Monthly Archives: فبراير 2011

الماركسية اليوم أو الماركسية بعد كل تلك الانهيارات لكن بالأساس: الماركسية

ربما لن يكون هذا الموضوع ذو طابع نظري رغم ما يوحي به العنوان، أشير إلى ذلك لأن الفهم الذي ساد في السابق أقام فاصلاً هائل الاتساع بين النظري والسياسي، طبعاً لمصلحة السياسي الذي بدا أنه يتعلق بما هو “يومي”، “حدثي”، أي عابر. لكن سيكون الموضوع المطروح هنا نظري بما هو سياسي، لأنه طبقي.لهذا سوف نشير إلى التاريخ في سياق البحث في وضع الماركسية اليوم، كما سنشير إلى الماركسية ذاتها لتوضيح ماهيتها، ومن ثم دورها الراهن، والأسس التي يجب أن تقوم عليها على ضوء الوضع العالمي الراهن.

1-إذا تتبعنا سياق الموقف من الماركسية خلال العقدين اللذين تليا انهيار النظم الاشتراكية سوف نلمس ميلين:
ميل نشأ مع الانهيار، حيث جرى وضع الماركسية في كيسه، وبالتالي باتت من الماضي، ومن الماضي المرذول. وأصبحت في أساس الفشل الذي ضرب الاشتراكية. ولهذا القيت “الكراسات الحمراء” في سلة المهملات، وبات كل قارئ لها متحجر، لم يستطع الخروج من “القرون الوسطى”
وميل معاكس نشأ مع انكشاف أزمة الرأسمالية، منذ تفجر الأزمة المالية في سبتمبر سنة 2008، حيث عادت صورة ماركس تظلل صحفاً عالمية، وعاد “الرأسمال” لكي يصبح، ربما، الكتاب الأكثر قراءة. إذن، عاد “شبح الشيوعية” الذي تحدث عنه كارل ماركس وفريدريك إنجلز في البيان الشوعي.

2-المشكلة في الميل الأول لم يكن في “الهجوم الإعلامي الرأسمالي” المركّز، فهذا وضع طبيعي لطبقة اكتشفت بأنه يمكن إلغاء الملكية الخاصة، وأن إلغاؤها يقود بالحتم إلى تحقيق تطور هائل، كما لمست في وضع الاتحاد السوفيتي ومجمل البلدان الاشتراكية.
لهذا سوف تهلل للانهيار، حيث ستعمل على الإثبات بأن التاريخ لا يحتمل إلغاء الملكية الخاصة التي هي عنصر جوهري في “تكوين” البشر، لهذا سوف يثأر لذاته عبر تدمير كل المحاولات التي تجرأت على ذلك.
لكن الملكية الخاصة ألغيت، وهذا ما سيتثير الرعب لديها، لأن ذلك يؤكد على أنها ليست من تكوين البشر، وأن التاريخ يتقدم بدونها، وربما يكون من الضروري إلغاؤها من أجل أن يتقدم. لقد انتقلت روسيا من بلد قروسطي إلى الحداثة بكل معانيها في سرعة فائقة بعد أن باتت الملكية الخاصة من الماضي، وهذا ما يثير الرعب لأنه يعطي المثال على التطور الممكن لشعوب لازالت تعيش الماضي، وتفتقد قوى الإنتاج الحديثة، وهي الصناعة، التي يجب التوقف عندها، وتأمل تأثيرها في إعادة صياغة كلية التكوين العالمي، وإخراجه من العصر الزراعي في عملية تطور متسارعة. إذن، يمكن تجاوز القرون الوسطى بدون الرأسمالية، هل هناك أكثر خطورة من ذلك بالنسبة لطبقة تعتقد بأنها هي وحدها القادرة على رسم مسار التطور؟
هذه المسألة ربما هي في جوهر كل “الحرب الأيديولوجية” ضد الماركسية، كانت، لكن الانهيار أعطاها “القوة” التي تريدها الرأسمالية، لأنه الاثبات المؤكد على “نهاية التاريخ”. وبالتالي كان من الضروري لها أن تستغل هذا الانهيار إلى مداه الأقصى لكي تفرض وعياً زائفاً، وهو ما انزلق إليه قطاع كبير من اليسار الذي كان شديد العداء لكل انتقاد للاشتراكية القائمة بالفعل، حيث أصبح شديد العداء، وليس النقد فقط، للماركسية ذاتها.
وهذه هي المشكلة في الميل الأول الذي نشير إليه، وهي مشكلة الانحدار الليبرالي الذي طاول قطاع كبير من الشيوعيين (وأقول المسفيتين)، ومن “الماركسيين” الذين اعتقدوا بأنهم تمردوا على الماركسية السوفيتية، لكنهم فهموا الماركسية كنصوص مطلقة الصحة، كقوانين، وربما نقول كـ “آيات قرآنية”، وتاهوا في قياس الشاهد (الواقع القائم) على الغائب (نصوص لماركس أو لينين). ولقد شكّل ذلك انقلاباً في الرؤية، وانتقالاً من شط إلى آخر، ومن موقع إلى موقع معاكس.
لماذا هذا الانقلاب؟ من تقديس الماركسية والاشتراكية والسوفيت إلى الهجوم الشنيع عليها؟ من اعتبار الاشتراكية هي المثال غاية التفوق والمساواة، والرأسمالية هي “الشيطان الأكبر”، إلى أن تصبح الاشتراكية هي ذاك الشيطان والرأسمالية هي الطموح والمثال؟
ربما كان نقد التجربة الاشتراكية ضرورياً (وهو بالفعل كذلك)، وكان البحث في الطابع الاستبدادي للنظم مبرراً، وحتى العودة إلى الماركسية لفحصها هو ضرورة أيضاً، لكن أن تلخص الماركسية بهذه، فهذا هو الأمر الذي يطرح الأسئلة.
هل كان هؤلاء ماركسيين؟ إذن، لماذا مجدوا النظم الاشتراكية ورفضوا غنتقادها؟ ثم لماذا انقلب الموقف إلى رفض الاشتراكية والماركسية من أساسهما؟
هذا الانحدار يطرح السؤال حول “ماركسية” هؤلاء، هل كانوا ماركسيين؟ هل يسمح الوعي الماركسي بتحقيق هذا الانقلاب من طرف إلى نقيضه بكل هذه البساطة؟ أطرح هذا السؤال لأن الماركسية لا تمتلك هذه البهلوانية في الانقلاب، فرغم أنها نقدية وتقوم على الجدل، إلا أنها لا تسمح باتخاذ موقف ثم الانقلاب عليه دون أسس منهجية، والجدل كما نعرف لا يتوقف عند النفي بل يوصل إلى التركيب أو نفي النفي، وما يوقف عند النفي فقط هو المنطق الصوري الذي يلخص العالم في ثنائيات لا تقبل التركيب، على العكس تتأسس على التضاد المطلق. وبالتالي فهذا الانقلاب هو من سمات المنطق الصوري بالتحديد، وربما أقول بأن تلك “الماركسية” كانت لا تعبّر سوى عن منطق صوري، وهو ما سوف أشير إليه تالياً.
لهذا أسست “ماركسيتها” على التقديس المطلق للتجربة الاشتراكية (أو للاتحاد السوفيتي) ورفضت نقدها معتبرة بأنه فعل إمبريالي وفوضوي (وتروتسكاوي)، وهو ما وسم الحركة الشيوعية كلها التي وحّدت الماركسية والاشتراكية بالتجربة السوفيتية، وجعلت نقد التجربة هو تدمير للاشتراكية والماركسية، ثم بفعل الانهيار (وهنا يجب لحظ هذه الحادثة لأنها أساس فهم وعيها و”ماركسيتها”) تتحول إلى شيطان رجيم، وهذا ما وسم الهجوم على التجربة بعد انهيارها من قبل هؤلاء “الرفاق”. هذا التوصيف، وبالتالي هذا الانقلاب، هو من سمات المنطق الصوري كما أشرنا، الذي لا يرى العالم سوى عبر قسمه إلى خير مطلق وشر مطلق (مع/ضد، إما/ أو)، أو ايجاب/ سلب (وكما أشرنا دون تركيب الذي هو الاضافة الأهم التي بلورها هيغل في الجدل، وما تضمنته الماركسية في الجدل المادي، حيث الفريضة والسلب ثم التركيب).
هذا المنطق هو الذي صوّر الاشتراكية كخير مطلق، ورسمتها في نقاء شامل، وتمسكت بأنه المثال الوحيد الذي يجب الدفاع عنه. كما صوّر الرأسمالية في صيغة مرعبة من الظلم والاضطهاد والفشل، وأن ديمقراطيتها شكلية وتخدم الطبقة المسيطرة، وحقوقها كلها متخلفة، وأنها باتت من الماضي وليس من الممكن أن تكون مثالاً للتطور، كل ما فيها سوداوي. وهذه صورة شكلية و”نمطية”، لهذا لا تلمس الصيرورة والتاريخ، ولا التكوين كتكوين متناقض ومركب، ولا تعرف ما قدمت وما لم تستطع تحقيقه. وبالتالي أصبحت هي “المنهجية” التي تحدد الموقف من كل من الاشتراكية والرأسمالية، قبل الانهيار وبعده. لقد كانت الاشتراكية هي الخير المطلق هذا، ولهذا وسم كل ناقد لها بأنه شيطان رجيم، من تروتسكي والتروتسكيين، إلى بوخارين وزينوفيف وكامينيف، إلى لوكاش، إلى كل ماركسي آخر لم يقبل بهذه المهزلة، ومال إلى الفهم، ووعي مشكلات التجربة ونقد مساراتها من أجل تطويرها خشية الانهيار. لكن أصبحت الاشتراكية هذه كلها هي الشيطان الرجيم بعيد الانهيار، وباتت الرأسمالية التي كانت “العدو”، والشر المطلق، هي هذا الخير المطلق، وأصبح نقدها تعبير عن عقلية دوغمائية، وستالينية.
حيث أن العقل الصوري ذاك لا يتسع إلا إلى خير مطلق وشر مطلق، ولا يستطيع وعي الطابع المركب لكل ظاهرة، فقد ملأ “الفراغ الأول” (الخير المطلق) أولاً بالاشتراكية وهو مناضل متحمس، ويريد تغيير العالم، ويحصل على امتيازات الاشتراكية كذلك، وحينما كان يتلمس المعاناة من الرأسمالية والاستعمار. ولهذا صبّ جام غضبه على الرأسمالية وأنشد في وصف مساوئها (رغم أنه كان بحلم بأن تتحقق في واقعنا، وكان لا يفعل سوى دعم البرجوازية لكي تنتصر، وهذه مفارقة لا تخرج عن صورية المنطق، وصورية فهم التطور التاريخي، وأيضاً صورية الوعي ذاته الذي خضع كما سنشير إلى تكتيك المركز السوفيتي، فهذه الصورية كانت تقود إلى التبعية بالحتم).
ثم، حين انهارت الاشتراكية (ولم يجد فيها نتيجة المنطق الصوري سوى الفشل) قلب المعادلة، فملأ الفراغ الأخير بالاشتراكية كونها “فشلت”، فباتت الاشتراكية هي الشر المطلق (حيث بدأ كشف القمع والاستبداد والاغتراب، وجرى تلمس الشمولية وتغييب الديمقراطية، وهذه كلها باتت تنقل عن نقد قديم بدأ مع انتصار الاشتراكية، وتوسع بعد إذ، وهو نقد صحيح، لكن الأساس هنا هو أنه بات قديماً ويحتاج إلى بحث أعمق لم يستطع المنطق الصوري فعله)، وبالتالي ،ميكانيكياً، أصبحت الرأسمالية هي الحلم، خصوصاً أن ما جرى تلمسه هو المستوى السياسي فقط (وهذه سمة المنطق الصوري)، وأصبحت المسألة هي مسألة الديمقراطية، وجودها أو غيابها. ودون تلمس لكلية البنية، والتطور في الاقتصاد والمجتمع. وفي هذه المقارنة، التي كانت غائبة في السابق حيث كان يجري التركيز على الاقتصاد، سوف تكون الرأسمالية هي “المثال” حتماً، لكن هذا ما ينتجه المنطق الصوري وحده، رغم أنه صحيح وفق حينما يوضع في سياق وعي عميق ينطلق من وعي كلية البنية على أساس الجدل المادي.
الوعي الماركسي، إذن، كان في مكان آخر وليس في عقول هؤلاء. ونقصد هنا معنى مزدوجاً: أن الوعي الذي حكم الحركة الماركسية عموماً لم يستند إلى كنه الماركسية، لم يُصَغ انطلاقاً من فهم حقيقي للجدل المادي، ووعي بماهية الماركسية، وبالتالي ظل ينحكم لمنهجية سابقة على الماركسية (وعلى الهيغلية كذلك، وربما على كل الفكر الأوروبي الحديث)، هي بالتحديد المنطق الصوري الذي عبّر عن القرون الوسطى التي شهدت سيادة النمط الزراعي. ثم أن هذا الوعي اتكأ على مفاهيم مستمدة مما بات يسمى الماركسية السوفيتية، أو الماركسية كما صيغت في الاتحاد السوفيتي كأيديولوجية للدولة ومعبر عن مصالحها، وهذه المفاهيم قامت على أساس المنطق الصوري وأسس لرؤية تنطلق من مصالح الدولة السوفيتية وتكتيكاتها. وهو ما جعل الحركة الشيوعية جزءاً من سياسات الدولة السوفيتية وتخضع لهذه التكتيكات.
وهذا الوعي “السطحي” كان يتبلور في كل سياسة الحركة الشيوعية وأيضاً لدى اليسار الجديد الذي تشكل في سبعينات القرن العشرين كتجاوز لتلك الحركة. وربما يكون مفيداً الاشارة إلى موقف يوضح هذه “التبعية” (التي هي نتاج تبعية الوعي)، وهو الموقف من قرار تقسيم فلسطين سنة 1947، حيث تمثلت السياسة العامة للحركة الشيوعية (وللاتحاد السوفيتي أصلاً) في رفض الصهيونية، ورفض الاحتلال البريطاني لفلسطين، وبالتالي الدعوة إلى قيام “دولة ديمقراطية” على ضوء طرد الاحتلال وهزيمة المشروع الصهيوني. وظل هذا الموقف متماسكاً على هذا الأساس إلى اللحظة التي أيد فيها السوفيت قرار التقسيم، لينقلب الموقف ويجري “قبول الأمر الواقع” الجديد، وهي السياسة التي ظلت إلى اليوم. هذا الانقلاب السريع في الموقف يعبّر عن خفة في وعي الواقع، وفي التمسك بالأهداف، وأساساً بالإرتباط بالواقع. لهذا كان يكفي أن يغيّر الاتحاد السوفيتي تكتيكه لكي يتغير تكتيك الحركة الشيوعية. وهو ما كان يعني بأن الارتباط بالمركز السوفيتي هو أوثق من الارتباط بالواقع، وأن الحركة كانت تلتزم بتكتيك الدولة السوفيتية بغض النظر عن واقعها.
بالتالي فإن الانحدار الليبرالي نشأ عن وعي صوري كان يردد مصطلحات ومفهومات ماركسية، ويحمل شحنة من التحرر و”العدالة الاجتماعية”، ويطمح إلى التطور في إطار المثال العالمي الذي هو الرأسمالية. وكانت الاشتراكية بالنسبة له المتكأ الذي يدعم نشاطه، وربما يضغط من أجل تحقيق حلمه الرأسمالي (ولا ننسى بأن البرجوازية الصغيرة الفلاحية حملت حلم الاشتراكية مصاغاً في حدود مصالها، واتكأت على الاتحاد السوفيتي). وأساساً بدا هذا الانحدار كتعبير عن طبيعة الفئات التي حملت “الماركسية”، والتي كانت من الفئات الوسطى التي تتلوّن وفق الاتجاهات المسيطرة في الغالب (وسنلمس بأن بعض هؤلاء، والذي ظل “مقاوماً للاستعمار”، مال إلى التكيف مع الأصولية الإسلامية التي أصبحت تياراً مهيمناً بعد انهيار الحركة القومية، وتلاشي اليسار).
كل ذلك يفرض أن ندقق في الماركسية وفي الوعي الماركسي، أي أنه حينما نتناول الماركسية اليوم يجب أن نلحظ هذه الوضعية من أجل فهم المعنى الذي نريده للماركسية اليوم.

