Monthly Archives: يناير 2012

في ما خصّ الخوف من الإسلاميين

الخوف من «انتصار» الإسلاميين في سورية كان، حتى قبل صدور نتائج الانتخابات في تونس، ومصر، حيث ظهر واضحاً «انتصار»هم، وتشكيلهم الحكومة في تونس، وربما في مصر كذلك إذا تقرر أن تكون الحكومة هي من الأغلبية التي فازت في انتخابات مجلس الشعب، وأيضاً في المغرب حيث شكّل «حزب ديني» الحكومة.

وكان الخوف يعني، ولا يزال، نهاية سلطة «علمانية» أو حكم «طائفة» لمصلحة الإسلام السياسي، المتمثل بالإخوان المسلمين. الأمر الذي أخاف ولا يزال يخيف قطاعاً كبيراً من العلمانيين، وأيضاً «الأقليات الدينية». وبدا الأمر وكأن الانتفاضة الشعبية الهائلة، بتوسعها «السنّي»، لن تأتي بغير هؤلاء، مما يجعل الحفاظ على السلطة القائمة أمراً ضرورياً و «عقلانياً» بالنسبة الى الطرفين، العلماني و «الأقلوي»، على رغم كل الآراء فيها، والمواقف فيها.

وكان نقص الشعارات في الانتفاضة، الذي كان يعوّض عنه بهتافات دينية، والتقاط بعض التصريحات «الطائفية» التي تعزز من هذه الصورة، والتي تصدر من طائفيين أو حتى «متطيفين» خارج سورية، مدخلاً لتأكيد أن «الغول» قادم. وبالتالي أن ليس من خيار سوى عدم الاعتراف بأن ما يجري هو انتفاضة شعبية. ومن ثم التمسك بدعم السلطة، أو عدم الانجراف في تيار الانتفاضة.

ومن ثم أتت الانتخابات التونسية، ثم المصرية، لكي تؤكد ما كان مؤكداً أصلاً. هذا الأمر لا شك أضعف الانتفاضة، وأربكها، وأيضاً أطالها، لأن الواقع يشير إلى أن كل هؤلاء المتشككين والمتخوفين هم في الوضع ذاته مع الطبقات الشعبية التي انتفضت، فهم منها أصلاً، مشاكلهم هي مشاكلها ذاتها، سواء تعلق الأمر بالبطالة أو الفقر أو الاستبداد، لهذا كان يجب أن يكونوا في الصراع من أجل «إسقاط النظام»، وفرض بديل يعبّر عنهم. لكن هذا «البعبع» وقف حاجزاً أمام هذا الانخراط. وقد لعبت السلطة جيداً على هذا التخوّف، وأحياناً فرضته بـ «القوة»، عبر الضغط.

لكن، هل هناك خوف من أن يتسلم الإسلاميون السلطة في سورية أيضاً؟

أظن أن سورية ستكون هي نقطة «الانقلاب» نحو سياق آخر لمآل الانتفاضات العربية، ليس فقط لأن ما يقارب الـ30 في المئة من السكان هم من الأقليات (الدينية والإثنية)، بل لأن الظروف التي توافرت لقوى إسلامية لم تشارك فعلياً في الانتفاضات، في تونس، ومصر و (المغرب)، لن تتوافر في سورية.

فعملية الالتفاف على الانتفاضات في تونس ومصر اعتمدت على دور لقيادة الجيش، وبالتفاهم مع الولايات المتحدة جرى «عقد تحالف» مع الإسلاميين، الذين حظوا برعاية السلطة خلال الانتخابات ومن خلال تشغيل ماكينة الدعاية والإعلام، وتحيّز بيروقراطية السلطة، و «بلطجية» الأحياء، وحتى ربما التزوير كما في مصر، وفّرت لهم إمكانية كبيرة (مع القدرة المالية لديهم) لحصد أكبر عدد من المقاعد (حركة النهضة حصدت 40 في المئة من أصوات الذين انتخبوا، وهم 48 في المئة من الذين يحق لهم الانتخاب، أي أنها حصدت أقل من 20 في المئة من الأصوات. والإسلاميون في مصر اعتمدوا على «قرار» بتغريم كل من لا يصوت بـ 500 جنيه، في جلب فئات مفقرة للتصويت لهم رفعت من حجمهم كثيراً). وبهذا، فإن على رغم الدعم السلطوي، والمقدرة المالية، و «الرمزية» التي حصلت عليها، لم تكن لتحصل إلا على جزء قليل من الناخبين.

في سورية لن يكون ذلك ممكناً، لأن أي تغيير لن يأتي بقوى في السلطة تدعم الإسلاميين، بل ستحافظ السلطة الجديدة على حساسيات المجتمع، وعلى التوازنات السياسية التي ستفرض التغيير، سواء تعلق الأمر بالمسألة «الوطنية» أو «الطائفية» أو «الطبقية». بمعنى أن السلطة «الجديدة» لن تكون في وارد دعم الإسلاميين، ولا توفير الظروف التي تجعلهم الحزب الأكبر، على العكس – وعلى رغم إمكانية السماح لهم – ستكون في وارد أن تطفو على السطح أحزاب أخرى، وتلوينات متعددة.

ربما هذا ما يدفع الإسلاميين أكثر من غيرهم إلى التركيز على التدخل الدولي (على الطريقة الليبية أو حتى العراقية)، حيث يصبح المجلس الانتقالي الذي هم القوة الأساسية فيه هو السلطة الجديدة. ويرون أن أي تغيير داخلي هو إبعاد لهم، على رغم «الوعد الإلهي» الذي أشار إليه بعض الإخوان المصريين، الذين اعتبروا أن ما يجري من وصولهم إلى السلطة هو «معجزة إلهية»… الأمر الذي قد يدفعهم إلى «حماقات» تخدم السلطة وتربك الانتفاضة. لكنها لن تغيّر من المسار الذي يتوضّح بأنْ ليس هناك تدخل عسكري دولي، والأمر متروك لتطور الانتفاضة ذاتها… ما يفرض كسر حاجز الخوف من «سيطرة أصولية» على السلطة لدى فئات متخوّفة، لكي يكون التغيير شعبياً بعيداً من كل الحساسيات الطائفية، أو الخوف من التدخل الخارجي. فهذه المشاركة هي التي تفرض تغييراً يخدم الطبقات الشعبية كلها، ويؤسس لمجتمع يقوم على مبدأ المواطنة وليس الطائفة.

وإذا كان انتصار الإسلاميين في تونس ومصر والمغرب ضخّم من الخوف من الإسلاميين، فإن حجم النجاح محدود على رغم التضخيم الإعلامي من جهة، وسيتوضّح أن الصراع الشعبي يتحوّل إلى صراع ضد السلة «الإسلامية» الجديدة لأنها لا تملك أي حلّ للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت في أساس الانتفاضة، وأن الصراع بالتالي مستمر، وسيكون واضحاً أن «بعبع» الإسلاميين ليس سوى فقاعة في سياق تاريخي سيفرض تغييراً عميقاً لمصلحة الطبقات الشعبية.

إذاً، لن يأتي الإسلاميون بـ «الباراشوت»، ولن يكون التغيير الذي يمكن أن يحقق انفراجاً ديموقراطياً داعماً لهم كما حدث في تونس ومصر. وهنا ستكون النتائج أكثر تنوعاً، و «توازناً». بالتالي، لا خوف من الإسلاميين في سورية.

المصدر: الحياة

الانتفاضات في الوطن العربي، لماذا حدثت الآن؟ وماذا يمكن أن تفضي؟ وما هو مآلها الأبعد و مهمات اليسار؟

بدأت الانتفاضات العربية فجأة، ودون سابق إنذار. هذا ما ظهر لكثير ممن يشتغل بالسياسة، سواء تعلق الأمر بالنظم أو الإمبريالية أو الأحزاب. لكنها كانت تتقد منذ زمن بفعل التغيير العميق في الوضع الاقتصادي الذي بدأ بعيد انهيار المشروع القومي ونهاية دور الدولة الاقتصادي، وأفضى إلى انتصار الليبرالية في أوقات مختلفة منذئذ. ولأن اليسار هرب من التحليل الماركسي فقد وقع في العجز عن تلمس وضع الطبقات الشعبية التي يظنّ بأنه يمثلها، ولهذا فوجئ كما فوجئ الآخرون.
ثم انتصرت الانتفاضات في تونس ومصر وليبيا، وهي على وشك ذلك في اليمن وسورية. كما أن بلداناً أخرى تسير في مسار تفاقم الصراعات التي ستفضي إلى الانتفاضة، مثل المغرب والأردن والسودان والجزائر، وحتى السعودية. لكن انتصارها قاد إلى أن يصل إلى السلطة قوى إسلامية شاركت بشكل هامشي أو حتى لم تشارك في الانتفاضات، وهو الأمر الذي فرض الخوف من هذه النتائج. وكانت الانتفاضات في كل من ليبيا وسورية قد أثار اللغط أصلاً حول “المؤامرة الإمبريالية”، ليبدو أننا في سياق “إعادة بناء” المنطقة وفق المصالح الإمبريالية كما باتت تكرر قوى ونخب “قومية”. وظهر لهؤلاء ولآخرين بأن هذه هي النهاية الممكنة لكل انتفاضة راهنة، وأنها بالتالي أسوأ مما هو قائم.
وهنا يظل المنطق الذي حكم النخب والقوى هو ذاته، الذي لم يلمس ممكنات الانتفاضات نتيجة السطحية (أو الشكلية) التي تحكمه، وهو الآن لا يلمس الواقع بل تلمس النتائج التي تحققت لكي يبني عليها موقفه، دون “إحساس” بأن ما يجري هو أعمق من أن يتوقف عند هذه النتائج.

إذن، ما الذي جرى؟ والى أين يمكن أن يوصل؟
حول المصطلحات

أثارت الانتفاضات نقاشاً حول ماهيتها، هل هي انتفاضات أم ثورات أم حراك لا يرقى إلى كل ذلك؟ ولقد أظهر النقاش بأن الخلاف حول المصطلحات يؤشر إلى اختلافات أعمق، لكنه يوضح بأن أواليات الفكر تبدو ملتبسة. فهناك من يخلط بين المصطلح الذي هو “رمز” ما يجري التوافق عليه من أجل تحقيق التفاهم في الحوار، ولهذا فهو “محايد” بصيغة ما، وهو جزء ما تاريخ الفكر. وبين الفكر ذاته، أي الفهم المحدَّد للفرد أو التيار. وهو الأمر الذي يحمّل المصطلح عبء أيديولوجي من جهة، ويخضعه للذاتية التي تجعله مصطلح خاص لشخص أو لتيار وليس مصطلحاً “توافقياً” مثل أي اسم لأي شخص. لهذا يصبح الحوار مستحيل، لأن أوليات التوافق تنتفي، وهي المصطلحات. فيكرر شخص مصطلح ليفهمه الآخر في صيغة هي غير ما قصد ذاك الشخص. وبالتالي يصبح النقاش غرائبياً، ويتحقق الاختلاف الذي سيبدو لمن هو خارج النقاش بأن لا معنى له، لأنه لا يجد اختلافاً فيما يقال.

ماذا يجري إذن؟

هو حراك وانتفاضات وثورات معاً. فرغم أن هذه مصطلحات ثلاث، إلا أن الظاهرة تستوعبها. فهي حراك لأن ما يجري هو نشاط جماهيري. وهي ثورة لأنه نشاط يهدف إلى إسقاط النظام. وهو انتفاضة نتيجة الشكل الذي اتخذه هذا النشاط، والمتمثل في التظاهر الشامل. بالتالي فإن تحديده الأولي هو أنه حراك، لكن جوهره يتمثل في التمرد على السلطة مما يجعله ثورة. وفي شكل تظاهرات شعبية، هي ما جرى اصطلاح تعبير انتفاضة عليه.
بالتالي ليس كل ثورة يجب أن تنتصر، أو حتى أن تكون شاملة كل المجتمع أو البلد. وليست الثورة هي التي تهدف إلى تغيير النمط الرأسمالي لمصلحة الاشتراكية فقط، فهنا يحمّل مصطلح ثورة عبئاً أيديولوجياً يشوه الأفكار التي تنبني عليه. وليس لزاماً أن يكون هناك حزب قيادي لكي تكون ثورة، فالثورات يمكن أن تكون عفوية أو منظمة.
والانتفاضة هي ليست مستوى النشاط الشعبي الأدنى من الثورة، بل هي شكل من أشكال الثورة، مثل الثورة المسلحة أو الإضراب العام أو العصيان المدني. وهي يمكن أن تكون عفوية أو منظمة كذلك.
لهذا لا يجب أن نضيع في نقاش بديهيات، هو بالأساس نقاش أيديولوجي يمكن أن تكون له مداخله الأخرى، التي يمكن أن توصل إلى نتائج أفضل. خصوصاً وأن الانطلاق من هذا التشوش في المصطلحات أفضى ويفضي إلى استنتاجات سياسية ومنهجية، والى التوصل إلى أحكام تتعلق بوضع الانتفاضات ومصيرها، وبالسياسات الضرورية لتفعيل دور العامل الإرادي السياسي (الأحزاب). وهي أحكام سلبية في الغالب. لهذا بدل أن يقدّم الفكر ما يساعد الشعب المنتفض على تطوير انتفاضته، غرق في أحكام سوداوية، ونقاش لا معنى له. فظلت النخب، والأحزاب بعيدة عن الحراك الثوري رغم الحاجة الضرورية التي نشأت في كل الانتفاضات.
فالانتفاضات عفوية، وهذا واضح من طريقة انطلاقها. ولهذا كانت بحاجة إلى الوعي الذي يعطيها “العقل”، ويؤسس لها التنظيم. ولهذا كان دور الفكر هو البحث في مشكلاتها، وفي آليات تطويرها، وفي تنظيم نشاطها، وبلورة الأهداف والشعارات التي لم تكن الطبقات الشعبية بقادرة على بلورتها في مشروع تغيير يؤسس لنظام بديل.

الأساس الاقتصادي ومسألة الحرية

لماذا لم يستطع الماركسيون توقّع انفجار الانتفاضات؟ لأنهم انحكموا لمنطق “سياسي” لا يلمس سوى “السياسة”، أي الدولة أو السلطة والنشاط السياسي والعلاقات السياسية، الذي يعني لمس التكتيكي فقط. بمعنى لمسهم الحراك السياسي، والواقع كما يظهر في شكله السياسي فقط. وفي السياسة لم يكن الوضع يوحي بإمكانية “ثورة” على السلطة، نتيجة ضعف الأحزاب مقابل قوة السلطة. لهذا أكثر ما كان يُطرح هو إصلاح النظام، والتركيز على حقوق الإنسان، أو على المسألة الوطنية. وبهذا غاب المجتمع، بما هو بشر يتشكلون في طبقات، ولهم ظروفهم ومشاكلهم، وأيضاً مطالبهم. لقد انحصر الفهم في الحقل السياسي دون الحقل المجتمعي إذن.
الاحتقان كان يتراكم في الحقل المجتمعي، بينما كان الحقل السياسي يشهد أزمة عميقة نتيجة الأزمة التي كانت تعيشها أحزاب المعارضة، والتي نتجت عن الاستبداد من جهة، لكن عن ضعفها التكويني كذلك. الأمر الذي فرض انعزالها عن الطبقات التي لا بد من أن تعبّر عنها. لهذا فوجئت بالانتفاضات، وتفاعلت معها من منطلق اللحاق في الغالب.
وإذا كانت مسألة الحرية والديمقراطية هي الموجة التي غطت العقدين الأخيرين، والتي أصبحت “النغمة الموحدة” لطيف واسع من القوى، الليبرالية واليسارية والإسلامية، وباتت الديمقراطية هي المدخل لكل تغيير، وبالتالي استنفذت جل نشاط كل هذه الأحزاب، فإن ما كان يحفر في الواقع هو أثر التحوّل الاقتصادي الذي بدأ منذ “عصر الانفتاح” أواسط سبعينات القرن العشرين. حيث تحقق التهميش وتمركزت الثروة، وباتت كتلة كبيرة من الشعب في وضع مزري.
بمعنى أن فهم ما حدث، وما يمكن أن يحدث، والمآل الذي سيصل إليه الصراع الذي بدأ في 17/12/2010 في سيدي بوزيد، لا بد من أن ينطلق من فهم الأساس الاقتصادي الذي تشكّل بعيد انهيار المشروع القومي العربي، وتحقق الانفتاح الليبرالي، أكثر من التركيز على الاستبداد والدكتاتورية وموجة الدمقرطة التي انتشرت بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. لأن موجة الدمقرطة تلك ارتبطت بتحقيق اللبرلة الاقتصادية، التي أتت بكل التهميش والإفقار والبطالة التي أصبحت سمة عامة في الوطن العربي. هذا الوطن الذي بات الأكثر تهميشاً ونسبة بطالة وفقر في العالم.
وبات “النمط الاقتصادي” (وأقصد هنا ليس نمط الإنتاج بالمعنى الماركسي بل التكوين الاقتصادي الذي شكّلته اللبرلة) يتسم بالريعية بعد أن أفضى الانفتاح إلى تدمير كل البنى المنتجة، ليس الصناعية فقط بل الزراعية كذلك. وهو الأمر الذي أفضى إلى تصاعد نسبة البطالة بشكل غير مسبوق، وكذلك العجز عن زيادة الأجور رغم الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات والمواد الأولية بعد أن أصبحنا جزءاً من عالم العولمة.
هنا أصبحت الكتلة الأساسية من الشعب مهمشة ومفقرة. وباتت أقلية محدودة تعيش حياة البذخ. كما أصبحت الشركات الاحتكارية الإمبريالية تنهب قدر ما تستطيع. وتشكلت “طبقة” رأسمالية، لكنها مافياوية الطابع، تعتمد على النهب من خلال الاقتصاد الريعي، وفي العلاقة مع الطغم المالية الإمبريالية. بالتالي، شعب مفقر ورأسمالية مافياوية مركزت الثروة وتعيش حياة البذخ. هذا هو الوضع الذي تشكّل خلال العقدين الماضيين، وكان الأساس في انفجار الطبقات الشعبية، التي لم تعد تستطيع العيش.
ويتحقق التغيير حين تصبح الطبقات الشعبية عاجزة عن تحمّل الوضع الذي هي فيه، وتكون الطبقة المسيطرة (والنظام الذي تحكمه) عاجزة عن ضمان الاستقرار. هذا هو الوضع الذي نحن فيه بالضبط.
إذن، لا بد من تلمس الوضع الاقتصادي، والأزمة التي يلقي بها على الطبقات الشعبية.، هذا أولية في كل تحليل ماركسي، لكنه أولية حاسمة في فهم ما يجري، وتحديد المآل الذي يمكن أن يوصل إليه.

