن كل ذلك لا يعني أنها تتحكم بكل ما يجري، أو تستطيع أن تفرض الإيقاع الذي تريد، وإلا لا نكون قد فهمنا تحولات العالم، وأزمة الإمبريالية، لكن أكثر لا نكون قد فهمنا معنى الانتفاضات التي تفجرت، والتي ستستمر إلى حين تحقيق التغيير العميق الذي يقوم على أنقاض البنية الإمبريالية.

بالنسبة للانتفاضة السورية، يجري الحديث عن مؤامرة ومتآمرين، وتدخل إمبريالي، وما إلى ذلك، وما يزال الصراع داخليا بين شعب وسلطة. لا شك في أن بعض أطراف المعارضة بنت استراتيجيتها على استجلاب التدخل الإمبريالي، وهي لا ترى تغييراً إلا بفعل التدخل هذا، وربما ردد الشارع بعض الشعارات التي تدعو لـ”حماية المدنيين” بتأثير من هذا الطرف. وأيضاً، لابد من القول بأن كل ذلك مدان حتماً. لكن هل هناك فعل من أجل التدخل الإمبريالي؛ أي هل أن الدول الإمبريالية قررت، أو يمكن أن تقرر، التدخل العسكري؟

كل الظروف المحيطة تشير إلى أن احتمالية التدخل العسكري، سواء تحت بند حماية المدنيين أو الحظر الجوي، هو أمر مستبعد في سياسة الدول الإمبريالية، وتركيا أولها، لأنها ربما ترى أنه من الأفضل تحقيق تغيير من الداخل، لكي يستمر وضعها السلس مع المنطقة. وهذا ما أُفهم لكل أطراف المعارضة السورية، وهو الذي يجعل الجامعة العربية تماطل، وتسوّف، وتمدد للسلطة السورية. على عكس ما حدث في ليبيا حيث قررت في لحظة واحدة، لأن الإمبريالية الأوروبية أولاً كانت تدفع نحو التدخل العسكري.

في سورية ليس هنا مؤامرة، ولا هناك تدخل عسكري (إلا ربما إذا ارتكبت مجازر كبيرة من قبل السلطة)، والصراع هو صراع داخلي، طبقي بامتياز، وضد سلطة مستبدة بامتياز، ومن أجل التغيير. لا شك في أن هناك قوى تحاول ركوب الموجة، لكن أفق سورية سيفرض إيقاعاً يقوم على الحفاظ على سياسة خارجية ليست تابعة للإمبريالية، ووضع إقليمي غير متناقض مع المقاومة. هذا ما يفرضه ميزان القوى الذي سيحدد أفق التغيير.

لكن كل مؤيدي السلطة ينطلقون من تحليلات مسبقة، وتوقعات مسبقة، ويجعلون هذه التحليلات والتوقعات أمراً واقعاً. إنهم يقفون على رؤوسهم وهم ينظرون إلى العالم. لكن لا نعرف من أين يفكرون؟

المصدر: الغد

المقاومة والانتفاضة السورية

إذا انطلقنا من أنّ حزب الله يمثّل المقاومة، فسنصل إلى أنّ انسداداً يحكم العلاقة بين المقاومة والانتفاضة السورية. لا نشكك في أنّ حزب الله أدّى دوراً مهماً في مقاومة الاحتلال الصهيوني للأرض اللبنانية، ودعم مقاومات أخرى مثل حماس، لكن هذه الرمزية التي تحصّلت له لا تؤكد أنّ مواقفه صحيحة من الانتفاضة السورية. فـ«المصلحة» من جهة، و«الوضع الطائفي» من ناحية أخرى، ودور إيران من ناحية ثالثة، هي كلّها التي فرضت هذا الموقف منه.

ربما هناك مسائل من حقه أن ينطلق منها، لكن على ألا تكون المصالح الضيقة، أو أنّه حينها يتجاوز وضعه المقاوم ويغلّب مصالح أخرى. فما يبدو غريباً في موقف السيد حسن نصر الله هو أنّه يتعامل مع الانتفاضة في ليبيا على أنّها ثورة (وهي كذلك) رغم تدخل حلف الناتو العلني، ومشاركته في «تحرير ليبيا»، ويرفض الانتفاضة السورية انطلاقاً من «المخططات الإمبريالية»، وإمكان التدخل العسكري الدولي الذي قد يحدث في وقت ما. كيف يمكن أن يكون ذلك المنطق مقنعاً؟
في ليبيا تدخلت الإمبريالية، وها إنّ تقاسم النفط يتحقق، وسيبدو أنّ مسألة الإمام موسى الصدر هي الفيصل الذي فرض تأييد «تحرير» ليبيا من العقيد القذافي، وبالتالي لا بد من تجاهل مسألة تدخل الحلف الأطلسي. في سوريا، الوضع مختلف لأنّ السلطة حليفة، وتسهّل إيصال السلاح، وتحقق الدعم السياسي، لكن هذا التناقض يخلخل رمزية المقاومة، لأنّه مهما قيل عن «المؤامرة»، وعن مشاركة «قلّة» في التظاهر، وعن أنّ أغلبية الشعب هي مع «الإصلاح»، فإنّ ما يبدو واضحاً هو أنّ الدول الإمبريالية لا يبدو أنّها تريد التدخل العسكري، وأنّها باتت أضعف من أن تفعل ذلك (ألم يقل لنا السيد حسن إنّ أميركا في انهيار؟). إذاً لمَ التهويل والتخويف من التدخل ما دام ليس موجوداً، أو ليس واضحاً إلى الآن؟

