Monthly Archives: أكتوبر 2012

مشهد الإسلام السياسي من المعارضة إلى السلطة

أكثر ما يشغل الآن هو مشهد الإسلام السياسي، حيث ظهر وكأنه هو المستفيد من الثورات العربية من خلال وصوله إلى السلطة في كل من تونس ومصر، وحتى المغرب. فقد نجح في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وأصبح “يحكم” في هذه الدول الثلاث. بالتالي هل نحن مقبلون على سيطرة إسلامية على البلدان العربية؟

هذا هو الهاجس الذي يسكن وعي قطاع كبير من اليساريين والعلمانيين، ويخيف “الأقليات الدينية”، ويظهر “الغرب” أنه متخوف منه. ولهذا يزداد التشكك بالثورات نفسها، ويظهر التردد من دعم التغيير، وتنتشر حالات من اليأس والإحباط في قطاعات عديدة تخاف من سيطرة هؤلاء، وتتخوف من “حكمهم الطويل” كما تظن. لهذا يظهر الأفق متشحا بالسواد. فقد حكم الإسلاميون في إيران منذ سنة 1979 إلى الآن، وحكم البشير في السودان منذ سنة 1989 إلى الآن، وحماس حكمت فاستوطنت. وهو الأمر الذي يفضي إلى التأكيد بأن وصول الإسلاميين إلى السلطة يعني “تأبيدها” لهم.

هذه صورة سوداوية بالتأكيد، وتنطلق من بعض التجارب السابقة، لكنها لا تنطلق من الواقع القائم، ولا من الظروف الموضوعية التي سمحت بوصول هؤلاء إلى السلطة، وبالتالي من فهم مقدرتهم على الحكم أصلا، أي مقدرتهم على قيادة السلطة والتصرف بـ”راحة” ودون منغصات، في وضع “ثوري” كالذي بدأ منذ 17/12/2010 في سيدي بوزيد في تونس، وانتشر بسرعة كبيرة إلى مختلف البلدان العربية بشكل أو بآخر. فهل سيتمكنون من الحكم؟ وهل سيستطيعون “إعادة بناء” السلطة لكي يحكموا السيطرة عليها؟

هذه مسائل تحتاج إلى تحليل، وهي في صلب فهم “المشهد الإسلامي”، الذي سيبدو مشهدا كاريكاتوريا في فاصل بين ثورتين أو أكثر.

مشهد الإسلام السياسي
لماذا تحقق انتصار الإسلاميين في الانتخابات بعد ثورات عاصفة؟ فالمعروف أن دورهم في الثورات كان هامشيا، حيث لم يكن هناك وجود حقيقي لحركة النهضة في تونس نتيجة القمع الذي تعرضت له أثناء حكم زين العابدين بن علي، ولم تقرر جماعة الإخوان المسلمين المشاركة في الثورة إلا بعد أن ظهر كسرها لهيبة السلطة بعد خروج الملايين في مختلف أنحاء مصر، وظلت مشاركتها مترددة حيث فاوضت عمر سليمان في عز الثورة.

ما لا بد من ملاحظته هو أن الإسلام السياسي كان يظهر في العقدين الأخيرين خاصة معارضا للنظم القائمة، و”مقاوما” للدولة الصهيونية والسياسات الأميركية، وهذا ما أعطاه رمزية مهمة، فوسع من قاعدته، وجعله يبدو قوة المعارضة الوحيدة أو الأساسية. وبالتالي أن يحصد التفاف القوى الأخرى حوله وقبولها كونه “القائد” للصراع ضد النظم. بينما كان اليسار بأشكاله القومية والاشتراكية يتراجع ويتلاشى ويحمل مسؤوليات الفشل سواء في “النظم القومية” أو في التجارب الاشتراكية. ويقبل هو دور المعلي من أهمية و”نضالية” وحداثية الإسلاميين.

كما لعب الإسلاميون دورا في استقطاب قطاعات مجتمعية من خلال أشكال “الإحسان” التي يمارسونها عبر الجمعيات الخيرية، وكان ترابطهم “التاريخي” مع المال النفطي يوفر لهم دعما كبيرا كان يستخدم في هذه المجالات. ولهذا بدا أن لهم قاعدة اجتماعية من فئات مفقرة، رغم أن قاعدتهم الأساسية تشكلت من قطاعات تجارية “تقليدية”، ومن نخب من الفئات الوسطى تقليدية المنحى.

هذا وضع جعل لهم رمزية ما، حيث جرى اعتبارهم قوة المعارضة في مختلف البلدان العربية رغم وجود أحزاب أخرى، وأصبحوا محور التحالفات ومركزها. لكنهم حين بدأت الثورات بدوا بعيدين عنها، راشد الغنوشي دعم الثورة التونسية من بعيد، والإخوان المصريون رفضوا المشاركة في إضراب 25 يناير/كانون الثاني 2011 الذي كان هو المفجر للثورة، وركزوا على الإصلاح فقط.

لكن بدا، بعيد سقوط كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك، أن من أسقطهم يتحالف مع هؤلاء الإسلاميين، الذين باتوا يرون أنهم هم السلطة من لحظتها. وبدا أن تفاهما قد تحقق بين “الانقلابيين” (قيادات الجيش) والإسلاميين، وأن إعادة إنتاج السلطة سوف يتحقق عبر دفع هؤلاء الأخيرين إلى واجهة السلطة، لكي يقال إن المعارضة قد استلمت السلطة بعد الثورة.

في الانتخابات كان الإسلاميون هم القوة المنظمة، والمدعومين من أجهزة السلطة، البيروقراطية والإعلامية والأمنية. وهو ما أوجد شريحة اجتماعية ليست صغيرة تميل إلى انتخابهم تأثرا في هذا “الجو السلطوي” الداعم. لكن الأهم ربما كان غياب الأحزاب القوية التي يمكن أن تشكل عنصرا منافسا، ومن ثم ميل قطاع مهم من المشاركين في الثورة إلى دعمهم انطلاقا من “تجريب” خطابهم الذي كان يقول إنهم يمتلكون حلولا لمشكلات المجتمع والطبقات الاجتماعية المفقرة. وهذا ما جعل هذا القطاع من الشعب يعتقد أن عليه تجريب هؤلاء.

كل هذه العناصر لعبت الدور المهم في أن يحصد الإسلاميون العدد الأكبر من أعضاء البرلمان (وانتخابات الرئاسة في مصر). وأن يصبحوا هم السلطة “الجديدة”.

هذا الأمر هو الذي أخاف وأربك قطاعا كبيرا من اليسار والعلمانيين والإعلام الغربي، ونثر المخاوف حول “السلطة المطلقة” التي يمكن أن تجعل الإسلاميين يحكمون “إلى الأبد” (حسب الشعار السوري)، ويتكرر المشهد الذي حدث في إيران والسودان. ومن ثم ندخل في “حقبة ظلامية” لعقود جديدة، ربما في شكل أقسى مما شهدناه في العقود السابقة.

هل يستقر حكم الإسلاميين؟
إذا كان الظرف الموضوعي هو فرض أن يصبح الإسلاميون هم السلطة، سواء نتيجة غياب بالبدائل السياسية التي تعبّر عن الشعب، أو نتيجة كل التكتيكات التي اتبعت من أجل أن يكونوا هم “الشكل الجديد” للسلطة. فإن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل يمتلك الإسلاميون حلولا لمجمل المشكلات التي فجرت الثورات؟ أو هل يمكن لهم أن يحكموا دون تحقيق المطالب التي كانت في أساس الحراك الشعبي الذي فجر الثورات؟

ما يبدو واضحا هو أن الإسلاميين لا يمتلكون برنامجا يتضمن حلولا للمشكلات المجتمعية، وإذا كانوا معارضين للنظم السابقة فذلك لم ينتج عن اختلاف عميق معها في كثير من المسائل الجوهرية، وربما كان تخوف النظم مما كان يشاع عن دعم أميركي لإشراك هؤلاء في السلطة هو الشكل الأبرز للاختلاف الذي كان يظهر بينهم، رغم أن الإسلاميين دعموا الكثير من المواقف والقرارات الاقتصادية والسياسية لها.

وإن التدقيق في “الصراعات العملية” يشير إلى ميل “رجال الأعمال الجدد” (أي المافيا المتشكلة حول عائلة الرئيس) إلى السيطرة الشاملة على الاقتصاد المحلي، وبالتالي تدمير كل الفئات الرأسمالية الأخرى أو “هضمها”، الأمر الذي جعل الصراع حتميا بين الطرفين كون القاعدة الأساسية للإسلاميين كانت من فئات تجارية “تقليدية” (أو حتى مافياوية، مثل شركات توظيف الأموال مثلاً).

فالأساس الاقتصادي الذي يطرحه الإسلاميون ينطلق من حرية التملك، ورفض المصادرة، كما من التركيز على التجارة إذ فيها “تسعة أعشار الربح” كما ادعى أبو حامد الغزالي. وليس ذلك غريبا عن منطقهم، حيث تشكل ما عرف بـ”الإسلام السني” بعيد بدء انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية، وتقوقع المدن التي باتت مراكز تجارية. ومن ثم تشكل معبّرا عن هؤلاء. ولقد اتخذ طابعا محافظا تأسيسا على ذلك، وتمركز حول “الأحكام الأخلاقية”. هذا ما بدأ مع الإمام أبي حامد الغزالي، ممتدا إلى ابن تيمية، وصولا إلى محمد بن عبد الوهاب وتبلور جماعة الإخوان المسلمين.

لهذا وجدنا أن جماعة الإخوان المسلمين تدعم قرارات حسني مبارك فيما يتعلق بإلغاء التأميم وتعميم الخصخصة، وكذلك القرارات التي صدرت بخصوص الأرض وأقرت بإعادة الأرض إلى الإقطاعيين القدامى وتشريد الفلاحين.

وما عبرت عنه الجماعة بعد الثورة، خصوصا بعد سيطرتها على مجلسي الشعب والشوري، حيث أكد أكثر من مسؤول فيها أن الجماعة لم تختلف مع حسني مبارك في سياسته الاقتصادية. وأيضا هذا ما تردد على ألسنة قيادات في حركة النهضة التونسية، حيث جرى القول إن الحركة لم تختلف مع بن علي في سياسته الاقتصادية.

ولهذا وجدنا السلطة الجديدة في البلدين، تونس ومصر، تمارس السياسات نفسها في المجال الاقتصادي، مثل الاعتماد على قروض صندوق النقد الدولي، والسعي لتقديم “تسهيلات” لجلب “الاستثمارات الأجنبية”. وكذلك رفض تحديد حد أدنى للأجور، أو إيجاد مداخل لحل أزمة البطالة، أو التفكير في تحسين التعليم والصحة والبنية التحتية.

كما لم يظهر أنها تعمل على تأسيس دولة ديمقراطية حقيقية، حيث أخذت تمد السيطرة على مؤسسات الدولة، وتفرض سطوتها على الإعلام، وتعود لقمع الحراك الشعبي، وتشن هجوما على الإضرابات تحت حجة رفض “المطالب الفئوية”.

بمعنى أن “السلطة الجديدة” كرست النمط الاقتصادي الذي تشكل في العقود التالية للناصرية في مصر، وعززت من السياسات الليبرالية في كل من مصر وتونس، وهو ما يمكن أن تفعله أنى نجحت في أن تكون هي “السلطة الجديدة”.

لهذا يمكن التأكيد بأنها لا تحمل حلولا لمشكلات البطالة وتدني الأجر وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، كما لا يمكن ضمان أن تكون ديمقراطية، وأن تؤسس دولة مدنية ديمقراطية كما طالب الشعب في ثوراته، فقد عادت للكلام عن “الخلافة الإسلامية”، وأخذت توحي بضرورة “تطبيق الشريعة”، وتعمم بأن وصولها السلطة هو نتاج تحقق “وعد إلهي” سوف يقود إلى سيطرتها على “ديار المسلمين”.

ما هو هام هنا هو أن “مشروع النهضة” الذي تطرحه لا يحمل حلولا للمشكلات التي كانت في أساس تفجر الثورات: البطالة والأجر المتدني، وهي المطالب التي كانت في أساس تفجر الثورة التونسية، ومن جملة مطالب الثورة المصرية، وكل الثورات العربية. ولا في تأسيس الدولة المدنية التي كانت هي الأخرى مطلبا واضحا في هذه الثورات. بالتالي هل يمكن أن يلوذ الشعب بالصمت معتبرا أن ثورته قد فشلت أو سرقت، وأنه لم يجنِ سوى وصول الإسلاميين إلى السلطة؟

هذه النقطة تغيب عادة عن البحث، أو يعتبر أن فشل الثورة قد حصل. لكن هل يمكن للذين تمردوا بعد أن أصبحوا عاجزين عن تحمل الوضع الذي يعيشونه أن يعودوا إلى قبول الوضع ذاته؟
الحراك المستمر يشير إلى أن الأمر مختلف، حيث إنه ليس من الممكن أن يجري التراجع بعد أن أصبح الواقع نفسه لا تسمح بالعيش، وبعد أن امتلك هؤلاء الجرأة وتسيس قطاع كبير من الشباب الذي كان منكفئا أو منعزلا.

بمعنى أن سلطة الإسلاميين سوف تكون عرضة لاحتجاجات متتالية كبيرة، ربما تخفت قليلا لكنها سرعان ما تعود بقوة، وبالتالي أن تكون هي نفسها سلطة مهزوزة وضعيفة، ربما تحاول أن “تضرب بقوة” لكن دون مقدرة على الحسم، ودون مقدرة على ضبط الوضع الشعبي المتحرك. لهذا ستبقى سلطة ضعيفة وعرضة للانهيار والعجز عن الحكم.

الإسلاميون الآن في تجربة قاسية، هم ليسوا قادرين على الخروج منها منتصرين، لأنهم بالضبط لا يمتلكون الأساس الذي يسمح بذلك، وهو الحلول لمشكلات مجتمعية كبيرة تراكمت طيلة عقود، ولوضع اقتصادي طبقي يفرض تغيير كلية النمط الاقتصادي، في حين أن رؤيتهم الاقتصادية لا تخرج عن تكرار السياسة الاقتصادية الليبرالية الدراجة، التي كان تطبيقها منذ الانفتاح الاقتصادي الذي قام به أنور السادات في مصر، ومنذ القبول بشروط صندوق النقد الدولي واعتماد الخصخصة والاتكاء على الديون، كان تطبيقها هو الذي فجر هذه الثورات، بعد أن أوصل الشعب إلى حالة من التهميش شديدة القسوة.

لهذا ستكون سلطة “فاشلة”، وستفضي سياساتها إلى عودة الغضب الشعبي. ولن يقف الدين حاجزا أمام تصاعد هذا الغضب، لأن مقياس الشعب “عملي” وليس روحيا، ويتعلق بالحلول التي تقود إلى تجاوزه وضعه الراهن، الذي بات لا يمتلك ترف التخلي عن النشاط من أجل تجاوزه.

ربما كان على السياسة أن تفهم الآن أنها من صنع الشعب وليس من صنع النخب التي يمكن أن تتوه خلف تخوفات وتوهمات وتقديرات ليست مبنية على فهم حقيقي للواقع، ولمعنى أن يثور الشعب. ليس من خوف من سلطة أصولية قوية وطويلة، بل نحن في لحظات تلاشي مشروع الإسلام السياسي.
المصدر: الجزيرة

«هدنة العيد» وإدارة «الأزمة» السورية

بعد أن كان الهدف من مهمة الجامعة العربية، ومن ثم من مهمة كوفي أنان، وقف اطلاق النار للبدء بحوار يؤسس لتحقيق مرحلة انتقالية، باتت مهمة الأخضر الإبراهيمي تتمثل في تحقيق «هدنة عيد الأضحى». ربما يختزل ذلك المشهد كله في ما يخص الوضع السوري، لكن من المنظور «الدولي»، أي من منظور الدول الرأسمالية التي «تتدخل» في «الأزمة السورية».