وضع الطبقات وموضوع الأحزاب السياسية

لكن هذا الوضع أفرز طبقات مفقرة، مطالبها “بسيطة”، هي العمل والأجر الأفضل، والتعليم المجاني، والعلاج المجاني. فقد أصبحت مهمشة في التكوين الاقتصادي، وباتت طبقات مفقرة نتيجة ذلك. وهذا الأمر يجعل كل حل لمشكلاتها لا بد من أن يطال “النمط الاقتصادي”. حيث لا بد من توفير فرص العمل، وتوفير فائض القيمة الذي يسمح بزيادة في الأجر متوازية مع ارتفاع الأسعار للسلع والخدمات. وأن تصبح الدولة قادرة على تحقيق مجانية التعليم (بعد أن جرى سلبها بطرق شتى)، وعلميته. وتوفير العلاج المجاني وضمان مستواه الإنساني. وتوفير البنى التحتية المتطورة. ومن ثم توفير الاستثمارات في قوى الإنتاج الزراعية والصناعية خصوصاً.
فهذا هو الحل لمشكلات هذه الطبقات، والذي يحقق مطالبها، ويجعلها قادرة على عيش كريم. ولقد انتفضت بالضبط من أجل ذلك، رغم أنها لم تستطع صياغة رؤيتها، ولا حتى توضيح مطالبها في بعض البلدان (مثل سورية). وانتفضت بشكل عفوي لأنها لا تمتلك الأحزاب التي تعبّر عنها، وتندمج بها لكي تؤسس “المطابق السياسي الأيديولوجي” الذي يحدد هذه المطالب ويبلور البديل والطريق التي تحققه. هنا نقول بأن الطبقات الشعبية تمرّدت على الوضع الذي هي فيه دون أن تكون قادرة على بلورة البديل الذي يحل مشكلاتها، رغم تلمسها لهذه المشكلات بشكل واضح. فهي تعرف أنها مفقرة ولا تستطيع العيش، لكنها لا تعرف الطريق الذي يجعلها تتجاوز فقرها. وهي عاطلة عن العمل لكنها لا تعرف كيف تجد العمل.
كل ذلك هو ما تقوم به الأحزاب التي تعبّر عن هذه الطبقات. ولقد أشرنا إلى أنها كانت غائبة، حتى عن تلمس مشكلات هذه الطبقات، وليس أيضاً رسم إستراتيجية حل مشكلاتها. وهو ما فرض ويفرض ألا تقود الانتفاضات إلى انتصار هذه الطبقات، التي تعرف كيف “تهدم” أو تسقط، لكنها لا تعرف كيف تؤسس البديل.
في هذا المسرب يظهر دور الأحزاب، التي لم تشارك في الانتفاضات، أو شاركت بخجل وتردد، أو ملحقة بالهيجان الشعبي الهائل. حيث ليس من الممكن تحقيق مطالب الطبقات الشعبية إلا عبر السياسي، وهنا من خلال التغيير في طبيعة الدولة. لهذا ينتقل الأمر من شعب منتفض وثوري، ويريد التغيير الجذري، إلى أحزاب لها رؤاها وبرامجها، وتعبّر عن مصالح طبقية معينة. حيث يطفو على السطح من يمتلك القوة والرمزية، والمال. ويُلحق بها الأحزاب التي تمحور رؤيتها حول هدف وحيد هو “الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية” (استعارة من برامج كل الأحزاب السورية المعارضة). وتتجاهل طابع الاقتصاد القائم، على العكس من ذلك تنطلق من تكريس اللبرلة كونها النمط الوحيد الممكن، والضروري، و”الثوري”.
إن موجة الدمقرطة قد جرفت جل الأحزاب، خصوصاً أحزاب اليسار (الشيوعية، الماركسية)، سواء التي تلبرلت فتخلت عن شيوعيتها أو ماركسيتها، أو التي تمسكت في “الحلقة المركزية”، التي هي الديمقراطية. وبات “الجو السياسي” جوٌّ ليبرالي ديمقراطي. وهو الأمر الذي جعل “البديل السياسي” عن النظم القائمة هو بديل ليبرالي، لا يريد تغيير النمط الاقتصادي، وإنْ كان هناك من ينتقد الفساد، أو يتأفف من ضخامة الفقر، أو من احتكار اللبرلة. ومن ثم لم ينوجد الحزب الذي يحمل مطالب الطبقات الشعبية “الاقتصادية”، ولا حتى ذاك الذي يدمجها بالمطلب الديمقراطي (سوى هوامش ربما).
هذا المسرب فرض أن يكون بديل النظم القائمة أحزاب على شاكلتها، وليست أحزاب تعبّر عن عمق الأزمة التي تعيشها الطبقات الشعبية. وأصبح الوضع هو تغيير أشخاص وأحزاب بأشخاص وأحزاب أخرى مماثلة أو مشابهة، أو تختلف قليلاً.
بالتالي لا حلول لمشكلات الطبقات الشعبية. لكن هل تخمد بعد كل هذه البطولة والنضالية، وبعد كسر حاجز الخوف، وانغماس الشباب المفقر في الصراع الطبقي؟
هذا الأمر الذي يجب أن يُلحظ، ويُحفظ.

وضع المرحلة الانتقالية

هذا التفارق بين ثورية الطبقات الشعبية وليبرالية الأحزاب، وبالأساس غيابها عن الصراع، هو الذي فتح، ويفتح، على شكل وعمق التغيير الذي يتحقق. حيث أن الطبقات المنتفضة لا تستطيع الاستيلاء على السلطة، بل تفضي قوة حراكها على “تفكك” في السلطة ذاتها، يدفع إلى تقديم “تنازل” على أمل وقف زحف هذه الطبقات، ويهيئ للالتفاف على مطالب الانتفاضة.
لهذا كان الجيش هو القوة التي حسمت الصراع في كل من تونس ومصر، وقاد مرحلة انتقالية بشكل غير مباشر كما في تونس (أي عبر حكومة مدنية)، أو مباشر كما في مصر (عبر المجلس العسكري الذي تولى صلاحيات الرئيس). وهنا لابد من التساؤل حول عما تعبّر القيادات العسكرية للجيش طبقياً، وبالتالي في أي سياق وضعت التغيير خلال المرحلة الانتقالية؟
في هذا الوضع وجدنا أن التغيير في “النظام” شكلي، طال أفراد (مهما كانت أهميتهم في السلطة)، ولم تتغيّر بنية أسستها السلطة السابقة. وظل النمط الاقتصادي كما هو، حتى السياسات الاقتصادية ظلت تعتمد الطريق ذاتها، التي تعتمد على القروض الخارجية والاستثمارات الأجنبية، والتوظيف في القطاعات ذاتها. وفي السياسة الخارجية ظل الوضع كما هو. وإذا كانت جرت “محاسبة” لبعض ضباط الشرطة، فقد ظلت “العقيدة الأمنية” كما كانت، مع حدوث تغييرات شكلية في المناصب.
بمعنى أن النظام ظل كما هو بعد أن سقط الرئيس. إن النظر إلى الجيش كطرف محايد كان يوقع في الأوهام، وهو ما لمسناه في تونس ومصر، حيث راهن الشباب على “وطنية” الجيش، وانطلقوا من وقوفه “مع الشعب” حين رفض التدخل ضد الانتفاضة. لكن ليس كبار الضباط هم من طينة غير طينة النظام، بل هم جزء من النخبة المسيطرة، التي عبّرت عن الطبقة الرأسمالية المافياوية، الملحقة بالطغم المالية الإمبريالية. وإذا كان قوام الجيش هو شعبي ووطني لأنه من الطبقات الشعبية ذاتها، فإن كبار الضباط هم غير ذلك، إنهم جزء من الطبقة المسيطرة، وهو ما يظهر من الامتيازات التي تحصلوا عليها، ومن التراكم المالي الذي استحوذوا عليه.
بالتالي كان هؤلاء الضباط الكبار هم “خشبة الخلاص” للطبقة المسيطرة وللإمبريالية حين تصاعدت الانتفاضة وهددت بأن تطيح بكلية النظام. أو فتحت الأفق لصراع طويل يمكن أن يطوّر من مقدرة الطبقات الشعبية، عبر تبلور الفعل السياسي المعبّر عنها، والذي يمكن أن يستولي على السلطة. لهذا جاء تدخل الجيش لقطع الطريق على خيار الطبقات الشعبية وليس من أجل تحقيق مطالب الانتفاضة. ولهذا وجدناه يحافظ على البنية ذاتها، وعلى الآليات ذاتها، وبالتالي على المصالح الطبقية ذاتها. وأصبحت المسألة هي كيفية تفكيك الانتفاضة من خلال آليات “ديمقراطية”، أي من خلال الانتقال إلى الانتخابات كونها الشكل “الأمثل” للديمقراطية، قبل ودون أن تكون الطبقات الشعبية قد بلورت الأحزاب التي تحمل مطالبها وتمثّل مصالحها. وفي هذا الوضع تنشق الطبقات الشعبية بين مراهن على “تغيير ديمقراطي” يوصل أحزاب تعتقد بأنها سوف تحقق مصالحها، وآخرون تلمسوا الوضع وعرفوا بأن طريق الانتخابات بهذه السرعة ودون إعادة بناء السياسة في المجتمع لكي تبلور الطبقات الشعبية بدائلها، سوف يوصل الأحزاب القائمة، سواء المعارضة أو التي لم تكن كذلك، إلى السلطة. وهي كلها أحزاب لا تحمل البديل الذي يحقق مطالب الطبقات الشعبية.
هذا ما لمسناه في الواقع، في تونس ومصر والمغرب. حيث وصلت أحزاب ليبرالية تتمسك بالنمط الاقتصادي ذاته، وبالعلاقات الدولية ذاتها، وليست ديمقراطية بما يسمح لها بتأسيس دولة مدنية ديمقراطية، بل بات بعضها يدعو إلى “الخلافة الإسلامية”، مثل حركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والحرية (واجهة الإخوان المسلمين) في مصر. ولقد كررت هذه الأحزاب المنتصر التأكيد على الحفاظ على النمط الاقتصادي والمعاهدات الدولية (بما يتناقض مع تصريحاتها السابقة، خصوصاً مثلاً الموقف من معاهدة كامب ديفيد، والعلاقة مع أميركا).
بالتالي، فإن الآليات “الديمقراطية” التي كانت تنجح الحزب الدستوري في تونس، والحزب الوطني في مصر، هي ذاتها الآليات التي حكمت الانتخابات التي أنجحت الإسلاميين. فالانتخابات في وضع لم تتغير بنية السلطة (وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية والإشراف البيروقراطي على الانتخابات، والسيطرة الإعلامية) سوف ينجح من يتحصل على دعم السلطة ذاتها.
هنا ليس من الممكن أن يتحقق تغيير حقيقي من خلال الانتخابات قبل “نفض” بنية الدولة، وإعادة بنائها من الطبقات الشعبية. وأيضاً قبل أن تتبلور الأحزاب التي تعبّر عن “روح الانتفاضة”، أي التي تحمل مطالب الطبقات الشعبية التي انتفضت. ولا شك في أن ضرورة المرحلة الانتقالية هي من أجل ذلك بالتحديد، وليس من أجل توسيع قاعدة السلطة السياسية من خلال إشراك أحزاب “معارضة”.

أسباب انتصار الإسلاميين

في هذا الوضع كان “طبيعياً” انتصار الإسلاميين. فقد أهديت “الانتصار” من قبل العسكر، حيث جرى الاعتراف بها أنها ممثلة الشعب المنتفض، بعيد ترحيل الرؤساء مباشرة. وأصبحت تمارس (في مصر مثلاً) وكأنها السلطة منذئذ. ولقد ظهرت في تحالف مع المجلس العسكري في مصر، وداعم لحكومة السبسي في تونس. كما ظهر بأن الولايات المتحدة باتت تسهّل دخول الإسلاميين السلطة، وقررت “التعاون” معهم. وبهذا أصبح واضحاً بأنهم قادمون إلى السلطة بكل التهليل والدعم الممكن من قبل الولايات المتحدة وكل الدول الإمبريالية. كما أصبح واضحاً بأن السلطة تجدد ذاتها من خلال إدماج الإسلاميين فيها لتوسيع قاعدتها السياسية، والتوضيح بأن السلطة باتت سلطة للأحزاب التي كانت تعارض النظم التي “سقطت”.
ما كان يجعل الإمبريالية، والطبقة الرأسمالية المافياوية المسيطرة، يعيدان إنتاج السلطة عبر إشراك الإسلاميين هو أن هؤلاء ليسوا في تناقض مع النمط الاقتصادي (الذي أنتج كل التهميش والإفقار اللذين قادا إلى الانتفاضة)، بل أنهم ينطلقون من الحرية المطلقة للملكية وللتجارة، ويبررون كل الممارسات الاقتصادية “السوداء”. وأنهم لا يتعارضون مع السياسة الخارجية رغم كل الديماغوجيا التي جرى استخدامها في إطار الصراع ضد النظم، واستغلالهم العداء للإمبريالية وللدولة الصهيونية في هذا الصراع. ومن ثم فهناك علاقة تاريخية طويلة مع “الغرب”، قامت على التحالف ضد الشيوعية والحداثة والقومية والتقدم.
بالتالي كان واضحاً بأن وصول الإسلاميين إلى السلطة لن يغيّر لا في النمط الاقتصادي ولا في السياسة الخارجية والمعاهدات والتحالفات. وهو الأمر الذي فرض أن “يرثوا” الانتفاضة، ويعتبروا بأنهم قادتها رغم مشاركتهم الضعيفة فيها. ولهذا أصبح الإسلاميين موضع دعم إعلامي ومؤسسي وسياسي من قبل السلطة التي تقود المرحلة الانتقالية، كما عملوا على استقطاب قطاعات من أعضاء الأحزاب التي كانت حاكمة (الحزب الدستوري والحزب الوطني) أو التحالف الانتخابي مع بعضهم. وككل انتخابات تجري في إطار نظم غير محايدة يكون الأكثر حظاً هم أولاء “المدعومين”.
لكن هذا هو الجزء الأخير من الصورة. فما فرض ذلك هو أن الإسلاميين تحولوا إلى قوة حقيقية في الشارع، ربما لعبت الإمبريالية دوراً في ذلك، من خلال اعتبار أنهم القوة التي تواجهها، والخطر الذي يتهددها، لكن كان انهيار التجارب “القومية”، والاشتراكية، وتلاشي اليسار بعد أن تلبرل قسم كبير منه، وتبني الإسلاميين لسياسات “شعبية” مثل المقاومة (حركة حماس وحزب الله) ومحاربة “الغرب” والنظم، هي كلها التي حولتهم إلى قوة أساسية في المعارضة.
وكان يساعدهم على ذلك بنيتهم التنظيمية الدقيقة، والوفرة المالية التي تشكلت عبر العلاقة مع الأموال النفطية. وبالتالي الدعم السعودي الخليجي المستمر منذ عقود.
لقد ظهر بأن الإسلاميين هم المعارضة في وضع كانت قوى المعارضة أهزل من أن تثبت ذاتها. وعملوا مع قوى أخرى في إطار تحالفات ديمقراطية، ومن أجل الديمقراطية. وكان يظهر بأنهم “الأصلب” في الصراع ضد النظم، والأكثر “شعبية” في الانتخابات من كل أطراف المعارضة الأخرى. رغم أن منطقهم ظل يقوم على الإصلاح وليس على التغيير، وعلى بقاء النظم وليس تغييرها. وسُوِّقوا كقوة ديمقراطية من قبل الأحزاب الأخرى، خصوصاً من اليسار الذي اعتقد بأن هؤلاء قد تطوروا وتحدثوا فأصبحوا “ديمقراطيين”.
كل هذه العناصر لعبت دوراً في أن يصبح هؤلاء هم الأغلبية الحاكمة. فهم في توافق مع الوضع العام للنظم وللتكوين العالمي، ويحملون شحنة “ثورية” باسم الانتفاضة. ويحمَّلون الأمل في تحقيق مطالب الفئات الاجتماعية المفقرة، خصوصاً من فئات راهنت على أن تصبح الانتخابات هي المدخل لتحقيق مطالبها. وبالتالي أن يحصلوا على نسبة أقل من الخمس في تونس، وربما مثلها في المغرب، وأكثر قليلاً في مصر نتيجة الصيغة التي تحققت فيها الانتخابات (وضع غرامة على من لا ينتخب). وكل هذه الأرقام هزيلة بالمعنى العام، لأنه في المقابل هناك أضعافها في وضع آخر، مشتتين ومشوشين، لكنهم ليسوا مع الخيار الأصولي.
لكن هل يستطيع الإسلاميون الحكم؟ أظن لا، نتيجة أن برنامجهم الاقتصادي، ورؤيتهم الديمقراطية سوف يفرضا استمرار صراع الطبقات الشعبية ضد كل حكومة جديدة، وضد كل حزب لا يحمل حلاً لمشكلات هذه الطبقات. بالتالي فقد دخلنا في مرحلة عدم استقرار على صعيد النظم، مع استمرار حركات الاحتجاج بمستويات مختلفة.