كذلك، توضح الأشهر التسعة الماضية أنّ الانتفاضة ليست من فعل «قلّة»، وإلا لاستطاعت السلطة «سحقها»، بل هي انتفاضة شعب. وهنا من المضحك الحديث عن الأرقام، إذ إنّ كلّ الثورات لم تشمل كلّ الشعب، بل نسبة الربع أو الثلث (في مصر بلغ العدد في الحالة القصوى، وبعد كسر قوة الأمن المركزي، الربع تقريباً)، فكيف حين يكون التظاهر مواجَهاً بالرصاص والدبابات والشبيحة، أي بالقتل المباشر؟ تلك هي الحالة التي تجعل من الشعب السوري أكثر من بطل، وأرفع من أن يُتّهم بأي اتهام. ورغم ذلك فإنّ معظم المناطق تتظاهر كل يوم وبالآلاف، وهي تعرف أنّ الاستشهاد ممكن، وبدرجة كبيرة.
وأظن أنّ الوضع الاقتصادي المزري، والفساد الشامل، الذي يلف سوريا أمر معروف لدى «المقاومة»، ومعروف كذلك أنّ الشعب الذي يُفقر ويهمّش يثور. فلماذا ثورته في سوريا هي غير ثورته في مصر أو تونس أو ليبيا؟ ولماذا لا يحسب حساب 80% من السوريين المفقرين، الذين يعيشون العسف منذ عقود؟

معروف أنّ أكثر من 30% هي نسبة العاطلين من العمل، وأنّ دراسات الدولة ذاتها كانت تشير قبل الانتفاضة بسنتين إلى أنّ الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون 31 ألف ليرة (كانت تساوي حوالى 630 دولاراً) رغم أنّ الحد الأدنى كان 6000 ليرة (130 دولاراً)، وهي الأجور التي كانت تجعل السوري الأسوأ عربياً، حسب دراسات منظمات دولية. الريف أفقر، حيث كانت نسبة الفقراء في 2004 تقريباً 38,3% من مجموع الفقراء، وارتفعت في 2007 إلى الضعف، وزادت أكثر بعد ذلك، نتيجة اكتمال الانفتاح الاقتصادي وارتفاع أسعار المازوت والأسمدة. وهو الأمر الذي جعل الريف (إضافةً إلى المدن المهمشة) أساس الانتفاضة.

هذا وضع شبيه بوضع الشعب في تونس ومصر وليبيا، وكل البلدان العربية، وهو في أساس الانتفاضات كلّها. ما قيمة السياسة بالتالي إذا كان الوضع كذلك؟ وهل المؤامرة الإمبريالية هي التي أنتجت هذا الوضع المزري، أم الذين نهبوا الاقتصاد وسيطروا على أكثر من 30% من الدخل القومي (كما أشار الصديق الممانع قدري جميل)؟ أليس ذلك من نتاج الفئة المتحكمة في الاقتصاد والسياسة، والتي أسست السلطة الاستبدادية من أجل حماية النهب الذي مورس طيلة العقود الأربعة الماضية؟ هذا التمركز في الثروة بيد أقلية هي السلطة، وممارسة الاستبداد من أجل ضمان النهب والتحكم في الاقتصاد، هو الذي أفقر 80% من الشعب. فهل ندافع عنها ضد الشعب؟ أو أنّ التوافق السياسي حتى وإن كان على «دعم المقاومة» يبرر الوقوف ضد 80%، الذين هم مع المقاومة، وهم أساس كل فعل مقاوم للاحتلال والإمبريالية؟ وهنا لا يجوز تلبيس الشعب مواقف قوى سياسية معارضة، أو حتى الحكم الشكلي على الحراك الشعبي. وأظن أنّني مع الشعب وضد كثير من قوى المعارضة ومن سياساتها وتصريحاتها. فلست مع التدخل العسكري، كما لست مع «المرونة» مع البلدان الإمبريالية، لكنّني أعتقد بأنّ هذا الشعب الذي ينتفض هو الذي يستطيع وحده مواجهة الإمبريالية، والدولة الصهيونية. ولا تستطيع نظم نهبت شعوبها واستبدت بها، لا المقاوَمة ولا الممانَعة، ويمكن لَحْظ وضع الجولان، والحديث عن استراتيجية السلام، ومحاولة فتح خطوط التفاوض على نحو مستمر، وما إلى ذلك الذي تقوم به السلطة (وتصريحات رامي مخلوف لصحيفة أميركية).