هذه الخلاصة ربما تـوضّح مآل الدور الدولي. وهي ربما تختصر مواقف كل الدول الإمبريالية والإقليـمية. سواء المـوقـف الروسـي الصيني الذي يضع الفيتـو في مجـلـس الأمـن، لكنه يدعـم الســلطة السـورية بكل قوة، خصوصاً روسـيا التي تعـتقد أنها تدافع عن مصالحها، وتظن بأن استمرار السلطة سوف يوفر لها عـقود اقتصادية مجزية، وهـيمنة على ســوريـة. وسـواء المـوقف الإيـراني الذي أفـصـح عن نبرة عالية في الدفـاع عن السلـطة، لـكن أيـضاً عن دعم مادي عسكـري خصوصاً وفق تصريحات متكررة لمـسـؤولين إيرانيين، وهي تعمل على بقاء «حلفها المقاوم» الذي ظهر وكأنه امتد من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشـق. وهـنا نلمـس التمسّك الشـديد بالـسلطة السـوريـة، رغم كل الدمـوية التي تمارسها، ورغم كل الجرائم التي ترتكــبها، والتي ستـطاول نتائجها هؤلاء «الحلفاء».

ربما يعتقد الروس بأن المعركة هنا هي معركة «حياة أو موت»، لكنها في الواقع معركة «موت»، لأنها يمكن أن تكون معركة نهاية الوجود الروسي في سورية، رغم أن باراك أوباما قد صرّح بداية العام بأن «على روسيا أن ترعى مرحلة انتقال في سورية»، وأقرّ بأن سورية هي لروسيا في التقاسم العالمي الذي يجري. ورغم أن الظرف العالمي يقدم لها فرصة كبيرة لكي تعزز وجودها العالمي، ولكي تبقي على وجودها في منطقة كانت في زمن الاتحاد السوفياتي باحتها الخلفية، فإنه يمكن أن يسجل بأنها كانت الأكثر غباءً كإمبريالية تعمل على تعزيز سيطرتها العالمية، حيث لم تفكّر في «امتصاص الأزمة» عبر تغيير يبقي دورها، وربما يعزز هذا الدور، بعد أن كانت الفئة المافياوية الحاكمة في دمشق تعمل على اللحاق بـ «الغرب»، وتفتش عن مداخل لترتيب العلاقة معه.

لكن، كذلك ربما ما يجعل الروس في هذا الوضع «الغبي» طبيعة المواقف العالمية، خصوصاً من البلدان «الغربية»، وبالتحديد هنا أميركا، التي ظهرت وكأنها تنظر من بعيد إلى ما يجري في سورية، وظل موقفها متقلباً ومائعاً، من دون أن يظهر عليها التوتر أو الحسم الذي حكم مواقفها في كل من تونس ومصر. لقد أصرّت وكررت الإصرار على رفض التدخل العسكري، وحتى على تسليح الجيش الحرّ، ولم تتشجّع على الدخول المباشر في «الأزمة السورية»، فهي تنسحب من «الشرق الأوسط» لحماية أميركا من «الخطر الصيني»، لهذا تمحورت أولويتها الجديدة في التركيز على منطقة الباسيفيكي، وضعفها الاقتصادي المستمر جعل قوتها العسكرية تتضعضع فلا تستطيع مسك العالم كما حاولت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، لهذا لم تعد تعتقد بأن بإمكانها أن تكون فاعلة في «الشرق الأوسط»، وأن عليها حماية مصالحها النفطية في الخليج فقط، وبالتالي لم تجد ضرورة في أن تعمل مباشرة، أو حتى بشكل غير مباشر، على إسقاط السلطة السورية. خصوصاً وهي ترى بأن ما أرادته سابقاً حينما حاولت تكرار «تجربة» العراق في سورية دون تدخل عسكري مباشر، والمتمثل في تدمير سورية، وتحقيق التفكيك الطائفي، وتدمير الجيش والدولة، يجري على يد السلطة السورية ذاتها، التي تمارس ما مارسته القوات الأميركية في العراق.

وبالتالي فلتتدمر سورية، وليحدث التفكك الطائفي، ولتورث روسيا بلد لا فائدة فيه. الأمر الذي عنى ألاّ تدعم تدخلاً يسقط السلطة وينهي الصراع، ولا أن تدعم معارضة مسلحة لإسقاط السلطة، ولا أن تشجّع دولاً أخرى لفعل ذلك.

أوروبا غارقة في أزمتها الاقتصادية التي تهدد بانهيار كبير، وربما ثورات في جنوبها، ولهذا فهي عاجزة عن فعل شيء مهم. وتركيا مرتبكة لأنها لم ترد سقوط السلطة، لكن تشنج السلطة فرض القطيعة، دون أن تكون معنية بتدخل عسكري، أو تحالف دولي للتدخل لأنها تريد سورية متحالفة معها هي بالذات في سياق سعيها إلى التحوّل إلى قوة عالمية عبر السيطرة على الشرق. لكنها لا تعرف ماذا تفعل، تقبل بعض الضغوط ومن ثم تتخوّف من التمادي في ذلك لأنها لا تريد فوضى سورية تضرّ بها وبمصالحها.

في هذا الوضع، ليس من موقف دولي لـحل في سورية، بل هناك تنـاقـض بين عـدة مواقـف، أمـيركية أوروبية، وروسية صينية إيرانية، وتركية تحاول التوافق مع روسيا وإيران أكثر مما تريد التوافق مع أميركا. لكن لـيس من نتـيجة إلى الآن. ولهـذا سـتبدو مهمة الإبراهيمي دون أفق، مثل مهمة أنان، وهو الأمر الذي يجعلها مهمة «إدارة أزمة» لا حلاًّ لها. الأمر الذي يجعله يقدّم هذه المقترحات الساذجة ربما كتسلية، أو للقول بأن هناك تحرّكاً ما.

بالتالي ليـس الوضع الدولي في حالة تدخل يسمح بحل «الأزمة»، أو يقود إلى إسقاط السلطة. البلدان الرأسمالية معنية أكثر في استمرار الصراع، وتوسع التدمير والقتل، وحتى الصراع الطائفي. والروس والإيرانيين معنيين باستمرار السلطة حتى وإنْ قاد ذلك إلى كل هذا التدمير والقتل، وحتى الصراع الطائفي. وهذه صورة «مأسوية» بالتأكيد، لكن الأمر لم يكن يتعلق أصلاً بدور دولي في حل «الأزمة»، ولا مساعدة «غربية» لإسقاط السلطة، بل تعلق بقوة إرادة الشعب الذي صمّم على إسقاط السلطة، وحين انطلق يوم 15 آذار لم يتمرّد على السلطة من أجل أن يطلب من الآخرين إسقاط السلطة، فقد كتب «الشعب يريد إسقاط النظام» بالتحديد.

ورقم كل العنف والتدمير و «القوة» التي تمارسها السلطة فقد بات واضحاً انها تضعف بتسارع، وأنها باتت غير قادرة على «ضبط الأمن» في كثير من مناطق سورية، وأن الثورة تتقدم رغم كل ما يحيطها.
المصدر: الحياة

المفكر السوري سلامة كيله يتحدث عن الثورة واستبداد بشار: التحرر من الفساد والقمع لا يعني التبعية للغرب.. ولابد من تطوير الثورة

السعودية وقطر دعمتا النظام ضد الثورة في البداية.. وانقلبتا عليه لاستغلالها عندما فشل في قمعها
الحديث عن ثورة سلمية يمكن أن يخلخل نظاما لا يهدمه .. وأنا مع الثورة بكل أشكالها ضد النظام الاستبدادي
الثورة في سوريا مستمرة وستنجح.. والتدخل العسكري سيؤدي لوصول الإسلاميين للحكم.. وإن وصلوا سينبطحون للكيان الصهيوني
سلامة: السعودية مولت جهاديين غير سوريين لافتعال صراع طائفي.. ومرسي يعادي الأسد لتحقيق الخلافة الإسلامية
كيلة: لا يمكن أن أتحالف مع قطر والسعودية وكلاهما نظام مافيوي برجوازي رجعي متخلف… ولا توجد قوة ستدخل “لوجه الله”
النظام السوري باع كل شيء لقطر وجعل منها زعيمة الممانعة في2007 وحمد لديه قصر على جبل بسوريا
الإسلاميون جروا النظام لأعمال تخريبية لاستجداء العالم.. والمعارضة الخارجية ليس لديها رافد شعبي

حوار- مدحت صفوت:

يعد المفكر سلامة كيلة “1955” من أهم المفكرين السورين الرافضين لاستمرار بشار الأسد في حكم سوريا، ولقى جراء ذلك أن تم اعتقاله في أبريل الماضي، قبل أن يخرج من سوريا ليقيم ما بين الأردن ومصر. وفي زيارته الأخيرة لمصر التقت جريدة البداية به، ودار هذا الحوار:

مؤخرًا، أشرت إلى ما أسميته “بالإمبريالية الروسية”، وهو ما أثار حفيظة الكثيرين، ماذا تقصد بالإمبريالة أولا؟ وهل البنية الاقتصادية الروسية بنية استعمارية؟
يبدو في السنوات الماضية، بعد انهيار الاشتراكية قد انمحى، نتيجة الهروب من اليسار والماركسية، تم تجاهل الكثير من المصطلحات؛ فضلا عن الفهم الذي رسخت له الماركسية السوفيتية، حيث بدا المفهوم سياسيًا، “التدخل السياسي والاحتلال”، وليس نمطًا لبنية اقتصادية قبل كل شيء، الرأسمالية بطبيعتها إمبرالية، تقوم على الهيمنة وتمركز رأس المال واحتكار اﻷسواق، والسيطرة وبالتالي نهب اﻷطراف.
ما جرى في روسيا بعد الانهيار، هو قطع مع الدولة والملكية العامة لمصلحة مافيا نهبت الاقتصاد الروسي، وتشكلت مع بوتين قوى انتاج رأسمالية. ومن هذا المنظور تسعى روسيا إلى التوسع، وتنافس في السوق العالمي، ويجعلها تمارس الممارسات الإمبريالية، وكان آخر اقتراح لبوتين في اجتماع منطقة المحيط الهادئ، هو اقتراح أوباما وبوش الخاص بتحرير اﻷسواق.
روسيا تحاول أن تفتح أسواقًا تروج فيها سلعها، ومن ثم روسيا مثل أمريكا وألمانيا، دولة رأسمالية، تسيطر عليها طغم مالية، وهي في تنافس واضح مع الإمبريالية اﻷمريكية.

المنتج اﻷول في روسيا “الغاز الطبيعي” ومن بعده السلاح.. أين هو التنافس في تصدير مواد خام؟ كما أن تجارة السلاح ليست بحجم تصدير الطاقة مثلا.
تجارة السلاح تحتاج إلى أسواق ومناطق نفوذ، لكن أيضًا السلع اﻷخرى لا تنتشر إلا في مناطق النفوذ، وبالسيطرة على اﻷسواق، وهذا ما يفعله بوتين “إيجاد مناطق نفوذ” لكي تصبح السلع قادرة على المنافسة.

وهل الفترة التي قضاها بوتين كافية للتحول من النظام الاشتراكي والملكية العامة إلى النظام الرأسمالي؟
طبعا، ﻷن روسيا في إطار الاشتراكية تطورت تطورُا مذهلا، فهناك تطور علمي كبير، وهناك أساس اقتصادي متين، تم ترسيخه في روسيا الاشتراكية، التي اهتمت ببناء الدولة وسحق الإنسان، ومن ثم خلفت فوارقًا طبيقية، تفرض شكلها الرأسمالي، ولهذا فهو إمبريالي. فكل تطور رأسمالي يقود إلى تشكل إمبريالي، بمجرد بناء صناعة ستندفع تلقائيًا نحو الإمبريالية، وهذا هو تحليل ماركس باﻷساس، وطوره بعده لينين، في كتابه الذي ترجم بالخطأ”الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” والصواب هو”أحدث مراحل الرأسمالية”، أي الجديدة، وروسيا اﻵن تفعل ما كانت تفعله ألمانيا، بداية القرن العشرين، بعدما أن تخلفت عن أوروبا صناعيا بدأت في غزو العالم للسيطرة، رغم أن الحزب النازي كان يسمى بالحزب الاشتراكي، لكنه كان يعبر عن أزمة الرأسمالية في وقتها، والتي تمر بمثلها روسيا فضعف أمريكا هو ما دفع روسيا للتقدم.

في حديثك تجنبت ذكر الصين.. فهل الصين بعيدة عن الصراع الرأسمالي العالمي؟ وهل هي إمبريالية كحليفتها روسيا؟
الصين حتى اﻵن مرحلة وسط، شكل إمبريالي ساذج، ينطلق من تصدير السلع اعتمادًا على رخصها لا يميل إلى الهيمنة العسكرية، ولم تصل بعد إلى مرحلة تحتاج إلى التوسع الخارجي، فالاقتصاد الصيني لم يتشكل بشكل رأسمالي واضح، فمعظم السلع تنتجها جهات ذات ملكية عامة، وكما أن البيان الشيوعي قال الرأسمالية ستدك سور الصين عبر السلع الرخيصة، فالصين تفعل ذلك اﻵن، فهي تصنع سلع بمستويات مختلفة،وهو نزوع إمبريالي.
لكن الصين تتحالف مع روسيا.. فكيف تتحالف مع دولة إمبريالية؟
اﻵن تشكل مع روسيا تحالفا مع بعض الدول التي تحاول أن تتطور رأسماليًا مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، لتكوين محورًا رأسماليا جديدًا يواجه الرأسمالية الغربية ومحورها القديم أمريكا وأوروبا واليابان. وبالتالي هي تتهيأ لتطور إمبريالي، بينما روسيا أصبحت إمبريالية بالمعنى المتكامل الداخلي والخارجي. فالصين لا زالت داخليًا لم تصبح إمبريالية ولم تؤسس تحالفات عالمية تسمح لها بذلك.