التدخل الدولي ومسألة المؤامرة

عملت الولايات المتحدة منذ نشوب انتفاضة تونس على ترحيل الرؤساء، فطالبت برحيل بن علي، ثم بعد أسبوع من الانتفاضة المصرية طالبت برحيل حسني مبارك، ورغم ترددها في وضع ليبيا واليمن وسورية فقد ظهرت كطرف يدعم “الربيع العربي”، ويهلل للتغيير. هل هي فعلاً كذلك؟
أولاً لا بد من التأكيد على أن ما حدث فاجأ الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً، ولهذا لا يمكن القول بأنهم من رتّب “الربيع العربي”. وظهر ذلك في الارتباك الذي حدث في الأيام الأولى، خصوصاً في تونس ومصر، قبل أن تضع إستراتيجية التعامل مع الحدث.
وثانياً لا بد من التأكيد على أن الوضع الاقتصادي الذي أفضى إلى حدوث الانفجارات الشعبية هو من صنع الطغم الإمبريالية التي كانت مصالحها تفرض حدوث انهيار الصناعات التي نشأت في زمن “التحرر”، ومثّلت صيغة إحلال السلع محل الواردات. وأصبحت تفرض حدوث انهيار شامل في الزراعة بعد أن طوّرت من إنتاجها الزراعي بعد بدء التوظيف في الزراعات المعدلة جينياً. وبالتالي باتت معنية بتشكيل اقتصاد مافياوي يسهم في النهب. فقد عادت أولويتها إلى “تحقيق التراكم عن طريق النهب” بعد أن هيمن المال على الرأسمال، أي هيمنت الأموال الموظفة في المضاربة والديون والمشتقات المالية على الأموال الموظفة في “الاقتصاد الحقيقي” (الصناعة والزراعة والخدمات).
وبهذا فقد عمقت النهب إلى حدّ تجريف المجتمعات، وفرضت تشكل اقتصاد ريعي ينحصر في العقارات والخدمات والسياحة والتجارة الداخلية والاستيراد والبنوك. لهذا كان من الواضح بأن كتلة بشرية كبيرة تتهمش من خلال خروجها من العملية الاقتصادية. وهو الوضع الذي دفع للتفكير في الطريقة التي تفضي إلى التخلص من كل هذه “الزوائد البشرية”. ولهذا عممت الحروب والفوضى، وأشعلت الصراعات الطائفية والإثنية والقبلية والمناطقية، وكل ما تستطيع من أجل هذا الهدف.
بالتالي فإن التكوين الاقتصادي الاجتماعي الذي تشكل في الأطراف (وهنا البلدان العربية) هو من نتاج الربط التبعي لهذه البلدان بالطغم الإمبريالية، وبنشاط الشركات الاحتكارية الإمبريالية. من خلال تشكيل رأسمالية ذات طابع مافياوي تكون هي المتحكمة بالنظم. ولقد دعمت هذه النظم بكل قوة، وغطت على استبداديتها ودكتاتوريتها، وكل ممارساتها البشعة. ووضعتها في سياق سياستها العالمية، ولخدمة هذه السياسات.
الآن، حين بدأت الانتفاضات ليس من الممكن أن تقف الإمبريالية مكتوفة إزاء ما يجري. كان عليها أن تمارس السياسة التي تحمي فيها مصالحها، أو تحافظ على ما تستطيع منها. وهذا رد فعل طبيعي على دولة ترى بأن مصالحها باتت مهددة، وأن الأمور تجري نحو تغيير يتجاوزها.
وكان أول ما أرادت هو وقف الزحف البشري، والالتفاف على الانتفاضات. لهذا كان ضرورياً التضحية ببن علي وحسني مبارك والقذافي وحتى علي عبدالله صالح، وأيضاً بآخرين، وتقديم البديل كمنفذ لمطالب الشعب. أو تحقيق تغيير مضبوط لا يقود إلى إنهاء سيطرة الرأسمالية المافياوية التابعة. وبهذا طرحت مسألة تقديم تنازلات محدودة ومضبوطة، ولا تمسّ لا بالنمط الاقتصادي ولا بالمعاهدات والسياسات، بل تتعلق بـ “الدمقرطة”، هذا الشعار الذي تغنت به طويلاً خلال العقدين السابقين رغم أنها كانت تدعم النظم المستبدة، والبطركية والثيوقراطية.
لقد عملت على دعم إعادة تشكيل النظم من أجل توسيع القاعدة السياسية المشاركة، والتي سيظهر انضمامها وكأنه انتصار للانتفاضة والشعب، لأنها “تمثّل الشعب” كان لعب إعلامها طويلاً. وبالتالي عادت لفكرة “قديمة” (ربما منذ التسعينات) مفادها بأنه يجب إشراك الإسلاميين في السلطة. وهي الفكرة التي فرضت ضرورة البدء بـ “الحرب على الإرهاب” وضعها جانباً، لأن هذه الحرب هي في جوهرها حرب على “الإسلام” كما تريد الولايات المتحدة، كإظهاره كعدو بديل عن الشيوعية وخطر مثلها من جهة، ولكي يعطى “الشعبية” التي تجعله “يخلّف” المجتمعات، من خلال تعميم فكر سلفي أصولي، وتحويل الصراع من صراع طبقي إلى صراع “ثقافي”، أو أخلاقي قيمي. وهو الوضع الذي كان يراد منه فتح كل الصراعات الطائفية والدينية.
وإذا كانت في بعض البلدان قادرة على تحقيق ذلك مباشرة، مثلما حدث في تونس ومصر، نتيجة الربط الذي أقامته مع القادة العسكريين (ولهذا كانوا المبادرين لطرد الرؤساء)، فإن غياب “القوة البديلة” كما هو الوضع في ليبيا واليمن وسورية، فرض أن تدفع إلى استنقاع الأوضاع في صراع طويل يضعف الكل، وربما يقود إلى لحظة تستطيع فيها التدخل بما يحقق أغراضها.
من كل ذلك نقول، بأنه كان من الطبيعي أن تكون الإمبريالية عنصراً في معادلة الصراع، لأن مصالحها تفترض ذلك، في بلاد لديها فيها مصالح هامة للغاية. وإذا كانت قد دعمت التغيير فيجب أن يكون واضحاً بأنها تفعل ذلك لقطع الطريق على تغيير أعمق. ولقد كان الوضع المحلي يساعدها نتيجة غياب الأحزاب التي تمتلك مشروعاً بديلاً، وتترسخ بين الطبقات الشعبية. وهذه المحاولة التي قامت وتقوم بها هي بالتفاعل مع دور الرأسمالية المحلية المسيطرة والقوى الليبرالية التي لا تتناقض معها (ومنهم الإسلاميين). ولهذا كانت عنصر دعم لهذه القوى الداخلية، وأساس تحقيق التفاهم بينها.
ما يجب أن يكون واضحاً هو أن العالم “قرية صغيرة”، ولقد فرضت العولمة التشابك والتداخل والتدخل. الأمر الذي يفرض أن نرى كل ذلك دون أن نعتقد بأن الوضع يمكن أن يكون غير ذلك. وبالتالي أن نحدد سياساتنا على ضوء فهم ما يجري، وتحديد آليات مواجهته، لكن من خلال فهم الصراع الداخلي، والانطلاق من أن الشعوب تثور، وأنها تهدف إلى تحقيق التغيير.

وضع اليسار وأسباب عجزه

أشرت إلى وضع اليسار قبلاً، وإنْ بشكل عابر. هنا أشير إلى أن قوة اليسار الشيوعي كانت في عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين. وأن سيطرة الأحزاب القومية بعد إذ (نتيجة رفض ذاك اليسار التقدم لاستلام السلطة رغم مقدرته)، والتحوّلات التي أجرتها في التكوين الاقتصادي الطبقي، قد أفضت إلى تراجع وضع هذا اليسار، وبدء تحلله. ولم يسعف نهوض “اليسار الجديد” منذ نهاية ستينات القرن العشرين في استعادة القوة تلك، حيث تلاشي بسرعة هائلة.
وجاء انهيار الاتحاد السوفيتي، وتلاشي البلدان الاشتراكية، لكي يسقط “الرمزية” التي كانت تلم ما تبقى، وتبقي الأحزاب الشيوعية رغم هزالها. ومن ثم يسقط “الأيديولوجية” التي استندت إليها. ولهذا انفرط متحوّلاً، إما إلى الليبرالية مباشرة (تحت مسميات اليسار الديمقراطي) أو عبر التركيز على الديمقراطية كمطلب عام ووحيد (أو ملحق بالنظم كما في سورية والمغرب والعراق المحتل). وبهذا فقد فقد طابعه الأيديولوجي (رغم كل شكليته السابقة)، وتموضع في الفئات الوسطى التي تطمح في تحقيق الدمقرطة.
لم يعتقد بأن الشعوب سوف تنتفض، ولم يعد يتلمس مشكلاتها الاقتصادية والمطلبية كما كان في يوم ما. وبات يتشكل في بنية تنظيمية منحصرة ومتضيقة، ومتمحورة حول ذاتها. لقد فقد التحليل الاقتصادي الطبقي، وفقد الميل للارتباط بالعمال، وتجاهل النقابات والعمل النقابي. وهو أصلاً لم يكن يفكّر في الاستيلاء على السلطة، حتى حينما كان قوياً. وباتت إستراتيجيته تتمثل في “النضال الديمقراطي”، والتحالف مع القوى التي تمحور نشاطها حول هذا الهدف، ويطالب بتحقيق الديمقراطية، ويعمل في مجال حقوق الإنسان.
إنه مناضل ديمقراطي بامتياز. وهو مناضل ديمقراطي من منظور ليبرالي، لأنه يمحور كل نشاطه حول هذه الهدف وليس لأي سبب آخر. بينما كان الفقر، وكانت البطالة، والعجز عن التعليم والعلاج، تؤسس لاحتقان لدى الطبقات الشعبية. كان يتنامى بهدوء، لكن بشكل مستمر ومتصاعد. ولهذا في الوقت الذي كان يعمل على إصلاح النظم من خلال دمقرطتها، كانت الطبقات الشعبية تؤسس لإسقاط هذه النظم.
وبالتالي حين انفجرت الانتفاضات كان تائهاً. فإما وقف معها وسار ككل الشعب العفوي. أو وقف متردداً ومحذراً وخائفاً من التغيير. أو كان ضدها. ورغم مشاركة بعض الأحزاب، وطيف من اليساريين، إلا أن ما كان ينقص الانتفاضات هو الرؤية، والسياسات، وتحديد المطالب والأهداف أحياناً. وبالتالي تنظيم كل هذه الحشود من أجل الاستيلاء على السلطة. هذا ما كانت تريده الطبقات الشعبية، أو ما كان يسمح وحده بتحقيق مطالبها. وهو وحده من كان يجب أن يحمل برنامج هذه الطبقات، وينظم انتفاضتها لكي تفرض الاستيلاء على السلطة، لا ترك الأمور لتدخل فئات سلطوية أو قوى إمبريالية (كما في ليبيا) لكي تحقق “التغيير”.
ما يمكن تلخيصه هنا هو أن اليسار الماركسي لم يكن ماركسياً، ولم يكن معبّراً عن العمال والفلاحين الفقراء بل عبّر عن نخب من الفئات الوسطى، وطرح أوهامها. وكان واضحاً أنه فقد التحليل الاقتصادي الطبقي، وفقد الارتباط بالعمال والفلاحين الفقراء، وتخلى عن مفهوم الثورة (ككل الليبراليين)، ولم يقترب من مسألة الاستيلاء على السلطة. ولأنه لم يفهم الواقع لم يكن في وارد وضع إستراتيجية صراع، ولا تحديد التكتيك الضروري لتبلور العمال والفلاحين الفقراء، ولتنظمهم. باختصار ظل في واد آخر، يلوك أوهام الفئات الوسطى التي تلبرلت أو تأسلمت، أو حتى باتت مع الإمبريالية. فقام بالنشاط الخطأ في الوقت الخطأ وللهدف الخطأ.
ربما يتحسس البعض، لكن لا شك أن هناك من شارك بقدراته، في تونس ومصر وسورية واليمن والمغرب والعراق ولبنان والأردن والبحرين. على أمل أن يكون هؤلاء بداية أحزاب ماركسية مختلفة التكوين والسياسات والوعي كما راج طيلة العقود الخمسين السالفة.

أفق الانتفاضات

الآن، لقد شهدنا انتصار الإسلاميين في تونس ومصر والمغرب. وربما سيكون الأمر ذاته في بلدان أخرى. فهل أن هذه هي نهاية الانتفاضات البطولية التي هزّت، ولازالت، المنطقة العربية؟
ما حاولت تبيانه في الفقرات السابقة هو محاولة تفكيك المنطق، أو محاولة تبسيط ما جرى، من أجل الوصول إلى نتيجة تتمثل في أن ما انتفضت من أجله الطبقات الشعبية لم يتحقق بعد. وأن الأحزاب التي تصل عبر الانتخابات لا تحمل حلاً لمشكلات هذه الطبقات. وأن الانتخابات، مادامت تجري تحت “إشراف” الدولة ذاتها دون “هدمها” وإعادة بنائها انطلاقاً من رؤية ومصلحة الطبقات الشعبية، سوف تكرس الأحزاب التي تعبّر عن المصالح الطبقية التي تقوم عليها السلطة عبر سيطرة الرأسمالية المافياوية ونمط الاقتصاد الريعي. وأن غياب اليسار المرتبط بالعمال والفلاحين الفقراء وبكل الطبقات الشعبية هو الذي جعل الانتفاضات في مأزق، وقاد إلى أن تصل إلى السلطة الأحزاب الليبرالية المتأسلمة. وأن الدور الإمبريالي نجح نتيجة السبب ذاته، أي غياب البديل الذي يمثّل العمال والفلاحين الفقراء.
ومن ثم أن التحليل الاقتصادي يوضّح بأن المسألة تتعلق بتغيير النمط الاقتصادي الريعي، وأن الحل يتمثل في وصول قوى تحمل مشروعاً ينطلق من إعادة بناء الصناعة وتطوير الزراعة، وبناء التعليم على أسس علمية، وتطوير كلية بنية المجتمع.
وأن ذلك هو المدخل لتحقيق دولة ديمقراطية مدنية، وليس من الممكن أن تقوم دولة ديمقراطية حقيقية (وليس ديمقراطية الانتخابات فقط) إلا عبر تجاوز الاقتصاد الريعي.
ومن ثم أن كل القوى القائمة، والتي يمكن أن تلعب الدور الأساس الآن هي ليست في وارد كل ذلك. وبالتالي ستكون في صدام مع الطبقات الشعبية، الآن، أو بعد بعض الوقت. وأن وضع هذه الطبقات لم يعد يسمح بأن تنتظر طويلاً، ربما لم تعد تنتظر اشهراً. وأنها كسرت حاجز الخوف والتردد وباتت في صراع يومي لن يتوقف قبل انتصارها هي، وليس الأحزاب الليبرالية. وأيضاً أن هذا الانفجار الشعبي الهائل أدخل كتل هائلة من الشباب إلى معترك النشاط السياسي، الأمر الذي سوف يقود إلى تشكّل السياسة من جديد، حن خلال تشكيل الأحزاب والنقابات والاتحادات والهيئات المدنية، وتجديد الفعل الثقافي.
بالتالي ما يتحقق الآن لا يعدو أن يكون لحظة في صيرورة بدأت للتو، وستطال المستوى السياسي وتتجاوزه إلى المستوى الاقتصادي. فتغيير الشكل لا يعني شيئاً بالنسبة للطبقات الشعبية التي تريد حلولاً اقتصادية لمشكلاتها، لأن الكلام لا يحل هذه المشكلات، والحريات لا قيمة لها –بالنسبة لهذه الطبقات – إذا لم ترتبط بحل مشكلاتها الاقتصادية. فالثرثرة ليست مهنتها.
إذن، يجب أن نعرف لماذا لم يعد اليسار قوة حقيقية؟ ولماذا أصبح الإسلاميون هم القوة؟ ولماذا طفت الليبرالية؟
وأيضاً لماذا كانت الانتفاضات عفوية بهذا الشكل الفاقع؟
لقد دخلنا في عقد من الحراك الثوري، كان غياب العامل الذاتي هو السبب الذي أعاد إنتاج النظم ذاتها بالمصالح الطبقية التي تمثلها وبأشكال سياسية جديدة. لكن الواقع الموضوعي لا يسمح للطبقات التي تمردت أن تعود إلى مسكنها دون تحقيق التغيير الضروري في وضعها. فهي لم تعد تستطيع العيش في الوضع الذي هي فيه. ولهذا لن تستطيع السكون والرضى. هذه هي القاعدة الأساس في فهم الوضع الراهن، وهي أساس إعادة صياغة السياسة والفكر والوعي، لبلورة ماركسية مختلفة، وحزب مترابط مع العمال والفلاحين الفقراء.

مهمات اليسار

بعد كل ذلك، ما هي مهمات اليسار، أقصد الماركسيين بالتحديد؟
إذا كان هدف الماركسيين هو “تغيير العالم”، فإن القوة التي تفعل التغيير باتت تمارس هذا الفعل. أقصد هنا العمال والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية. وكما أشرت فإن فعلها هذا سوف يستمر إلى أن تفرض بديلها. لكن هذا يفترض أن يتبلور الفعل الماركسي الذي ينطلق من الارتباط بالعمال والفلاحين الفقراء، ويبلور البديل الذي يطرحونه. ومن ثم يضع الإستراتيجية التي توصل إلى الاستيلاء على السلطة.
فما هو واضح تماماً هو أن حل مشكلات الطبقات الشعبية يفترض تغيير النمط الاقتصادي في سياق يفرض التصادم مع الرأسمالية التي فرضت النمط السائد. وبالتالي فإن حل هذه المشكلات يفترض تجاوز الرأسمالية حتماً، وبالتالي فشل كل القوى الليبرالية عن الوصول إلى حل يوقف الصراع الطبقي القائم.
هذا أساس يفضي إلى التأكيد على أن الترابط بين الطبقات الشعبية والماركسية يبدو حتمياً. لكن من خلال مقدرة الماركسية على بلورة البرنامج المعبّر عن هذه الطبقات، ووضع السياسة التي تسهم في تطور الصراع، والآليات التي تفضي إلى انتصار حاسم للانتفاضة. هذا الانتصار الذي يعني استلام الطبقات الشعبية السلطة، وليس إبعاد رئيس، أو تنحية “فاسدين”. فهنا يتحقق المعنى العميق لشعار إسقاط النظام. حيث يتحقق إبدال الطبقة المسيطرة بالطبقات الشعبية، التي تشرع في إعادة بناء الدولة والاقتصاد، والتوضّع الدولي.
إذن، لا بد للماركسيين من إعادة صياغة الرؤية والبرنامج، ووضع الإستراتيجية التي توصل إلى الاستيلاء على السلطة. وهو الأمر الذي يعني البدء في بناء حزب ماركسي، يترابط مع العمال والفلاحين الفقراء، ويطوّر نضالهم من أجل ذلك.

لمتابعة الحوار مع المعلّقين: الحوار المتمدن

الارتباكات حول الانتفاضة السورية

أثارت الانتفاضة في سوريا الكثير من التشكيك واللغط، وذلك بسبب التموضع السياسي في المنطقة العربية والمحيط الإقليمي؛ إذ تبدو السلطة في تحالف «متصارع» مع السياسات الأميركية، مقابل دعمها المقاومة في لبنان وفلسطين، وهي آخر «مقاومة» في وجه السيطرة الإمبريالية في «الشرق الأوسط الموسّع»!

هكذا، يبدو أنّه يجب أن يكون الموقف الذي يتخذه أي كان أقرب إلى النظام السوري. لكن ما هو المنظور الذي لا بد لماركسي أن يلمس الوضع انطلاقاً منه؟ التحليل الاقتصادي السياسي أم التحليل السياسي «الاستراتيجي»؟

الانطلاق كان من التحليل السياسي، وتناول المسألة من منظور «استراتيجي» يقوم على رؤية «العلاقات الدولية» والمواقف الناتجة منها، وخصوصاً العلاقة (التوافقية/ الصراعية) مع الإمبريالية، لأن هذه الأخيرة هي «المركز» الذي يحكم النظر إلى كل المسائل الأخرى لدى قطاع كبير من الماركسيين. وهي «الحلقة المركزية» التي تتمحور التناقضات حولها، وبالتالي فهي التي تحدد الموقف: مع أو ضد.

