Monthly Archives: نوفمبر 2012

الانتفاضات مستمرة

مصر تنتفض من جديد لتقول بأن كل ترتيب لا يغير الوضع سيسقط حتماً، وأن التغيير الشكلي لا قيمة له. فما يجب أن يكون واضحاً هو أن الانتفاضات بدأت فقط، ولن تتوقف قبل تحقيق التغيير الجذري في بنية المجتمعات. لم تخرج الطبقات الشعبية من أجل طرد رئيس أو الإتيان بحكومة “منتخبة” فقط، وليس لتغيير أشكال الحكام فحسب. لم يكن يعنيها كل ذلك أصلاً، وليست مشكلتها مع أفراد. بل خرجت من أجل أن تغيّر “السياسات” التي همشتها وأفقرتها ووضعتها في حالة قمع شديد. أضاعت الوطن والاقتصاد والحريات لمصلحة فئة نهبت ومركزت الثروة بيدها، في ارتباط مع الطغم المالية الإمبريالية.

لهذا، ماذا يفيد إذا استلم المجلس العسكري، أو الإخوان المسلمون، أو المعارضة الليبرالية السلطة إذا استمر النمط الاقتصادي الذي يقوم على مركزة الثروة وينحكم لطابع ريعي، ويتشكل كتمظهر محلي لسيطرة الطغم الإمبريالية، وإذا استمرت الاتفاقات التي توثق ذلك فاعلة؟

في تونس، نصف الذين يحق لهم الانتخاب لم يسجلوا أسماءهم لأنهم لم يشعروا بأن شيئاً تغيّر. وفي مصر، الشعب يعود إلى الميدان ضد العسكر والإخوان. وربما لا تجرى الانتخابات في 28 الشهر الحالي. والذين انتخبوا في تونس، وأعطوا أصواتهم لحركة النهضة سوف يثورون عليها قريباً، لأنها لا تمتلك غير الاستمرار في النمط الاقتصادي الذي تشكل أيام بن علي، وأن تحافظ على الاتفاقات التي وقعها. وقد أعطت الضمانات لذلك.

ما يبدو واضحاً هو أن موضعة البلدان كلها في التكوين العالمي الذي فرضته الرأسمالية لم تعد ممكنة، فالمراكز تنهب وتنهب، وتفرض النظم المنفذة لسياساتها، والتكوين الاقتصادي المحلي الذي يسمح بالنهب. هذا ما فرض تهميش 80 % من السكان هم الطبقات الشعبية، وفتح على تدهور وانهيار الأطراف، وبالتالي ثورتها. لهذا، ليس من حل في الوضعية هذه، وكل حل يجب أن يكون ضدها؛ في الاقتصاد كما في السياسة، وليس من الممكن تحقيق الديمقراطية بدون تجاوزها.

وما تحاوله الرأسمالية المافياوية المسيطرة، وما تحاوله الطغم الإمبريالية، هو إيجاد حل من خلال الوضعية ذاتها، لهذا يجري اللجوء إلى تغيير الأشخاص، وتوهم تحقيق ديمقراطية شكلية ومضبوطة بحيث تعيد إنتاج سيطرتها.

لكن لم يعد لدى الشعوب وقت لكي تنتظر. ليس لديها ترف الانتظار لأنها انتفضت، لأنها لم تعد تستطيع العيش أصلاً. وهذا يجعل كل الحلول الشكلية لا معنى لها، ولا تصمد أمام تصميم الطبقات الشعبية على تحقيق التغيير الجذري.

لهذا، لن تكون هناك مسافة بين انتفاضة وأخرى، ولن يكون هناك تراجع عن ممارسة كل أشكال الاحتجاج من التظاهر إلى الإضراب. فالمطالب “الفئوية” هي مطالب الشعب، وهي المطالب التي فجّرت الانتفاضات، والتي لا هدوء قبل تحققها. فالمطلوب اليوم هو تغيير النمط الاقتصادي والتكوين الطبقي القائم، وإعادة بناء الاقتصاد كاقتصاد منتج، ويخدم الطبقات الشعبية، قبل أن يبتسر الحل في دولة ديمقراطية مدنية. وأصلاً ليس من دولة ديمقراطية في ظل سيادة اقتصاد ريعي وتابع ومنهوب.

للذين ينطلقون من أن الهدف هو الديمقراطية الآن نقول بأن الأمر أبعد من ذلك، فالديمقراطية لا توجد فرص عمل ولا تطعم خبزاً، وأولوية الناس هي هنا. ولهذا فإن تغيير النمط الاقتصادي يسمح وحده بتأسيس دولة ديمقراطية. وللذين اعتبروا بأن ما يجري هو مؤامرة لأن “الإسلاميين” هم الرابح، نقول بأن الإسلاميين هم لحظة عابرة في صيرورة صراع سوف يكنس كل الذين يدافعون عن نمط اقتصادي ريعي وليبرالي.

بالتالي، لابد من فهم الطابع العميق والجذري لهذه الانتفاضات.

المصدر: الغد

روسيا إمبريالية

يبدو أن هناك من مازال يعتقد بأن روسيا مازالت هي الاتحاد السوفياتي، وأن سياستها مبنية انطلاقاً من كونها نظاما اشتراكيا. وهناك من يسميها دولة بازغة رغم أنها تطورت منذ زمن طويل، وأصبحت دولة صناعية حديثة في ظل الاشتراكية.

كلا الموقفين ينطلق مما هو سياسي، أي من طبيعة التوضعات الدولية، فيحاول رفض تسمية إمبريالية وإعطاء اسم بازغة كون روسيا تظهر في “صدام” مع “الثالوث الإمبريالي” (حسب تسمية سمير أمين)، رغم أن “صدامها” هو في الغالب مع أميركا، أو أنها تحاول منافسة أميركا في السياسات العالمية. ليبدو أن العالم ينقسم من جديد بين أميركا والرأسمالية القديمة من جهة، وروسيا/ الصين وبعض البلدان “البازغة” (حسب تسمية سمير أمين) من جهة أخرى.

لكن ما هي طبيعة هذا الانقسام؟ هل هو ذاته الانقسام القديم بين البلدان الإمبريالية والبلدان الاشتراكية؟ لاشك في أن تصدّر روسيا كطرف “مضاد” لأميركا يعطي هذا الإيحاء، لكن فقط حين النظر الشكلي والعابر. وحين اعتبار أميركا والرأسمالية القديمة هي الإمبريالية دون ملاحظة إمكانية نشوء إمبرياليات جديدة. والانطلاق من تكريس هذه “البديهية” كمطلق لا يمكن تجاوزه.
وهل الصراع بين هذه الإمبريالية والدول البازغة هو صراع ضد الإمبريالية أو أنه صراع بين رأسماليات يريد كل منها تكريس سيطرته وحصد الأسواق والهيمنة؟

أولاً يجري تناسي بأن الرأسمالية في تكوينها “الأصلي” هي إمبريالية، حيث أنها حال تسيطر قومياً تنزع مباشرة إلى التوسع العالمي، فليس من الممكن أن تتطور الصناعة وتستقر دون أن تحظى بأسواق كبيرة، وليس من الممكن للرأسمال أن يظل منحصراً في السوق القومي. لهذا سيكون كل صراع بين “رأسمالية ناشئة” (أو بازغة) وأخرى قديمة هو صراع بين إمبرياليات لإعادة تقاسم الأسواق، وإعادة ترتيب السيطرة العالمية.

ليس من رأسمالية ليست إمبريالية، هذه مسألة يجب أن تكون واضحة، حيث حالما تبلور النمط الرأسمالي كنمط عالمي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت الرأسمالية إمبريالية بالضرورة.

فقد تشكل الرأسمال المالي، وأصبح تصدير الرأسمال سمة أساسية فيه، وتشكلت الاحتكارات، وبالتالي أصبح تقاسم العالم هو أساس الصراع بين الرأسماليات. وإذا كان نشوء الاشتراكية، وهزيمة الرأسمالية الألمانية الإيطالية اليابانية، قد فرض تشكل رأسمالية “موحدة” في مواجهة الاشتراكية، ليتأسس التناقض بين الإمبريالية والاشتراكية، فقد أدى انهيار الاشتراكية، وتحوّل كل من روسيا والصين إلى الرأسمالية، إلى إعادة تأسيس عالم منقسم بين رأسماليات بعد أن حاولت الإمبريالية الأميركية فرض سيطرة أحادية على العالم.

روسيا تحوّلت من الاشتراكية إلى الرأسمالية في العقد الأخير من القرن العشرين. وإذا كانت الإمبريالية الأميركية قد عملت على تهميشها، وتحويلها إلى “رأسمالية عالمثالثية”، أي رأسمالية تابعة، وعمل يلتسين على أن تصبح رأسمالية ريعية تعتمد على تصدير النفط، فقد فرض تطورها الصناعي والعلمي الذي تحقق خلال المرحلة الاشتراكية أن تصبح رأسمالية مثل الرأسمالية القديمة (أي رأسمالية صناعية).

لهذا تسعى روسيا إلى أن تجد أسواقاً لصناعاتها (والعسكرية خصوصاً)، وأن توجد مناطق نفوذ وسيطرة. لقد أعيد تشكيل الاقتصاد الروسي في مرحلة بوتين على أساس رأسمالي حديث، وباتت معنية بـ “التوسع” العالمي لكي يتسق تطورها بدل أن تنهار رأسماليتها نتيجة ضيق السوق. لكن يجب التنبه إلى أن هذا التشكل الرأسمالي تحقق في إطار التشابك مع النمط الرأسمالي ككل، فهذا أمر لم يعد ممكناً تجاوزه في التكوين الإمبريالي العالمي، لكن وانطلاقاً منه يجري الصراع من أجل فرض عالم جديد يقوم على تقاسم “منصف” للرأسمالية الروسية. وهذا ما يجري الآن بعد تراجع وضع أميركا بعد الأزمة العميقة التي بدأت سنة 2008، وبالتالي مع انفتاح أفق إعادة صياغة جديدة للعالم لا تقوم على سيطرة أحادية لأميركا.