في كتاب “اليسار السوري الراهن” أخذت على القوى اليسارية تحالفها مع حزب البعث ما أدى إلى وأد ثورة اشتراكية في سوريا، مما أدى إلى “برجزة” المجتمع السوري، على حد قولك. لكنك تقف اﻵن في صف نظم عربية رجعية كالسعودية وقطر.. وفي صف الإمبريالية أمريكا والغرب.
بداية البعث والناصرية كان أكثر تقدمية من اﻷحزاب والقوى اليسارية اﻷخرى سواء على صعيد اﻷحزاب الشيوعية أو اﻷحزاب الاشتراكية اﻷخرى. ولم تكن هذه اﻷحزاب تمتلك رؤية وأساليب واضحة لتحقيق الثورة الاشتراكية، لذلك حين انتصر البعث وجدت أن البعث متطور جدًا عنها، وفعلا البعث متطور عن اﻷحزاب الشيوعية التي سبقته، ﻷن اﻷحزاب الشيوعية كانت تفكر بتطور رأسمالي، ﻷنها كانت تطالب بمطالب اقتصادية من ناحية ومن ناحية تناضل نحو الديموقراطية، لكن البعث تحرك نحو حل مشكلات واقعية في المجتمع السوري كالإصلاح الزراعي والتعليم وتحديث الصناعة وتحقيق حد أدنى للأجور وضمان اجتماعي وصحي. لذلك صفق الشيوعيون المصريون لناصر وهم في السجون ﻷنه حقق أكثر مما كانون يحلمون به. وهو ما دعاهم إلى الغرق المطلق في دعم نظم شمولية، ولا يزالوا يدعمونها في يسوريا.
وبالنسبة لتحالفك مع قطر والسعودية؟
بالنسبة للتحالف مع قطر والسعودية، أعتقد أن واحدًا مثلي يخوض المعارك ضد الإسلاميين، والذين يتهمونني كانوا باﻷمس يتحالفون معهم، وكان نقدي عليهم أنهم يلتحقون بالإسلامييين ويضيعون طابع اليسار ويضخمون من قدرات الإسلاميين، فلا يمكن لي اﻵن أن أتحالف معها ﻷني أعرف قدرات القوى الإسلاميةـ وأعرف أنها تمثل شكلا لتحالف مافيا برجوازية رجعية متخلفة، وهي ليس لديها خيارات إلا الحل الإسلامي الشمولي الذي يعمم الشمولية إلى ما هو فردي وخاص، ويلهي الناس بما هو أخلاقي ليبعدهم عن فهم مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية. ليس من الممكن أن أكون مع قطر أو السعودية، فرأيي لم يختلف فيها لا قبل أو اﻵن، فهي نظم تابعة ملحقة مافيوية نهبت وتنهب وتمارس التخلف والتخليف في المنطقة العربية، كتبت في الماضي وأكتب وسأكتب في ذلك السياق.
إذن كيف يمكن الخروج من ثنائية أم أنك مع المستبد أو أنك في صف الرجعية؟
هذه إشكالية لها علاقة في عقل قطاع كبير من اليسار السوري، وكذلك العقل التقليدي فإما معنا أو ضدنا، ولا توجد مساحات بين”المع أو الضد”، واليسار السوري والعربي بكامله لم يصل إلى مستوى الفكر الأوروبي الحديث الذي طرح قضايا العقلانية. وظل يقيس بذاته ودون أن يرى اﻵخر، ورأى اﻵخر من منظور الذات.وهذا إشكال منهجي فكري، وهو الذي حكم الفكر الماركسي العربي، وتسبب في الكوارث التي اشرت إليها في كتابي “اليسار السوري”.
هذا المنطق اﻷحادي الذي جعل كل من يرفض النظام السوري حليفًا للسعودية وقطر، ولكن في الإطار المنطقي ليس بالضرورة أن أكون في صف الرجعية، فأي ظاهرة ستجد من يحاربها من اليمين ومن اليسار. وليس من الضرورة أن يتحالف اليمين مع اليسار ضدها. والمشكلة تكمن في العقل الذي تبلور على الماركسية السوفيتية والذي كان يقول بمفهوم الحلقة المركزية، جعل إمكانية التحالف بين القوى المتخلفة والقوى المتقدمة ممكنًا. وهو ما تمت ممارسته في الماضي، عبر التحالف مع الإسلاميين، وهذا ما أرفضه أصلا، المنطق والممارسة، وان اتفقت مع الإسلاميين أنسق معهم ولا أتحالف. وطبعا جرى أتهامي في اﻷردن مثلا، لكن من يتابع على ما أكتبه يجدني أركز على فضح السياسات السعودية في المنطقة، فهي ليست مع الثورة ولم تكن معها وليست معها اﻵن.

كيف يكون ذلك؟
السعودية تعاني من وضع اقتصادي مأزوم، يهيأ لانفجار اجتماعي، وتملقها الرعب منذ ثورة مصر وتونس، ومن بعدها اليمن والبحرين وسوريا. وهي اﻵن تعمل على اجهاذ الثورة السورية، لذلك كانت هناك مصالحة بين بشار وملك السعودية في قمة الكويت، والسعودية والإمارات قدمتا دعما ماليا لمدة ستة أشهر بعد انطلاق الثورة في سوريا، ودعمته ليسحق الثورة، وحين أدركت عجز النظام توجهت السعودية لدعم القوى الأصولية، وفي أكتوبر 2011بدى بالدفع لصبغ الثورة بالطابع الإسلامي وخضعت لذلك قناتا الجزيرة والعربية.
وبدأوا بدعم السلفيين والإخوان ماليا واتجهوا في عسكرة الثورة بطريقة غير عقلانية، والإسلاميون قادرون على تشكيل قوات مسلحة، لكن الإسلاميين ليسوا قوة على اﻷرض، وهم مجموعات صغيرة، وبالتالي توصلت السعودية إلى دعم إسلامي سوريا بسلفيين من الخارج “جهاديين”، فبدأت تضغط على اﻷردن وتركيا لإدخال مجموعات سلفية من المغرب العربي، وكان هدفها افتعال صراع طائفي، وتم تدريب هؤلاء الجهادين وتثقيفهم بالسعودية، وحين ينتهي الصراع مع النظانم سيتحول الصراع مع الشعب السوري، وهو ما حدث في العراق.
إذن سوريا في خطر بهذا الشكل وبهذا التصور؟
نعم، ففي العراق ذهب الزرقاوي وخرب المقاومة العراقية، والشعب السوري يعرف ذلك والسوريون متحسسون من مسألة الاحتلال، وقد قام بعض السوريين بتهديد هؤلاء الجهادين وقتل لبعضهم، خصوصا بعضهم تحرش بعض القرى المسيحية والعلوية.ومن هذا المنظور أنا لست خائفًا على سوريا، فالسوريون سيلفظ الجهادين. وبشكل واضح السعودية في خلافها مع النظام يمكن أن يحل بأشكال مختلفة ومن ثم تقف ضد الثورة.

لكن هناك رؤية تقول ثمة مشروع قطري لتصدير الغاز الطبيعي لأوروبا عبر سوريا. وبالتالي تخوض قطر معركة ضد بشار؟
النظام السوري هو الذي باع لقطر كل شيء، وقبل الثورة السورية، من مناطق للسيطرة الاقتصادية ومشاريع، وحمد له قصر على قمة جبل، والنظام السوري جعل من قطر زعيمة الممانعة العربية في2007، وكانت العلاقة وثيقة مع قطر، التي ليست في حاجة لتغيير النظام لتأخذ.

إذن لماذا تقف قطر ضد بشار؟
قطر تعمل ضمن منظورين، اﻷول عالمي بإعتبارها جزءًا من المنظومة اﻷمريكية، التي تريد تغيير النظم. ومن منظور آخر:التي تحمل به مشروع اسلمة المنطقة، وتسعى إلى تعميم اﻷسلمة لوصول الإخوان إلى السلطة في سوريا كما حدث في مصر وتونس. ولكنهم فشلوا في ليبيا وبالضرورة سيفشلون في سوريا إلا عبر خيار واحد، هو خيار التدخل العسكري الخارجي الإمبريالي، وهو ما فهمه الإخوان، لهذا أسسوا المجلس الوطني لتبرير استدعاء التدخل الخارجي للوصول إلى السلطة، وليس من خيار آخر. ومن ثم تقوم القوى الإسلامية بعمليات تخريب على اﻷرض، حيث تقوم القوات التابعة للإسلاميين بارتكارب عمليات تدميرية أو جر السلطة لعمل تدميري لتظهر السلطة بشكل وحشي تستجدي تدخل العالم، وحين أدركوا أن العالم غير معني بدأوا يزيدون لكي يستجدوا أكثر. وهم يعرفون أنه ليس لديهم خيار لا بانتخابات أو بتغير السلطة، وهو ما يجعلهم يقومون بالأعمال التخريبة داخل سوريا يجب أن يكشف ويواجه.

إذن أنت ضد التدخل العسكري الخارجي.. بكافة أشكاله: عربي أو غير عربي.
بالتأكيد، أنا لا أعتقد أن قوى ستدخل “لوجه الله” ففي ليبيا هناك مصالح، وفي سوريا لا توجد مصالح، بالتالي لا يمكن أن أجيء لبلدي بقوة تنهبي وتدمر، كما حدث في العراق الذي بقي مدمرًا.بجانب أن القوى الإمبريالية تعمل على تخلفي وتخليفي وبالتالي كيف أراهن عليها في تخليصي من نظام، حتى لو كان وحشيًا؟

ولماذا تنادي بعض اﻷطراف غير الإسلامية بالتدخل العسكري الخارجي؟
فهذا الإشكال له علاقة بجو عام في المعارضة السورية، فأثناء ضربات النظام القوية في الثمانينيات، أصيبت المعارضة بحالة عجز شامل، والعاجز يريد آخر يقوم مقامه، فهو يريد إسقاط السلطة وهو عاجز، فيستدعي آخرا وينصبه ملكا على البلاد. وهذه القوى غير قادرة على تقديم شيئًا للثورة، وبعض أطرافها يقوم بتأخير الثورة ويتحمل مع النظام مسئولية الدم.

وهل أنت مع الثورة المسلحة؟
أنا مع الثورة بكل أشكالها، لم أكن أعتقد أن الثورة يجب أن تكون سلمية بالمطلق، حتى خين شاركت بالثورة المصرية كنت أضحك من شعار “سلمية”، فالسلمية يمكن أن تهز نظامًا أن تخلخله، لكن لا يمكن أن تسقطه، وتبقي الطبقة المسيطرة قادرة على المناورة لكي تبقى في السلطة، وهذا ما جرى؛ حيث عمل المجلس العسكري على الضحك على العالم بإدعاء انتمائه للثورة وأشرك الإسلاميين ولم يغير شيئًا. وطبيعي أن تصبح الثورة في سوريا مسلحة لكن نقدي هو أن الشكل المسلح لم ينظم كفاية ولم يرتب بطريقة تكون فعاليته أقوى وليس لديه استراتيجية لاسقاط النظام.

إذن كيف تقرأ موقف فاتح جاموس وهيثم مناع ومبادرات “التغييرالسلمي”؟
من الأساس اتخذ جاموس موقفا سلبيا من الثورة ﻷنه ارتعب من انتفاضة الشعب وظل متشككا في الثورة، ولم ير شيئًا في الواقع وتعلق بأوهام وسار خلفها. أيضًا هيثم مناع في السياق نفسه. وحين تشكلت هيئة التنسيق، ومناع عضو أساسي فيها، بنيت تصورها مع المعارضة الخارجي على خطأ في فهم الواقع. والمعارضة الخارجية ليس لديها رافد شعبي، وهي عاجزة، وهيئة التنسيق اعتقدت أن السلطة يمكن أن تقبل تنازلات. ومناع اعتقد في لحظة أنه يمكن أن يكون زعيما للثورة فسقط في الكثير من المغالطات، وهي مشكلة الكثيرين من نخب سوريا.

كيف ستكون العلاقات السورية مع الدولة الصهيونية في حالة سقوط بشار اﻷسد ونظامه؟
أولا يجب أن نوصف الوضع جيدًا في العلاقات بين سوريا والدولة الصهيونية، فمنذ أن أتى بشار إلى السلطة وقد جرت صياغة الوضع لتغيير الموقف السوري تجاه أمريكا وإسرائيل، والعمل على تغيير إلى خطاب إلى خطاب مسالم، وقد جرت عدة مهمات لعقد حوارات مع إسرائيلين منذ 2003، ثم حوار تالي في تركيا. وكان هناك تواصل بين النظام السوري وإسرائيل بخاصة بعد 2005ومقتل رفيق الحريري. وكان مطروحا أن يسحب النظام سلاح حزب الله وكان يفاوض أمريكا على ذلك، لكن أمريكا كانت ترفض ﻷنها تعمل في مصلحة انقلاب داخلي الذي فشل في 2006 بعد دعم ساركوزي الذي سرب معلومة الانقلاب.
وكان يحاول أن يستغل حماس، رغم أنه أول من استقبل “أبو مازن” وكرسه رئيسا، ثم عزز من وجود حماس بدمشق لتكون ورقة في يديه، ومصلحة المافيا الحاكمة في سوريا هو الانخراط في الرأسمال العالمي، وبعد الاختلاف مع أمريكا نخرطت المافيا السورية مع الرأسمال الخليجي، فرامي مخلوف ظل شريكًا في مشروعات خليجية، حتى وضع اسمه في قائمة المصادرات وقام بنقل استثماراته لتركيا والتشابك مع المافيا الروسية والأوكرانية.وجوهر المصالح هو الترابط بين القوى الرأسمالية لا الوقوف في صف المقاومة.

إذن ما هي شكل العلاقة بعد بشار؟
هذا سيعتمد على القوى التي ستصل إلى السلطة، فالقوى الإسلامية والغربية مستلبة وخانعة للغرب وبالتالي ستكون العلاقة أسوأ من نظام بشار. لكن لحسن الحظ أنها لن تصل إلى السلطة..

إن لم يصل الإسلاميون أو الليبراليون للحكم فمن سيحكم سوريا ؟
النظام سيكون خليطًا بخاصة إذا حدث انقلاب من دخل النظام، وستمر البلاد بعدم استقرار فترة، والخليط لن يكون مع أمريكا، وستكون العلاقة مع الدولة الصهيونية كما هي عليها اﻵن، على الرغم من عدم وجود رؤية لدى كافة اﻷحزاب في مسألة التحرير والشأن الخارجي.

كيف تفسر موقف ميشيل عون والبطرس بشارة الراعي، ورغم محاصرة الجيش السوري من قبل لعون ومع ذلك يساند النظام السوري؟
الراعي يعبر عن قطاع من المسيحيين الخائفين من الحكم الإسلامي، وثمة حالة رعب من السلطة الإسلامية ومن صراع طائفي جديد، ومن ثم يتخوفون من هذا السيناريو. وهم مخطئون.فالنظام أرسل متفجرات عبر ميشل سماحة كانت تستهدف قتل الراعي لخلق حالة فوضى في لبنان. بالنسبة لميشل عون، فهو من كان يقف وراء القرار 1559 الذي أبعد الجيش السوري عن لبنان، لكنه اعتبر بعد انسحاب سوريا وجود شكل آخر في العلاقة مع سوريا.

السلطة المصرية لديها خطابات متباينة شكلا تجاه الأزمة فيسوريا..
المشكلة في مصر، هناك مستوى الإخوان الذي أصبح الرئيس منها، الذي يدعم الإخوان في سوريا لإقامة الخلافة الإسلامية، اﻷمر المضحك الوهمي، الذي يعتقد مرسي في تنفيذه بوعد إلهي قرر في “البيت اﻷبيض”، وهو ما دفع مرسي لدخول في صراع مع النظام السوري. أما المستوى الثاني فهو خاص بالدبلوماسية المصرية التي يصعب على مرسي تغييرها منذ اللحظة اﻷولى.وواضح أنه غير ممكن إرسال قوات عربية أو لعب دور جدي، وبالتالي ترك اﻷمور مع وجود خطاب إعلامي، باستثناء السعودية ودورها المشار إليه.

وهل مصر قادرة على لعب دور تجاه اﻷزمة السورية؟
إلى اﻵن لا، ﻷن الوضع في مصر لم يستقر، فالإخوان غير قادرين على تشكيل دولة قوية، والاعتقاد في ذلك وهم، فمطالب الثورة لم تتحق وبالتالي الثورة ستستمر، حتى تحقيق المطالب الاجتماعية والاقتصادية والدولة المدنية، ودون ذلك الإطار ستبقى السلطة ضعيفة، ووضع مرسي والإخوان سيهتز ويصبحون غير قادرين على الحكم.

