أزمة اليونان ومصير الرأسمالية

صوت اليونانيون على رفض الشروط التي وضعها الدائنون لاستمرار تقديم القروض، ولا شك أن هذه الخطوة تفتح على وضع جديد قد يؤدي إلى “أزمة عالمية”.

فقد راكمت اليونان ديونا وصلت سنة 2010 إلى 177% قياسا على الناتج القومي، مما يعني أنها باتت على حافة الإفلاس، حيث لم تعد الدولة قادرة على سداد فوائد الديون المتراكمة، وبالتالي باتت بحاجة إلى مساعدة من أجل تجاوز أزمتها.

أدى هذا الأمر إلى قبول صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنوك الدائنة سنة 2012 بتقديم قروض جديدة لتجاوز الأزمة، لكنها فرضت على اليونان (كما فرضت على إسبانيا) سياسة تقشف شديدة لكي تضمن قدرة الدولة على السداد.

“سياسة التقشف التي فرضها الدائنون أفضت إلى تصاعد الاحتجاجات، وإلى نشوء “ميل يساري” جارف تبلور في توحيد نقابات ومجموعات يسارية مختلفة المشارب، وشباب يساري في حزب سيريزا، الذي خاض الصراع ضد سياسة التقشف”

هذه السياسة التي مورست منذ تلك السنة فرضت انخفاضا شديدا في الوضع المعيشي لطبقات متعددة من العمال والفلاحين والفئات الوسطى وغيرها، ربما وحدها البرجوازية اليونانية لم تتأثر بالأمر.

ولا شك في أن انفجار الأزمة المالية العالمية (والأميركية خصوصا) في سبتمبر/أيلول سنة 2008 قد انعكس على اليونان، فزادت الأزمة في صعوبات الاقتصاد. ولهذا شهدنا تحرّكا عماليا ومن طبقات شعبية قد بدأ سنة 2010 قبيل الثورات العربية، لكنه لم يتطور إلى ثورة.

لكن سياسة التقشف التي فرضها الدائنون أفضت إلى تصاعد الاحتجاجات، وإلى نشوء “ميل يساري” جارف تبلور في توحيد نقابات ومجموعات يسارية مختلفة المشارب، وشباب يساري في حزب سيريزا، الذي خاض الصراع ضد سياسة التقشف. ومن ثم وصل إلى السلطة، وطرح على الاستفتاء شروط الدائنين، لتكون النتيجة هي لا.

التوظيف في المديونية
لم يكن تراكم المديونية على اليونان صدفة، حيث أصبحت المديونية توظيفا رأسماليا، رغم أنه يُطرح حلا لأزمة تعيشها الدول تتعلق بالعجز في الموازنة.

ولا شك أن اليونان كانت تعيش وضعا اقتصاديا صعبا قبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وبعد الحصول على المعايير التي تحددت لهذا الأمر، ولذا ظهر أن الحكومة اليونانية قد “زورت” في الأرقام لكي تحصل على الموافقة على انضمامها، وأيضا يمكن القول إن تواطؤا أوروبيا قد حصل.

ولكن الانضمام نفسه زاد في أزمة اليونان، حيث رفع مستوى المعيشة لكي يوازي الوضع الأوروبي، دون أن ترتفع الأجور بالمستوى ذاته. خصوصا مع سياسة الخصخصة التي جرت، واللبرلة التي عممت بشكل كبير. وزاد هذا الأمر من نسبة الاستدانة، الذي ارتفع إلى مستوى هدد بإفلاس الدولة بعد أن باتت عاجزة عن سداد فوائد ديونها. كل ذلك ضمن “لعبة” ضغطت الطغم المالية لكي تتحقق بالتعاون مع البرجوازية اليونانية.

إن مسألة الاستدانة يجب عدم النظر إليها من زاوية الحاجة الداخلية، حيث يجري عادة تضخيم هذا الأمر لتبرير الاستدانة، بل نتيجة حاجة الطغم المالية إلى التوظيف بعد أن أُشبعت إمكانات التوظيف في الاقتصاد الحقيقي، وبالتالي حدوث تراكم مالي هائل في البنوك والمؤسسات المالية يحتاج إلى تحريك كي لا يتآكل نتيجة التضخم.

وكانت مسألة الديون واحدة من أشكال التوظيف التي حققت أرباحا هائلة، وأوقعت الكثير من دول العالم في مأزق، جعلها تقبل بكل الشروط التي يتصدى لطرحها عادة صندوق النقد الدولي الممثل لتلك الطغم المالية، حيث لا تعود الدولة قادرة على سداد فوائد الديون وليس فقط الديون ذاتها التي تتراكم بشكل متسارع. ولهذا يمكن القول إن ما جرى في اليونان، وكثير من البلدان الأخرى، هو عملية نهب بالتشارك مع البرجوازية المحلية وتسهيلها.

والحل حسبما تطرح الطغم المالية هو فرض التقشف على الشعب من أجل نهب المجتمع كي تظل الأرباح تتراكم لديها، فقد نهب “القطاع العام” عبر الخصخصة، وبيعت كثير من “البنية التحتية” التي كانت تعد جزءا من “الحق العام” (المواصلات والاتصالات والصحة والشواطئ وغيرها)، وأصبح مطلوبا تدمير “الوضع المعيشي” للطبقات الشعبية، من خلال تراجع الأجور، وزيادة الضرائب، وخصخصة ما كان “مباحا” (أو عاما).

“لا شك أن رفض سياسة التقشف، وبالتالي رفض شروط الدائنين، هو بداية لمسار يمكن أن تكون آثاره خطيرة على أوروبا وعلى الاقتصاد العالمي. فهذا الرفض يمكن أن يتطور إلى وقف تسديد فوائد الديون، وربما لخروج اليونان من الاتحاد الأوروبي”

التحول نحو اليسار
كان وضع الطبقات الشعبية اليونانية صعبا، خصوصا منذ الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008، لكنها ازدادت صعوبة بشكل لافت بعد فرض التقشف على ضوء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية المقرضة (وهي في الغالب بنوك فرنسية ألمانية) سنة 2012.

وإذا كانت الاحتجاجات قد تفجرت سنة 2010 فقد أخذت تتصاعد بعد الاتفاق، وأصبح واضحا أنه يجب مقاومة تلك السياسة التي تفرض التقشف، ورفض البرجوازية التي حكمت طويلا (سواء باسم اليمين أو اليسار)، وبالتالي تنحية “الطبقة السياسية” التي قادت إلى الكارثة.

لهذا تشكّل حزب سيريزا كتوحيد لمجموعات يسارية مناهضة للتقشف، ورافضة للشروط المملاة على اليونان من قبل الدائنين، وأصبح الحزب بسرعة قوة كبيرة نتيجة النقمة التي أخذت تتشكّل في الشارع اليوناني بسبب تلك السياسة التي زادت في إفقار فئات جديدة، وهددت بتحوّل وضع قطاع كبير من الشعب نحو العجز عن الحصول على المستوى القائم الآن.

وقد أدى هذا الأمر لأن يحصد حزب سيريزا الأصوات التي جعلته الحزب الذي يستحق تشكيل الحكومة، وتهميش الأحزاب القديمة، وإظهار ضعف سياسة الحزب الشيوعي الذي لم يحصل إلا على 6% من الأصوات. وبالتالي، رفض الشروط المملاة عبر الاستفتاء الذي جرى يوم 5/7/ 2015.

رفض سياسة التقشف
لا شك أن رفض سياسة التقشف، وبالتالي رفض شروط الدائنين، هو البداية لمسار يمكن أن تكون آثاره خطيرة على أوروبا وعلى الاقتصاد العالمي. حيث إن هذا الرفض يمكن أن يتطور إلى وقف تسديد فوائد الديون، وإذا ما رد الدائنون بطريقة متشددة فإن الأمر سوف يقود إلى خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي يعني فقدان الديون نفسها.

هذا احتمال خطير، لأنه يعني احتمال انهيار بنوك أساسية في أوروبا (فرنسية وألمانية)، الأمر الذي سينعكس على مجمل الاقتصاد العالمي، والأميركي خصوصا، مما قد يؤدي إلى أزمة مالية جديدة تهزّ الاقتصاد العالمي. فقد أصبحت البنوك هي نقطة ضعف النمط الرأسمالي، وباتت بحاجة إلى دعم الدول، وهو الأمر الذي يراكم المديونية على الدول المركزية ذاتها، أي أميركا وفرنسا وألمانيا.
وهي في حالة أميركا وصلت إلى حد مرتفع جدا عن السقف، وباتت تتجاوز الناتج القومي. لكن نجاح الشعب اليوناني في رفض الشروط سوف يسمح بتمدد الحالة اليونانية إلى بلدان أخرى تعاني المشكلات نفسها، خصوصا هنا إسبانيا التي تنتظر نجاح حركة بديموس في الانتخابات نهاية السنة، وربما يحدث الأمر نفسه في إيطاليا والبرتغال وبعض بلدان أوروبا الشرقية. حيث إن “حالة التمرّد” اليونانية سوف تشجّع الشعوب الأخرى على التمرّد. وهو الأمر الذي يعني زيادة الأخطار على الطغم المالية الأوروبية، وعلى مجمل الاقتصاد الأوروبي، وعلى الاتحاد الأوروبي الذي سيجد أنه آخذ في التفكك بعد أن نهبت الرأسمالية الألمانية بلدانه. وبالتالي على مجمل الاقتصاد الرأسمالي كما أشرنا.

لهذا ستكون العلاقة بين اليونان والدائنين حساسة، ولا تسمح بتهوّر من قبل هؤلاء، بل يمكن أن تسير الأمور ليس نحو التصعيد بل نحو المناورة “طويلة الأمد” نسبيا. والمراهنة هنا ستكون على تفكك حزب سيريزا نفسه. ولكن ربما تفلت الأمور مع تصاعد الضغوط الشعبية الداخلية بما يفرض على حزب سيريزا التشدد بدل القبول بحل “وسط”.

“ربما تشير استقالة وزير المالية، الذي كان يعتبر الشخص الأكثر تشددا ضد الدائنين، بعد التصويت بـ(لا) على شروط الدائنين، إلى أن الحكومة الجديدة لا تريد الذهاب إلى النهاية في الصراع مع الدائنين، بل تريد تعديل شروط التقشف فقط”

وضع حزب سيريزا
ربما تشير استقالة وزير المالية، الذي كان يعد الشخص الأكثر تشددا ضد الدائنين، بعد التصويت بلا على شروط الدائنين، إلى أن الحكومة الجديدة لا تريد الذهاب إلى النهاية في الصراع مع الدائنين، بل تريد تعديل شروط التقشف فقط. وأعتقد أن ذلك صحيح بشكل ما، حيث إن الحزب الذي قام على سياسة رفضية (أي رفض سياسة التقشف) يحوي تيارات متعددة، بعضها إصلاحي وبعضها متشدد.

فهناك في الحزب من يريد ليس إلغاء الديون فقط بل كذلك مصادرة أموال البرجوازية اليونانية التي كانت وحدها المستفيدة من الديون المتراكمة على اليونان. لكن في المقابل هناك من لا يريد الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولا القطع مع الدائنين، بل يريد تخفيف آثار سياسة التقشف على الشعب. ومن هؤلاء رئيس الوزراء نفسه.

بالتالي فإن “لا” التي نتجت عن الاستفتاء لا تعني نهاية الأمر، بل تعني العودة للمناورة مع الدائنين من أجل شروط أفضل. وفي هذه المعادلة سوف يدخل الحزب نتيجة الميل الإصلاحي الذي سوف يفرض نفسه، في تمزقات وانشقاقات، تضعف الحزب كقوة تقاوم سياسة التقشف، وتدفع إلى إعادة صياغة الحكومة بتحالفات جديدة أقل رفضا لتلك السياسة.

ورغم أن ذلك سوف يقود إلى الاتفاق مع الدائنين بشروط “أفضل”، لكنها في الواقع هي نفسها، بحيث لن تلغي تأثيرها على الشعب الذي دخل في حالة من انهيار وضعه المعيشي وفقدانه للحقوق التي تحصّل عليها في السابق، وهو أمر خطير، ولكنه لن يوقف الاندفاع الشعبي نحو اليسار، حيث إن انهيار الوضع المعيشي مع استمرار سياسة التقشف -حتى وإن كانت مخففة- سوف يعزز الميل نحو اليسار، ويدفع نحو التجذير وليس تكيف الشعب مع الأمر الواقع.

في كل الأحوال سوف يؤدي ما حدث في اليونان إلى زيادة تمرّد شعوب أخرى، لكن كذلك إلى تجذّر الصراع في اليونان وفرز القوى أكثر.

لقد مال الشعب اليوناني نحو اليسار، وسوف يتعمق هذا الميل مع زيادة صعوبة وضعه المعيشي. وإذا كان حزب سيريزا لا يمثّل يسارا جذريا الآن فإن تطور الصراع سوف يقود إلى ذلك.

المصدر: الجزيرة

Advertisements

أميركا مع مَنْ في سورية؟

تشير آخر التصريحات الأميركية إلى رفض واشنطن المنطقة العازلة في الشمال السوري، وهو المقترح الذي تطرحه تركيا. وقبلها قررت تدريب “مقاتلين معتدلين” من المعارضة السورية، فقط للحرب ضد داعش، وطلبت ممن وافق على التدريب أن يوقع رسمياً أن مهمته تتمثل في ذلك فقط، ولا علاقة له بالصراع ضد السلطة.
يطرح هذا سؤالاً عن طبيعة موقف الولايات المتحدة من النظام السوري، ومن الصراع في سورية. هل تسعى إلى “إسقاط النظام”، وافتعلت كل هذه “المؤامرة” من أجل ذلك، كما يشير الخطاب الممانع وخطاب النظام نفسه، أم أنها في مكان آخر يظهر الآن واضحاً؟
لم يكن لدى السلطة، واليسار الممانع خلفها، سوى أن يدعيا أن الثورة من فعل “مؤامرة إمبريالية” ضد سورية، “الدولة الممانعة والتي تدعم المقاومة” و”الدولة التنموية التي أبت الانخراط في النمط الرأسمالي”. لم يكن لديها غير هذا الخطاب، على الرغم من أن الموقف الأميركي منذ البدء كان “باهتاً”، ومتردداً. وفي الواقع، عمل على كبح كل محاولة للتدخل من دول إقليمية، وموّه على المعارضة وضللها، وشوش على الثورة عن قصد. فقد رفض تدخل “الناتو” حين طَرحته تركيا وفرنسا، وماطل لكي لا يتحقق التدخل، ونجح. وكان واضحاً أنه يقرر، على الأقل منذ بداية سنة 2012، أن سورية من حصة روسيا في عملية تقاسم عالمي بين إمبرياليات تجري، خصوصاً هنا بين أميركا وروسيا. ومن ثم عملت على تحوير وضع معارضة الخارج لكي تقبل بجنيف1 أساساً للحل، بعد تهميش سيطرة الإخوان المسلمين فيها. وعلى الرغم من أنها دعمت “الإخوان” في دول أخرى، فهي لم تدعمهم في سورية، لأنها لم تكن تفكّر في ترتيب الوضع السوري، أصلاً، بعد أن “انسحبت” من “الشرق الأوسط” الصغير.
وظهر الأمر في منع إيصال سلاح “نوعي” إلى الكتائب المقاتلة، ربما فلت الأمر في الفترة الأخيرة، وجزئياً فقط، لأن منع إيصال مضادات طيران ما زال قائماً، وهو السلاح الأكثر ضرورة لهزيمة السلطة لشلّ قوتها الجوية التي تفرض واشنطن منع انهيارها. وما زالت تمنع تركيا من أن تتدخل مباشرة، وتتقصد إحراجها والضغط عليها.
لهذا، حينما كان يقال إن أميركا تتلطى خلف الفيتو الروسي، حينما كانت موسكو تتشدد لمنع استصدار أي قرار يدين النظام السوري، كانت تتحجج به، لكي لا تظهر موقفها واضحاً، في وضع كانت تريد اللعب فيه على المعارضة خصوصاً، والسماح بالقول إن أميركا مع سقوط بشار. وما يجري الآن من تحويل للصراع من صراع ثورة ضد النظام إلى “حرب ضد داعش” يوضح الهدف الأميركي. باتت تتدخل في سورية من دون أن يعترض الممانعون ولا النظام. على العكس، يجري التأكيد على أولوية الحرب ضد داعش وعلى التنسيق. وهي تفعل ذلك، بالضبط، لأن أولويتها هي أولوية السلطة نفسها، أي سحق الثورة. بعد الثورات العربية لم تعد أولويات أميركا نفسها التي كانت قبلاً (تغيرت أصلاً بعد نجاح أوباما)، فقد أصبح سحق الثورات الهدف الأساس، لأنها تعي أن العالم الرأسمالي في أزمة عميقة لم تحلّ ولن تحل، وبالتالي، سيعني امتداد الثورات، من تونس إلى سورية، مروراً بكل الدول الأخرى، امتدادها إلى العالم. وإذا كانت قد اشتغلت على تدمير فكرة الثورة، منذ نشر خطاب العولمة، فقد أصبحت معنية بعد انفجارها على تدميرها فعلياً، وتشويهها لكي يتكرّس تدمير الفكرة، على أساس أن ذلك سينهي الثورات في عالم بات مختزناً بالثورة.
لا شك أن الممانعين كانوا يضحكون في سرهم، لأنه ظهر أن أميركا في صفهم، وليس في صف الثورة (يعرفون جيداً أنها ليست مؤامرة)، في وضع يشعرون به أن نظامهم في دمشق يسقط، ربما لولا أن أوباما خرج، أخيراً، ليقول بحكومة سورية موحدة لقتال داعش من دون بشار الأسد.