3-نعود إلى الميل الثاني، وهو الذي تمثل في “العودة إلى ماركس” كما يتعمم في الإعلام. ولاشك في أن انهيار الاشتراكية كان يؤخذ كمدخل للقول بالانتصار النهائي للرأسمالية، وبالتالي بدت هذه هي الشكل النهائي للعالم، أو على الأقل إلى أمد بعيد، حيث بدأ اليسار المتحدر ليبرالياً يكيّف كل تصوراته مع هذا الوضع “طويل الأمد”. أي بدأ يفكر في حدود الرأسمالية. وأكرر هنا بأن الحركة الشيوعية لم تفكر خارج هذه الحدود، ولكن الفارق هذه المرة هو أن “سمة العصر” لم تعد هي “الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية”، بل لم يعد هناك انتقال أصلاً، ولم يعد هناك سند ؤسس وجوده لـ “النضال من أجل الاستقلال والتحرر” مما فرض التكيف مع الرأسمالية القائمة بالفعل.
الأزمة المالية العالمية أظهرت بأن الرأسمالية تعيش تناقضات عميقة، وبالتالي فيمكن أن تنهار، وأنها لا تصلح لأن تكون مثالاً للتطور. وربما تصور البعض بأنها على شفير الانهيار النهائي، وجل هؤلاء هم من الماركسيين المتلبرلين. لكن بغض النظر عن الرأي في الأزمة المالية، وفي حدودها، وهل هي أزمة مالية فقط أو أنها أزمة الرأسمالية ذاتها؟ فإن المهم هنا هو أنها طرحت السؤال حول “قيمة” الماركسية، وحول علميتها، ودقة تحليلها للرأسمالية، وبالتالي فهمها للأسباب التي تدفعها إلى الأزمة. ولاشك في أن الأزمة أظهرت بأن الرأسمالية ليست “نهاية التاريخ”، وليست البديل الممكن، وأنها تعيش وضعاً صعباً، كما أن الأزمة أفضت، ولازالت، إلى افقار قطاعات واسعة ليس في الأطراف فقط، بل في المراكز كذلك، وبالتالي بدأت مرحلة الرخاء في التكسر والتلاشي.
وبالتالي فدأت الماركسية تبدو كبديل، أو بشكل أدق: البديل. بمعنى أن الأزمة أظهرت ضيق أفق كل الحركات التي بدت في السنوات الماضية وكأنها البديل، من التيار الذي انحدر ليبرالياً إلى الحركات الأصولية، وصولاً إلى حركات مناهضة العولمة، رغم الفارق بينها. حيث أسقطت الأزمة كل ادعاءات “الخطاب الليبرالي” الذي حمله اليسار الليبرالي، وأظهرت بأن الرأسمالية ليست بديلاً ممكناً. كما أوضحت الأزمة بأن الحل الأصولي ليس خياراً على الصعيد الاقتصادي الطبقي لأنه يقوم على اللبرلة، رغم أن “شعبيته” نتجت عن دوره “الوطني” أو المعارض للنظم. وكان الوضع العالمي قد أوضح منذ أمد قصور الخطاب المناهض للعولمة، وانحساره في الاحتجاج دون بديل حقيقي لأنه انطلق من رفض “الليبرالية المتوحشة” فقط، وليس رفض الرأسمالية من الأساس.
لقد عادت الماركسية إلى الواجهة من جديد إذن، ولم يستطع الإعلام الرأسمالي سوى أن يظهر هذا الميل. لكن ماذا تعني “عودة الماركسية”؟ وفي وضع كوضعنا؟
هنا تصبح المسألة جدية إلى أبعد الحدود، وتحتاج إلى تفكير عميق. فقد فشلت الماركسية، وانهارت الاشتراكية. طبعاً، والماركسية ظلت فاشلة عندنا، وتهمشت مع صعود الحركة القومية العربية (حركة الفئات الوسطى، والفلاحين خصوصاً)، ثم مع صعود الحركة الأصولية …. لكننا إزاء كونها البديل من جديد.
هل نكرر تجربة الحركة الشيوعية والحركات الماركسية الأخرى (اليسار الجديد)؟ أم نقف لحظة للتأمل من أجل رسم سياسة جديدة؟ وأساساً من أجل إعادة قراءة الماركسية من منظور جديد من أجل تمثل منهجيتها؟
أشرت إلى الوعي الماركسي لدى هذه الحركة، وهذه مسألة تحتاج إلى وقفة، حيث أن الماركسية ليست عواطف وانفعالات، بل عقل لأنها فكر. وأبعد من ذلك، إنها تقدم آليات تفكير جديدة جداً، مختلفة عما نتوارثه (المنطق الصوري). ولكي يمكن إعادة صياغة آليات التفكير نحتاج إلى وعي عميق، إلى دراسة عميقة، وربما هنا نشير إلى مقولة إنجلز، حيث منذ أن أضحت الثورة علماً بات علينا أن نتقن هذا العلم، أي أن ندرسه بعمق. وهذا هو وضع الماركسية التي هي طريق الثورة.
هذه مسألة فشل فيها الماركسيون خلال العقود السبعين الماضية، ومن نجح أقصي من الأحزاب، حيث كان “المركز الفكري” هو موسكو، ولم يبرز شعور هنا بأننا نحتاج إلى وعي عميق، لأننا ننفذ فقط السياسات والتكتيكات التي ترسم من قبل “العقل الأيديولوجي” في موسكو. إن مهمتنا هي تنفيذ السياسات وليس التفكير في الواقع ورسم السياسات التي تفرضها. ولهذا كان النشاط عفوياً من جهة لأنه لم ينبني على وعي الصيرورة الواقعية وتحديد دوره فيها، لكنه كان مقاداً من جهة أخرى لأنه خضع لسياسات محددة في المركز التي كان يحدد سياساته انطلاقاً من كونه دولة لها مصالح، لكن لها ممكنات كذلك. ولها تكتيك يتأسس على رؤية عالمية وأولويات قومية.