روسيا منذ انهيار الاشتراكية انحكمت لفئات مافياوية تنزع لفرض النمط الرأسمالي، ولقد باعت “القطاع العام” بأبخس الأثمان لكي تتشكل رأسمالية مافياوية جديدة “من عدم”. ومن ثم مالت هذه الرأسمالية لإعادة صياغة الاقتصاد عبر الدولة التي فرضت إيقاع التطور الرأسمالي الصناعي. وكانت تشعر بالحصار الأميركي لتوسعها العالمي، وبمحاولة منعها من الوصول إلى الأسواق العالمية رغم الليبرالية المفرطة التي فرضتها على روسيا وكل البلدان التي كانت اشتراكية أو “تحررية”.

لهذا كانت أزمة سنة 2008 التي وقعت بها الرأسمالية (والنمط الرأسمالي ككل)، خصوصاً أميركا التي كانت هي القوة المهيمنة في النمط الرأسمالي، هي المدخل لمحاولة فرض دورها العالمي، وفرض مصالحها على الإمبرياليات الأخرى. ومن ثم إعادة صياغة العالم على أساس جديد، يقوم على تقاسم جديد، وربما يفرض تشكّل عالم متعدد الأقطاب، أو عالم منقسم إلى قطبين.

والصين تسير في هذا المسار. فالسلع الصينية غزت العالم في عملية نهب كبيرة جعلتها تمتلك أكبر احتياطي نقدي في العالم، وهي هنا تمارس شكلاً “ميركنتلياً” عبر التجارة، لكنها تعمل من خلال التراكم الرأسمالي المتحقق على شراء الصناعات والشركات في كل بقاع العالم الرأسمالي، وتتحكم بالدولار عبر شراء سندات الخزينة الأميركية. وتتطور عسكرياً، كما تعمل على السيطرة على مناطق في آسيا وأفريقيا. وهي تتشكل رأسمالياً، بالتالي تعمل على فرض سيطرتها ونفوذها في العالم لكي تضمن تصريف بضائعها، والحصول على النفط والمواد الأولية.

هذه ليست دولاً “بازغة”، وليست بلداناً “تحررية” أو “معادية للإمبريالية”، بل هي بلدان إمبريالية تحاول المنافسة من أجل فرض سيطرتها الإمبريالية. وهي لكي تكتمل رأسماليتها يجب أن تصبح إمبريالية، أي أن تسعى إلى السيطرة والنهب والاستحواذ على الأسواق.

بالتالي، ليس علينا أن ننتظر إلى أن تتمكن الرأسمالية من فرض طابعها الإمبريالي لكي نقتنع أنها إمبريالية، هي صيرورة تبدأ بالتنافس مع الإمبريالية المهيمنة، ومن ثم تستغل ضعف هذه الإمبريالية لكي تحاول الإحلال محلها، بالضبط لأن بنيها الرأسمالية يفرض هذه الصيروة. وهذا صراع موضوعي لا يعني تأييد الطرف الذي يسعى للسيطرة لأننا ضد الطرف المسيطر، بل يعني أن نلحظ بأن صراعاً موضوعياً يجري بين رأسماليات يمكن أن يضعف سيطرة هذه أو تلك، وبالتالي يمكن الإفادة من ذلك في تطوير الصراع المحلي ضد الإمبريالية دون أن نقع في فخ الدفاع عن إمبريالية تسعى إلى السيطرة ضد أخرى.
هذا المنظور يكرر الموقف من “دول المحور” (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، حيث إنها كانت دولاً “بازغة”، وفي صراع مع الرأسمالية الاستعمارية. حيث جرى اعتبار أنها “معنا” لأنها تقارع الاستعمار البريطاني الفرنسي، لكنها كانت دولاً إمبريالية تصارع من أجل السيطرة على السوق والمواد الأولية لكي تحقق التطور الأرقى لرأسماليتها. وبالتالي كانت تسعى لاستعمارنا.

وهو منظور كما نلاحظ ينطلق من “السياسي”، أي من رفض الدول الاستعمارية أو الإمبريالية التي سيطرت وتسيطر على بلداننا، وليس من طبيعة تكوين هذه البلدان، وأسباب صراعها مع القوى التي تحتلنا أو تسيطر على مصيرنا. من الاحتلال والسيطرة السياسية وليس من التكوين الاقتصادي الذي يفرض هذه الضرورة للسيطرة والاحتلال.

وهو الأمر الذي يجعلنا نرى المحتل أو المسيطر، والذي نكون ضده، ونرى منافسه لكن على أساس أنه “حليف”، رغم أنه يسعى إلى السيطرة ليحلّ محل سابقه. لهذا نميل إلى تبرير وضع هذه البلدان المنافسة في كلمات منمقة مثل “الدول البازغة” أو الدول المعادية للإمبريالية، وتجاهل أنها دول إمبريالية كذلك، وتريد الإحلال مكان إمبريالية تتداعى، او إزاحتها من أجل السيطرة بدلاً منها.

لقد راهنت “الشعوب” في الشرق على انتصار هتلر لكي تتخلص من الاستعمار البريطاني الفرنسي، لكن هتلر كان يزحف من أجل أن يستعمر وليس من أجل أن يحرر الشعوب. وبعد أن هًزم زحفت أميركا للسيطرة رغم أنها كانت تبدو رمز “التحرر” (على ضوء مبادئ ويلسون المطالبة بحق الشعوب بتقرير مصيرها). والآن تبدو روسيا لبعض “اليساريين” كداعم للتحرر والتطور، وليجري اعتبار أنها حليف “موثوق”، رغم أنها تزحف للسيطرة على الأسواق والمواد الأولية.

والدعوات التي أطلقها بوتين في الفترة الأخيرة تؤكد أنه يكرر دعوات الليبرالية الإمبريالية التي حاولت فرض العولمة عبر التحرير الكامل للأسواق. وحتى علاقات روسيا مع سوريا منذ سنة 1992 توضّح الطابع الرأسمالي الذي يحكمها، حيث أصبحت لا تقوم إلا على أساس رأسمالي.

وهو الأمر الذي يحكم علاقتها مع إيران، حيث تدافع عنها دولياً مقابل الحصول على عقود تجارية.

وربما هناك من مازال يعيش “الوعي” ذاته رغم الرقي الكبير في الفكر والثقافة والعلم، حيث يرى العالم من منظور سياسوي ينطلق من التوضعات التي يتكوّن العالم على أساسها. ولأننا ضد الإمبريالية القديمة لا نرى بأن إمبريالية جديدة تتشكل، وأنها تسعى للسيطرة والهيمنة (مستغلة السمعة الطيبة للاشتراكية)، وأن العالم يسير نحو توضّع جديد يتجاوز الأحادية الأميركية، والهيمنة الشاملة للإمبرياليات القديمة، بتشكّل إمبرياليات جديدة يكون نتيجتها إعادة صياغة العالم، لكن في إطار إمبريالي.

لهذا لا يُدرس التكوين الاقتصادي لروسيا “الجديدة” (وكذلك للصين)، الذي يشير إلى تشكيل نظام رأسمالي على أنقاض الاشتراكية، وأن المافيا التي نهبت “القطاع العام” باتت رأسمالية تريد نهب العالم. وأن قوتها واستقرارها متوقفان على السيطرة على الأسواق، هذه حتمية لا يمكن تجاوزها في إطار التكوين الرأسمالي.

أكرر، بمجرّد البدء في التشكل الرأسمالي لا يمكن أن يكون هذا التشكل إلا تشكلاً إمبريالياً نتيجة طبيعة النمط الرأسمالي ذاته الذي اكتمل منذ أكثر من قرن، وبات يمنع التطور الرأسمالي (في سياق الآليات الرأسمالية)، والذي يفرض أن يكون كل بلد تعمل رأسماليته على التطور قادراً على التوسع والسيطرة. وهذا أمر روسيا بعد أن تطورت في ظل الاشتراكية وتحوّلت إلى الرأسمالية.
روسيا أصبحت إمبريالية، هذا ما يجب أن نلحظه ونؤسس عليه.

المصدر: الجزيرة

«المنطق الفلسطيني» وفهم الثورات العربية


السؤال «الفلسطيني» هو لماذا لا تطرح الثورات شعارات تخص فلسطين؟ أو لماذا لا ترفع العلم الفلسطيني؟ ويصبح ذلك أساس النظر إلى الثورات، وتحديد الموقف منها. ربما هناك سذاجة في الطرح، أو ربما يكون هو المدخل للتشكيك في هذه الثورات، على أساس أن فلسطين هي «المؤشر» على وطنية الثورات، وهي البوصلة التي تعطي «الشرعية» (أو الوطنية) لهذه الثورات.

هذه نرجسية فلسطينية نتجت من «تأليه» الذات، ووضعها في مركز الكون. حيث يجب على كل العرب أن يثبتوا كل يوم أنهم قد حفظوا «النشيد الوطني الفلسطيني»، وأنهم يكررون الألفباء السياسية التي لا بديل منها. لكن هذه النرجسية تُظهر كم أن المنطق الشكلي هو الذي بات يحكم النظر إلى ما يجري. شكلية لا ترى سوى الأعلام التي ترفرف، والشعارات التي تحتل الساحات. وهي تريد أن يصبح علم فلسطين هو الطاغي على الأعلام التي يحملها الشعب خلال ثورته، والتي تخصه في بلده. وأن تكون الشعارات هي ليس من أجل إسقاط النظم، بل من أجل فلسطين فقط.

هل تحمل الثورات همّ فلسطين؟ وهل إن التغيير الذي ستحدثه سينعكس بالضرورة على مسألة فلسطين؟

لم يسعف الثورات أن الشعب التونسي بُعيد رحيل بن علي رفع شعار «الشعب يريد تحرير فلسطين». ولا أسعف الشعب المصري الزحف لتحطيم السفارة الصهيونية. ولا الشعب الليبي الذي قال وهو يدخل طرابلس «جايينك فلسطين». ولا الشعب السوري الذي كرر رفع اللافتات حول فلسطين، ولا الشعار «من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النظام»… وشعارات وأفكار كثيرة تكررت حول فلسطين.