المصدر: العربي الجديد

الثورة في الماركسية

الثورة في الماركسية
(ملاحظات حول منظور لينين عن الثورة)
“من وجهة نظر الماركسية” يجري تحديد معنى الثورة بشروط تتعلق بوجود الحزب الماركسي وقيادته لها، والسعي للقطع مع النمط القائم. ولقد كان هذا الفهم مدخلاً لنقاش طويل ومتعدد ومتشابك، لكن مربك، فيما يتعلق بما جرى في البلدان العربية، هل هي ثورات أم انتفاضات، (ولا نقول مؤامرات لأننا هنا لسنا بصدد البحث في ذلك، رغم أن نفي حدوث الثورات كان يوصل إلى القول بحدوث مؤامرات)؟
يقول لينين ” وبالفعل، ما هي الثورة من وجهة النظر الماركسية؟ إنها هدم بالعنف لبناء فوقي سياسي قديم ولى عهده، وأدى تناقضه مع علاقات الإنتاج الجديدة، في لحظة معينة، إلى إفلاسه” (ص206). هذه الفكرة التي أتت في كتاب “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية”، تكمل وفق ما يُفهم من منظور لينين بأن تحقيق هذا “الهدم” يفترض وجود حزب بروليتاري. ومن ثم يجري تأسيس “قانون” خاص يتعلق بـ”تقدير الوضع”، وتحديد هل أن ما يجري هو ثورة أم لا؟ فـ “القانون الماركسي” يقول بأن الثورة تعني القطع مع النمط الاقتصادي الاجتماعي القائم، وتأسيس نمط جديد، ولكي يكون ذلك ممكناً لا بدَّ من وجود حزب بروليتاري (أو حزب على العموم). وانطلاقاً من ذلك يجري قياس ما يحدث في الواقع حين يتحرك الشعب، حين يتمرَّد، يريد التغيير. فيُطرح السؤال: هل أن “هدف” هذا الحراك هو القطع مع النمط الاقتصادي؟ وهل أن هذا الحراك هو تحت قيادة حزب ماركسي (أو شيوعي، أو يساري)؟
هذين السؤالين جعلا كل ما جرى، ويجري في البلدان العربية، ليس ثورة. حيث ليس واضحاً أن الشعب يطرح مسألة تغيير النمط الاقتصادي، وما جرى بعد إبعاد الرئيس هو استمرار هذا النمط. ثم أن ما يجري لا يُقاد من قبل حزب ماركسي. لهذا، استخدم البعض مصطلح انتفاضة، على أساس أن الانتفاضة هي “أصغر” من الثورة، هي هبّة جماهيرية، تمرُّد شعبي.
ما يلفت هنا هو كيف يمكن أن يجري اجتزاء فكرة وتحويلها إلى قانون. هذا خطأ منهجي فادح. فلم يعتبر لينين هذه الفكرة قانون، ولسوف نرى تالياً ماذا قصد، وكيف عالج الأمر. هذا الشكل من التعامل مع ما كتب ماركس وإنجلز ولينين وآخرين، هو الذي أنتج “ماركسية” هي في الواقع لا ماركسية، بالضبط لأنها عبر اجتزاء انتقائي تؤسس “منهجية” ترتدّ بالماركسية إلى الخلف، منهجية تُسقط منهجية الماركسية، التي هي الجدل المادي، لمصلحة تحويل بعض النصوص إلى قوانين والى “عقيدة”. ومن ثم هنا سنلمس كيف تجري الإعادة إلى المنطق الصوري، حيث يصبح هذا “القانون” مقياساً للواقع. فالمنطق الصوري ينطلق من “محدِّدات منهجية أولية” يقاس الواقع بها. تصبح هي محدِّد الواقع. وبالتالي يعني ذلك سيادة المثالية من جديد، لأن الفكرة باتت هي التي تحكم الواقع. هنا يجري تأسيس “عقيدة” تُفرض على الواقع، أو تقاس الوقائع بها بشكل ميكانيكي. تصبح الإجابة على أساسها هي نعم أو لا. ويكون الموقف هو مع أو ضد. هذا هو منطق المنطق الصوري، الذي هو “العقل” الرائج، المتوارث، والذي لا زال يستحكم الوعي البشري، خصوصاً في الأطراف. وهو مع تعمم مع “الماركسية السوفيتية” حتى في أوروبا “المتحضرة”.
هل أن معنى الثورة هو كذلك حسب لينين؟ هل قصد لينين ذلك؟
سوف نتناول النص المشار إليه ضمن سياق الكتاب الذي ورد فيه، بالضبط لكي نفهم ما قصد لينين من هذا النص الذي بات “قانوناً” مطلقاً، يجب الالتزام به، والحكم على الواقع الثوري عِبْره.
1)
ورد النص في كتاب مهم كتبه لينين سنة 1905، أي مع بدء ثورة سنة 1905 في روسيا. وربما يشير عنوان الكتاب إلى ما نحن بصدد نقاشه هنا. عنوان الكتاب “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية”، يناقش فيه الاختلاف الجذري بين البلاشفة والمناشفة في التعاطي مع ثورة سنة 1905. يشير إلى خطة البلاشفة لتعميق الثورة وتجذيرها لكي تقطع مع القيصرية، والى خطة المناشفة التي تريد من الثورة الإصلاح فقط، والقبول بحل لا ينهي الملكية.
هنا لينين يتحدث عن خطة، بالتالي عن مسار يجب أن يلعبه الحزب لتحقيق ذلك القطع. لهذا يجب أن نضع الأمر في سياق رؤية لينين، حيث أنه يتحدث عن “الثورة الديمقراطية”، عن خطة الحزب في الثورة الديمقراطية. ماذا تعني الثورة هنا؟ لينين هنا يتحدث عن مرحلة كاملة، يحددها نظرياً باسم الثورة الديمقراطية (مقابل الثورة الاشتراكية). هو هنا يشير إلى مرحلة كاملة يفرضها الواقع، وتهدف إلى التغيير الاقتصادي الاجتماعي السياسي، بالتالي هدم البناء الفوقي وعلاقات الانتاج. مرحلة تتضمن مهمات، اسماها “المهمات الديمقراطية”، التي تتعلق بإنهاء القيصرية وتطوير المجتمع. هنا معنى الثورة نظري، أي أنه يرتبط بتحليل الواقع والاستنتاج بأن التغيير يجب أن يساوي الثورة، التي تعني القطع مع النمط الاقتصادي الاجتماعي القائم. والذي لن يتحقق إلا بأن تضطلع البروليتاريا بالدور القيادي (ص199). وهو نظري لأنه تصوّر مصاغ من “وجهة نظر ماركسية” بعد دراسة الواقع الروسي، وتحديد المشكلات المجتمعية، والطبقات، ودور كل منها، وما هو مطلوب لتحقيق التطور للوصول إلى الاشتراكية، ومَنْ الطبقات يمكن ويجب أن يحققها. بالتالي هو تجريد الواقع في صيرورته الممكنة من اجل التغيير، ودور الماركسية فيه، وبالتالي خطتها من أجل أن تحقق المهمات الديمقراطية، والانتقال إلى الاشتراكية.
هذه هي وجهة نظر الماركسية في الثورة الديمقراطية، هذا تصور الماركسية لهذه الثورة بالتحديد. وهذا تصور نظري، يتعلق بالإرادة، أي بفاعلية واعية تتحقق من خلال الحزب البروليتاري. ولا شك في أن كل هدف الكتاب هو شرح كيف تكون هذه الفاعلية الواعية لكي تنتصر الثورة. لينين هنا يشير إلى “خطة”، إلى تصور نظري لثورة يجب أن تقطع مع النمط الاقتصادي، لكنه يلمس ان ذلك يفترض وجود تصور للحزب البروليتاري لكيفية تطوير الثورة. ليصل إلى أن على البروليتاريا أن تقودها لكي تحقق مهماتها الجذرية، رغم أنه كان لا يستبعد انتصار الفلاحين (أي البرجوازية)، فهذا خيار كان يشير إليه. ولهذا كان يرى أن انتصار البرجوازية أيضاً ممكن عبر الفلاحين بالتحديد، وهو مفيد، حيث تستطيع البروليتاريا النشاط بشكل افضل من أجل تحقيق الاشتراكية. لكنه يعمل على ربط الفلاحين بالبروليتاريا من أجل أن تنجز الثورة الديمقراطية. كل هذا تصوّر نظري، وبالتالي فإن معنى الثورة هنا نظري، ويتعلق بـ “وجهة النظر الماركسية”، وليس بالثورة التي كانت حينها تجري في الواقع، وكان يطلق عليها: ثورة. رغم أنها دون حزب ولا تطرح القطع.
بالتالي لا يمكن اعتبار هذا المفهوم للثورة، مفهوماً لمعنى الثورة بشكل عام، بل لمعنى الثورة التي يجب أن تحققها البروليتاريا. هذا تصور نظري، كلمة الثورة تعني فيه ما تريده النظرية لها، ما يجب أن تحققه البروليتاريا، لكي تتحقق الثورة بمعنى القطع مع النظام القائم. من ثم لا يجوز أن تعتبر “خطة لينين” هذه نظرية للثورة بشكل عام، أو محدِّدة لمعنى الثورة.
هذا ما سيظهر واضحاً حين تناول كل كتاب لينين.
2)
لينين في الكتاب يتناول ثورة قائمة، ثورة نهضت سنة 1905 في روسيا، والحزب ضعيف، والبروليتاريا ضعيفة، وكان الفلاحون هم أساس الثورة. وهي عفوية، وشعبية، بالتالي. هو يسمي ما حدث في روسيا سنة 1905 ثورة، ويدعو إلى انتفاضة مسلحة فيها، أي تحويلها إلى انتفاضة مسلحة.
هنا نلمس كيف أن كل “شروط لينين” التي تحوّلت إلى “قانون” ليست موجودة على الإطلاق، عدا حزب ضعيف وبروليتاريا ضعيفة، وحزب بلا خطة في الثورة، فرضت أن يعقد المؤتمر بعد بدء الثورة لتحديد الخطة التي يجب أن يعمل الحزب وفقها.
لينين يميّز جيداً بين الموضوعي والذاتي، لهذا يرى أن ثورة قد نشبت، عفوية، شعبية، لكنها ثورة. لهذا يسعى لأن يبلور “الخطة” التي يجب أن يعمل الحزب وفقها لكي تتطور، فالاشتراكية الديمقراطية تريد “تطوير نضال البروليتاريا الطبقي حتى قيامها بالدور القيادي في الثورة الروسية الشعبية الشاملة، أي السير بهذه الثورة إلى دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية” (ص199). لهذا يظهر واضحاً أنه لم يشترط قيادة الحزب منذ البدء، بل ربط ذلك بفاعلية الحزب ذاته، وبخطته، بدوره العملي وليس بادعاء مسبق.
إذن، يعتبر لينين أن الحراك العفوي الشعبي ضد القيصرية ثورة، هي ثورة ضد القيصر. والشعب لم يطرح برنامجاً، وبل طالب بمطالب نتيجة الوضع الذي يعيشه. الفلاحون يريدون الأرض، والعمال يريدون الأجر، والفئات الوسطى تريد مطالب متعددة، والمجتمع يريد إسقاط القيصر. شيء شبيه بوضع الثورات العربية، فهذه هي الثورات العفوية، او الثورات. فقط ثورة اكتوبر قطعت مع النظام القديم، بينما الثورة الفرنسية لم تفعل، وعادت الملكية فيما بعد، والثورة الفرنسية الثانية سنة 1830 كذلك لم تقطع، ربما أدت ثورة 1848 إلى ذلك بعد سيطرة لويس بونابرت مدعوماً بالفلاحين. والثورة الروسية الأولى سنة 1905 فشلت، وثورة شباط/ فبراير سنة 1917 أنهت الملكية لكنها لم تغيّر النمط الاقتصادي.
ولينين ينطلق من أن ما يجري هو ثورة عفوية شعبية، ولم يقل أنها “انتفاضة”، رغم أنه دعا إلى أن تتحوّل إلى انتفاضة مسلحة. ولم يقل أنها ليست ثورة لأنها تفتقد الرؤية التي تسعى إلى القطع مع النمط الاقتصادي، ونتيجة غياب الحزب الذي يقودها. بل قال أن على الحزب أن يعمل جاهداً لقيادتها، وأن يدفعها لكي تقطع مع النمط القائم. هذا خلافه مع المناشفة أصلاً، المناشفة الذين أرادوا الإفادة من الثورة بتحقيق الإصلاح فقط، بينما دفع هو لكي تنتصر سواء من خلال انتصار الفلاحين واستلامهم السلطة، أو قيادة البروليتاريا لها. يقول لينين ” إن البرجوازية عاجزة عن المضي بالثورة الديمقراطية إلى النهاية، في حين أن الفلاحين قادرون على المضي بالثورة إلى النهاية، فينبغي لنا أن نساعدهم في ذلك بكل قوانا” (157/ 158). هنا لينين يعمل “من داخل الثورة” لكي يصل إلى انتصارها، لهذا يحاول أن يدرس الممكنات، وأن يضع التكتيك الضروري لذلك. يقول، وهو يواجه خطاب المناشفة الذي لا يريد للبرجوازية ان تتخلى عن الثورة، “إن نهوض الثورة الروسية الحقيقي لن يبدأ حقاً، و(لـ) إن الثورة لن تبلغ حقاً أوسع مدى ممكن في عهد الانقلاب الديمقراطي البرجوازي إلا حين تنصرف البرجوازية، وحين يضطلع جمهور الفلاحين بدور ثوري نشط، جنباً إلى جنب مع البروليتاريا. ولكي تمضي ثورتنا الديمقراطية إلى النهاية بدأب وانسجام، ينبغي لها أن تعتمد على قوى قادرة أن تشل تذبذب البرجوازية المحتوم (أي قادرة بالضبط “أن تجبرها على الانصراف” – وهذا ما يخشاه أنصار “اليسكرا” القفقاسيون لسؤ تفكيرهم).
ينبغي على البروليتاريا أن تقوم بالانقلاب الديمقراطي إلى النهاية، بأن تضم إليها جماهير الفلاحين، لسحق مقاومة الأوتوقراطية بالقوة، وشل تذبذب البرجوازية. وينبغي على البروليتاريا أن تقوم بالانقلاب الاشتراكي بأن تضم إليها جماهير العناصر نصف البروليتارية من السكان، لسحق مقاومة البرجوازية بالقوة وشل تذبذب الفلاحين والبرجوازية الصغيرة” (ص 158/ 159).
لينين إذن يتعامل مع “ثورة واقعية”، قائمة موضوعياً، ويدرس كيف يمكن أن يؤثر الحزب فيها. هذا هو هدف “خطة” البلاشفة. لقد عملوا لكي يصبح الحزب البلشفي هو قائد الثورة، ودفعوا من أجل أن تقطع مع النظام القديم.
فموضوعياً ما يجري هو ثورة حسب لينين، لهذا يجب على الحزب أن يضع الخطة ويعمل لكي تدفع إلى مداها الأقصى، أي أن تحقق القطع مع النظام القديم، الذي يتحقق عبر “دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية”. هنا يترابط الموضوعي (الثورة الشعبية) مع الذاتي (خطة الحزب وفاعليته). بالتالي تترابط الثورة العفوية الشعبية مع التصور الثوري، وتنتظم العفوية. وهو الأمر الذي يوصل إلى الانتصار. ولأن كل ذلك لم يتوفر في ثورة سنة 1905 فقد فشلت. حتى لم ينتصر الفلاحون.
لهذا فإن منظور لينين لمعنى الثورة لا يتربط بـ “الشروط” تلك، بل أنها شروط من أجل أن تنتصر الثورة. والفارق كبير بين أن تسمى ثورة لوجود قطع مع النظام القائم وبقيادة حزب، وبين أن يكون هذين “الشرطين” اساسيين لنجاح الثورة. وهي مسافة مهمة لفهم أن ما طرحته الماركسية يتعلق بانتصار الثورة وليس بنشوبها.
3)
في هذا المسار يمكن أن نجد تحديدات أخرى لمعنى الثورة في كتابات لينين.
نعود هنا إلى ثورة سنة 1905، حيث قام لينين سنة 1917 بتقديم تقييم لها في ذكرى انفجارها يوم “الأحد الدامي” قبل إثني عشرة سنة (وهذا قبيل ثورة شباط بقليل) حيث “آلاف من العمال، مع العلم أنهم ليسوا اشتراكيين – ديمقراطيين، بل مؤمنون، من توابع القيصر الأمناء، يتدفقون، بقيادة الكاهن غابون، من جميع أنحاء المدينة” إلى قصر الشتاء لتقديم عريضة للقيصرن فأطلق الرصاص عليهم (تقرير عن ثورة 1905، في المختارات في ثلاثة مجلدات، م1 ج2، ص453). ليشير إلى “أن العمال الروس غير المتعلمين في روسيا ما قبل الثورة قد أثبتوا بأفعالهم أنهم أناس مستقيمون استيقظوا للمرة الأولى على الوعي السياسي”، “وفي هذه اليقظة على وجه الضبط، يقظة الجماهير الشعبية الغفيرة على الوعي السياسي والنضال الثوري، تقوم الأهمية التاريخية للثاني والعشرين من كانون الثاني 1905″، في وضع كان التصوّر ينطلق من أنه “ليس في روسيا حتى الآن شعب ثوري” وفق زعيم الإصلاحيين البرجوازيين بيوتر ستروفة، معتقداً أنه ليس “في مستطاع بلد من الفلاحين الأميين أن تلد شعباً ثورياً” (ص455).