في الماركسية، لا بد من الانطلاق من التحليل الاقتصادي لفهم الوضع علمياً (وهذا أساس منهجي وليس موقفاً سياسياً)، وإلا تحكّم المنطق المثالي الذي يبدأ من «السياسي»، ومن الدولة، ومن الأفكار. لا بد من البدء من الحقل الاقتصادي من أجل تلمس علمي للحقل السياسي.

وبذلك، حين يدرس الوضع السوري، لا بد من تناول التكوين الاقتصادي الذي تشكّل وأصبح هو المهيمن. ومن ثم التناقضات التي أفرزها: داخلياً (أي في الإطار الطبقي الداخلي)، وعالمياً (أي في إطار تموضعه العالمي). الملاحظ أنّ السنوات العشر الأخيرة قد أفضت إلى أن يعاد ترتيب الاقتصاد بما هو اقتصاد ليبرالي كامل. أي بانهيار دور الدولة الاقتصادي، وفرض الخصخصة، ومن ثم تمويت «القطاع العام»، وسيطرة القطاع الخاص الذي أصبح يمتلك 70% من الدخل الوطني. ومن ثم حُوِّل الاقتصاد من اقتصاد منتج إلى اقتصاد ريعي، من خلال تركيز التوظيف في قطاعات ريعية، مثل العقارات والخدمات والسياحة والبنوك والتجارة. وهي العملية التي ترابطت مع التحوّل الذي جعل القطاع الخاص هو الأضخم. بمعنى أنّ توظيف القطاع الخاص اتجه إلى هذا المجال الريعي، وأفضى ذلك إلى انهيار كبير في الزراعة والصناعة. ولقد أفرزت تلك العملية استقطاباً طبقياً حاداً؛ إذ تمركزت الثروة بأيدي أقلية ضئيلة، وضمن هذا الشكل الجديد للاقتصاد رفاه شريحة نسبتها تقارب الـ20%، بينما هُمِّشت الـ80% الأخرى، سواء نتيجة البطالة (التي بلغت 30% من القوى العاملة تقريباً)، أو نتيجة الانخفاض الشديد في المداخيل؛ إذ أصبح الحد الأدنى للدخل هو أقل من ثلث الحد الأدنى الضروري للعيش «الطبيعي».

أفضى هذا الوضع إلى تصاعد حدّة التناقض الطبقي، وهو وضع «مثالي» لوجود الصراع الطبقي، الذي كان الاستبداد الطويل والشديد، والسيطرة المطلقة على النقابات، ومنع كل أشكال الاحتجاج، تمنع توضحه، إلا ببعض الاحتجاجات «الكلامية» في مؤتمرات النقابات، أو ما كانت تشير إليه صحافة الأحزاب الشيوعية المشاركة في السلطة، أو في الإشارات التي كانت ترد في الصحف المحلية. لكن ذلك لم يكن يمنع تصاعد الاحتقان لدى كل الطبقات المفقرة، الذي كان وحده سيوصل إلى الانفجار الاجتماعي، بغض النظر عن الأشكال التي يتخذها. والانتفاضة هي التعبير عن هذا الاحتقان المتصاعد.

إذاً، البدء من الاقتصادي يوصل إلى الطبقي. وكما هو معروف في الماركسية، إنّ التناقض هو في البنية (التكوين الطبقي) التي تؤسس للاستغلال المباشر (أي التموضع الطبقي القائم في المجتمع). وبالتالي، إنّ الموقف لا بد من أن يتحدد من تلك النقطة، لا من أيّة نقطة أخرى. أي ليس من «الحقل العالمي» الذي تتأسس فيه الظاهرة الإمبريالية؛ إذ يتحوّل التناقض هنا إلى تناقض سياسي، أي ينتقل من صراع طبقات إلى صراع دول، رغم الأساس الاقتصادي الذي يحكم هذا الصراع.

ما يجري من قبل بعض اليسار هو ذلك بالتحديد، ليصبح السياسي هو محدِّد الموقف، لا الطبقي. والسياسي ليس الطبقي بالضرورة، بل يمكن أن تصارع قوى سابقة للرأسمالية الإمبريالية، وهي هنا تصارع من منظور رجعي. بالتالي، لا تصبح قوى ثورية، أو يجري التحالف معها، رغم عدم تحويلها إلى عدو رئيسي. لكن حين تنهض الطبقات الشعبية ضد سلطة «تختلف» مع الإمبريالية، يكون ضرورياً أولاً تحديد أسباب هذا الاختلاف، ثم الإصرار على تطوير الصراع الطبقي لأنّه يمثل التناقض الرئيسي.

لكن، هل الاختلاف القائم ذو أساس اقتصادي، أم طبقي؟ هنا لا بد من فهم الإمبريالية كتكوين اقتصادي، قبل أن تكون سياسة عالمية. لكن كذلك فهم بأنّ الوضع الطبقي هو الذي يحدد الموقف السياسي، وليس العكس. فالصراع بين البلدان الإمبريالية قائم رغم النمط الرأسمالي الموحد بينها، نتيجة التنافس، وكان يقوم مع بلدان تريد التحرر ببناء الصناعة وتطوير الزراعة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي. والآن هناك تناقض بين الإمبرياليات الأميركية الأوروبية من جهة، والروسية الصينية من جهة أخرى. وكل تلك التناقضات لا تمس وضع الطبقات الشعبية أو النمط الاقتصادي السائد، وبالتالي هي تناقضات بين إمبرياليات.

والطابع الاقتصادي الذي يفرضه هذا النمط الآن هو تعميم الاقتصاد الريعي، من خلال فرض اقتصاد السوق واللبرلة، التي كانت تعمم انطلاقاً من شروط صندوق النقد الدولي، التي تفرض تخلّي الدولة عن دورها الاقتصادي (أي فرض الخصخصة، وإنهاء الدور الحمائي الذي فرض لمنع هروب فائض القيمة إلى الخارج). وقد عُمِّم الاقتصاد الريعي في العقدين الأخيرين، من خلال مركزة النشاط الاقتصادي في العقار والخدمات والاستيراد والبنوك والنشاط التجاري، وتدمير القوى المنتجة في الزراعة والصناعة. فذلك التكوين الاقتصادي هو الذي يسمح بتحقيق النهب الإمبريالي من خلال نشاط المال الذي ينشط في المضاربة والعقارات والبنوك وكل تلك القطاعات، وأيضاً في فتح باب التصدير لهذه البلدان واسعاً.

في المقابل، تكيّف الاقتصاد السوري مع هذا التكوين، رغم «التناقض» القائم. فحصل تكيّف مع شروط صندوق النقد الدولي، رغم عدم وجود اتفاق مع الصندوق، وهو الأمر الذي زاد من سلبية ذلك على الاقتصاد (إذ يقدم الصندوق ميزات لم تتحقق في سوريا). بمعنى أنّ التحوّل الاقتصادي السوري كان يسير نحو الربط مع الإمبريالية اقتصادياً.

عادة ما كان يجري التمييز بين الاقتصاد والسياسة من قبل الأحزاب الشيوعية السورية، انطلاقاً من فكرة طرحها الرفيق خالد بكداش، أشار فيها إلى أنّه لو نظر إلى الوضع الداخلي لكان في المعارضة، لكنّه ينطلق من «الموقف الوطني» لسوريا. هذا التمييز بين الطبقي والوطني، وأساساً بين الاقتصادي والسياسي (لمصلحة السياسي)، هو في صلب «سوء الفهم» والموقف الخاطئ مما يجري في سوريا. فهل يمكن الفصل بين الاقتصادي والسياسي، أو الطبقي والوطني؟

الفهم المثالي يفعل ذلك، لكن الماركسية تنظر نظرة علمية لتلك المسألة. فالموقف السياسي عموماً، والموقف الوطني خصوصاً، لا ينفصلان عن المصالح الطبقية، بل هي نتاجها. فحين تصبح مصلحة الرأسمالي استيراد السلع، والتوظيف في السوق العالمي من الأموال التي ينهبها من السوق «الوطني»، وينشط من أجل تهريب الأموال التي ينهبها إلى السوق العالمي، وإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي انطلاقاً من مصالحه بما يجعله اقتصاداً ريعياً، يكون مهتماً للربط مع الطغم المالية الإمبريالية، والالتحاق بالسوق الرأسمالي. وهنا تسقط المسألة الوطنية، أو تخضع للمساومات التي تخدم المصالح الاقتصادية. فالرأسمالية المتشكلة هذه ترى أنّ وضعها الطبيعي هو في الارتباط بالطغم الإمبريالية لا مناوأتها (فالمناوأة قامت على أساس بناء الصناعة والزراعة والتحديث).

يفرض ذلك تفسير «التناقض» بين السلطة السورية و«الإمبريالية». فهو ليس تناقضاً طبقياً ما دامت الرأسمالية قد تكيّفت مع النمط الاقتصادي الإمبريالي. وليس تمسكاً بـ«أيديولوجية» أو «حب وطني»، فهي انهارت لدى الطبقة المسيطرة منذ زمن، وباتت أفكار البعث «شماعة» تستخدم في «الزنقات». لقد تحقق تشابك مالي بين «رجال الأعمال الجدد» والرأسمالي الخليجي، والتركي، والأوروبي الشرقي (المافياوي)، والروسي. بمعنى أنّ «الطبقة الجديدة» التي تأسست انطلاقاً من نهب الدولة والقطاع العام هي التي كيّفت الاقتصاد المحلي وفق «الطابع العام» للشكل الطرفي للرأسمالية المسيطرة عالمياً.

يفرض ذلك تفسير الخلاف مع أميركا، وأوروبا، لكن لا يلغي أنّ الطبقة المسيطرة هي ريعية مافياوية مترابطة مع الرأسمال الإمبريالي (حتى وإن كان الخليجي أو الروسي أو التركي). بمعنى أنّ الخلاف السياسي مع أميركا لا ينفي أنّ الطبقة المسيطرة هي كذلك، وأنّها كيّفت الاقتصاد وفق «الطابع العالمي» للإمبريالية الراهنة. وانطلاقاً من ذلك، يقيم أفراد تلك الطبقات «تحالفاتهم» وعلاقاتهم، ويتمسكون بـ«المقاومة»، ويسمون ممانعة. الخلاف ليس طبقياً، ولا اقتصادياً، بل سياسي؛ إذ كانت الاستراتيجية الأميركية بعد أيلول 2001 لا تستوعب استمرار هؤلاء في السلطة، من خلال السعي إلى تأسيس نظم طوائفية. إذاً، حققت الطبقة الرأسمالية المسيطرة التكوين الاقتصادي الذي يتكيّف مع الاندماج بالإمبريالية، لكن المطالب السياسية الإمبريالية كانت تمنع التفاهم، وتدفع للضغط لتحقيق تغيير في سوريا، ثم ـــــ بعد نجاح أوباما ـــــ محاولة التفاهم من جديد. لكن ربما كان تشابك العلاقات الجديدة، مع إيران وروسيا وتركيا، يؤخر في التفاهم. وهنا نشير إلى أنّ ذلك التناقض مع الإمبريالية هو تناقض ثانوي ما دام يقوم على أرضية الطابع الرأسمالي الطرفي. ولقد دخل في إطار التناقض بين الإمبرياليات (الأميركية/ الأوروبية، والروسية الصينية). وكذلك في إطار الصراع الإقليمي.

في هذا الوضع لا يكون الخلاف أساسياً، بل نتاج تفارق جزئي في ترتيب المصالح، وذلك في وضع بات الاقتصاد المحلي رأسمالياً محلقاً، ومتكيّفاً مع الطابع العام للإمبريالية. وهو الأمر الذي فرض حدوث الانفجار الاجتماعي. بالتالي لا يجب أن ينظر إلى الانتفاضة من منظور الموقف السياسي القائم، بل انطلاقاً من طبيعة الصراع الطبقي بالتحديد، وفهم طبيعة الخلاف مع الطغم الإمبريالية وحدودها، لكي لا تصبح هي المقياس للموقف من الانتفاضة، وخصوصاً في التحليل المنهجي؛ إذ يصبح الموقف السياسي هو الموجه للتحليل، بدل أن يكون تحليل الواقع، كما هو، هو الأساس لكل موقف.

اليسار الرائج ينطلق من السياسي، وهذا هو أس سوء فهمه للواقع منذ زمن بعيد. وهو لا يستطيع التمييز بين المصلحة الطبقية والخطاب الذي تنتجه الطبقة المسيطرة، فيجعل الخطاب بديلاً عن المصلحة. هكذا يكون الخطاب أحياناً كثيرة للتمويه على المصلحة، لا لإظهارها. وهذا جوهر سوء الموقف من الانتفاضة السورية.

ما يمكن قوله هنا هو أنّ الانتفاضة هي في جوهرها انتفاضة الطبقات الشعبية التي باتت عاجزة عن الاستمرار في الوضع الذي آلت إليه. وهي تهدف إلى إسقاط النظام لتحقيق مطالبها المتعلقة بوضعها المعيشي والحياتي، وبالظروف السياسية التي تسمح بذلك. لكنّها لا تجد الأحزاب التي تعبّر عنها بعد أن فجّرت انتفاضة عفوية، وانحكمت لوعيها «التقليدي»، ولذلك كانت شعاراتها هي نتاج ذلك. وهنا نلمس غياب القوى الماركسية تماماً، رغم مشاركة ماركسيين كثر.

لذلك يطرح السؤال عن كيفية تبلور موقف ماركسي واضح منها، وكيف يتجمع الماركسيون المشاركون في الانتفاضة لكي يكوّنوا قوة حقيقية أولاً، ولكي يؤثروا في شعارات الانتفاضة وسياقها، بما يجعلها واضحة الأهداف (إضافة إلى إسقاط النظام)، ويطوّر من فاعليتها بعد أن أصبح دور العنصر الواعي مهماً في انتصارها؟

المصدر: الأخبار

الارتباكات حول الانتفاضة السورية – سلامة كيلة

الحوار الأسبوعي رقم 2

عنوان الحوار: الارتباكات حول الانتفاضة السورية

ضيف الحوار: المفكر الماركسي سلامة كيلة

تاريخ الحوار: 20-1-2012

خاص مجموعة يساري


المداخلة

الانتفاضة في سورية كانت هي الانتفاضة التي أثارت الكثير من التشكيك واللغط. وكان التموضع السياسي في المنطقة العربية والمحيط الإقليمي هو السبب في ذلك، حيث تبدو السلطة في تحالف “متصارع” مع السياسات الأميركية، ويدعم المقاومة في لبنان وفلسطين، وهو آخر “مقاومة” للسيطرة الإمبريالية في “الشرق الأوسط الموسّع”!.

من هذا المنظور، يبدو أنه يجب أن يكون الموقف أقرب إلى النظام السوري. لكن ما هو المنظور الذي لا بد لماركسي أن يلمس الوضع انطلاقاً منه؟ التحليل الاقتصادي السياسي أم التحليل السياسي “الإستراتيجي”؟

النظر كان ينطلق من التحليل السياسي. وكان تناول المسألة من منظور “إستراتيجي” يقوم على رؤية “العلاقات الدولية” والموقف الناتجة عنها، خصوصاً العلاقة (التوافقية/ الصراعية) مع الإمبريالية، كون هذه الأخيرة هي “المركز” الذي يحكم النظر لكل المسائل الأخرى لدى قطاع كبير من الماركسيين، وهي “الحلقة المركزية” التي تتمحور التناقضات حولها. وبالتالي فهي التي تحدد الموقف: مع أو ضد.

في الماركسية (وهذا أساس منهجي وليس موقف سياسي) لا بد من الانطلاق من التحليل الاقتصادي من أجل فهم الوضع علمياً، وإلا تحكّم المنطق المثالي الذي يبدأ من “السياسي”، ومن الدولة، ومن الأفكار. لا بد من البدء من الحقل الاقتصادي من أجل تلمّس علمي للحقل السياسي.

وبهذا حين دراسة الوضع السوري لا بد من تناول التكوين الاقتصادي الذي تشكّل وأصبح هو المهيمن. ومن ثم التناقضات التي أفرزها، داخلياً (أي في الإطار الطبقي الداخلي)، وعالمياً (أي في إطار تموضعه العالمي). حيث سنلمس بأن السنوات العشر الأخيرة قد أفضت إلى أن يعاد ترتيب الإقتصاد بما هو إقتصاد ليبرالي كامل. أي بانهيار دور الدولة الاقتصادي، وفرض الخصخصة، ومن ثم تمويت “القطاع العام”، وسيطرة القطاع الخاص الذي أصبح يمتلك 70% من الدخل الوطني. ومن ثم تحويل الإقتصاد من إقتصاد منتج إلى اقتصاد ريعي، من خلال تركيز التوظيف في قطاعات ريعية، مثل العقارات والخدمات والسياحة والبنوك والتجارة. وهي العملية التي ترابطت مع ذاك التحوّل الذي جعل القطاع الخاص هو الأضخم. بمعنى أن توظيف القطاع الخاص إتّجه إلى هذا القطاع الريعي. وأفضى ذلك إلى انهيار كبير في الزراعة والصناعة. ولقد أفرزت هذه العمليّة استقطاباً طبقياً حاداً، حيث تمركزت الثروة بأيدي أقليّة ضئيلة، وضَمن هذا الشّكل الجديد للإقتصاد رفاه شريحة نسبتها تقارب الـ 20%، بينما جرى تهميش الـ 80% الأخرى، سواء نتيجة البطالة (التي بلغت 30% من القوى العاملة تقريباً)، أو نتيجة الانخفاض الشديد في المداخيل، حيث أصبح الحد الأدنى للدخل هو أقل من ثلث الحد الأدنى الضروري للعيش “الطبيعي”.

هذا الوضع أفضى إلى تصاعد حدّة التناقض الطبقي. وهو وضع “مثالي” لتموضع الصراع الطبقي، الذي كان الاستبداد الطويل والشديد، والسيطرة المطلقة على النقابات، والضبط الذي كان يمارس من خلال ذلك. ومنع كل أشكال الاحتجاج. كان كل ذلك يمنع توضيحه، سوى ببعض الاحتجاجات “الكلامية” في مؤتمرات النقابات، أو ما كانت تشير إليه صحافة الأحزاب الشيوعية المشاركة في السلطة، أو في الإشارات التي كانت تَرد في الصحف المحلية. لكن ذلك لم يكن يمنع تصاعد الاحتقان لدى كل الطبقات المفقرة، الذي كان وحده سيوصل إلى الانفجار الاجتماعي، بغض النظر عن الأشكال التي يتخذها. والانتفاضة هي التعبير عن هذا الاحتقان المتصاعد.