ربما كان مأزق حزب الله أنّ تكوينه الذي انبنى على طائفة، وعلاقاته مع إيران، والاستراتيجية التي انبنت على ضوء ذلك، تجعل تغيير السلطة في سوريا مشكلة حقيقية. وربما هذا هو جذر الموقف الذي يتبناه الحزب، ويدفعه إلى الدفاع العنيف عن السلطة، وتجاهل الانتفاضة، حتى قبل أيّ تدخل إمبريالي (الذي لا يبدو أنّه مطروح أصلاً)، رغم عدم تحسسه من تدخل الناتو في ليبيا، والتعامل مع الانتفاضة كانتفاضة شعب. وأكرر أنّني مع انتفاضة الشعب الليبي وضد تدخل الناتو حتماً. كما أنّني مع انتفاضة الشعب السوري وضد أي تدخل إمبريالي. فحين تصبح المسألة مسألة شعب مفقر، يجب أن تسقط كل الحسابات الأخرى. فالشعب هو أساس كل مقاومة لا النظم مهما كانت. وانطلاقاً من ذلك يمكن صياغة موقف واضح يدفع الانتفاضة لكي تنتصر دون السماح بأي تدخل إمبريالي، وكشف كل من يدعو إلى التدخل العسكري، ودفع الشعب إلى رفض كل محاولة في هذا السبيل.

لذلك لا بد من أن يجري النظر إلى ما يحدث في سوريا كجزء مما بدأ في تونس، وامتدّ إلى مصر واليمن وليبيا، ولا يزال يتوسع إلى المغرب والجزائر والأردن والبحرين والعراق، وسيمتد إلى السعودية والسودان وبلدان الخليج. وهو نهوض عربي ليس من أجل إزالة النظم المافياوية المستبدة فقط، بل من أجل الاستقلال الحقيقي عن الإمبريالية ومواجهة الدولة الصهيونية، والعودة إلى الحلم العربي. هو نهوض عربي عام من أجل التحرر والاستقلال والوحدة. لا شك في أنّه سوف «يدفن» النظم، لكن يبدو أيضاً أنّه سوف يجرف قوى وأحزاب هي عبء على الانتفاضة، لذلك لا تزال تتعلق بأذيال الماضي.

هذا هو السياق الذي تنهض فيه الانتفاضات، من تونس إلى سوريا، وهو السياق الذي أصبحت الطبقات الشعبية، لا أي حزب أو سلطة، هي التي تفرض إيقاعه. وهو السياق الذي يقوم على إسقاط النظم المافياوية، والقطع مع الطغم الإمبريالية، التي ترعى تلك النظم، وفتح أفق التحرر والتطور. وسيكون الحديث عن «استعداد لحرب إقليمية كبرى» كما يعدنا الصديق إبراهيم الأمين (الأخبار 18/11/2011) جزءاً من وهم يعمم من أجل التغطية على ما يجري في سوريا، من خلال توقع حرب تستعد لها «المقاومة» وسلطة أنهكت جيشها في حرب ضد الشعب، ودفعته إلى التفكك، ولم تكن تفكّر لحظة في إمكان بدء حرب ضد الدولة الصهيونية. كنا نتمنى أن يكون ذلك ممكناً، لكن لأنّه غير ممكن تنهض الشعوب. هنا الأفق الجديد. مع ملاحظة أنّ ميزان القوى في الوضع السوري ذاته لا يسمح بتغيير يتحقق على حساب المقاومة، والشعب هو الذي حضن المقاومة في كل الأوقات التي كانت السلطة مستعدة فيها للتضحية بها.

المصدر: الأخبار

الإسلاميون يربحون؟

في تونس والمغرب، وكما يبدو أنه سيحدث في مصر، هو “انتصار الإسلاميين” في الانتخابات التي جرت وتجري. هل كان ذلك مفاجئاً؟ أو هل سيكون مفاجئاً في الانتخابات القادمة في أيًّ من البلدان الأخرى؟

ربما فرضت الانتفاضات التي اجتاحت بلدانا عربية عدة أن يجري توقع انتصار أحزاب تعبّر عن مطالب الطبقات التي انتفضت، حيث يوضع الإسلاميون خارج الأحزاب التي يمكن أن تحقق مطالب هذه الطبقات، لأنها لا تقدّم حلولاً، سواء من زاوية الديمقراطية والدولة المدنية عبر ميلها لتطبيق الشريعة، أو من زاوية المطالب الاقتصادية كونها ليبرالية وأكثر من ليبرالية من حيث “تقديسها” للملكية الخاصة. وذلك صحيح، لأنها تنطلق من أن التجارة هي الاقتصاد، ولهذا تقدّم كل التطمين لأسواق المال والطغم المالية الإمبريالية. وبالتالي، تؤكد على بقاء الوضع الاقتصادي كما صاغته الرأسمالية المافياوية التي كانت تحكم، والتي ستستمر تحكم عبر هذا الوافد الجديد، أي على الضد من مطالب الطبقات الشعبية التي انتفضت، وقام جزء منها بانتخاب هذه الأحزاب.

هنا لا بد من التمييز بين سياق الانتفاضات وسياق الانتخابات. في الانتفاضات لم يكن للإسلاميين دور مهم، وكان الشباب “غير المسيس” في الغالب هو الذي لعب الدور المحوري. لكن في الانتخابات تبرز عناصر أخرى “أهم”، هي الوجود “التنظيمي” والدعم المالي والإعلام الداعم. ولقد برز الإسلاميون في السنوات السابقة كقوة معارضة للنظم، وحققوا تواجداً مهماً، ورمزية ضرورية لكي يظهروا كبديل عن النظم البائدة، يردفهم الليبراليون. بينما كان اليسار يتلاشى تقريباً، ويظهر كقوة عاجزة وملحقة تردد إما شعارات الإسلاميين أو الليبراليين. وكان واضحاً بأن المشرفين على المرحلة الانتقالية (أي قيادة الجيش) وبنى السلطة القديمة تميل إلى دعمهم لتوسيع قاعدتها السياسية مع الحفاظ على النمط الاقتصادي. وأيضاً كانت الدول الإمبريالية تفتح الطريق لهم. كل ذلك من أجل بناء سلطة مستقرة تمتص الأزمة وتحافظ على النمط الاقتصادي الريعي.