ويكمل أنه “كان الحزب الثوري في روسيا يضم حفنة صغيرة من الناس….. بضع مئات من المنظمين الثوريين، بضعة آلاف من أعضاء منظمات محلية، نصف دزينة من المنشورات الثورية التي تصدر مرة واحدة في الشهر على الأكثر تطبع في الخارج” (ص455/456). ويوضّح بأن “الجماهير الغفيرة كانت لا تزال ساذجة جداً، وديعة جداً، ساكنة جداً، مسيحية جداً. وكانت تلتهب بسهولة نسبية، فإن ظلامة ما، وفظاظة صارخة جداً من جانب الضباط,,,,, كان في وسعها أن تثير تمرداً” (ص464). “غدت الحركة شعبية. ولأول مرة في تاريخ روسيا شملت أغلبية المستثمَرين. أما ما نقصها، فهو، من جهة، صلابة الجماهير، عزم الجماهير المصابة كثيراً جداً بمرض سرعة التصديق، ومن جهة أخرى، تنظيم للعمال الاشتراكيين – الديمقراطيين الثوريين باللباس العسكري: فكانت تنقصهم معرفة قيادة الحركة، والسير على رأس الجيش الثوري، وشن الهجوم على السلطة الحكومية” (ص465)
هنا لينين يوصّف واقع ثورة سنة 1905، التي كان الحزب فيها ضعيفاً، والبروليتاريا كذلك، ووضع فلاحي متخلف. وفي تصاعد عفوي لحراك شعبي كبير. وهو الواقع الذي اختلف البلاشفة والمناشفة حول الخطة الضرورية لتطويرة لكي تنتصر البروليتاريا.
في كتابات أخرى يبدا لينين بالإشارة إلى أن انفجار الثورة هو ليس من فعل حزب، بل نتاج ظرف موضوعي، يؤسس لتراكم يقود إلى الثورة. يقول “تتحقق الثورات في لحظات تفجر جميع الطاقات البشرية وتوترها لدرجة كبيرة، وهي تتحقق بوعي وإرادة وعواطف وتخيلات عشرات الملايين المدفوعة بأحدّ نضال بين الطبقات” (مرض “اليسارية” الطفولي في الشيوعية” طبعة دار التقدم ص107). ويقول “نتحدث عن ذلك الباعث الذي سيوقظ الجماهير البروليتارية التي لا تزال راقدة الآن، ويدفعها للحركة ويسوقها مباشرة نحو الثورة”، ويكمل “كان يكفي أن يقوم باعث –مفاجئ – و-طفيف-، هو واحد من ألوف الألوف من المكائد الدنيئة التي تصنعها الطغمة العسكرية الرجعية …… ليضع الشعب على شفير حرب أهلية” (ص 109/ 110، والنص يتناول فرنسا نهاية القرن التاسع عشر، ويشير إلى قضية درايفوس).
هو هنا يتحدث عن الانفجار العفوي تماماً، ومن قبل الملايين بالضبط. هذه هي الثورة.
لينين يشرح ذلك في مكان آخر. مثلاً في كراس “افلاس الأممية الثانية”.
يقول “إن الماركسي لا يشك في أن الثورة مستحيلة دون وضع ثوري، ولكن ليس كل وضع ثوري يؤدي إلى الثورة. فما هي بعامة دلائل الوضع الثوري؟ يقيناً أننا لن نخطئ إذا أشرنا إلى الدلائل الرئيسية الثلاث التالية: 1- أن يستحيل على الطبقات السائدة الاحتفاظ بسيادتها دون أي تغيير، أن تنشب هذه الأزمة أو تلك في “القمة”، أي أن تنشب أزمة في سياسة الطبقة السائدة، تسفر عن تصدع يتدفق منه استياء الطبقات المضطهَدة وغضبها. فلكي تتفجر الثورة، لا يكفي عادة “ألا تريد القاعدة بعد الآن” أن تعيش كما في السابق، بل ينبغي أيضاً “ألا تستطيع القمة ذلك”. 2- أن يتفاقم بؤس الطبقات المضطهَدة ويشتد شقاؤها أكثر من المألوف. 3- أن يتعاظم كثيراً، للأسباب المشار إليها آنفاً، نشاط الجماهير التي تستسلم للنهب بهدوء في زمن “السلم”، ولكن التي تدفعها، في زمن العاصفة، سواء أجواء الأزمة كلها أم “القمة” نفسها إلى القيام بنشاط تاريخي مستقل” (ص 13- 14).
وعن السؤال حول هل يؤدي الوضع إلى الثورة؟
“إننا نجهل هذا الأمر، وما من أحد يستطيع أن يعرفه. ولن يبينه غير تجربة تطور الأمزجة الثورية وانتقال الطبقة الطليعية، أي البروليتاريا، إلى الأعمال الثورية. فلا مجال هنا لأية “أوهام” بوجه عام، ولا لدحضها، لأنه ما من اشتراكي ضمن في أي مكان من العالم وفي أي فترة من الزمان بأن الثورة تنشأ على وجه الضبط من الحرب الحالية (لا من الحرب المقبلة) ، وعلى وجه الضبط من الوضع الثوري الحالي (لا من الوضع المقبل). والكلام هنا يدور حول واجب الاشتراكيين، الثابت تماماً، والأساسي كلياً، إلا وهو واجب أن يبينوا للجماهير وجود وضع ثوري، ويوضحوا مداه وعمقه، ويوقظوا وعي البروليتاريا الثوري وعزيمتها الثورية. ويساعدوها على الانتقال إلى الأعمال الثورية، وينشئوا منظمات تتلاءم والوضع الثوري من أجل العمل في هذا السبيل”. ….. “ولذا فإن عدم قيام الأحزاب الحالية بواجبها هذا إنما يعني خيانتها، وموتها السياسي، وتنازلها عن دورها، وانتقالها إلى جانب البرجوازية” (ص17- 18).
ويستند إلى كاوتسكي في دحضه، حيث يقول:
“ففي 1909 اعترف كاوتسكي في كراسه “طريق السلطة” بتفاقم تناقضات الرأسمالية واقتراب مرحلة من الحروب والثورات، “مرحلة ثورية” جديدة، الأمر الذي لم يفنده أحد ولا يمكن تفنيده. وقد قال أنه لا يمكن أن تقع ثورة “سابقة لأوانها” ووصم “بالخيانة المباشرة لقضيتنا” رفض حسبان الحساب لإمكان الانتصار في الثورة، رغم أنه لا يمكن، قبل شن النضال، إنكار إمكان الهزيمة أيضاً” (ص41). “بيد أن خصوم كاوتسكي اليساريين يعلمون تمام العلم أنه لا يمكن “صنع” الثورة، وأن الثورات تنشأ من الأزمات والانعطافات التاريخية التي نضجت موضوعياً (بصرف النظر عن إرادة الأحزاب والطبقات)، وأن الجماهير، بدون منظمة، تكون محرومة من وحدة الإرادة، وأن النضال ضد المنظمة العسكرية والإرهابية القوية للدولة الممركزة، أمر صعب وطويل النفس” (ص54).
“وإذا ما اشتد الغضب واليأس في الجماهير، إذا نشأ وضع ثوري، فاستعدّ لتأسيس منظمات جديدة ولاستعمال أجهزة الموت والدمار (التي تملكها الدولة، س) هذه الجزيلة الفائدة ضد حكومتك وبرجوازيتك” (ص74).
“ليس بوسعنا أن نعرف ما إذا كانت ستقوم حركة ثورية جبارة بعد هذه الحرب (الحرب الأولى)، أم خلالها، ألخ…، إلا أن العمل الذي يجري في هذا السبيل إنما هو، على كل حال، العمل الوحيد الذي يستحق أن يدعى بالعمل الاشتراكي (أي العمل من أجل تحويل الحرب إلى ثورة). والشعار الذي يعمم هذا العمل ويوجهه، ويساعد في توحيد وشدّ لحمة الذين يريدون مساعدة نضال البروليتاريا الثوري ضد حكومتها وبرجوازيتها، إنما هو شعار الحرب الأهلية” (ص80).
هنا يربط بين الوضع الثوري الذي يمكن ألا يؤدي إلى ثورة، ومهمات الماركسية التي عليها أن تعمل من اجل “تحريك” الشعب. عليها الشغل من أجل الثورة. وإذا قامت الثورة في لحظة ما فإن على الماركسيين أن ينظموا نضالهم فيها من اجل أن تفضي إلى الانتصار.
4)
إذن، لينين يسمي كل تمرّد عفوي شعبي ضد النظام ثورة. لكنه لا يكتفي بذلك بل يعتبر أن على الحزب الماركسي الثوري أن ينخرط فيها وأن يسعى لبناء “التحالفات”، وتحديد التكتيكات، وأن يطوّر فاعليته لكي يقودها، وفق “الخطة” التي طرحت حينها الوصول إلى “دكتاتورية العمال والفلاحين”، لأن ذلك هو ضمانة القطع مع النظام القديم. لم يتشوش لينين في تسمية ما حدث سنة 1905 ثورة، ولم يقف مناكفاً، هل هي ثورة ام انتفاضة، ام “مؤامرة” من القوى الإمبريالية؟ وهو يعرف، ولقد حدَّد بدقة الوضع الذي يقود إلى الثورة، ومن ثم حدَّد “الخطة” الضرورية لكي تتطور الثورة، وعلى أمل أن تنتصر. لكن وضع البروليتاريا الضعيف، وضعف الحزب (وانشقاقه)، وغلبة الفلاحين الذين لم يكونوا يمتلكون قيادة (حتى حزب الفلاحين، أي الاشتراكيين الثوريين، لم يكن قوة تستطيع لعب دور القيادة كما يشير لينين ذاته)، كل ذلك أفضى إلى فشل الثورة. بالتالي، إن غياب الحزب هو الذي أدى بالثورة إلى الفشل، هذا صحيح، لكنها كانت ثورة. أي ثورة بلا هدف (مصاغ في برنامج) يشير إلى القطع مع النظام القديم (القيصري)، وبلا حزب ماركسي بروليتاري ثوري يقود.
هذه المسافة بين الموضوعي (نضج الثورة وانفجارها) والذاتي (الحزب الماركسي) هي التي عمل لينين والحزب البلشفي على جسرها طيلة سنوات 1907 (أي سنة فشل الثورة) وسنة 1917، حيث قادت التكتيكات الثورية التي عمل الحزب على أساسها إلى أن يصبح قوة قادرة على القيادة، وأن يكسب البروليتاريا والفلاحين. هنا من حوّل الثورة من ثورة عفوية شعبية، والحزب من حزب ضعيف، هو ما أسماه لينين “الخطة”، أي التصوّر الذي طرحه البلاشفة في الثورة، وبعد الثورة (في مرحلة الجزر الرجعي)، ومن ثم في مرحلة النهوض الجديد خلال وبعد الحرب العالمية الأولى. هذه السياسة الفعلية الممارسة مع البروليتاريا والفلاحين الفقراء، هي التي أفضت أن “تتحقق الشروط” التي يريد “ماركسيينا العظام” أن نعتبر أنها قانون على ضوئه علينا أن نحدِّد أن ما حدث ثورة أو انتفاضة. ولهذا بدل الفهم المادي الجدلي للواقع وآليات تحويله، وبدل الخوض في معمعان الثورة للتأثير في مسارها، يتعاملون ميكانيكياً مع أفكار حوّلوها إلى قوانين، وطبقوها في غير موضعها.
لقد أخذ هؤلاء “الماركسيين العظام” “شروط لينين” لـ “الثورة”، وطبقوها ميكانيكياً على واقع الثورات العربية، فبانت انها ليست ثورات. لكن حتى وإن طبقوها على ثورة سنة 1905 في روسيا فسيصلون إلى استنتاج أنها ليست ثورة. وإن طبقوها على الثورة الفرنسية لن تكون ثورة، حيث لم تقطع مع النظام القديم الذي عاد بعد سنوات قليلة. فقط ثورة اكتوبر ستكون ثورةن هي الثورة الوحيدة. وسنشير إلى أن سبب ذلك هو أن الثورة بالنسبة لهم هو ما تحقق في ثورة أكتوبر، أي وجود حزب بروليتاري سيطر على السلطة وألغى النظام القديم بكليته. ولأن المنظور الميكانيكي يتحكم في عقولهم لم يروا كل النحت الذي قام به الحزب البلشفي منذ نهاية القرن التاسع عشر، وفي ثورة سنة 1905، وبعدها، لكي يكون ممكناً تحقيق هذه الثورة البروليتارية. فإخذوا بـ “النتيجة” ونسوا كل التسلسل الذي عبّر عن فعل شاق، واقعي، من أجل أن تتحقق الثورة بهذا الشكل. وأصبحت النتيجة “قانوناً” يحكم كل ثورة، أو أنها لا ترقى إلى مستوى الثورةن او لا تكون ثورة.
هنا ما يفعله هؤلاء “العظام” هو أن يلغوا المسافة بين “شروط” تفجّر الثورة و”شروط” انتصارها، ويتجاهلون تماماً “فعل الذات”، أي البروليتاريا، والحزب البروليتاري، والماركسي الثوري، الذي هو وحده سيؤسس لأن تنتصر الثورة. وبدل ذلك، أي بدل رؤية المسافة بين الموضوعي (الثورة) والذاتي (الحزب الماركسي)، التي تفرض الممارسة (البراكسس حسب قول غرامشي) من أجل تشكّل المركب الذي يسمح بالانتصار (أي اندماج الحزب في الجماهير، وقيادتها عبر فعله العملي وسياسته الصحيحة)، بدل ذلك، وهو الأمر الذي يفرض “العمل الشاق”، يجري هؤلاء مطابقة بين الموضوعي والذاتي، عبرها يجري الحكم على الموضوعي بمنظور الذاتي. أي تصبح “الخطة” (أي الرؤية) هي التي يقاس الواقع بها، ليس من أجل الفعل والنحت بين الجماهير، بل من أجل الحكم على الواقع. ليصبح التصور هو (تصبح الرؤية هي) ما يحكم الواقع، حيث يجب ان يجري وفقه/ها.
هذا هو المنطق الصوري بالضبط، الذي يقوم على تحديد الأشياء بشكل سكوني وجامد، وأحادي، ومن ثم يصبح المطلوب هو الحكم انطلاقاً من هذا التحديد، الذي يصبح “قانوناً” يجري الاحتكام إليه، أي يجري “القياس عليه”. الصيرورة هنا غائبة بكل تناقضاتها وتفاعلاتها، ونقصها ومشكلاتها. ودور الذات بات محدَّداً في “اصدار الأحكام”، في الحكم وفق “مسطرة جاهزة” على الواقع. هذا منظور ذاتي بالتأكيد، ويعبّر عن سيادة المثالية الذاتية لدى قطاع كبير ممن يعتقدون انهم ماركسيين، فقط لأنهم يدعون ذلك، أو لأنهم يكررون كلمات وجملاً وأفكار ومصطلحات قالها ماركس أو إنجلز أو لينين أو تروتسكي.
لقد حلوا الأمر حين نشبت الثورات، وكان يجب أن يكونوا معها ويعملوا في خضمها بعد أن كرروا كلمة الثورة ملايين المرات، و”زاودوا” على كل الآخرين، حلو الأمر لفظياً، عبر “الثورية اللفظية” التي تبجّل الكلمات، لكنها تضع العراقيل أمام كل خطوة عملية. بالتالي حسموا الأمر بـ “قانون” يوصل إلى أن ما يجري ليس ثورة، وبالتالي لا تستحق المشاركة فيها، أو أخذها على محمل الجدّ. كل ذلك بدل الانخراط فيها، بدل النحت في الواقع، مع الجماهير الثائرة، خلال الثورة (وقبلها كذلك) من أجل أن تكون البروليتاريا (التي يتمسحون بها بفجاجة) هي القيادة الفعلية لها، وبالتالي أن يكون ممكناً تحقيق “الشرط” الثاني بتحقيق القطع مع النظام القديم، عبر انتصار الثورة.
نلمس بالتالي كيف أن اللفظية الثورية تحجب العمل، وتؤسس لسدٍّ عالٍ وسميك أمام كل فعل ثوري. عكس ما طرحه لينين والبلاشفة تماماً، حيث حددوا دورهم في الثورة، وكيف يمكن أن تقاد من قبل البروليتاريا وتنتصر. فالمسافة بين انفجار الثورة وانتصارها يتعلق بفعل الماركسيين الثوريين، ولا يتعلق بأن الثورة منذ البدء كان يجب أن تسير وفق مخطط نظري. فهذا المخطط يترجم عبر الفعل في الثورة من أجل أن تصبح البروليتاريا هي القيادة لكي تحققه. الممارسة، بالتالي، مفقودة لدى “ماركسيينا العظام”، البراكسيس غائب عن تفكيرهم. دورهم “نظري” أو “إعلامي”، يميل لأن يكون “قاضياً”، أو حكماً، أو يمارس الإجابة بنعم أو بلا من مقعده. بالتالي هم فئات برجوازية صغيرة تحب الثرثرة، لهذا تغالي في “التشدد النظري” لكي تخفي هروبها من الفعل الثوري. فلم تبنِ قبل الثورات ما يسمح لأن يكون هناك حزب ثوري يستطيع قيادة الثورة حين تحدث، وأصلاً لم يكونوا يثقون بأن الشعب يمكن أن يقوم بالثورة، حيث أن “تشددهم النظري” جعلهم يتعالون على الشعب، ويتلمسون تخلفه وجهله ولا مبالاته وركوده، دون أن يلمسوا أنه يعيش حالة سحق عنيفة، نتيجة الاستغلال والبطالة والفقر والتهميش، وأن هذه الوضعية سوف تدفعه للثورة بالضرورة (وأقول بالحتمية كما أشرت سنة 2007)، بالتالي لا بد من التأسيس النظري والعملي الذي يسمح بأن يلعب هؤلاء “الماركسيين العظام” الدور الذي يفرضه بناء حزب يحترم ذاته، ويعتبر أنه يناضل من أجل العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. دور المحرِّض والمنظم والمنتج للتصورات والأفكار التي تخدم تطور الصراع الطبقي، وتجعل العمال والفلاحون الفقراء قادرون على أن يقودوا الثورة وأن ينتصروا.