لا ننسى أن العقود الماضية شهدت حملات تضامن كبيرة في العواصم العربية، لكن إلى ماذا قادت؟ فقط التعبير المعنوي عن الوقوف مع الشعب الفلسطيني. وهو أمر لم يفد واقعياً وإنْ أبرز الاهتمام بفلسطين، وهو الأمر الذي كان يغذي النرجسية الفارغة. فماذا يفيد التعاطف في معركة فعلية؟ ربما كان شعور كثير من النخب العربية أن هذا التضامن لا يغيّر شيئاً في الواقع هو الذي دفعها إلى التحوّل الداخلي من أجل تحقيق التغيير، حيث إن دعم فلسطين ينطلق من إسقاط النظم المرتبطة بالإمبريالية، والمتحالفة مع الدولة الصهيونية، أو التي تهادنها وتقيم علاقات سرية معها. وهذه المعادلة صحيحة، لأن الدعم المعنوي لا يفيد كثيراً، وبالتالي يجب العمل على إسقاط النظم التي تدعم الدولة الصهيونية وتمنع تطوير الصراع ضدها. ولأن الصراع ضد الدولة الصهيونية ليس صراعاً فلسطينياً فقط، بل صراع عربي ضدها نتيجة واقع كونها «قاعدة عسكرية» إمبريالية تتلبس مجتمعاً مدنياً، تستهدف السيطرة الإمبريالية على المنطقة، فالمطلوب المواجهة وليس الدعم المعنوي فقط. ففلسطين ليست مشكلة فلسطينية، بل إنها مشكلة عربية بامتياز.

من هذه الزاوية، يمكن أن نلمس المسألة ليس من منظور شكلي يتعلق بعدد الأعلام الفلسطينية التي رُفعت أو الشعارات التي تناولت فلسطين، بل من منظور الصيرورة الواقعية التي تفرض بالضرورة أن يكون كل ميل عربي الى تحقيق التطور الاقتصادي والديموقراطية والوحدة أساساً لتصادم مع الإمبريالية ومع الدولة الصهيونية، التي هي الحارس لبقاء الوضع الراهن، والتي ستعمل على مواجهة كل ميل تحرري وحدوي. وحيث يترسّخ في الوعي الشعبي أن كل عمل من أجل إسقاط النظم، وتجاوز النمط الاقتصادي القائم، هو تصادم مع الذين يكرّسون هذا الواقع، ويعملون على بقاء التخلف والنهب والنظم التابعة.

إن الترابط بين سيطرة النظم المافيوية والمرتبطة بالسيطرة الإمبريالية والخاضعة للمنطق الصهيوني، وبين المطالب البسيطة التي أسست لكل هذا المد الثوري، من البطالة إلى تدني الأجور إلى انهيار التعليم والصحة إلى الاستبداد والقمع، إلى النهب والبذخ الذي تمارسه الفئات الحاكمة. وبالتالي سيبدو واضحاً أن تحقيق هذه المطالب «البسيطة» لن يتم من دون صراع مع الطغم الإمبريالية التي تكرّس هذه النظم، والتي هي نظم طغم مافيوية تسهّل نهب تلك الطغم وهي تمارس نهبها. لهذا يمكن تأكيد أن آفاق الثورات العربية ستفتح ملف فلسطين بقوة، وستفتح ملف السيطرة الإمبريالية، وتؤسس لإعادة بناء المشروع التحرري العربي، بغض النظر عن نتائجها القريبة، والتي هي نتاج ميزان قوى سابق، لكنه غير ثابت لأن القوى التي تسيطر الآن لا تحمل حلولاً لكل المشكلات المجتمعية، الأمر الذي يبقي الثورات مستمرة ومتطورة، وتفرض تحقيق التغيير الجذري. وهو التغيير الذي سيترابط مع المشروع التحرري العربي، ويفتح على تحقيق الاستقلال والوحدة، وتكون فلسطين حاضرة فيه بقوة. فالثورات تفتح على مرحلة جديدة ستعيد قضية فلسطين إلى الطاولة، وستفرض العودة إلى تحقيق المشروع التحرري العربي. فهي ليست ثورات من أجل تغيير أشخاص، بل تغيير نظم بما يعني تغيير النمط الاقتصادي والتكوين السياسي والعلاقات والتحالفات والاصطفافات. إنها بداية نهوض جديد سيغيّر وضع المنطقة خلال العقد الحالي.

أخيراً، ربما يكون كل ما اشرنا اليه هو تحليل لما يمكن أن تنتجه الثورات، لكن من دون أن ننسى الاحساس الشعبي بفلسطين الذي ظهر في حملات التضامن السابقة والذي ظل قائماً، والذي لم يلغه الميل الى تغيير النظم، بل فتح على تحويله إلى فعل.
المصدر: الحياة

المفكر اليساري الفلسطيني سلامة كلية لـ : هناك إعلام يخضع لسياسة إجهاض الثورة من خلال تضخيم من دور الأصوليين

سلامة كلية في سطور

إدريس علوش
< من مواليد مدينة بيرزيت في فلسطين سنة 1955. بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد سنة 1979
< عمل في المقاومة الفلسطينية ثم في اليسار العربي، و لازال ينشط من أجل العمل الماركسي العربي
سجن ثمانية سنوات في السجون السورية كتب في العديد من الصحف والمجلات العربية مثل الطريق اللبنانية والنهج ودراسات عربية والوحدة.

من موقعك النقدي كمناضل يساري،ما الذي يحدث على الأرض ميدانيا في سورية..؟

ما يحدث في سورية هو ثورة شعب ضد سلطة استبدادية تمثل فئات رأسمالية مافياوية نهبت الاقتصاد الوطني طيلة عقود وباتت تتحكم بالسلطة، وتسيطر على جزء مهم من الاقتصاد الوطني (60%)، وهي تتشكل الآن من «عائلة الرئيس» (آل مخلوف وآل الأسد وآل شاليش) وحاشية مستفيدة، وتحالفت مع البرجوازية التجارية. ولقد مركزت الثروة بيدها وفرضت أن يتحول الاقتصاد الى اقتصاد ريعي يقوم على النشاط في قطاعات العقار والخدمات والسياحة والاستيراد والبنوك، وبالتالي اسهمت في تدمير الصناعة والزراعة، وتحويل قطاع كبير من الشعب (ومن الشباب خصوصاً) الى عاطلين عن العمل (النسبة هي 30%). كما فرضت «الَّلبْرَلَة» لكي ينكشف الاقتصاد على منافسة صعبة أطاحت حتى بالصناعة العريقة (النسيج)، وجعلت الأسعار عالمية في وضع يشهد تدني الأجور بشكل كبير (فالحد الأدنى للأجور هو خمس الحد الأدنى الضروري للعيش حسب دراسات السلطة سنة 2010).
لهذا كان من الطبيعي أن يتأثر الشعب المفقر، والفئات الوسطى التي عانت من القمع والاستبداد والسيطرة السلطوية لعقود، بما جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين لكي ينهض في ثورة تطالب بإسقاط السلطة. حيث أن كل الظروف التي تؤجج الاحتقان متوفرة، وهي الأساس الذي يؤسس لفهم كل ما يحدث الآن.
ولقد واجهت السلطة الحراك الأول بالرصاص انطلاقاً من خوفها من أن يقود إلى السيطرة على الشوارع كما جرى في تونس ومصر. وظلت تمارس كل أنواع القمع والقتل ضد كل من يحتج. لكن ذلك أدى إلى توسع الثورة وليس تراجعها، وإن كانت توسعت ببطء، لكنها باتت تشمل كل سورية. وأدى إدخال الجيش للسيطرة على المدن الثائرة الى تحوّل نحو التسلح، الأمر الذي فرض أن يصبح العمل المسلح هو الشكل الأساسي في المواجهة، خصوصاً بعد تراجع أشكال النشاط الشعبي نتيجة تدمير المناطق والمدن الذي مارسته السلطة، والذي أدى الى نزوح مئات الآلاف ونشوء الحاجة إلى توفير احتياجات هؤلاء.
ورغم محاولات السلطة الدفع نحو صراع طائفي إلا أن الشباب المنتفض أفشل كل هذه المحاولات، لأنه لا ينطلق من منظور طائفي بل من منظور إسقاط السلطة نتيجة ما فعلته طيلة عقود. لكن نجحت سياسة السلطة في تخويف الأقليات (وبمساعدة أطراف في المعارضة انطلقت من منظور طائفي، وهي بالأصل موجودة في الخارج ومتحكمة في الإعلام)، وهو الأمر الذي فرض ترددها في المشاركة.
الآن وبعد اشهر عديدة نلمس تطور فعل الثورة، وتوسع سيطرتها على مناطق عديدة،وأيضاً ضعف السلطة وتراجع مقدرتها.

إلى أي حد تنقل وسائل الإعلام المتعددة والمتنوعة والمختلفة حقيقة ما يحدث في سورية من أحداث وتطورات..؟

ليس من دقة في النقل الإعلامي، على العكس من ذلك نجد بأن إعلام السلطة يزوّر ويشوّه الحقائق، ويحاول أن يظهر صوراً ملفقة مبنية على سياسة هدفها تغطية ما يجري على الأرض بعد أن قررت استخدام السلاح لصد الثورة، وارتأت أن عليها تلفيق الصور لوجود «عصابات إرهابية» وسلفيين، وقتل وما الى ذلك من أجل تبرير سياستها الفعلية القائمة على مواجهة الشعب الأعزل بالسلاح. ولهذا كان لديها منذ البداية قسم خاص بـ «التزوير الإعلامي» عبر قصقصة الصور، وتركيبها. ولازالت تكرر التزوير رغم أن المجزرة التي ترتكبها السلطة لم تعد خافية.
في المقابل لم يكن الإعلام «المؤيد للثورة» محايداً، حيث كان يظهر منذ البدء ان الفضائيات (الجزيرة والعربية، وحتى البي بي سي، و فرنسا 24) تريد فرض صورة نمطية على الثورة، لتأكيد أنها ثورة إسلامية اصولية وليست ثورة شعب. ولهذا كانت تركز على الشعارات «الإسلامية»، والمناطق «السنية»، وتعمل على اخفاء كل ما يوضح تهافت هذه الصورة.
فالإعلام هذا ينطلق من منظور أنه يجب أن يظهر بأن الثورات التي حدثت وتحدث هي ثورات إسلامية، في سياق «التحضير الأيديولوجي» لسيطرة الإسلاميين على النظم، كما حدث في تونس ومصر. أو يخضع هذا الإعلام لسياسة تنطلق من ضرورة إجهاض الثورة عبر تطييفها، من خلال التضخيم من دور الأصوليين، والدفع لاستثارة صراع طائفي يحوّل صراع الشعب ضد السلطة الى «حرب أهلية».
لهذا أقول بأن للثورة السورية صورتان، الأولى واقعية هي التي أشرت إليها سابقاً، وهي ثورة الشعب ضد السلطة ومن أجل اسقاطها لتأسيس دولة مدنية ديمقراطية، ولحل مشكلات المفقرين والعاطلين عن العمل، وتحقيق التطور المجتمعي. والثانية هي الصورة الإعلامية التي تظهر الثورة على أنها تمرّد أصوليين يهدفون الى إسقاط سلطة علوية بالتحديد، وفرض نظام «إسلامي أصولي». وهذا الأمر فرض تضخيم من دور الإسلاميين، وتصويرهم هم الثورة، وتحويل ما يجري الى مجزرة تقوم بها السلطة ضد شعب أعزل، وليس ثورة شعبية تريد اقتلاع السلطة، وفي مواجهتها تقوم السلطة بكل هذه المجازر. وكذلك استجداء التدخل الإمبريالي كحل لـ «الأزمة» السورية.
هذه الأمور هي التي يستقبلها كل من يعتمد الإعلام وسيلة معرفة حول الثورة السورية، وهي أمور مضللة لأنها تعكس منظوراً ايديولوجياً اصولياً يعبّر عن رؤيته للثورة، أو عن أوهامه حول الثورة وليس عن الثورة ذاتها. ولهذا وجدنا أنها تتقاطع مع ما يريد إعلام السلطة بثه وتعميمه، وبالتالي نجد أنه خدم السلطة أكثر مما خدم الثورة. حيث شوش عليها لدى قطاعات مجتمعية، الأمر الذي جعلها تتردد في الانخراط في الثورة لأشهر. وشوش عليها لدى الرأي العام العربي والعالمي، خصوصاً لدى القطاعات المجتمعية التي نريدها أن تكون مع الثورة.