نصل إلى السؤال الصعب: أشرتَ إلى انقلاب داخلي، فما هو الحل للخروج من اﻷزمة من السورية؟
ليس صعبًا، فالحل يكمن في تطوير الثورة، وتنظيم العمل الشعبي، وتشكيل قيادة موحدة داخل سوريا. وهي خطوة يمكن أن تحدث على مدى بعيد، أو أن يحدث انقلاب داخلي يقود سوريا في مرحلة انتقالية
المصدر: البداية

المفكر الفلسطيني سلامة كيلة: الربيع العربي لن يتحول إلى خريف

سلامة كيلة مفكر فلسطيني يحمل الجنسية الأردنية، ويعيش في دمشق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لكنه طرد منها بسبب مساندته لثورة الشعب السوري . من مؤلفاته: »الثورة ومشكلات التنظيم«، »حول الأيديولوجية والتنظيم«، »نقد الماركسية الرائجة«، »عصر الإمبراطورية الجديد«، وهو من مواليد بير زيت في فلسطين عام 1955 وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية في جامعة بغداد عام 1979 هنا حوار معه .

ماذا عن ملامح مشروعك الفكري؟

أحاول أن أفهم واقعي انطلاقاً من طريقة تفكير جديدة تتجاوز المنطق الصوري الذي هو منطق موروث من العصور الوسطى، متحكم في الوعي العام . من هذا المنطلق رأيت أنني مواطن عربي عليه أن يؤسس مشروعاً يتعلق بالطبقات الشعبية في كل الوطن العربي، لكي يتحقق التطور الذي فشل عصر النهضة في تحقيقه، والقائم على الانتقال إلى بناء مجتمع مدني حديث وصناعي ومنتج، يؤسس لانتصار قيم العدالة والتحرير والاشتراكية، وهذا ما حاولت أن أعمل عليه على المستوى الفكري في السنوات الماضية .

كيف تفسر فشل الأحزاب اليسارية في الخروج من أزماتها التي تعانيها؟

فشلت هذه الأحزاب لأنها لم تستطع تحقيق القطيعة المعرفية مع منطق القرون الوسطى، ولهذا لم تستطع رؤية الواقع وبلورة استراتيجيتها على أسس لم يكن الواقع قابلاً لها، لهذا لم تعبر عن الطبقات التي كانت تدعي أنها تعبر عنها أي العمال والفلاحين، بل ظلت تعبر عن طموحات تحررية مدنية لفئات وسطى في وضع كان الصراع الطبقي يتفاقم ويدفع باتجاه تحقيق تغيير جذري، يحل مشكلات المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية، كما كان يبدو نهاية الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لهذا الغياب لدورها حدث التغيير بشكل قسري عبر الجيش، وبالتالي كان يحل المشكلات التي تحدث من قبل الفئات الوسطى القديمة من الريف ولكنها تطمح إلى أن تصبح هي الرأسمالية الجديدة .

ما النجاحات والإخفاقات التي حققتها ثورات الربيع العربي حتى الآن؟

لن أتكلم عن نجاحات وإخفاقات، ولكن أتكلم عن صيرورة بدأت يوم 17 ديسمبر/كانون الأول ،2010 في تونس، وهي مستمرة وستبقى مستمرة إلى حين تحقيق المطالب الأساسية التي بني عليها روح هذا التحرك منذئذٍ، وبالتالي إذا كانت هذه الثورات لم تصل حتى الآن في بعض البلدان التي قيل إنها انتصرت فيها إلى تحقيق الأهداف التي تتعلق بتغيير النمط الاقتصادي وتأسيس دول مدنية ديمقراطية، والدفع باتجاه تطور حقيقي في المجتمع في إطار القطيعة مع السيطرة الإمبريالية، فإن ذلك يعود إلى غياب الأحزاب السياسية التي تحمل هذا المشروع وتتفاعل مع الشعب الثائر لكي تحققها معه .

ولكن المهم والإيجابي الآن هو أن الشعب لم يعد يخاف من نظم استبدادية حكمت طويلا بالعنف، ولذلك بدأ تمرده وسوف يستمر فيه، ومن ثم فإن هذا الانفجار الكبير قد دفع بكتل كبيرة من الشباب الذي كان بعيداً من السياسة إلى أن يخوض معمعة السياسة من أوسع أبوابها، أي من باب الثورة وهو الأمر الذي سوف يدفع بأن نشهد صياغة شاملة لكل المشهد السياسي، ومن ثم التحضير لتغيير عميق يطال كل المنطقة .

الملاحظ أن هناك انزياحاً من جانب ثورات الربيع العربي وذهابها إلى أنظمة حكم إسلامية، لماذا؟

هذه الثورات عفوية، بمعنى أنها كانت انفجاراً شعبياً هائلاً نتج عن الإفقار والتهميش الذي فرضه النمط الليبرالي الريعي الذي انتصر في العقود الأخيرة، وبالتالي كانت هذه الثورات من دون قوى سياسية حقيقية تستطيع أن تلعب دوراً ريادياً في توجيهات وتحديد الاستراتيجيات الضرورية لانتصارها، ولهذا وجدنا أن الثورات تؤدي إلى زعزعة النظم، ومن ثم سعت الطبقة الرأسمالية المسيطرة إلى محاولة امتصاص هذا الانفجار عبر تقديم تنازلات سياسية، ومن ثم العمل على إعادة ترتيب بنية السلطة في شكل جديد، يظهر أن من كان في المعارضة قد أصبح في السلطة في السنوات الماضية مع انهيار النظم الاشتراكية والمشروع التحرري، وكان يظهر وكأن الإسلاميين هم الذين أصبحوا المعارضة التي تصارع الدولة الصهيونية والإمبريالية الأمريكية، لهذا ظهروا كقوة محلية وهو الأمر الذي أوجد هذا الظرف الموضوعي لكي يجري الترتيب، بأن يكونوا هم جزءاً من »الدولة الجديدة«، حيث إنهم وهم يظهرون كقوة معارضة محلية للنظم التي كانت قائمة وكقوة صراع مع الإمبريالية، كانوا يتبنون المشروع الاقتصادي ذاته الذي تفرضه الطبقة المسيطرة، لذلك أكد هؤلاء في تونس ومصر مثلاً أنهم لم يخلقوا هم النمط الاقتصادي الذي فرضه مبارك وبن علي، ومازالوا مستمرين في السياسة الاقتصادية التي تقوم على الاستدانة والسعي لجلب الاستثمارات الخارجية التي لا تنشط إلا في الاقتصاد الريعي، أي في مجال العقارات والسياحة والبنوك والاستيراد والتجارة الداخلية، أي بعيداً من كل اقتصاد منتج .

لكن النموذج الإسلامي نجح في تحقيق مشروع النهضة في كل من ماليزيا وتركيا؟

ليست تركيا أو ماليزيا نموذجاً إسلامياً، ماليزيا نجح فيها النموذج الذي كان يعتمد أفكار اليسار الذي بنى ماليزيا، وبالتالي حينما أصبحت هناك أسلمة لهذا الحزب كانت ماليزيا قد بنيت وتطورت، وبالتالي ليس النموذج الإسلامي هو الذي بنى ماليزيا، وفي تركيا يختلف الأمر حيث إن تركيا تطورت في مرحلة سيطرة العسكر في إطار الدولة العلمانية، ومن ثم كان رفض أوروبا لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سبباً في ميل قطاعات مجتمعية كبيرة إلى دعم قوى ترتبط بالشرق، وهذا ما جعل حزب أربكان في المرحلة الأولى يحصل على نسبة كبيرة في البرلمان، لكن علمنة الدولة منعت استمراره، والآن حزب أردوغان لم يعد حزباً إسلامياً، لأن أول ما فعله هو القطيعة مع فكر الإخوان المسلمين الذي كان يتبناه أربكان واعتمد العلمانية كرؤية، وبالتالي هو حزب علماني ذو خلفية ثقافية إسلامية مثل الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا، وبالتالي فإن تجربته مختلفة جذريا لأنه أصبح يعبر عن شرائح اجتماعية حديثة وليس عن شرائح اجتماعية تقليدية، كما يعبر الإخوان المسلمون، ولهذا كان يدعم التطور الصناعي في تركيا على عكس السياسات الاقتصادية للإخوان المسلمين القائمة على التركيز على التجارة .

ما حدث في تركيا هو توافق بين البرجوازية التركية التي تريد تطوير الصناعة لكي تصبح تركيا قوة عالمية، وهذا التيار الذي يريد ذلك هو تيار أردوغان، ولهذا هو يسير في طريق تطور آخر مختلف لا تستطيعه القوى الإسلامية القائمة عندنا .

شبه الكاتب الإسباني خوان جويتسلو هذه الثورات العربية بأنها »خريف البطريرك« وليس ربيعاً ما رأيك؟

لا أوافق على هذا الكلام، لأن هذا يعني أن جويتسلو لم يفهم الواقع العربي وما يحدث في الوطن العربي، وأنا لا أوافق على مصطلح الربيع العربي، لأنه ارتبط بالصراع الذي كان يجري في أوروبا الشرقية وروسيا من أجل الديمقراطية وضد النظم الاشتراكية، لهذا أدى إلى تحقيق الديمقراطية، ولكن مع انهيار كبير في الوضع المعيشي للناس، نحن في العالم العربي لا نعيش فقط من أجل الديمقراطية والحرية رغم أهميتها الكبرى، ولكننا شعوب تشعر بالحاجة إلى تحقيق تفردها وأحلامها وتغيير النمط الاقتصادي الذي همش نسبة كبيرة من الشعب وأفقرها، ومن ثم أصبح ضرورياً أن تكون هناك ثورة من أجل تغيير الاقتصاد والسلطة والوعي المجتمعي، لهذا فإن ما جرى هو اندفاع هذه الجماهير من أجل تحقيق مستقبل حقيقي، وهذا ليس خريفاً ولكن بداية ثورة كبيرة سوف تؤدي إلى تغيير جذري خلال السنوات العشر المقبلة، وتعيد صياغة التكوين المجتمعي في كل الوطن العربي .

برأيك هل هناك إقصاء للمثقفين العرب في هذه الثورات؟

ليس هناك إقصاء متعمد، ولكن للأسف أن المثقفين العرب هم الذين أقصوا ذاتهم من الأساس، وهناك استثناءات عديدة لا أريد أن أذكرها، لكن في الإطار العام كان المثقف يعيش أوهاماً هي بعيدة عن مجمل مشكلات الشعب والمجتمعات، وكان في صدام أو توافق مع النظم، لكن في إطار هذا الشكل المحدد بعيداً عن رؤية كلية للمجتمع، وهذا الأمر هو الذي جعله يفاجأ بالثورات ويدخل في شيزوفرنيا أوهامه الذاتية تجاهها، لهذا وجدنا الانهيار الكبير للمثقفين الذين دافعوا عن النظم القائمة بحجة الخوف من الإسلاميين، وبحجة أن ما يجري هو مؤامرة إمبريالية، ولهذا أقول إنهم لم يستطيعوا التقاط روح الشعب وفشلوا في الإمساك بلحظة انفجاره.

المصدر: الخليج

كيلة: التدخل ( الوهابي ) ضار ومسيء للثورة كالإيراني والروسي

أورينت نت- القاهرة: فرحان مطر

في هذا الحوار الخاص يطرح المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، وجهة نظر مثيرة للجدل انطلاقاً من خلفية يسارية ماركسية تتحسس من كل ما هو (ديني) أو (جهادي) على ما يبدو. ولعل الكلام الذي أدلى به للزميل فرحان مطر مراسل (اورينت نت) في القاهرة، لا يخرج في بعض جوانبه عن حالة الإسلاموفوبيا التي تعصف بكثير من الرؤى والأفكار.. والتي يهمنا أن نطرحها للنقاش دون أي تدخل أو حجب أو مصادرة.. مع تسجيل تحفظ ممزوج بالاحترام للسيد سلامة كيلة الذي وقف موقفاً مشرفاً مع الثورة السورية، سيجل له أياً كان حجم الاختلاف معه . (أورينت نت).