سلامة كيلة: العلوية السياسية خزعبلة وليس مصطلحاً سياسياً

سلامة كيلة: العلوية السياسية خزعبلة وليس مصطلحاً سياسياً

ما يلفت النظر في تجربة المفكر الماركسي سلامة كيلة، أمران اثنان، أولهما ذلك الربط بين النظرية والممارسة، الفكر والعمل، بين المقال/ الكتاب/ البحث المواجه للسلطة، والانخراط الفعلي في ساحات التظاهر والثورة، مدققا نصه على ضوء تحولات الواقع وقارئا الواقع على ضوء نص لا يركن ليقين إلا ليشكك به بحثا عن نص أكثر ثورية وأكثر جذرية و أكثر توحدا بالحرية التي دفع ثمنها سنينا مع عمره في زنازين النظام في العقد الماضي، مضافا لها أشهرا أخرى في ظل الثورة السورية حيث انتشرت صوره التي تظهر ما تعرض له من تعذيب على وسائل الإعلام، رافعا بذلك سقف المواجهة مع الجلاد حتى النهاية.

ثانيهما: هو ذلك الإصرار العنيد على التمسك بالماركسية كمنهج لتفسير العالم وتحليله وبالتالي تغييره، في الوقت الذي يتبرأ فيه الماركسيون من ماركسيتهم وتاريخهم، إذ لا زال يرى أنها راهنة بقدر ما نعمل على تجديدها لإخراجها من صنميتها الدينية نحو رحابة النقد والمعرفة.

كان تركيزنا في هذا الحوار مع المفكر النشيط على مسألة الطائفية وعلاقتها مع الدولة والسلطة والمجتمع، محاولين قراءة المسألة الطائفية في سوريا من كافة جوانبها، بدءا من دور السلطة في تعزيزها وليس انتهاءا بكيفية تفاعل المجتمع معها، مرورا بمناقشة مصطلحات باتت تطفو على ساحة الفكر مثل “العلوية السياسية” و الدولة الطائفية والدينية وغيرها.

أجرى الحوار: أنريكو دي انجيليس ومحمد ديبو

(1): قبل أن ندخل في هذا الحوار المخصص لمناقشة المسألة الطائفية في سوريا، هل يمكن أن توضح لنا ما هي الطائفية من وجهة نظرك؟ وما هو الفرق بين الطائفية والطائفة؟ ومتى نقول عن نظام ما أنه طائفي مثلا ومتى نقول أنه مستخدم للطائفية فحسب؟ وهل يختلف النظام الطائفي عن النظام الديني مثلا؟

سلامة كيلة: ربما تكون الإجابة على هذا السؤال هي إجابة على كل الأسئلة الأخرى، حيث أنه يتضمن كل الأسس التي توضح ما يمكن أن يناقش عن الطائفية وسورية. على كل حال أعتقد بأن الطائفية هل كل انغلاق ديني أو طائفي على أساس معتقدات موروثة ضد الآخر المختلف. يعني تحويل الاختلاف إلى تناقض. ولا شك في أن الاختلاف هو نتاج تناقض قديم، لكن ذاك التناقض كان له أسسه الاقتصادية والأيديولوجية، وبالتالي كان تناقضاً طبقياً سياسياً وأيديولوجياً. لكنه يتحوّل الآن إلى تناقض ماهوي لا علاقة له بالأيديولوجيا أو بالطبقات. وهنا يكمن الفرق بين الطائفية والتوظيف الطائفي، حيث يمكن أن تستخدم طبقة هذه المعتقدات الموروثة من أجل تحقيق مصالحها هي، وليس بالضرورة أن تكون هي حاملة لهذه المعتقدات. وهنا يتحقق ذلك في دفاع طبقة عن مصالحها ووجودها ضد طبقات أخرى أو ضد شرائح من الطبقة ذاتها.

أما الطائفة فهي المجموعة البشرية التي لديها معتقدات دينية معينة تشكلت في الماضي. وكما أشرت كانت حينها تعبير عن تصوّر طبقي أيديولوجي لفئة مجتمعية، تشكّل هذا التصور كمعتقدات دينية بعد انهيار المجتمع وانغلاق المجموعات البشرية على ذاتها، حيث صاغت تصوراتها في معتقدات “أسطورية”(أي أسطرتها). هي أشخاص ولدوا على معتقد معيّن، ليصبح هناك تمسك شكلي به، ربما ممارسة بعض الطقوس، أو الحفاظ على استمرارية عبر قصر الزواج على الطائفة مثلاً، أو مراسيم الموتى أو الأعياد، وفي الغالب دون مزاولة هذه المعتقدات وفقط ربما التمسك بالطقوس. لهذا لا تكون هذه المعتقدات هي وسيلة التعامل في المجتمع، حيث تسيطر عادات وتقاليد مجتمعية عامة، سواء في الريف أو في المدينة، لتبقى المعتقدات كتمييز خاص لكل دين أو طائفة، في مجتمع موّحد بالمعنى العام. وكانت هذه المعتقدات تتراجع بفعل انتشار الأفكار الحديثة والاندماج المجتمعي، وبالتالي تشكّل مجتمع على أسس جديدة. ولهذا ستكون الطائفية هي الميل لكسر هذا التشكل عبر الشدّ نحو إعادة إنتاج المعتقدات القديمة. وهذا الأمر لا يخص الأقليات الدينية فقط بل يخص الأكثرية التي ينشأ فيها فئات تشدّ إلى معتقدات تقادمت، حيث كانت نتاج العصور الوسطى، أي مرحلة ما بعد انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية. في هذه المرحلة بالضبط تشكلت الأكثرية (السنّة) والأقليات. فقبل ذلك كان الإسلام دين سلطة، وكانت المعارضة الطبقية تتخذ أشكالاً دينية في الغالب، لكن كمعارضة طبقية سياسية.

الآن، حين تستولي قوة طائفية، أي تحوّل المعتقدات الموروثة إلى مشروع أيديولوجي سياسي، على سلطة دولة تكون هذه الدولة دولة طائفية، لأن تلك القوة سوف تفرض معتقدات كمعتقدات عامة تطبّق على المجتمع. وهذه حالة متطرفة من الصعوبة أن تنجح لأن الميل الطائفي لا يشمل كل الطائفة بل يشمل فئات منها لا يكون لديها القدرة على حكم دول، لهذا إما تدفع إلى تفكك الدولة أو تنهار. لكن يمكن أن نلمس وضع حكم الإخوان المسلمين وحكم الولي الفقيه في إيران، حيث أن القوة المسيطرة هي قوة طائفية، أي تعتقد أنها تمثل “الأغلبية”، لكنها تطبّق منظور أقلية. وهنا يمكن القول بأن الدولة تحكم من قبل قوة طائفية، ولنجاح ذلك تتخذ هذه القوة آليات جديدة غير الآليات التي يقوم عليها الحكم في “الإسلام”. بمعنى أن القوة الطائفية تصبح بديل الطبقة في السيطرة على الدولة، مع ملاحظة أنها تمثّل مصالح طبقة مسيطرة أيضاً. فالإخوان المسلمين حين حكموا في مصر، أو قبلها في السودان، ثم في تونس، هم يمثلون فئة رأسمالية تقليدية بمعنى ما (أي من بقايا تجار المدن) تحوّلت إلى مافيا، لكن يتحقق حكمهم عبر التمسك بالمنظور الأيديولوجي الأصولي. في إيران أيضاً من يحكم هم فئة من الشيعة تقرّ بولاية الفقيه (وهو فرع ضعيف في الشيعة)، لكنها تمثّل فئة رأسمالية كذلك. وهناك شكل ثالث “مؤسسي” أنشأه الاستعمار، هو شكل الدولة الطوائفية، أي الدولة التي تتشكل مؤسسياً على أساس تقاسم المسئوليات السياسية، والوظائف الحكومية بين الطوائف وفق امتياز لطائفة معينة. وهنا يبرز مثال لبنان، الذي كرره الاحتلال الأميركي في العراق، حيث يجب أن يكون الرئيس مسيحياً (وفي العراق رئيس الوزراء الذي هو السلطة شيعياً) ورئيس الوزراء سنياً ورئيس البرلمان شيعياً (في العراق الرئيس كردياً ورئيس البرلمان سنياً). وتصبح الوظائف العليا من حصة المسيحيين، وهكذا. وهو نظام يعيد إنتاج التكوينات المجتمعية على أساس الطائفة، رغم أن من يحكم ليس بالضرورة طائفياً، أو أن من يوظف يجب أن يكون متمسكاً بالأيديولوجية الطائفية. هو تقسيم شكلاني يسمح ببقاء المجتمع مذرر، ويسهم في إنتاج التعصب الطائفي والحرب الطائفية. بالتالي يمكن القول بأن النظام السياسي ذاته هو نظام طوائفي، دون أن يكون من يحكم طائفياً، رغم أن موقعه يحدِّد الطائفة التي ينتمي إليها. ولهذا فإن الأحزاب غير الطائفية المعبّرة عن البرجوازية تميل إلى تملّق الطائفة، والحديث بلهجة طائفية (مثل ميشيل عون الذي هو علماني كما يُفترض لكنه يمارس الطائفية لأنها تخدم وصوله إلى الرئاسة). ليصبح هذا الشكل هو المعبّر عن مصالح فئة من طبقة، كي تهيمن على باقي الطبقة. وكل صراعات الحرب الأهلية في لبنان هدفت إلى تعديل ميزان القوى بين الطوائف في علاقتها بالدولة، وتعديل وضعها في إطار الطبقة الرأسمالية المسيطرة.

الشكل الأخير هذا يسمى نظاماً طوائفياً، لأن بنية الدولة مشكّلة على أساس تقاسم طوائفي. أما دول الإخوان المسلمين والولي الفقيه فتسمى دولة دينية لأنها تفترض تمثيل “الأغلبية” الدينية، رغم أن من يحكمها هي قوة طائفية. والشكل الأول المتطرف هنا النظام الطائفي بالتحديد الدقيق. أما استخدام الطائفية فهي تحدث حين لا يكون النظام طائفياً بل يمثل فئة معينة (رأسمالية في الغالب)، لكنها للحفاظ على سلطتها تستخدم كل الممكنات، ومنها تفتيت المجتمع وتذريره. هذا ما كان يفعله الاستعمار، وتفعله الإمبريالية، لكن تفعله كذلك نظم رأسمالية مافياوية. فمثلاً كما لاحظنا في لبنان أن الفئة المسيحية من الرأسمالية تستخدم تكوين لبنان الطائفي لكي تبقى مسيطرة على الدولة وبالتالي على مجمل الطبقة. بمعنى أن الفئة المسيطرة على السلطة لا تكون طائفية، وربما حتى غير متدينة، لكنها تستغلّ معتقدات متقادمة لكي تحافظ على سيطرتها على السلطة. وهذه المعتقدات يمكن أن تكون دينية أو طائفية أو قبلية أو مناطقية، أي كل الموروث المتخلف المستمرّ من الماضي.

(2): في مقال لك أطلق جدالا حول الطائفية قلت أن النظام السوري ليس طائفيا، وقلت بنفس الوقت أن النظام استغل الطائفية، وقلت أن الطائفة ليس طائفية رغم أنها تقف خلف النظام. السؤال: لماذا النظام ليس طائفيا رغم أن أجهزته الأمنية تعتمد في نسبة كبيرة جدا منها على المكوّن العلوي؟ ولم الطائفة ليست طائفية رغم أن وقوفها خلف النظام يأتي لاعتبارات طائفية وإن كان الأمر بدافع الخوف؟

سلامة كيلة: تناول الأسباب التي تجعل دكتاتور يختار الفئة التي يعتمد عليها في الحكم يفترض أن ينطلق من فهم سسيولوجي بالأساس، وليس من منظور طائفي. الفارق هنا يكمن في أن كل منظور ديني أو طائفي ينطلق من الشكل في تحديد طبيعة الآخر، لهذا حين يتناول نظام معين يركّز على طائفة الرئيس والفئة التي تحيط به، ويحكم على السلطة من خلال ذلك، وبهذا تكون السلطة طائفية بما هو منظوره طائفياً وليس لأنها كذلك في الواقع. السؤال هو ما هي الأسس التي تجعل الدكتاتور يختار معاونيه، وبالتالي لماذا يحيط ذاته بأفراد من محيطه المناطقي؟

أولاً حافظ الأسد كان جزءاً من حزب قومي، وكان ذلك الوعي هو الذي يحكمه قبل الوصول إلى السلطة، وبهذا لا يمكن أن نقول بأنه كان طائفياً، إلا إذا انطلقنا من مفاهيم أصولية إسلامية تتحدث عن “الباطنية” (أي أنه كان يضمر غير ما يعلن)، وهذا أمر خرافي. وثانياً أن الصراع في حزب البعث كان بين “علويين” (أي صلاح جديد وحافظ الأسد). وثالثاً أن هذا الصراع قسم السلطة إلى فئات مع كل منهما، حتى على المستوى العلوي، وظهر ذلك في وقوف الضباط العلويين من منطقة طرطوس مع صلاح جديد ومن جبلة مع حافظ الأسد. ورابعاً كانت قوة مصطفى طلاس أو عبدالحليم خدام في زمن حافظ الأسد موازية لقوة علي دوبا وعلي حيدر وكل النخبة “العلوية” في السلطة.