إذن، البدء من الاقتصادي يوصل إلى الطبقي. وكما هو معروف في الماركسية فإن التناقض هو في البنية (التكوين الطبقي) التي تؤسس للاستغلال المباشر (أي التموضع الطبقي القائم في المجتمع). وبالتالي فإن الموقف لا بد من أن يتحدد من هذه النقطة، وليس من أية نقطة أخرى. أي ليس من “الحقل العالمي” التي تتأسس فيه الظاهرة الإمبريالية. حيث هنا يتحوّل التناقض إلى تناقض سياسي، أي ينتقل من صراع طبقات إلى صراع دول، رغم الأساس الاقتصادي الذي يحكم هذا الصراع، والذي سأشير إليه تالياً.

ما يجري من قبل بعض اليسار هو قلت هذا التحديد، ليصبح السياسي هو محدِّد الموقف وليس الطبقي. والسياسي ليس الطبقي بالضرورة، بل يمكن أن تتصارع قوى سابقة للرأسمالية الإمبريالية، وهي هنا تصارع من منظور رجعي. بالتالي لا تصبح قوى ثورية، أو يجري التحالف معها، رغم عدم تحويلها إلى عدو رئيسي. لكن حين تنهض الطبقات الشعبية ضد سلطة “تختلف” مع الإمبريالية، يكون ضرورياً أولاً تحديد أسباب هذا الاختلاف، ثم الإصرار على تطوير الصراع الطبقي لأنه يمثل التناقض الرئيسي.

هل أن الاختلاف القائم ذو أساس اقتصادي؟ أو طبقي؟
هنا لا بد من فهم الإمبريالية كتكوين اقتصادي قبل أن تكون سياسة عالمية. لكن كذلك علينا الفهم بأن الوضع الطبقي هو الذي يحدد الموقف السياسي وليس العكس. فالصراع بين البلدان الإمبريالية قائم رغم النمط الرأسمالي الموحّد بينها، نتيجة التنافس، وكان يقوم مع بلدان تريد التحرر ببناء الصناعة وتطوير الزراعة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي. والآن هناك تناقض بين الإمبرياليات الأميركية الأوروبية من جهة والروسية الصينية من جهة أخرى. وكل هذه التناقضات لا تمس وضع الطبقات الشعبية أو النمط الاقتصادي السائد. بالتالي هي تناقضات بين إمبرياليات.

والطابع الاقتصادي الذي يفرضه هذا النمط الآن، هو تعميم الاقتصاد الريعي، من خلال فرض اقتصاد السوق واللبرلة، التي كانت تعمم انطلاقاً من شروط صندوق النقد الدولي، التي تفرض تخلي الدولة عن دورها الاقتصادي (أي فرض الخصخصة، وإنهاء الدور الحمائي الذي فرض من أجل منع هروب فائض القيمة إلى الخارج). ولقد عمل في العقدين الأخيرين على تعميم الاقتصاد الريعي، من خلال مركزة النشاط الاقتصادي في العقارات والخدمات والاستيراد والبنوك والنشاط التجاري، وتدمير القوى المنتجة في الزراعة والصناعة. فهذا التكوين الاقتصادي هو الذي يسمح بتحقيق النهب الإمبريالي من خلال نشاط المال الذي ينشط في المضاربة والعقارات والبنوك وكل هذه القطاعات، وأيضاً في فتح باب التصدير لهذه البلدان واسعاً.

في المقابل، سنلمس تكيّف الاقتصاد السوري مع هذا التكوين، رغم “التناقض” القائم. فقد أشرت إلى تحوّل التكوين الاقتصادي خلال العقد الأخير، والذي كان يسير في “خطة” يبدو أنها تنفذ شروط صندوق النقد الدولي رغم عدم وجود اتفاق مع الصندوق بذلك، وهو الأمر الذي زاد من سلبية ذلك على الاقتصاد (حيث يقدم الصندوق ميزات لم تتحقق في سورية). بمعنى أن التحول الاقتصادي السوري كان يسير نحو الرّبط مع الإمبريالية اقتصادياً.
عادة ما كان يجري التمييز بين الاقتصاد والسياسة من قبل الأحزاب الشيوعية السورية، انطلاقاً من فكرة طرحها الرفيق خالد بكداش (ربما سنة 1980)، والتي أشار فيها إلى أنه لو نظر إلى الوضع الداخلي لكان في المعارضة لكنه ينطلق من “الموقف الوطني” لسورية. هذا التمييز بين الطبقي والوطني، وأساساً بين الاقتصادي والسياسي (لمصلحة السياسي)، هو في صلب “سوء الفهم” لما يجري في سورية. أو هو أساس الموقف الخاطئ مما يجري في سورية. فهل يمكن الفصل بين الاقتصادي والسياسي، أو الطبقي والوطني؟

الفهم المثالي يفعل ذلك، لكن الماركسية تنظر بشكل علمي لهذه المسألة. فالموقف السياسي عموماً، والموقف الوطني خصوصاً لا ينفصل عن المصالح الطبقية، بل هو نتاجها. فحين تصبح مصلحة الرأسمالي استيراد السلع، والتوظيف في السوق العالمي من الأموال التي ينهبها من السوق “الوطني”، وينشط من أجل تهريب الأموال التي ينهبها إلى السوق العالمي. وإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي انطلاقاً من مصالحه كما أشرنا، بما يجعله اقتصاد ريعي. يكون مهتماً للربط مع الطغم المالية الإمبريالية، والالتحاق بالسوق الرأسمالي. وهنا تسقط المسألة الوطنية، أو تخضع للمساومات التي تخدم المصالح الاقتصادية. فالرأسمالية المتشكّلة هذه ترى بأن وضعها الطبيعي هو في الارتباط بالطغم الإمبريالية وليس مناوأتها (فالمناوأة قامت على أساس بناء الصناعة والزراعة والتحد).

هذا يفرض تفسير “التناقض” بين السلطة السورية و”الإمبريالية”. فهو ليس تناقضاً طبقياً ما دامت الرأسمالية قد تكيفت مع النمط الاقتصادي الإمبريالي. وليس تمسكاً بـ “أيديولوجية” أو “حب وطني”، فهذه قد انهارت لدى الطبقة المسيطرة منذ زمن، وباتت أفكار البعث “ممسحة” تستخدم في “الزنقات”. لقد تحقق تشابك مالي بين “رجال الأعمال الجدد” والرأسمالي الخليجي، والتركي، والأوروبي الشرقي (المافياوي)، والروسي. بمعنى أن “الطبقة الجديدة” التي تأسست انطلاقاً من نهب الدولة والقطاع العام هي التي كيفت الاقتصاد المحلي وفق “الطابع العام” للشكل الطرفي للرأسمالية المسيطرة عالمياً.
هذا يفرض تفسير الخلاف مع أميركا، وأوروبا، لكن لا يلغي بأن الطبقة المسيطرة هي ريعية مافياوية مترابطة مع الرأسمال الإمبريالي (حتى وإن كان الخليجي أو الروسي أو التركي). بمعنى أن الخلاف السياسي مع أميركا لا ينفي بأن الطبقة المسيطرة هي كذلك، وأنها كيفت الاقتصاد وفق “الطابع العالمي” للإمبريالية الراهنة. وانطلاقاً من ذلك يقيمون “تحالفاتهم” وعلاقاتهم، ويتمسكون بـ “المقاومة”، ويسمّون ممانعة. الخلاف ليس طبقياً، ولا اقتصادياً، بل سياسي، حيث كانت الإستراتيجية الأميركية بعد سبتمبر 2001 لا تستوعب استمرار هؤلاء في السلطة من خلال السعي لتأسيس نظم طوائفية. إذن، لقد حققت الطبقة الرأسمالية المسيطرة التكوين الاقتصادي الذي يتكيف مع الاندماج بالإمبريالية، لكن المطالب السياسية الإمبريالية كانت تمنع التفاهم، وتدفع للضغط لتحقيق تغيير في سورية، ثم –بعد نجاح أوباما – محاولة التفاهم من جديد. لكن ربما كان تشابك العلاقات الجديدة، مع إيران والروس وتركيا، يؤخر في التفاهم. وهنا نشير إلى أن هذا التناقض مع الإمبريالية هو تناقض ثانوي ما دام يقوم على أرضية الطابع الرأسمالي الطرفي. ولقد دخل في إطار التناقض بين الإمبرياليات (الأميركية/ الأوروبية، والروسية الصينية). وكذلك في إطار الصراع الإقليمي.

في هذا الوضع لا يكون الخلاف أساسي بل نتاج تفارق جزئي في ترتيب المصالح. في وضع بات الاقتصاد المحلي رأسمالياً محلقاً، ومتكيفاً مع الطابع العام للإمبريالية. وهو الأمر الذي فرض حدوث الانفجار الاجتماعي. بالتالي لا يجب أن يجري النظر إلى الانتفاضة من منظور الموقف السياسي القائم بل انطلاقاً من طبيعة الصراع الطبقي بالتحديد، وفهم طبيعة الخلاف مع الطغم الإمبريالية وحدودها لكي لا تصبح هي المقياس للموقف من الانتفاضة. خصوصاً في التحليل المنهجي، حيث يصبح الموقف السياسي هو الموجه للتحليل بدل أن يكون تحليل الواقع، كما هو، هو الأساس البدئي لكل موقف.

اليسار الرائج ينطلق من السياسي، وهذا هو أساس سوء فهمه للواقع منذ زمن بعيد. وهو لا يستطيع التمييز بين المصلحة الطبقية والخطاب الذي تنتجه الطبقة المسيطرة، فيجعل الخطاب بديلاً عن المصلحة، حيث يكون الخطاب أحياناً كثيرة هو للتمويه على المصلحة وليس لإظهارها. وهذا أساس سوء الموقف من الانتفاضة السورية.

ما يمكن قوله هنا هو أن الانتفاضة هي في جوهرها انتفاضة الطبقات الشعبية التي باتت عاجزة عن الاستمرار في الوضع الذي آلت إليه. والتي تهدف إلى إسقاط النظام من أجل تحقيق مطالبها المتعلقة بوضعها المعيشي والحياتي، وبالظروف السياسية التي تسمح بذلك. لكنها لا تجد الأحزاب التي تعبّر عنها بعد أن فجّرت انتفاضة عفوية. وانحكمت لوعيها “التقليدي”، ولهذا كانت شعاراتها هي نتاج ذلك. وهنا نلمس غياب القوى الماركسية تماماً، رغم مشاركة ماركسيين كثر.

لهذا يطرح السؤال حول كيف يتبلور موقف ماركسي واضح منها؟ وكيف يتجمع الماركسيين المشاركين في الانتفاضة لكي يشكلوا قوة حقيقية أولاً، ولكي يؤثروا في شعارات وسياق الانتفاضة بما يجعلها واضحة الأهداف (إضافة إلى إسقاط النظام)، ويطوّر من فاعليتها بعد أن أصبح دور العنصر الواعي مهماً في انتصارها؟


الحوار

عديد نصار :
مسا الخير رفيق سلامة
مسا الخير رفيقات و رفاق أعضاء المجموعة
دعوني بداية أرحّب بالرفيق سلامة الذي لا يبخل بكل دقيقة من عمره في مزيد من العطاء و تقديم الرؤى العلمية المرتكزة على المنهج المادي الجدلي التى تصب في كل مرة في مصلحة الثورة و التغيير الذي يستهدف مصلحة الشعوب و سيطرتها على مقدراتها و حاضرها و مستقبلها بعيدا عن كل هيمنة أو وصاية أو استلاب،
و أشكره لانضمامه إلينا في هذه الأمسية في جلسة حوارية نتوخى منها مزيدا من الفائدة كي يأتي عملنا النضالي منسجما مع توجهنا و مع متطلبات الواقع الذي نحيا ، و بالأخص في ظل مرحلة تشهد ما لم نشهده على مدى عقود من حراك اجتماعي ثوري ينطلق من القاع متجاوزا كل القوى السياسية التقليدية التي تمتهن و تتعيش بالعمل السياسي.
كما أرجو من الرفيقات و الرفاق الذين يودون طرح أسئلتهم أن يتنبهوا إلى ضرورة مراعاة الدور و عدم مراكمة الأسئلة و المداخلات كي يتسنى للرفيق سلامة الرد على جميع تساؤلاتكم.
نشكر تعاونكم و لنبدأ بطرح الأسئلة و المداخلات
و إلى حوار مثمر

أسماء احمد غيفارا :
البورجوازية الوضيعة التي تحكم عالم اليوم ستقاتل ظفراً وناباً لتحتفظ بالعالم ساكناً تحت سيطرتها مما يمكنها من افتراس البروليتاريا، المنتج الوحيد للثروة، بصورة وحشية وامتصاص دمائها حتى الرمق الأخير”
ماذا سيكون بعد ذلك؟ نهايه التاريخ!!؟ ام انه يوجد امل بتنظيم مقاومه البروليتارياعلى نحو ما، و من سيقوم بذلك؟ كيف لهم ان يقوموا بذلك في ظل غياب حزب يوحد نشاطهم في اي من الدول التي ما زال بها كم معقول من الكادحين؟و كيف لنا السعي نحو انشاء احزاب كهذه؟

سلامة كيلة :
أهلا أسماء تحياتي ، البرجوازية سوف تقاتل من أجل الحفاظ على سيطرتها بالتأكيد، لكن مصالحها تدفعها الى أن تدفع العمال الى الثورة، حيث تزيد النهب وهو ما نلاحظه بعد سنة 2008 وانفجار الأزمة المالية، التي أظهرت بأن الطبقة الرأسمالية مأزومة، وأن الدول الرأسمالية معرضة لانهيار نتيجة حملها البرجوازية ومراكمة الديون، الأمر الذي دفعها لنهب المجتمع. لهذا لابد من بلورة الحزب الذي يعبر عن العمال والفلاحين الفقراء لتطوير صراع طبقي بدأ بالفعل في الأطراف وفي المراكز. التاريخ لن ينتهي ولا ينتهي فهو في صيرورة، والوضع الذي كان يمنع تبلوره قد انتهى بفعل أزمة الرأسمالية.

محمد عبد المقصود:
كيف يكون الحل الأمثل للموقف السورى ؟ وماهو السبيل لنجاح الأنتفاضة السورية ؟ فى ظل عدم توحد المعارضة

سلامة كيلة :
على كل بالنسبة لتوحيد المعارضة لا أظن أن ذلك ممكنا نتيجة اختلاف تاريخي، وتكلس مزمن. وأصبح البعض يعتبر أنه الممثل الوحيد (المجلس الوطني) ويعتبر أن الطرف الآخر ليس معارضة. على كل لكل طرف سياسة مختلفة الآن عن الآخر، المجلس يدفع نحو تدخل خارجي وهو يعتقد (خصوصا الإخوان) أن لا امكانية لوصولهم للسلطة إلا بهذا التدخل. والهيئة ترفض ذلك وتنتظر ما يجعل السلطة تقبل الحوار أو أن يفرض عليها الحوار.

تامر علي :
الحقيقة رغم ان حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا يتشدق بالاشتراكية الاانه بعيد عنها وذلك نتيجة تمركز الثروة في يد فئة واحدة فقط وتهميش بقية الفئات والطبقات…ولكن لابد علينا ادراك ان المعارضة السورية ليست بالملائكة التي هبطت علينا من السماءفهي ترتبط ببعض المصالح الغربية في المنطقة التي لاتريد الخير لامتنا بل تريد مصلحة اسرائيل….ان سقوط نظام الاسد في هذه اللحظة …يعني ببساطة سقوط مشروع المقاومة اللبنانية التي تعتبر الخط المقاوم الوحيد الذي استطاع اذلال الكيان الصهيوني بل وتهديده

سلامة كيلة :
بالنسبة لسقوط المشروع المقاوم، يعني المسألة ليست كذلك فهو متعثر الآن نتيجة تحول حزب الله الى الدفاع، والغرق في الصراعات اللبنانية. ثم أن النهوض العربي سوف يقود الى مقاومة أعمق وأوسع

غيفارا جويل :
رفيق شو رأيك بالجبهة الشعبية للتحرير والتغير في سوريا ؟

سلامة كيلة :
بالنسبة للجبهة الشعبية للتغيير فصيل لم يكن معارضاً بالأحزاب المؤسسة له ويلعب دور وسط لكن أقرب الى السلطة

اياد كريم :
دأت تلوح في الافق افكار المتطرفين الاسلاميين الداعين الى اعلان حالة الجهاد و بذلك تحويل الحراك بشكل كبير نحو السلاح ؟

سلامة كيلة :
الانتفاضة لا تميل الى الاسلامية ، بل هي عفوية وتنحكم لوعي الفئات الشعبية ذات الطابع الاسلامي، ولكنها في جوهرها تتصارع السلطة من منظور سياسي وتطرح مطالب اقتصادية وسياسية.
بالنسبة للأفق سوف يستمر الصراع وفق ما هو ظاهر من قوة الطكبقات الشعبية، الى أن تضعف السلطة وتتفكك، الأمر الذي يمكن أن يفتح على حل مرحلي بتغيير في السلطة وتأسيس مرحلة انتقالية باشراك اطراف في المعارضة.
ونتيجة الطابع العفوي للانتفاضة لا بد من تعزيز دور اليساريين المشاركين في الانتفاضة من خلال توحيد نشاطهم، وشغلهم على توضيح مطالب الطبقات الشعبية والتأثير في الشاعارت لكي تناسب هذه المطالب، ولكبح كل من العسكرة او الدعوة للتدخل الإمبريالي .

تامر علي :
رفيق سلامة ايه رايك بيسار امريكا اللاتينية….اللي وصل للحكم هل يمثل راسمالية الدولة ام يعتبر اشتراكيا ممثلا لاقصى اليسار؟

سلامة كيلة :
بالنسبة ليسار أميركا اللاتينية يبدو أنه شعبوي أكثر منه ماركسي رغم قول البعض من هؤلاء بأنهم ماركسيون (شافيز)، وواضح أنه لم يطرح أكثر من إنصاف السكان الأصليين.
بالنسبة للتخوف من الإسلاميين لا أظن بأن سورية هي مثل مصر أو تونس، فكما أشرت يعرف الإسلاميون أنهم لن يصلوا الى السلطة إلا عبر تدخل خارجي، ولهذا يصرون عكن الأهم هو أن الانتفاضة العفوية تفرض دوراً لليسار لكن لا بد من أن يتجمع أولا لكي يطرح مطالب الناس المغيبة عن سياسات المعارضة

حسن خالد شاتيلا :
الرفيق سلامة الثورة اليوم تقف أمام معضلة الانتقال من الثورة السلمية إلى الثورة المسلحة قبل أن تتوفر الظروف السياسية لمثل هذا الانتقال، ومن هذه المعضلة أن الجيش الحر يسرق الثورة ومعهه الأخوان والمجلس والطابور الخامس، الأمر الذي يلزم الثورة الاستعداد لبناء جيش شعبي ومراقبة الجيش الحر عن كثب الذي يملآ الساحة بسبب ضعف السياسي والسياسة في الثورة.