4-الأزمة إذن تعيد طرح الماركسية كخيار أو كبديل، لكن أية ماركسية؟
فالماركسية تشتت في القرن العشرين إلى ماركسيات، الماركسية السوفيتية التي فرضت هيمنتها من خلال سطوة الدولة السوفيتية، التروتسكية التي ظلت تلعب دور المعارضة لكن على صعيد عالمي، الماوية التي تواشجت مع السوفيت لكنها انبنت كماركسية مستقلة بعيداً على الماركسية السوفيتية، لكنها عادت وتبلورت في “نكهة خاصة” تتشابه مع الماركسيات الأخرى. وأصلاً ماركسية الأممية الثانية. أو الجيفارية، أوالماركسية الفوضوية. وكل منها صيغ في “نظرية متكاملة”، في “نص مقدس”، عبر “تلخيص” نصوص ماركس وإنجلز ولينين في منظومة وفق ميول لهذا أو ذاك، أو كانعكاس لميول طبقية، وبدت كلها –في تبلوراتها النهائية- كتعبير عن الفئات الوسطى، بحلقيتها وتناحرها، وحرْفيتها، ولكن أيضاً في عدم مقدرتها على مغادرة المنطق الصوري.
لكن أين ماركس من كل ذلك؟
لاشك في أن الكثير من أفكار ماركس وإنجلز ولينين تبدو صحيحة، ثابتة، لكن أيضاً هناك الكثير من الأفكار التي بدت خاطئة، أو أنها “شاخت” كما قال كل من ماركس وإنجلز عن بعض فقرات البيات الشيوعي بعد ربع قرن على كتابته. لكن ما الذي يجعلنا نشير إلى صحة أو خطأ فكرة ما؟ في الماركسية هناك العلاقة المتوترة بين آليات التفكير في الواقع والواقع ذاته، الواقع المتغير، المتحول. وبالتالي فإن الصحة والخطأ ينطلقان من هذا وذاك: أي من المنهجية ومن الواقع معاً. فربما لم تسعف المنهجية في لحظةٍ الوصول إلى نتائج علمية، كما ربما تكون النتيجة الصحيحة قد تقادم عهدها لأن الواقع ذاته قد تغير. ولهذا لا نستطيع أن نصيغ “نظرية” أو “ماركسية” دون أن نأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، أو أن نجعلها أساس تناولنا للماركسية. واي خطأ في هذه العلاقة سوف يفرض اختلالاً في التصور الماركسي، أو حرفاً للماركسية عن تعبيرها الطبقي، عن الطبقة العاملة، إلى التعبير عن الفئات الوسطى. لأن تعبيرها عن الطبقة العاملة مرتبط بوعيها الواقع علمياً، وتأسيسها الرؤية التي تصبح هي الرؤية التي تؤسس وعي الطبقة العاملة الذي يتيح لها التغيير.
يجري الميل عادة إلى اعتبار أن الماركسية أيديولوجية الطبقة العاملة أو نظرية الثورة الاشتراكية، لكن هذا التحديد سيكون هو الأساس الذي قاد إلى تحويل الماركسية إلى “بنية مغلقة” أو “نص مقدس”، حيث تؤخذ أفكار وتصورات وقوانين من تراث ماركس، إنجلز ولينين (وأيضاً تروتسكي وماو تسي تونغ) لكي تصاغ في “نظرية” أو “أيديولوجية”. وفي الغالب تكون المنهجية بعيدة عن كل ذلك، أو لا تدخل في هذه البنية، أو يستأنس بها في “المستوى الفلسفي” دون أن يكون لها دور أو فاعلية في بناء الأيديولوجية أو النظرية. وهنا –انطلاقاً من ذلك- يتوحد العام والخاص، النسبي والمطلق، لأنه تجري صياغتها في نظرية أو أيديولوجية دون التدقيق فيما يمكن أن يتحول إلى عام، وما هو خاص، أو ما يمكن أن يصبح مطلقاً وما هو نسبي، لهذا بات من الماضي في سياق الصيرورة التي تفرض تحولات وتغييرات عميقة.
الماركسية ليست أيديولوجية الطبقة العاملة، وليست نظرية الثورة الاشتراكية. فليس هناك أيديولوجية للطبقة العاملة على العموم، أو نظرية الثورة الاشتراكية على العموم، هناك أفكار عامة عن الطبقة العاملة وعن الثورة الاشتراكية، لكن هذه العمومية لا تسمح بأن تتحول إلى أيديولوجية أو إلى نظرية، لأن الأيديولوجية لا تتأسس إلا على ملموس، أي ما يخص طبقة عاملة محددة، ملموسة. والنظرية لا تكون إلا لوضع معين، ملموس. هناك أفكار عامة موحدة أو متقاربة، لكن هذه الأفكار لا تشكل لا أيديولوجية ولا نظرية. لكنها يمكن أن تصبح حزءاً من أيديولوجية الطبقة العاملة، أو من نظرية للثورة فقط حينما تنحكم لعلاقة المنهجية/ الواقع. أي حينما يجري تحليل الواقع انطلاقاً من الجدل المادي، ويتأسس تصور لوضع الطبقة العاملة ولمصالحها ولرؤيتها ولبديلها، ولتتحدد “نظريتها” في تحقيق الثورة. هنا يمكن أن يدخل تراكم الأفكار التي يستوعبها الواقع في منظومة يمكن أن تسمى أيديولوجية الطبقة العاملة المحدَّدة في المكان والزمان، ونظرية الثورة الاشتراكية المعينة في بلد وزمن.
بمعنى أن الأيديولوجية والنظرية تتشكلان عبر البحث في الواقع المحدَّد، لأنهما يخصان هذا الواقع المحدَّد ولا يمكن أن يطرحا في إطار عام، وإلا عادت الماركسية رؤية مجردة تحكم الواقع، وبالتالي تعود رؤية مثالية (إضافة إلى أنها غير جدلية)، رؤية تنطلق من تصور مسبق تبلور عبر اختيار “عشوائي” من تراث ماركس وإنجلز ولينين (أو تروتسكي أو ماو)، وليصبح هو “الهادي” في الممارسة الواقعية، التي تخضع لظرف معين وواقع محدَّد. وهذه الآلية هي جزء من طبيعة المنطق الصوري، حيث تصبح الفكرة هي الأساس والواقع هو وسيلة التطبيق. إن الأيديولوجية التي تعبّر عن الطبقة العاملة هي نتاج واقع هذه الطبقة المحدَّد، وبلورتها تقوم على تحليل الواقع المعين من خلال المنهجية الماركسية: أي الجدل المادي.
إذن، لا يجب استسهال تبني بعض الأفكار، أو بعض الاتجاهات، “الماركسية”، بل يجب تمثل منهجية الماركسية بالأساس لكي يصبح ممكناً أن يكون المرء ماركسياً. هنا تبنى الماركسية على أساس تحقيق نقلة في الوعي، وأخصص أن هذه النقلة تتحقق في “طريقة التفكير”، الأسس التي يعالج “العقل” فيها الأحداث والأفكار، وبالتالي الواقع. هذه هي النقلة الحاسمة في تشكل الماركسي، ودون ذلك سوف يبقى يعالج الأحداق والواقع انطلاقاً من منهجية متوارثة هي بالضبط: المنطق الصوري، الذي هو جزء من وعي تقليدي متوارث، وتعمم “عفو الخاطر”، كما عبر المدرسة والعلاقات المجتمعية. إن الماركسية هي ليست الأفكار والتصورات التي كتبها مؤسسوا الماركسية، ولا تحليلهم للأحداث ونقدهم للأفكار، وفهمهم للواقع الذي عاشوا فيه، فهذه كلها هي نتاج “طريقة في التفكير” جديدة. لقد عالجوا كل ذلك انطلاقاً من منهجية جديدة بالأساس، هذه المنهجية التي كانت قد تبلورت مع هيغل والتي أوقفها ماركس على قدميها بتحويلها من منهجية جدلية تنطلق من أن الواقع هو “ظلال” الفكر، انعكاس الفكر، إلى أن الفكر هو نتاج الواقع، وبالتالي فإن الوجود هو الأساس المادي الذي يؤسس لنشوء الأفكار (رغم أهمية الأفكار في تطوير الواقع، وهذا ما يعطيها استقلالية نسبية)، ولكن هذا الواقع هو في صيرورة، أي في عملية تحول ةتغير مستمرة وفق “آلية” جدلية. وعلى ضوء ذلك زرع ماركس جدل هيغل في مسامات الواقع، في كل تفاصيل الوجود، ومنه توصل إلى استنتاجات وأفكار، وأيضاً قوانين باتت جزءاً من الماركسية، لكنها خاضعة لعلاقتها بالمنهجية ذاتها ولا يمكن أن يجري التعامل معها مستقلة عنها.
الماركسية اليوم، بالتالي، يجب أن تنطلق من تمثل الجدل المادي وليس من أي شعار أو هدف أو فكرة أو قانون. وكل ذلك سوف يوضح في سياق محدَّد تأسيساً على المنهجية ذاتها، حيث سيصبح بعضاً منه جزءاً من التراث لأنه عبّر عن تحليل أو رؤية لظرف معين بات من الماضي. وبعض آخر سوف يصبح جزءاً من منظومة تتأسس على ضوء المنهجية، وسيتوضح بأن بعضها كان خاطئاً ولم يتأسس على تحليل منهجي، وستكون كلها جزءاً من التراث الماركسي الذي سيساعد على تمثل المنهجية.
إن قيمة كل هذا التراث الأساسية هي اكتساب المنهجية، وليس حفظ الأفكار أو تكرار الشعارات. وعملية الدراسة هذه هي التي يجب أن تفضي إلى تجاوز المنطق الصوري المرسّخ في الوعي (أو في العقل)، وتمثل الجدل المادي. وانطلاقاً من ذلك يمكن أن تتأسس ماركسية جديدة، تعبّر عن مصالح الطبقة العاملة وتحدد صيغة التطور الذي يفضي إلى الاشتراكية.
ما الجدل المادي؟
أنها منهجية لا تركن إلى ما هو ظاهر بل تدخل إلى عمق الظواهر، حيث أنها تنطلق من أن لكل ظاهرة شكل ومضمون، وأن المضمون هي مركزها. وإذا كان الشكل هو ما يبدو أمامنا، ما نسمعه أو نلاحظه ونشاهده، وهو ما يمكن أن يحدده المنطق الصوري، فإن الجدل المادي يفرض الغوص إلى المضمون، إلى جوهر الظاهرة، حيث الشكل هو ما تظهر فيه في لحظة معينة بينما المضمون هو المعبّر عن ماهيتها.
وهي تتجاوز المنطق الحسي (الذي هو جزء من المنطق الصوري) حيث لا يوجد سوى “المحسوس”، ولهذا تربط المحسوس بالمجرّد الذي يتبلور في الفكر. إن قهم الواقع يفترض التجريد الذي يسمح في صوغ الواقع في رموز ومنظومات لكي يجري النفاذ من الشكل إلى المضمون. والعملية هنا تبدو كصيرورة من الشكل إلى المضمون رغم أن المسألة تبدو انتقال من الواقع “المحسوس” إلى الأفكار المجردة. إن تجاوز المنطق الحسي يفرض الانتقال إلى التجريد، وهي العملية التي تاهت فيها الفلسفة لكنها وصلت إلى منتهاها حين بلورها هيغل في منظومته الجدلية. وبالتالي تفرض هذه المنهجية الانتقال من المحسوس إلى المجرد لكي يمكن فهم الواقع ذاته بما هو شكل ومضمون.
كما أنها ترى أن الواقع يتطور في صيرورة لها قوانينها، التي لخصها إنجلز في ثلاث قوانين تنطلق من أن كل ظاهرة يخترقها التناقض، وينحكم تطورها على تراكم كمي يفضي في لحظة إلى تحقيق تغيّر نوعي، وأن كل هذه العملية تجري في إطار وجود أساس (أو فريضة) يقود إلى النفي، ليتشكل نفي النفي الذي يتضمن الأساس والسلب معاً في تركيب جديد.
لكن هذه العملية تتحقق في تكوين متعدد، وبالتالي فإن التناقضات متعددة، لهذا فإن الواقع يتطور في صيرورة مركبة، هي كلها التي تفضي إلى تحقق نفي النفي. كما أنها تتححق في إطار العلاقة بين الشكل والمضمون، والمشخص والمجرد، وبالتالي تتضمن تناقضات متعددة، وتداخلات ستكون أعقد من تناولنا لها في شكل مبسط، وأحادي. وإذا كانت هذه المسألة تبدة، في المستوى الفلسفي، معقدة، وربما مرهقة، فإن وضعها في سياق الجدل المادي، أي عبر الانطلاق من الواقع سوف يجعلها أكثر بساطة. لكنها تفرض البحث في مستويات أخرى، منها المستوى الاقتصادي، والمستوى المجتمعي، والمستوى السياسي، والمستوى الأيديولوجي. وهذه أيضاً مترابطة ومتداخلة، ولها شكل ومضمون، ومجرد ومشخص.
لن نشرح هنا هذه القضايا لأنها تحتاج إلى تفصيل، وتناول قضايا كثيرة و”علوم” مختلفة، لكن يجب أن يكون واضحاً أنها المدخل لتشكل ماركسي. وهي تحتاج إلى الدراسة العلمية والقراءة المعمقة، وليس إلى الاكتفاء بمبسطات لا تفيد سوى أنها أوليات توضح بعض المفاهيم، أو تعود على نمط من المصطلحات. إنها تحتاج إلى بحث فلسفي واقتصادي واجتماعي وسياسي وفكري شامل.
طبعاً يمكن أن يشار إلى أن هذا يؤسس مثقفاً ماركسياً وليس حزباً نضالياً ماركسياً. وهذا صحيح، لكنه ضروري، ليس لأن كل أعضاء الحزب يجب أن يكونوا “علماء”، بل أن الانطلاق من الصراع الطبقي يجعل هذا الصراع هو أساس نشوء الحزب تأسيساً على مصالح الطبقة العاملة، وسعياً إلى انتصارها. لكن نشاط الطبقة في إطار الصراع الطبقي لا يخرج عن كونه “نضال مطلبي”، حيث يجب كسر الوعي الذي يؤسس لحدود هذا الصراع. وهنا أشارت الماركسية إلى مستويين، الأول: أن الطبقة تناضل انطلاقاً من حسها السليم، حيث أنها هي التي تعاني من الاستغلال والاضطهاد، من الفقر والبطالة. وهي هنا تعرف مستغلها، وتتمرد على شروطه، لكن وعيها لا يسمح لها أن تقدّم بديلاً لنمط آخر، هو ضروري لكي تطور وضعها وتحقق مصالحها، وهي عبر ذلك تغير وضع المجتمع ككل.
الطبقة هنا هي في صراع واضح (رغم بعض الميول التي تفرض على البعض تحقيق الحل الفردي)، ويظهر لتناقض لا حل له سوى عبر نفي الرأسمالية، لكن وعي الطبقة لا يجعلها قادرة على تحديد الشكل البديل، وآليات تحقيق النفي، وبالتالي بلورة نمط بديل.
هذا ما أضافته الماركسية، حيث أن علميتها تسمح لماركيها بوعي الواقع، ووعي آليات تغييره، وتحديد شكل البديل الممكن. وهذا مرتبط بـ “مثقفين” هم غالباً من الفئات الوسطى (أو حتى من الرأسمالية)، وهم الذين يجب أن يتمكنوا من تمثل الماركسية في الصيغة التي أشرنا إليها للتو. والتمثل هنا ضروري لأن هذه الفئات دون أن تحقق الانتقالة في الوعي سوف تعبّر عن مصالح الفئات الوسطى التي هي منها، وإن بشكل ملتبس أو ملتوٍ (وهذا هو الأخطر). وبالتالي فإن مقدرتها على القراءة والبحث والدراسة الجادة هي التي تجعلها قادرة على تمثل الماركسية، لكنها بحاجة إلى “صهر أيديولوجي” لكي تحقق الانتقالة التي تجعلها قادرة على تجاوز مصالحها الطبقية الضيقة، كونها من الفئات الوسطى، ومن ثم تصبح قادرة على الاندغام بالطبقة العاملة، ورؤية الواقع من منظور مصالحها الطبقية، وفي الوقت ذاته بلورة الرؤية التي تعبّر عن هذه الطبقة، وصياغة بديلها، وتحديد تكتيكاتها التي توصل إلى تحقيق هذا البديل.
ورغم أن الحزب يلعب دوراً في تطوير وعي الطبقة، ويحرص على أن ترتقي في فهمها للواقع، وأن تؤسس رؤيتها، وأن تتمثله كذلك، فإن “المثقف” من الفئات الوسطى هو الذي يقع على عاتقه عبء تمثل الماركسية بكليتها. وهو الذي ينتج الوعي الذي يُعمم على الطبقة من خلال التفاعل معها، وفي إطار الصراع ضمنها. فالحزب هو الفراد من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء الذين ينتظمون من أجل تحقيق مصالح مجمل الطبقة. و”المثقف” الماركسي هو المناضل الذي يندمج بالطبقة ويخوض الصراع معها، لكنه يقدم لها الوعي والتنظيم. وفي النهاية فإن الطبقة هي التي تنتصر وليس الحزب لأن الصراع هو صراع طبقي، وما الحزب هو مفعّل لنشاطها، ومنظم لفاعليتها، ومحدد لأهداف وتكتيكات تجعلها تتحول إلى قوة فاعلة.
“التشديد النظري” إذن هو ذاك الذي يتعلق بـ “المثقفين” من الفئات الوسطى، حيث دون صهر أيديولوجي عبر تمثل عميق للماركسية لن يكون بامكانهم الاندماج بالطبقة والتعبير عن مصالحها. رغم أن المطلوب تطوير وعي الطبقة عبر أشكال متعددة يقوم بها الحزب الماركسي. إن الحزب هو اندماج فئة مثقفة بالعمال والفلاحين الفقراء تأسيساً على مصالح هؤلاء، والتزاماً بها، بهدف قيادتهم النضال لتحقيق المهمات الديمقراطية في صيرورة الوصول إلى الاشتراكية. وبالتالي فإن وعي الماركسية هو أساس تحويل فئات وسطى (محدودة) إلى صف العمال والفلاحين الفقراء، لكي تصاغ الرؤية انطلاقاً من الماركسية وبالترابط مع “الحس السليم” لهؤلاء.
ولقد توضح، كما أشرنا قبلاً، بأن عدم تمثّل الماركسية والاكتفاء بـ “أيديولوجية” رثة (هي الماركسية السوفيتية)، أو الاعتماد على حفظ النصوص الماركسية، قد أفضى إلى أن تهيمن الفئات الوسطى بمصالحها وأوهامها على الحركة الشيوعية، وكا التيارات الماركسية التي نشأت. وبدل أن تعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء جرت هؤلاء إلى رؤى الفئات الوسطى وأوهامها.
المطلوب بالتالي ماركسية تندمج بصراع العمال والفلاحين الفقراء من أجل التغيير الثوري، ولتكون وعيهم الحقيقي، و”العقل” الذي يرشدهم في الرؤية العامة وفي التكتيك، كما في الممارسة.

5-بعد كل ذلك يجب أن يكون للماركسية اليوم رؤية أخرى، ربما هي نقيض تلك التي راجت في الوطن العربي خلال معظم القرن العشرين، وربما هي استعادة للتلمسات الأولى التي حاولت أن تتبلور فيها خلال عقد من نشوئها. وأيضاً ربما حملت بعض اندفاع وجرأة وتلمسات الموجة الثانية التي نشأت بعد هزيمة سنة 1967. لكنها تحمل كل الجدة التي يفرضها تغير العالم، وتتضمن كل الخبرات التي تراكمت، وتؤسس انطلاقاً من طبيعة التناقضات التي تحكم العالم اليوم، وتطرح الرؤى التي تعبّر عن حلم العمال والفلاحين الفقراء في التغيير وتحقيق المهمات الديمقراطية كخطوة لا بد منها على طريق انتصار الاشتراكية.
الماركسية اليوم ضرورة، بل ضرورة حاسمة، لكن ليست تلك التي انتشرت في الوطن العربي، ولا تلك التي انبنت على أفكار “العلماء” السوفيت، فهذه ليست ماركسية بل أيديولوجية فئة حاكمة كيّفت الماركسية مع مصالحها، وعممتها عالمياً كونها “الماركسية الشرعية”، ولقد نبعت شرعيتها من قوة الدولة السوفيتية، ومن الأمل الذي كانت تنشره في كل أسقاع العالم.
والماركسية التي هي ضرورة يجب أن تنطلق من أن ما أضافه ماركس، وربما الأهم فيما قدّم، هو طريقة التفكير، أي الجدل المادي الذي هو طريقة التفكير الأرقى من المنطق الصوري بالحتم (رغم تضمنه لهذا المنطق كتحديد أولي)، والتي على ضوء تملكها يمكن صياغة رؤية العمال والفلاحين الفقراء، وتحديد بديلها القومي والعالمي.
في هذا السياق يجب تفكيك أيديولوجية الحركة الشيوعية من جهة، ولكن الأهم، من جهة أخرى، هو تأسيس تصورات مطابقة للواقع لأنها تنبني على وعي الواقع تأسيساً على الجدل المادي.
وإذا كانت الحركة الشيوعية في الماضي هي جزء “تابع” في المنظومة الاشتراكية، ومخضعة لمركز القرار السوفيتي، يجب أن تتأسس حركة شيوعية تعي ذاتها، متمحورة على الذات إذا أردنا استعارة مصطلحات مدرسة التبعية. ثم بالتالي يجب أن تعي بأن التطور والتغيير في بلادنا ليس ممكناً إلا عبر فعلها. وهنا يجب اسقاط المراهنات على برجوازية لم تعد موجودة إلا في الأوهام، أي برجوازية تحقق التطور عبر انجاز المهمات الديمقراطية، فالتطور الصناعي والزراعي، والاقتصاد عموماً، وكذلك التطور المجتمعي وتطور الوعي، هو فقط منوط بانتصار العمال والفلاحين الفقراء كطبقة، وبالماركسية كرؤية وكحزب مندمج فيها.
لا مراهنات على التطور الرأسمالي، بل أن الأساس هو أن يحقق الشيوعيين المهمات الديمقراطية في سياق الانتقال إلى الاشتراكية.
وكل ذلك يعني واقعياً أن تقود الصراع ضد الإمبريالية التي لازالت تتوسع وتهيمن وتنهب وتدمر، وتفقر الشعوب. ومع الطغم المالية التي تتوسع في نهبها، وفي تدمير المجتمعات والبيئة واشعال الحروب. كما ضد الرأسماليات الكومبرادورية التابعة التي تحكم وتهيء للسيطرة الإمبريالية. هذا هو التناقض الأساسي بغض النظر عن تجليه في كل منطقة. هذه هي مهمة الشيوعيين سواء في البلدان المحتلة أو في البلدان التابعة، وعلى صعيد عالمي.
إن الصراع مع المشروع الصهيوني هو صراع طبقي، لأن الوجود الصهيوني يقوم على أساس كون الدولة الصهيونية هي مرتكز عسكري (وإن اتخذ شكل مجتمع ودولة) لفرض السيطرة الإمبريالية. وبالتالي هو جزء أساسي في آليات فرض التجزئة والتخلف، وكبح كل مكونات التطور، وبالتالي فهو جزء من القوى التي تشكل التناقض الأساسي في كل بلد عربي، وعلى المستوى العربي العام.
والماركسية التي تحدد أشكال الصراع انطلاقاً من طبيعة التناقضات تفرض أن تكون المقاومة، وأساسها المقاومة المسلحة، هي أساس حل التناقض مع القوى المحتلة، وأن أي شكل آخر للحل لا يعبّر عن رؤية صائبة. ولهذا يجب أن تكون قوة قتال في فلسطين والعراق وكل منطقة خاضعة للاحتلال. هذا هو شكل صراعها الأول والأساس، وهو الشكل الوحيد القادر على تحقيق الاستقلال كما أوضحت تجارب الماركسية في آسيا في أميركا اللاتينية ومناطق أخرى طيلة القرن العشرين.
وهي معنية بتطوير الصراع الطبقي ضد الرأسمالية الكومبرادورية الحاكمة من أجل استلام السلطة. وسيكون النضال الطبقي هو شكل الصراع، الذي يتمظهر في الإضرابات ومختلف أشكال الاحتجاج، وصولاً إلى الانتفاضة أو الثورة أو الإضراب العام كما تقتضي الظروف الواقعية. لكن يجب أن يكون واضحاً بأن المطلوب هو تطوير الصراع وتعميق التناقض، من أجل التغيير الثوري.
إذن، الماركسي هو من يفكر في تطوير الصراع القومي ، والطبقي، وليس من يفكر في المساومات، والسقوف المنخفضة، والتواجد في الرقعة السياسية، والتكيف مع الاحتلال أو مع الكومبرادور المسيطر. الماركسي هو من يخوض الصراع وليس من تخمده. رغم ضرورة المساومة في لحظة ما، وضرورة الدعوة إلى الإصلاح كمسار تكتيكي من أجل تحشيد الطبقة ودفعها إلى النضال الثوري.
الماركسية اليوم هي بالتالي تملُّك الوعي، وفهم عميق للواقع. والماركسية اليوم هي نظرية صراع الطبقات وليس مبرر مساومة.