هنا يجب أن ندخل التحليل السسيولوجي لكي نفهم الآليات التي يشكّل فيها دكتاتور ريفي سلطته. وسنلاحظ هنا أن كل الدكتاتوريين من هذا النمط كانوا يعتمدون على أفراد من المنطقة التي ينتمون إليها، أي من البيئة التي نشؤوا فيها.  ولا شك في أن البيئة الريفية تؤسس لترابط يقوم على أساس المنطقة بالأساس، قبل أي شيء آخر. هذا هو “الوعي الريفي” الذي يربط الثقة بالترابط المناطقي. وهذا أمر طبيعي. وكما قال إنجلز مرة بأن الفلاح يرى أن قريته هي العالم، هي كل العالم. وهو أمر يجعله في خشية من العالم، فيبقى محافظاً على الترابط المناطقي أينما حلّ. وبالتالي يصبح ابن الحي أو القرية هو مصدر الثقة الذي يمكن الاعتماد عليه. لهذا يعتمد الدكتاتور على هؤلاء القادمين من بيئته.

سنلاحظ بأن الصراعات في الجيش قبل استلام حافظ الأسد السلطة تمحورت حول “كتل مناطقية”. لهذا جرت تصفية الضباط المدينيين بعد 8آذار، ثم تصفية ضباط مدينيين ومن ريف دمشق وحماة مع إبعاد الناصريين في تموز سنة 1963، ثم الضباط الدروز بعد انقلاب سليم حاطوم سنة 1967، ومن ثم تفكك الضباط العلويين بين صلاح جديد وحافظ الأسد، الذي اعتمد على الانقسام بين ضباط طرطوس وضباط جبلة. وهو الوضع الذي كرس سيطرة أكبر للضباط العلويين، خصوصاً وأن عددهم كان أكبر في الجيش نتيجة فقر المنطقة، الذي كان يجعل الجيش ملجأ سواء فيما يتعلق بالضباط أو في الجنود.

على ضوء كل ذلك يكون الاعتماد على ضباط علويين أمراً يتعلق بالثقة من منظور مناطقي وليس طائفياً، رغم أن الصراع الطائفي الذي خاضته جماعة الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة نهاية سبعينات وبداية ثمانينات القرن العشرين، عزَّز من ميل ما طائفي، تبلور في سرايا الدفاع بزعامة رفعت الأسد، لكن الحالة أنهيت بعد الخلاف الذي حدث على ضوء مرض حافظ الأسد سنة 1984. وكذلك قمعت جمعية المرتضى التي شكلها جميل الأسد على أساس طائفي. لكن ولا شك نشأ شعور ما طائفي في بنى السلطة، لكنه لم يهيمن، بل جرى استغلاله فيما بعد من قبل السلطة ذاتها.

أما حول العلويين ولماذا هم غير طائفيين رغم وقوفهم خلف السلطة، فلأن الأمر لا يتعلق بمعتقدات وحدتهم مع السلطة، ولم يكونوا مع السلطة قبل الثورة، على العكس من ذلك عانوا من الشبيحة ومن السيطرة على أراضيهم ومن الفقر وغياب الخدمات والتهميش، بحيث كان الساحل من أفقر مناطق سورية. لكن ما جرى سنوات 1980/ 1982 من وحشية ضد حماة أُلصق بالعلويين، وبالتالي عممت السلطة الشعور بان الآخر يستهدفهم نتيجة ما جرى. وهو الأمر الذي خلق حالة من الخوف من أن التغيير سوف يأتي بالإسلاميين إلى السلطة، ومن ثم سينتقمون منهم هم. وعموماً فإن مجمل الأقليات الدينية والطائفية تخوفت من وصول بديل أصولي إسلامي كما تخوّف العلويون، واندمج بعضها بالسلطة كذلك، مثل قطاع كبير من المسيحيين. ولا شك في أن السلطة لعبت من اللحظة الأولى على هذا الأمر، وساعدتها بعض أطراف المعارضة، مثل الإخوان المسلمين، والمندسين على المعارضة وبعض المعارضين الطائفيين، وكذلك بعض الدول الإقليمية مثل السعودية، والإعلام الفضائي عموماً.

العلويون لا يعرفون معتقداتهم في الغالب، وبالتالي ليس لديهم “عقيدة” يفرضونها على المجتمع، وفقرهم هو الذي دفعهم بأعداد كبيرة إلى الجيش منذ الاحتلال الفرنسي. ومن ثم لم تقدّم السلطة لهم ما يحسّن وضعهم لكي يتمسكوا بها. لكن الثقافة العامة منذ زمن باتت تربط النظام بالعلويين، بما في ذلك مجازر حماة، رغم أن النسبة الأعلى من المعتقلين السياسيين كانت من الساحل. في هذه الوضعية لماذا يلتفون حول السلطة؟ هل هناك غير الخوف من الربط الذي حصل بينهم وبين السلطة ما يجعلهم يخافون من التغيير،  ولمصلحة قوى تنظر إليهم كسلطة، والقوى التي تعتبر أساسية في المعارضة تنظر إليهم بمنظور طائفي؟ بالتالي إنّ وقوفهم خلف السلطة ليس نابعاً من اعتبارات طائفية كون لا معتقدات طائفية تجمعهم بالسلطة، بل كون الآخر اعتبر أنهم السلطة، واعتبر أن السلطة هي سلطة طائفة وقائمة على أسس طائفية.

إنّ موجة انتشار الأصولية الإسلامية وتعميم الأصولية، والتركيز على أحقية سلطة الإسلاميين، وما جرى في العراق من صراع طائفي، فرض أن ينتشر الخوف لدى قطاعات مجتمعية، من الأقليات ومن بعض “الأغلبية”. وهذا الجو هو الذي جعل النقطة المركزية في إستراتيجية السلطة هي كيف تضخم هذا “البعبع”، وكيف تُظهر الثورة كحراك أصولي يهدف إلى السيطرة على السلطة (والانتقام من العلويين). ولقد نجحت في ذلك ليس بفعل طائفية العلويين بل بفعل أصولية وسلفية بعض أطراف المعارضة التي ظهرت كقيادة للثورة من خلال تأثير الإعلام الخليجي، وحتى الغربي. وهو الأمر الذي أربك العلويين في المرحلة الأولى وجعلهم يترددون في الانخراط في الثورة، ومن ثم مع تصاعد تشوّه الثورة دفعهم للتماسك خلف السلطة، أو للسير بما تريد دون سؤال.

(3): تقول في مقالك نفسه: “أما لماذا ظل العلويون متحلّقين حول السلطة؟ فهذا أمر يجب أن يبحث فيه في كل ردود الأفعال التي نشأت، منذ بدء الثورة من قوى ودول، ووسائل إعلام، كانت تنطلق من منظور طائفي، وتريد “أسلمة” الثورة، وتبرز شخصيات معادية للأقليات، وتفتي في قتلها. وهذا ما كانت تلعب عليه السلطة منذ البداية، من أجل تخويف الأقليات (خصوصاً العلويين) من الثورة، ودفعها دفعاً، لكي تلتصق بالسلطة”، هل هذا تبرير للطائفة العلوية؟ حتى لو كان الأمر كما تقول أن الطائفة دفعت دفعا نحو الالتصاق بالنظام، فهل هذا يبرر لها أن تقف خلف النظام وتبرر جرائمه وتسمح له أن يقتل باسمها؟ أم أن الطائفة فقدت كل قدرة على الوقوف في وجه النظام؟

سلامة كيلة: هذا ليس تبريراً بل تفسير لموقف العلويين الذين لم يكونوا مع النظام قبل الثورة لكنهم وجدوا أنفسهم خلفه بعد الثورة. فالخشية من استلام أحزاب أصولية السلطة جعلهم يتمسكون بالسلطة القائمة، خصوصاً أنهم يعتقدون بأن هؤلاء يحملونهم هم وليس النظام فقط مسئولية كل ما فعله النظام. وهذه حالة يجب أن تفهم في سياق الأحداث التي جرت في سورية نهاية سبعينات القرن العشرين وأوائل ثمانيناته، وفي المنطقة بعد الاحتلال الأميركي للعراق والفوضى التي نشأت ودور تنظيم القاعدة، وبالتالي الصراع الطائفي الذي نشأ. ودون فهم ذلك لن نستطيع فهم كثير من المواقف التي اتخذت من قبل فئات عديدة في سورية. خلاصة الأمر هو أن الاحتلال يستجلب الصراع الطائفي والفوضى، وأن الأقليات معرّضة للسحق، هذا ما ظهر في التجربة العراقية التي وصلت إلى الوعي السوري عبر أكثر من مليونين من اللاجئين العراقيين. لهذا كانت الدعوة إلى التدخل الأميركي، أو الخطاب الطائفي يستثيران قطاعات مجتمعية، مثل المسيحيين الذين تمسكوا ببشار الأسد بشدة منذ البدء (أي قبل العلويين) نتيجة ما حدث لمسيحيي العراق، ومثل العلويين الذين كانوا يريدون في الخطاب الأصولي والتدخل العسكري مدخلاً لانتقام كبير. ما ساعد على ذلك، كما أشرت، هو خطاب أطراف في المعارضة كانت تسعى للتدخل العسكري الأميركي، وعممت خطاباً أصولياً بأشكال متعددة (عبر الفيسبوك والتصريحات ومواقع النت العديدة والفضائيات، خصوصاً قناة الوصال، كما عبر تسمية أيام الجمع ثم الكتائب العسكرية).

وإذا كان العلويين قد كانوا في موقف التردد في البداية، وحاول بعضهم التفاعل مع الثورة (دون تجاهل مشاركة أعداد من الناشطين، لم يكن قليلاً، لكنني هنا أتحدث عن الفئات الشعبية)، فإن تصاعد الخطاب الطائفي وخطاب التدخل العسكري، خصوصاً بعد تسلح الثورة قد دفع إلى ارتباط أعلى بالسلطة، حيث بات ما كان يكرره خطاب السلطة أمراً واقعاً. دون أن نتجاهل بأن السلطة عملت كذلك على سحق أي ميل علوي معارض، وكانت تقتل كل من يشكّ في موقفه، أو حتى كل من تشك هي في احتمال أن يكون غير مقتنع في الخطاب الذي تكرره. لقد مارست هنا ضبطاً أشدّ لكي تفرض تماسك الطائفة حولها، بالضبط نتيجة حاجتها لبقاء “البنية الصلبة” (التي هي الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والمخابرات الجوية) متماسكة وطيّعة. لتكتشف الطائفة أنها وُرطت في مجزرة أفقدتها أبناءها، حيث خسرت خيرة شبابها، لكن كان الوضع قد غرق في صراع فوضوي، تلعب القوى الأصولية (النصرة وداعش وجيش الإسلام وصقور الشام وأحرار الشام، وما إلى ذلك) الدور الأكبر فيه. وهذا الوضع جرى الشغل عليه كما أشرت من قبل السلطة كما من قبل السعودية ودول أخرى، وكان الهدف منه إفشال الثورة عبر تطييفها وأسلمتها، لتكريس الانشقاق المجتمعي. ولقد نجح ذلك نتيجة غياب الأحزاب القادرة على فهم الواقع والتي كان يجب عليها أن تضع إستراتيجية واضحة، وتحدد الأهداف بوضوح. ولم تكن عفوية الطبقات الشعبية، بكل الأطياف (أي بما في ذلك العلويين)، قادرة على استيعاب ما يجري وتحديد كيفية مواجهته. حاول شباب التنسيقيات في المرحلة الأولى من الثورة مواجهة خطاب السلطة الذي يتهم الثورة بالأسلمة والأصولية والسلفية، لهذا أطلقوا شعار “لا سلفية ولا إخوان الثورة ثورة شبان”، وكاد ينجح ذلك في جذب المترددين من الأقليات الدينية، لكن قمع السلطة أنهى وجود هؤلاء ليبقى شباب أكثر بساطة، لم يستطع الاستمرار في مواجهة ذاك الخطاب، بل بعضه انخرط في الأسلمة كرد فعل معاكس.

ما يجب أن يكون واضحاً هو أنه لم يكن هناك ميل طائفي لدى العلويين قبل الثورة، على العكس كان تذمرهم من السلطة يتعالى نتيجة وضعهم البائس، لكن تكتيك السلطة والقوى الإقليمية ومسار الثورة هو الذي فرض هذه النتيجة.

(4): المفكر السوري صادق جلال العظم تحدث كثيرا عن العلوية السياسية داعيا إلى تحطيمها، هل ترى أن هناك علوية سياسية في سوريا؟ وإن كان جوابك لا كيف تقرأ العلاقة بين النظام والطائفة من هذا المنظور؟

سلامة كيلة: كعادته يخرج الدكتور صادق جلال العظم بين الفينة والأخرى بمفرقعات صوتية، وهذه منها، وهي محاكاة للواقع اللبناني، لكن بعد أن سقط مصطلح المارونية السياسية، الذي أُطلق في مرحلة من باب اللغو السياسي، أو من باب التعبير المجازي. على الأقل كان في لبنان أحزاب تدعي أنها تمثّل الموارنة، أو تمثّل المسيحيين عموماً، وكان النظام اللبناني يودي إلى ذلك كما أشرنا قبلاً. أما في سورية فليس من أحزاب تمثّل طائفة أو دين، على العكس يحكم السلطة حزب “قومي” هو حزب البعث. الدكتور صادق يقصد سيطرة “العلويين” على السلطة، كما هي سيطرة المسيحيين على السلطة في لبنان، لكن أيضاً هنا الوضع مختلف، حيث أن النظام اللبناني موزّع طائفياً بالعرف ثم بالدستور بعد اتفاق الطائف، أما في سورية فالأمر مختلف سواء من حيث كيفية السيطرة على السلطة من قبل حافظ الأسد (وقبله البعث)، أو من حيث تكوين النظام الذي يبدو كنظام جمهوري دكتاتوري نتيجة السلطة المطلقة للرئيس. وفي هذا الوضع يمكن أن نقول بأن النظام هو نظام وراثي كما ظهر بعد موت حافظ الأسد، أي نظام عائلي وليس نظاماً طائفياً، بغض النظر عن طائفة العائلة. فالعائلة هنا هي الأساس وليس الطائفة، والتوريث في العائلة تحديداً وليس في الطائفة التي تبقى أداة للعائلة. هذا هو العرف الذي فرضه حافظ الأسد على سورية. بالتالي ما يجب أن يحطم هو هذا العرف. ربما أشير هنا بين معترضتين إلى أن هذا التعميم حول العلوية، الذين يعرفون هم ألا دور لهم في السلطة، وأنها مركّزة في العائلة ومحيطها القريب، هو ما يخيف العلويين، ويشككهم في موقف المعارضة والنخب. إن هذا التقدير الخاطئ هو الذي يجعل العلوي يشعر بأنه متهم أصلاً، ومثل هذه التصورات كانت تتردد منذ سنوات، رغم وجود أعداد كبيرة من العلويين في السجون.