هل يمكن اعتبار الحضور الطاغي للتيارات الإسلامية في الحراك الثوري السوري مقدمة نظرية لبناء الدولة الدينية في سورية المستقبل..؟

كما أشرت قبلاً ليس من حضور طاغٍ للإسلاميين في الثورة السورية، هذا فقط تجده في الإعلام الذي يتحيّز لاضهار الثورة كثورة أصولية إسلامية. فوجودهم ضعيف ومحدود، مع ملاحظة أنه ليس الشباب المتدين الذي يشارك في الثورة، وله دور كبير فيها هو مع القوى الأصولية (الإخوان أو السلفيين أو حزب التحرير)، إنه شباب يخوض الصراع لإسقاط السلطة نتيجة وضعه المزري، ومن أجل فتح أفق لظروف أفضل. الثورة هي ثورة شعب، بلا أحزاب سياسية، ولازالت تعتمد على عفوية هذا الشعب وتصميمه على التغيير.
جماعة الإخوان المسلمين تحاول أن تهيمن على مؤسسات المعارضة، وأن تُظهر بأنها قوة كبيرة، وتسعى لكي تجد الطريق الذي يجعلها هي السلطة. لهذا اختارت إستراتيجية تقوم على «فرض» التدخل العسكري الإمبريالي. فقد أسست المجلس الوطني لكي يكون الغطاء الذي يستجلب التدخل، وعملت عبر الإعلام وبعض مريديها في سورية (المتواصلين مع الإعلام) على تمرير شعارات تطالب بالتدخل، إضافة إلى تعميم خطابها الطائفي، وهيمنت أخيراً على المجلس الوطني بعد أن تحكمت في الهيئات التي تنشط في مجال الإغاثة. وحين ظهر بأن الدول الإمبريالية ليست معنية بالتدخل اتبعت إستراتيجية عبر مجموعات مسلحة مرتبطة بها تقوم على احتلال مناطق فقط من أجل أن تقوم السلطة بتدميرها ولكي تنزل أكبر عدد من الشهداء، كل ذلك لكي تستجرّ «عطف» الدول الإمبريالية وتدفعها للتدخل.ولازالت تحاول ذلك لأنها تعرف بأنها لن تصل إلى السلطة دون التدخل الإمبريالي، فوضع سورية ليس وضع مصر أو تونس بحيث تصل إلى السلطة عن طريق الانتخابات، لأنها لن تحصد أغلبية فيها، خصوصاً وأنها شاركت في الجريمة التي تعرضت لها بعض مناطق سورية نهاية سبعينات القرن الماضي إلى سنة 1982، من خلال مشاركتها في تفجير صراع طائفي، ردت عليه السلطة بطائفية مقابلة وبتدمير كبير طال مدينة حماة. وهو الأمر الذي أسس لوعي مضاد لوجودها، وهمّش دورها.
الوضع في سورية بعد سقوط السلطة سيكون أكثر تعقيداً مما كان في تونس أو مصر، حتى في مستوى الخطوات الضرورية لتحقيق المرحلة الانتقالية.

أي دور لقوى اليسار ومكوناته في تفعيل
الثورة السورية..؟

أشرت الى أن الثورة عفوية، أي أنها نشأت عن الاحتقان الاجتماعي الذي فرض تحرّك طبقات اجتماعية دون أن يكون للفعل السياسي دور في ذلك. هذا الأمر يشمل كل أحزاب المعارضة التي لم تتلمس أزمة المجتمع، وبالتالي لم تتوقع هذا الانفجار الاجتماعي الكبير. أكثر من ذلك كانت تشكك في إمكانية أن يثور الشعب.
بالتالي كل أحزاب اليسار لم تكن فاعلة فيها. هناك أحزاب تدعي اليسار مثل الحزب الشيوعي السوري بشقوقه هي جزء من السلطة، ولقد انخرط كثير من الشباب وكادراته في الثورة معلنة الانفصال عنه. وهناك فصيل مال مع الثورة في البداية لكن سرعان مع أصبح يدافع عن السلطة ويشارك فيها (حزب الإرادة الشعبية، الذي كان يسمى وحدة الشيوعيين السوريين)، لكنه فقد كثير من أعضائه الذي التزموا الانخراط في الثورة. وهناك أحزاب اليسار التي هي في المعارضة، والتي أصيبت بصدمة من «تجرؤ» الشعب على الثورة، فارتبك بعضهم، وأيد الثورة بعضهم الآخر. لكن ظل دورها فيها هامشياً ، حيث ظلت تنشط في «السياسة» ولم تنخرط في الثورة كما يجب على حزب يساري أن ينخرط.
لكن ذلك لا يعني عدم مشاركة يساريين في الثورة، على العكس من ذلك هناك يساريين كثير يشاركون منذ البداية، سواء من الكادرات التي تركت الأحزاب الشيوعية، أو من يساريين كانوا خارج الأحزاب، أو من شباب يساري. لكن نشاطهم مبعثر في إطار النشاط العفوي أو ضمن مجموعات تشكلت خلال الثورة لها طابع عملي، أو مدني. ولقد حاول البعض تشكيل مجموعات يسارية لكي توحد نشاط هؤلاء في إطار الثورة، بهدف تطوير شعاراتها وتوضيح أهدافها وتنظيمها بشكل أفضل، مثل تنسيقيات الشيوعيين والكادر الشيوعي في السويداء، ورؤية للتغيير، وأيضاً ائتلاف اليسار السوري الذي أشارك من خلاله.

والمجتمع المدني السوري أي أثر له
على أرض المعركة..؟

لم يكن هناك مجتمع مدني في سورية، كانت هناك اتحادات ونقابات مسيطر عليها من قبل السلطة بشكل شامل. لهذا لم تتحرك هذه الاتحادات والنقابات، حتى للدفاع عن وضع أعضائها المعيشي.
ولما كان الحراك الشعبي هو الأساس فقد بدفع نحو تأسيس هيئات وتجمعات واتحادات تمثل قطاعات مجتمعية، مثل رابطة الكتاب السوريين ورابطة الصحفيين السوريين، ونساء سوريات، وتجمع نبض، وتجمع شمس، والشباب السوري الثائر. وبالتالي فإن الثورة هي التي تفتح الأفق لإعادة صياغة المجتمع المدني.

هل يمكن الحديث عن حل توافقي للحراك الثوري السوري،إذا لم تكن هناك أية إمكانية موضوعية لهذا الحل،ما هو الحل الممكن إذن في ظل تناقضات المرحلة..؟

ليس من حل توافقي، خصوصاً بعد كل هذه الوحشية التي مارستها السلطة. لم يتحرك الشعب إلا حين وصل الى أن التغيير من قبل السلطة ليس ممكناً، بعد انتظار دام عشر سنوات من وعود بشار الأسد. ولهذا انتفض من أجل إسقاط النظام. لهذا لا أرى إمكانية لحل توفيقي، ويجب أن ترحل السلطة الماسكة بالقرار والثروة والأمن الآن. وبالتالي لا بد من أن يكون التغيير أعمق مما حدث في تونس ومصر.
الآن، ما هو ممكن يمكن تحديده في ثلاث احتمالات، هي التالي:
الأول أن يؤدي الصراع الى ضعف متتالٍ للسلطة، ووصولها الى لحظة الشعور بأنها تنهار، الأمر الذي يمكن أن يؤدي الى تفكك فيها يقود إلى حدوث انقلاب يصفي الفئة الحاكمة، ويفتح على مرحلة انتقالية تفرض إعادة بناء الدولة.
الثاني أن يؤدي الصراع الى انهيار القوة الماسكة بالسلطة، وربما يفتح ذلك على فوضى، لكن لا بد من ملاحظة أن الكتلة الأساسية للجيش باتت مهمشة نتيجة الخوف من الانشقاقات، وهي موضوعة في معسكرات دون تواصل أو اجازات، وربما يفتح ذلك على أن يستولي الجيش على السلطة ويفتح كذلك لمرحلة انتقالية مشابهة.
الثالث أن يستمر الصراع بالدموية التي نشاهدها، وتصبح هناك إمكانية لتوافق دولي على حل يفرض على مختلف الأطراف. وهنا يجب أن يتحقق اتوافق بين روسيا وأميركا بالأساس. ويقوم الحل على تحقيق مرحلة انتقالية.
ما يجب أن يكون واضحاً هو أن السلطة باتت ضعيفة، وتعتمد في صراعها على بعض الوحدات العسكرية (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري خصوصاً) وعلى بعض الأجهزة الأمنية (المخابرات الجوية خصوصاً) وعلى الشبيحة الذي تبين أن جزءاً منهم تدرب على يد مدربين إيرانيين. إضافة الى مساعدات عملية من إيران وحزب الله كما ظهر مؤخراً، بعد الاحساس بقرب انهيار السلطة.
والسلطة تراجعت سيطرتها على أراض كثيرة، وباتت تتكبد خسائر كبيرة. وأيضاً هناك حراك بدأ في الساحل الذي كان يشكل «قاعدة السلطة الاجتماعية».
وهذه كلها تشير الى ضعف شديد في قوة السلطة، مقابل تزايد قوة المجموعات المسلحة، واستمرار حراك الشارع. وهو الأمر الذي فرض زيادة دور القوى الداعمة للسلطة من أجل منع انهيارها. لكن لا يبدو أن ذلك سوف ينقذها.