بالتالي، فإن الدور السابق هو الذي أهّل القوى الإسلامية لأن تكون المنتصرة، لكن بدعم من النظم وراعيها، وفي وضع لم تكن الانتفاضة قد أفرزت تعبيراتها السياسية، رغم أن التدقيق في الأرقام يوضّح بأن المصوتين لهذه القوى ليسوا بالحجم “المخيف”. فمثلاً، في تونس حصدت حركة النهضة ما يقارب 40 % من المقاعد، لكن هذا الرقم يساوي أقل من 18 % من الأصوات التي يحق لها الانتخاب (أخذت 40 % من 48 % من الذين لهم حق الانتخاب). أقصد بأن هذا “الانتصار” كان طبيعياً، فقد تحصلت على استقطاب بعض الفئات الاجتماعية في انتخابات كانت كل بنية السلطة الانتقالية تعمل لصالحها.

لكن هل هي نهاية الطريق، ومآل الانتفاضات؟ هنا نعود إلى سياق الانتفاضات التي انطلقت بالتحديد من البطالة والإفقار والتهميش، وليس من أجل تغيير أشخاص وأحزاب، هل تستطيع القوى الإسلامية حل مشكلات البطالة والفقر والتهميش؟ بالتأكيد لا، هذا ليس من خوف أو تخوّف لأن الانتفاضات بدأت من أجل ذلك وستستمر إلى حين تحقيقها. وإذا كانت الانتخابات لم توصل من يحققها، فستكون الانتفاضات هي الطريق مرة أخرى. فليس لدى الطبقات الشعبية ما تخسره، بل ليس أمامها سوى أن تكسب حياتها في نمط اقتصادي يضمن لها ذلك، وهو في كل الأحوال ليس الرأسمالية، التي باتت مافياوية وريعية، وهمّشت كتلة كبيرة من المجتمع هي الطبقات الشعبية.

إذن، الطبقات الشعبية سوف تتجاوز نتائج الانتخابات، رغم أن الإسلام السياسي حاليا في قمة زهوه.

المصدر: الغد

ممكنات الحل السياسي في سوريا

طرحت جامعة الدول العربية، في محاولة منها لإيجاد حل للأزمة السورية، وقف العنف وانسحاب الجيش من المدن، ثم بدء الحوار بين السلطة والمعارضة. لا يبدو أنّ لتلك المبادرة أفقاً حوارياً، كما ظهر خلال الأسابيع الماضية، بل إنّها زادت الضغط على السلطة، بعد قرار تعليق عضوية سوريا في الجامعة، وفرض عقوبات اقتصادية. ورغم الضغط الروسي من أجل موافقة السلطة على المبادرة، إلا أنّها لم تستطع التزام وقف القتل وسحب الجيش من المدن. فهي تعرف أنّ ذلك سوف يفضي إلى «انفلات الشارع»، وهو الوضع الذي قررت فيه العنف لمنعه منذ البدء.

لكن يبدو أنّ هناك من لا يزال يأمل في «حل سياسي» في سوريا، يقوم على الحوار بين السلطة والمعارضة من أجل الانتقال إلى نظام ديموقراطي تعددي، على نحو «سلمي» و«آمن»، بعد كل هذا الدم الذي نُزف، وكل هذا العنف الذي مورس. وبالتالي، يتضح هنا العجز عن فهم الواقع في الأساس، وفهم الظروف التي جعلت الشعب ينتفض. وجعلت ما كان ممكناً يصبح مستحيلاً.

الأزمة السورية ترتبط بعناصر متعددة، منها السلطة ومنها الشعب، لكن منها كذلك قوى المعارضة بتلويناتها المختلفة. وأيضاً هناك الدول الإمبريالية التي لها مصالح، وهي مرشحة للتدخل العسكري، بعدما باتت تمارس كل أشكال الضغط الاقتصادي والسياسي، لكن يبقى الأمر مرتبطاً أساساً بطرفين، هما السلطة والشعب.