الآن، ما هي العلاقة بين النظام والطائفة؟ أشرت قبلاً إلى جانب من هذا الموضوع، حيث أن البيئة هي التي تحدد الثقة لدى الفئات الريفية التي منها حافظ الأسد، وهذا ما جعله يعتمد على ضباط علويين في مفاصل السلطة، خصوصاً بعد أزمة سنوات 1980/1982. وإذا كان يعتمد على هيمنة الأجهزة الأمنية على الجيش فقد عمل على تشكيل “بنية صلبة” يستطيع استخدامها في الدفاع عن السلطة، كان منها الوحدات الخاصة، وفي مرحلة كانت سرايا الدفاع التي يقودها رفعت الأسد، والتي اعتمدت بالأساس على جذب فقراء العلويين، وتشكيلهم على أساس تعصبي، قبل أن تحل سنة 1984 ويتحول جزء منها إلى الحرس الجمهوري، وجزء آخر إلى الفرقة الرابعة التي تشكلت فيما بعد. في الوحدات الخاصة، وفي الأجهزة الأمنية، خصوصاً الأمن العسكري، كان يعتمد النظام على فئات مهمشة أو إثنية أو من الأقليات، حيث كان يجذب في مرحلة المجندين الأكراد، أو من ريف دير الزور (الشوايا)، أو من المسيحيين والدروز وغيرهم. وهذه الفئات ظلت أساسية في بنية السلطة الصلبة، لكن توضّح بعيد استلام بشار الأسد السلطة، وتحكم ماهر الأسد في الجيش، أن الاعتماد الأساسي بات على الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري اللذين يتشكلان في الغالب من علويين، وهما تحت قيادة ماهر الأسد. وأيضاً على فروع الأمن التي تعتمد على علويين مثل الأمن العسكري خصوصاً سرية المداهمة فيه (التي شكلها آصف شوكت). ثم على المخابرات الجوية.

من هذا المنظور يمكن القول بأن السلطة تعتمد على فئات علوية كبنية صلبة تعتمد على ولائها، وهو ولاء مناطقي كما أشرت، ويستفيد من التهميش والفقر الذي يحكم هؤلاء. ولقد ظهر واضحاً في فترة حكم بشار الأسد أن الاعتماد الأساسي هو على ضباط، وحتى أفراد من منطقة طرطوس أكثر من الاعتماد على منطقة جبلة، وربما يفسّر ذلك رفض الضباط العلويين الذين خدموا مع حافظ الأسد لتوريث بشار (كما حصل مع علي حيدر). وهذا يعزز فكرة الولاء حتى في إطار البيئة ذاتها. والولاء هنا للعائلة بالتحديد كحكم وراثي أبدي. انطلاقاً من ذلك يمكن القول بأن “العائلة” تتعامل مع الطائفة كأداة تستمدّ منها “البنية الصلبة” التي تحمي السلطة وتقاتل من أجل استمرارها. ولهذا كانت حريصة تماماً على تخويف الطائفة لكي تبقى متماسكة خلفها من أجل أن تبقى البنية الصلبة متماسكة، وقابلة لتنفيذ كل المهمات التي تطلبها. وأظن أنه دون هذا التخويف كان يمكن للطائفة ان تتمرّد ككل الشعب، وكان ذلك واضحاً في المرحلة الأولى من الثورة، وبالتالي كان يمكن للفرقة الرابعة والحرس الجمهوري أن يكونا في موقع آخر.

 

(5) عطفا على السؤال السابق: متى نقول عن نظام أنه نظام “علوية سياسية” أو مارونية سياسية”، بمعنى آخر : ما هي الأمور التي يجب أن تتوفر في نظام كهذا حتى نصفه بذلك؟

سلامة كيلة: العلوية السياسية والمارونية السياسية تعبير مجازي، بالتالي لا أسس تحدد إطلاقه على نظام ما. هو خزعبلة وليس مصطلحاً سياسياً، بالتالي ليس من الممكن السؤال عن الأسس التي تحدده.

(6) تقول “حين نريد توصيف نظام سياسي يصبح من الضروري أن ننطلق من “التحليل المادي” لكي نفهم بنيته والمصالح التي يمثلها، ومن ثم الشكل الأيديولوجي الذي يستخدمه من أجل فرض الهيمنة على المجتمع. وهو ما لا يجعلنا نعتبر بأن الدولة العباسية مثلاً تنحكم لنظام طائفي رغم أن الخليفة كان ممثل الله على الأرض. أو نعتبر بأن الدولة الإيرانية طائفية رغم أنها متحكم بها من قبل الولي الفقيه”. أنت هنا تنفي الطائفية أيضا عن النظام الإيراني الذي يعترف ضمنا بطائفيته حين يجعل من دين الدولة هو “الاثني عشرية الشيعية” دستوريا، ويتعزز هذا الأمر بأغلب تحالفات إيران مع القوى الشيعية في المنطقة وكذلك مع نشر التشيع الذي تنشط به، فإذا لم تكن السلطة الإيرانية هي سلطة طائفية فماذا تكون إذن؟

سلامة كيلة: أشرت إلى ذلك قبلاً، وربما كنت قد دققت ما قلته سابقاً، حيث لا مقارنة بين الدولة العباسية وإيران أو دولة الإخوان المسلمين، لأن الأيديولوجية الدينية كانت حينها هي أيديولوجية الدولة التي تفرض على المجتمع، الذي كان يخوض صراعاً طبقياً سياسياً عبر أشكال دينية. ولقد بات هناك أغلبية وأقليات دينية بعيد انهيار الدولة العباسية وتشكل الطوائف كلها كطوائف دينية بعد أن كانت تعبّر عن تيارات فكرية تعبرّ عن فئات اجتماعية. أعيدت صياغتها في طوائف بعيد الانهيار بدءاً من القرن الحادي عشر، وخصوصاً في القرن الثاني عشر والثالث عشر. وهنا باتت خارج الدولة، بمعنى أن الطوائف تشكلت كطوائف بلا دولة، وفي تضاد فيما بينها حينها. وحين كانت الأيديولوجية السنية تحكم كانت تعتبر أن الطوائف الأخرى من درجة أدنى، وفي بعض الحالات كانت تعمل على تسخيرها أو حتى القضاء عليها (كما زمن السلاجقة أو المماليك وخصوصاً في بعض مراحل الدولة العثمانية).

الآن في إيران تنحكم الدولة لمذهب شيعي هو فرع من الإثني عشرية، المذهب الذي يقرّ ولاية الفقيه (وهو المذهب الأضعف في الشيعة)، لكنها تتعايش مع الطوائف الأخرى، حيث في إيران عدد كبير من السنة. وهي تعتبر أنها تحكم باسم الأغلبية. وهنا يفرض التمييز العددي المسبق في تشكيل السلطة، بحيث تبقى سلطة “شيعية”. رغم أنها لا تمثّل كل الشيعة، لا من حيث اختلاف الفرق الشيعية ولا من حيث العدد السكاني. لهذا فهي باسم الشيعة تخدم مصلحة فئات رأسمالية محدَّدة. الطائفية هنا تكمن في التمييز بين السكان في المشاركة في السلطة بالأساس وفق المنظور القديم الذي يرى الشعب طوائف ولا يرى شعب، أو طبقات في الشعب. وبالتالي فهو منظور طائفي. وكل منظور يقوم على الدين سيكون منظوراً طائفياً، لأنه يرى البشر وفق الانتماءات الطائفية، وبالتالي لا يرى بشر. هذا هو المنظور المتوارث منذ انهيار الدولة العباسية وتشكّل الطوائف. ولهذا سيكون منظور النظام السعودي طائفي بالضرورة لأنه ينطلق من المذهب الوهابي. لكن الطائفية بالمعنى الذي أعتقده أعمق من ذلك، لهذا أشرت إلى أنها تسعير الصراع ضد الآخر انطلاقاً من معتقدات موروثة وصراع ماضوي. والصراع هنا هو صراع ما دون سياسي.

ولا شك في أن النظام الإيراني يسعى لفرض هيمنة على المنطقة في إطار الصراع العالمي وميله لكي يكون قوة عالمية، ولهذا عمل على تقوية حزب الله في لبنان، وتمتين العلاقة مع النظام السوري والتفاهم مع الأمريكان بخصوص العراق إلى أن سيطر عليه، ويُظهر أنه مناصر للقضية الفلسطينية. ومن أجل ذلك يستخدم كل ما هو ممكن، ومن ذلك الشيعة، فيظهر أنه يمثلها، ويحاول تحريك الشيعة في المناطق التي تريد الضغط فيها، أو يدعم قوى شيعية من أجل الحصول على مكاسب كما يفعل في البحرين واليمن. وأيضاً ضمن هذه السياسة أقام علاقات وثيقة مع حركة الجهاد الإسلامي ومع حركة حماس، وتحالف مع محمد مرسي وحكم الإخوان المسلمين في مصر، ويعزز علاقاته مع تركيا أردوغان. بمعنى أن النظام في إيران يعمل ضمن رؤيته لمصالحه، رغم طابعه الشيعي، وانحكامه للولي الفقيه. وهو يتعامل بذكاء ودهاء لتحقيق ذلك. هنا الشيعية غطاء للمصالح، وهو لا يتعامل معها كحاجز طائفي. لهذا يتحالف مع الأصولية السنية (حماس والإخوان المسلمين) في إطار الصراعات الإقليمية القائمة ومن أجل تعزيز وضعه الدولي.

أما حول نشر التشيع فإن جزءاً كبيراً منها هو إشاعات أو جزء من الصراع الأصولي السني ضد الشيعة.

 

(7): تقول أن الطائفية هي “التمسك بأيديولوجية، هي موروث الطائفة، وتحويلها إلى مشروع سياسي”. أعتقد أن هذا ينطبق على مشروع الطائفية السياسية، ولكن ماذا عن الطائفية الاجتماعية الموجودة في المجتمع، بمعنى أن العلويين مثلا ليس لديهم إيديولوجية فعلا وفق ما ذكرت، ولكن مع ذلك هم يقفون إلى جانب النظام من منطق طائفي عصوبي، أليس هذا طائفية وإن كانت بلا إيديولوجيا؟

سلامة كيلة: يعني هذا تفسيركم لوقوف العلويين خلف السلطة، الذي لا أوافق عليه، ولقد شرحت تصوري للأمر قبلاً. ثم ثانياً ليس هناك طائفية “بلا أيديولوجيا”، فالطائفية هي تعصب ديني، أي ينطلق من التمسك بمعتقدات دينية معينة، ورفض الاخر انطلاقاً منها، ومن ثم محاولة فرضها بالقوة، أو محاربة الآخر بناءً عليها. ليس هناك معنى آخر للطائفية، وما أشرتم إليه لا وجود له، حيث يمكن القول بالتعصب المناطقي، أو القبلي، والعائلي. ثم، إذا كان ما يجمع بين العلويين والنظام هو انتماء العائلة وحواشيها للطائفة، الأمر الذي نحت لديكم تعبير “الطائفية الاجتماعية”، ماذا نسمي وقوف المسيحيين إلى جانب النظام؟ أليس الخوف من “المجهول القادم” هو الذي يوحد الموقفين، أي موقف العلويين والمسيحيين؟

بالتالي هنا الإشكالية في “الآخر”، أو الصورة التي تعمّمت عن الآخر، أي عن الثورة، والتي قام بها حشد من الدول والقوى والمحطات الإعلامية كما أشرنا قبلاً. الصورة التي كان مقصوداً أن تظهر كذلك، بالضبط من أجل تماسك العلويين والمسيحيين خلف السلطة. وهنا التماسك غير نابع من بنية الطائفة بل من الآخر الذي بات يتهدد الطائفة كما جرى تصوير الأمر. أي هو فعل خارجي كان يمكن ألا يحدث ويكون موقع هؤلاء مع الثورة. بينما حينما نلامس حزب الله أو النصرة أو داعش نجد أن التشكيل قائم على معتقدات موجودة جرى صوغها في الشكل الذي يسمح بتشكيل هذه القوى.

 

(8): حول علاقة الدولة مع الطائفية تقول أن الدولة هي من يعيد الطائفة إلى طابعها المتوارث” متفقا بهذا الأمر مع المفكر الراحل مهدي عامل. ولكن ماذا عن طائفية طوائف ليس لها علاقة مع الدولة؟ ألا يشير هذا الأمر إلى أن الموروث الطائفي يبقى قائما داخل الطائفة ( أية طائفة) إن لم يحدث اندماج وطني فعال أو نقلة تراكمية من الطائفية إلى ما بعدها، سواء تدخلت الدولة أم لا؟ وكيف تحدد العلاقات بين الطوائف والدولة من جهة في سوريا والطوائف والمجتمع من جهة أخرى، وكذلك العلاقة بين الطائفية والإيديولوجيا من حيث أن الثانية في سوريا طالما طغت وغطت على الأولى تاريخيا رغم أن الطائفية تقوم هي الأخرى على بعد إيديولوجي/ عصبوي يعمل على حشد الطائفية خلفه؟

سلامة كيلة: هذا سؤال متعدد الأسئلة، أولاً ما أشرت إليه حول أن الدولة تعيد الطائفة إلى طابعها المتوارث يتعلق بلبنان بالتحديد، وهو ما يشير إليه مهدي، حيث تشكلت بنى الدولة على أساس تقاسم طوائفي، ولا يتعلق بدور الدولة بشكل عام. هنا الدولة تفرض إعادة إنتاج الطوائف، لأن “الانتخابات” تفرض ذلك، ولأن المناصب العليا فيها تفرض ذلك، وهكذا. لكن فهمي للطائفية مرتبط بالوجود المجتمعي أكثر مما هو مرتبط بالدولة، لهذا أشرت إلى أن الطائفية هي أدلجة معتقدات الطائفة في تضادها مع الطوائف الأخرى. أي تحويل معتقد الطائفة إلى “وعي ذاتي” مضاد للآخر. ومن ثم استعادة صراعات ماضية متخيلة في الغالب. هذا “الوعي الذاتي” يمكن ألا يكون له ميل سياسي أصلاً، وبالتالي لا يكون معنياً بالدولة، أو يطمح لأن يتشكّل في دولة، أو أن يسيطر على الدولة القائمة. مثلاً داعش أقامت الخلافة وبدأت التمييز بين المواطنين على أساس الدين والطائفة، من منظور مغرق في العصبوية. وحزب الله دخل المحاصصة الطائفية كطرف أساسي في الطائفة الشيعية، ويعمل على فرضها الطائفة المسيطرة في الدولة. وهناك مستوى من الصراعات الطائفية التي تبقى في حدود “مجتمعية”، أي في حدود ما دون سياسية، مثل قتل الشيعة في باكستان من قبل قوى طائفية سنية (طالبان باكستان). لهذا باختصار يمكن القول بأن الطائفية تتعلق بمعتقدات طائفة بالأساس، يعاد إنتاجها في تضاد مع طائفة أخرى، سواء وصلت مرحلة البحث عن تأسيس دولتها أو لم تصل.

ثانياً الموروث الديني للطوائف سوف يبقى، ولا يعني الاندماج الوطني إلغاءه على الإطلاق، وإلا أصبحنا على حافة الطرح الإلحادي الذي يريد إزالة الدين. ومسألة “الاندماج الوطني” تعبير بني على منظور طائفي أصلاً، لأن الأمر لا يتعلق بالاندماج الوطني، بل يتعلق بمستوى الوعي، ومستوى القانون الذي ينظر إلى الناس المتواجدين في بلد محدَّد على أنهم مواطنون بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو المذهب، هذه المسائل التي تبقى شأناً شخصياً، وتبقى كمعتقدات خارج الحقل السياسي. هنا نلمس العلمنة بالضبط. بمعنى أن الدولة يجب أن يعاد تأسيسها كدولة حديثة، تتجاوز الدولة الدينية، وهي تكون كذلك حين تصبح علمانية فقط. ويجري فصل الدين عن السياسة، بحيث لا يسمح لنشوء حزب ديني لأنه يميّز بين المواطنين. المواطنون الذين هم قاعدة كل دولة ديمقراطية وعلمانية. تبقى مسألة الوعي، هذه ترتبط بنظام التعليم الذي تؤسسه الدولة الحديثة، الذي يقوم على أساس علماني. ولا شك في أنّ التطور الذي حدث في الماضي، سواء بتعميم التعليم أو الاختلاط المجتمعي الذي فرضته ظروف العمل، وتشكل المدن المختلطة، كان كله يسير نحو اندماج مجتمعي بالضرورة، لأنّ كل ذلك يفترض انتشار أفكار جديدة وعلاقات جديدة تتجاوز التقسيم الماضوي، ليصبح الدين ليس هو أساس العلاقات، ولا المنظم للقوانين. لكن نقص التطور “الرأسمالي” أبقى الماضي ممكن العودة، وكان هدف النظم لكي تبقى مسيطرة تكريس الوعي الديني (وحتى الأصولي) عند كل الطوائف. بالتالي عادت المشكلة من جديد، رغم أن الاندماج المجتمعي أبقاها ضعيفة التأثير، وسيكون أساس انطلاقة جديدة، تقوم على أساس مجتمعي (طبقي أو وطني عام). وهذا يعني أنه من الضروري إعادة تشكيل الأحزاب كمعبّر عن طبقات المجتمع، والسعي لتأسيس دولة علمانية ديمقراطية. ولا شك في أن توسّع دور الأصولية والطائفية ارتبط بضعف دور الأحزاب العلمانية والوطنية واليسارية، حيث نشأ فراغ فرض الارتداد إلى البنى التقليدية في العديد من المواقع. لكن هذا الارتداد مؤقت بالضبط لأن التطور المجتمعي لم يعد يحتمل استمرار وجوده.