أي مستقبل تستشرفه لسورية الغد..؟

لا شك في أن إسقاط السلطة هي مسألة وقت، رغم أن المرحلة القادمة لن تفضي الى تحقيق التغيير العميق الذي يحقق مطالب الشعب بطبقاته الشعبية. لكن ككل البلدان العربية الأخرى نلمس انفتاح الأفق لمرحلة سوف تفضي بالضرورة الى تحقيق التغيير العميق. فقد تمرّدت الشعوب، ولن تتوقف قبل أن تحقق التغيير الذي يؤسس لتحقيق الاستقرار عبر تحقيق هذه المطالب. وانخرط الشباب في صيرورة النشاط السياسي، وهو الأمر الذي سوف يفرض تجاوز البنى السياسية القديمة وتأسيس قوى تعبّر حقيقة عن مطالب الطبقات الشعبية، وتعمل على تحقيقها.
في سورية الوضع سوف يسير في السياق ذاته، ولا شك في أن تحقيق التغيير الآن والبدء بمرحلة انتقالية سوف يحوّل الصراع من طابعه الدموي الى صراع سياسي حقيقي. لكي تنفتح الطريق لتحقيق مطالب الطبقات الشعبية.

المصدر: الاتحاد الاشتراكي

مشهد الإسلام السياسي من المعارضة إلى السلطة: الخوف من فقاعة

أكثر ما يشغل الآن هو مشهد الإسلام السياسي، حيث ظهر وكأنه هو المستفيد من الثورات العربية من خلال وصوله إلى السلطة في كل من تونس ومصر، وحتى المغرب. فقد نجح في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وأصبح “يحكم” في هذه الدول الثلاث. بالتالي هل نحن مقبلون على سيطرة إسلامية على البلدان العربية؟

هذا هو الهاجس الذي يسكن وعي قطاع كبير من اليساريين والعلمانيين، ويخيف “الأقليات الدينية”، ويُظهر “الغرب” أنه متخوّف منه. ولهذا يزداد التشكك بالثورات ذاتها، ويظهر التردد من دعم التغيير، وتنتشر حالات من اليأس والإحباط في قطاعات عديدة تخاف من سيطرة هؤلاء، وتتخوّف من “حكمهم الطويل” كما تظن. لهذا يظهر الأفق متشحاً بالسواد. فقد حكم الإسلاميون في إيران منذ سنة 1979 إلى الآن، وحكم البشير في السودان منذ سنة 1989 إلى الآن، وحماس حكمت فاستوطنت. وهو الأمر الذي يفضي إلى التأكيد بأن وصول الإسلاميين إلى السلطة يعطي “تأبيدها” لهم.

هذه صورة سوداوية بالتأكيد، وتنطلق من بعض التجارب السابقة، لكنها لا تنطلق من الواقع القائم، ولا من الظروف الموضوعية التي سمحت بوصول هؤلاء إلى السلطة، وبالتالي من فهم مقدرتهم على الحكم أصلاً، أي مقدرتهم على قيادة السلطة والتصرف بـ”راحة” ودون منغصات، في وضع “ثوري” كالذي بدأ منذ 17/ 12/ 2010 في سيدي بوزيد في تونس، وانتشر بسرعة كبيرة إلى مختلف البلدان العربية بشكل أو بآخر. فهل سيتمكنون من الحكم؟ وهل سيستطيعون “إعادة بناء” السلطة لكي يحكمون السيطرة عليها؟

هذه مسائل تحتاج إلى تحليل، وهي في صلب فهم “المشهد الإسلامي”، الذي سيبدو كمشهد كاريكاتوري في فاصل بين ثورتين أو أكثر.

مشهد الإسلام السياسي

لماذا تحقق انتصار الإسلاميين في الانتخابات بعد ثورات عاصفة؟
فالمعروف أن دورهم في الثورات كان هامشياً، حيث لم يكن هناك وجود حقيقي لحركة النهضة في تونس نتيجة القمع الذي تعرضت له خلال حكم زين العابدين بن علي، ولم تقرر جماعة الإخوان المسلمين المشاركة في الثورة إلا بعد أن ظهر كسرها لهيبة السلطة بعد خروج الملايين في مختلف أنحاء مصر، وظلت مشاركتها مترددة حيث فاوضت عمر سليمان في عز الثورة.

ما لا بد من ملاحظته هو أن الإسلام السياسي كان يظهر في العقدين الأخيرين خصوصاً كمعارض للنظم القائمة، وكـ”مقاوم” للدولة الصهيونية والسياسات الأميركية، وهذا ما أعطاه رمزية مهمة، فوسّع من قاعدته، وجعله يبدو قوة المعارضة الوحيدة أو الأساسية. وبالتالي أن يحصد التفاف القوى الأخرى حوله وقبولها كونه “القائد” للصراع ضد النظم. في الوقت الذي كان اليسار بأشكاله القومية والاشتراكية يتراجع، ويتلاشى، ويحمّل مسؤوليات الفشل سواء في “النظم القومية” أو حتى في التجارب الاشتراكية. ويقبل هو دور المعلي من أهمية و”نضالية” وحداثية الإسلاميين.

كما لعب الإسلاميون دوراً في استقطاب قطاعات مجتمعية من خلال أشكال “الاحسان” التي يمارسونها عبر الجمعيات الخيرية، وكان ترابطهم “التاريخي” مع المال النفطي يوفّر لهم دعماً كبيراً كان يستخدم في هذه المجالات. ولهذا بدا أن لهم قاعدة اجتماعية من فئات مفقرة، رغم أن قاعدتهم الأساسية تشكلت من قطاعات تجارية “تقليدية”، ومن نخب من الفئات الوسطى تقليدية المنحى.

هذا وضع جعل لهم رمزية ما، حيث جرى اعتبارهم قوة المعارضة في مختلف البلدان العربية رغم وجود أحزاب أخرى، وأصبحوا محور التحالفات ومركزها. لكنهم حين بدأت الثورات بدو بعيدين عنها، راشد الغنوشي دعم الثورة التونسية من بعيد، والإخوان المصريون رفضوا المشاركة في إضراب 25 يناير/ 2011 الذي كان هو المفجر للثورة، وركّزوا على الإصلاح فقط. لكن بدا، بعيد سقوط كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك، أن من أسقطهم يتحالف مع هؤلاء الإسلاميين، الذين باتوا يعتبرون أنهم هم السلطة من لحظتها. وبدا أن تفاهماً قد تحقق بين “الانقلابيين” (قيادات الجيش) والإسلاميين، وأن إعادة إنتاج السلطة سوف يتحقق عبر دفع هؤلاء الأخيرين إلى واجهة السلطة، لكي يقال بأن المعارضة قد استلمت السلطة بعد الثورة.

في الانتخابات كان الإسلاميون هم القوة المنظمة، والمدعومون من قبل أجهزة السلطة، البيروقراطية والإعلامية والأمنية. وهو ما أوجد شريحة اجتماعية ليست صغيرة تميل إلى انتخابهم تأثراً في هذا “الجو السلطوي” الداعم. لكن الأهم ربما كان غياب الأحزاب القوية التي يمكن أن تشكّل عنصراً منافساً، ومن ثم ميل قطاع مهم من المشاركين في الثورة إلى دعمهم انطلاقاً من “تجريب” خطابهم الذي كان يقول بأنهم يمتلكون حلولاً لمشكلات المجتمع والطبقات الاجتماعية المفقرة. وهذا ما جعل هذا القطاع من الشعب يعتقد بأن عليه تجريب هؤلاء.

كل هذه العناصر لعبت الدور المهم في أن يحصد الإسلاميون العدد الأكبر من أعضاء البرلمان (وانتخابات الرئاسة في مصر). وأن يصبحوا هم السلطة “الجديدة”.

هذا الأمر هو الذي أخاف، وأربك قطاعا كبيرا من اليسار والعلمانيين، والإعلام الغربي، ونثر المخاوف حول “السلطة المطلقة” التي يمكن أن تجعل الإسلاميين يحكمون “إلى الأبد” (حسب الشعار السوري)، ويتكرر المشهد الذي حدث في إيران والسودان. ومن ثم ندخل في “حقبة ظلامية” لعقود جديدة، ربما في شكل أقسى مما شهدناه في العقود السابقة.

هل يستقر حكم الإسلاميين؟

إذا كان الظرف الموضوعي هو فرض أن يصبح الإسلاميون هم السلطة، سواء نتيجة غياب بالبدائل السياسية التي تعبّر عن الشعب، أو نتيجة كل التكتيكات التي اتبعت من أجل أن يكونوا هم “الشكل الجديد” للسلطة. فإن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل يمتلك الإسلاميون حلولاً لمجمل المشكلات التي فجّرت الثورات؟ أو هل يمكن لهم أن يحكموا دون تحقيق المطالب التي كانت في أساس الحراك الشعبي الذي فجّر الثورات؟

ما يبدو واضحاً هو أن الإسلاميين لا يمتلكون برنامجاً يتضمن حلولاً للمشكلات المجتمعية، وإذا كانوا معارضين للنظم السابقة فذلك لم ينتج عن اختلاف عميق معها في كثير من المسائل الجوهرية، وربما كان تخوّف النظم مما كان يشاع عن دعم أميركي لإشراك هؤلاء في السلطة هو الشكل الأبرز للاختلاف الذي كان يظهر بينهم، رغم أن الإسلاميين دعموا الكثير من المواقف والقرارات الاقتصادية والسياسية لها. وإن التدقيق في “الصراعات العملية” يشير إلى ميل “رجال الأعمال الجدد” (أي المافيا المتشكلة حول عائلة الرئيس) إلى السيطرة الشاملة على الاقتصاد المحلي، وبالتالي تدمير كل الفئات الرأسمالية الأخرى أو “هضمها”، الأمر الذي جعل الصراع حتمياً بين الطرفين كون القاعدة الأساسية للإسلاميين كانت من فئات تجارية “تقليدية” (أو حتى مافياوية، مثل شركات توظيف الأموال مثلاً).