سلامة كيلة :
أهلا رفيق حسان تحياتي، لا أرى بأن الجيش الحر يسرق الثورة، لأنه ليس كتلة واحدة ذات قيادة موحدة، وهو يخضع في كثير من المدن لسياسة الانتفاضة في هذه المدن. لا شك يجب أن يتحدد أننا لسنا بحاجة الى جيش موحد، بل مقاتلين يدعمون الحراك الشعبي. وأن الانتفاضة الشعبية هي الأساس في تحقيق الانتصار.

تامر علي :
ماتعليقك يارفيق سلامة على وقوف شافيز مع انظمة قمعية مثل النظام السوري رغم تاكيده الدفاع عن الشعوب المظلومة والمقهورة مثل الشعب الفلسطيني،هل تحول نظامه الى نظام ديكتاتوري؟

سلامة كيلة :
موقف شافيز نابع من فهم يساري للصراع العالمي، هو فهم شكلي ينطلق من الإمبريالية كسياسة، ويرى المختلف معها أو المتوافق معها، دون أن يلمس أسباب الاختلاف أو التوافق، وهل الاختلاف عميق، طبقي، أو مرحلي وشكلي؟

تامر علي :
اذن يارفيق سلامة شافيز ليس يساري وبالتالي نظامه يتجه نحو الديكتاتورية

سلامة كيلة :
لا أريد أن اقول بأن شافيز ليس يساري، هو يساري لكن ربما ليس ماركسيا. لهذا قلت أنه شعبوي ربما يعبر عن مطالب السكان الأصليين أكثر مما يعبر عن مشروع طبقي مثل النظم القومية عندنا التي عبرت عن مشروع الريف .

محمد عبد المقصود :
كيف يتحد هذا اليسار فى ظل … التغيب العربى و الاعلامى عن سوريا ؟

سلامة كيلة :
لا شك في أن التعتيم الاعلامي يضر، بل أن السيطرة الاعلامية للاسلاميين تشكل مشكلة حقيقية لأنها تخدم السلطة في التخويف الذي تمارسه من البعبع الاسلامي. لكن لا بد من تواصل مباشر من قبل اليسار مع الناس لتوضيح السياسات الضرورية لانتصار الانتفاضة وللطريق الذي يجب أن تسلكه .

حسان خالد شاتيلا :
أنا اقترح أن يحل الجيش الحر نفسه ويتحول إلى جيش شعبي مفتوح أمام الشعب الذي يريد أن يحمل السلاح شرط أن يكون الجيش تحت قيادة مدنية لا سيما وأن العقيد رياض كان وما يزال يطالب بالتدخل الخارجي وهو سيدفع بسورية إلى التدخل الخارجي عبر الحديث ما بين العسكر والعسكر،العسكر السوريين وعسكر الحلف الأطلسي.

سلامة كيلة :
الرفيق حسان، هذا موضوع مهم، حيث لا بد من أن يتحدد بأن مهمة الجنود الذين ينشقون عن الجيش هي حماية التظاهرات وحماية أنفسهم فقط. ولا حاجة لتشكيل جيش لأن ذلك يضر في أكثر من مجال منها بأن الانشقاق من الجيش سيكون أقل نتيجة تحول الصراع من صراع شعب ضد سلطة الى صراع جيش ضد جيش. لهذا لا بد من كشف السياسات التي تريد تشكيل الجيش الحر وبلورة قيادة له في الخارج. فهذا يأتي في سياق الدعوة للتدخل الخارجي.

حسان خالد شاتيلا :
لا ثقة بهذا الجيش الذي يطالب بالتدخل الخارجي ويعزز من هذا المطلب في صفوف المدنيين الثوريين. الشرفاء من الجيش الكلاسيكي إذا ما انشقوا عن جيش السلطة سينضوون تحت قيادة الجيش الشعبي. أخطر ما يهدد الثورة اليوم في ضوء التغييرات الأخيرة أن تصبح الثورة بين أيدي جيش العقيد رياض.

سلامة كيلة :
الرفيق حسان ربما ترى بأن مسألة الجيش الحر هي الأولوية، لكن هذه المسألة يمكن لنا أن نحدد موقفا منها، وهو ما أشرت إليه، وأن نعمل على الأرض من أجل توضيحه للناس، ولكن هذا جزء من مشكلة أكبر تعيشها الانتفاضة، نتيجة غياب اليسار. بالتالي لا بد من أن يتفعل اليسار لكي يواجه الميل نحو العسكرة، والتركيز عن دور مساعد للانتفاضة من قبل الجنود المنشقين. أما مسألة الجيش الشعبي فهي أمر غير مطروح كما أظنن لأن المطلوب هو عدم العسكرة، واستخدام السلاح حين الضرورة فقط. وهذا يقتضي محاولة توحيد الأطياف السياسية الموجودة على الأرض لكي تصبح هي محدد الأدوار وليس المجلس الوطني أو الإخوان.

ماهر الحج حسن :
ما رأيك بقناة اليسارية ؟

سلامة كيلة :
بعدها ما بدأت لكي تقيم بشكل صحيح، لكن يمكن أن أقيس على الجهات التي أطلقتها، فأقول بأنها ستكون “يسيارية تقليدية” وضعيفة تقنيا، ولا تقدم يسارا حقيقيا . ولا أظن بأنه يمكن أن تتجه بوليفيا الى الدكتاتورية نتيجة التشكيل المجتمعي هناك الذي فرض مستوى من المدنية ربما لا يسمح بدكتاتورية الآن

غلوري ريبال :
ما رأيك رفيق سلامة بنظريات المؤامرة و اتهام الامبريالية و الماسونية أنها وراء الحراك الثوري العربي!!!

سلامة كيلة :
بالنسبة لنظرية المؤامرة كما أشار إليها غلوري، ربما كان ما كتبت في الورقة يحاول الرد على هذه الفكرة، حيث أن الإمبريالية لا شك تعمل دائماً على تحقيق مصالحها وهزيمة كل من لا يحقق لها ذلك. لكن الذي يتابع الوضع الدولي الآن يلمس كم أن الإمبريالية مازومة وباتت في وضع انكفائي كما ظهر بالنسبة لأميركا، وأزمة دول أوروبا. وأصلا الانتفاضات العربية بدأت في لحظة تزعزع السيطرة الإمبريالية. لا شك ستحاول اميركا الاستقادة لكن بالتأكيد ليست هي التي دفعت لنشوب الانتفاضات، حتى في سورية وليبيا، رغم محاولتها الالتفاف عليها لمنع انهيار سريع لسيطرتها. وهذا سيفشل كذلك.

حسين درويش :
ان الثوره في التحليل الاخير هي من صنع الجماهير ولذلك فهي ليست حلما رومانسيا نتعلق به بل هي عمل دؤوب ومتواصل نقوم به لكي نحققها…..من كتاب نقد الحزب للرفيق سلامه…….ماذا فعل الماركسيين لكي يستعدو لهذا اليوم ؟؟…..اين هم اليوم من الثوره السوريه؟؟…اين اليسار العربي من الثوره السوريه؟؟…..تحليل رائع للرفيق سلامه خاصه الموضوع الاقتصادي …..واطلب من الرفيق ان يعري اليسار التحريفي الذي سيكون سببا بمواقفه المتخاذله والبائسه في صعود الاسلاميين.

سلامة كيلة :
الرفيق حسين يسأل هل استعد اليسار، أقول أنه لم يستعد وأكثر من ذلك لم يكن يتلمس الوضع ولا كان يتوقع الانفجار الكبير هذا. ولقد تكلس في تكوين نخبوي صار يميل الى التقليل من فاعلية الطبقات الشعبية ويقرعها. ورغم محاولات بلورة بدائل إلا أن الظروف لم تسمح بذلك، ربما نتيجة قصور الذين حاولوا، لكن كان يلمس بأن الشباب الذي يجب أن يحمل المشروع الجديد لم يكن مبالياً حينها. وهو الآن في خضم الصراع فهل نعمل على بلورة يسار حقيقي؟ هذا ما يجب أن نركز عليه اليوم ونجعله أولوية نشاطنا.
أما عن موقف اليسار من الانتفاضة السورية، فليس كل اليسار ضد الانتفاضة بل ربما هناك نخب يسارية في الأردن ولبنان هي كذلك لكن موقف اليسار في مصر والمغرب العربي وبعض اليسار في العراق هو مع الانتفاضة. ولقد حاولت تناول الأساس المنهجي الذي جعل هذا اليسار الذي يقف ضد الانتفاضة هو كذلك في أكثر من مقال، ومنها المنطق الشكلي.

تامر علي :
مامستقبل اليسار العربي في ظل المتغيرات الدولية واهمها الازمة المالية العالمية والربيع العربي الذي بدات للاسف تجني ثماره التيارات الدينية؟

سلامة كيلة :
الرفيق تامر يشير الى مستقبل اليسار العربي، لا بد من القول بأن اليسار الذي تشكل في الماضي مات، ولا يجب المراهنة عليه، فقد تكلس نظريا وسياسيا، وانعزل شعبياً وهرم. لكن الانتفاضات سوف تفتح بابا عريضا لتسييس أعداد هائلة من الشباب الذي سوف تفرض مطالبه “الاقتصادية” عليه أن يسير نحو اليسار. والسؤال هل نستطيع أن نؤسس لأن يتحول الى حزب حقيقي لليسار الثوري؟ هذه هي المراهنة اليوم.
حاولت الإشارة الى مستقبل اليسار، لكن أضيف بأن الأزمة المالية الإمبريالية أوضحت كم أن الإمبريالية مأزومة، وأن أزمتها سوف تفتح أفق الصراع الطبقي على الصعيد العالمي. والانتفاضات العربية جاءت في هذا المساق. لهذا لا بد من التفكير الجدي في بناء أحزاب ماركسية جديدة تترابط مع العمال والفلاحين الفقراء، وتؤسس لرؤية جديدة تنطلق من فهم الواقع، لكي يصبح هناك مستقبل مشرق للطبقات الشعبية. طبعا هذا موضوع كبير ويحتاج الى البحث أوفى.

علي زين :
ذكرت رفيق سلامة في مقالتك الاخيرة في جريدة الاخبار :أنه لا بد من فترة انتقالية متمثلة بحكومة انتقالية هدفها خلق واقع سياسي جديد يعبّر عن الطبقات الشعبية التي انتفضت .
مع صوابية هذا الحل و لكنه تمنّي بعيد عن واقع الجماهير التي انتفضت , فنتيجة غياب الوعي السياسي كما قلت بسبب القمع و أضف إلى ذلك ضعف اليسار , نتيجة هذا لا تستطيع الجماهير المنتفضة تحليل البنية الاقتصادية لهذا النظام هذا ما يدفعها في لحظة ثورتها للتوجه للعدو الظاهر لها المتمثل برأس النظام و القمع السياسي من هنا ينشأ عدم قدرتها على صوغ مطالبها الاقتصادية ببرنامج اقتصادي سياسي , كما لا تستطيع الجماهير معرفة قوى الانتفاضة الجذرية من تلك الانتهازية.
لذا لا بد لهذه الجماهير ان تصطدم مباشرة بعدوها كي تستطيع معرفته و من ثم إسقاطه , ونتيجة للوضع ولموازين القوى سينشا بعد سقوط النظام انظمة على شاكلة الانظمة في كل من تونس و مصر , ونتيجة لكون هذه الانطمة و القوى السياسية الاسلامية لا تختلف بالنهج الاقتصادي عن سابقها إلا ببعض التلوينات الايديولوجية فستقع في فخ غضب الشعوب الذي أسقطت أعتى الطغاة و لن يستكين إلا عند تحصيل حقوقه .

سلامة كيلة :
الرفيق علي زين، حينما طرحت أسس المرحلة الانتقالية فللتوضيح للطبقات الشعبية بأن إسقاط النظام يعني مرحلة انتقالية بهذه السمات التي أشرت إليها لكي ينجح إسقاط النظام، بما هو نظزام اقتصادي سياسي. اعرف بأن الأمور تسير نحو الشكل المصري التونسي ولقد كتبت في ذلك، وربما نتيجة معرفتي هذه وجدت بأنه من الضروري أن تعرف الطبقات الشعبية ما هو المطلوب في المرحلة الانتقالية.

علي زين :
نعم رفيق سلامة قرأتهم , ولكن من يوصل هذه الافكار للفقراء من لا يملكون ثمن جريدة او لا يتوفّر لديهم الانترنت ؟
لا بد لليساريين تكوين خطّهم السياسي المتميّز عن باقي قوى الصراع إن كانت موالية او كانت معارضة –مع إبقاء هامش الالتقاء المرحلي من أجل إسقاط رأس النظام –هذا الخط الذي يخوض الحرب على جبهتين جبهة القمع السلطوي و كشف ادعاءاته الكاذبة حول عدة مواضيع أبرزها الممانعة المزيفة و المؤامرة الخارجية و استحالة الاصلاح ،و الجبهة الاخرى هي جبهة القوى التي لا مصلحة لها باستكمال الثورة ” ماركسيا ” حتى النهاية وذلك عبر كشف طبيعتها الطبقية وأهدافها السياسية أضف إلى ذلك وجب محاربة خطابها الطائفي والداعي لعسكرة الثورة و التدخل الخارجي . إذن علينا خوض صراع عنيف لا يمكننا السير به إلا عبر تشكيل اوسع إطار يساري سوري منبثق من بين الاحياء الفقيرة و ملتحم مع الكوادر المثقفة تمهيدا لولادة البديل الثوري من رحم الانتفاضة كي يكمل الولادة الثورية ويدفع الانتفاضة تقدميّا , من هنا لا بد أيضا من محاربة النخبوية اليسارية المتنسّكة البعيدة عن الشعب والدفع بكوادر اليساريين صوب التنسيقيات و الاحزمة الاكثر بؤسا و لا بد من خطاب شعبي بعيد عن تعابير تراثيّة لا يعيها الشعب .

سلامة كيلة :
الرفيق علي زين، ما دام ليس هناك حزب شعبي تظل إمكانية ايصال الأفكار للطبقات الشعبية محدودة بالتأكيد، لكن بالقدر الذي نستطيعه سنحاول. ولأن الوضع كذلك تسير الأمور في سياق موضوعي تأثيرنا ضعيف فيه. أيضاً لا بد من بلورة رؤية عميقة منطلقة من الواقع، والعمل على تشكيل إطار يوحد اليسار المشارك في الانتفاضة، وهذا ما تبذل جهود من أجله.

صبري عكروش :
بعض النخب اليسارية الاردنية واقفة مع النظام السوري القمعي والدكتوري بحكم مصالح ؟؟؟؟ منها مادية

سلامة كيلة :
الرفيق صبري لا شك في أن النخب اليسارية الأردنية تكشفت عن سطحية عالية. فالتخوف من دور إمبريالي أمر مبرر، والخوف على المقاومة أمر مبرر كذلك، لكن لا بد من الخوف على الشعب، وليس لوي عنق الواقع من أجل التبرير لنظام مافياوي دموي. بغض النظر عن كل مواقفه، ومن يحكم فيه (حتى لو كان لينين).

أسماء أحمد جيفارا :
أستاذ سلامه فى رأيك ما هو الطريق المناسب اليوم لليسار هل ..هو …الطريق البرلمانى ام الطريق الثورى ؟؟؟

سلامة كيلة :
الرفيقة أسماء، لا أظن أن الطريق البرلماني ممكن، فالمسألة تتعلق بتكوين الواقع والصراعات فيه. والطريق البرلماني مرتبط باستقرار الوضع الطبقي وليس بتفاقم الصراع الطبقي كما في بلداننا. لهذا أرى بأن طريق الانتفاضة هو الطريق الوحيد الممكن عندنا، وهذا ما أشرت إليه منذ زمن قبل الانتفاضات العربية.

غلوري ريبال :
ما رأيك رفيق سلامة بعدم وجود قيادات كاريزمية للمعارضة السورية التي من المفترض أن تقود الثورة و توجهها و تحمي مكتسباتها!! بعبارة أخرى أن تكون فاعل و ليس مفعول بها.. تتقدم على الشارع لا العكس!!

سلامة كيلة :
الرفيق غلوري المعارضة ميتة منذ زمن، ولقد تحولت الى نخب تريد الديمقراطية، هذه الديمقراطية التي لا تعرفها هي ولا تمارسها، فقط تريد متنفس يسمح لها بالحركة الهادئة. المستقبل هو الذي يجب أن يفرز قيادات جديدة من الشباب الذي انخرط في الصراع اليوم.

حازم عثمان :
رفيق سلامة ما هو برأيك مدى تأثير اليسار الثوري في سوريا على مسار الثورة حاليا، وخلال المرحلة القريبة القادمة؟ سؤال آخر: اليس من الضروري الشروع في تأسيس حزب لليسار الثوري من رحم الانتفاضة، ولو طالت عملية تأسيسه نتيجة الأوضاع والظروف وتسارع الأحداث، فالمرحلة الانتقالية تفرض وجود صوت حزب لليسار الثوري في الميدان السياسي.

سلامة كيلة :
الرفيق حازم إن تأثير اليسار الثوري في الانتفاضة ضعيف، ليس نتيجة قلة العدد فهناك مئات اليساريين المشاركين منذ البداية، لكن لأن كل منهم ينشط وحده وفي منطقته، ولأنه رغم انخراطهم في الانتفاضة لا يحمل كثير منهم وعيا عميقاً يؤهله لأن يؤثر بشكل كبير، ولا يملك رؤية لدوره غير مشاركة الناس. أما حول تأسيس حزب لليسار الثوري فهذا أمر كان مطروحاً قبل الانتفاضة وهو مطروح فيها، لكن الأولويات التي تفرض الممارسة لا تجعل من إمكانية سريعة لبلورة حزب، فهذه البلورة تحتاج الى زمن من النقاش النظري والسياسي لكي يكون واضحا ما هي طبيعة الحزب وأسس تشكله وبرنامجه، وفاعليته العملية. وزمن الانتفاضة يفرض التنسيق بين اليساريين في تطوير فاعلية يسارية تؤثر في مسار الانتفاضة. ربما هذه الممارسة المشتركة، والحوار الذي يتخللها، والثقة التي تنشأ، تقود الى نشوء نواة حزب حقيقي.