هل يمكن أن تقوم السلطة بإصلاح ذاتها من أجل أن تصبح قادرة على استيعاب المشكلات التي أفضت إلى انتفاض الشعب؟
ربما كان العقد الأول من هذا القرن هو عقد المطالبة بالإصلاح في سوريا. فمنذ «خطاب القسم» والنخب وأحزاب المعارضة في غالبيتها تطالب بتحقيق الإصلاح، وتدعو إلى تحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية. وهي هنا كانت تدعو السلطة ذاتها، وترسل الإشارات إليها من أجل تحقيق ذلك عبر الحوار مع المعارضة، لكن رغم ما تضمنه «خطاب القسم»، ثم ما قرره المؤتمر القطري لحزب البعث في 2005، ظلت الوعود على حالها، إلا ما تعلق بالاقتصاد. فقد تحققت هنا عملية إصلاح شاملة حوّلت الاقتصاد من اقتصاد تؤدي الدولة دوراً محورياً فيه إلى اقتصاد ليبرالي ريعي بكل معنى الكلمة. وهو الوضع الذي كان في أساس الانفجار الاجتماعي الذي نعيشه، إذ أصبحت نسبة البطالة 33% تقريباً، وأصبحت الفئات المفقرة تزيد على نصف المجتمع، وانهار التعليم لمصلحة التعليم الخاص، وكذا الطبابة، التي انهارت لمصلحة المشافي الخاصة.
وبدل أن يخدم ذلك التحوّل دمقرطة الدولة، خدم تعزيز الاستبداد. فقد أصبحت «الطبقة الجديدة» (رجال الأعمال الجدد الذين ينشطون في الخدمات والعقار والسياحة والاستيراد)، التي باتت تسيطر على السلطة بعدما كانت السلطة هي التي تسيطر على «كبار موظفين» نهبوا وأثروا من خلالها، باتت معنية بالحفاظ على الطابع الاستبدادي للسلطة لأنّها تنشط في «الأسود» من جهة، ولأنّ سيطرتها تلك جعلتها قادرة على إخضاع البرجوازية التقليدية، ودمجها في سياق آلياتها الاقتصادية من جهة أخرى. وأيضاً لأنّ النشاط الاقتصادي الذي تمارسه هو نشاط نهب وفساد (سيطرة على الأرض، ونهب القطاع العام، والتهريب) وهو لا يحتاج إلى قانون، بل إلى غياب للقانون من جهة ثالثة، إضافة إلى أنّ السلطة هي التي توفر لها الوضع الاحتكاري رابعاً.

لذلك، تمظهرت السلطة في فئة تحتكر الثروة، يدور حولها قطاع من المستفيدين، وتُخضع قطاع من البرجوازية التقليدية. وهي التي تمسك بالسلطة الأمنية العسكرية. وترى الآن أنّ أيّ تعديل في بنية السلطة لمصلحة إعطاء فسحة ديموقراطية تسمح بالنقد والصراع ووجود الأحزاب، وبالتالي التنافس في انتخابات (حتى وإن لم تكن نزيهة)، ترى أنّه يضرّ بسلطتها، وأساساً احتكارها الاقتصادي لأنّه سوف يعطي فسحة للبرجوازية التقليدية لتعديل العلاقة القائمة الآن، وهي علاقة تبعية وفرض. إضافة إلى مستتبعات ذلك من حيث فتح الملفات، وهذا ما عبّر عنه رامي مخلوف في صحيفة أميركية، حين أكد أنّهم اتخذوا قراراً بخوض الصراع إلى النهاية. فهم يعرفون أنّ أيّ تغيير سوف يقود إلى فتح ملفين بالضرورة، الأول هو ملف الاعتقال، وبالتالي وضع الأجهزة الأمنية في بنية السلطة، وسيطرتها على كل شيء، ولا شك في أنّ تقزيم دور الأجهزة الأمنية يعني بالضرورة إضعاف سيطرة هذه الفئة على الاقتصاد، وفتح أفق «تنافس» ليس من مصلحتها. والثاني هو ملف الفساد والنهب، الذي مورس خلال العقود السابقة، وهذا يطاول تلك الفئة بالتحديد، لأنّها من نهب كل ما أنتجه القطاع العام، وما كدح الشعب من أجل توفيره.

وكما رأينا في تونس ومصر وليبيا، وما هو مطروح في اليمن، فإنّ هذا الطابع البوليسي المافياوي للنظم هو من نتاج احتكار فئات مافياوية للاقتصاد، التي لا ترى إمكاناً لتعديل بنية السلطة على ضوء مطالب الشعب، ولا هي معنية بتخفيف النهب من أجل توظيف العاطلين من العمل أو زيادة الأجور، وتعرف أنّ أي انفراج ديموقراطي سوف يفتح على حراك طبقي واسع. وهو الأمر الذي دفع فئة من السلطة في تلك البلدان إلى «الانشقاق» من أجل تحقيق «مرونة» ما، تسمح بتحقيق انفراج ديموقراطي أوسع. بمعنى أنّه لا بد من إزالة الاحتكار المهيمن لكي يصبح ممكناً تحقيق أفق لإعادة صياغة السلطة. وذلك ما نلمسه في سوريا، إذ إنّ الفئة المتحكمة في الاقتصاد والأمن والسياسة تعرف أنّ الوضع الذي هي فيه لا يمكن فكفكته، أو تغييره، لأنّ ذلك سيقود إلى نهايتها. ذلك ما جعلها تقاتل منذ اللحظة الأولى بكل عنف، وتستمر في ذلك. رغم كل الوعود والقرارات التي صدرت من أجل «الإصلاح»، والتي لم تكن سوى إعادة صياغة لوضع السلطة دون أيّ تنازل، حتى في المستوى الشكلي.

بالتالي، فإنّ كل إمكان لحوار من أجل تحقيق انتقال سلمي من الاستبداد إلى الديموقراطية ليس قائماً، وليس من العقل المراهنة عليه، أو توقّع أن تتنبه السلطة ذاتها إلى ضرورة تحقيق هذا الإصلاح. ولا شك في أنّ الدم الذي نزف عبر آلاف الشهداء لا يُبقي أي خيط ممكن في هذا السياق. ولهذا سيبدو أي موقف ينطلق من فرضية إمكان الإصلاح، أو «التغيير من خلال الحوار مع السلطة»، موقفاً انتهازياً، أو مبنياً على فهم غاية الخطأ.