فالأساس الاقتصادي الذي يطرحه الإسلاميون ينطلق من حرية التملك، ورفض المصادرة، كما من التركيز على التجارة كون فيها “تسعة أعشار الربح” كما ادعى أبو حامد الغزالي. وليس ذلك غريباً عن منطقهم، حيث تشكّل ما عرف بـ “الإسلام السني” بعيد بدء انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية، وتقوقع المدن التي باتت مراكز تجارية. ومن ثم تشكّل كمعبّر عن هؤلاء. ولقد اتخذ طابعاً محافظاً تأسيساً على ذلك، وتمركز حول “الأحكام الأخلاقية”. هذا ما بدأ مع الإمام أبو حامد الغزالي، ممتداً إلى ابن تيمية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب وتبلور جماعة الإخوان المسلمين.

لهذا وجدنا أن جماعة الإخوان المسلمين تدعم قرارات حسني مبارك فيما يتعلق بإلغاء التأميم وتعميم الخصخصة، وكذلك القرارات التي صدرت بخصوص الأرض وأقرت بإعادة الأرض إلى الإقطاعيين القدامى وتشريد الفلاحين. وما عبرت عنه الجماعة بعد الثورة، وخصوصاً بعد سيطرتها على مجلسي الشعب والشوري، حيث أكد أكثر من مسؤول فيها بأن الجماعة لم تختلف مع حسني مبارك في سياسته الاقتصادية. وأيضاً هذا ما تردد على ألسنة قيادات في حركة النهضة التونسية، حيث جرى القول إن الحركة لم تختلف مع بن علي في سياسته الاقتصادية. ولهذا وجدنا السلطة الجديدة في البلدين، تونس ومصر، تمارس السياسات ذاتها في المجال الاقتصادي، مثل الاعتماد على قروض صندوق النقد الدولي، والسعي لتقديم “تسهيلات” لجلب “الاستثمارات الأجنبية”. وكذلك رفض تحديد حد أدنى للأجور، أو إيجاد مداخل لحل أزمة البطالة، أو التفكير في تحسين التعليم والصحة والبنية التحتية.

كما لم يظهر أنها تعمل على تأسيس دولة ديمقراطية حقيقة، حيث أخذت تمدّ السيطرة على مؤسسات الدولة، وتفرض سطوتها على الإعلام، وتعود لقمع الحراك الشعبي، وتشن هجوماً على الإضرابات تحت حجة رفض “المطالب الفئوية”.

بمعنى أن “السلطة الجديدة” كرّست النمط الاقتصادي الذي تشكل في العقود التالية للناصرية في مصر، وعززت من السياسات الليبرالية في كل من مصر وتونس، وهو ما يمكن أن تفعله أنى نجحت في أن تكون هي “السلطة الجديدة”. لهذا يمكن التأكيد بأنها لا تحمل حلولاً لمشكلات البطالة وتدني الأجر وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، كما لا يمكن ضمان أن تكون ديمقراطية، وأن تؤسس دولة مدنية ديمقراطية كما طالب الشعب في ثوراته، فقد عادت للكلام عن “الخلافة الإسلامية”، وأخذت توحي بضرورة “تطبيق الشريعة”، وتعمم بأن وصولها السلطة هو نتاج تحقق “وعد إلهي” سوف يقود إلى سيطرتها على “ديار المسلمين”.

ما هو هام هنا هو أن “مشروع النهضة” الذي تطرحه لا يحمل حلولاً للمشكلات التي كانت في أساس تفجّر الثورات: البطالة والأجر المتدني، وهي المطالب التي كانت في أساس تفجّر الثورة التونسية، ومن جملة مطالب الثورة المصرية، وكل الثورات العربية. ولا في تأسيس الدولة المدنية التي كانت هي الأخرى مطلباً واضحاً في هذه الثورات. بالتالي هل يمكن أن يلوذ الشعب بالصمت معتبراً أن ثورته قد فشلت أو سرقت، وأنه لم يجنِ سوى وصول الإسلاميين إلى السلطة؟

هذه النقطة تغيب عادة عن البحث، أو يعتبر أن فشل الثورة قد حصل. لكن هل يمكن للذين تمردوا بعد أن اصبحوا عاجزين عن تحمّل الوضع الذي يعيشونه أن يعودوا إلى قبول الوضع ذاته؟

الحراك المستمر يشير إلى أن الأمر مختلف، حيث أنه ليس من الممكن أن يجري التراجع بعد أن أصبح الواقع ذاته لا تسمح بالعيش، وبعد أن امتلك هؤلاء الجرأة وتسيّس قطاع كبير من الشباب الذي كان منكفئاً أو منعزلاً. بمعنى أن سلطة الإسلاميين سوف تكون عرضة لاحتجاجات متتالية كبيرة، ربما تخفت قليلاً لكنها سرعان ما تعود بقوة، وبالتالي أن تكون هي ذاتها سلطة مهزوزة وضعيفة، ربما تحاول أن “تضرب بقوة” لكن دون مقدرة على الحسم، ودون مقدرة على ضبط الوضع الشعبي المتحرك. لهذا ستبقى سلطة ضعيفة وعرضة للانهيار والعجز عن الحكم.

الإسلاميون الآن في تجربة قاسية، هم ليسوا قادرين على الخروج منها منتصرين، لأنهم بالضبط لا يمتلكون الأساس الذي يسمح بذلك، وهو الحلول لمشكلات مجتمعية كبيرة تراكمت طيلة عقود، ولوضع اقتصادي طبقي يفرض تغيير كلية النمط الاقتصادي، في حين أن رؤيتهم الاقتصادية لا تخرج عن تكرار السياسة الاقتصادية الليبرالية الدراجة، والتي كان تطبيقها منذ الانفتاح الاقتصادي الذي قام به أنور السادات في مصر، ومنذ القبول بشروط صندوق النقد الدولي واعتماد الخصخصة والاتكاء على الديون، كان تطبيقها هو الذي فجّر هذه الثورات، بعد أن أوصل الشعب إلى حالة من التهميش شديدة القسوة. لهذا ستكون سلطة “فاشلة”، وستفضي سياساتها إلى عودة الغضب الشعبي. ولن يقف الدين حاجزاً أمام تصاعد هذا الغضب، لأن مقياس الشعب “عملي” وليس روحيا، ويتعلق بالحلول التي تقود إلى تجاوزه وضعه الراهن، الذي بات لا يمتلك ترف التخلي عن النشاط من أجل تجاوزه.

ربما كان على السياسة أن تُفهم الآن أنها من صنع الشعب وليس من صنع النخب التي يمكن أن تتوه خلف تخوفات وتوهمات، وتقديرات ليست مبنية على فهم حقيقي للواقع، ولمعنى أن يثور الشعب. ليس من خوف من سلطة أصولية قوية وطويلة، بل نحن في لحظات تلاشي مشروع الإسلام السياسي

المصدر: صوت العرب

لماذا أخفق اليسار في فهم المسألة السورية؟

لا نزال نصطدم بموقف يسار يدافع عن السلطة في سوريا، ويعتبر أن ما يجري هو مؤامرة. ليست المسألة هنا هي مسألة خطأ عابر، وكذلك ليست نتاج خطأ عاطفي، بل لا بد من التمييز بين من لهم مصلحة مباشرة ومن يأتي موقفهم نتاج خطأ معرفي. وإذا كان هناك “قريبون” لهم مصالح مباشرة فإن الكثير من اليسار العربي والعالمي يتحاكم لخطأ معرفي يشي بطبيعة الوعي الذي يتحكم بهؤلاء.

ورغم أن السلطة تمارس كل الوحشية كعصابة مافيا فإنه لم يطرح السؤال حول طبيعة السلطة السورية، ولا لمس طابعها المافياوي المجرم، وهو ما يشير إلى “غياب الأخلاق” عن هذا اليسار، لتصبح القيم المجرّدة أهم من البشر، وأكثر تأثيراً في تحديد المواقف من ممارسات وحشية تدمّر وتقتل دون رادع.

ربما كان هذا “السقوط الأخلاقي” هو نتاج “توهم أيديولوجي متسام”، ونتاج “تحليق تجريدي” وصل إلى البعد الذي لا يسمح برؤية الواقع والوقائع. لكن ليس من قيمة أخلاقية لمقولة مواجهة الإمبريالية إذا كانت تغطي القتل والتدمير. وليس من تسام أعلى من الدفاع عن وجود البشر، ولا شك أن رفض الإمبريالية نتج عن كونها تسحق البشر، لكن لا يجوز أن يغطي ذلك قتل البشر لأنهم يرفضون سلطة ويريدون تغييرها.

لهذا فإن الدفاع عن سلطة لا تتمتع بأية قيمة أخلاقية، بل تمارس كل ما ينفي الأخلاق، هو سقوط أخلاقي بامتياز قبل أن يكون خطأ معرفيا وخطيئة عملية.

هذا ربما يوضّح المدى الذي وصل إليه الخواء النظري، ولكن أيضاً الهزال العملي. اليسار يشعر بعجزه لهذا يتكئ على بقايا من أوهام الماضي يرى أنها تنهار فيعتبر أن ذلك هو استمرار لـ”مؤامرة إمبريالية”.

الإمبريالية باتت هي “الغول” الذي يخيف الأطفال. هي الجبروت الذي استمر وتماسك وظل قوياً كما يظن هؤلاء. وبالتالي هي كلية القدرة، فتستطيع تحريك الشعوب، وتغيير النظم، والتحكم في مسارات التاريخ. وهي التي تتآمر في كل لحظة، ولسوء الحظ أن مؤامراتها ناجحة دائماً.

هل في ذلك ما هو مادي وعلمي وماركسي؟ ليس في ذلك سوى أوهام نخب ميتة، أو تكاد.

أين تكمن المشكلة في الوضع السوري؟
فقط هو الوضع المركب وليس الوضع البسيط الذي ينجح العقل الصوري في فهمه. هو وضع متداخل ومتعدد المستويات، والعقل الصوري لا يستطيع استيعاب سوى مستوى واحد. ولقد تأسس على أن المستوى السياسي هو هذا المستوى الذي يفعل فيه “عقله”. ولهذا غاب الشعب، لأنه يتخفى خلف المستوى الاقتصادي. فالشعب هو المستوى الاقتصادي، المبتعد عن السياسة كونها السلطة القامعة والمتدخلة والمخيفة. هو المجتمع ناقص الدولة والأحزاب. بالتالي، ولهذا بالتحديد، لا يقع في “دائرة الرؤية” التي تحكم النخب والأحزاب اليسارية هذه.