هذا تصوّر مستقبلي، أي يتعلق بمرحلة تغيير النظم القائمة وتأسيس نظم بديلة تستند إلى هذه المفاهيم وتعمل على تطبيقها، لكن يمكن القول الآن أن الأمر يتعلق ببناء أحزاب جديدة انطلاقاً من منظور طبقي، أو وطني أو ديمقراطي، وبناء الصراع على أسسه الحقيقية، سواء تعلق الأمر بالتعبير عن الطبقات المفقرة أو تعلق الأمر بتأسيس أحزاب ديمقراطية. بمعنى أن النظر إلى المجتمع والصراع يجب أن يقوم على أسس حديثة، وأن تبنى الأحزاب عما يعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية. ولا شك في أن الاندماج المجتمعي (بالمعنى الذي أشرتُ إليه) يسمح بذلك بالضرورة دون نظر إلى الطوائف والقبائل. لكن هذا يفترض التعبير عن مطالب الشعب الحقيقية، أي طرح مطالب العيش والحريات، وخوض الصراع مع هؤلاء من أجل تحقيق ذلك. هذا الأمر هو الذي يسمح بالانخراط في الأحزاب دون النظر لخلفية دينية أو طائفية، وبالتالي يبلور الشعب على أسس تتجاوز الدين والطائفة، سواء على أساس طبقي أو على أساس وطني، أو ديمقراطي (وهاتين تعبران عن أساس طبقي كذلك لكن بشكل مموّه).

السؤال الثاني الذي يتضمنه هذا السؤال حول علاقة الطوائف بالدولة وعلاقتها بالمجتمع وبالأيديولوجية، هذا يعتمد على صيرورة الصراع الراهن، والحلول التي يمكن أن تتحقق. حيث يظهر الآن وكأن المجتمع قد تفكك إلى طوائف متصارعة. ولا شك في أن ما حدث مؤلم، وربما يترك تشققات مجتمعية، خصوصاً أن ممارسات وحشية مورست، وقاد التهميش والفقر إلى ممارسات مخجلة. وبالتالي يمكن أن تظهر صراعات كردود أفعال، لكن المسألة الجوهرية هي أن الشعب خاض ثورة، وستستمر ما دام لم يحقق مطالبه، وهذا ما يمكن أن يعيد توضع “الطوائف” في الصراع على أساس غير طائفي أصلاً، أي على أساس طبقي. وهذا ما أشرت إليه قبل قليل، حيث أن الوضع سوف يعيد إعادة بناء الثورة على أسس جديدة تعبّر فعلياً عن واقع الشعب عموماً. وهذا يعني تجاوز النظر الطائفي لمصلحة نظر طبقي، ويفتح على توحّد الفقراء ضد السلطة. هذا هو الخيار الذي تفرضه الثورة، وهو خيار يتجاوز الطوائف ليتعامل مع طبقات، وهذا يعني أن الشعب سيتوّحد ضد السلطة وينتهي الانقسام الحاصل الآن نتيجة الشغل على تشويه الثورة. وفي هذا يجري تجاوز المنظور الطائفي (الذي هو أعلى لدى فئات سنية) لمصلحة رؤى أيديولوجية طبقية.

طبعاَ يبدو السؤال حول أن الأيديولوجيا “طالما طغت وغطت على الأولى (الطائفية) تاريخياً رغم أن الطائفية تقوم هي الأخرى على بعد أيديولوجي/ عصبوي يعمل على حشد الطائفية خلفه” مشوشاً إلى حدّ كبير، فهنا يبدو الخلط واضحاً بين الطائفة والطائفية. كيف طغت الأيديولوجية؟ إن لكل حزب أيديولوجياه، وحين يستلم السلطة يعمل على تعميمها، كما فعلت السلطة من خلال الفكر القومي الذي يطرحه البعث. والأيديولوجية الطائفية التي كانت قائمة قبل ذلك هي أيديولوجية الإخوان المسلمين، التنظيم الذي كان ضعيفاً. أما “الطوائف” فقد كان ميلها قومياً ويسارياً عموماً.

وأيضاً أعتقد أن الجزء الثاني من السؤال عموماً ينبني على تصوّر أن سورية باتت طوائف متصارعة، ولهذا يسأل عن كيفية العلاقة فيما بينها وبعلاقتها بالدولة، ومن ثم العلاقة بين أيديولوجياها والأيديولوجية القومية التي سيطرت خلال العقود الماضية. لهذا أقول أن الميولات التي تشكلت في المستوى الطائفي تنتهي حين تتبلور قوى يسارية وديمقراطية، وحين يعاد بناء الثورة على ضوء مصالح الشعب. وهذا سيؤدي إلى انتصار أيديولوجية جديدة بالضرورة.

 

 (9): تختم ردك على فكتور بالقول: ” فواقع “الطائفة” يجب أن يضعها في طليعة الثورة بدل أن تكون قوة وحشية السلطة. وإذا كانت مصالح السلطة تفرض أن تدفعها إلى هذا المصير، فإن مصلحة الثورة تفرض أن يجري العمل على إعادة موضعتها في الثورة. من هذا المنظور لا بد من كشف كل خطاب طائفي وتعرية كل قوة طائفية”. هل تعتقد أن ثمة إمكانية واقعية فعلا لتحقيق ما سبق بعد كل ما جرى و يجري، خاصة بعد إعلان الخلافة الإسلامية على لسان البغدادي؟ ألا ترى أن الواقع تجاوز هذا الطرح؟ وإن كنت ترى أن ثمة إمكانية لذلك فكيف؟

سلامة كيلة: إشارتي كانت تتعلق بالوضع بداية الثورة، وبالتالي كان وضعها يطرح مسألة أنها يمكن أن تنهض في ثورة ضد السلطة، هذا الوضع الذي يحتاج إلى فهم أدق. فالطائفة العلوية تنقسم ككل المجتمع إلى فئات استفادت وتستفيد من السلطة، وربما كان وجود “أقارب” في السلطة يفتح على واسطات واستفادة ما محدودة منها. لكن العلويون فئات اجتماعية متداخلة في التكوين المجتمعي السوري، وتعاني كما يعاني كل المجتمع من التهميش والفقر والبطالة، ومناطق الساحل عانت من الإهمال والتهميش، ومن سطوة الشبيحة وعائلة الأسد ومخلوف، وبالتالي رغم التداخل مع السلطة من خلال التوظيف، خصوصاً في “بنية السلطة الصلبة”، وإمكانيات التوظيف في حدود معينة، كانت تشعر بأنها ضد السلطة. وهذا ما كان يجعل آلاف من شبابها ينخرطون في المعارضة، ويذهبون إلى السجون. وأظن نتيجة الفقر الشديد الذي عاناه هؤلاء، خصوصاً أن الساحل هو من المناطق الأكثر فقراً، كان يمكن أن يكونوا بداية الثورة. على الأقل كان هذا توقعي من خلال مشاهدة الوضع الصعب الذي يعيشونه (وكنت أشير هنا إلى العشوائيات التي يسكنها هؤلاء في دمشق مثلاً)، لكن نشوب الثورات في تونس ومصر والبلدان الأخرى، وحماس الشباب (ومنهم علويون كثر) لتحريك الشارع، ثم للأزمة التي نشأت في درعا ورد السلطة الوحشي، فرض مساراً آخر.

فقد كانت سياسة السلطة تعتمد منذ البدء على تخويفها (مثلاً كانت الأجهزة الأمنية تعمم على العلويين متابعة قناة الوصال قبيل الثورة، وكانت في الفترة الأولى من الثورة حين ظهر عدنان العرعور كموجه للثورة تعمل على تعميم فتاويه المتعلقة بتكفير العلويين بأشكال مختلفة). لقد بذلت السلطة مجهوداً كبيراً لكي تخوّف الطائفة من الثورة، وكان ذلك مفصل جوهري في سياستها. كل ذلك لأنها تعرف إمكانية انخراطها في الثورة. ورغم ذلك شارك شباب كثر في الثورة، وكان موقف الطائفة مترقباً في المرحلة الأولى منها. ولهذا ظللت أسعى لتحديد مطالب الثورة بما يشمل مطالب الطبقات الشعبية كأساس لاستقطاب هؤلاء، وعبر التركيز على تأسيس دولة علمانية ديمقراطية. وهذا ما كان يجب أن يكون خطاب المعارضة، وأن يجري تفكيك كل خطاب طائفي. لكن كما أشرت قبلاً سار خطاب المعارضة والقوى الإقليمية في السياق ذاته الذي يسير فيه خطاب السلطة (أي كان يؤكد خطاب السلطة). طبعاً حين تتحول الثورة من ثورة لتحقيق مطالب الشعب الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية إلى خطاب من أجل تحقيق “الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة” لن يعود ممكناً أن نقول بأن مجمل الأقليات والعلمانيين سوف ينخرطون في الثورة. الأمر تعقد على الشعب عموماً ويحتاج إلى إعادة بناء تنطلق مما أشرت إليه قبلاً.

(10): بعد دخول داعش الطائفية بامتياز وحزب الله الطائفي بامتياز بموازاة قوى طائفية من هنا وهناك ( كتائب أبي الفضل العباس، كتائب إسلامية واضحة التوجه، النصرة، الإخوان السوريون..) كيف تقرأ المسألة الطائفية خاصة أن إعلان الخلافة نقل المسألة السورية برمتها من مكان إلى مكان آخر؟

سلامة كيلة: رغم أن حزب الله والميليشيات العراقية هي طائفية فإن تدخلها مرتبط بمصالح إيران بالأساس، وسعيها للحفاظ على السلطة، التي باتت تتحكم بها. ولا شك في أن وجود النصرة وداعش، وحتى جيش الإسلام، هي تنظيمات طائفية، وتبدو أنها تخوض الصراع ضد السلطة، لكنها في الغالب تخدم سياسة السلطة كما أشرنا قبلاً. سينتهي دور “المجاهدين” (النصرة وداعش)، لكن يمكن أن تتشكل قوى سلفية سورية يمكن أن يكون لها دور في إطار التفاهم الإيراني السعودي، لأنها تتبع السعودية. وهذا ما يمكن أن يزيد المظاهر الطائفية في السلطة التي يمكن أن تقوم بعد الوصول إلى حل، إذا تحقق ذلك عبر التفاهم السعودي الإيراني. لكن يبقى ذلك حلاً مؤقتاً نتيجة وجود الظروف التي تفرض استمرار الثورة.

(11): قبل اندلاع الثورة سنرى غياب المسألة الطائفية عن أجندة المثقفين السوريين، مقابل حضورها الكثيف في ظل الثورة، لماذا غابت هذه المسألة أمس وحضرت اليوم؟ هل كان المثقف عاجزا عن رؤيتها وقراءتها في الواقع أم ماذا؟

سلامة كيلة: أولاً لم تغب المسألة الطائفية عن أجندة النخب، وإن كانت الكتابات حولها قليلة (برهان غليون)، حيث كان الهاجس الطائفي يتكرر في النقاشات، وكان الميل للقول بأن النظام طائفي سلساً، وهذا جزء من المشكلة الراهنة التي جعلت القول بأن النظام يمثل الطائفة العلوية سهلاً، وبديهياً. هذا المضمر هو الذي يطفو على السطح الآن، حيث أن أزمة الثورة وتزايد دور القوى الطائفية السنية (النصرة وداعش والجبهة الإسلامية)، وتصاعد مجازر السلطة بات يجعل قطاع من النخب تميل لكي تقبل الخطاب السلفي ذاك، والتكيّف معه، لهذا باتت تريد التأكيد على طائفية السلطة. إن تبرير طائفية الذات هو الذي يدفع الخطاب حول طائفية السلطة لكي يتصدّر. والمثقف في كل ذلك لم يكن يفهم الواقع ولازال كذلك، نتيجة منظور شكلي سطحي يحكمه، ولتحكّم نوازع غريزية.

 

(12): هل ترى أن حل المسألة السورية في نهاية المطاف سيخرج من بوابة الطوائف على نمط اتفاق الطائف اللبناني أو العراقي أم أنه سيأخذ منحى أخر؟ وطنيا مثلا؟

سلامة كيلة: الآن كل حل في سورية هو حل مرتبط بتوافق دولي، أميركي/ روسي، وإقليمي، سعودي/ إيراني. ولا شك في أن قرار مجلس الأمن حول الأسلحة الكيماوية السورية تضمن التوافق الأميركي الروسي المقرر في 30 حزيران سنة 20012، والمسمى مبادئ جنيف، وبالتالي بات هو الأساس لكل حل في ظل تعقيد الوضع واستعصاء الحسم.

المصدر : موقع حكاية ما انحكت Syria Untold

عن مقابلة الجولاني

أن يخرج أبو محمد الجولاني على شاشة “الجزيرة”، في هذا الوقت، أمر لافت، بل أظن أنه مربك ومقصود، فالكتائب المتوحدة في جيش الفتح تحقق تقدماً ملحوظاً في الشمال والغرب من سورية، وظهر أن جبهة النصرة باتت تخضع لمنظور مختلف عمّا كانت تطرح، خصوصاً بعد أن تسرب أنها قد تنفصل عن تنظيم القاعدة، وتصبح “جزءاً من الثورة”.
لكن، أعاد الجولاني تكرار المعروف عن الجبهة، وعن هدفها بفرض الخلافة، وعن التعامل وفق “منظور ديني”، ينطلق من الوهابية يكفّر الأقليات والأديان، ويريد تطبيق “الشريعة”، كما تبلورت في شكلها الوهابي القائم على شكلية مفرطة في الفهم، حيث تؤخذ النصوص مجتزأة، وتطبق من دون تفكير، استمراراً لما أكده الإمام الغزالي أنْ “خذوا الحقائق من الألفاظ”. والتكفير هو أولويته وأساس رؤيته، والقتل هو الآلية التي تتبع ذلك. بالتالي، لماذا يخرج الجولاني لقول ذلك؟ وماذا تريد قناة الجزيرة القول؟
ربما كان الهدف هنا هو فعل ما فعلته داعش، حين “توافقت” مع قوى عراقية ضد النظام في العراق، وسارعت سيطرة تلك القوى على مناطق واسعة غرب العراق لأن تعلن الخلافة، وتشرّد المسيحيين وتعتقل اليزيديين، وتمارس كل أشكال القتل. ليجهض الحراك ويصبّ في ما تريد السياسة الأميركية. فما قاله الجولاني يعني أن على “الأقليات” السورية أن تخاف، وأن تعيد ارتباطها بالنظام، بعد أن ظهر التفكك في الفترة الماضية، خصوصاً هنا الدروز، وأيضاً العلويين، وخصوصاً أيضاً أن “النصرة” باتت على حواف جبال العلويين، وهددت بالوصول إلى القرداحة.
وإذا لاحظنا كيف أن التقدم في الشمال الغربي توقف عند حدود السيطرة على منطقة إدلب يمكن أن نتوقع أن الحدود التي سُمح فيها من الدول المتحكمة أن يتوقف “التحرير” هنا، ومن ثم أن يجري شدّ العلويين خلف السلطة. ربما نربط ذلك بسماح السلطة لداعش لكي تسيطر على تدمر، وسعيها إلى التقدم غرباً، سواء نحو حوران أو ريف دمشق، وتقدمها في حلب. ومحاولة شلّ الجبهة الجنوبية كذلك. حيث كان المطلوب من التقدم العسكري خلخلة ميزان القوى، وليس أكثر.
وإذا كان وجود جبهة النصرة يربك الصراع منذ البدء، ويراد أن يربك التقدم بحيث يبقيه “تحت السيطرة”، فإن وضع جبهة النصرة أصلاً محل رفض في مناطق سورية كثيرة، حيث اعتبرت الكتائب المسلحة في منطقة درعا الجبهة تنظيماً متطرفاً تكفيرياً، ورفضت كل علاقة معه، كما دعت العناصر المنخرطة في التنظيم إلى تركه، والانضمام إلى صفوف الثورة. كما حدثت تظاهرات عديدة ضده، أدت إلى طرده من مناطق في جنوب دمشق (ببيلا وغيرها)، وأيضاً تظاهرات ضدها في مناطق عديدة في الشمال. وهي تسيطر في الشمال بفعل قوتها العسكرية، وليس بفعل قبول الشعب لها. لهذا، فإنها مرفوضة شعبياً، ويؤدي تكبير دورها إلى تخويف ليس الأقليات فقط، بل كل الشعب السوري من المصير الأسود الذي تسعى إلى فرضه.
لكن، من الواضح أن قوى عديدة تلعب خلف الجبهة، منها جماعة الإخوان المسلمين الذين يبدو أنهم قد دفعوا إلى انخراط عناصر منهم فيها، وأصبحوا يميلون إلى أن يعتبروها جزءاً من حراكهم. ومنها دول تريد أن تلعب بهذه الورقة، سواء لتخريب ترتيبات لا تريدها، أو للحصول على مكاسب خلال البحث عن تسويات في سورية. وربما أن هناك دولاً تريد أن تصل الجبهة إلى السلطة، لأنها تريد في سورية سلطة أصولية قروسطية وهابية.
مهما فعلت جبهة النصرة في مواجهة النظام، فهي قوة كبح وتفكيك، وهي تطمح إلى فرض سلطتها الأصولية على أي منطقة تسيطر عليها، وأصوليتها المغرقة في التخلف تجعلها في تضاد مع الشعب، وتفرض عليه صراعاً مضافاً، مع صراعه ضد النظام.
لكن، ماذا تريد قناة الجزيرة بإبراز الجولاني للمرة الثانية؟ تعميم الأصولية، كما فعلت منذ بدء الثورة؟