لم تكن بالتالي، الطبقات الشعبية، تنتفض لأنّها تعتقد بأنّ السلطة يمكن أن تُصلح، ولو كانت ظنت ذلك لما انتفضت أصلاً، وربما كانت قامت بأشكال احتجاج أخرى، مثل الإضراب أو الاعتصام، لكنّها توصّلت بعد حديث طويل عن الإصلاح (منذ 1990 يدور الحديث عن الإصلاح، ثم خصوصاً منذ 2000) إلى أنّ هذه السلطة لا يمكن أن تُصلح. ولقد أسهم في ذلك تراكم الاحتقان مع استمرار انهيار الوضع الاقتصادي إلى اللحظة التي فرضت تفجّر الانتفاضة.

وبالتالي فإنّ تحوّل الطبقات الشعبية من حالة الركود والسكون والانتظار إلى حالة الثورة يعني بالضبط أنّ الإصلاح لم يعد ممكناً، فقد انتظرت ما يكفي، وتحملت ما جعلها تُسحق، دون أن تلمس تغييراً يأتي من طرف السلطة. لهذا أخذت أمرها بيدها، تمردت، انتفضت، وثارت. وهنا يصبح الإصلاح من الماضي. ويصبح إسقاط السلطة هو المطروح، وليس أي شيء آخر.

إذاً يصبح السؤال هو: ما هي ممكنات الحل؟

في الإطار النظري هناك ثلاثة خيارات، الأول يتعلق باستطاعة الشعب السيطرة على السلطة، من خلال السيطرة على مراكزها العسكرية والأمنية والسيادية. وهذا يبدو مستحيلاً نتيجة عفوية الانتفاضة، والعنف الذي يقابل السلمية التي تحكمها، وغياب الأحزاب السياسية التي تمتلك الاستراتيجية لتحقيق ذلك. والثاني يتعلق بأن تفضي قوة الانتفاضة واستمراريتها إلى عجز السلطة، وضعف مقدرتها على القمع، ومن ثم حدوث انهيار فيها، أو انقلاب داخلي، أو تصفيات داخلية، تقود إلى أن تمسك بالسلطة فئات تشرف على مرحلة انتقالية تفضي إلى الانتقال من الاستبداد إلى «الديموقراطية». والثالث يمكن أن يكون حاضراً إذا لم يتحقق الخيار الثاني، وتوسع القتل والعنف الوحشي، وتوسعت الانشقاقات في الجيش، لكن أيضاً قبول الدول الإمبريالية التدخل العسكري، عبر الحظر الجوي. وهذا هو الخيار الأسوأ، لأنّه سوف يحوّل الانتفاضة إلى حرب حقيقية، لكن الأخطر هو أنّ احتمالات نشوب الصراع الطائفي تصبح ممكنة، وهو الأمر الذي يفضي إلى تدمير واسع، وقتل كثير، وكذلك سلطة ضعيفة ومفككة طائفياً وتابعة.

ورغم أنّ العديد من قوى المعارضة انطلقت في سياستها من ضرورة التدخل العسكري لقناعتها بأنّ تغيير السلطة ليس ممكناً إلا عبر هذا التدخل، كما حصل في العراق وليبيا (ولقد عملت طيلة الأشهر الماضية لتحقيق هذه السياسة، وأدخلت الفكرة إلى داخل الانتفاضة ذاتها، وإن ظل ذلك على السطح) فإنّ الوصول إلى ذلك يعتمد على مصلحة الدول الإمبريالية في التدخل (التي لا تبدو متحمسة إلى الآن)، لكن في كلّ الأحوال تكون السلطة هي التي دفعت إلى هذا المآل نتيجة القتل والتعذيب الشديد والعنف الدموي، وتوسيعها القتل والتدمير في كل المناطق. وسيكون هذا المآل مرجحاً فيما إذا ظلت السلطة متماسكة ودموية، في وضع لا يبدو أن الشعب يمكنه أن يتراجع.

بالتالي يجب أن يكون واضحاً أنّ السلطة «عاجزة» عن الإصلاح، لأنّه يعني سقوط الفئات التي تحتكر الثروة والسلطة الآن. وكل أمل في هذا السياق يجب أن يُسقط. وأيضاً يجب أن يكون واضحاً أنّ التدخل الإمبريالي، سواء طرح في صيغة حماية المدنيين أو الحظر الجوي، سوف يقود إلى تدخل عسكري إمبريالي لا يخفف الدم، بل يفتح شلالاً منه، ويفتح على تفكيك المجتمع طائفياً، وتدمير البنى التحتية والمدن. ورغم أنّ السلطة هي المسؤولة عن كل تدخل، فإنّ كل الداعين إلى ذلك هم مسؤولون كذلك.