في مصر وتونس كانت السلطة متطابقة مع الإمبريالية لأنها تابعة فكان الفهم ممكناً: الثورة ضد الإمبريالية، إذن جيدة. في سوريا كانت السلطة في اختلاف (أو في حلف مختلف) مع الإمبريالية، فأصبح الفهم يطال هذا الاختلاف بالتحديد (أي المستوى السياسي)، لهذا فإن الثورة ليست ثورة، بل هي مؤامرة إمبريالية.

طبعاً في تونس ومصر وفي سوريا أيضا لم يجرِ فهم وضع الشعب الذي ثار. لم يدرس الاقتصاد، ولا فهم وضع الطبقات الشعبية، وأيضاً لم تجرِ ملاحظة تراكم الاحتقان. وظل الأمر يتعلق بـ”الإمبريالية/ ضد الإمبريالية”، وليس بصراع الطبقات كما تنطلق الماركسية، وبالتالي من فهم طبيعة الاقتصاد والبنية الطبقية. فهذا أمر سقط من التحليل منذ سقوط الاشتراكية، وتحوّل التحليل المادي الذي ينطلق من الاقتصاد وصراع الطبقات إلى تحليل ينطلق من “البنية الفوقية”، أي من السياسي.

وهو الأمر الذي حوّل مفهوم الإمبريالية إلى مفهوم سياسي يتعلق بالسيطرة والاحتلال والتدخل دون أن تُلحظ كبنية اقتصادية عالمية تؤسس لتكوينات طبقية محلية.

لهذا إذا كانت ماركسية رائجة في الماضي تتسم بـالاقتصادوية فإن هذه “الماركسية” تتسم بسياسوية مفرطة. والسياسة هي الشكل أو السطح، أو ما يُرى في الواقع. لهذا يستطيع المنطق الصوري تلمسه، لكنه لا يستطيع فهم عمقه وآلياته وتاريخيته. وهذه هي سمة المنطق الصوري الذي لا يستطيع تجاوز الشكل إلى الجوهر، كما لا يستطيع فهم الصيرورة لأنه يتلمس الأمور من منظور سكوني، منظور راكد. بالتالي لا تكون حاجة لفهم الوضع العياني من مستواه الاقتصادي إلى المستوى المجتمعي، ومن ثم طبيعة السلطة ومصالحها، وطبيعة وضع الطبقات الشعبية. وكيف تشكّل وإلى ماذا سيؤول.

في سوريا ظهر العقل الأحادي واضحاً وفظاً، فسقط إزاء تعقيد الوضع العياني. وبدل أن يكون يساراً بات في أقصى اليمين. بدل أن يتمثل موقف الشعب تمثّل مصالح الطبقة المسيطرة. لقد ظهر أن هناك “فكرة” مطلقة تحكم كل نظر، وتحدد كل رؤية، وهي التي لها قوة الإله في الفلسفة القديمة.

إنها فكرة الإمبريالية، التي باتت فكرة بالتحديد، أي أنها لم تعد تكويناً واقعياً يخضع للتحوّل والتغيّر. الإمبريالية باتت مجرّدة، وأصبحت سياساتها ما كانت تمارسه خلال العقود الماضية، أو ما كان يشار إلى أنها تمارسه. وبالتالي أصبح يثرى الآخر من منظورها، أي من هو معها ومن هو ضدها. هذا هو أساس المنطق الصوري. وأصبح من هو ضدها ثوريا ويساريا وقوميا ووطنيا (حتى بن لادن في لحظة من اللحظات، وأيضاً الإسلام السياسي).

هنا يجري تجاهل مبدأ جوهري في الجدل المادي، هو جوهر الجدل المادي، إنه الصيرورة التي تؤكد على التغيّر والتحوّل. ومن ثم فهم أن الإمبريالية تكوين متغيّر، الأمر الذي يفرض فهم تكوينها الآن لا أسطرتها وتحويلها إلى جوهر ثابت (وهذا هو جوهر المنطق المثالي الذي يحوّل الأشياء المتغيرة إلى ثابت مطلق).

ولهذا يصبح هناك تصوّر متعالٍ يحكم رؤية الواقع، هو التصوّر حول الإمبريالية. وفي هذا منطق مثالي مفرط، فكرة مسبقة تحكم الواقع. وهذا ما سيبدو واضحاً حين تلمس الواقع الآن، حيث سيبدو النقص المعرفي واضحاً، ويظهر كم أن التصور المسبق هو الذي يحكم الرؤية ويقود إلى موقف غاية في الخطأ.

فالواقع كان يحتاج إلى تحليل شمولي، خاص بسوريا: السلطة والطبقات والاقتصاد. وعالمي يتعلق بطبيعة التكوين الإمبريالي الآن، الآن وليس أمس أو قبل عشر سنوات أو زمن الاشتراكية. وفي الوضعين يظهر النقص المعرفي لدى هذا اليسار (العربي والعالمي)، حيث يتمركز الفهم على الحدث الجاري، ويعالج بشكل صحافي (تقريري) دون محاولة لفهم أساسه وخلفياته. وبالتالي يبقى التصوّر السابق هو الحاكم ما دامت الإمبريالية الأميركية لم تنته بعد، وظل النمط الرأسمالي هو المهيمن. رغم أن التكوين الرأسمالي يشهد تغييراً كبيراً.

ولأن النظام في سوريا كان من ضمن موجة التحرر الوطني “المعادية” للإمبريالية، فيبدو أن اختلافه الراهن مع الإمبريالية، الأميركية خصوصاً، يربط بذلك التاريخ الأسطوري، فتكون السلطة الراهنة هي تلك التي كانت في السابق، والسياسات التي تقوم عليها هي ذاتها.

ورغم أن السلطة السابقة (حكم حافظ الأسد) لم تكن في تناقض مع الإمبريالية، بل ظلت تناور بينها وبين الاتحاد السوفياتي، فقد حدث تحوّل أكبر أثناء حكم بشار الأسد. فلم يلحظ التخلي عن دور الدولة الاقتصادي، وتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي غير منتج، وبالتالي -وبالضرورة- مرتبط بالاقتصاد الرأسمالي، سواء عبر أميركا أو غيرها.

إن تحكّم تصوّر مسبق، ثابت، للعالم فرض ألا تُرى التحوّلات الواقعية، وأن تبقى الأمور كما كانت في عقود سابقة. بالتالي بقيت السياسة الأميركية كما كانت، وظلت مقدرة الإمبريالية الأميركية على تحقيقها كما هي. وبهذا لم يجرِ تلمس معنى أزمة سنة 2008 التي قيل إنها أزمة مالية في حين أنها أزمة عميقة في النمط الرأسمالي ككل.

الأمر الذي جعل أميركا في وضع انكفائي، توضّح في الإستراتيجية الجديدة التي قررت قبل أشهر، والتي أعطت الأولوية لمنطقة الباسفيكي، وقررت العجز عن خوض أكثر من حرب في الآن ذاته، وهي الآن لا تزال تخوض الحرب في أفغانستان. كما أن قبضتها على العالم قد تراخت وباتت تسعى لحماية ذاتها من “التوسع الصيني”.

من هنا لا يمكن أن نبقى نكرر الكلام الذي كان يتردد في العقود السابقة حول “الشرق الأوسط الجديد”، و”الفوضى الخلاقة”، والتدخل العسكري. فهذه كلها باتت من الماضي من المنظور الأميركي، بالضبط لعدم المقدرة على تحقيقها والإفادة منها.

إذن، الإمبريالية تعيش حالة من التضعضع، وهي تعاني من أزمة عميقة مستمرة، وبالتالي تتحوّل موازين القوى لغير مصلحة أميركا وأوروبا. وإذا كانت قد حاولت حل أزمتها عبر التدخل العسكري والسيطرة على العالم، وتحقيق “الشرق الأوسط الجديد” عبر “الفوضى الخلاقة”، فإن حروب أميركا في أفغانستان والعراق أفضت إلى عكس ما أُريد منها، حيث أسهمت في تفجّر الأزمة الرأسمالية وليس في تجاوزها.

مما جعلها، بعد مكابرة، تتراجع وتقبل بحماية ذاتها. الأمر الذي دفعها إلى التراجع عن مواقعها العالمية بهدوء، في كل الأماكن التي لم يعد باستطاعتها الحفاظ عليها. وبدت أنها عاجزة عن خوض الحروب والتدخل.

هذا وضع جديد يفرض رؤية العالم في أفق جديد وليس التشبث بتصور ماضوي. لهذا نجدها تنظر “من بعيد” لما يجري في سوريا، وتكرر مواقف متناقضة، لم تخرج عن التأكيد على تحقيق مرحلة انتقالية عبر الحوار. وهذا يتكرر في تصريحات كثيرة من قبل أوباما وكلينتون وكثير من المسؤولين الأميركيين. دون أن يعني ذلك أنها يمكن أن تلعب بشكل غير مباشر، لكنها لم تعد قادرة على التدخل المباشر.

والنظر السياسوي لم يسمح لهذا اليسار أن يتلمس تحولات التكوين الاقتصادي السوري، وبالتالي التكوين الطبقي الذي تشكّل خلال العقد الأخير خصوصاً. فلم تعد الدولة تمارس الاقتصاد، ولا ظل الاقتصاد السوري اقتصادا منتجا، بل أصبح ريعياً مافياوياً تتحكم فيه فئة هي العائلة الحاكمة (آل مخلوف وآل الأسد وآل شاليش وحواشي مكملة)، ويتسم بالهوة الواسعة بين الأغنى والأفقر، والنسبة العالية للبطالة (30%)، وبين الأجر والحاجة (الفارق بين الحد الأدنى للأجور والحد الضروري هو 1 إلى 5). ومن ثم انهيار التعليم والصحة. إذا لم نكن نريد الإشارة إلى الطابع الشمولي التسلطي للسلطة.

الاقتصاد أصبح ليبرالياً متحكما به من قبل فئة ناهبة. توظّف أموالها في “السوق العالمي”، أي بالترابط مع الرأسمال الإمبريالي، والخليجي. وبالتالي تخضع السوق المحلي لكل تقلبات السوق العالمي، وتعمل على تحويل الأموال المنهوبة إلى “الخارج”.