المصدر: مجلة جمول

Advertisements

الماركسية اليوم أو الماركسية بعد كل تلك الانهيارات لكن بالأساس: الماركسية

ربما لن يكون هذا الموضوع ذو طابع نظري رغم ما يوحي به العنوان، أشير إلى ذلك لأن الفهم الذي ساد في السابق أقام فاصلاً هائل الاتساع بين النظري والسياسي، طبعاً لمصلحة السياسي الذي بدا أنه يتعلق بما هو “يومي”، “حدثي”، أي عابر. لكن سيكون الموضوع المطروح هنا نظري بما هو سياسي، لأنه طبقي.لهذا سوف نشير إلى التاريخ في سياق البحث في وضع الماركسية اليوم، كما سنشير إلى الماركسية ذاتها لتوضيح ماهيتها، ومن ثم دورها الراهن، والأسس التي يجب أن تقوم عليها على ضوء الوضع العالمي الراهن.

1-إذا تتبعنا سياق الموقف من الماركسية خلال العقدين اللذين تليا انهيار النظم الاشتراكية سوف نلمس ميلين:
ميل نشأ مع الانهيار، حيث جرى وضع الماركسية في كيسه، وبالتالي باتت من الماضي، ومن الماضي المرذول. وأصبحت في أساس الفشل الذي ضرب الاشتراكية. ولهذا القيت “الكراسات الحمراء” في سلة المهملات، وبات كل قارئ لها متحجر، لم يستطع الخروج من “القرون الوسطى”
وميل معاكس نشأ مع انكشاف أزمة الرأسمالية، منذ تفجر الأزمة المالية في سبتمبر سنة 2008، حيث عادت صورة ماركس تظلل صحفاً عالمية، وعاد “الرأسمال” لكي يصبح، ربما، الكتاب الأكثر قراءة. إذن، عاد “شبح الشيوعية” الذي تحدث عنه كارل ماركس وفريدريك إنجلز في البيان الشوعي.

2-المشكلة في الميل الأول لم يكن في “الهجوم الإعلامي الرأسمالي” المركّز، فهذا وضع طبيعي لطبقة اكتشفت بأنه يمكن إلغاء الملكية الخاصة، وأن إلغاؤها يقود بالحتم إلى تحقيق تطور هائل، كما لمست في وضع الاتحاد السوفيتي ومجمل البلدان الاشتراكية.
لهذا سوف تهلل للانهيار، حيث ستعمل على الإثبات بأن التاريخ لا يحتمل إلغاء الملكية الخاصة التي هي عنصر جوهري في “تكوين” البشر، لهذا سوف يثأر لذاته عبر تدمير كل المحاولات التي تجرأت على ذلك.
لكن الملكية الخاصة ألغيت، وهذا ما سيتثير الرعب لديها، لأن ذلك يؤكد على أنها ليست من تكوين البشر، وأن التاريخ يتقدم بدونها، وربما يكون من الضروري إلغاؤها من أجل أن يتقدم. لقد انتقلت روسيا من بلد قروسطي إلى الحداثة بكل معانيها في سرعة فائقة بعد أن باتت الملكية الخاصة من الماضي، وهذا ما يثير الرعب لأنه يعطي المثال على التطور الممكن لشعوب لازالت تعيش الماضي، وتفتقد قوى الإنتاج الحديثة، وهي الصناعة، التي يجب التوقف عندها، وتأمل تأثيرها في إعادة صياغة كلية التكوين العالمي، وإخراجه من العصر الزراعي في عملية تطور متسارعة. إذن، يمكن تجاوز القرون الوسطى بدون الرأسمالية، هل هناك أكثر خطورة من ذلك بالنسبة لطبقة تعتقد بأنها هي وحدها القادرة على رسم مسار التطور؟
هذه المسألة ربما هي في جوهر كل “الحرب الأيديولوجية” ضد الماركسية، كانت، لكن الانهيار أعطاها “القوة” التي تريدها الرأسمالية، لأنه الاثبات المؤكد على “نهاية التاريخ”. وبالتالي كان من الضروري لها أن تستغل هذا الانهيار إلى مداه الأقصى لكي تفرض وعياً زائفاً، وهو ما انزلق إليه قطاع كبير من اليسار الذي كان شديد العداء لكل انتقاد للاشتراكية القائمة بالفعل، حيث أصبح شديد العداء، وليس النقد فقط، للماركسية ذاتها.
وهذه هي المشكلة في الميل الأول الذي نشير إليه، وهي مشكلة الانحدار الليبرالي الذي طاول قطاع كبير من الشيوعيين (وأقول المسفيتين)، ومن “الماركسيين” الذين اعتقدوا بأنهم تمردوا على الماركسية السوفيتية، لكنهم فهموا الماركسية كنصوص مطلقة الصحة، كقوانين، وربما نقول كـ “آيات قرآنية”، وتاهوا في قياس الشاهد (الواقع القائم) على الغائب (نصوص لماركس أو لينين). ولقد شكّل ذلك انقلاباً في الرؤية، وانتقالاً من شط إلى آخر، ومن موقع إلى موقع معاكس.
لماذا هذا الانقلاب؟ من تقديس الماركسية والاشتراكية والسوفيت إلى الهجوم الشنيع عليها؟ من اعتبار الاشتراكية هي المثال غاية التفوق والمساواة، والرأسمالية هي “الشيطان الأكبر”، إلى أن تصبح الاشتراكية هي ذاك الشيطان والرأسمالية هي الطموح والمثال؟
ربما كان نقد التجربة الاشتراكية ضرورياً (وهو بالفعل كذلك)، وكان البحث في الطابع الاستبدادي للنظم مبرراً، وحتى العودة إلى الماركسية لفحصها هو ضرورة أيضاً، لكن أن تلخص الماركسية بهذه، فهذا هو الأمر الذي يطرح الأسئلة.
هل كان هؤلاء ماركسيين؟ إذن، لماذا مجدوا النظم الاشتراكية ورفضوا غنتقادها؟ ثم لماذا انقلب الموقف إلى رفض الاشتراكية والماركسية من أساسهما؟
هذا الانحدار يطرح السؤال حول “ماركسية” هؤلاء، هل كانوا ماركسيين؟ هل يسمح الوعي الماركسي بتحقيق هذا الانقلاب من طرف إلى نقيضه بكل هذه البساطة؟ أطرح هذا السؤال لأن الماركسية لا تمتلك هذه البهلوانية في الانقلاب، فرغم أنها نقدية وتقوم على الجدل، إلا أنها لا تسمح باتخاذ موقف ثم الانقلاب عليه دون أسس منهجية، والجدل كما نعرف لا يتوقف عند النفي بل يوصل إلى التركيب أو نفي النفي، وما يوقف عند النفي فقط هو المنطق الصوري الذي يلخص العالم في ثنائيات لا تقبل التركيب، على العكس تتأسس على التضاد المطلق. وبالتالي فهذا الانقلاب هو من سمات المنطق الصوري بالتحديد، وربما أقول بأن تلك “الماركسية” كانت لا تعبّر سوى عن منطق صوري، وهو ما سوف أشير إليه تالياً.
لهذا أسست “ماركسيتها” على التقديس المطلق للتجربة الاشتراكية (أو للاتحاد السوفيتي) ورفضت نقدها معتبرة بأنه فعل إمبريالي وفوضوي (وتروتسكاوي)، وهو ما وسم الحركة الشيوعية كلها التي وحّدت الماركسية والاشتراكية بالتجربة السوفيتية، وجعلت نقد التجربة هو تدمير للاشتراكية والماركسية، ثم بفعل الانهيار (وهنا يجب لحظ هذه الحادثة لأنها أساس فهم وعيها و”ماركسيتها”) تتحول إلى شيطان رجيم، وهذا ما وسم الهجوم على التجربة بعد انهيارها من قبل هؤلاء “الرفاق”. هذا التوصيف، وبالتالي هذا الانقلاب، هو من سمات المنطق الصوري كما أشرنا، الذي لا يرى العالم سوى عبر قسمه إلى خير مطلق وشر مطلق (مع/ضد، إما/ أو)، أو ايجاب/ سلب (وكما أشرنا دون تركيب الذي هو الاضافة الأهم التي بلورها هيغل في الجدل، وما تضمنته الماركسية في الجدل المادي، حيث الفريضة والسلب ثم التركيب).
هذا المنطق هو الذي صوّر الاشتراكية كخير مطلق، ورسمتها في نقاء شامل، وتمسكت بأنه المثال الوحيد الذي يجب الدفاع عنه. كما صوّر الرأسمالية في صيغة مرعبة من الظلم والاضطهاد والفشل، وأن ديمقراطيتها شكلية وتخدم الطبقة المسيطرة، وحقوقها كلها متخلفة، وأنها باتت من الماضي وليس من الممكن أن تكون مثالاً للتطور، كل ما فيها سوداوي. وهذه صورة شكلية و”نمطية”، لهذا لا تلمس الصيرورة والتاريخ، ولا التكوين كتكوين متناقض ومركب، ولا تعرف ما قدمت وما لم تستطع تحقيقه. وبالتالي أصبحت هي “المنهجية” التي تحدد الموقف من كل من الاشتراكية والرأسمالية، قبل الانهيار وبعده. لقد كانت الاشتراكية هي الخير المطلق هذا، ولهذا وسم كل ناقد لها بأنه شيطان رجيم، من تروتسكي والتروتسكيين، إلى بوخارين وزينوفيف وكامينيف، إلى لوكاش، إلى كل ماركسي آخر لم يقبل بهذه المهزلة، ومال إلى الفهم، ووعي مشكلات التجربة ونقد مساراتها من أجل تطويرها خشية الانهيار. لكن أصبحت الاشتراكية هذه كلها هي الشيطان الرجيم بعيد الانهيار، وباتت الرأسمالية التي كانت “العدو”، والشر المطلق، هي هذا الخير المطلق، وأصبح نقدها تعبير عن عقلية دوغمائية، وستالينية.
حيث أن العقل الصوري ذاك لا يتسع إلا إلى خير مطلق وشر مطلق، ولا يستطيع وعي الطابع المركب لكل ظاهرة، فقد ملأ “الفراغ الأول” (الخير المطلق) أولاً بالاشتراكية وهو مناضل متحمس، ويريد تغيير العالم، ويحصل على امتيازات الاشتراكية كذلك، وحينما كان يتلمس المعاناة من الرأسمالية والاستعمار. ولهذا صبّ جام غضبه على الرأسمالية وأنشد في وصف مساوئها (رغم أنه كان بحلم بأن تتحقق في واقعنا، وكان لا يفعل سوى دعم البرجوازية لكي تنتصر، وهذه مفارقة لا تخرج عن صورية المنطق، وصورية فهم التطور التاريخي، وأيضاً صورية الوعي ذاته الذي خضع كما سنشير إلى تكتيك المركز السوفيتي، فهذه الصورية كانت تقود إلى التبعية بالحتم).
ثم، حين انهارت الاشتراكية (ولم يجد فيها نتيجة المنطق الصوري سوى الفشل) قلب المعادلة، فملأ الفراغ الأخير بالاشتراكية كونها “فشلت”، فباتت الاشتراكية هي الشر المطلق (حيث بدأ كشف القمع والاستبداد والاغتراب، وجرى تلمس الشمولية وتغييب الديمقراطية، وهذه كلها باتت تنقل عن نقد قديم بدأ مع انتصار الاشتراكية، وتوسع بعد إذ، وهو نقد صحيح، لكن الأساس هنا هو أنه بات قديماً ويحتاج إلى بحث أعمق لم يستطع المنطق الصوري فعله)، وبالتالي ،ميكانيكياً، أصبحت الرأسمالية هي الحلم، خصوصاً أن ما جرى تلمسه هو المستوى السياسي فقط (وهذه سمة المنطق الصوري)، وأصبحت المسألة هي مسألة الديمقراطية، وجودها أو غيابها. ودون تلمس لكلية البنية، والتطور في الاقتصاد والمجتمع. وفي هذه المقارنة، التي كانت غائبة في السابق حيث كان يجري التركيز على الاقتصاد، سوف تكون الرأسمالية هي “المثال” حتماً، لكن هذا ما ينتجه المنطق الصوري وحده، رغم أنه صحيح وفق حينما يوضع في سياق وعي عميق ينطلق من وعي كلية البنية على أساس الجدل المادي.
الوعي الماركسي، إذن، كان في مكان آخر وليس في عقول هؤلاء. ونقصد هنا معنى مزدوجاً: أن الوعي الذي حكم الحركة الماركسية عموماً لم يستند إلى كنه الماركسية، لم يُصَغ انطلاقاً من فهم حقيقي للجدل المادي، ووعي بماهية الماركسية، وبالتالي ظل ينحكم لمنهجية سابقة على الماركسية (وعلى الهيغلية كذلك، وربما على كل الفكر الأوروبي الحديث)، هي بالتحديد المنطق الصوري الذي عبّر عن القرون الوسطى التي شهدت سيادة النمط الزراعي. ثم أن هذا الوعي اتكأ على مفاهيم مستمدة مما بات يسمى الماركسية السوفيتية، أو الماركسية كما صيغت في الاتحاد السوفيتي كأيديولوجية للدولة ومعبر عن مصالحها، وهذه المفاهيم قامت على أساس المنطق الصوري وأسس لرؤية تنطلق من مصالح الدولة السوفيتية وتكتيكاتها. وهو ما جعل الحركة الشيوعية جزءاً من سياسات الدولة السوفيتية وتخضع لهذه التكتيكات.
وهذا الوعي “السطحي” كان يتبلور في كل سياسة الحركة الشيوعية وأيضاً لدى اليسار الجديد الذي تشكل في سبعينات القرن العشرين كتجاوز لتلك الحركة. وربما يكون مفيداً الاشارة إلى موقف يوضح هذه “التبعية” (التي هي نتاج تبعية الوعي)، وهو الموقف من قرار تقسيم فلسطين سنة 1947، حيث تمثلت السياسة العامة للحركة الشيوعية (وللاتحاد السوفيتي أصلاً) في رفض الصهيونية، ورفض الاحتلال البريطاني لفلسطين، وبالتالي الدعوة إلى قيام “دولة ديمقراطية” على ضوء طرد الاحتلال وهزيمة المشروع الصهيوني. وظل هذا الموقف متماسكاً على هذا الأساس إلى اللحظة التي أيد فيها السوفيت قرار التقسيم، لينقلب الموقف ويجري “قبول الأمر الواقع” الجديد، وهي السياسة التي ظلت إلى اليوم. هذا الانقلاب السريع في الموقف يعبّر عن خفة في وعي الواقع، وفي التمسك بالأهداف، وأساساً بالإرتباط بالواقع. لهذا كان يكفي أن يغيّر الاتحاد السوفيتي تكتيكه لكي يتغير تكتيك الحركة الشيوعية. وهو ما كان يعني بأن الارتباط بالمركز السوفيتي هو أوثق من الارتباط بالواقع، وأن الحركة كانت تلتزم بتكتيك الدولة السوفيتية بغض النظر عن واقعها.
بالتالي فإن الانحدار الليبرالي نشأ عن وعي صوري كان يردد مصطلحات ومفهومات ماركسية، ويحمل شحنة من التحرر و”العدالة الاجتماعية”، ويطمح إلى التطور في إطار المثال العالمي الذي هو الرأسمالية. وكانت الاشتراكية بالنسبة له المتكأ الذي يدعم نشاطه، وربما يضغط من أجل تحقيق حلمه الرأسمالي (ولا ننسى بأن البرجوازية الصغيرة الفلاحية حملت حلم الاشتراكية مصاغاً في حدود مصالها، واتكأت على الاتحاد السوفيتي). وأساساً بدا هذا الانحدار كتعبير عن طبيعة الفئات التي حملت “الماركسية”، والتي كانت من الفئات الوسطى التي تتلوّن وفق الاتجاهات المسيطرة في الغالب (وسنلمس بأن بعض هؤلاء، والذي ظل “مقاوماً للاستعمار”، مال إلى التكيف مع الأصولية الإسلامية التي أصبحت تياراً مهيمناً بعد انهيار الحركة القومية، وتلاشي اليسار).
كل ذلك يفرض أن ندقق في الماركسية وفي الوعي الماركسي، أي أنه حينما نتناول الماركسية اليوم يجب أن نلحظ هذه الوضعية من أجل فهم المعنى الذي نريده للماركسية اليوم.