لهذا ليس الحل سوى في توسيع الانتفاضة، وتصعيد قوتها لفتح أفق التغيير. هذا هو الخيار الوحيد الذي يخدم التطوّر والدمقرطة. وهنا تكمن أهمية العمل على إدماج الفئات التي لم تشارك في الانتفاضة بعد، أو حتى المتخوّفة منها، أو من مآلاتها. فهذا كلّه هو الذي يقود إلى تحقيق التغيير، ويمنع التدخل الإمبريالي وكل مستتبعاته. لذا، فإن من لا يريد التدخل والحرب الطائفية عليه أن يشارك في الانتفاضة، من أجل تغيير حقيقي.

المصدر: الأخبار

الانتفاضات العربية: أيّ تغيـير حققت؟

قد يبدو أنّ التغييرات التي تحققها الانتفاضات التي تعم العالم العربي شكلية، وقد تكون تلك التغييرات الشكلية مجال تعميم فكرة أنّها مؤامرة، الهدف منها تغيير نظم مهترئة لمصلحة نظم جديدة تخدم الإمبريالية. فما تحقق في البلدان التي انتصرت فيها هو إزاحة أشخاص لمصلحة آخرين، مع تحقيق انفراج ديموقراطي، لم يصل إلى حدّ بناء دولة مدنية ديموقراطية، وبالتالي ظلّت البنية «الصلبة» للسلطة كما هي، وتمثّل المصالح ذاتها، والارتباطات ذاتها. لذلك تصبح الانتفاضات كلّها مجال شك، ويسيطر المنطق الذي يرى أنّ الإمبريالية تغيّر جلد نظمها.

ربما حكم ذلك الجو النظر إلى التغيير الذي بدأ منذ خمسينات القرن العشرين. فقد تحقق التغيير عبر انقلابات عسكرية، في مصر وسوريا والعراق، والسودان وليبيا واليمن. ولقد نُظر إلى ذلك انطلاقاً من الموجة الأميركية لتغيير النظم، من أجل أن تحلّ محل الاستعمار القديم. فالانقلابات لعبة أميركية نجحت في أميركا اللاتينية وبعض بلدان آسيا، وحتى في اليونان. وفي ذلك السياق، أصبحت تدرج الانقلابات في الوطن العربي، وخصوصاً أنّ انقلابات سوريا سنوات 1949 و1950، جاءت ضمن سياق الصراع الأميركي الأوروبي للسيطرة.

كان منطلق ذلك التحليل، ربما، هو أنّ الجيوش هي صنيعة النظم، التي هي بدورها صنيعة «الغرب الاستعماري»، ولهذا فإنّ دورها الجديد لا بد أن يكون ضمن سياق سياسة «غربية» لتجديد السيطرة على المنطقة. وذلك ما جعل اليسار يشكك في ما يجري، ويطالب بالنضال ضده. وكان «هوى» عبد الناصر «الأميركي» في السنوات الأولى يعطي هذا الانطباع، ويعزّز التصور بشأن أنّ ما يجري هو تغيير شكلي لمصلحة السيطرة الأميركية، التي باتت ترث الاستعمار القديم، رغم أنّ انقلاب «23 يوليو» كان بتحالف مع شيوعيين.

من حيث الشكل، الجيوش هي أداة نظم، وطبقات مسيطرة، لا شك في ذلك. وأيضاً فإنّ الانقلابات هي لعب إمبريالي، لكن ما كان يجري في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية كان يشير إلى أنّ المجتمعات تضج بالحاجة إلى التغيير. لم يكن يلمس ذلك الذين كانوا «يناضلون» في إطار الديموقراطية ومن أجلها (أو بالتحديد دمقرطة النظم)، ولم يكن الشيوعيون يتلمسونه كذلك، فنضالهم كان من أجل الديموقراطية. لذلك كانت الانقلابات مفاجئة، وليست في السياق الذي ترسمه هذه الأطراف كلها.

لكن تبيّن أنّ المسألة لم تكن تتعلق بانقلابات أميركية ولا خارج السياق، بل إنّها في صلب الوضع، ونتاج المشكلات التي تسكنه. فقد كان الوضع المجتمعي يفرض تغيير النمط الاقتصادي الذي كان يهمّش كتلة كبيرة من السكان، ويمركز الثروة بيد أقلية ضئيلة، ويقوم على السحق والاضطهاد الذي كان يطاول الريف، أكثر مما كان يطاول المدينة. الريف الذي كان يمثّل الكتلة الأساسية من السكان ومن قوى الإنتاج والدخل الوطني. وهو الوضع الذي كان يدفع إلى التغيير، إذ لم تعد الطبقات الشعبية (وخصوصاً في الريف) قادرة على العيش، ولا السلطة باتت قادرة على الحكم. ورغم وجود الأحزاب، الكبيرة والقوية، ومنها الأحزاب الشيوعية، لم تكن في وارد التغيير، الأمر الذي فرض تحوّل الجيش (الذي كان قد أصبح فلاحياً في كوادره الوسطى وجنوده) إلى قوة تغيير، تحمل أحلام التطور والحداثة التي كانت قد تعممت كأفكار ومطالب طيلة عقود سابقة.