– نص الحوار
– كيف ينظر المفكر سلامة كيلة إلى مسألة الزمن في الثورة السورية حتى الآن؟!..
* نحن في ثورة، والثورات عادة لا تحدد بزمن، ربما ما حدث في تونس ومصر قد أوحى بإمكانية إسقاط الأنظمة بشكل سريع, وهذا له علاقة بالظروف الخاصة بكلا البلدين، أما في سوريا هناك ثورة لها من الزمن سنة وثمانية أشهر، تطورت وتوسعت إلى حد كبير الآن وأحدثت هزة كبيرة في بنية السلطة وبالتالي حينما نبحث عن الآفاق الممكنة يجب أن نلحظ موازين القوى المتشكلة الآن على الأرض حيث أن توسع الثورة ودخول العمل العسكري إضافة للعمل الشعبي، رغم كل ما يمكن أن يقال عن إشكالية العمل العسكري أدى إلى أن تفقد السلطة قدرتها على السيطرة على مناطق كثيرة من سوريا وهذا ضعف أساسي يمكن لمسه في تفكك بنى السلطة ذاتها الذي – ربما – لا يبدو ظاهراً بشكل واضح حيث سنلمس أن القوى الأساسية من الجيش هي مجمدة تقريباً لأن النظام لم يعد يثق بأن الجيش يمكن أن ينفذ أوامره وحينما يرسل وحدة عسكرية يضطر أن يرسل عدد من الشبيحة والأمن لكي يضبط تنفيذها الأوامر ولكي يمنع إمكانية الإنشقاق ولذلك فقد أصبحت عبئاً عليه وباتت محيدة في معظمها مقطوعة الاتصال هذا عنصر مهم وكبير أبقى السلطة محدودة القوة رغم كل العنف وهي محصورة في قطعات أساسية تعتقد السلطة أنها موثوقة الارتباط بالتالي هذه القوة أيضاً بعد أشهر من الثورة جرى استهلاك طاقتها بشكل أو بآخر وباتت في وضع صعب.
من هنا نلمس أن السلطة تعتمد على عدد محدد من القوى العسكرية الرسمية وهي الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري إضافة إلى المخابرات الجوية التي باتت هي المركز الاساسي في الفاعلية في إطار الصراع ضد الثورة هذا الوضع يؤشر إلى أن بنى السلطة ذاتها بعد أشهر العجز عن سحق الثورة وعلى عكس ذلك صارت تتطور ومع ظهور إرباكات القوى المتحكمة في السلطة في مواجهة هذه الثورة بدا وكأن البنى الأساسية في السلطة سواء في المستوى السياسي أو العسكري أو الأمني أصبحت في وضع المقتنع أن السلطة انتهت وأن عليه أن يختار خياراً وبالتالي بات اختراق أو تفاعل قطاعات من هذه الأجهزة مع الثورة قائماً وكبيراً وهو الأمر الذي جعل السلطة تنحصر في هذه البنية الضيقة التي تعيشها والتي بدت هي تشك في كل هذه البنى القائمة من هذا المنظور يجب أن نلمس أن السلطة الآن ضعيفة اعتمدت على قوى مرتبطة انطلاقاً من البيئة ولن أقول طائفية بهذه السلطة في منطقة الساحل، ولكن الساحل الآن بدأ يتحرك وهذا مهم لأن اندفاع الساحل لأن يشارك بالثورة سوف يجعل السلطات المتحكمة بالسلطة تفقد القوى التي تعتمد عليها بالقمع والتخويف والسلطة التي عملت منذ البداية على تخويف الساحل والأقليات الدينية من ثورة إسلامية سنية كانت تهدف إلى إبقاء هذا التماسك الذي يجعلها قادرة على القمع والسحق، الآن نحن في لحظة يمكن أن ينتهي هذا التماسك وأن يصبح تفكك السلطة ممكناً وقائماً.
من هذا المنظور أعتقد أن الأمور وصلت إلى لحظة أصبحت إمكانية الكسر والتغيير أعلى ، طبعاً هناك مشكلات في الثورة جعلت إمكانية أن تتقدم الثورة لكي تصل إلى السلطة ليست كبيرة حيث نجد العفوية وبساطة التجربة لدى هؤلاء الشباب الثوري المناضل الذي ضحى ويضحي بشكل جدي وكبير الأمر الذي جعل الثورة تبدو كأنها تتعامل بردود فعل تجاه السلطة ولا تنطلق من استراتيجية واضحة وبالتالي ليس لها قيادة حتى على صعيد المجموعات المسلحة نلمس الطابع المناطقي السائد فيها وغياب الرؤى العسكرية والخبرات العسكرية التي تجعل فاعلية هؤلاء الشباب أعلى وأكبر في ضرب المفاصل الأساسية في السلطة وبالتالي تسريع انهيارها.
وأيضاً في المستوى الشعبي أصبح هناك إشكال يتعلق بالميل للعمل العسكري وتجاهل العمل الشعبي رغم أن الأساس يبقى هو نشاط الشعب المدعوم عسكرياً لأن الثورة تنتصر وفق هذه المعادلة وليس وفق أي معادلة أخرى.
أظن أن بداية تحرك الساحل سيسرع انهيار السلطة لأن ذلك سوف يؤدي إلى تفكك نهائي بالبنية الصلبة ويوصل إلى لحظة نرى النظام يتغير إما بانقلاب يمكن أن يفتح أفقاً لمرحلة انتقالية تسمح بنقل سورية من هذ الوضع المافيوي الاستبدادي إلى وضع ديمقراطي ما يجعل الصراع يتحول من صراع دموي عنيف إلى صراع سياسي حقيقي أو أن تنهار وبالتالي سنلمس أن ذلك لن يخيف لأنني أعتقد أن الجيش المجمد الآن يمكن أن يلعب دوراً مهماً في هذا المجال لذلك لا أدعو إلى انشقاق في الجيش، بل أدعو إلى انتفاضة أكثر من انشقاق أفراد وهروبهم إلى الخارج وبالتالي شل قدراتهم التي هي ضرورية الآن ومن هذا المنظور أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة مهمة في إضعاف السلطة وفي الدفع باتجاه رؤية احتمالية عالية للتغيير.
– هل ما زلت ترى أن الشعب السوري هو وحده القادر على إسقاط النظام، أم ترى لا بد من التدخل الخارجي لكسر حالة اللا توازن في القوى العسكرية حتى الآن؟!..
• منذ البداية كان رأيي أن الشعب السوري هو الذي سيسقط السلطة وهو ما كتبته منذ البداية، لكن أوهام بعض أطراف المعارضة أنها عاجزة عن إسقاط السلطة وهذا ناجم عن عنف السلطة الماضي تجاهها وبالتالي شعورها بالعجز الكامل يؤسس لديها هذه الرؤية في وضع عالمي لم يكن يسمح ولن يسمح بأي إمكانية للتدخل وبالتالي كانت تطرح خطاباً مجانياً كان يضر في الواقع العملي توسع الثورة ويؤثر في هذا التوسع وفي النتيجة النهائية دون أي جدوى وهنا إشكالية تخص قطاعات هذه المعارضة باعتقادي أن الشعب قادر فالثورة تهز أي نظام رغم العفوية الشديدة في الثورة السورية ورغم أن الشباب البسيط الذي لم يدخل السياسة في الماضي هو الذي يلعب الدور الأساسي لكن القوة المذهلة التي أظهرها الشعب السوري كانت تؤشر أنه قادر رغم غياب أية استراتيجية على كيفية اسقاط النظام.
في سوريا هناك بطولات هائلة كبيرة يجب أن تقدر ويجب أن يعيد السياسيون بناء آرائهم بهذا الشعب الذي كانوا يرون أنه جاهل ومتخلف ومستسلم لكي يعرفوا أنه شعب بطل يخوض صراع دموي حقيقي ولكنه يصمد ويتقدم وينتصر وهذا المنظور أعتقد أنه يجب أن يجعلنا نركز على كيفية مساعدة هؤلاء الشباب وهذه الثورة على أن تستفيد من خبرتها وتجربتها بأن تتنظم أكثر وأن يصبح العمل العسكري ذو رؤية استراتيجية واضحة ومنظمة تشمل كل سوريا هناك قيادة فعلية على الأرض قادرة على أن تتقدم بشكل واع وأن تقدم الثورة خطوات ثابتة ومستمرة هذا دورنا وأعتقد أننا في النهاية سنسقط النظام بقوانا الذاتية وما ألمسه الآن أن ما يأتي من الخارج على شكل ( جهاديين ) هو يعيق ويخرب ولا يساعد لأنه يمتلك عقلاً طائفياً ضيقاً أمدته به الوهابية التي ترى أن الصراع الأول والأساس هو في داخل الدين وليس في خارجه وبالتالي هذه الصراعات تشتت الشعب وتفكك الشعب وبالتالي هذا التدخل الخارجي هو تدخل ضار ومسيء للثورة مثل التدخل الإيراني الروسي الداعم للنظام الذي أيضاً ساعد النظام على أن يبقى متماسكاً إلى فترة أطول.
– كيف تنظر إلى العلاقة السورية الفلسطينية في الثورة التي حاول النظام السوري اللعب فيها كما في ورقة الأقليات؟!..
• أرى أن الفلسطينين في سوريا اعتبروا ذاتهم مشاركين في الثورة منذ البداية خصوصاً أنهم يعيشون الظروف ذاتها، لا تمييز في الظروف المعيشية والواقعية والسياسية بين الفلسطيني والسوري وهذا ما كان يظهر الفلسطينين وكأنهم جزء من التكوين السوري وليس انعكاساً لأنهم فلسطينيين لاجئين في سوريا لهذا في درعا كان المخيم مشاركاً وحين حوصرت درعا لعب الفلسطينيون دوراً في إيصال المواد الغذائية والدوائية إليهم واستشهد عشرات منهم هناك وفي اللاذقية أيضاً قصف الرمل الجنوبي حتى بالبوارج الحربية وفي حمص أيضاً وبقيت المشكلة الوحيدة القائمة هي مخيم اليرموك في دمشق حيث ارتأى الشباب أنهم لا يريدون اشتباك فلسطيني فلسطيني في البداية لهذا كانوا يشاركون بالمظاهرات في كل المناطق المحيطة من الحجر الأسود إلى القدم والميدان والتضامن حتى وصلت مشاركتهم إلى برزة لكن دفع النظام بالقوى الفلسطينية المرتبطة به والتي تعمل مع أجهزة المخابرات أدخل إشكالاً إلى مخيم اليرموك حيث شكل لجان شعبية كي تمنع وتقمع أي فلسطيني يشارك في الثورة السورية وحينما بدأ المخيم يستقبل المهجرين من المناطق المحيطة سواء من التضامن أو الحجر الأسود بدأ النظام يتعامل مع المخيم وكأنه منطقة معادية لهذا قصفه أكثر من مرة وخرجت مظاهرات كبيرة في المخيم أكثر من مرة وهو الآن يدخل القيادة العامة والصاعقة وبعض الفلسطينيين الذين يعملون مع المخابرات السورية لكي يصبحوا هم قوة القمع وهذا مؤسف من هؤلاء وبالتالي سيسحقون مع النظام لأنهم أدوات منفذة له ولأنهم عملاء له والشعب الفلسطيني لن يسامحهم أبداً لهذا أعتقد أن مخيم اليرموك سيبقى منطقة محيدة نوعاً ما نتيجة الشعور أنه يجب أن يكون ملجأ للمهجرين والا يدخل في صراع داخلي يحول الصراع من صراع شعب ضد السلطة إلى صراع فلسطيني فلسطيني كما يحاول النظام أن يفعل في مناطق أخرى لها طابع طائفي معين.
– كيف تعامل النظام مع المفكر سلامة كيلة على خلفية آرائه ومواقفه من الثورة السورية؟!
• بداية لم يكن التعامل معي بسبب موقفي رغم أنني كتبت مقالات واضحة منذ البداية، ولكنه تعامل معي بهذه الطريقة لأنه اكتشف أن لي علاقة ونشاط عملي في إطار الثورة وركز في التحقيق معي على هذه المسائل، وبالتالي لم يسألني عن رأيي إلا حينما تقرر طردي وبرر الطرد قانونياً للنائب العام بمواقفي المناهضة للنظام ولكن التحقيق تركز بالأساس على أن نشرة اسمها اليساري يصدرها ائتلاف اليسار السوري تصدر وتطبع وبالتالي كان الاتهام أنني أطبعها وبالتالي كان المطلوب معرفة أين تطبع هذه المطبعة، وهذا هو الجانب الأساسي والسؤال الوحيد الذي سئلت عنه في التحقيق طبعاً في الإطار العام للتعامل معي كان الحذر هناك واضح لأن النظام يعرف أنه يمكن أن تحدث ضجة لأنه حاول ذلك بشكل آخر في عام 2005 حين وضع اسمي على الحدود لمنعي من الدخول إلى سوريا وفوجئ بضجة عالمية يومها لهذا فهو يتحسس في التعامل معي ومن أجل هذا قرر بداية ألا يضربني وكان واضحاً ذلك منذ لحظة اعتقالي وحينما ضربت حولت إلى فرع آخر لكي يرفعوا تقريراً بتعذيبي وربما هذه أول مرة تحدث في سوريا لكن ذلك لم يمنع أنني نقلت إلى المستشفى لكي يجري عمل كشف نتيجة التعذيب ومن ثم أعلق في المستشفى مرة أخرى ويقوم الفرع الذي اعتقلني بطردي سريعاً من سوريا هذا هو الشكل الذي تعامل به معي طبعاً كان واضحاً أن الضجة التي حدثت سببت إرباك لهذا النظام، طبعاً في النهاية عذبت وما زالت آثار التعذيب واضحة على جسمي ولكن هذا هو النظام الذي أعرفه فقد سجنت في فترة ماضية ثمان سنوات وعذبت أشد من هذه المرة وبالتالي أعرف أساليب التعذيب والاعتقال التي ينتهجها وهو ما جعلني لا أخاف منه ولا من مواجهته كنظام استبدادي قمعي ما فيوي وبالتالي مشاركتي بالثورة لأنني معني بتغيير الوضع العربي باتجاه جديد يؤسس لنهضة الشعوب وتحررها.

المصدر: أورينت

أزمة المعارضة والبديل السياسي للسلطة في سوريا

بعد أكثر من سبعة أشهر على بدء الانتفاضة السورية، لم يتبلور بديل سياسي عليه إجماع، وتبدو المعارضة منقسمة، بل متصارعة أحياناً. ولم تستطع القوى الشبابية التي تقود الانتفاضة بلورة صيغة موحدة لنشاطها، وبالتالي أن تصبح هي القيادة الفعلية لها على الصعيد السوري العام، نتيجة الضغط الأمني في الغالب.

لا بد من أن نشير إلى أنّ فاعلية الأحزاب المعارضة في الانتفاضة هي فاعلية هامشية. لبعض القوى بعض الدور، لكن لا يمكن أن نقول إنّه كبير. ولقد كان دور بعضها مربكاً للانتفاضة، نتيجة تدخلات لم تخدم سوى نشر الخلافات السياسية في الحراك ذاته، وكانت تميل إلى الكسب الذاتي، بغض النظر عن أثر ذلك على الحراك العام. ولقد انقسمت في داخل سوريا إلى شقين يمارسان سياستين مختلفتين، وكل يحاول أن يميل الحراك إلى صفه. يظهر ذلك في سياسة الجذب التي تتعرض لها التنسيقيات، ويواجهها الشباب. أما معارضة الخارج (مقطوعة الجذور في الداخل، وخصوصاً الإخوان المسلمين والليبراليين) فما يهمّها هو ترتيب قيادة المعارضة والانتفاضة، والعمل على تكوين سلطة بديلة تصبح هي «الدولة الجديدة».

ورغم كل المشكلات التي تعاني منها الانتفاضة، ورغم بطولة الطبقات الشعبية، ما يشغل النخب والمعارضة هو «المرحلة الانتقالية»، والشكل الانتقالي للسلطة، وكيف يجري انتقال آمن وسلس للسلطة، وما هي الأشكال الضرورية لتحقيق ذلك. فهي إما تعتقد بأنّ السلطة ستسقط ولذلك تعدّ ذاتها لـ«القفز السريع»، أو تنتظر اللحظة التي تتوصل فيها السلطة نتيجة الضغط الشعبي إلى أن تقبل الحوار على أسس تقوم على تحقيق الانتقال الآمن والسلس للسلطة. ولذلك تتصارع على تأليف الهيئات والمؤسسات، وتعقد المؤتمرات من أجل تأليف «القيادة العامة للثورة السورية»، وكأنّ اختراع الهيئة وتفخيم الاسم سوف يفرضان أن تصبح الهيئة هي «البديل الحقيقي» المعترف به سورياً ودولياً، وتصبح هي السلطة الجديدة، دون سؤال عن اختيارات الشعب الذي يقاتل بكل قوة، ويواجه القتل دون خوف، أو بادّعاء أنّها تمثله، كما تظن حركة الإخوان المسلمين مثلاً.

ما يبدو إشكالياً هو أنّ النقاش والحوار والصراع تدور حول ما بعد السلطة القائمة، دون سؤال عما هو المطلوب لكي تسقط تلك السلطة، ودون تفكير في وضع الانتفاضة ومشكلاتها، والدور الضروري للمعارضة فيها. هل أصبحت مسألة «المرحلة الانتقالية» هي المسألة الجوهرية اليوم؟ وهل ما ينقص الانتفاضة هو «توحيد المعارضة» وتأليفها قيادة سياسية؟ ما هو وضع المعارضة في الانتفاضة؟ وهل توّحدها سوف يحقق نقلة في الحراك، أو يضيف ما يجعلها تنتصر؟

لا شك في ضرورة أن يكون للانتفاضة قيادة سياسية، ونقطة ضعف كلّ الانتفاضات العربية تتمثل في افتقادها القيادة السياسية التي تعبّر عن الطبقات الشعبية التي هي أساس الانتفاضات. لكن المسألة هنا ليست مسألة نظرية، بل تتعلق بوضع الأحزاب تجاه الانتفاضة، ولا شك في أنّ قطيعة تقوم بين الطبقات الشعبية والأحزاب المعارضة قبل الانتفاضة، ليس بفعل القمع الطويل الذي هو حقيقة، بل أيضاً نتيجة عجز الأحزاب وسوء فهمها للواقع، وتعبيرها عن مصالح نخبوية. لذلك لم تتوقع حدوث الانتفاضة، ولا تعرف حدود قوتها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه. ويتوضح ذلك من خلال الاهتمامات التي تحكمها وتتمحور حول الديموقراطية ضد الاستبداد في وضع كان ينحدر إلى أزمة اجتماعية عميقة نتيجة النمط الاقتصادي الليبرالي الذي تعمم خلال السنوات الأخيرة.