3-نعود إلى الميل الثاني، وهو الذي تمثل في “العودة إلى ماركس” كما يتعمم في الإعلام. ولاشك في أن انهيار الاشتراكية كان يؤخذ كمدخل للقول بالانتصار النهائي للرأسمالية، وبالتالي بدت هذه هي الشكل النهائي للعالم، أو على الأقل إلى أمد بعيد، حيث بدأ اليسار المتحدر ليبرالياً يكيّف كل تصوراته مع هذا الوضع “طويل الأمد”. أي بدأ يفكر في حدود الرأسمالية. وأكرر هنا بأن الحركة الشيوعية لم تفكر خارج هذه الحدود، ولكن الفارق هذه المرة هو أن “سمة العصر” لم تعد هي “الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية”، بل لم يعد هناك انتقال أصلاً، ولم يعد هناك سند ؤسس وجوده لـ “النضال من أجل الاستقلال والتحرر” مما فرض التكيف مع الرأسمالية القائمة بالفعل.
الأزمة المالية العالمية أظهرت بأن الرأسمالية تعيش تناقضات عميقة، وبالتالي فيمكن أن تنهار، وأنها لا تصلح لأن تكون مثالاً للتطور. وربما تصور البعض بأنها على شفير الانهيار النهائي، وجل هؤلاء هم من الماركسيين المتلبرلين. لكن بغض النظر عن الرأي في الأزمة المالية، وفي حدودها، وهل هي أزمة مالية فقط أو أنها أزمة الرأسمالية ذاتها؟ فإن المهم هنا هو أنها طرحت السؤال حول “قيمة” الماركسية، وحول علميتها، ودقة تحليلها للرأسمالية، وبالتالي فهمها للأسباب التي تدفعها إلى الأزمة. ولاشك في أن الأزمة أظهرت بأن الرأسمالية ليست “نهاية التاريخ”، وليست البديل الممكن، وأنها تعيش وضعاً صعباً، كما أن الأزمة أفضت، ولازالت، إلى افقار قطاعات واسعة ليس في الأطراف فقط، بل في المراكز كذلك، وبالتالي بدأت مرحلة الرخاء في التكسر والتلاشي.
وبالتالي فدأت الماركسية تبدو كبديل، أو بشكل أدق: البديل. بمعنى أن الأزمة أظهرت ضيق أفق كل الحركات التي بدت في السنوات الماضية وكأنها البديل، من التيار الذي انحدر ليبرالياً إلى الحركات الأصولية، وصولاً إلى حركات مناهضة العولمة، رغم الفارق بينها. حيث أسقطت الأزمة كل ادعاءات “الخطاب الليبرالي” الذي حمله اليسار الليبرالي، وأظهرت بأن الرأسمالية ليست بديلاً ممكناً. كما أوضحت الأزمة بأن الحل الأصولي ليس خياراً على الصعيد الاقتصادي الطبقي لأنه يقوم على اللبرلة، رغم أن “شعبيته” نتجت عن دوره “الوطني” أو المعارض للنظم. وكان الوضع العالمي قد أوضح منذ أمد قصور الخطاب المناهض للعولمة، وانحساره في الاحتجاج دون بديل حقيقي لأنه انطلق من رفض “الليبرالية المتوحشة” فقط، وليس رفض الرأسمالية من الأساس.
لقد عادت الماركسية إلى الواجهة من جديد إذن، ولم يستطع الإعلام الرأسمالي سوى أن يظهر هذا الميل. لكن ماذا تعني “عودة الماركسية”؟ وفي وضع كوضعنا؟
هنا تصبح المسألة جدية إلى أبعد الحدود، وتحتاج إلى تفكير عميق. فقد فشلت الماركسية، وانهارت الاشتراكية. طبعاً، والماركسية ظلت فاشلة عندنا، وتهمشت مع صعود الحركة القومية العربية (حركة الفئات الوسطى، والفلاحين خصوصاً)، ثم مع صعود الحركة الأصولية …. لكننا إزاء كونها البديل من جديد.
هل نكرر تجربة الحركة الشيوعية والحركات الماركسية الأخرى (اليسار الجديد)؟ أم نقف لحظة للتأمل من أجل رسم سياسة جديدة؟ وأساساً من أجل إعادة قراءة الماركسية من منظور جديد من أجل تمثل منهجيتها؟
أشرت إلى الوعي الماركسي لدى هذه الحركة، وهذه مسألة تحتاج إلى وقفة، حيث أن الماركسية ليست عواطف وانفعالات، بل عقل لأنها فكر. وأبعد من ذلك، إنها تقدم آليات تفكير جديدة جداً، مختلفة عما نتوارثه (المنطق الصوري). ولكي يمكن إعادة صياغة آليات التفكير نحتاج إلى وعي عميق، إلى دراسة عميقة، وربما هنا نشير إلى مقولة إنجلز، حيث منذ أن أضحت الثورة علماً بات علينا أن نتقن هذا العلم، أي أن ندرسه بعمق. وهذا هو وضع الماركسية التي هي طريق الثورة.
هذه مسألة فشل فيها الماركسيون خلال العقود السبعين الماضية، ومن نجح أقصي من الأحزاب، حيث كان “المركز الفكري” هو موسكو، ولم يبرز شعور هنا بأننا نحتاج إلى وعي عميق، لأننا ننفذ فقط السياسات والتكتيكات التي ترسم من قبل “العقل الأيديولوجي” في موسكو. إن مهمتنا هي تنفيذ السياسات وليس التفكير في الواقع ورسم السياسات التي تفرضها. ولهذا كان النشاط عفوياً من جهة لأنه لم ينبني على وعي الصيرورة الواقعية وتحديد دوره فيها، لكنه كان مقاداً من جهة أخرى لأنه خضع لسياسات محددة في المركز التي كان يحدد سياساته انطلاقاً من كونه دولة لها مصالح، لكن لها ممكنات كذلك. ولها تكتيك يتأسس على رؤية عالمية وأولويات قومية.