في عملية هي ذاتها التي تشكلت في البلدان الأخرى التي خضعت للسيطرة الإمبريالية (تونس ومصر والمغرب والأردن..). هنا ليس من اختلاف عن كل بلدان الأطراف التابعة، حتى والسلطة في “تناقض” مع أميركا.

وهو الأمر الذي يفرض تحديد أسباب هذا التناقض وحدوده، وكونه يجري على أرضية الارتباط بالنمط الرأسمالي وليس في التصارع معها كما جرى خلال مرحلة التحرر (الناصرية والبعث). حينها كانت الدولة تعمل على بناء الصناعة وتحديث التعليم وتطوير البنى التحتية، لهذا تصادمت مع الإمبريالية. لكنها الآن عملت على تأسيس الاقتصاد بما يتناغم ويتبع النمط الرأسمالي، لا أن يتناقض معه. بالتالي يكون “التناقض” هو اختلاف مع طرف إمبريالي هو أميركا على سياسات وتصورات وليس اختلافا في البنية ذاتها.

وهو مفهوم نتيجة الاندفاع الأميركي للتغيير السريع والعميق للمنطقة بعد احتلال أفغانستان والعراق لفرض سريع لـ”الشرق الأوسط الجديد”، الذي فشل في سوريا (2005-2007)، فعمل أوباما -وهو يستلم السلطة- على إعادة ترتيب العلاقة لكن بهدوء.

وحين يتعلق الأمر بثورة شعبية نتجت عن التكوين الاقتصادي الذي تشكّل في العقد الأخير، يصبح من الانتهازية المراهنة على خلاف تكتيكي بين السلطة وأميركا بدل الوقوف مع الشعب في الثورة التي يخوضها. هل يفهم اليسار هذه المسألة؟

التناقض في سوريا هو بين طبقات شعبية مفقّرة ورأسمالية مافياوية تسيطر على السلطة، هذا هو جوهر الوضع. وهذا هو التناقض الرئيسي الآن، أي خلال الثورة خصوصاً. وهو في عمقه يفرض تحقيق التغيير الذي يفرض التناقض الحتمي مع الإمبريالية، كل الإمبرياليات وليس الأميركية فقط.

ومن أجل تجاوز الرأسمالية كنمط، وإنْ لم يكن الوضع مهيأ لذلك الآن نتيجة عجز اليسار بالتحديد، وهامشيته وانعزاله عن الطبقات الشعبية. لكن ليس من خيار سوى السير لتحقيق التغيير الجذري.

على أساس ذلك يمكن فهم وتفسير أدوار القوى الإمبريالية والإقليمية، ويمكن تحليل سياسات المعارضة المهمشة والمأزومة، والمتلبرلة. وكذلك يمكن تناول مسار الثورة ومشكلاتها، ونتائج سيادة العفوية فيها. اليسار يعاني من قصور تحليلي، ومن “نخبوية”، ومن مثالية مفرطة. هذا ما أوضحته الثورة السورية بشكل جلي.

المصدر: الجزيرة

هل من حل بغير رحيل السلطة؟

بعد كل هذه الأشهر من الثورة، ومن القتل والتدمير اللذين تمارسهما السلطة، هل يمكن أن يتحقق حل يبقي السلطة في مكانها؟

هذا سؤال يتردد أحياناً من زاوية تمسك بعض الأطراف الدولية، روسيا خصوصاً، ببقاء بشار الأسد. ويتردد أحياناً أخرى نتيجة الشعور بالإرهاق، وانسداد الأفق، ومن أجل إيقاف التدمير والقتل.

روسيا تعود للتأكيد على بقاء الأسد، ويعتبر سيرغي لافروف أن «حمامات الدم» ستستمر «إذا أصرّ شركاؤنا (الغربيون) على موقفهم المطالب برحيل الزعيم الذي لا يحبونه (بشار الأسد)»، بعد أن بحثت في «مرحلة ما بعد الأسد»، والتي يبدو أنها لم تجد بديلاً في السلطة يوافق على التنازلات، السياسية والاقتصادية، التي قدمتها السلطة بعد اندلاع الثورة. فقد حصلت على عقود اقتصادية «هائلة» (كانت معقودة مع تركيا)، وعلى دور أكبر في القاعدة البحرية في طرطوس، وباتت تعتقد أن أي حل ينهي السلطة القائمة سوف يخسرها مصالحها المستجدة، بعد أن كان التطور الليبرالي في سورية منذ بداية القرن الجديد قد أزاحها.

فهل يمكن لحل ينطلق من بقاء بشار الأسد أن ينجح؟

الروس يعتبرون أن «الغرب» هو الذي يصرّ على إزاحة الأسد، ويبدو أنهم لا زالوا لم يفهموا ما يجري في سورية، وأن الذي أصرّ ويصرّ على إزاحة السلطة هو الشعب وليس الدول «الغربية» التي يمكن أن تساوم في أيّ لحظة على بقائها. وبالتالي أن الأمر يتعلق بما قرره الشعب وليس الدول «الغربية»، وهو الأمر الذي يؤسس لفهم أن كل حل يجب أن ينطلق من إزاحة هذه السلطة (الرئيس وحاشيته المافياوية)، على رغم أنه ليس بالضرورة أن يشمل كل «السلطة» (أي كل الدولة). حيث هناك إمكانية وضرورة لمشاركة «داخلية» في التغيير ربما تتحقق عبر انقلاب. فليس من الممكن تجاوز «الاستعصاء» القائم إلا عبر كسر بنية السلطة، بتفكك تكوينها.

وهو الأمر الذي حاول الروس طرحه كبديل في مرحلة سابقة، لكن يبدو أنهم وجدوا أنْ ليس لديهم القوى في السلطة التي تقوم بذلك، خصوصاً أن الدول المؤثرة في بنية السلطة متعددة، من إيران إلى تركيا إلى فرنسا وأميركا. وأنه من دون توافق هذه الدول ليس من مقدرة على تجاوز السلطة الحالية. لهذا يميل الروس إلى «توافق دولي» على أساس «وثيقة جنيف» التي لا تذكر رحيل الرئيس بل تقول بمرحلة انتقالية بتشارك السلطة والمعارضة. على رغم أنهم تراجعوا عن تصريحات كانت تشير إلى عدم تمسكهم بالرئيس.

في كل الأحوال، ليس من حل من دون «إسقاط النظام». فلم نصل إلى أن يخوض الشعب الصراع ضد السلطة بهذه القوة إلا بعد أن حسم أن السلطة لا تصلح من جهة، وأن استمرارها لم يعد مقبولاً لأنه يدمّر الطبقات الشعبية من جهة أخرى. لهذا رفع الشعب شعار، أو هدف، «إسقاط النظام». وبالتالي فهذا هو الحدّ الضروري لتجاوز الوضع القائم، وهو الأمر الذي يمكن أن يقنع بأن ثورة الشعب قد حققت مطلبها. على رغم أن الأمور ستبدو أعقد من ذلك، وهي بالفعل أعقد من ذلك. حيث أن المطلوب هو أكثر من ترحيل رئيس، وإزاحة حاشيته. المطلوب هو تحقيق حلول لمشكلات الشعب، الاقتصادية والسياسية. المطلوب هو إزالة التهميش الذي يطاول ثلاثة أرباع الشعب، وربما أكثر من ذلك. التهميش الاقتصادي، والتهميش السياسي.

لكن موازين القوى الراهنة، وغياب الفعل المنظم في الثورة، وعدم وضوح أهدافها (غير هدف إسقاط النظام)، يفرض أن يتحقق حل ينطلق من كسر بنية السلطة، وفتح أفق لمرحلة انتقالية تهيئ لإعادة السياسة لبنية المجتمع. هذا ربما هو «الحد الأدنى» الآن، والذي ليس من إمكانية لنجاح حل من دونه. وهذا الحل لا يتحقق إلا عبر رحيل السلطة الراهنة.

لهذا أشير إلى أنه إذا كان الروس يعتبون على الدول «الغربية» أنها تتمسك برحيل بشار الأسد، ويلوحون بأن ذلك سوف يبقي «حمامات الدم»، فإن الموقف الروسي المتمسك ببشار الأسد يقود إلى النتيجة ذاتها، أي إلى بقاء «حمامات الدم»، لأن بقاء السلطة هو الذي يفعل ذلك وأكثر. الروس هنا يتحملون المسؤولية «الجنائية» عما يجري، لأنهم يمدون السلطة بالقدرة العسكرية التي تدمر، وبالدعم السياسي الكامل، ليصبحوا كما أميركا تجاه الدولة الصهيونية، الحماة المطلقون لكل الممارسات البشعة للسلطة.

الدول الإمبريالية، وربما بعكس تحليل الروس، لا تريد رحيل الأسد، أو لا يهمها هذا الأمر. وأميركا خصوصاً لا تتمسك بهذا «الشرط» إذا كان الروس يعتبرونه شرطاً، لأنها لا ترى بأن لها مصلحة الآن في التدخل، لهذا تميل إلى «الحلول عبر الحوار». وبالتالي فإن مسألة رحيل السلطة هي النقطة المركزية في صيرورة الثورة، والتي يكون حلها هو مدخل تحقيق التغيير، وتجاوز التدمير والدم، ومن ثم البدء في صيرورة مرحلة الصراع فيها سلمياً في ظل توافق على الدولة المدنية الديموقراطية. ميزان القوى لا يسمح ببقاء السلطة، لكن من دون توقع أن يتحقق انتصار حاسم الآن، بل كما اشرنا لا بد من تفكيك السلطة، وفتح أفق لمرحلة انتقالية. وهذا ما يبدو أن هناك إجماع دولي على رفضه، بالتالي ليس الروس فقط بل أميركا وبعض بلدان أوروبا. هذا إلى الآن على الأقل، على رغم أن شعور هذه الأطراف بعجز السلطة عن الاستمرار في القتل واقتراب سقوطها ربما يدفعها إلى توافق على مرحلة انتقالية مفروضة من الخارج.

في كل الحلول التي يمكن أن تطرح يجب أن يكون واضحاً أن رحيل السلطة هو المدخل. ولا شك في أن الشعب سوف يحاسب كل القتلة وعصابات المافيا التي نهبت وقتلت، وداعميها.

المصدر: الحياة