المصدر: العربي الجديد

أميركا وروسيا.. تحالف حتمي

منذ أزمة أوكرانيا، حيث أسقط الشعب سلطة متحالفة معروسيا وانتخب أخرى متحالفة مع “الغرب”، وضم روسيا شبه جزيرة القرم، ودعمها تمرد المنطقة الشرقية في أوكرانيا؛ تعقدت العلاقات الأميركية الروسية التي كانت تبدو قبل ذلك سائرة نحو التفاهم.

أخذت التوقعات تميل إلى القول بـ”عودة الحرب الباردة”، خصوصا بعد العقوبات الاقتصادية الأميركية على روسيا، التي شملت كذلك كل الدول الأوروبية، حتى تلك التي تربطها علاقات مميزة مع روسيا مثل ألمانيا. ومن ثم عودة التوتر في تناول الأزمات الدولية عموما، من سوريا وإيران إلى ليبيا، وحتى اليمن.

الأمل بعودة الحرب الباردة، أو رؤية الصراع بين الطرفين يتصاعد، حكَم قطاعا من الذين ما زالوا يعيشون أجواء الحرب الباردة، ويؤسسون رؤيتهم على أساسها (مثل ما يسمى اليسار الممانع). ولهذا تحول الصراع الذي نشأ لديهم إلى حقيقة، حيث أصبحت توصيفات روسيا كدولة إمبريالية تخضع لذلك، الأمر الذي جعلها “رأسمالية مستقلة”، أو “دولة بازغة”، أو “دولة تحررية”. وجرى الهجوم على كل من يعتبر أنها دولة إمبريالية.

“الإرهاصات الأولى لعودة ما يسمى الحرب الباردة ظهرت مع الدور الروسي بسوريا، لكنها تراجعت بعد التقارب الأميركي الروسي بعد عام من الثورة في سوريا، والتفاهمات التي تحققت بينهما حينها، بيد أن أزمة أوكرانيا أعادت الأمل بأن الصراع هو السمة التي تحكم العلاقة بين الإمبرياليتين”

الإرهاصات الأولى لهذه الرؤية ظهرت فقط مع الدور الروسي في سوريا، بعد أن أصبحت روسيا هي الحامي للنظام في مجلس الأمن عبر “الفيتو المزدوج” (الروسي الصيني)، والداعم له عسكريا وسياسيا. لكنها تراجعت بعد التقارب الأميركي الروسي بعد عام من الثورة في سوريا، والتفاهمات التي تحققت بينهما حينها، وأصبح هناك ارتباك في الموقف من روسيا نتيجة الخشية من التخلي عن دعم النظام السوري. لكن أزمة أوكرانيا أعادت الأمل بأن الصراع هو السمة التي تحكم العلاقة بين الإمبرياليتين، رغم رفض تسمية روسيا بدولة إمبريالية لأنها “رأسمالية مستقلة تقاوم الهيمنة الإمبريالية الأميركية”.

الآن نعود إلى لحظة أخرى، حيث يعود التفاهم هو ما يريده الطرفان. فقد أدت زيارة كيري الأخيرة إلى موسكو إلى العودة إلى بحث الملفات المختلفة التي شهدت خلافات في المرحلة الماضية، من أوكرانيا إلى سوريا. ويبدو أن الطرفين يحرصان على ذلك، وأن الخلافات لا تقود إلى “حرب باردة”، أو ميل روسي للابتعاد عن التفاهم مع أميركا، بل إنها مضطرة لإبقاء الرابط معها. فأميركا تعيش “شبحالصين“، وروسيا تعيش “شبح العزلة” بعد أن تشابك اقتصادها بالاقتصاد الرأسمالي العالمي إلى حد كبير، ولأن اقتصادها يهيمن عليه الطابع الريعي نتيجة الاعتماد الكبير على تصدير النفط والغاز (70% من الدخل القومي).

ولهذا تصبح العزلة (أو الحصار الاقتصادي المفروض من قبل أميركا) انتحارا، لأنها تقود إلى انهيار اقتصادي كبير. بمعنى أن أميركا تريد التحالف مع روسيا لهدف مستقبلي انطلاقا من الشعور بخطر تعتقد أنه سيأتي من الصين التي تطمح لأن تكون القوة المهيمنة عالميا، وتؤسس لتحقيق ذلك.
وأميركا هنا قادرة الآن على المناورة، والصبر، وأيضا الضغط. لكن روسيا لا تمتلك القدرة على المناورة والصبر، لأن مجمل اقتصادها قائم على تصدير النفط والغاز، ومجمل اقتصادها مرتبط بالمراكز الرأسمالية نتيجة التداخل الذي تحقق بعد الانفتاح السريع على السوق العالمي بعيد سيطرة بوريس يلتسين.

كما أشرت مرارا فإن أميركا في إستراتيجيتها التي تبلورت بداية سنة 2012 تسعى لأن تقيم تحالفا عميقا مع روسيا، كما مع إيران. لأن ذلك هو جزء من إستراتيجيتها لحصار الصين، لكنها تريد ذلك وفق حدود تقررها هي ولا تتعلق بطموحات لا روسيا ولا إيران، لهذا تعمل على الضغط والحصار، ومن ثم الحوار، من أجل الوصول إلى تحالف يخدم سياساتها هي، وإن كان يخدم بشكل أو بآخر روسيا (وإيران).

“أظن بأن أميركا سوف توافق أخيرا على المقترح الروسي بشأن شبه جزيرة القرم، كما ستوافق على تشكيل فدرالية أوكرانية بحيث سيبقى لروسيا تأثير حاسم في الشرق الأوكراني، في تصور يقوم على تأسيس تحالف أميركي روسي أوروبي”

وما يساعد أميركا على ذلك هو طبيعة النمط الاقتصادي الذي هيمن في روسيا بعد انهيار الاشتراكية، حيث تحكمت فئة مافياوية، ربطت الاقتصاد بالمراكز الإمبريالية، وبالتالي تداخل مع مجمل الاقتصاد الرأسمالي، وأصبح يتأثر بكل عوامله، وخصوصا هنا بالقطاع المالي فيه الذي هو تحت السيطرة الأميركية، وهو ما تضغط أميركا عبره (كما حدث مع إيران حين جرى فرض الحصار على البنك المركزي الإيراني الأمر الذي منع الحصول على التدفقات المالية الآتية من بيع النفط، الذي يباع فقط بالدولار).

لقد توافقت مع روسيا على الحل في سوريا منذ إقرار مبادئ جنيف1 في 30 يونيو/حزيران 2012، واشتغلت على ترتيب معارضة تقبل بهذا الحل، ونجحت، لكن روسيا لم تنجح في الإتيان بوفد من السلطة يوافق على المبادئ تلك. ومن ثم انفجرت الثورة في أوكرانيا فأسقطت “عميل” روسيا في سعي للاندماج بـ”الغرب”، أي الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، رغم أن تجارب بلدان أوروبا الشرقية مع الاتحاد كانت سلبية، حيث زاد الفقر والتهميش، وعمق الأزمة الاقتصادية، لأن الالتحاق بالاتحاد يعني تعريض هذه البلدان لعملية نهب كبيرة من قبل الاحتكارات الأوروبية (الألمانية خصوصا، والفرنسية كذلك).

هذا الأمر دفع روسيا إلى اعتبار ما جرى “مؤامرة” فعمدت إلى ضم شبه جزيرة القرم، ودعمت المعارضة المرتبطة بها في الشرق الأوكراني. ولا شك أن المفاوضات الروسية الأوروبية قد أوصلت إلى حل، لكنه لم يطبق، وهو يقوم على تشكيل دولة فدرالية، حيث سيكون لروسيا تأثير كبير على المنطقة الشرقية. لكن تريد روسيا الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم، وهو الأمر الذي وقف عائقا من قبل أمام التفاهم بين الطرفين الروسي والأميركي.

لا شك أن المفاوضات بين الطرفين تتناول مسائل كثيرة، لكن يبدو أن هاتين المسألتين هما ما يشكل عقدة في الوصول إلى توافق. فروسيا تريد فك الحصار الاقتصادي الذي فرضته أميركا والتزمت به الدول الأوروبية (رغم عدم تحمس بعضها، مثل ألمانيا)، ولكنها تريد حسم مسألة شبه جزيرة القرم الروسية، والتي جرى ضمها إلى أوكرانيا سنة 1954 خلال وجود الاتحاد السوفياتي، لأنها مدخله البحري الوحيد باتجاه دوره في العالم، وخصوصا في البحر المتوسط.

وأظن بأن أميركا سوف توافق على ذلك أخيرا، كما ستوافق على تشكيل فدرالية أوكرانية بحيث سيبقى لروسيا تأثير حاسم في الشرق الأوكراني، في تصور يقوم على تأسيس تحالف أميركي روسي أوروبي.

في سوريا بات الأمر أقرب لتفاهم أكبر بعد أن شعرت روسيا أن إيران باتت هي التي تقرر فيها بعد أن مسكت بالقرار العسكري والسياسي فيها، ولأن أميركا لا تريد لإيران أن تبقى في سوريا نتيجة “العامل الإسرائيلي”، حيث ستوقع اتفاقا نوويا مع إيران ترفضه الدولة الصهيونية، ولهذا لا بد من إبعاد إيران عن حدودها.

“الروس يصرون على أن الحرب الباردة انتهت ولن تعود، وهذا حقيقي ونتيجة لتشابك الاقتصاد الروسي مع العالمي، وبالتالي فإن كل الخلافات والتوترات التي تحدث بينها وبين أميركا خصوصا هي نتيجة اختلافات حول الدور والموقع كأي خلافات بين بلدان إمبريالية”

وبهذا ستظل مبادئ جنيف1 هي أساس التفاهم الأميركي الروسي. لكن ما يبدو أنه جديد هنا هو أن الطرفين باتا يشعران بأن الحل يفترض إبعاد بشار الأسد، بعد أن تمسكت به روسيا طويلا، ولم تكن أميركا معنية كثيرا بالأمر. لهذا كان الحوار الجديد الذي بدأ قبل وقت قريب ينطلق من البحث في “مرحلة ما بعد الأسد” كما أُشير.

ولا شك أن تسهيل روسيا لاتخاذ قرار في مجلس الأمن تحت البند السابع يخص اليمن كان يؤشر إلى أنها توافق على تحجيم دور إيران التي تمددت “أكثر مما يجب”، وباتت تنافس روسيا ذاتها.

هل يتحقق التفاهم الآن؟ يمكن ذلك لأن روسيا مأزومة نتيجة العقوبات الاقتصادية وانهيار أسعار النفط (الذي جاء ضمن سياسة العقوبات الاقتصادية)، وبالتالي ربما تخلت عن “عنجهيتها”، وعن عدم حساب الوضع الذي وضعها به يلتسين واستمر مع بوتين، رغم ميل هذا الأخير إلى فرض أن تكون روسيا “قوة عظمى”.

ولأن أميركا أيضا تريد “ترتيب” وضع عالمي يسمح لها بأن تدير أزمتها الاقتصادية التي تهددها بشكل مستمر، من أجل تأخير انفجار فقاعة جديدة، أو على الأقل تخفيف آثارها. وكذلك تسريع ترتيب وضع عالمي يحاصر الصين قبل أن تتقدم هذه الأخيرة فتفرض سيطرتها في لحظة ضعف أميركا.

هل ستنجح المحاولة الجديدة للحوار بين الطرفين؟ ربما، حيث سيبدو الوضع أفضل لأميركا، كما يمثل حاجة لروسيا.

الروس يصرون في كل تصريحاتهم على أن الحرب الباردة انتهت ولن تعود، وهذا حقيقي ونتيجة لتشابك الاقتصاد الروسي مع الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإن كل الخلافات والتوترات التي تحدث بينها وبين أميركا خصوصا هي نتيجة اختلافات حول الدور والموقع كأي خلافات بين بلدان إمبريالية.

المصدر : الجزيرة

The Syrian regime is slowly being liquidated

Comment: Is there a reason for the slow elimination of leading figures in the Syrian regime, asks Salameh Kaileh.

A number of elite members of the Syrian regime have met untimely ends in suspicious orviolentcircumstances in recent months – Rustom Ghazaleh, a regime spymaster, died last month after being severely beaten during an argument with another regime intelligence chief.
In 2012, the regime’s “crisis control room” – a cabal of senior spies and military men – were eliminated when a bomb destroyed their Damascus meeting place. Despite segments within the revolution claiming the operation, it appears the attack was a regime attempt to prevent the group planning a coup.

During the revolution, many officers who were connected to the assassination of Rafik al-Hariri in Lebanon were themselves killed, such as General Jamea Jamea.

But it is in recent weeks that this attrition has accellerated. In the last few days, the deaths of several senior officers was announced. The list included the commanders of the Fourth Armoured Division, the Belli military airbase, the army’s special forces and of the First Armoured Division.

Thereafter, three senior officers were reportedly killed by mistake when their location in Palmyra was hit by a regime air raid, with reports suggesting two of the officers were related to Assad.

Previously, Hafez Makhlouf, Assad’s cousin and senior figure in the General Security Directorate, was removed from his position and left Syria. Rafiq Shahada was also removed as the head of military intelligence.

All of these figures are considered to be the front line in the regime’s security and military structure, which indicates a calculated process of elimination.

This raises the question of why and who is carrying out the killings?

We have witnessed the collapse of what remains of the regular Syrian army and the chaos it now suffers, which has become very obvious since the fall of the 82nd Armoured Brigade in the south a few months ago.

The regime accused a number of the brigade’s officers of treason, and Iranian officers reportedly executed them, as has happened in other brigades.

The collapse of other army units also took place in the north after the creation of Jaish al-Fath, when regime troops retreated from bases in Idlib, and similarly retreated from the confrontation with the Islamic State group in Palmyra.

The tide has turned

The recent battles demonstrate that the forces sent by Iran are incapable of stopping the collapse or the regime’s military apparatus, as those forces are themselves in a difficult position. They have suffered heavy losses in various battlefields including Qalamoun, despite their efforts.

Therefore, as the regime’s army and its supporting forces are heading toward collapse, we should closely examine the process of elimination of its senior officers.

It seems that all those who have committed atrocities against the revolution are being liquidated, but who is carrying this out? Perhaps that will become clear once a solution is reached or once there is a change in the structure of the regime.

Source: al-Araby al-Jadeed

The Syrian regime is slowly being liquidated