4-الأزمة إذن تعيد طرح الماركسية كخيار أو كبديل، لكن أية ماركسية؟
فالماركسية تشتت في القرن العشرين إلى ماركسيات، الماركسية السوفيتية التي فرضت هيمنتها من خلال سطوة الدولة السوفيتية، التروتسكية التي ظلت تلعب دور المعارضة لكن على صعيد عالمي، الماوية التي تواشجت مع السوفيت لكنها انبنت كماركسية مستقلة بعيداً على الماركسية السوفيتية، لكنها عادت وتبلورت في “نكهة خاصة” تتشابه مع الماركسيات الأخرى. وأصلاً ماركسية الأممية الثانية. أو الجيفارية، أوالماركسية الفوضوية. وكل منها صيغ في “نظرية متكاملة”، في “نص مقدس”، عبر “تلخيص” نصوص ماركس وإنجلز ولينين في منظومة وفق ميول لهذا أو ذاك، أو كانعكاس لميول طبقية، وبدت كلها –في تبلوراتها النهائية- كتعبير عن الفئات الوسطى، بحلقيتها وتناحرها، وحرْفيتها، ولكن أيضاً في عدم مقدرتها على مغادرة المنطق الصوري.
لكن أين ماركس من كل ذلك؟
لاشك في أن الكثير من أفكار ماركس وإنجلز ولينين تبدو صحيحة، ثابتة، لكن أيضاً هناك الكثير من الأفكار التي بدت خاطئة، أو أنها “شاخت” كما قال كل من ماركس وإنجلز عن بعض فقرات البيات الشيوعي بعد ربع قرن على كتابته. لكن ما الذي يجعلنا نشير إلى صحة أو خطأ فكرة ما؟ في الماركسية هناك العلاقة المتوترة بين آليات التفكير في الواقع والواقع ذاته، الواقع المتغير، المتحول. وبالتالي فإن الصحة والخطأ ينطلقان من هذا وذاك: أي من المنهجية ومن الواقع معاً. فربما لم تسعف المنهجية في لحظةٍ الوصول إلى نتائج علمية، كما ربما تكون النتيجة الصحيحة قد تقادم عهدها لأن الواقع ذاته قد تغير. ولهذا لا نستطيع أن نصيغ “نظرية” أو “ماركسية” دون أن نأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، أو أن نجعلها أساس تناولنا للماركسية. واي خطأ في هذه العلاقة سوف يفرض اختلالاً في التصور الماركسي، أو حرفاً للماركسية عن تعبيرها الطبقي، عن الطبقة العاملة، إلى التعبير عن الفئات الوسطى. لأن تعبيرها عن الطبقة العاملة مرتبط بوعيها الواقع علمياً، وتأسيسها الرؤية التي تصبح هي الرؤية التي تؤسس وعي الطبقة العاملة الذي يتيح لها التغيير.
يجري الميل عادة إلى اعتبار أن الماركسية أيديولوجية الطبقة العاملة أو نظرية الثورة الاشتراكية، لكن هذا التحديد سيكون هو الأساس الذي قاد إلى تحويل الماركسية إلى “بنية مغلقة” أو “نص مقدس”، حيث تؤخذ أفكار وتصورات وقوانين من تراث ماركس، إنجلز ولينين (وأيضاً تروتسكي وماو تسي تونغ) لكي تصاغ في “نظرية” أو “أيديولوجية”. وفي الغالب تكون المنهجية بعيدة عن كل ذلك، أو لا تدخل في هذه البنية، أو يستأنس بها في “المستوى الفلسفي” دون أن يكون لها دور أو فاعلية في بناء الأيديولوجية أو النظرية. وهنا –انطلاقاً من ذلك- يتوحد العام والخاص، النسبي والمطلق، لأنه تجري صياغتها في نظرية أو أيديولوجية دون التدقيق فيما يمكن أن يتحول إلى عام، وما هو خاص، أو ما يمكن أن يصبح مطلقاً وما هو نسبي، لهذا بات من الماضي في سياق الصيرورة التي تفرض تحولات وتغييرات عميقة.
الماركسية ليست أيديولوجية الطبقة العاملة، وليست نظرية الثورة الاشتراكية. فليس هناك أيديولوجية للطبقة العاملة على العموم، أو نظرية الثورة الاشتراكية على العموم، هناك أفكار عامة عن الطبقة العاملة وعن الثورة الاشتراكية، لكن هذه العمومية لا تسمح بأن تتحول إلى أيديولوجية أو إلى نظرية، لأن الأيديولوجية لا تتأسس إلا على ملموس، أي ما يخص طبقة عاملة محددة، ملموسة. والنظرية لا تكون إلا لوضع معين، ملموس. هناك أفكار عامة موحدة أو متقاربة، لكن هذه الأفكار لا تشكل لا أيديولوجية ولا نظرية. لكنها يمكن أن تصبح حزءاً من أيديولوجية الطبقة العاملة، أو من نظرية للثورة فقط حينما تنحكم لعلاقة المنهجية/ الواقع. أي حينما يجري تحليل الواقع انطلاقاً من الجدل المادي، ويتأسس تصور لوضع الطبقة العاملة ولمصالحها ولرؤيتها ولبديلها، ولتتحدد “نظريتها” في تحقيق الثورة. هنا يمكن أن يدخل تراكم الأفكار التي يستوعبها الواقع في منظومة يمكن أن تسمى أيديولوجية الطبقة العاملة المحدَّدة في المكان والزمان، ونظرية الثورة الاشتراكية المعينة في بلد وزمن.
بمعنى أن الأيديولوجية والنظرية تتشكلان عبر البحث في الواقع المحدَّد، لأنهما يخصان هذا الواقع المحدَّد ولا يمكن أن يطرحا في إطار عام، وإلا عادت الماركسية رؤية مجردة تحكم الواقع، وبالتالي تعود رؤية مثالية (إضافة إلى أنها غير جدلية)، رؤية تنطلق من تصور مسبق تبلور عبر اختيار “عشوائي” من تراث ماركس وإنجلز ولينين (أو تروتسكي أو ماو)، وليصبح هو “الهادي” في الممارسة الواقعية، التي تخضع لظرف معين وواقع محدَّد. وهذه الآلية هي جزء من طبيعة المنطق الصوري، حيث تصبح الفكرة هي الأساس والواقع هو وسيلة التطبيق. إن الأيديولوجية التي تعبّر عن الطبقة العاملة هي نتاج واقع هذه الطبقة المحدَّد، وبلورتها تقوم على تحليل الواقع المعين من خلال المنهجية الماركسية: أي الجدل المادي.
إذن، لا يجب استسهال تبني بعض الأفكار، أو بعض الاتجاهات، “الماركسية”، بل يجب تمثل منهجية الماركسية بالأساس لكي يصبح ممكناً أن يكون المرء ماركسياً. هنا تبنى الماركسية على أساس تحقيق نقلة في الوعي، وأخصص أن هذه النقلة تتحقق في “طريقة التفكير”، الأسس التي يعالج “العقل” فيها الأحداث والأفكار، وبالتالي الواقع. هذه هي النقلة الحاسمة في تشكل الماركسي، ودون ذلك سوف يبقى يعالج الأحداق والواقع انطلاقاً من منهجية متوارثة هي بالضبط: المنطق الصوري، الذي هو جزء من وعي تقليدي متوارث، وتعمم “عفو الخاطر”، كما عبر المدرسة والعلاقات المجتمعية. إن الماركسية هي ليست الأفكار والتصورات التي كتبها مؤسسوا الماركسية، ولا تحليلهم للأحداث ونقدهم للأفكار، وفهمهم للواقع الذي عاشوا فيه، فهذه كلها هي نتاج “طريقة في التفكير” جديدة. لقد عالجوا كل ذلك انطلاقاً من منهجية جديدة بالأساس، هذه المنهجية التي كانت قد تبلورت مع هيغل والتي أوقفها ماركس على قدميها بتحويلها من منهجية جدلية تنطلق من أن الواقع هو “ظلال” الفكر، انعكاس الفكر، إلى أن الفكر هو نتاج الواقع، وبالتالي فإن الوجود هو الأساس المادي الذي يؤسس لنشوء الأفكار (رغم أهمية الأفكار في تطوير الواقع، وهذا ما يعطيها استقلالية نسبية)، ولكن هذا الواقع هو في صيرورة، أي في عملية تحول ةتغير مستمرة وفق “آلية” جدلية. وعلى ضوء ذلك زرع ماركس جدل هيغل في مسامات الواقع، في كل تفاصيل الوجود، ومنه توصل إلى استنتاجات وأفكار، وأيضاً قوانين باتت جزءاً من الماركسية، لكنها خاضعة لعلاقتها بالمنهجية ذاتها ولا يمكن أن يجري التعامل معها مستقلة عنها.
الماركسية اليوم، بالتالي، يجب أن تنطلق من تمثل الجدل المادي وليس من أي شعار أو هدف أو فكرة أو قانون. وكل ذلك سوف يوضح في سياق محدَّد تأسيساً على المنهجية ذاتها، حيث سيصبح بعضاً منه جزءاً من التراث لأنه عبّر عن تحليل أو رؤية لظرف معين بات من الماضي. وبعض آخر سوف يصبح جزءاً من منظومة تتأسس على ضوء المنهجية، وسيتوضح بأن بعضها كان خاطئاً ولم يتأسس على تحليل منهجي، وستكون كلها جزءاً من التراث الماركسي الذي سيساعد على تمثل المنهجية.
إن قيمة كل هذا التراث الأساسية هي اكتساب المنهجية، وليس حفظ الأفكار أو تكرار الشعارات. وعملية الدراسة هذه هي التي يجب أن تفضي إلى تجاوز المنطق الصوري المرسّخ في الوعي (أو في العقل)، وتمثل الجدل المادي. وانطلاقاً من ذلك يمكن أن تتأسس ماركسية جديدة، تعبّر عن مصالح الطبقة العاملة وتحدد صيغة التطور الذي يفضي إلى الاشتراكية.
ما الجدل المادي؟
أنها منهجية لا تركن إلى ما هو ظاهر بل تدخل إلى عمق الظواهر، حيث أنها تنطلق من أن لكل ظاهرة شكل ومضمون، وأن المضمون هي مركزها. وإذا كان الشكل هو ما يبدو أمامنا، ما نسمعه أو نلاحظه ونشاهده، وهو ما يمكن أن يحدده المنطق الصوري، فإن الجدل المادي يفرض الغوص إلى المضمون، إلى جوهر الظاهرة، حيث الشكل هو ما تظهر فيه في لحظة معينة بينما المضمون هو المعبّر عن ماهيتها.
وهي تتجاوز المنطق الحسي (الذي هو جزء من المنطق الصوري) حيث لا يوجد سوى “المحسوس”، ولهذا تربط المحسوس بالمجرّد الذي يتبلور في الفكر. إن قهم الواقع يفترض التجريد الذي يسمح في صوغ الواقع في رموز ومنظومات لكي يجري النفاذ من الشكل إلى المضمون. والعملية هنا تبدو كصيرورة من الشكل إلى المضمون رغم أن المسألة تبدو انتقال من الواقع “المحسوس” إلى الأفكار المجردة. إن تجاوز المنطق الحسي يفرض الانتقال إلى التجريد، وهي العملية التي تاهت فيها الفلسفة لكنها وصلت إلى منتهاها حين بلورها هيغل في منظومته الجدلية. وبالتالي تفرض هذه المنهجية الانتقال من المحسوس إلى المجرد لكي يمكن فهم الواقع ذاته بما هو شكل ومضمون.
كما أنها ترى أن الواقع يتطور في صيرورة لها قوانينها، التي لخصها إنجلز في ثلاث قوانين تنطلق من أن كل ظاهرة يخترقها التناقض، وينحكم تطورها على تراكم كمي يفضي في لحظة إلى تحقيق تغيّر نوعي، وأن كل هذه العملية تجري في إطار وجود أساس (أو فريضة) يقود إلى النفي، ليتشكل نفي النفي الذي يتضمن الأساس والسلب معاً في تركيب جديد.
لكن هذه العملية تتحقق في تكوين متعدد، وبالتالي فإن التناقضات متعددة، لهذا فإن الواقع يتطور في صيرورة مركبة، هي كلها التي تفضي إلى تحقق نفي النفي. كما أنها تتححق في إطار العلاقة بين الشكل والمضمون، والمشخص والمجرد، وبالتالي تتضمن تناقضات متعددة، وتداخلات ستكون أعقد من تناولنا لها في شكل مبسط، وأحادي. وإذا كانت هذه المسألة تبدة، في المستوى الفلسفي، معقدة، وربما مرهقة، فإن وضعها في سياق الجدل المادي، أي عبر الانطلاق من الواقع سوف يجعلها أكثر بساطة. لكنها تفرض البحث في مستويات أخرى، منها المستوى الاقتصادي، والمستوى المجتمعي، والمستوى السياسي، والمستوى الأيديولوجي. وهذه أيضاً مترابطة ومتداخلة، ولها شكل ومضمون، ومجرد ومشخص.
لن نشرح هنا هذه القضايا لأنها تحتاج إلى تفصيل، وتناول قضايا كثيرة و”علوم” مختلفة، لكن يجب أن يكون واضحاً أنها المدخل لتشكل ماركسي. وهي تحتاج إلى الدراسة العلمية والقراءة المعمقة، وليس إلى الاكتفاء بمبسطات لا تفيد سوى أنها أوليات توضح بعض المفاهيم، أو تعود على نمط من المصطلحات. إنها تحتاج إلى بحث فلسفي واقتصادي واجتماعي وسياسي وفكري شامل.
طبعاً يمكن أن يشار إلى أن هذا يؤسس مثقفاً ماركسياً وليس حزباً نضالياً ماركسياً. وهذا صحيح، لكنه ضروري، ليس لأن كل أعضاء الحزب يجب أن يكونوا “علماء”، بل أن الانطلاق من الصراع الطبقي يجعل هذا الصراع هو أساس نشوء الحزب تأسيساً على مصالح الطبقة العاملة، وسعياً إلى انتصارها. لكن نشاط الطبقة في إطار الصراع الطبقي لا يخرج عن كونه “نضال مطلبي”، حيث يجب كسر الوعي الذي يؤسس لحدود هذا الصراع. وهنا أشارت الماركسية إلى مستويين، الأول: أن الطبقة تناضل انطلاقاً من حسها السليم، حيث أنها هي التي تعاني من الاستغلال والاضطهاد، من الفقر والبطالة. وهي هنا تعرف مستغلها، وتتمرد على شروطه، لكن وعيها لا يسمح لها أن تقدّم بديلاً لنمط آخر، هو ضروري لكي تطور وضعها وتحقق مصالحها، وهي عبر ذلك تغير وضع المجتمع ككل.
الطبقة هنا هي في صراع واضح (رغم بعض الميول التي تفرض على البعض تحقيق الحل الفردي)، ويظهر لتناقض لا حل له سوى عبر نفي الرأسمالية، لكن وعي الطبقة لا يجعلها قادرة على تحديد الشكل البديل، وآليات تحقيق النفي، وبالتالي بلورة نمط بديل.
هذا ما أضافته الماركسية، حيث أن علميتها تسمح لماركيها بوعي الواقع، ووعي آليات تغييره، وتحديد شكل البديل الممكن. وهذا مرتبط بـ “مثقفين” هم غالباً من الفئات الوسطى (أو حتى من الرأسمالية)، وهم الذين يجب أن يتمكنوا من تمثل الماركسية في الصيغة التي أشرنا إليها للتو. والتمثل هنا ضروري لأن هذه الفئات دون أن تحقق الانتقالة في الوعي سوف تعبّر عن مصالح الفئات الوسطى التي هي منها، وإن بشكل ملتبس أو ملتوٍ (وهذا هو الأخطر). وبالتالي فإن مقدرتها على القراءة والبحث والدراسة الجادة هي التي تجعلها قادرة على تمثل الماركسية، لكنها بحاجة إلى “صهر أيديولوجي” لكي تحقق الانتقالة التي تجعلها قادرة على تجاوز مصالحها الطبقية الضيقة، كونها من الفئات الوسطى، ومن ثم تصبح قادرة على الاندغام بالطبقة العاملة، ورؤية الواقع من منظور مصالحها الطبقية، وفي الوقت ذاته بلورة الرؤية التي تعبّر عن هذه الطبقة، وصياغة بديلها، وتحديد تكتيكاتها التي توصل إلى تحقيق هذا البديل.
ورغم أن الحزب يلعب دوراً في تطوير وعي الطبقة، ويحرص على أن ترتقي في فهمها للواقع، وأن تؤسس رؤيتها، وأن تتمثله كذلك، فإن “المثقف” من الفئات الوسطى هو الذي يقع على عاتقه عبء تمثل الماركسية بكليتها. وهو الذي ينتج الوعي الذي يُعمم على الطبقة من خلال التفاعل معها، وفي إطار الصراع ضمنها. فالحزب هو الفراد من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء الذين ينتظمون من أجل تحقيق مصالح مجمل الطبقة. و”المثقف” الماركسي هو المناضل الذي يندمج بالطبقة ويخوض الصراع معها، لكنه يقدم لها الوعي والتنظيم. وفي النهاية فإن الطبقة هي التي تنتصر وليس الحزب لأن الصراع هو صراع طبقي، وما الحزب هو مفعّل لنشاطها، ومنظم لفاعليتها، ومحدد لأهداف وتكتيكات تجعلها تتحول إلى قوة فاعلة.
“التشديد النظري” إذن هو ذاك الذي يتعلق بـ “المثقفين” من الفئات الوسطى، حيث دون صهر أيديولوجي عبر تمثل عميق للماركسية لن يكون بامكانهم الاندماج بالطبقة والتعبير عن مصالحها. رغم أن المطلوب تطوير وعي الطبقة عبر أشكال متعددة يقوم بها الحزب الماركسي. إن الحزب هو اندماج فئة مثقفة بالعمال والفلاحين الفقراء تأسيساً على مصالح هؤلاء، والتزاماً بها، بهدف قيادتهم النضال لتحقيق المهمات الديمقراطية في صيرورة الوصول إلى الاشتراكية. وبالتالي فإن وعي الماركسية هو أساس تحويل فئات وسطى (محدودة) إلى صف العمال والفلاحين الفقراء، لكي تصاغ الرؤية انطلاقاً من الماركسية وبالترابط مع “الحس السليم” لهؤلاء.
ولقد توضح، كما أشرنا قبلاً، بأن عدم تمثّل الماركسية والاكتفاء بـ “أيديولوجية” رثة (هي الماركسية السوفيتية)، أو الاعتماد على حفظ النصوص الماركسية، قد أفضى إلى أن تهيمن الفئات الوسطى بمصالحها وأوهامها على الحركة الشيوعية، وكا التيارات الماركسية التي نشأت. وبدل أن تعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء جرت هؤلاء إلى رؤى الفئات الوسطى وأوهامها.
المطلوب بالتالي ماركسية تندمج بصراع العمال والفلاحين الفقراء من أجل التغيير الثوري، ولتكون وعيهم الحقيقي، و”العقل” الذي يرشدهم في الرؤية العامة وفي التكتيك، كما في الممارسة.