حسين درويش :
برايي الشخصي المتواضع ….فليسقط النظام الان …..وليفتح الصراع على اوسع ابوابه …..والضروره الاجتماعيه والجدل الذي سوف يحتدم هو من سيفرز ويخلق القيادات والشكل التنظيمي الانسب……هل توافقني رفيق سلامه؟؟؟

سلامة كيلة :
الرفيق حسين، بعد سقوط النظام كما الآن سيبقى هناك من يمنع التفاعل الحقيقي كما نلاحظ في مصر وتونس. لكن ربما يسمح بعض الانفراج الديمقراطية بإمكانية أعلى للحوار والنقاش وبلورة الرؤى، هذا صحيح.

محمد عليان :
رفيق سلامة .في ظل حملة التشويه الشرسه التي تشن على كل يساري حر منحاز لثورة الشعب العربي السوري ..هل تعتقد أنه من الأجدى تشكيل تيارات و حركات و أطر يساريه ثوريه مستقله تقطع تماما مع هذه الاحزاب المنحازة للانظمه و الخارجه عن كل ما هو منطقي و مبدئي و انساني ؟؟
او بماذا تنصحنا بهذه الفتره التي تناقضت فيها الاحزاب اليساريه مع نبض الشارع تناقض تام و مطلق ؟؟؟

سلامة كيلة :
الرفيق محمد عليان، لا شك في أنه من الأساس لا بد من تشكيل بنى جديدة، حيث هرمت الأحزاب وتكلست. وأتت الانتفاضات لكي تجعل هذه مهمة أساسية، لأن تفاقم الصراع الطبقي يفرض الارتباط به بوعي ماركسي جديد ورؤية تعبر عن المفقرين

عديد نصار :
رفيق سلامة ، كيف تنظر إلى تفاعل الانتفاضة في سورية مع باقي الثورات في الوطن العربي حتى الآن ؟ و ما هو تأثير تطور الثورات في الوطن العربي ، خاصة في مصر ، على تطور الانتفاضة في سورية و سيرورتها الثورية؟

سلامة كيلة :
الرفيق عديد، من المؤكد بأن هناك تفاعل بين الثورات العربية، وأن التطور في بلد يؤثر على البلدان الأخرى. ولا شك في أن نتائج الانتخابات في تونس ومصر قد أثرت سلبا في سورية لأنها أشارت الى أن البديل هو الإسلاميين مثلاً. لهذا فإن تفاعل القوى الماركسية العربية أمر ضروري لتفكيك التخوفات ولتأسيس فعل مشترك.

محمد عليان :
رفيق سلامة : كيف نرد على من يبرر موقفه الداعم للنظام بالفزاعه الامبرياليه والشرق الوسط الجديد و اعادة الاستعمار ؟؟ والطامه الكبرى بأن من يدافع عن النظام يتستر وراء رموز خالده مثل الحكيم و اليماني ..فيصبح من يعارضهم كأنه يعارض نهج هذه الرموز ..كيف نحل هذه الاشكاليه معهم ؟؟؟؟؟

سلامة كيلة :
الرفيق محمد عليان، ربما كان جوهر الورقة التي بدأ الحوار بها يتناول هذا الموضوع، ولقد قصدت الكتابة فيه لأن هناك فهم سطحي لما يجري. بالتالي السؤال هل النظام معاد للإمبريالية؟ ولقد أسست لفهم التكوين الاقتصادي الذي أقامه. ثم هل كل اختلاف مع الإ…مبريالية يجعل المختلف ثورياً ويساريا؟ أظن لا فالقوى “التقليدية” تصارع من موقعها وهي رجعية. وبالتالي لا بد لماركسي من أن يبدأ من الاقتصادي للطبقي ليصل الى السياسي والى لمس الاختلافات أو التناقضات السياسية. وبالأساس لا بد من أن يحدد الإنسان موقعه، هل هو مع الشعب ومنه أو هو نخبة مميزة تستطيع أن تفكر وحدها وتحلل وحدها وتلعب دور المراقب أو الحكم؟

حسين درويش :
ارجو من الرفيق سلامه ان يوضح اكثر عن دور العنصر الواعي كشرط لانتصارها….

سلامة كيلة :
الرفيق حسين، العنصر الواعي هو الحزب الذي يفهم الواقع ويطرح السياسات والتكتيك الضروري لتطوير حركته. إذن يبدأ بوعي الماركسية من أجل وعي الواقع، ووعي ما يجب أن يطرحه في الصراع القائم لتطوير نشاط الانتفاضة.

أمل شان :
اعتقد هزيمة اليسار … عالميا وليس فقط في دولنا … اولا بسبب سقوط الاتحاد السوفيتي .. وثانيا ابتعاده عن المطالب الشعبية .. وافتقاره لتحليل الواقع وسعي القيادة فقط لمكاسب شخصية وبقائه زيل للسلطات ينتظر فتاتها …. ولم يخلق مدارس لتطوير اي ف…كر غير فكر التبعية ….. شو نقول لنقول … اعتقد كلنا نعرف … ويمكن ان نعبي صفحات لا نهائية عن السلبيات …. كلها .. الان تنعكس في الارض ان اليسار غير موجود … نحن موجودين كاشخاص ا فراد وليس كتلة أو مجموعة ممكن ان تؤثر

سلامة كيلة :
الرفيقة أمل لا شك في أن انهيار السوفيت أثّر، وفرض عالمية الهزيمة لليسار. لكن اليسار عندنا كان مهزوما منذ زمن طويل قبل ذلك، أي منذ أن اتبع المنطق الذي يقول بدور البرجوازية وقيادة البرجوازية. لهذا داهمته الانقلابات العسكرية وهو يرفض التفكير في استلام السلطة، وحققت أكثر مما كان يطرح مما جعله يلتحق بها، ثم بدأ في التفكك والتلاشي. وأتى انهيار السوفيت ليكمل الصورة.

مشارك مجهول :
الرفيق سلامة كيلة شكراً لهذا التحليل ولكن عندي سؤال بسيط إلى مدى (رقميا) أدى هروب فائض القيمة إلى الخارج في تفجر الوضع الإقتصادي في سورية وهل يفرض النقد الدولي الإستثمار الخارجي ؟ هل تعتقدون أن النظام كان لا يملك قرار سياسي في تحول إلى إقتصاد ريعي لأنه كان يوظف الأموال التى سرقها في الخارج ؟

سلامة كيلة :
الرفيق ،، هروب الفائض هو نتاج السيطرة الرأسمالية العالمية على الاقتصاد، والذي يتحقق من خلال التوظيف المربح في البنوك والتجارة، وايضا من خلال الاستيراد بدل الانتاج. أما حول التحول الى اقتصاد ريعي فهو نتيجة مصالح الفئات التي نهبت الدولة خلال العقود الماضية، والتي بدأت في الاستثمار في القطاعات المربحة في إطار اقتصاد مفتوح. فقد أصبحت السياحة والعقارات والخدمات أكثر ربحية وأضمن.

عديد نصار :
نشكر للرفاق مساهمتهم .. نشكر للرفيق سلامة كيلة وجوده معنا في هذا اللقاء المطول .. على أمل مزيد من العطاء و معا على طريق الثورة و التغيير..

المصدر: مجموعة يساري

الانتفاضة السورية: مطالب الشعب وطريق التغيير

تلخصت الانتفاضة السورية في مطلب إسقاط النظام، وأحياناً في اعتبار أنّها ثورة «الحرية والكرامة». وظل هذا وذاك يتكرران طوال الأشهر المنصرمة، إذ بقي الشباب يمحور هتافاته عليها. وكان يظهر كم هي قاسية وطأة الاستبداد الطويل، وتدخلات الأجهزة الأمنية، والشرطة في حياة المواطنين. وبالتالي كم كان عبء السلطة مهولاً، وممارساتها فظة. وإذا كانت بعض الفئات تريد الحرية التي تعني التحرر من السيطرة الأمنية والانغلاق الإعلامي، وتحقيق الحرية الفردية، من أجل أن تمارس حقها الطبيعي في التعبير عن ذاتها، فإنّ كتلاً كبيرة كانت تضمّن هذه الأهداف مكنوناتها، وهي التي لا تستطيع أن تصوغ مطالبها واضحة في شعارات نتيجة غياب الوعي السياسي الذي نتج من الاستبداد الطويل.

ولذلك تمحور الهدف الأساسي للانتفاضة في إسقاط النظام من أجل الحرية. أو كما تعبّر المعارضة السياسية بمختلف أطيافها: الانتقال من دولة الاستبداد إلى الديموقراطية، وأصبحت انتفاضة «حرية وكرامة». لكن هل يستوفي ذلك مطالب كلّ الطبقات الشعبية المشاركة (أو غير المشاركة بعد) في الانتفاضة؟ هل هذا ما تريده كلّ الفئات المفقرة والتي بلا عمل، أو التي لم تعد تستطيع تعليم أبنائها أو مداواتهم، أو حتى توفير أبسط سبل العيش؟

إذا كانت الطبقات الشعبية لم تعبّر عن مطالبها في الشعارات التي ترددها، أو اللافتات التي ترفعها، فليس معنى ذلك أنّ ليس لديها مطالب واضحة، كانت تكررها من وقت لآخر. وهذا يفرض أن نتلمس مشكلات تلك الطبقات لتلمّس مطالبها، لأنّها لا تطالب بأكثر من تجاوز تلك المشكلات، وليس في مقدورها أن تنتقل بـ«التجريد» إلى مستويات أخرى يوصل الوعي السياسي إليها، أو حتى تصل إلى تصوّر حول كيفية تحقيق مطالبها. لذلك تنتفض، وتسقط، ومن ثم يتوقف كل شيء على «النخب السياسية» التي تتصدّر المشهد بعدئذ.

ولذلك لا بد من استخلاص مطالب تلك الطبقات، وصوغها في أهداف تصبح هي الحاكمة لكلّ تغيير سياسي، أو تأسيس سلطة جديدة. وهنا يجب الابتعاد عن الميل الأيديولوجي أو المصلحة الضيقة لفئة اجتماعية يمكن أن تعمل على حصر المطالب في مطالبها هي بالذات. ويبرز خصوصاً وضع النخب التي تميل عادة إلى تحقيق مصالحها باسم الأمة كلّها، وبالتالي تجاهل مصالح الأمة. الأمر الذي يفرض علينا تحديد المطالب العامة للطبقات الشعبية. المطالب التي يثورون من أجلها، ويعتقد كلّ منهم بأنّ التغيير سوف يقود حتماً إلى تحقيقها. أو يجب أن يقود حتماً إلى تحقيقها. وسوف يستمر في الصراع إلى أن تتحقق.

وهنا لا بد من أن تشمل المطالب كلية البنية السياسية المجتمعية، وليس شكل السلطة السياسية فقط، أو الأشخاص الذين يحكمون فحسب. أو أن يفضي إسقاط النظام إلى تغيير البنية الاقتصادية السياسية التي فرضت التهميش الاقتصادي والمجتمعي، وكان الاستبداد الضرورة التي تسمح بذلك. وبالتالي تأسيس بنية اقتصادية سياسية تتضمن حلّاً لكلّ مشكلات تلك الطبقات، من العمل إلى الأجر إلى التعليم والصحة والضمان، إلى الثقافة والوعي، إلى الدولة الديموقراطية. البديل إذن، يجب أن يتضمن حل مشكلات مجتمعية وليس تغيير شكل سلطة.

من هذا المنظور أرى أنّ المطالب يمكن أن تختصر في النقاط التالية: 1) بناء دولة مدنية حديثة تقوم على إرادة الشعب ويحكمها دستور مدني ديموقراطي، وتنطلق من الحريات العامة، ومن فصل السلطات، واستقلالية القضاء، وتقوم على أساس النظام البرلماني. 2) حق تأسيس الأحزاب والنقابات وكلّ أشكال الاتحادات التي تعبّر عن مصالح فئات اجتماعية مصونة في الدستور وتخضع للإشهار فقط. 3) تحقيق المواطنة الكاملة، وإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية. 4) إقرار الحقوق القومية للأكراد والأقليات الأخرى، والتي تتمثل في الحق في التكلم باللغة الأم ونشر الثقافة والتدريس بها. 5) محاسبة كلّ الذين نهبوا الاقتصاد الوطني استناداً إلى قوة السلطة وعبر تعميم الفساد، ومصادرة أموالهم لكي تسهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني. 6) إعادة النظر في الاقتصاد من أجل حلّ مشكلات البطالة (خصوصاً بين الشباب) والأجور، انطلاقاً من إنهاض الزراعة والصناعة وفق خطط حكومية، وبمشاركة الرأسمال الخاص. 7) مجانية التعليم مع بنائه على أسس علمية، وتحقيق الضمان الاجتماعي والصحي لكل المواطنين. 8) التنمية المتوازنة بين المحافظات، والاستفادة من التنوّع في الظروف فيها. 9) التأكيد على إعادة بناء الجيش لكي يكون قادراً على تحرير الجولان والتصدي للهجمة الإمبريالية. والتأكيد على حلّ مسألة احتلال الإسكندرون من خلال الحوار مع تركيا. 10) إعادة بناء الأجهزة الأمنية لكي تكون معنية بالوطن وليس في المجال السياسي المباشر، انطلاقاً من إعادة صياغة «عقيدتها الأمنية»، وإعادة تأهيل كادرها، وإخضاعها للمراقبة الشعبية.

تلك مطالب عامة، تتضمن مطالب كلّ الطبقات الشعبية، وهي الأساس في انتفاضة هذه الطبقات، والتي أصبح مدخلها هو الهدف العام الذي طرحته هذه الطبقات، أي إسقاط النظام. بمعنى أنّ إسقاط النظام هو الطريق لتحقيق هذه المطالب التي تحقق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولا بد لكلّ حزب يتنطح للوصول إلى السلطة من أن يعمل على تحقيقها، أو ينكشف ويحاسب انطلاقاً منها. ولا بد من أن تكون أيضاً في أساس اختيارات الأفراد للحزب الذي تعتقد بأنّه يحققها. وبالتالي يمكن أن تتمرّد عليه إذا لم يستطع تحقيقها، أو تجاهلها وفرض مصالح ضيقة لفئات أخرى.

في كلّ الأحوال، لا بد من مرحلة انتقالية. ولقد تحقق ذلك بأشكال مختلفة في تونس ومصر، وليبيا، اي البلدان التي انتصرت الثورات فيها. لكن تلك التجارب، التي أوضحت أهمية المرحلة الانتقالية، أوضحت كذلك أنّ تحقيق الانتقال من نظام إلى آخر لا يكون حينما تستمر بنية النظام ذاته، والطبقة الرأسمالية المسيطرة ذاتها، وأنّ الأمر يحتاج إلى إعادة صوغ بنية الدولة، وإعادة الحيوية السياسية إلى المجتمع. الأمر الذي يفرض التركيز في المرحلة الانتقالية على تأهيل الدولة، وتحقيق مطالب عاجلة للطبقات الشعبية. في سياق الإعداد لانتخابات تؤسس لشرعية سياسية جديدة.

لذلك لا بد من حكومة انتقالية تتألف من شخصية معارضة ذات كفاءة، وتحظى بموافقة عامة من الشباب وأحزاب المعارضة، مهمتها: إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وإعادة هيكلة الإعلام لكي يعبّر عن المجتمع، وهيكلة بنية الدولة ومحاسبة الفاسدين فيها، والتركيز على الكفاءة، وإعادة هيكلة القضاء وطرد الفاسدين فيه، واعتماد المهنية والكفاءة. كذلك من مهماتها إطلاق حق تشكيل الأحزاب، وتأسيس الصحف والإعلام المرئي والمسموع، وتحرير النقابات والسماح بتشكيل نقابي دون قيود أو هيمنة، وصياغة دستور جديد يطرح على الاستفتاء خلال سنة.

كذلك يجب دراسة زيادة الأجور بما يساوي ثلاثة أضعاف الحد الأدنى الحالي، والبدء بتوظيف العاطلين من العمل، وتخصيص أجر حد أدنى إلى حين توفّر العمل، وبدء معالجة الوضع الزراعي والصناعي والتعليمي والصحي.
هدف الحكومة الانتقالية إذن هو التمهيد لشرعية جديدة تأتي عبر الانتخاب، لكن بعد أن يتأسس واقع سياسي جديد، يعبّر عن الطبقات الشعبية ذاتها التي انتفضت، وليس عن أحزاب ومصالح هي مصالح السلطة الحالية، وأحزاب لا تختلف عنها كثيراً، وتمتلك رؤية تكرّس الواقع الاقتصادي القائم. أحزاب تأتي لكي تعبّر عن الرأسمالية ذاتها المسيطرة الآن، أو عن إحدى فئاتها بتقزيم أخرى. فالمسألة تتمثل في إسقاطها كلّها، لأنّ النمط الاقتصادي الذي تكرسه هو السبب في كل الفقر والبطالة والتهميش، وانهيار الزراعة والصناعة والتعليم والصحة.

لقد سيطرت الرأسمالية ذاتها، من خلال المجلس العسكري في مصر، ومن خلال الحكومة الدستورية في تونس، على المرحلة الانتقالية، فأعادت إنتاج النظام ذاته بأسماء أحزاب جديدة، ووجوه جديدة. فلم تتأسس دولة مدنية ديموقراطية، بل جرى اختزال الديموقراطية بالانتخابات، وجرى التمسك بالنمط الاقتصادي ذاته الذي كان قبل الثورة. وجرى كذلك الإصرار على صحة ذاك النمط، وبالتالي تجاهل مطالب العاطلين من العمل والفقراء. نحن لا بد من أن نتلمس صيغة مرحلة انتقالية تفضي إلى التغيير العميق، وهو ما يتجاوز مصالح ومطامح كل الأحزاب القائمة. ويفرض العمل على تأسيس جديد.

لهذا، لا بد الآن من التركيز على توسيع مشاركة الطبقات الشعبية انطلاقاً من فهم يقوم على أنّها هي التي يجب أن يرسم أفق المستقبل، دون خوف أو تخوّف أو اتكاء على أي خارج. فالصراع هو بين هؤلاء والسلطة التي تمثّل فئة نهب وأثرت، فاستحوذت على الثروة من خلال تسلطها السلطوي. الأساس هو الثروة والسلطة، لذلك، الشعب يريد إسقاط النظام.