وإذا كانت هناك أوهام بدعم أميركي نتيجة وضع أميركا حينها، الذي كان يظهر كداعم لحق تقرير المصير والاستقلال، فإنّ مطالب الواقع كانت تظهر التفارق، وتؤسس لتناقض سرعان ما ظهر. فما كان يجري هو نهوض شعبي من أجل التغيير، ولم يكن ممكناً توقفه عند حدّ التغيير الشكلي، بل كان يندفع نحو تغيير عميق. وهو ما تبلور في حمل فئات ريفية حلم التغيير، الذي فرض تحقيق الإصلاح الزراعي (وبالتالي تحرير الريف من اضطهاد إقطاعي طويل)، وتعميم التعليم المجاني (الذي كان حلم فئات واسعة)، وبناء الصناعة، وحلّ مشكلة البطالة، وكلّ المسائل التي لمسناها خلال سنوات الخمسينات السبعينات. بمعنى أنّ الريف لم يعد قادراً على بقاء الوضع كما هو، وكان يبحث عن التغيير، فلم يجد سوى الجيش مدخلاً لذلك.

بغض النظر عن النتائج، التي يمكن البحث فيها، وخصوصاً نتيجة سيطرة فئات ريفية تبحث عن تحوّلها الطبقي، فإن ما ظهر هو أنّ الخوف والأحكام وكل التقويم الذي طاول هذا التغيير، لم تكن جميعها صحيحة، وعبّرت عن سوء فهم للواقع. وانبنت على تصورات عمومية وشكلية تعتمد على ما يمكن أن يسمى «رؤية» للصراع العالمي، لا فهماً لمشكلات المجتمعات ووضع الطبقات الشعبية، وفهم الظروف التي فرضت (أو تفرض) التغيير.

إذاً، لا بد من الانتقال من الفهم الشكلي إلى فهم عمق المشكلات، وانعكاسها على الحراك الذي يجري. وذلك كان الهدف من تناول وضع التحوّلات في الخمسينات، إذ ظهر أنّ الشك لم يكن مبنياً على فهم حقيقي للواقع، بغض النظر عن كل النتائج التالية، التي يمكن البحث فيها. وكان الفهم العمومي، والمتعلق بما هو عالمي، هو الأساس في سوء الفهم.

الآن، يحدث الشيء ذاته. رغم اختلاف أشكال التغيير (على نحو جذري). فالشعب هو الذي يغيّر اليوم، لهذا ستكون النتائج عميقة وجذرية. ولهذا سنلحظ أنّ الأمور معكوسة، إذ لا تزال النظم هي ذاتها في الجوهر، أي من حيث الموقف من النمط الاقتصادي، بغض النظر عن اختلاف الأشخاص وشكل الحكم. وسنلمس أنّ مشكلة الأربعينات نفسها قائمة الآن، إذ لا أحزاب قادرة على تحقيق التغيير لمصلحة الطبقات الشعبية.

بالتالي لم تتغيّر النظم حقيقة، ولا تزال هي نظم الرأسمالية المافياوية التابعة (حتى حين تصبح حركة النهضة هي السلطة)، لكن لم تثر الطبقات الشعبية من أجل ذلك، وإذا كانت عاجزة الآن عن تحقيق التغيير الذي يحقق مصالحها، فإنها سوف تظل تقاتل إلى أن تحقق هذه المصالح. بمعنى أنّ التغيير الشكلي الذي تحقق لن يقود إلى تهدئة هذه الطبقات، ولا إلى عودة الاستقرار، بل سيكون «مرحلياً». فالمطلوب اليوم، كما كان في الخمسينات، وربما على نحو أعمق، هو تغيير النمط الاقتصادي بما يسمح بحل مشكلات البطالة والأجر والتعليم والصحة بالأساس. لذلك، فإنّ تحقيق هذا الشكل من التغيير الآن، الذي نتج عن غياب الأحزاب المعبّرة عن الطبقات الشعبية بالتحديد، لا يعني نهاية الصراع، بل تحقيق خطوة أولية في طريق تحقيق التغيير الذي يحقق مطالب الطبقات الشعبية.

إن ما يجب أن يلمس هو «روح» الانتفاضات التي بدأت، لا شكل التغيير الآني، لأنّ «انفلات» الطبقات الشعبية سوف يفتح الأفق لصراع لن ينتهي إلا بتحقيق مطالب هذه الطبقات. المطلوب اليوم هو تغيير النمط الاقتصادي من أجل تأسيس اقتصاد منتج، هو وحده الذي يضمن حل مشكلات الطبقات الشعبية، العمل والأجر والتعليم والصحة.

ومن ثم إذا لم تُفهم طبيعة دور الجيش في الخمسينات من القرن الماضي، فإنّ ما لا يُفهم اليوم هو أنّ الوضع لا يقبل هذا التغيير الشكلي، وأنّ الصراع سوف يستمر إلى أن يتحقق التغيير العميق.

إنّنا في لحظة تفرض التغيير الجذري، أي ذاك المتعلق بالنمط الاقتصادي، وكلّ تغيير شكلي سوف يسقط في الطريق، لأنّ الطبقات الشعبية لم تعد قادرة على تحمّل الوضع الذي هي فيه، وباتت النظم أعجز عن أن تحكم. وبالتالي، فإنّ محاولات الامتصاص أو الالتفاف سوف تتساقط الواحدة بعد الأخرى.

نحن في هذه النقطة. الأمر الذي يفرض إسقاط كل التهويش الذي يجري، والانطلاق من «هلام عالمي» لا يعني شيئاً في الواقع الآن. بمعنى ليست السياسات الإمبريالية هي التي ستصوغ الأفق، بل الشعب هو من سيفعل ذلك.

المصدر: الأخبار