وإذا كانت الديموقراطية هي مطلب ضروري، فإنّ ما حرّك الطبقات الشعبية هو الفقر والبطالة، وهما أساس كلّ تلك القوة التي باتت تمتلكها تلك الطبقات. ولقد ظلت تلك الأحزاب تصرّ إلى الآن على أنّ المسألة هي مسألة «حرية وكرامة» فقط، وبالتالي لم تلمس كلّ المشكلة التي تحكم الانتفاضة، ومن ثم تمنع من ملاحظة عمقها وقوتها، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه. وبالتالي ما قيمة الشكل السياسي الذي يمكن أن ينجم عنها، ما دامت لا تمتلك القرار الشعبي؟

ذلك الوضع هو الذي يجعلها تركز كلّ مجهودها على «البديل»، لا على وضع الانتفاضة، ودورها فيها، وأن تتلهى في «تأسيس» قيادة للانتفاضة، أو سلطة بديلة للسلطة القائمة، وأن تتوه في عقد المؤتمرات، والتحالفات، وتأسيس الهيئات، وبالتالي بذل كل الجهد لـ«ترتيب» مرحلة ما بعد سقوط السلطة، بينما المطلوب الآن هو تحديد كيف ستسقط. ولذلك، سيكون كل ما يجري هو تشويش على الانتفاضة، وجر النقاشات إلى مسائل لم يحن أوانها (وربما ستكون لا معنى لها)، وتجاهل أن الانتفاضة ذاتها بحاجة إلى جهد حقيقي كي تنتصر.

ما يجب أن يكون واضحاً هو أنّ قيادة الانتفاضة والفعل السياسي الضروري لانتصارها يجب أن يكونا في سوريا لا في أي مكان آخر، رغم كلّ القمع والقتل والعنف الذي يمارس، وخصوصاً أنّ تطوّر الانتفاضة سيفرض حيّزاً واضحاً لذلك الوجود السياسي. الأمر يتعلق بالتالي بتطوّر الانتفاضة وكسر قوة السلطة من أجل فرض التعبير السياسي عن الانتفاضة من القيادات الفعلية لها. يفرض ذلك التركيز على توحيد نشاط التنسيقيات وكلّ القوى التي تؤدي دوراً في الانتفاضة، وبذل الجهود في ذلك المسار، انطلاقاً من فشل حصل، أو نتيجة صعوبة يفرضها القمع الأمني. فلا شك في أنّ السلطة تحارب تلك المحاولة بشدة، وتركز على عدم تبلور قيادات فعلية للانتفاضة، ولقد شددت على قتل أو اعتقال الكوادر الذين يؤدون الدور الأساسي في الحراك، لكن ليس من الممكن أن تستطيع ذلك في الوضع المقبل حيث تقوى الانتفاضة وتتوسع. ومن ثم لا يجوز الخضوع لمنطق الذين يقولون إنّ ذلك التشكيل مستحيل في الداخل، وأنّ الوضع يفرض التشكيل في الخارج، فهو منطق مضلل، ويهدف إلى سيطرة قوى بعينها على مسار الانتفاضة، دون أن يكون قادراً على المساعدة في تطوّرها. وبالتالي لا يفعل سوى التواصل مع «المجتمع الدولي»، وهو ما لا نحتاج إليه في كلّ الأحوال، لأنّ القوى الدولية تقرر سياساتها وفق مصالحها التي هي قطعاً في تناقض مع مصالح الطبقات التي تقوم الانتفاضة على أكتافها.

إذاً، لا بد من بلورة التعبير السياسي في سوريا، لا في أي مكان آخر. وإذا كانت أحزاب المعارضة ضعيفة ومنفصلة عن الطبقات الشعبية التي تنتفض، فإنّها كذلك لم تبذل جهداً من أجل أن تتوافق معها، وأن تندمج فيها (إلا ما ندر)، من أجل أن تصبح جزءاً منها، وتؤثر في مسارها. فهي إما لم تقتنع رغم كلّ تلك البطولة التي تظهرها الطبقات الشعبية بأنّه يمكن إسقاط السلطة، وتتخوّف من مأزق نتيجة قوة السلطة، أو من حرب طائفية تعتقد بأنّها ممكنة، وهي في ذلك تؤكد أنّها لا تفهم الواقع، ولا تعرف وضع تلك الطبقات أو تلمس «تصوراتها»، أو أنّها تراهن على المعارضة في الخارج، وتتوافق مع سياساتها التي تصل إلى حد المطالبة بالتدخل الدولي، لأنّها لا تثق أصلاً بالطبقات الشعبية، ولا تريد أن تثق، وترى أنّ صراعها مع السلطة هو صراع «غريزي»، وليس صراع شعب من أجل التطور والتحرر. ولذلك، ظل موقع المعارضة فارغاً، وهو ما يسمح بكل النشاط الذي يجري في الخارج، ويفتح لتشويش و«تقديم خدمات» للسلطة من خلال ما يُطرح طائفياً، وسياسياً بالدعوة إلى التدخل الإمبريالي.

لذلك، يبدو أنّ الصراع بين أطراف المعارضة في الخارج يدور حول من يهيمن على «المجلس الوطني» الذي لا بد من أن يتشكل لكي يصبح هو الجهة الرسمية التي تمثل الشعب السوري في العلاقة مع البلدان الأوروبية والولايات المتحدة وروسيا، وكل «المجتمع الدولي». وبالتالي يصبح الحكومة المؤقتة التي تطالب بالحماية أو بالتدخل الدولي. ولذلك، يبدو وضع المعارضة مؤسفاً نتيجة الخلافات والتناقضات والصراعات التي تقوم بينها، بعدما أصبحت «تحت المجهر» انطلاقاً من الاهتمام «العالمي» بإنشاء «قيادة تحظى بالثقة».

ليس المطلوب الآن قيادة سياسية للمعارضة تحاور السلطة أو تتواصل مع «المجتمع الدولي»، بل المطلوب هو قيادة تستطيع قيادة الانتفاضة، وتطوير أدائها، وتوضيح أهدافها وشعاراتها، وبذل الجهد من أجل إقناع الفئات المتخوفة والمترددة بضرورة الانضمام إلى الانتفاضة، لأنّها انتفاضة الطبقات الشعبية وليست انتفاضة «السنّة»، أو انتفاضة «الأغلبية» ضد «الأقلية». كذلك يجب المراهنة في الانتصار على تلك الطبقات كلّها، لا على تدخل «خارجي» يخيف بفوضى وحروب طائفية كما جرى في العراق. وينبغي أن تقتنع تلك الفئات بأنّها من سيبني الدولة المدنية الديموقراطية التي تحقق مطالبها الاقتصادية والاجتماعية، وتكون قوة ضد السيطرة الإمبريالية والوجود الصهيوني.

تلك مشكلة أولى تعيشها الانتفاضة، وهي مشكلة كبيرة رغم أنّها لن تقف عائقاً أمام انتصارها، لكن أهميتها تكمن في أنّها تسمح بتطوّر سريع لها، وفرض تغيير يوقف القتل والعنف المنفلت. هل تحاول قوى المعارضة العمل في ذلك الاتجاه؟ تلك مهمة كبيرة وضرورية، ولا بد من تحققها. ثم، إنّ ما يفرض ذاته هو بلورة مطالب الطبقات الشعبية التي تخوض الصراع، ليس لأنّ ذلك هو ضرورة لتحديد طبيعة البديل فقط، بل لأنّ هناك ضرورة لتوضيح أنّ الانتفاضة لا تهدف إلى إسقاط السلطة بدون أهداف، بل تريد إسقاطها من أجل بديل يحقق تلك المطالب، وهو الأمر الضروري لاندماج فئات اجتماعية لم تندمج بعد، رغم أنّها مفقرة ومهمشة. وهنا، لا يكفي التوقف عند هدف إسقاط السلطة، أو الحديث عن الحرية، وبالتالي ليس صحيحاً أنّ الهدف واضح، وهو إسقاط السلطة (أو تحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية)، لأنّ ذلك الهدف ليس قائماً بذاته، بل هو مدخل لتحقيق مطالب الطبقات الشعبية. هناك من يريد التمترس حول ذلك الهدف، فقط لكي يصبح هو السلطة، دون أن يكون مضطراً إلى تحقيق أي من مطالب تلك الطبقات. لكن ذلك لا يعني شيئاً لها، بل ستبقى تقاتل من أجل تحقيق مطالبها، وليس تغيير السلطة فقط، ولذلك ستبقى في صراع مع كلّ من يصل إلى السلطة دون أن يحقق تلك المطالب. إذاً، ما هي تلك المطالب؟

إنّها مطالب العمل والأجر والتعليم المجاني والضمان الاجتماعي. هنا يستنفر الليبرالي، معتبراً أنّ تلك هي مطالب اليسار. قد ينبغي شكره لربط تلك المطالب باليسار، لكنّها مطالب الطبقات الشعبية التي لا يطرحها إلا اليسار، ومن دون تحقيقها لن تعود الطبقات الشعبية إلى السكينة، مهما كانت الديموقراطية المتحققة «مثالية». فما يحكم المعارضة هو السلطة، وما يهمّ الليبراليين هو السلطة، وبالتالي من الطبيعي أن يركز اليسار على تلك المطالب. لكنّها مطالب الطبقات الشعبية التي على اليسار أن يحملها، وأن يدافع عنها، وأن يعمل على تحقيقها من خلال الارتباط بالطبقات الشعبية. وتحقيقها يعني تغيير النمط الاقتصادي الريعي الذي تكوّن خلال العقود الماضية، والعودة إلى تطوير الزراعة والصناعة وإعادة دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وذلك ما يرعب الليبرالي حتماً، ويجعله يشطب كل مطالب الطبقات الشعبية.

لكن لا بد من التوضيح أنّ اكتمال الانتفاضة مرتبط باندماج تلك الفئات المجتمعية التي لا تزال متخوّفة، ولا ترى أنّ هدف إسقاط السلطة يكفي، لأنّه يفتح على مجهول. ولذلك، فإنّ طرح تلك المطالب هو ضرورة من أجل التوضيح أنّ الانتفاضة تهدف إلى تحقيق مطالب طبقات مفقرة، لا الى تحقيق مصالح نخب، بغض النظر عن انتمائها الطائفي أو طابعها الإيديولوجي. ويفرض ذلك أن تكون المطالب واضحة الآن وليس غداً، وأن يكون واضحاً أنّ الانتفاضة قامت من أجلها، قبل الحرية والديموقراطية، وأن هذه وتلك ليستا ممكنتين من دون تحقيقها.

فما الدولة التي نعمل على بنائها؟ هل يكفي القول إنّ الهدف هو بناء الدولة المدنية الديموقراطية؟ وهل يطعم ذلك خبزاً أو يوجد عملاً؟ وقد يكون النظر إلى أوضاع تونس ومصر مفيداً هنا، إذ أصبحت المطالب التي تتعلق بالعمل والأجر في جوهر الحراك.

إذا كانت هناك قطاعات اجتماعية مفقرة لم تشارك، فلأن الحراك ينجرف، كما يبدو لها، نحو تغيير السلطة فقط، وبالتالي ما همّها إنْ ظلت أو تغيّرت. وقد يبدو للبعض أنّ استمرار تلك السلطة أفضل من سيطرة أخرى أصولية، أو من ديموقراطية تأتي بقوى أصولية. ذلك هو موقف الأقليات الدينية، وهو مبرر لأنّها لا ترى أنّ ما هو مطروح يلامس مشكلاتها. لذلك تفضّل أن تبقى السلطة القائمة، وهو أمر أفضل من المجهول، حسب منطق تلك الأقليات.

وأصلاً، هل المفقرون الذين يموتون وهم يتصدّون لكلّ وحشية السلطة، ينهضون من أجل تغيير شكل السلطة؟ لكن ما مشكلة السلطة معهم، هي التي تدفعهم إلى هذا الفعل «الانتحاري»؟ هل هو القمع فقط؟ لكن الاستبداد طويل العمر، ولم ينشأ من وقت قريب. ولقد كانت قطاعات كبيرة من الشعب تدعم السلطة، أو لا تعاديها، وكانت المعارضة منحصرة في نخب صغيرة. ما تغيّر هو الوضع الاقتصادي بالتحديد، إذ جرى تهميش الكتلة الأكبر من الشعب بفعل النهب الذي مارسته فئات في السلطة، مستفيدة من الطابع الاستبدادي للسلطة، إذ غطت كل أفعال النهب والرشوة والسرقة، من دون أن تسمح باحتجاج أو كشف في صحيفة. تلك الكتلة التي تهمّشت هي التي تخوض الصراع الآن، وهي التي تطالب بالحرية من أجل أن تفرض تغيير النمط الاقتصادي الذي أوقعها في التهميش، وتحاسب الذين نهبوا. وبالتالي تغيير النظام يعني تغيير كل تلك البنية، وليس فقط الشكل السياسي لها. مطلبها بسيط، ويتمثل في المقدرة على العيش. هي لا تنافس على المناصب ولا تفكر في أن تصبح في موقع سلطوي، بل تقاتل من أجل أن تعيش.

وتلك مشكلة ثانية تعانيها الانتفاضة، إذ لا برنامج إلا إسقاط النظام. وربما كان ذلك صحيحاً حينما انتفضت كلّ الطبقات الشعبية فأسقطت النظام في تونس ومصر، لكنّه لا يكون صحيحاً حينما تعاني الانتفاضة مشكلات، وحين تنجح الديماغوجيا الإعلامية في تكريس الخوف والتردد، وخصوصاً باستخدام التخويف الطائفي. فقد وقف مفقرون خائفون ومتخوّفون، ربما لأنّهم لم يكونوا قد وصلوا إلى مرحلة كسر حاجز الخوف، لكن الضبابية التي ظهرت فيها الانتفاضة كرّست ذلك، وأنجحت ديماغوجيا الإعلام الحكومي. ولقد كانت مطالب الطبقات الشعبية واضحة في تونس ومصر (العمل والأجر)، وبالتالي كان إسقاط السلطة يعني بالنسبة إليها تحقيق ذلك. وها هي ترفض السلطة الجديدة لأنّها لم تحقق بعد تلك المطالب، وستبقى تقاتل إلى أن تحققها. الوضع مماثل في سوريا، رغم أنّ شعار إسقاط النظام سيطر بسرعة، قبل أن تتوضح مطالب الطبقات الشعبية نتيجة عنف السلطة، لذلك أصبح كسر السلطة هو المطلب الأساس.

لكن إسقاط النظام من أجل ماذا؟ يقول الليبراليون إنّ المطلب المباشر هو الديموقراطية، إذ بإمكان كل طرف أن يطرح برامجه. ولكن ليست الديموقراطية هي التي أنهضت الطبقات الشعبية، ثم إنّ عدم نهوض جزء منها نجم عن ذلك الغموض، الذي فتح لتأويلات وتخوفات واستغلال، وجعل جزءاً من المفقرين في تضاد أو متخوفين من تلك الانتفاضة الشعبية. بالتالي، كيف نعمل؟ هل نهمل هؤلاء أو نعمل من أجل استقطابهم من خلال توضيح جوهر الانتفاضة؟ الليبراليون مرتاحون لأنّ المسألة تتعلق بتغيير شكل السلطة، وبالتالي ضمنوا مواقع سلطوية لهم. لكن أين موقع الشعب؟ إنّه آخر ما يُفكّر الجميع فيه، كما هو الوضع دائماً.

بالتالي، وبالضرورة، لا بد من إدخال «البعد الاجتماعي» للانتفاضة. فذلك ليس ترفاً، بل ضرورة من أجل توسيع مشاركة كل الطبقات الشعبية التي أدى التخويف الطائفي دوراً في ألا يشارك جزء منها، وأن يبدو الوضع كأنّ الهدف هو إبدال فئة من الطبقة ذاتها، بفئة أخرى من طائفة مختلفة، بينما المطلوب هو إنهاء سيطرة تلك الطبقة الرأسمالية كلّها.

في ذلك الوضع، يبدو واضحاً لماذا الهجوم على اليسار، واعتبار أنّ كلّ مطلب يتعلق بالعمل أو بالأجر هو مطلب يساري. فالليبراليون يريدون تغيير فئة من الطبقة ذاتها بفئة أخرى منها، ولا يريدون تجاوز الرأسمالية. وما يفرض تجاوز الرأسمالية هو أنّ تحقيق فرص للعمل وزيادة الأجور والعودة إلى التعليم المجاني والضمان الاجتماعي، وتطوير الزراعة والصناعة، كلّها ليست على جدول أعمال الرأسمالية، سواء المافيوية (رجال الأعمال الجدد) أو التقليدية (البورجوازية التجارية القديمة). وما يهمها هو تعديل ميزان القوى في السلطة، فتتحكم البورجوازية التقليدية بدل الرأسمالية المافيوية، أو تفرض توزيعاً للمصالح يخدمها أكثر مما يخدم تلك.

ربما كان يجب أن يحصل ذلك النقاش في سقوط السلطة، لكن أهميته تكمن في التوضيح أنّ طرح المطالب «الاقتصادية» هو ضرورة الآن من أجل توسيع مشاركة الطبقات الشعبية، في سياق تحقيق نقلة تفضي إلى سقوط النظام.

وفي هذا الوضع، سنلمس أنّ كل المعارضة هي ليبرالية، سواء ركّزت على أولوية الديموقراطية أو تمسّكت بالحرية كهدف وحيد للانتفاضة. وهي ليبرالية في كل خطابها الذي تقدمت به منذ عقود، إذ لا يشتمل سوى على نقطة واحدة، هي الديموقراطية، أي تغيير الشكل السياسي لسلطة الرأسمال. ولذلك نراها تستفيد من الانتفاضة، لا من أجل تطويرها وتحقيق مطالب الطبقات الشعبية، بل من أجل أن يقود «التناحر» القائم بين الطبقات الشعبية والسلطة إلى «الديموقراطية» التي تعني مشاركتها في السلطة (أو حلم بعضها بالوصول إلى السلطة منفرداً). وهي هنا تنطلق من تغيير أشخاص السلطة، لا من تغيير بنية السلطة، وتحقيق انفراج ديموقراطي وليس دولة مدنية ديموقراطية. وهو ما يتوضح كذلك في تجاهل هدف الدولة المدنية الديموقراطية، وميل البعض إلى اعتبار أنّ الواقع يفرض بناء دولة إسلامية، والإشارة إلى أنّ الديموقراطية تعني بالنسبة إلى هؤلاء «حكم الأغلبية»، التي ينظر إليها من منظور طائفي، ومن خلال الربط الحتمي بين طائفة الأغلبية وحزب محدَّد هو الإخوان المسلمون. ولذلك تصبح الدولة المدنية وفق ذلك المنطق هي المدخل لتكريس الدولة الإسلامية.

ذلك ما يخيف قطاعات مجتمعية، ويؤكد منطق السلطة الذي يقول بأنّ بديل السلطة الحالية هو الأصولية الإسلامية. والإسلاميون كذلك، لا يتناولون المطالب الشعبية، لأنّ موقفهم الطبقي ليبرالي، إذ إنّهم مع الحرية المطلقة للملكية الخاصة، ويرون أنّ الاقتصاد هو التجارة. ولذلك لا يختلفون مع السلطة إلا من زاوية مصالحهم كفئات تجارية جرى تهميشها، ويمكن أن يكونوا جزءاً من المافيا الرأسمالية. والخلاف بين الفئات الرأسمالية (القديمة والجديدة) يتمثل في أنّ السياسات الليبرالية التي تحققت جرى احتكارها من قبل «رجال الأعمال الجدد» (ومن المحيط العائلي للرئيس)، ولذلك لا بد من لبرلة غير محتكرة. لكن اللبرلة تفرض الاحتكار، الأمر الذي يوضح أنّ المسألة تتعلق بالتنافس بين رأسماليات بعيداً، وعلى حساب مطالب الطبقات الشعبية.

ومن ثم، فمن المنطقي ألا يقترب هؤلاء من طرح مطالب الانتفاضة، وأن يمعنوا في التمويه على تلك المطالب من خلال حصر الأمر في الحرية وإسقاط النظام، مستفيدين من عدم طرح الطبقات الشعبية لمطالبها، فهي كررت شعار الحرية، وركّزت على إسقاط النظام، في تجاهل أنّ معنى الحرية هنا هو التخلص من السلطة التي سحقتهم وهمّشتهم، ما جعلهم عاجزين عن العيش لا عن التكلم. ولا شك في أنّهم لا يريدون نظاماً يتابع إسكاتهم، لكنّهم يريدون العيش. كذلك فإنّ غياب الوعي السياسي يجعلهم يتلمسون عبء السلطة على معيشتهم، وليس على قمع آرائهم، وبالتالي يسعون إلى التحرر من ذلك العبء. يجعلهم ذلك يلتقون مع النخب التي تريد الحرية من أجل التعبير عن الرأي والفعل السياسي، لكن لا يحق لتلك النخب أن تتجاهل مطالبهم، وأن تفرح لأنّ هؤلاء نسوا مطالبهم ودعموا مطالبها هي. كذلك، ينبغي ألا تقود نرجسية النخب إلى الاعتقاد بأنّ مطلبها الذي ظلّت تكرره طيلة عقود، وخصوصاً خلال «ربيع دمشق»، قد بات مطلباً لهؤلاء المفقرين الذين ليس من مشكلات لديهم إلا تحقيق مطلبهم ذاك. تلك النرجسية قاتلة، لأنّها تشوّش على الانتفاضة، وتفتح المجال لنجاح كلّ ديماغوجيا السلطة.

الطبقات الشعبية تريد الخبز والحرية، لا الحرية فقط، ذلك ما يجب أن تفهمه النخب المعارضة.
لقد كان الميل الليبرالي الذي يسكن تلك النخب في أساس العجز عن فهم واقع الطبقات الشعبية، وبالتالي عن تلمّس تراكم الاحتقان لديها إلى حدّ الانفجار. ولذلك، فوجئت أكثر مما فوجئت السلطة ذاتها بالانفجار الكبير. ولقد كانت النزعة «الاحتقارية» التي تسكنها تجاه تلك الطبقات هي نتاج ذاك التعالي الليبرالي الذي فرض عليها أن تتعامل كـ«نخبة» سياسية تهدف إلى المشاركة في السلطة على الأساس الليبرالي الذي كان يتبلور.

إذاً، لا بد من التوضيح أنّ إسقاط النظام يهدف إلى تأسيس نظام يحقق مطالب الطبقات الشعبية، ويمثّلها، في إطار دولة مدنية حديثة، ديموقراطية وعلمانية، وفي تصارع مع الإمبريالية والدولة الصهيونية. تلك هي عناصر «البرنامج» الذي يحكم الانتفاضة، وهي «روح» الانتفاضة التي يمكن أن تحملها إلى النصر. وغير ذلك هو تعبير عن نزوع ذاتي لبعض الفئات لفرض برنامجها كبرنامج لكلّ الانتفاضة. وإذا لم تتوضح تلك المطالب، فلأن النخب المعارضة هربت من تحديدها وتحويلها إلى شعارات تحملها التظاهرات، رغم أنّ كل سؤال للمتظاهرين عن مطالبهم سيشمل المطالب المباشرة التي تتعلق بالعمل والأجر ومطالب تخصّ المدينة أو المنطقة، وأيضاً الحرية بالمعنى العام غير المحدَّد، الذي ينطلق من رفع عبء السلطة الأمني والمفسد.

لكل ذلك، فإنّ الشغل السياسي لا بد من أن يتركّز على حل هاتين المعضلتين، قبل البحث في ما بعد السلطة، لأنّ المطلوب هو توفير الظروف التي تفضي إلى سقوط السلطة، وتلك من أهم المسائل التي تسمح بتوفير تلك الظروف. لا تتعلق المسألة بتأليف مجلس وطني، ولا بتوحيد المعارضة، ما دامت على هامش الانتفاضة ولا تمتلك عنصر التأثير فيها، وخصوصاً أنّها منقسمة سياسياً بقوة، وتختلف على طبيعة التعامل مع السلطة ومع «المجتمع الدولي»، وخلافها حادّ ومزمن. كان مهماً أن تتبلور معارضة في الداخل تحمل أهداف الانتفاضة على الأقل، من أجل ألا تسمح بكل تلك الفوضى والادّعاء والمتاجرة التي تجري في الخارج. لكن أهداف معارضة الداخل ظلت دون ذلك، وهو ما تستغله معارضة الخارج لكسب «الشرعية». ويبدو أنّ السعي لتأليف مجلس انتقالي هو من أجل الحصول على اعتراف دولي، ومن ثم المطالبة بتدخل دولي، ذلك مسار الإخوان المسلمين والناشطين في مؤتمر إسطنبول. وهو الوضع الذي بات يدخل الانتفاضة في إرباكات من خلال إدخال مطالب من ذلك القبيل إلى داخل صفوف المنتفضين نتيجة إحساسهم بوحشية السلطة، أو بفعل التأثير الإعلامي والمالي.

ومن الواضح أنّ عدم الثقة بقوة الطبقات الشعبية، أو الخوف منها، يدفعان إلى تأثير في الانتفاضة قد يفضي إلى جلب التدخل الإمبريالي. ما سيكسر قوة السلطة هو الطبقات الشعبية التي لن تقف عند حدود التغيير في شكل السلطة، أو في أشخاصها، بل ستندفع نحو تحقيق نصرها، وفرض مطالبها. وانطلاقاً من الثقة بقوتها، لا بد من العمل على حل المعضلتين الآنفتي الذكر، وليس أي شيء آخر.

ما لا بد من أن تنطلق منه كل معارضة حقيقية، هو الآتي:
1) لقد انتفضت الطبقات الشعبية حين وصلت إلى وضع مؤسف، وسقط من تخيّلها كل احتمال لتغيير في السلطة يحقق حتى بعضاً من مطالبها، وأبسطه العمل لملايين من العاطلين من العمل، ورفع الأجور بما يسمح بالعيش. ولذلك، لم يكن أمامها إلا الانتفاض بغض النظر عن الرد العنيف الذي تواجه به، إذ لم يعد الموت موضوعاً يخيف من يعتقد بأنّه ميت في الحياة نتيجة الفقر والتهميش.
ولذلك، طرحت إسقاط السلطة لأنّها لا تجد سوى ذلك ما يمكن أن يفتح لها أفقاً يحقق تلك المطالب. ولذلك، ليس من الممكن أن تقبل معارضة لا تلمس هذا الموضوع، وتعتقد بأنّه يمكن المراهنة على السلطة. والحالة الثورية التي تعيشها تجعلها في وضع يفرض عليها أن تحدد الموقف من الأحزاب انطلاقاً من هذه المسألة، الأمر الذي يفرض على أحزاب المعارضة أن تنطلق من ذلك الهدف لكي يكون بإمكانها أن تعيد العلاقة مع تلك الطبقات، وإلا ظلت كما كانت طيلة عقود على هامش الحراك الاجتماعي، متقوقعة على تصور «ديموقراطي» وإصلاحي ليس ممكناً تحققه.
2) ليس من دور لتلك الأحزاب إلا من خلال الانتفاضة. وإذا لم تكن تعي وضع الطبقات الشعبية، وكانت بعيدة عنها، ولم تفهم واقعها، وبالتالي إمكان انفجارها (وكانت بعض النخب تنظر إليها بازدراء وعنجهية، وتستهين بإمكان ثورتها)، عليها اليوم أن تعيد الربط معها، فليس من دور لها دون ذلك. والطبقات الشعبية لا تثق إلا بمن يقاتل معها، ولا تستمع إلا لمن يدافع عنها. وبالتالي، لكي تكون التعبير السياسي عن الانتفاضة، لا بد لها من أن تنخرط فيها. ولا شك في أنّ من تلك الأحزاب من هو منخرط في الانتفاضة، وبعضهم يؤدي دوراً واضحاً، لكن دون تقديم ما يطور الانتفاضة. فالأحزاب ذاتها لم تحدد تموضعها فيها، ومن ثم لم تضع استراتيجية للدور الذي يمكن أن تقوم به. ولذلك، ستكون المشاركة «فردية» أكثر منها «حزبية»، وقد تعبّر عن ميول الأفراد لا عن الميل العام للحزب، أو أنّها مشاركة منساقة خلف عفوية الشارع، دون تأثير، أو حتى بتأثير مشوش.
لذلك، لا بد من أن تعيد تموضعها السياسي، وأن تنطلق من كونها جزءاً من الانتفاضة، وأنّها تعمل على تطوير نشاطها، وخصوصاً أنّ الانتفاضة بحاجة إلى الخبرة السياسية، سواء تعلق الأمر بتحديد الأهداف والشعارات، أو تعلق الأمر بكلّ ما يتعلق بالنشاط السياسي. ويعني ذلك أن تعيد فهم الواقع، وفهم مطالب الطبقات الشعبية لكي تؤسس تصوراتها على ما تريده تلك الطبقات، دون فرض قسري لمطلبها هي فقط.
3) لا شك في أن طبيعة الانتفاضة السورية أفضت إلى مشكلات، منها الإيهام بطابعها الإسلامي، وضعف الشعارات التي تردد، وتخوّف الأقليات الدينية منها وقبولها رواية السلطة، والتنظيم العام للانتفاضة. تلك كلها مشكلات يحتاج حلها الى فعل سياسي، وبالتالي إلى دور أحزاب سياسية ونخب سياسية، وهي التي تحظى بالأولوية، لأنّ تطور الانتفاضة وانتصارها هما الأساس الآن، قبل أن يجري العمل على صياغة الشكل الذي يحكم المرحلة الانتقالية، أو كيفية الانتقال من الاستبداد إلى الديموقراطية؛ فأولاً لا بد من الانتصار، ولا انتصار إلا بتنظيم الانتفاضة، وتلك مسألة عملية لا تحل خارج سوريا، أو من خلال تحالفات شكلية. فنحن لا نحتاج إلى هيئات وهياكل ليس لها أثر في الواقع، ولا الضياع في البحث عن تحالفات لا تقود إلى تطوير الانتفاضة. وليست العلاقة مع المجتمع الدولي هي المطلوبة الآن، لكي نحتاج إلى قيادة موحدة تفتح على علاقات مع البلدان الإمبريالية. فلم يثر الشعب لكي يحتاج إلى أن تُنقذه، وهو يعرف أنّها لا تنقذ بل تغرق في الدم أكثر. ولم يخرج للصراع ضد السلطة من أجل أن يستجلب التدخل الإمبريالي.

لذلك، لا بد من الإجابة عن الأسئلة المطروحة التي يمكن بلورتها في الآتي: كيف يمكن تحديد أهداف الانتفاضة بعيداً عن نزوع البعض إلى صياغتها وفق مصالحه هو لا وفق مصالح الطبقات الشعبية؟ كيف يمكن أن يتوضح طابعها الديموقراطي لكي يصبح واضحاً أنّها ليست انتفاضة «إسلامية»؟ كيف يمكن إدخال كل الفئات الاجتماعية المتخوفة أو الخائفة أو التي اقتنعت بالطابع الطائفي للحراك، في الانتفاضة؟ كيف يمكن تقديم شعارات تعبّر عن مطالب الطبقات الشعبية التي تنتفض من أجل إسقاط السلطة؟

هنا نحن بحاجة إلى فعل «على الأرض» لتطوير خطاب الانتفاضة وتوضيحه بما يعبّر عن أهدافها، وهي العملية التي تقود إلى إيجاد آليات تنظيم نشاطها رغم كل الشراسة التي تطال كلّ نشاط في ذلك الاتجاه. فانتصار الانتفاضة يفترض توسعها اجتماعياً، وشمولها كلّ الطبقات الشعبية، وذلك يفرض إزالة التخوّف الطائفي لدى بعض الأقليات من أنّ التغيير يعني استجلاب الإسلاميين إلى السلطة، أو الاقتصاص منها نتيجة «علاقتها» بالسلطة. وهو جهد سياسي بامتياز، لكن لا يكفي فيه الحديث عن الحرية والديموقراطية فقط، بل لا بد من التأكيد على الدولة المدنية، كما على المطالب الاقتصادية والمناطقية، من أجل التوضيح أنّ التغيير يجب أن يحمل تحقيق مطالب كل هؤلاء، وأنّه تغيير سياسي طبقي وليس طائفياً.

كيف يمكن «تفكيك» بنى السلطة من أجل إضعاف سطوتها والإعداد لتحقيق التغيير؟ لا شك في أنّ التغيير في موقف الأقليات سيفضي إلى ذلك، فهو يفضي إلى تفكك تماسك أفرادها ضمن السلطة، ما يؤدي إلى تحقيق التغيير.

لا شك في أنّ عفوية الانتفاضة أنتجت جملة مشكلات، في الشعارات والتنظيم، ولا شك في أنّ تجاوز ذلك يفترض فعلاً سياسياً هو من مهمة المعارضة. فهل هي قادرة على القيام به؟ هنا الاهتمام، وهنا الأساس، وهنا الأولوية.

المصدر: الأخبار

موت النخب (تحولات نصف قرن)

الثورات في الوطن العربي كشفت عن موت النخب. بالتأكيد كان هناك من حمل هم الشعب، والمفقرين خصوصاً، وهمّ الوطن كذلك. فليس الأمر مطلقاً، وبالتالي لا يمكن التعميم. لكن يمكن أن نتلمس “الاتجاه العام” دائماً، لهذا نتحدث عن موت النخب.

موضوعياً تعاني الثورات من نقص في الخبرات والوعي، حيث يلعب الدور الأساس شباب دخل ميدان السياسة للتو من بابه العريض، أي الثورات ذاتها.

وهو نتيجة ذلك لا يمتلك الوعي السياسي، ولا الخبرة العملية، بل إن وعيه وخبرته يتبلوران في الثورة، لكن هذا الأمر يفرض التساؤل حول النخب. وأقصد هنا نخب المثقفين والسياسيين الذين تصدروا المشهد طيلة سنوات سابقة، وبعضهم لعقود عديدة، والذين ربما تعرّض الكثير منهم لنقمة السلطة، بشكل أو بآخر.

والذين لم يظهر لهم دور حقيقي في هذه الثورات، على العكس من ذلك ظهروا كـ “مغتربين” عن واقع كان يسير نحو الانفجار، الأمر الذي جعل اغترابهم فعلياً في الثورات ذاتها. حيث لم يظهر لهم دور، أو لم نلمس أنهم لعبوا الدور الذي يجب أن يلعبه مثقف عضوي في ثورة فجّرتها جموع شعبية هائلة القوة، وظهر كم هم غرباء عن الواقع الذي كان يؤشّر إلى ممكنات انفجار.

لقد استحكم صراعهم مع النظم، لكنهم لم يعتقدوا بأن الشعب يمكن أن يخوض صراعاً قاسياً ضد هذه النظم. بعضهم كان يشك في المقدرة على إسقاطها، والآخر اعتقد بأنه يستطيع المراوغة لكي تقبل تحوّلاً يمكن أن يفتح على تجاوزها. لهذا سنجد بأن الوضع كان يؤشر إلى مسارين مختلفين (وربما يمكن القول متناقضين) كانا يجريان في الواقع.

فقد أدت أزمة اليسار وتهاوي “النظم القومية” ومن ثم انهيار النظم الاشتراكية في العالم، إلى أن يتحقق انقلاب كبير في مواقف النخب (التي كانت في غالبيتها في اليسار) حيث مالت إلى الليبرالية، وأصبحت تعتقد بأن الأولوية هي من أجل تحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، وأن مهمتها أصبحت تتمحور حول هذا الهدف “الكبير”.

وكان ذلك يتساوق مع “خطاب العولمة” القائم على مبادئ الحرية والديمقراطية، والسعي إلى الضغط على النظم الدكتاتورية من أجل الدمقرطة. وبالتالي كانت تربط الحرية والديمقراطية بالليبرالية في المستوى الاقتصادي، وكان يجري نقد “النظم القومية” والنظم الاشتراكية من منظور خطيئة تدخل الدولة في الاقتصاد، الأمر الذي كان يعتبر هو أساس صلابة الاستبداد، والقاعدة التي قوّت هذه النظم وجعلتها تتغوّل.

في المقابل كانت العولمة ذاتها تفرض على النظم هذه سياسات تقوم على تحقيق التحوّل الاقتصادي من “القطاع العام” إلى اقتصاد السوق بفرض الحرية الاقتصادية الشاملة. ومن ثم تحقُّق الهيمنة الكاملة للطغم المالية العالمية، وانهيار مريع في القطاعات المنتجة، الصناعة والزراعة (إضافة إلى التعليم والصحة والبنى التحتية).

وهو الأمر الذي فرض تهميش ما يقارب الـ80% من الشعب، سواء نتيجة البطالة أو نتيجة الأجر المنخفض، وتلاشي دور الدولة في تحقيق التعليم المجاني والضمان الصحي. لهذا كان وضع الطبقات الشعبية يسير نحو الانحدار، ويتصاعد الاحتقان على ظرف لم يعد يسمح بالعيش أصلاً. بمعنى أن خطاب العولمة الليبرالي كان يكرس الانهيار الاقتصادي الذي فرض تهميش كل هذه الكتلة المجتمعية، التي انفجرت في ثورة ظهر للنخب أنها مفاجئة.

لقد تبنت النخب الخطاب الليبرالي ودافعت عنه بشراسة، وكانت النظم تحققه عملياً في المستوى الاقتصادي على الأقل (وإن كان معظمها يحقق انفراجات ديمقراطية). ليظهر أن الليبرالية المتوحشة التي تعمل الطغم الإمبريالية على فرضها تتحقق عملياً وتتواكب مع اعتناق لها من قبل النخب، في سياق كان يظهر أن النخب والنظم في حالة تناقض لا فكاك لها، وهذا هو الغريب في الأمر.

وربما نتيجة ذلك كانت تغض النظر عن السياسات الاقتصادية للنظم التي تشدد النقد ضدها من المدخل الديمقراطي. بالتالي لم تكن تتلمس الآثار العميقة والمرعبة التي تتركها على الشعب، ولم تكن معنية، أو كانت تهرب من تلمس وضع الشعب.

سنلمس بأن “ردة” قد حصلت على ضوء فشل المشاريع القومية عربياً، والاشتراكية عالمياً. وأقصد بالردة تلك العملية التي تعلقت بالتحوّل في الأفكار، خصوصاً بعد سنة 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي (وقبل ذلك انهيار الناصرية والنظم القومية الأخرى).

فإذا كانت النخب اليسارية (قومية وشيوعية) تعادي الإمبريالية، وتدعم الاشتراكية وتؤيد الاتحاد السوفياتي، وتدافع عن الدور الاقتصادي للدولة (وعن “القطاع العام”) وتبرر لهذه النظم استبدادها أو تسكت عنه، وتدافع عن الميل الوحدوي العربي، ومواجهة الدولة الصهيونية، فقد أخذت مساراً مختلفاً، وكذلك مضاداً.

فقد لاحظنا تحقق الانقلاب في المواقف، وليس تدقيقها أو تعديلها. والتجارب عادة تفرض التعديل والتدقيق، وحتى التخلي عن أفكار ورؤى، لكن ما ظهر هو أن المسألة أخذت شكل “الانقلاب” أي عكس المواقف.

وهذا ما ظهر في مسائل كثيرة يمكن تلخيصها في التالي:

1) بالطبع أولاً رفض كل دور اقتصادي للدولة، حيث كان المنطق يقول بأنه لكي ينتهي الاستبداد يجب سلب الدولة قوتها الآتية من تحكّمها بالاقتصاد، وكان اعتبار أن دور الدولة الاقتصادي يساوي الاشتراكية يفرض التحوّل نحو الرأسمالية، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والقول بفشل الاشتراكية.

لهذا باتت تدافع بشكل حاسم عن الليبرالية واللبرلة الاقتصادية، وتعتبر أن الضرورة تفرض تعميم حرية السوق والتخلص من “القطاع العام” وسحب الدولة من كل نشاط اقتصادي. هنا أصبحت ليبرالية بالمعنى الذي تعمم مع العولمة، أي تشربت أفكار “الليبرالية المتوحشة” التي كانت تقود إلى دمار قوى الإنتاج في الصناعة والزراعة، وتفقر الشعب، وتصاعد من أعداد العاطلين عن العمل.. بمعنى أنها انخرطت في موجة العولمة.

2) ولا شك في أنها رفضت الدكتاتورية والاستبداد، لهذا أصبح خطابها يتمحور حول الحرية والديمقراطية، وباتت ترى أن الهدف الوحيد (أو الهدف الأولي والأساسي والسابق على كل شيء) هو هدف الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، واعتبار تحقيقي الديمقراطية مدخل كل القضايا الأخرى. أي تمركز وعيها حول السلطة، وأصبح الهدف الذي يستولي على كل النشاط هو الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية. وأصبح نقد السلطة ينطلق من هذا الأساس فقط، دون رؤية كامل الصيرورة الواقعية. وهنا تمثلت موجة الدمقرطة التي أطلقها خطاب العولمة واندمجت فيها.

3) وعلى الضد من “الخطاب القومي” الذي عممه البعث والناصرية وكل النظم “القومية” باتت في عداء مستحكم لكل ما هو قومي، وأخذت تؤسس لـ “وطنية” محلية والى “أمة” محلية، وتغرق في وعي “قطري” و”هوية” محلوية. وهو السياق الذي كانت تكرسه النظم ذاتها وهي ترفع “الشعارات القومية” لأنه كان نتاج تمسكها بالسلطة “القطرية” واعتبار ذلك مجالاً لنهب المجتمع، الأولوية التي حكمت منطق الفئات التي حكمت باسم القومية. فقد أصبح “القطر” هو الغنيمة التي يجب التمسك بها.

لقد باتت النخب في وارد تأسيس “أمة” في قطرها “نكاية” بالنظم “القومية” لكنها نظّرت ما تريده هذه النظم وهي تتمسك بالسلطة “القطرية” وأسست أيديولوجياً ما يطابق مصالح الفئات التي تحكم.

ولهذا أصبحت النخب هنا ليس قطرية فقط بل معادية لكل ما هو قومي، وتنطلق من “قطريتها” بعيداً عن نظر يتعلق بالمنطقة ككل باعتبار أنها وحدة واحدة. هنا باتت معادية لسياق تاريخي.

4) وأخيراً، كان نشوء النظم القومية كنظم معادية للإمبريالية وتتمسك بالقضايا الوطنية مدخلاً لانقلاب كبير أسقط المسألة الوطنية، وانبنى على التخلي عن كل ما هو وطني. وأصبح الأعداء أصدقاء، ولمسنا تهافتاً كبيرا نحو “الغرب” ليس بالمعنى الثقافي الحضاري بل بالمعنى السياسي. لقد وقعت في “غرام” عميق مع هذا الغرب، وباتت وهي تشعر بعجزها المطلق تستدعي تدخله من منظور أنه الحليف و”الحبيب”. “حالة عشق” ملتهبة فرضت أن تتعامل معه على أنه هي، وأن تنظر للأمر وكأنها طفلته المدللة، وبالتالي باتت تابعة أو مستلبة تجاهه.

لقد باتت في “حضن” هذا الغرب، وتعتقد بأنه حليفها الذي سيحقق لها ما تريد، وأن عليها أن تقبل كل سياساته تجاهنا. أي أن تصبح هي النظم القائمة، التي هي تابعة، أو تسير نحو التبعية.

هذا الوضع كان يجعل النخب في مسار “موجة العولمة” واللبرلة، وفي سياق الاندماج من موقع تبعي مع القوى الإمبريالية التي زحفت لتأكيد سيطرتها على المنطقة. كما كانت في سياق موازٍ لما تحققه النظم ذاتها فعلياً، في الاقتصاد وفي الأيديولوجية.

لهذا ظهر أن الفارق يتمثّل فقط في الدمقرطة، أي في ميلها لأن يكون لها دور “أيديولوجي” معبّر عن هذه النظم (أو بالتحديد عن الطبقة الرأسمالية المسيطرة، والتي هي السلطة كذلك). ربما نقول إنها باتت تسعى إلى تحقيق “استقلالها الأيديولوجي” عن السلطة لمصلحة خدمة الطبقة ذاتها. أي إيجاد “متنفس” ديمقراطي يسمح بتحقيق هذه المسافة الضرورية بين السلطة كقوة قمع والأيديولوجية التي تبرر هذه السلطة.

فهي تريد اللبرلة و”القطرية” و”حب الغرب” لكنها تريد الدولة التي تستوعب ذلك من خلال بنيتها “الديمقراطية” بالتالي والتي تستوعب “لغو” هؤلاء بالتحديد. فقد غدوا المنظرين للسياسات الواقعية لهذه النظم، وإنْ كان ذلك يتحقق في شقاق معها.

الثورات أتت في السياق المعاكس، حيث إن اللبرلة فرضت التهميش والإفقار والبطالة. والتبعية (أو الالتحاق بالإمبريالية) فرض تعزيز الشعور الوطني، وأوجدت شعوراً بالترابط العام في كل المنطقة العربية. لهذا جاء شعار إسقاط النظام في سياق تغيير النمط الاقتصادي الليبرالي، وتغيير تموضع النظم في “المنظومة العالمية” وتحقيق الترابط العربي. لقد أصبح الوعي العام في تضاد مع اللبرلة والإمبريالية، وأصبحت الثورة تهدف إلى تجاوز التبعية والالتحاق من أجل تحقيق التطور.

بالتالي كان من الطبيعي ألا ترى النخب تحوّلات الواقع، ووضع الشعب، وأن تمحور نشاطها من أجل “متنفس” (أو حتى ديمقراطية أوسع) ومن ثم أن تكون تكميلاً لسياسات النظم “القومية” في مسارها “القطري” والتبعي والاستسلامي.

هنا نلمس موت النخب.. الشعب ينهض من أجل التغيير العميق الذي هو ليس في جدول أعمال هذه النخب.

المصدر: الجزيرة