5-بعد كل ذلك يجب أن يكون للماركسية اليوم رؤية أخرى، ربما هي نقيض تلك التي راجت في الوطن العربي خلال معظم القرن العشرين، وربما هي استعادة للتلمسات الأولى التي حاولت أن تتبلور فيها خلال عقد من نشوئها. وأيضاً ربما حملت بعض اندفاع وجرأة وتلمسات الموجة الثانية التي نشأت بعد هزيمة سنة 1967. لكنها تحمل كل الجدة التي يفرضها تغير العالم، وتتضمن كل الخبرات التي تراكمت، وتؤسس انطلاقاً من طبيعة التناقضات التي تحكم العالم اليوم، وتطرح الرؤى التي تعبّر عن حلم العمال والفلاحين الفقراء في التغيير وتحقيق المهمات الديمقراطية كخطوة لا بد منها على طريق انتصار الاشتراكية.
الماركسية اليوم ضرورة، بل ضرورة حاسمة، لكن ليست تلك التي انتشرت في الوطن العربي، ولا تلك التي انبنت على أفكار “العلماء” السوفيت، فهذه ليست ماركسية بل أيديولوجية فئة حاكمة كيّفت الماركسية مع مصالحها، وعممتها عالمياً كونها “الماركسية الشرعية”، ولقد نبعت شرعيتها من قوة الدولة السوفيتية، ومن الأمل الذي كانت تنشره في كل أسقاع العالم.
والماركسية التي هي ضرورة يجب أن تنطلق من أن ما أضافه ماركس، وربما الأهم فيما قدّم، هو طريقة التفكير، أي الجدل المادي الذي هو طريقة التفكير الأرقى من المنطق الصوري بالحتم (رغم تضمنه لهذا المنطق كتحديد أولي)، والتي على ضوء تملكها يمكن صياغة رؤية العمال والفلاحين الفقراء، وتحديد بديلها القومي والعالمي.
في هذا السياق يجب تفكيك أيديولوجية الحركة الشيوعية من جهة، ولكن الأهم، من جهة أخرى، هو تأسيس تصورات مطابقة للواقع لأنها تنبني على وعي الواقع تأسيساً على الجدل المادي.
وإذا كانت الحركة الشيوعية في الماضي هي جزء “تابع” في المنظومة الاشتراكية، ومخضعة لمركز القرار السوفيتي، يجب أن تتأسس حركة شيوعية تعي ذاتها، متمحورة على الذات إذا أردنا استعارة مصطلحات مدرسة التبعية. ثم بالتالي يجب أن تعي بأن التطور والتغيير في بلادنا ليس ممكناً إلا عبر فعلها. وهنا يجب اسقاط المراهنات على برجوازية لم تعد موجودة إلا في الأوهام، أي برجوازية تحقق التطور عبر انجاز المهمات الديمقراطية، فالتطور الصناعي والزراعي، والاقتصاد عموماً، وكذلك التطور المجتمعي وتطور الوعي، هو فقط منوط بانتصار العمال والفلاحين الفقراء كطبقة، وبالماركسية كرؤية وكحزب مندمج فيها.
لا مراهنات على التطور الرأسمالي، بل أن الأساس هو أن يحقق الشيوعيين المهمات الديمقراطية في سياق الانتقال إلى الاشتراكية.
وكل ذلك يعني واقعياً أن تقود الصراع ضد الإمبريالية التي لازالت تتوسع وتهيمن وتنهب وتدمر، وتفقر الشعوب. ومع الطغم المالية التي تتوسع في نهبها، وفي تدمير المجتمعات والبيئة واشعال الحروب. كما ضد الرأسماليات الكومبرادورية التابعة التي تحكم وتهيء للسيطرة الإمبريالية. هذا هو التناقض الأساسي بغض النظر عن تجليه في كل منطقة. هذه هي مهمة الشيوعيين سواء في البلدان المحتلة أو في البلدان التابعة، وعلى صعيد عالمي.
إن الصراع مع المشروع الصهيوني هو صراع طبقي، لأن الوجود الصهيوني يقوم على أساس كون الدولة الصهيونية هي مرتكز عسكري (وإن اتخذ شكل مجتمع ودولة) لفرض السيطرة الإمبريالية. وبالتالي هو جزء أساسي في آليات فرض التجزئة والتخلف، وكبح كل مكونات التطور، وبالتالي فهو جزء من القوى التي تشكل التناقض الأساسي في كل بلد عربي، وعلى المستوى العربي العام.
والماركسية التي تحدد أشكال الصراع انطلاقاً من طبيعة التناقضات تفرض أن تكون المقاومة، وأساسها المقاومة المسلحة، هي أساس حل التناقض مع القوى المحتلة، وأن أي شكل آخر للحل لا يعبّر عن رؤية صائبة. ولهذا يجب أن تكون قوة قتال في فلسطين والعراق وكل منطقة خاضعة للاحتلال. هذا هو شكل صراعها الأول والأساس، وهو الشكل الوحيد القادر على تحقيق الاستقلال كما أوضحت تجارب الماركسية في آسيا في أميركا اللاتينية ومناطق أخرى طيلة القرن العشرين.
وهي معنية بتطوير الصراع الطبقي ضد الرأسمالية الكومبرادورية الحاكمة من أجل استلام السلطة. وسيكون النضال الطبقي هو شكل الصراع، الذي يتمظهر في الإضرابات ومختلف أشكال الاحتجاج، وصولاً إلى الانتفاضة أو الثورة أو الإضراب العام كما تقتضي الظروف الواقعية. لكن يجب أن يكون واضحاً بأن المطلوب هو تطوير الصراع وتعميق التناقض، من أجل التغيير الثوري.
إذن، الماركسي هو من يفكر في تطوير الصراع القومي ، والطبقي، وليس من يفكر في المساومات، والسقوف المنخفضة، والتواجد في الرقعة السياسية، والتكيف مع الاحتلال أو مع الكومبرادور المسيطر. الماركسي هو من يخوض الصراع وليس من تخمده. رغم ضرورة المساومة في لحظة ما، وضرورة الدعوة إلى الإصلاح كمسار تكتيكي من أجل تحشيد الطبقة ودفعها إلى النضال الثوري.
الماركسية اليوم هي بالتالي تملُّك الوعي، وفهم عميق للواقع. والماركسية اليوم هي نظرية صراع الطبقات وليس مبرر مساومة.

المصدر: مجلة جمول

حول الموقف الأميركي والأوروبي من التغيير في تونس ومصر، وربما من التغيير العربي في المرحلة القادمة

في تونس دافعت الحكومة الفرنسية عن نظامها في تونس حتى آخر لحظة، واتسم الموقف الأميركي بقدر من التريث والانتباه الى أن الوضع قلق، لهذا دفعت الى الصيغة التي تقوم على التخلي عن بن علي ولكنها تمسكت بأن يبقى رجال بن علي في السلطة لقيادة المرحلة الانتقالية، مع إدخال بعض أحزاب المعارضة التي كان معترفاً بها، اي حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقاً9 والحزب الديمقراطي التقدمي (الحزب الاشتراكي التقدمي سابقاً).

ورغم أن أحزاباً مهمة قد لعبت دوراً في الانتفاضة (حزب العمال الشيوعي، والحزب الديمقراطي التقدمي)، وكان هناك طيف واسع من الكادر الماركسي المشتت نشط في قواعد الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي اللجان التي تشكلت كتعبير عن “التنظيم الذاتي للانتفاضة”، فإن تشتت القوى الماركسية، والحساسيات التي تحكم العلاقة فيما بينها نتيجة تناقض التكتيكات في المرحلة السابقة من الصراع ضد نظام بن علي، فسح المجال للقوى المساومة لأن تقبل القسمة الجديدة بحماس شديد. فحركة التجديد لم تشارك في الانتفاضة وكانت مواقفها مهادنة الى أبعد الحدود (مع وجود قوى قاعدية فيها اتخذت موقفاً آخر)، وبالتالي كان طبيعياً أن تقفز الى السلطة حين طُرح عليها ذلك، فهي لا تؤمن بطاقات الطبقات الشعبية، ولم تكن تعرفها أصلاً، وتعتقد بأن مشاركتها في الحكومة سوف يغيّر من طبيعة السلطة أو يحسّن من طبيعة الطبقة المسيطرة (البرجوازية المافياوية). وأحمد نجيب الشابي كان ينتظر منذ زمن اللحظة التي يصبح فيها شريكاً في السلطة، على أمل أن يحقق تغييراً عميقاً في المستوى الديمقراطي، وهو لا يطرح مسألة تجاوز الرأسمالية أصلاً منذ أن حوّل الحزب الى حزب ديمقراطي. ولقد قاد الحزب في هذا الاتجاه معللاً ذلك بالتغيير من “الداخل” ربما كما يفعل كل من يطمح الى المشاركة بالسلطة بغض النظر عن طابعها. وقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل كانت معينة من قبل بن علي، أو على الأقل ليست في تناقض معه، ولقد همّشت دور الاتحاد، ووضعته في سياق سلطوي، وبالتالي ونتيجة ضغط القاعدة حاولت تعميق التغيير، وأفلحت من حيث الشكل، لكنها لم تطرح مطالب العمال الذين يعبّر عنهم.

لهذا نجح الحل المطروح أميركياً، وما تحقق هو انفراج ديمقراطي أوسع مؤقتاً (وهذه المؤقتاً مهمة لأن الطبقة المسيطرة سوف تقضم ما تحقق في المرحلة القادمة)، لكن الأهم هو ثقة الطبقات الشعبية بذاتها، وبدورها، ومن ثم سيكون لذلك نتائج لاحقة في سياق تطور الصراع. فالحل الأميركي يعتمد على إيجاد شكل ديمقراطي ينفّس أزمة المجتمع من خلال “الكلام”، لكن هذه روشيتة الثمانينات والتسعينات، وخصوصاً الروشيتة الناجحة في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا، حيث الوضع مختلف جذرياً عما هو في بلدان مثل تونس ومصر وكل الأطراف. وبالتالي فإن الحل “الشكلي” لن يطعم خبزاً أو يوفر فرصة عمل لطبقات جائعة.

في مصر وقفت بالبلدان الأوروبية مع تغيير حسني مبارك منذ البدء، وظلت أميركا تدافع عن النظام، وتؤكد على قوته الى أسبوع بعد انتفاضة 25 يناير. ولقد أظهرت كل ما يفيد بأنها تدعم سلطة الرئيس حسني مبارك، وترفض التغيير. لكنها توصلت الى أن الأمور في تفاقم، والوضع يسير نحو انفلات السيطرة، وأن الشارع يفرض بديله بعيداً عن دورها وحساباتها. لهذا اندفعت بشكل جنوني نحو فرض التغيير، انطلاقاً من رحيل مبارك أو اختفاءه، وتسلم عمر سليمان السلطة، وحل مجلس النواب، والحكومة، وتشكيل حكومة مؤقتة أو مجلس رئاسي، تشارك فيها “المعارضة”، و”ممثلي الشباب”، من أجل انتخابات جديدة وانفراج ديمقراطي.

فالولايات المتحدة واضحة في دعمها للطبقة المسيطرة ولكل السياسات التي مارستها في العقود الماضية، وهي معنية بأن تبقى في السلطة، وأن لا يصل إليها إلا من يتوافق معها. وهو الأمر الذي دفعها الى التأكيد على أن أي تغيير يجب أن يلتزم الموافقة على كل الاتفاقات الموقعة، من اتفاق كامب ديفيد الى الاتفاقات العسكرية، الى التوافق السياسي مع سياستها العالمية. هذا الوضع الذي يحكم الموقف الأميركي، والذي فرض التسارع لتحقيق تغيير مضبوط كما جرى في تونس. حيث تستفيد من كل النشاط “الأيديولوجي” والدعائي السابق، ومن موجة الدمقرطة التي أطلقتها من أجل حصر المسألة في “الرئيس”، المستبد، والذي بقي طويلاً في السلطة. أما السياسة الاقتصادية التي ترسمها الشركات الإمبريالية، والسياسات الإقليمية والدولية التي تتبع ذلك، فيجب أن تكون خارج البحث، ويجب أن يجري استباق تصاعد الصراع لإيجاد حل يحافظ عليها.

بالتالي جاء التدخل الأميركي من أجل ذلك وليس حباً بالشعب المصري، أو أملاً في تحقيق نظام ديمقراطي بعد دعم طويل لنظام فاسد وبوليسي. ولن تتورع من أن يعيد الكرة بعد أن يهدأ الوضع وتستكين الطبقات الشعبية، حيث أن النهب المفرط يفترض شكلاً من أشكال الدكتاتوريات وليس النظم الديمقراطية.

الآن، ستكون المراهنة على دور الجيش، والصيغة التي يمكن أن تخرج الصراع من مأزمه القائم الآن، نتيجة أن الطبقات الشعبية صمدت ولازالت صامدة، لكن ليس لديها خطة للتقدم من أجل فرض التغيير، وما يجري هو انتظار حل “مقبول” يطرحه الجيش أو من يعبّر عنه. وهو حل يفترض إما مشاركة قوى معارضة في حكومة تقوم بعد رحيل مبارك (أو تغيبه باسناد صلاحياته لنائبه)، أو تشكيل حكومة انتقالية من أطراف في السلطة مدعومة من الجيش وأطراف معارضة (مثل الأحزاب الشرعية، الوفد والتجمع وحزب الجبهة. أو نصف الشرعية مثل حزب الغد. وأيضاً الجمعية الوطنية للتغيير التي يرأسها البرادعي. وبعض هيئات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة). تشرف على مرحلة انتقالية يجري فيها إعداد دستور جديد، ومن ثم تجري انتخابات جديدة.

هذا هو الحل الأقوى ربما، وما يجري من ضغوط من قبل السلطة تهدف الى تحقيق أقل قدر ممكن من التنازلات. لهذا جرى حصر المسألة في رحيل حسني مبارك، واعتقال بعض رموز المرحلة الماضية، وربما تهميش الحزب الوطني. وما يمكن أن يعدل من ذلك هو استمرار تماسك قوى الانتفاضة، وأقصد الطبقات الشعبية بالتحديد التي أظهرت قوة هائلة وصموداً بطولياً. رغم غياب القوى الجذرية تماماً هنا، ومن شارك فقد بدا كنشاط فردي، وليس بتحضير حزبي، أو رؤية واضحة. فقد كان الشك هو الحاكم لهؤلاء لإمكانية نجاح انتفاضة الآن. والأسوأ هو الموقف المخزي لقيادة حزب التجمع، برغم مشاركة أفراد منه في الانتفاضة منذ البدء، وساهمت في الدعوة إليها. وأظن بأن الزمن قد تجاوز هذا الحزب، ويجب أن يصبح من الماضي. أما القوى الماركسية الأخرى فقد اسهم بعضها في الدعوة للإضراب يوم 25 يناير وشارك فيها، لكن دون استراتيجية أو فاعلية، أو حتى الاستفادة في الدعاية لأهداف ورؤى، أو محاولة تعميق الجانب الذي يهم معظم هذه الجموع الهائلة، أي من خلال التركيز على طرح المطالب التي تتعلق بالأجور والبطالة والفساد ونهب الطبقة المسيطرة، وبالدعوة لنمط اقتصادي جديد. وهو الأمر الذي بات يحصر المطالب في المطلب الديمقراطي وفي رحيل مبارك فقط، رغم أن انتفاضة الطبقات الشعبية انطلقت مما هو اقتصادي: البطالة والفقر والأرض والصحة والتعليم والتدمير الذي تحدثه الطبقة المسيطرة في كل مناحي الحياة.

إذن، الانتفاضة شعبية شاملة، والإخراج سيكون أميركياً ولن يقود الى تحقيق أي من أهداف الطبقات الشعبية. فقط متنفس ديمقراطي.

المصدر:

تحوّل نوعي في الصراع الطبقي

ما جرى يوم 25 يناير / كانون الثاني وما تلاه في مصر، أظهر أنّ تحوّلاً نوعياً قد حصل في حركة الاحتجاج التي بدأت قبل خمس سنوات تقريباً. ولا شك في أنّه سوف ينعكس بنحو كبير على مجريات الصراع في المرحلة المقبلة. فرغم بعض حالات التذمر، التي كانت بادية على قطاعات واسعة منذ سيطرة نمط مافياوي على الاقتصاد، وهيمنة «رجال الأعمال» (الذين هم مافيا بكل معنى الكلمة) على مفاصل السلطة، ظل الاحتجاج محصوراً في بعض النخب والأحزاب المعارضة، وهي احتجاجات لم تكن تتجاوز «الكلام» والكتابة في صحافة توزّع بنحو محدود.