المصدر: الأخبار

الانتفاضة السورية والتدخل الدولي

كل الحديث منذ بدء الانتفاضة السورية هو عن المؤامرة التي تقوم على التدخل الأميركي، خصوصاً في سوريا. ورغم مرور الوقت وتجاوز الانتفاضة شهرها العاشر، لا يزال هناك من يكرر المعزوفة ذاتها دون ملل. فما هي ممكنات التدخل العسكري في سوريا؟

التدخل الدولي هو نتاج مصالح دول، وبالتالي حاجتها للتدخل ومقدرتها على ذلك. ولا شك في أنّ سوريا كانت معرّضة للتدخل خلال السنوات الماضية، وكان العمل الأميركي ينطلق من ضرورة تحقيق تغيير يفضي إلى تشكيل نظام «طوائفي» كما فعلت في العراق. وكان اغتيال رفيق الحريري لحظة كان يراد لها أن تفضي إلى ضغط أميركي دولي شديد على السلطة، يقود إلى تحقيق انقلاب داخلي، ربما جاء مقتل (أو اغتيال) غازي كنعان في سياقه. بعدها هدأت الأمور، ظهر أنّ السيناريو الأميركي قاد إلى تماسك السلطة بدل تفككها، وأنّ السلطة تندفع لبناء تحالف إستراتيجي مع إيران، وتركيا. وتستفيد كثيراً من الحرب الصهيونية على لبنان وصمود حزب الله.

ومن ثم بدا أنّ أميركا تعيد علاقتها مع السلطة السورية، بعد نجاح باراك أوباما كرئيس، وانفتاح نيكولا ساركوزي، والدعم التركي اللا محدود، الذي شكّل سياج حماية مهماً، والموقف الصهيوني الذي بدا أنّه لا يريد تغيير السلطة التي حققت له استقراراً طويلاً على جبهة الجولان. وفي الوقت نفسه، كان يركّز على «هضم» الضفة الغربية، والتفكير في نقل القضية الفلسطينية إلى الأردن. أي أنّه لم يكن في وارد تشتيت جهوده التي كانت تلاقي النجاح في إنهاء القضية الفلسطينية.

بمعنى أنّ الهجوم الذي بدأ بعد احتلال العراق من أجل تغيير الوضع السوري قد توقف وأصبحت المسألة تتعلق بإعادة ترتيب العلاقة، خصوصاً بعدما تفجّرت الأزمة المالية في أيلول 2008، والتي أظهرت ضعف الرأسمالية، ووقوفها على شفير انهيار ليس من الممكن تلافيه. في الوقت نفسه مال «رجال الأعمال الجدد» الذين أمسكوا بقرار السلطة إلى فرض اللبرلة كاملة، كما تريد الرأسمالية، وأسوأ من الشروط التي يضعها صندوق النقد الدولي، في سياق «مدّ الجسور» مع الإمبريالية، ودفعها إلى الموافقة على بقاء الوضع السوري كما هو، أي بقبول سلطة ليبرالية تتشابك مع الرأسمال الإمبريالي (وإن كان ذلك قد بدأ عبر الرأسمال النفطي).

ولقد جاءت الانتفاضة في ظل الانفتاح «الغربي» على السلطة، وإعادة وصل العلاقة معها. ونتيجة ذلك الانفتاح الليبرالي الوحشي والسريع، الذي أفضى إلى انهيار سريع في الصناعة والزراعة، والى إفقار الطبقات الشعبية. لذلك لم تكن الانتفاضة «مؤامرة»، ولا جاءت بفعل «إمبريالي»، بل نتجت من فعل نهب طويل فرض هذا الوضع.

الآن، ما هي ممكنات التدخل العسكري «الإمبريالي»؟ أو هل الوضع الدولي يمكن أن يقود إلى ذلك؟

من يراقب المشهد يلاحظ بأنّ الولايات المتحدة على شفير الانسحاب من المنطقة بعد خروجها من العراق، رغم استمرار قواعدها في بلدان الخليج العربي. وأصبحت المسألة تتعلق الآن بالانسحاب من أفغانستان. وكان تدخل الناتو مجالاً لتوضيح أنّ أميركا ليست في وارد تدخل حقيقي، إذ لعب الناتو الدور الأساس، وشاركت هي جزئياً. والآن يعلن باراك أوباما إستراتيجية «دفاعية» جديدة، تقوم على خفض ميزانية الدفاع وعديد القوات الأميركية، لكن الأهم هو تجاوز فكرة إمكان أميركا خوض حربين في الوقت ذاته، وهي الإستراتيجية التي قررها دونالد رامسفيلد منذ بداية القرن الجديد، ومن خلال التركيز على وسائل القتال غير التقليدية، أي تلك التي تتعلق باستخدام القوى الجوية فقط. ونتيجة ذلك، نقلت التركيز إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي لمواجهة تحديات الصين.

بمعنى أنّ أميركا تجاوزت سياستها التي كانت تركّز على «الشرق الأوسط» لمصلحة آسيا والمحيط الهادي، وأنّ وضع هذا «الشرق الأوسط» بات متروكاً لأوروبا، أو باتت أوروبا هي المعنية به أكثر من خلال حلف الناتو، عدا الخليج الذي لا يزال تحت سيطرة القواعد الأميركية. وأوروبا، كذلك، تعيش أزمة عميقة نتيجة الديون السيادية التي تثقل كاهل الدول، خصوصاً أنّ إمكانية تحوّل أي تدخل في سوريا إلى حرب إقليمية، هي إمكانية كبيرة، نتيجة تخوّفات حزب الله من حصاره، وإيران من الاستفراد بها.

ذلك الوضع هو الذي يجعل كلّ الدول «الغربية» تكرر في تصريحاتها (ولبعض أطراف المعارضة) أنّها ليست في وارد التدخل العسكري، ولا تبدو متحمسة لنقل الملف السوري إلى مجلس الأمن. وإبقاء الحوار مع روسيا للوصول إلى حلول وسط. وأن تُلقى المسألة على الجامعة العربية، التي أصبحت مهمتها هي للتلهي، و«مط» الصراع، ليس نتيجة عدم نقل الملف إلى مجلس الأمن، بل نتيجة إرباك الصراع الداخلي، وتشويش اصطفاف القوى الداخلية. وبالتالي، ما يمكن أن يحصل هنا هو دور من مجلس الأمن مشابه للدور الذي مورس في اليمن، أي دعم المبادرة العربية، وأي نقل للملف إلى مجلس الأمن سوف يفضي إلى ذلك فقط.

إذن، الوضع الدولي لا يشير إلى إمكانية تدخل عسكري في سوريا. وهو الأمر الذي يجعل كلّ حديث عن مؤامرة هو مسخرة، ويجعل كلّ انطلاق مما كان يخطط له منذ تسعينات القرن العشرين، وجرت محاولة تنفيذه بعد احتلال العراق، سوء فهم ناتجاً من تكلس في النظر، لأنّه لم يلمس التغيّرات التي حدثت بعد الأزمة الإمبريالية، التي هي أعمق مما تبدو على السطح، وستفضي إلى انهيارات أكبر في السنوات القادمة.

لكن هناك تركيا. تركيا التي لا تبدو معنية بالتدخل العسكري رغم اهتمامها الكبير بالوضع السوري، لكون جارتها باتت مدخل «سيطرتها» على المنطقة، وممرها التجاري، وكانت ولا تزال تريد أن ينتهي الصراع دون تحقيق تغيير جذري في السياسة الخارجية والاقتصادية السورية. وتركيا قادرة عسكرياً، وهي المدخل لأي دور يمكن أن يفكّر به حلف الناتو. وبالتالي فهي التي تمتلك قرار الناتو أكثر من أي دولة أخرى. لكنّها تريد سوريا لمصالحها هي وليس لمصالح الرأسماليات الأوروبية. الأمر الذي دفعها إلى الارتباك في التعامل مع الوضع السوري، وربما إلى التفكير في دعم تغيير «يطابق» مصالحها. دون أن يتحقق ذلك عبر التدخل العسكري.

روسيا، كما أشرنا في مقال سابق، لا تريد التنازل عن وضعها «الإستراتيجي» في سوريا، ويبدو أنّ الأزمة الأميركية فرضت أن تعترف تلك الأخيرة بالدور الروسي. ولذلك فإنّ التدخل «الإمبريالي» يتحقق من خلال روسيا، التي يبدو أنّها من يمكن أن يصوغ الوضع، ربما بالتفاهم مع إيران وتركيا، لكي تبقى سوريا في «حلف الممانعة»، لكن بعد تحقيق تغيير «ديموقراطي» داخلي، يسقط السلطة ويبقي النظام.

بمعنى أنّ الوضع الدولي ليس معنياً اليوم بأي تدخل عسكري، وكل توهيم بأنّ الحل هو عبر التدخل الدولي هو تشويش على الانتفاضة، وتأخير في انتصارها. لكن أيضاً كل حديث عن مؤامرة هو دفاع صراح عن سلطة مافياوية نهبت وأفقرت المجتمع، وهي التي كانت تعمل على التكيّف مع الإمبريالية، وباتت تخضع الآن لقرار روسي.

ليس هناك مؤامرة، هناك شعب مفقر، تحكّم به الاستبداد لعقود، يريد أن ينهض ويقرر مصيره.

المصدر: الأخبار

الاقتصادي والسياسي في تحليل الانتفاضات العربية

مثّلت حالة محمد البوعزيزي الصيغة الأقصى لوضع اقتصادي صعب، إذ كان المطلب يتعلق بالعمل، فخرجت التظاهرات تحمل شعار «العمل استحقاق». وفي مصر كانت المطالب التي تصدرت الدعوة إلى إضراب «25 يناير» أكثرها اقتصادي (حد أدنى للأجور، حق العمل، الأرض)، لكن الفضاء الذي وُضع فيه هذا الحراك الهائل هو «الربيع العربي» الذي يهدف إلى تحقيق الحرية.

لا شك في أنّ كل حدث يوضع في سياق، ولقد شهدنا استفحال الدكتاتوريات في كل البلدان العربية بعدما أسست للتداخل بين النهب والعنف والتبعية. وكان الضغط الاستبدادي يدفع إلى نشوء موجة ديموقراطية، ربما بدأت ببطء منذ الثمانينات من القرن العشرين، لكن «الربيع الأوروبي» الذي طاول البلدان الاشتراكية منذ 1989، والذي تمحور حول التحرر والدمقرطة بالأساس، أطلق موجة عالمية ترافقت مع هجوم العولمة، وعممت منطق هذا الربيع باعتبار أنّه «المثال العام» لتحقيق الانتقال من النظم الاستبدادية الشمولية إلى الديموقراطية. وهي الموجة التي تعممت عربياً، خصوصاً في مواجهة نظم شمولية مثل تلك الموجودة في العراق وسوريا وتونس، رغم شمولها بلداناً عديدة أخرى.

بالتالي، كان العقد الأخير هو عقد «النضال الديموقراطي»، رغم تصاعد تغوّل النظم وتحوّلها إلى نظم بوليسية مافياوية. وتشكلت كلّ أشكال الهيئات واللجان والمؤسسات التي تنشط في مجال حقوق الإنسان. وأيضاً توسّع تعميم الأبحاث حول آليات الانتقال إلى الديموقراطية، و«المقاومة اللاعنفية». وكثرت الندوات حول الديموقراطية والحرية، وباتت هذه المسائل هي «الثقافة العامة» التي تنتشر في كل الأرجاء. وهنا كانت النخب «غارقة» في كل هذه الثقافة، وأصبح نشاط الأحزاب يتمحور حولها. حتى اليسار سار بتسارع لكي يردد كل ذلك، كأنّه يكتشف «لغة» جديدة لم يعهدها، ويغوص في طريق ظن أنّها سوف تحقق الحلم الذي حمله عقوداً: أن يمارس السياسة بعلنية وشفافية وسلمية.

ولذلك، حينما انفجرت الانتفاضات، كان طبيعياً أن تضعها هذه النخب في السياق الذي عملت فيه، وبالتالي أن تعتبرها تتويجاً لنضال ديموقراطي طويل، ومن أجل تحقيق هذا الهدف الكبير. ومن هنا كان من الطبيعي أن يُعطى ما يجري اسم «الربيع العربي»، وأن يصبح الهدف الذي فرض انفجار الانتفاضات هو الحرية. فما جرى هو استمرار لسياق صاغته النخب، وها إنّ «الجماهير» تحققه، رغم أنّ النخب لم تثق في لحظة بهذه «الجماهير»، ولم تعتقد بأنّه يمكنها أن تفهم معنى الديموقراطية أو تثور. وهو الأمر الذي جعل مفاجأتها كبيرة بما جرى، إذ فوجئت بانتفاضة هذه «الجماهير»، وكذلك فوجئت بانتصار انتفاضاتها، التي بدا أنّها تفتح أفق الانتقال إلى الديموقراطية. وهنا تأكدت فكرتها بأنّ الحرية هي في أساس كل هذا الانفجار الشعبي.

الإرادة المطلقة للمثقف هي التي تؤسس لهذه الرؤية، إذ يبدو فعل «الجماهير» من نتاج «فكرته المطلقة»، لتبدو هذه «الجماهير» كأنّها تحقق هذه الفكرة. فهي الفكرة السامية إلى حدّ أن تحقيقها يحتاج إلى كل هذه القوة، محمّلة على «أكتاف» من لا يعرفها لأنّه من «العامة».

لكن بغض النظر عن إشكالية النخب، وعن جموحهم نحو ركوب هذه الموجة من أجل الزهو بتحقيق فكرتهم المطلقة (التي لا يبدو أنّها ممكنة التحقق في الوضع الراهن للطبقات الشعبية)، لا بد من تحليل الأساس الذي أفضى إلى انفجار الانتفاضات العربية، وذلك ليس انتقاصاً من ضرورة تحقيق الديموقراطية، أو ربما من أجل بناء نظم ديموقراطية مدنية. فليس من الممكن تأسيس استقرار سياسي دون حل المشكلات التي أفضت إلى هذا الانفجار الكبير.

إذن، هل الأساس هو السياسي أو الاقتصادي؟ ليس السؤال أيديولوجياً، ولا يجوز أن يتخذ هذا المنحى، فالمسألة تتعلق بفهم عمق الأزمة التي أفضت إلى انفجار الانتفاضات من أجل فهم كيفية الوصول إلى بناء دولة ديموقراطية. مثلاً في البلدان الاشتراكية كان الاستلاب السياسي هو الذي يحكم الشعب، وبالتالي كانت الديموقراطية هي الحل الحقيقي لوضعها (رغم أنّ ارتباطها بالترسمل أفضى إلى انهيار اجتماعي كبير). هل الاستلاب السياسي هو الذي يحكم الشعب في البلدان العربية؟
في تلك البلدان كان التطوّر الصناعي، وتعميم التعليم، قد وصلا إلى كل التكوين المجتمعي، وهما ما أسّسا الشعور بالاستلاب. بمعنى أنّ تلك المجتمعات كانت قد حققت نقلة في تطوّرها في ظل الاشتراكية افترضت تحقيق الفردية، وبالتالي الديموقراطية. هل نحن في هذا السياق؟

بالتأكيد لسنا كذلك، لأنّ النمط الاقتصادي الذي تكوّن هو نمط ريعي، خلق حالة نشاط كبير في قطاع ضيّق من الاقتصاد، وهمّش القطاع المنتج، وبالتالي الكتلة الأكبر من المجتمع. ترافق ذلك مع انحدار التعليم وتوسّع الأمية، وغياب السياسة كثقافة، وأيضاً كأحزاب فاعلة. وإذا تلمسنا تحوّلات العقد الأخير نلاحظ «ضعف» الدكتاتورية، وتوسّع النخب التي تخوض الصراع ضدها. وكانت معظم البلدان العربية تشهد سماح نشاط الأحزاب تحت بند تحقيق الديموقراطية، والسماح بحرية الصحافة في مستوى معيّن. وأسهم ضغط العولمة في «انضباط» بعض النظم التابعة في تعاملها «الديموقراطي». حتى نظام كالنظام السوري سار نحو «قوننة» الاستبداد، و«تخفيف» وطأته.

في الوقت ذاته، كان الانهيار الاقتصادي يتصاعد، وعملية التهميش نتيجة تصاعد البطالة وتوسّع الفقر، وتهميش مناطق بأكملها، تصبح هي السمة العامة. وهنا سيكون المؤشّر هو انحدار متسارع كان يجعل كتلة كبيرة من المجتمعات دون مقدرة على العيش. ولهذا كان التحليل الاقتصادي الذي يتناول هذه العملية يوصل إلى أنّ هذه المجتمعات على شفير الانفجار، بينما كان المنطق الليبرالي يظن أنّ الضغط السياسي على النظم سوف يجعلها أكثر ديموقراطية، أو يميل البعض إلى الدفع باتجاه التدخل «الدولي» لتحقيق الدمقرطة.

في هذا الوضع لا بد من أن نتلمس أنّ التحوّل الذي أفضى إلى انفجار الانتفاضات هو طبيعة التكوين الاقتصادي الذي تكوّن بالترابط مع هيمنة الطغم المالية الإمبريالية التي باتت تنشط بالمضاربة وكل أشكال النشاط الريعي، أو القائم على النهب، إذ تهمّشت مجتمعات ونهبت، وجاءت المضاربة على السلع الغذائية سنوات 2007 و2008، ثم الأزمة المالية في 2008 لكي تجعل الاحتقان الذي كان يتصاعد خلال السنوات السابقة يصل إلى حدّ الانفجار. وهو الوضع الذي يجعل العدد الكبير من بلدان العالم مهيّأة لحدوث انفجارات اجتماعية كما نشهد اليوم في جنوب أوروبا، أو حتى في أميركا.

من السهل أن نرى أنّ هدف الانتفاضات هو تحقيق الديموقراطية، لكن ليس من السهل حل مشكلة العاطلين من العمل أو الذين لا يستطيع أجرهم مساعدتهم على العيش، أو تعليم أولادهم، أو حتى طبابتهم. فالانتفاضات يجب أن تؤسس لبناء نظم مدنية ديموقراطية، لكن لن يتحقق ذلك إلا بحل مشكلات الطبقات الشعبية، ومشكلات البطالة والأجر والتعليم والطبابة، وبالتالي إعادة بناء الوضع الاقتصادي بما يجعله يتجاوز طابعة الريعي نحو تحويله إلى اقتصاد منتج.

وبالتالي، فإذا كان الليبراليون يريدون حصر الانتفاضات في حدود تغيير شكل النظم السياسية بتشكيل دولة ديموقراطية، وهذا ما لا يبدو ممكناً في وضع مأساوي لقطاع مجتمعي كبير، فإنّ الحل الحقيقي يشير إلى أنّه ليس من إمكان لبناء دولة مدنية ديموقراطية دون بناء اقتصاد منتج، وتحقيق مطالب الطبقات الشعبية. هنا الفرق بين الفهم السياسوي للانتفاضات والفهم «الاقتصادي» لها. فهذا الأخير يفرض إعادة بناء كلية المجتمع لا تغيير شكل السلطة فقط.

المصدر: الأخبار