لكن منذ نهاية سنة 2004، تحققت «نقلة» تمثلت في تكوين حركة «كفاية»، من طيف متعدّد الاتجاهات. قررت هذه الحركة أن تطرح مسألة الاعتراض على توريث الحكم والتمديد لرئيس يحكم منذ سنة 1981، فقامت بأنواع من الاحتجاج السياسي، لكنّها كانت محصورة في «نخبة»، لم تتسع بعد ذلك، غير أنها كسرت حاجز الخوف من مواجهة السلطة، وربما هذه هي قيمتها الحقيقية.

وكانت السلطة قد أقرّت سنة 1997 قانوناً يفرض إعادة الأرض المصادرة زمن ثورة يوليو / تموز الى «أصحابها الأصليين»، لكنّ تطبيقه تصاعد في السنوات الأولى من القرن الجديد. أثار ذلك حركات احتجاج كبيرة من الفلاحين، وكان تضامن جزئي معهم من «النخب» من دون أن يتحقق أمر مهمّ، الأمر الذي أوجد حالة احتقان كبيرة في الريف، كانت تعبّر عن ذاتها في بعض الأوقات، لكنّها لم تصبح حركة فاعلة.

ومنذ 2006، بدأت حركات احتجاج طبقية، كان أساسها العمال خصوصاً (عمال المحلة)، لكنّها بدأت تتسع لتتضمن مختلف أنواع الاحتجاج، النوعي والمناطقي، وظلت متفرقة وبأهداف محدودة جزئية، ودون تنسيق أو تطوير حقيقي في أدائها. ظلت، في الغالب، عفوية ومطلبية، رغم تصاعدها في 2009 حين شملت قطاعات عمالية متعددة، وضمت عدداً كبيراً من المشاركين.

لكنّها انعكست على قطاع اجتماعي جديد هو قطاع الشباب، الشغوف بالإنترنت. قطاع بدأ التفاعل مع حركات الاحتجاج العمالية عبر التضامن معها يوم 6 إبريل / نيسان 2009، من خلال الدعوة الى إضراب عام، نجح الى حدٍّ ما. ودفع نجاحه هذا الى توهم أنّ موقع الفايسبوك قادر على تحريك الشارع، لهذا شاعت الدعوات الى الإضراب العام، من دون أن تلاقي نجاحاً. لكن ما تحقق هنا هو بدء تفاعل قطاعات من الشباب كانت تتسع، مع مشكلات الطبقات الشعبية، ومع الدعوة إلى التغيير. ومهما قيل في خبرة هؤلاء السياسية، فإنّ ميلهم هذا كان يعبّر عن عمق الأزمة المجتمعية، إذ إنهم أبناء فئات اجتماعية متوسطة أو مفقرة. وكان الانقطاع عن السياسة عندهم ناتجاً من «سوء» الأحزاب القائمة، وعجزها، وطرحها لأهداف لا تمس المشكلات المجتمعية، ومراوغة العديد منها للسلطة. وبالتالي، كانت الأجيال الشابة تشعر باغتراب عما تطرحه، وتبدو أنّها في عالم آخر.

أما الأحزاب و«النخب» فقد أصبحت مسألة الديموقراطية هي هاجسها، إلى الحدّ الذي كان يقود أحياناً إلى «شخصنة» الصراع. حصل ذلك من خلال تحويل الصراع ضد حسني مبارك وابنه، في مواجهة الميل السلطوي لاستمرار الرئيس «مدى الحياة»، ثم توريث السلطة لابنه. ولهذا ظلت نخب قليلة العدد تقوم بعمل «روتيني» هو الاحتجاج في مناطق معينة بعيداً عن الطبقات الشعبية. وكان يبدو أنّها تتجاهل كل مطالب هذه الطبقات، أو لا توليها أهمية كافية. ولقد كانت الأحزاب الشرعية المعارضة تتهمش، خصوصاً تلك التي تدّعي تمثيل اليسار، نتيجة مواقفها الكلامية أو المهادنة للسلطة، أو المحصورة في إطارها الضيّق المشار إليه. كذلك فرض تصاعد الحراك الاجتماعي تراجع دور جماعة الإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لا تولي القضايا المعيشية أهمية، وتركز على «الأخلاق» و«القيم»، وهو أمر طبيعي ناتج من تموضعها الطبقي، الذي دفعها إلى التوافق مع السلطة على قانون إعادة الأرض للإقطاع، وخصخصة القطاع العام.

وبالتالي، كانت الصراعات الطبقية تتصاعد في كل أرجاء مصر، لكن في تشتت واضح، ودون استراتيجية تجمعها، ولم يكن يمرّ يوم دون أن تشهد أكثر من حراك لقطاع من قطاعات المجتمع، يطرح قضايا مطلبية محدَّدة تخصه. وظلت المعارضة السياسية تركز على الشعار ذاته: يسقط حسني مبارك، لا للتوريث. وشباب الفايسبوك (الذين منهم شباب 6 أبريل) يدعون بين الحين والآخر إلى إضراب من دون أن يلقى تجاوباً يذكر. ولهذا، حين بادروا بالدعوة إلى إضراب يوم 25 يناير / كانون الثاني، كانت الأحزاب المعارضة متشككة في إمكانية النجاح، رغم قرار بعضها المشاركة (عدا التجمع وبعض الناصريين)، وكانت التظاهرة تبدو كسابقاتها. ذلك، رغم أنّ الأجواء بعد انتفاضة تونس كانت تشجع على المشاركة والأمل في حصول أمر مختلف. ولقد حصل هذا الأمر المختلف، إذ أفضت الدعوة الى انتفاضة حقيقية، شملت الأحياء الشعبية وامتدّت الى العديد من المحافظات، لأول مرة ربما منذ انتفاضة 18 / 19 يناير / كانون الثاني 1977، وبمشاركة قطاعات شعبية هذه المرة، خصوصاً من الشباب. فقد عاد الشباب إلى الشارع، وهذه هي السمة الأساسية الأولى التي يمكن تلمسها مما جرى.

إذن، لقد دخل الشباب الصراع، وانتقل الاحتجاج الى الفئات الشعبية، وبالتالي لم تعد المسألة مسألة دعوات على الفايسبوك، أو وقفات اعتصام أو تظاهر لنخب وأحزاب ضعيفة، وإن كانت لم تصل بعد الى الطبقات المفقرة كلها. هذه هي النقلة التي تحققت، وهي نقلة مهمة في سياق تطور الصراع الطبقي. وستكون كلّ أشكال الاحتجاج التالية مترابطة، وسوف يدفع نجاح الانتفاضة الى مشاركة أوسع من الطبقات الشعبية، وهو الأمر الذي يوضح أنّ الأزمة التي تعيشها هذه الطبقات عميقة، الى الحدّ الذي يدفعها للانفجار.

نحن في وضع محلي مأزوم على الصعيد الاقتصادي، وفي وضع عالمي يعيش أزمة اقتصادية طاحنة، ثم لم يعد من الممكن للرأسماليات المسيطرة التحكم في صيرورة تطور الصراع الطبقي.

المصدر: الأخبار

الديكتاتوريات العربية بداية النهاية

ما جرى يوم 25 يناير / كانون الثاني وما تلاه في مصر، أظهر أنّ تحوّلاً نوعياً قد حصل في حركة الاحتجاج التي بدأت قبل خمس سنوات تقريباً. ولا شك في أنّه سوف ينعكس بنحو كبير على مجريات الصراع في المرحلة المقبلة. فرغم بعض حالات التذمر، التي كانت بادية على قطاعات واسعة منذ سيطرة نمط مافياوي على الاقتصاد، وهيمنة «رجال الأعمال» (الذين هم مافيا بكل معنى الكلمة) على مفاصل السلطة، ظل الاحتجاج محصوراً في بعض النخب والأحزاب المعارضة، وهي احتجاجات لم تكن تتجاوز «الكلام» والكتابة في صحافة توزّع بنحو محدود.

لكن منذ نهاية سنة 2004، تحققت «نقلة» تمثلت في تكوين حركة «كفاية»، من طيف متعدّد الاتجاهات. قررت هذه الحركة أن تطرح مسألة الاعتراض على توريث الحكم والتمديد لرئيس يحكم منذ سنة 1981، فقامت بأنواع من الاحتجاج السياسي، لكنّها كانت محصورة في «نخبة»، لم تتسع بعد ذلك، غير أنها كسرت حاجز الخوف من مواجهة السلطة، وربما هذه هي قيمتها الحقيقية.

وكانت السلطة قد أقرّت سنة 1997 قانوناً يفرض إعادة الأرض المصادرة زمن ثورة يوليو / تموز الى «أصحابها الأصليين»، لكنّ تطبيقه تصاعد في السنوات الأولى من القرن الجديد. أثار ذلك حركات احتجاج كبيرة من الفلاحين، وكان تضامن جزئي معهم من «النخب» من دون أن يتحقق أمر مهمّ، الأمر الذي أوجد حالة احتقان كبيرة في الريف، كانت تعبّر عن ذاتها في بعض الأوقات، لكنّها لم تصبح حركة فاعلة.

ومنذ 2006، بدأت حركات احتجاج طبقية، كان أساسها العمال خصوصاً (عمال المحلة)، لكنّها بدأت تتسع لتتضمن مختلف أنواع الاحتجاج، النوعي والمناطقي، وظلت متفرقة وبأهداف محدودة جزئية، ودون تنسيق أو تطوير حقيقي في أدائها. ظلت، في الغالب، عفوية ومطلبية، رغم تصاعدها في 2009 حين شملت قطاعات عمالية متعددة، وضمت عدداً كبيراً من المشاركين.

لكنّها انعكست على قطاع اجتماعي جديد هو قطاع الشباب، الشغوف بالإنترنت. قطاع بدأ التفاعل مع حركات الاحتجاج العمالية عبر التضامن معها يوم 6 إبريل / نيسان 2009، من خلال الدعوة الى إضراب عام، نجح الى حدٍّ ما. ودفع نجاحه هذا الى توهم أنّ موقع الفايسبوك قادر على تحريك الشارع، لهذا شاعت الدعوات الى الإضراب العام، من دون أن تلاقي نجاحاً. لكن ما تحقق هنا هو بدء تفاعل قطاعات من الشباب كانت تتسع، مع مشكلات الطبقات الشعبية، ومع الدعوة إلى التغيير. ومهما قيل في خبرة هؤلاء السياسية، فإنّ ميلهم هذا كان يعبّر عن عمق الأزمة المجتمعية، إذ إنهم أبناء فئات اجتماعية متوسطة أو مفقرة. وكان الانقطاع عن السياسة عندهم ناتجاً من «سوء» الأحزاب القائمة، وعجزها، وطرحها لأهداف لا تمس المشكلات المجتمعية، ومراوغة العديد منها للسلطة. وبالتالي، كانت الأجيال الشابة تشعر باغتراب عما تطرحه، وتبدو أنّها في عالم آخر.

أما الأحزاب و«النخب» فقد أصبحت مسألة الديموقراطية هي هاجسها، إلى الحدّ الذي كان يقود أحياناً إلى «شخصنة» الصراع. حصل ذلك من خلال تحويل الصراع ضد حسني مبارك وابنه، في مواجهة الميل السلطوي لاستمرار الرئيس «مدى الحياة»، ثم توريث السلطة لابنه. ولهذا ظلت نخب قليلة العدد تقوم بعمل «روتيني» هو الاحتجاج في مناطق معينة بعيداً عن الطبقات الشعبية. وكان يبدو أنّها تتجاهل كل مطالب هذه الطبقات، أو لا توليها أهمية كافية. ولقد كانت الأحزاب الشرعية المعارضة تتهمش، خصوصاً تلك التي تدّعي تمثيل اليسار، نتيجة مواقفها الكلامية أو المهادنة للسلطة، أو المحصورة في إطارها الضيّق المشار إليه. كذلك فرض تصاعد الحراك الاجتماعي تراجع دور جماعة الإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لا تولي القضايا المعيشية أهمية، وتركز على «الأخلاق» و«القيم»، وهو أمر طبيعي ناتج من تموضعها الطبقي، الذي دفعها إلى التوافق مع السلطة على قانون إعادة الأرض للإقطاع، وخصخصة القطاع العام.

وبالتالي، كانت الصراعات الطبقية تتصاعد في كل أرجاء مصر، لكن في تشتت واضح، ودون استراتيجية تجمعها، ولم يكن يمرّ يوم دون أن تشهد أكثر من حراك لقطاع من قطاعات المجتمع، يطرح قضايا مطلبية محدَّدة تخصه. وظلت المعارضة السياسية تركز على الشعار ذاته: يسقط حسني مبارك، لا للتوريث. وشباب الفايسبوك (الذين منهم شباب 6 أبريل) يدعون بين الحين والآخر إلى إضراب من دون أن يلقى تجاوباً يذكر. ولهذا، حين بادروا بالدعوة إلى إضراب يوم 25 يناير / كانون الثاني، كانت الأحزاب المعارضة متشككة في إمكانية النجاح، رغم قرار بعضها المشاركة (عدا التجمع وبعض الناصريين)، وكانت التظاهرة تبدو كسابقاتها. ذلك، رغم أنّ الأجواء بعد انتفاضة تونس كانت تشجع على المشاركة والأمل في حصول أمر مختلف. ولقد حصل هذا الأمر المختلف، إذ أفضت الدعوة الى انتفاضة حقيقية، شملت الأحياء الشعبية وامتدّت الى العديد من المحافظات، لأول مرة ربما منذ انتفاضة 18 / 19 يناير / كانون الثاني 1977، وبمشاركة قطاعات شعبية هذه المرة، خصوصاً من الشباب. فقد عاد الشباب إلى الشارع، وهذه هي السمة الأساسية الأولى التي يمكن تلمسها مما جرى.

إذن، لقد دخل الشباب الصراع، وانتقل الاحتجاج الى الفئات الشعبية، وبالتالي لم تعد المسألة مسألة دعوات على الفايسبوك، أو وقفات اعتصام أو تظاهر لنخب وأحزاب ضعيفة، وإن كانت لم تصل بعد الى الطبقات المفقرة كلها. هذه هي النقلة التي تحققت، وهي نقلة مهمة في سياق تطور الصراع الطبقي. وستكون كلّ أشكال الاحتجاج التالية مترابطة، وسوف يدفع نجاح الانتفاضة الى مشاركة أوسع من الطبقات الشعبية، وهو الأمر الذي يوضح أنّ الأزمة التي تعيشها هذه الطبقات عميقة، الى الحدّ الذي يدفعها للانفجار.

نحن في وضع محلي مأزوم على الصعيد الاقتصادي، وفي وضع عالمي يعيش أزمة اقتصادية طاحنة، ثم لم يعد من الممكن للرأسماليات المسيطرة التحكم في صيرورة تطور الصراع الطبقي.

المصدر: