Monthly Archives: سبتمبر 2014

وطن في فوضى

كل الكلام هو عن الفوضى. بالضبط، لأن كل ما يجري فوضى. لكن، لا أحد يناقش لماذا حدثت هذه الفوضى، حين نهضت الشعوب لتغيير واقعها؟

الفوضى واضحة بلا شك، في سورية، حيث مارس النظام كل الوحشية، وعانت الثورة فوضى منعتها من الانتصار، فأصبح توصيف الوضع أننا نعيش حالة استعصاء، استعصاء مخلوط بالفوضى في كل المناطق. وفي العراق، حدث حراك لإسقاط العملية السياسية، أو لتغيير موازين القوى فيها فشهدنا الفوضى. وهناك وهنا، دخلت أميركا، لكي تحارب داعش التي باتت “قوة عالمية”، تستحق الحشد، على الرغم من ضآلة عديدها في مقابل الأعداد الموجودة في سورية أو العراق للقوى التي تقاتل النظامَين. وأصبحنا في سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وانقسام ليبيا والصراع بين “أخوة السلاح”، والتلميح الأميركي لفرض “الإسلاميين” في السلطة.

واضح أن الثورات استطاعت أن تضعف النظم فقط، وهو الباب الذي فتح على الفوضى. هل يعني ذلك رفض الثورات؟ لا بالتأكيد، وأصلاً، الأمر لا يتعلق بالموافقة أو الرفض، لأن الشعوب تتحرك نتيجة وضعها الذي بات لا يطاق، وحيث أصبحت على حافة الموت. لهذا، تحركت من دون استشارة أحد، على الرغم من أنها بحاجة شديدة إلى “أحد”، وهذا ما لا يناقش، أو يولى أي اهتمام.

فمن الطبيعي أن يؤدي حراك الشعب، وبهذه القوة، إلى ضعف النظم، وإلى انفلات الصراعات، وأصلاً ليس من الممكن تحقيق التغيير من دون ضعف النظم. بالتالي، كان من الطبيعي أن نغرق في الفوضى، بعد أن ضعفت النظم أو انهارت، أو باتت عاجزة عن الحكم، كما في ليبيا. السؤال الجوهري هنا هو: ما السبب؟ الثورات؟ وهل نستطيع منع شعبٍ من الثورة، وأصلاً كانت الثورة مفاجأة لكل النخب والأحزاب. ولهذا، عجزوا عن أن يلعبوا دوراً فيها، وكانوا، أصلاً، نسوا أن هناك ثورات، وأن الشعوب يمكن أن تثور.

بالتالي، الفوضى أمر طبيعي لغياب القوى السياسية التي مهمتها، في لحظة الثورة، أن تنظم وتطور الحراك، لكي يوصل إلى انتصار يحقق مطالب الشعب، كي يعود الشعب إلى “الهدوء والسكينة”. وبغير ذلك، سيبقى يثور ويقاتل، ويسعى إلى التغير، وبالتالي، ستضعف النظم أكثر، وربما تتهاوى.  وسيكون الوضع مفتوحاً على تدخلاتٍ كثيرة، وعلى صراعات “ماضوية” أو مناطقية، أو تنافسية. حيث سيحاول كل طرف، خارجي أو كامن في البنية، أن يحقق ضمن هذه الفوضى مصالحه هو. وبهذا تتراكم الفوضى، وتتوسع. لكن، هذا ليس المسار الممكن، حين ينهض الشعب من أجل التغيير، لأنه بات يعرف ماذا يريد، حتى، وإنْ دخل في متاهاتٍ نتيجة عدم المعرفة بكيف يتحقق. بالتالي، سيفرض ذلك طرح السؤال عن النقص الذي يفضي إلى ذلك.

هذا ما أشرنا إليه منذ البدء، حيث لماذا الفوضى؟ بالضبط، لأن الحراك عفوي، يعرف ماذا يريد ومن يعادي، لكنه لا يعرف كيف يحقق الإرادة، ويؤسس ما يحقق مطالبه. بمعنى أن الفوضى أمر طبيعي، في وضعٍ تغيب فيه البدائل، وتتلاشي القوى التي تنظم وتتكتك، وتخطط وتعرف كيف توجه الحشد، ومن ثم كيف تتقدم لكي تنتصر.

فالثورات عفوية، وهذا يعني أنها من دون تنظيم ومن دون “وعي”، ولهذا، هي تضغط فتضعف وتفكك، لكنها لا تستطيع فرض بديلها، بعد أن أضعفت النظم وفككتها. الثورات ينقصها، إذن، الخطوة الأهم، والتي تتعلق بكيف تسيطر على السلطة، بدل أن تترك الوضع في فوضى؟ وما هو البديل الذي تطرحه، لكي تفرضه بعد استيلاء الشعب على السلطة؟ هذا يعني أنه ينقصها “العقل” و”المنظّم”. وفي هذا حديث كثير حول أزمة الأحزاب المعنية بمطالب الشعب، لكن الثورات لا تنتظر، بل لا بد من أن تتبلور القوى التي تسهم في فرض سلطةٍ بديلة، فالشعب يريد سلطةً بديلة، سلطته هو.

Advertisements

الدين وداعش.. هل الأصولية هي نتاج “طبيعي” في مجتمعاتنا؟

كلما جرى تضخيم تنظيم أصولي، تميل النخب إلى تعميم المشكلة، فتجري الإعادة إلى الدين، وإلى التخلّف المجتمعي. وينصبّ النقاش حول جوهر الدين ليجري التأكيد أن داعش، وأمثالها، هي نتاج طبيعي للإسلام. فتطرح المسألة كمسألة تخلّف طويل، هو نتاج الدين في مقابل الحداثة، ويُعاد إلى الإسلام الأول والنص القرآني، وسيرة الصحابة، وصراعات الدولة الأموية والعباسية، في سرديةٍ لا تاريخية، ولا علمية، ولا واقعية كذلك، تُظهر وكأن هناك “جوهر ثابت” بعيداً عن مجريات الواقع، وليس نتاج الواقع.

ولينحرف الصراع إلى صراعٍ مع الدين، وهو ما أنشأ الميل الإلحادي المتصاعد في كل المنطقة، لكنه أبعد الصراع عن جوهره الحقيقي.

ولا شك في أن التعميم يوصل إلى ذلك، لأنه يُدخل في “المجردات” و”الهلوسات”، والهواجس، ولا يمسّ الواقع الذي أنتج هذه الظاهرة، وظواهر كثيرة غيرها.

وأيضاً، كل تعميم سوف لا يقود إلى الوصول إلى فهمٍ، ولا إلى حل. لهذا، تظل الهواجس هي الحاكمة، وتفضي إلى عكس ما يُراد، أي بدل مواجهة هذه الأصولية، وتفكيكها، تجري تقويتها وتدعيمها، باستنفار فئات اجتماعيةٍ تتحسّس من مسّ الدين، بعدما باتت متّهمة بدينها.

وإلى إعطاء مبررات للقوى الأصولية، لكي تكسب شعبياً. فالصراع ليس صراع إيمان/ إلحاد، هذا صراع وهمي، وُجد في مرحلة من مراحل التطور في التاريخ العربي، وأفضى إلى العقلنة التي طرحها ابن رشد. ووجد في أوروبا وأفضى إلى العقلنة والعلمنة تأسيساً على ما بدأه ابن رشد.

الفهم التاريخي هنا مهم، وهو ضروري ضرورةً حاسمة لفهم التاريخ الإسلامي، بما في ذلك الدين، وأيضاً لعدم الخلط بين التاريخ والراهن.

فعلى الرغم من أنه يمكن أن يجري الاستناد إلى نصٍّ قرآنيٍّ، يدعم ما تقوم به داعش، أو الإخوان المسلمين أو غيرهما، يمكن الاستناد إلى نصٍّ آخر يقول “لا إكراه في الدين”، وبالتالي، يمكن الدخول في مناظراتٍ لا أفق لها، فـ”القرآن حمّال أوجه”.

فقط الفهم التاريخي هو الذي يسمح بوضع الإسلام في سياقه التاريخي، ومن ثم، فهم الأسس الموضوعية التي فرضت نشوء التيارات السلفية و”الجهادية” والإخوانية.

تأويل ديني


فقط الفهم التاريخي هو الذي يسمح بوضع الإسلام في سياقه التاريخي.

كل هذه الحالات هي ليست نتاج الدين، بل إن “التأويل الديني” الذي يطرح لتبرير نشوئها، هو نتاج الراهن. ولهذا، يجب البحث في “البيئة الاجتماعية” التي تنتج هذا النمط من المجموعات.

الإخوان المسلمون هم نتاج موضوعي، حيث إنهم نتاج إحساس فئات اجتماعية بأن التطور يتجاوزها، ويتشكل، في الواقع، وضع جديد، لا مكان لهذه الفئات فيه، وأن الأفكار التي تعيشها، والبيئة التي تعيشها، باتت مهددة بصيرورة حداثية، تتجاوزها. لهذا، تمسكت بالبنى التقليدية والوعي التقليدي، والنظام السياسي التقليدي. تمسكت بالمنظور الفقهي ضداً للمنظورات التي أتت بها الحداثة.

لقد دافعت عن واقعها الذي هو استمرار لقرون ماضية في مواجهة واقع جديدٍ يزحف، ويدمّر قيمها وبيئتها الاقتصادية (الحرف والبازار والبيئة الفلاحية الإقطاعية). لهذا، دافعت عن البيئة المدينية المغلقة، وعن النظام الإقطاعي والمَلَكية.

ولا شك في أنها استندت إلى النص القرآني، ودعت إلى الإسلام الأول، وهي تفعل ذلك كله، وأصرّت على تطبيق الشريعة، لكي تكرّس سلطتها وسطوتها. ولا شك في أن “الإسلام” الذي وصلت إلينا بتفسيراته هو نتاج تلك البيئة التي نشأت، إثر انهيار الدولة والمجتمع، نهاية الدولة العباسية.

هي، هنا، تستخدم الدين للدفاع عن واقع قائم في مواجهة واقع جديد، يهدم القائم، ويفتح لمسار حداثي جديد، ليس لها فيه موقع. وهذا ما جعلها تتمسك بالمنظور الفقهي، الذي يبقي الفكر محبوساً في بنيةٍ عتيقةٍ، لا تستطيع فهم الراهن.

ما دفعها إلى شن الحرب على الفكر الحديث عموماً، وعلى النظم القومية التي عمّمت “حداثة منقوصة”، وفتح على اعتبار أن كل ما تحقق هو التعبير عن “الجاهلية الجديدة”، كما قال سيد قطب. هذا المنظور الذي فرض تأسيس التنظيمات “الجهادية” التي تريد تدمير القائم والعودة إلى الأصول.

ولقد تشكلت هذه التنظيمات من فئاتٍ مهمشةٍ ومفقرةٍ، أو من بيئاتٍ كانت ولا تزال تعيش ما قبل التاريخ، في مناطق لم يشملها التطور في بنيةٍ عامةٍ، باتت تنتقل إلى مرحلة جديدة. في ذلك كله، كان النص الديني يُخضع لتبرير هذا المنظور الإنكفائي المعادي للبيئة الجديدة، والذي يسعى إلى تدمير كل التطور المتحقق.

شعار تنظيم “داعش” عند مدخل أعزاز شمال حلب (رويترز)

وعلى الرغم من التطور الذي تحقق في كل المنطقة، إلا أن هناك مناطق ظلت “خارج التاريخ”، تعيش وضعية “القرون الوسطى”، التي تبعت انهيار الدولة العربية الإسلامية، وحيث أدت الغزوات والحروب إلى دمارٍ شاملٍ، أعاد المجتمعات إلى مرحلة أقرب إلى البداوة، وإلى تحوّل المدن إلى مدن مغلقة، محافظة وتمتهن التجارة بالأساس.

هذا التهميش “الحضاري” هو البيئة التي تقطنها، أو تؤثر فيها تلك الأفكار الأصولية، وهي منبع “الجهاديين”. بالتالي، فإن تفاوت التطور هو الذي يسمح لأن توجد بيئة يمكن أن ترفد الأصولية. هنا، تصبح المسألة محدَّدة، وليست “فالتة”، أو معمّمة، لأنها محصورة في بيئة محدودة، ومناطق معينة. بيئة ظلت خارج التاريخ، بالتالي، يمكن أن يتلبّسها التاريخ، فتعتقد أنها قادرة على إعادته كما هو، أو كما تتخيّله هي أنه هو.

هذا هو منبع فكرة الخلافة و”الجهاد”، ومنبع كل التطبيقات التي تمسّ المرأة والعلاقات الاجتماعية، والتعامل اليومي، وحتى اللباس، سواء تعلّق الأمر بالرجل أو بالمرأة. وهذه بيئات “مفوّتة”، كما كان يقول ياسين الحافظ عن مجمل المجتمعات العربية، لكننا، هنا، نلمس بيئات معينة ظلت “مفوّتة” بالمعنى التاريخي، وظلت تريد إعادة إنتاج التاريخ، لكن التاريخ “المفوّت”، وليس “التاريخ الناصع” الذي عاشته المنطقة قروناً.

بعيداً عن التعميم

ما لا بد من لمسه بدل التعميم هو لماذا هذه الفئات التي تمثّل جزءاً ضئيلاً في المجتمع، هي التي باتت تنشط، وتتسلّح، وباتت تحمل “مشروعاً” تجهد من أجل تحقيقه؟ بمعنى: أين الفئات الوسطى، وأين الطبقات المفقرة التي تعيش الحاضر بكل “تخلّفه” وأزماته؟ بالتالي، يطرح السؤال: ما هي الوضعية التي مكّنت هؤلاء، وهل كانت بفعل ذاتيٍّ، أو كانت نتيجة “عناصر مساعدة”، تمتلك كل القدرة على إنتاج ما نشاهده، في القوة العسكرية وفي النشر الإعلامي، كما في التمويل؟


تشكّلت التنظيمات الجهادية من فئاتٍ مهمشةٍ ومفقرةٍ، أو من بيئاتٍ كانت ولا تزال تعيش ما قبل التاريخ.

ربما يفرض هذا الأمر ليس الميل لوصم الإسلام بما نلمس اليوم، بل بتحليل الأساس الموضوعي لهذه الظاهرة التي باتت تعمّم القروسطية، والتشدّد الأصولي، وبالتالي، الدمار في مجتمعاتٍ تجاوزت إمكانية تقبّل هذه التكوينات العتيقة، والبالية معاً.

إذن، ليس البحث في الدين هو ما يوصل إلى نتيجة، ولا الحكم المسبق بأن ما نشهده هو “جوهر الدين”، لهذا، إن كل الميل لتعميم النقاش حول ظاهرة محددة (كانت تنظيم القاعدة وباتت تنظيم داعش) بالحديث عن الإسلام لا معنى لها، ولا قيمة علمية لها، لأنها تكرّس نظرة مثالية، تقوم على “الجوهر المطلق”، “الجوهر الثابت”، من دون لمس الواقع، والصيرورة الواقعية. ومن دون فهم الأسباب الموضوعية التي أنتجت الدين في الماضي، وأنتجت هذه الظواهر الآن.

داعش هي نتاج واقع راهن. هي نتاج بيئات “مفوّتة” تعيش الماضي في أدنى مراحل انهياره، وهي بهذه الصفات لا تستطيع فعل ما تفعل، أو ما يقال إنها تفعل. وهذا الأمر يفرض أن تناقش من زوايا أخرى متعددة، في تكوين “مركّب”، تشكّل من عناصر متعددة، لا يفيد فيها التركيز على “الخلاف الفقهي”، أو “التفسير الفقهي”، ولا تعميم “أصلها” برميها على الدين، والتاريخ والتخلّف. بالتالي، لا بد من لمس المستوى السياسي الذي يجعلها تظهر فقط في المناطق التي تكون قد دخلت ضمن استراتيجيات الدول (المحلية أو العالمية).

وكذلك المستوى المتعلق بـ”الصورة” التي تبدو أنها من إخراج هوليوودي، وليس من قدرة فئات نقول إنها نتاج بيئات “مفوّتة”. وعلى ضوء ذلك كله، نستطيع أن نفسّر الخلافات الفقهية التي ظهرت في إطار المجموعات “الجهادية”، منذ عبد الله عزام إلى أبو بكر البغدادي وأبو محمد الجولاني.

 

المصدر : العربي الجديد

روسيا تغيب عن المشهد

الحرارة تتصاعد في العراق وسوريا بعد أن أفضى الحراك في العراق، وتصدّر داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، إلى أن يتقدم باراك أوباما بإستراتيجية جديدة تقوم على التدخل عبر استخدام القوة الجوية.

ويظهر الآن أن لا دور لروسيا، ولا فاعلية، وربما تكون في وضع الذهول. حيث يظهر أنها ستخسر سوريا بعد أن خسرت أوكرانيا (رغم ضمها لجزيرة القرم). فقد تقدمت أميركا في لحظة تعتقد أنها تحقق لها “تغييرا إستراتيجيا” بأقل التدخل بعد أن دخلت المنطقة من إيران إلى لبنان في حالة فوضى واستعصاء وعجز عن الحسم، وباتت النظم فيها مربكة وعاجزة عن مقاومة التيار الذي ينهض من الشعب، رغم كل العنف الذي تستخدمه، ورغم اللعب بالقوى الأصولية (داعش خصوصا) التي كانت المدخل لممارسة أقصى العنف ضد الثورة.

أميركا تتقدم الآن لتغيير طبيعة السلطة التي فرضتها السلطة في إيران، ولتغيير طبيعة الهيمنة على هذه السلطة لمصلحة قوى تدعمها. وربما يحدث الأمر ذاته في سوريا عبر تحقيق مبادئ جنيف1 دون روسيا وبإضعاف السيطرة الإيرانية. بهذا تكون روسيا قد خسرت احتمال تطوير العلاقة مع العراق، وكل المصالح التي جنتها من خلال دعمها السلطة السوريا ضد الثورة، والتي كان يجب أن تتحقق في جنيف2 عبر تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحية يكون لها فيها عنصر التحكم.

“يظهر الآن أن لا دور لروسيا، ولا فاعلية، وأنها ستخسر سوريا بعد أوكرانيا، فقد تقدمت أميركا في لحظة تعتقد أنها تحقق لها “تغييرا إستراتيجيا” بأقل التدخل بعد أن دخلت المنطقة في حالة فوضى واستعصاء وعجز عن الحسم”

وربما كان ما حدث في أوكرانيا قد أربك روسيا، وجعلها تغرق في مشكلة لها الأولوية، وذات حساسية عالية فيما يخص اقتصادها ووضعها العالمي، ودورها الأوروبي. لكن كان يظهر منذ سنة 2012 أن روسيا لا تمتلك التقدير المناسب للوضع السوري، وأنها تدعم خطوات لا تقود سوى إلى زيادة ارتباك الوضع وتعقده.

لهذا ظهر أنها تتعامل بغباء مفرط، وتعتقد أن السلطة السورية يمكن أن تستمر، أو أن الخطر القادم من جانب المسلحين كبير بما يفرض أن تبقى السلطة متماسكة، وألا يجري تغيير بنيتها. ومن ثم فإن “سحق الثورة” هو أمر ممكن بعد أن باتت تكرر خطاب السلطة حول المسلحين والإرهاب والأصولية، والمؤامرة.

بعد أقل من عام على الثورة، وقبل أن تعلن الإدارة الأميركية ضرورة تنحية بشار الأسد، طلب باراك أوباما من الروس رعاية مرحلة انتقالية، حينها رأى الروس أنه من غير الممكن نقل السلطة في وضع يمكن أن يؤدي إلى “سيطرة المسلحين على المدن” كما صرّح لافروف وزير الخارجية وهو يلتقي الجامعة العربية. لهذا دعموا سياسة السلطة لسحق “الإرهابيين” من خلال السعي للسيطرة على حمص وتدمير بابا عمرو، ومن ثم “ملاحقة الإرهابيين”.

لكن العمل المسلح توسّع أكثر ضد السلطة بدل أن يُسحق، واضطرت السلطة إلى سحب قواتها من الشمال والشرق السوريين بعد أن ارتبك وضع الجيش وباتت على شفير التمرّد. لهذا أصدرت روسيا وأميركا (ومجموعة العمل الخاصة بسوريا) بيان جنيف الذي بات يسمى مبادئ جنيف1، لكنها دخلت في نقاش عقيم حول أن البيان لا ينص على إزاحة بشار الأسد رغم أنه ينص على تشكيل “هيئة كاملة الصلاحيات التنفيذية”، وبالتالي ستمارس مهمات الرئيس والحكومة ومجلس الشعب.

ثم أضاعت فرصة التفاهم مع أميركا ربيع سنة 2013 بعد أن ظهرت السلطة في أضعف لحظاتها، بعد أن جرى التوافق على أن الحل لا يشمل بشار الأسد. فقد دعمت دخول قوات حزب الله والمليشيات الطائفية العراقية والحرس الثوري الإيراني لحماية السلطة من السقوط. لكن الأمر انقلب، فالسلطة باتت تسعى لاسترجاع مناطق واسعة في حمص وريف دمشق بعد أن وضعت يدها على مدينة القصير، وضاع زمن طويل وهي تحاول ذلك دون جدوى. وجرى تتويج هذه المرحلة باستخدام الأسلحة الكيميائية في ريف دمشق من أجل السيطرة عليه قبل الانتقال إلى جنيف2.

لم يظهر أن الروس قد فهموا أن عليهم حسم الأمر وتحقيق التغيير الذي يضمن مصالحهم عبر إبعاد بشار الأسد وتحقيق مرحلة الانتقال، خصوصا بعد أن قامت أميركا بـ “كامل واجبها” في تطويع المعارضة وجعلها توافق على الحل الروسي والمصالح الروسية.

“إعادة صياغة المنطقة الممتدة من العراق إلى لبنان بما يفرض دورا أميركيا أكبر، تعني إبعاد الروس الذين فشلوا في استغلال كل الفرص من أجل التقدم لملء “الفراغ الأميركي” الذي حدث بعد الأزمة المالية سنة 2008″

لم يحقق جنيف2 الهدف منه بالضبط لأن الروس لم يفرضوا التغيير في السلطة السورية لمصلحة تيار يقبل مبادئ جنيف1، ويقبل الدخول في مرحلة انتقال بالتشارك مع معارضة وافقت على ذلك.

وربما كان أمام هؤلاء لحظات للمراجعة، خصوصا بعد دعوة المعارضة المشاركة في جنيف2 إلى موسكو وتأكيدها الالتزام بالمصالح الروسية في سوريا، لكن الثورة في أوكرانيا كانت أسرع من أن تتيح لها ذلك، فقد بدا أن روسيا غرقت في “المستنقع الأوكراني” كما غرقت في “المستنقع الأفغاني”، لا تعرف كيف تتصرّف.

ولأجل ذلك قررت السيطرة على القرم كونه الميناء الوحيد لسفنها الحربية، كما تحاول السيطرة على شرق أوكرانيا الموالي لها تاريخيا، وربما لن تنجح في ذلك نتيجة العقوبات التي فُرضت عليها، ولأن خسارتها أوكرانيا سوف تقطع علاقتها مع أوروبا التي هي بحاجة ماسة لها الآن على الأقل.

إذن، تراجع النشاط الروسي في “الشرق الأوسط”، في لحظة كان الوضع السوري ينعكس على محيطه، سواء في لبنان الذي بات مرتبكا نتيجة دور حزب الله في سوريا، ومهددا بالتفجّر، ولم يستطع إلى الآن انتخاب رئيس جديد. وسواء في العراق الذي شهد تحركات في المنطقة الغربية منه تهدف إلى السيطرة على بغداد، لكن دعم المالكي لداعش جعلها تربك الحراك بما فعلت مع المسيحيين في الموصل، ثم الزحف على المنطقة الكردية بعد أن دعم الأكراد الحراك “السني”.

هذه الخطوة الأخيرة التي تمثلت في التقدم نحو أربيل هي التي فرضت تحولا كبيرا، حيث قررت أميركا التدخل (تحت حجة حماية الأقليات)، وأعلنت الحرب على داعش، ومن ثم قررت التدخل في سوريا.

والواقع أن كل ذلك جاء من أجل إعادة صياغة المنطقة الممتدة من العراق إلى لبنان بما يفرض دورا أميركيا أكبر، وهو ما يعني إبعاد الروس الذين فشلوا في استغلال كل الفرص من أجل التقدم لملء “الفراغ الأميركي” الذي حدث بعد الأزمة المالية سنة 2008، وتقرر رسميا بداية سنة 2012 في إستراتيجية واضحة تعطي الأولوية لمنطقة آسيا والمحيط الهادي، حيث كان حينها أمام روسيا فرصة لإنهاء الصراع في سوريا والتمدد نحو العراق، والاستفادة مما حدث في مصر بعد 30 يونيو/ حزيران سنة 2013 بما يجعلها قادرة على السيطرة وتحقيق مصالح مهمة فيها.

ولعل ذلك ما جعلها تغيب الآن عن المشهد، إلا من تصريحات هنا وهناك كما كانت تفعل في يوغسلافيا السابقة وفي العراق قبل الاحتلال، وأيضا في ليبيا.

“كشفت الأزمة الأوكرانية إشكالية الإمبريالية الروسية، التي ظهر أنها لا تمتلك المرونة ولا الديناميكية التي تحتاجها كل إمبريالية، وبدا أن السلطة مازالت تحتكم لمنطق “الرجل الهرم” و”الغبي” الذي ساد أواخر المرحلة السوفياتية”

لقد أوضحت الأزمة الأوكرانية إشكالية الإمبريالية الروسية، التي ظهر بأنها لا تمتلك المرونة ولا الديناميكية التي تحتاجها كل إمبريالية، وبدا أن السلطة مازالت تحتكم لمنطق “الرجل الهرم” و”الغبي” الذي ساد في أواخر المرحلة السوفياتية، فقد انفتح أمامها أفق للسيطرة ليس فقط نتيجة “الانسحاب الأميركي” بل أساسا نتيجة حاجة أميركا للتحالف معها، لكنها لم تعرف كيف تستغل ذلك.

ولا شك في أن التكوين الاقتصادي الذي نشأ بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي ربما يفرض كل هذا التخبط و”البيروقراطية”، والعجز عن تلمس المصالح بدقة، فقد سيطرت المافيا على ضوء بيع القطاع “الاشتراكي”، وتركز النشاط أكثر في القطاع الريعي (النفط والغاز)، حيث باتت المافيا تتصارع للسيطرة عليه.

وبالتالي، فرغم أن روسيا قوة إمبريالية بالمعنى الاقتصادي العام إلا أنها “دولة ريعية” في الواقع، وتخضع لسيطرة المافيا التي هي من يتحكم في القرار وليس قوى الإنتاج الحقيقية التي هي مهمة في الاقتصاد الروسي، والتي تشكّل أساس إمبرياليتها.

لهذا، فرغم أزمة أميركا العميقة، والتي لا فكاك منها، نجد أنها تعيد حصاد ما لم يستطع الروس التقاطه، ولكن هل ستتنازل لروسيا عن سوريا كما كانت مقررة سابقا؟ ربما حاجتها لها تقود إلى ذلك، لكن ما يظهر في الواقع هو أن أميركا هي التي باتت تقرر مصير السلطة السورية وليس روسيا.

إن مجرّد إعلان تدخلها في سوريا سوف يهزّ وضع سلطة باتت متداعية، تقف مرتبكة أمام صيرورة الأحداث التي كانت تعتقد أنها تمسك بها، من داعش التي اعتبرت أنها “لها”، إلى الحماية الروسية وعدم التدخل الأميركي، وهو أمر سيقرر طبيعة السلطة القادمة. والتي لن تكون خارج مبادئ جنيف1، بمعنى أن طرفا في السلطة سوف يكون أساسيا فيها، مع طرف في المعارضة ليس بالضرورة هو الذي شارك في جنيف2.

المصدر:الجزيرة

نفخ داعش

باتت داعش الخطر الرئيسي الذي يجب حشد “تحالف دولي” ضده. منذ لحظة الخلاف مع تنظيم القاعدة، ظهر أن هناك دوراً يُحضَّر لداعش، ويبدو أن أطرافاً عديدة، كان كل منها يريد هدفاً خاصاً به من ذلك. فقد خدم التنظيم النظام السوري في إيجاد فوضى وقتل واعتقال، في المناطق التي سمّيت “محررة”، وفرض على الشعب والكتائب المسلحة الصراع معه، وبالتالي، القتال على جبهتين في وضعٍ، لم يكن يمتلك السلاح، كما كلٌّ منهما. وكانت احتكاكات تنظيم داعش بالسلطة محدودة. وأحياناً كثيرة، كانت هجماته متناسقة مع هجوم السلطة على الثورة.

وفي العراق أيضاً، أربك التنظيم الحراك الشعبي، وبات وجوده المدخل لاستخدام نوري المالكي العنف ضد الاعتصامات، وصرّح وزراء من قائمة المالكي أنه هو من أطلق سراح عناصر داعش من سجن أبو غريب، وأرسلهم إلى سورية، كما جرت الإشارة إلى تمويل إيراني، وكانت تصريحات قادة في التنظيم توحي بذلك كذلك. وفي الحراك الأخير ضد المالكي، لعبت داعش أخطر الأدوار في إجهاضه، وتحويل الصراع إلى وجهة أخرى، هي التي فتحت على الوضع الجديد.

كان تقدم داعش ضد الأكراد الذين دعموا الحراك الشعبي ضد المالكي المدخل لتدخل أميركي، بعد أن كان كل الحراك الذي جرى في العراق للسيطرة على السلطة قد وُضع في جعبة داعش، في تناسق إعلامي لافت، شمل كل الأطراف المتناقضة، فظهر قوة خارقةً، تسيطر على نصف سورية ونصف العراق، بعدد عناصر بلغ عشرة آلاف، زيد، أخيراً، لتبرير التدخل الأميركي إلى ثلاثين ألفاً حسب التصريحات الأميركية.
وربما تُظهر السياسة الأميركية الجديدة السبب الذي جعل كل وسائل الإعلام ومسؤولي العالم، المتناقضين في محاور “متعادية”، يتوحدون في تضخيم قوة داعش وخطرها الذي لم يسبق أن وُجد مثله، كما كرر الخطاب الأميركي. حيث كانت إيران تريد “توريط” أميركا في الصراع الذي انفتح في العراق ضد سلطة المالكي، وهي تعمل على إعادة تكريسه حاكماً بعد الانتخابات الأخيرة، والسلطة السورية تريد “تحالفاً” مع أميركا، وكانت ترى أن اللعب بمسألة الإرهاب مفيد في ذلك، من أجل سحق الثورة. لكن، ظهر أن أميركا تريد أن تغيّر التوازنات في العراق، وربما في سورية. وسيبدو أن النظامين، الإيراني والسوري، قد خرجا خاسرين من لعبةٍ اعتقدا أنهما ممسكان بها، وهي لعبة داعش المخترقة لهما، لكن المسيطر عليها أميركياً. فقد خدمتهما في الصراع مع الشعوب وضد الثورات، لكن، حين تريد أميركا تعديل موازين القوى السياسية تصبح هذه أداتها، و”عدوها اللدود” الذي يكون المدخل لكي تغيّر في “مكان آخر”، هو بالتحديد توازنات السلطة في العراق وفي سورية، وبالتالي، لكي تكون الغطاء لتحقيق هذا التغيير.

لهذا، كان يجب نفخ داعش، وكان يجب أن يشرّد المسيحيون في الموصل، ويقتل الإيزيديون، وأن “يذبح” صحفيان يحملان الجنسية الأميركية في مشهد لفيلم هوليوودي (كل مشاهد داعش كانت بإخراج هوليوودي بامتياز). فهذه هي “عدة الشغل” التي تستخدمها السياسة الأميركية لتبرير التدخل، للشعب الأميركي، وتبريره عالمياً. وإذا كانت لا تريد التدخل البري، لأنه لم يعد في مقدورها ذلك نتيجة السياسة التي تقررت بعد الأزمة المالية، والتي حصرت التدخل في هذه المنطقة باستخدام الطيران فقط، فإن ما تريده إعادة سيطرتها على العراق، وإنْ بالتفاهم والتقاسم مع إيران، بحيث يجري تقاسم السلطة بين أطراف “العملية السياسية” فعلياً، وليس شكلاً، كما كان في مرحلة المالكي. هذا واضح فيما جرى في العراق بعد إبعاد المالكي، ومحاولة تشكيل حكومة “متضامنة”. لكن، هل يكون التدخل في سورية مدخلاً لتحقيق ما هو مشابه؟ أي إبعاد الأسد، وتشكيل حكومة انتقالية وفق مبادئ جنيف1 أو على غرارها؟

الأزمات المعيشية أساس الثورات

يبدو أن الفشل يدفع إلى تشويه الحقائق. لهذا، تصبح الأزمات المعيشية سلاح الثورة المضادة. هناك من لا يريد أن يرى الحقائق، فيغرق في الأوهام، ويعمل على قلب الحقائق ذاتها. فالشعوب لم تثر لأنها تريد تياراً بعينه، أو حزباً محدَّداً. ثارت وهي لا ترى الأحزاب أصلاً. وثارت ليس من أجل “قيم عليا” لا تعرفها، نتيجة الاستبداد الطويل والتجهيل المقصود، بل ثارت، لأنها لم تعد تستطيع العيش.
هذا ملخص الثورات التي حدثت في البلدان العربية، والتي ستحدث فيها وفي غيرها من البلدان العربية، وستصل إلى بلدان كثيرة أخرى في القارات الخمس، حيث تتفاقم أزمة الرأسمالية وتتعمق وتتوسع، وباتت تقود إلى انهياراتٍ متتاليةٍ، من دون مقدرة على وقف هذه الصيرورة. لهذا، تعمل الدول الرأسمالية على التخفيف من آثار الانهيارات، أو تأخير حدوثها فقط. وهي انهياراتٌ تؤدي إلى تفاقم مديونية الدول، وبالتالي، محاولة حلّ الأزمة عبر “التقشف” وزيادة الأعباء على المواطن، حتى في الدول التي ثار الشعب فيها، لأنه لم يعد يستطيع العيش، مثل تونس ومصر واليمن.
لهذا تزيد الاحتقانات، وتتصاعد الأزمة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الثورات، مرة وأخرى وثالثة، ما دامت المطالب لم تتحقق، والفقر يتزايد، وكذلك البطالة. لم يُسقَط “الإخوان المسلمون” من السلطة في مصر، لأن هناك من افتعل أزمات، بل، بالضبط، لأن الأزمات العميقة التي قادت إلى ثورة 25 يناير لم تحل، حيث بقي هؤلاء يكررون سياسة حسني مبارك الاقتصادية، وأكد أكثر من قيادي لديهم، أنهم لم يختلفوا مع مبارك في سياسته الاقتصادية، وهو أمر كان يظهر في دعم الخصخصة وإدانة التأميم، كما في قرار مبارك سنة 1997 بإعادة الأرض إلى “ملاّكها القدامى” (الإقطاعيون)، وهو أمر كان يعني أنهم مصممون على عدم حلّ مشكلات البطالة والأجر المتدني (حتى وفق الحد الأدنى الذي أقرته هيئة قضائية)، ولم يفكروا في تحسين البنية التحتية والصحة والتعليم. وما فعلوه محاولة إحلال مافيات بدل أخرى، مافيات إخوانية بدل مافيات حسني مبارك.
لهذا، كانت الثورة ضرورة من شعبٍ لم يعد قادراً على تحمّل الوضع الذي بات فيه، بغض النظر عمن يحكم، وكيف وصل إلى الحكم. فالشرعية منذ 25 يناير باتت للشعب وليس لصندوق الاقتراع، وباتت للشارع وليس للنظام “الديمقراطي”. وما جرى في مصر أوضح مسألة حاسمة، هي أن الشعب لم يعد قادراً على الانتظار، بعد أن بات عاجزاً عن الاستمرار في الوضع الذي هو فيه، فلن ينتظر انتخاباتٍ بعد أخرى، على أمل أن يأتي “الحاكم العادل”، بل سوف يتمرّد كلما لمس أن السلطة الجديدة لم تبدأ، مباشرةً، في حلّ مشكلاته واحدة بعد أخرى. هذا سيكون وضع تونس واليمن، وكل البلدان التي حدثت فيها ثورات، والتي لم تحدث فيها ثورات. وهذا ينطبق على مصر الآن.
الأزمات المعيشية هي محرّك الثورات، وستبقى كذلك ما دامت النظم الجديدة لا تحلّ مشكلات البطالة والفقر الشديد والبنية التحتية والتعليم والصحة والسكن، قبل أيّ شيء آخر. وهذه مشكلاتٌ لا تخضع لانتظار طويل، ولا حتى متوسط، بل يجب أن تكون من القرارات الأولى لأي حكومةٍ تصل إلى السلطة بعد الثورة، ومن ثم يمكن أن تجري إعادة بناء الاقتصاد، بما يسمح لها أن تنجح عبر تغيير كلية النمط الاقتصادي، وليس الاستمرار في السياسات نفسها التي كانت سبب الثورات. بالتالي، يفترض انتصار الثورات تغيير الطبقة المسيطرة ومنظورها، وهو أمرٌ يعني أن كل الأحزاب المعارضة عاجزة عن تحقيق ذلك، وأن التغييرات ظلت في إطار “النظام القديم”.
الأزمات المعيشية أساس الثورات، هكذا بالضبط. وهي أساس هزيمة “الثورات المضادة”، لأن الشعب يريد التغيير الجذري.

سيرة ذاتية لجبهة النصرة لأهل الشام

صدر أول بيان باسم جبهة النصرة في سورية إثر تفجير مقر أمن الدولة في كفرسوسة، وفرع المنطقة للأمن العسكري في الجمارك، يوم 23\12\2011، ووضع البيان على موقع إلكتروني أنشئ قبل يوم، ثم اختفى. فكان يفترض أن تأسيس الجبهة كان قبل ذلك. ثم أعلنت عن تفجير انتحاري في حي الميدان في 6\1\2012، وآخر ضد المخابرات الجوية في ساحة التحرير يوم 17\3\2012، وفي حي السليمانية في حلب في 18\3\2012.

البيان التأسيسي الأول لجبهة النصرة مؤرخ في 24\1\2012، ونشر في 25\5\2012. لكن، حين سئل أبو محمد الجولاني عن تأسيس الجبهة في المقابلة التي أجراها تيسير علوني معه لقناة الجزيرة، قال إنها تأسست في فبراير/شباط سنة 2012. … متى تأسست إذن؟

تسرّبت في إبريل/نيسان سنة 2012 معلومتان، الأولى أن النظام السوري أطلق سراح أبي مصعب السوري، القيادي في تنظيم القاعدة، و500 كادر وعضو في التنظيم، تشكلت منهم النوَيات الأولى لجبهة النصرة. والثاني، وفق معلومة تسربت من مطار دمشق، أن الأمين العام لمجلس الأمن الوطني السعودي، الأمير بندر بن سلطان، حط في المطار، والتقى رئيس مكتب الأمن القومي السوري، علي مملوك. وعُرف، فيما بعد، أن السعودية تضغط على كل من الأردن وتركيا لإدخال “جهاديين” إلى سورية، لم يوافق الأردن، فأوقفت السعودية دفع مبلغ ملياري دولار، كانت قد وعدت بتسليمها في يونيو/حزيران سنة 2012، ووافق رئيس وزراء تركيا في حينه، رجب طيب أردوغان، بعد تمنّع، ثم أخذت تركيا تشارك في صنع مجموعات أصولية، وتسهّل دخول “الجهاديين”.

يشير هذا الأمر إلى أن نشر بيان التأسيس هو تاريخ نشوء الجبهة، على الرغم من أنه حمل توقيعاً بتاريخ أسبق. وما يؤكد ذلك أنه كان يجب أن تجري تغطية البيانات السابقة التي أعلنت عن عمليات تفجير، منذ نهاية سنة 2011 في تفجير كفرسوسة. لكن، واضحٌ أن الزمن بين كتابة البيان ومحاولة التغطية كان قد فرض نسيان ما قبل بداية عام 2012. حيث كان واضحاً أن عمليتي كفرسوسة والجمارك جرتا نتيجة “صراع داخلي” بين الأجهزة الأمنية السورية، حيث جرى بعدها نقل المركز المهيمن من أمن الدولة إلى المخابرات الجوية التي باتت تمسك بمفاصل الأمن، وتفرض سطوتها على كل الفروع الأمنية. وأيضاً، كانت مؤشرات وتسريبات تفيد بأن التفجير مفتعل، مثل تفجيرات أخرى، كانت تريد تخويف الأقليات (تفجير ساحة التحرير، وحي السليمانية في حلب، وتفجير السلمية)، أو تخريب مراكز النشاط الثوري ضد النظام، كما في حي الميدان، ومناطق أخرى. وتفجيراتٌ كثيرة كانت تكشفها ملاحظات الناس في المنطقة نفسها، حيث كانت تلاحظ نشاط الأمن قبل التفجير، وبعض الحركات التي تؤشر إلى أن حدثاً ما سيقع.


قام النظام السوري بمهمة تحشيد “الجهاديين” وإرسالهم إلى العراق بعد احتلاله من قبل الجيش الأميركي

لهذا، يمكن القول إن جبهة النصرة تشكلت فعلياً في 25\5\2012 وليس قبل ذلك، بعد أن جرى الإفراج عن قيادات وكوادر كانت في سجن صيدنايا، ونقلت إلى سجن عدرا بعد الثورة. وكان قد أفرج عن “جهاديين” آخرين قبل ذلك، شكّل بعضهم “أحرار الشام”، وهم، أيضاً، ممن قاتلوا في العراق، وكان الحوار يجري بينهم وبين تنظيم القاعدة ليكونوا هم فرعها في سورية، لكن خلافات “فقهية” تتعلق بالتعامل مع السوريين عموماً، ومع الأقليات خصوصاً، منعت ذلك. وشكّل آخرون “صقور الشام”، في سياق متقارب مع الأحرار. وكذلك شكّل زهران علوش، الذي أُطلق سراحه كذلك، لواء الإسلام، ثم جيش الإسلام، ثم انخرط في الجبهة الإسلامية. وحين سئل في ما إذا كان النظام يعرف، حين أطلق سراحه، أنه سوف يحمل السلاح ضده، أجاب بأن النظام كان يعرف، وعلى الرغم من ذلك أطلق سراحه (تصريح لقناة سورية الشعب). وزهران علوش في ترابط وثيق مع السعودية، وسياسته تنبني على ما تريد هي بالتحديد، وكان واضحاً أن كل تكتيكه العسكري خضع لما تريد هي، وليس ما يخدم تقدم الثورة وانتصارها.

الغريب أن يقبل هؤلاء الخارجون من السجن التسمية التي اختارها النظام، وأن يعملوا وفقها، أي جبهة النصرة لأهل الشام. والتي كان النظام قد أصدر بيانات باسمها قبل تشكّل الجبهة فعلياً، وبعد تشكّلها، (مثلاً تفجير منطقة المزرعة وسط دمشق، وتفجير مركز شرطة برزة). إذ كانت تُنشر البيانات على صفحات تجري إنشاؤها قبل يوم من الإعلان عن التفجير، ثم تختفي الصفحة بعد ذلك. أي لم تكن توضع على موقع “رسمي” للجبهة. وهذا وحده كافٍ للقول إنها لم تكن موجودة خلال تلك الفترة كلها.

من خلال شهادات سجناء مع هؤلاء، كان يشار إلى وجود منطق تعصبي ضيق، وحرْفية في تناول النص القرآني، وضمن حدود لفظية، وتركز على “الأخلاق”. وهم يمارسون ذلك معتقدين أن الله كلفهم بتنفيذ أوامره، كما فهموها، من خلال قراءة مجزوءة، وسطحية وموجهة، للقرآن، ووفق تفسير شيخ ما، نقلاً عن ابن تيمية وابن قيّم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب. لهذا، لا يتورعون عن القتل “تنفيذاً لإرادة الله”، وتصفية كل من يخالفهم في فهم الدين، أو في عدم الالتزام بما يعتقدون به هم. ومبدأهم أن المجتمع، عموماً، مرتد، ويجب استتابته، وبالتالي، إما الإسلام كما يرونه أو القتل.

المسألة الأخرى الملاحظة، هي وجود “رجال أمن” بينهم، أي أنهم مخترَقون من الأجهزة الأمنية السورية، حيث تنظم الأجهزة أفراداً معتقلين في قضايا جنائية، وتدفع بهم إلى الانضمام إلى هؤلاء، أو حتى تدفع برجال أمن غير معروفين لاختراقهم. وأشير إلى أن أكثر من شخص من هؤلاء كان يتعاون مع الأمن، مثل (نديم بالوش، وهو الآن مع داعش، وكان قد أعلن أن لديه صواريخ كيماوية سيطلقها على المناطق العلوية، واستُخدم تصريحه تأكيداً على أن الثورة تمتلك أسلحة كيماوية، ونسجت روايات حول ذلك). وأسلوب اختراق “الجهاديين” قديم لدى المخابرات السورية، إذ حظس النظام السوري وحده بالشكر من الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، عام 2004، على المعلومات الهائلة التي قدمها للولايات المتحدة (كانت هناك لجنة أمنية مشتركة يترأسها من الجانب السوري، مسؤول الأمن العسكري حينها، آصف شوكت). ولهذا، كانت سورية واحدة من أربع دول كانت أميركا ترسل إليها “الجهاديين” للتحقيق معهم (منهم أبو مصعب السوري). كما ظهر دور الأمن في تحشيد “الجهاديين” وإرسالهم إلى العراق بعد احتلاله من الجيش الأميركي، حيث كانت تبلّغ عن الذاهبين، أو كانت تبلغهم أن لا عودة لهم، لأنهم إذا ما عادوا سيقتلون، وكان اعتقال آلافٍ، بعضهم من هؤلاء العائدين. لكنها استخدمتهم ضد الاحتلال الأميركي بعد مقتل رفيق الحريري واتهام النظام بذلك، حيث أخذ يضغط على الإدارة الأميركية عبر “المفخخات” و”الجهاديين”، ما أثار حفيظة نوري المالكي الذي طلب من مجلس الأمن أن يبحث في الأمر لمعاقبة سورية سنة 2009.

عناصر جبهة النصرة قبل الهجوم على المنطقة الصناعية قرب حلب (28 أغسطس/2014/الأناضول)

ويوضح هذا الأمر أن هناك سيطرة على “الجهاديين” من قبل الأجهزة الأمنية السورية، وبالتالي، أن إطلاقهم بعد الثورة بأشهر (الجزء الأهم بعد عام من الثورة، ومع سياسة جديدة اتبعتها السلطة)، كان متحكماً به، ويخدم سياسة معينة. لذا بعد عام من الثورة، جرى ذلك، حيث كانت السلطة قد قررت سحب قواتها من الشمال السوري، نتيجة توسع الثورة (قبل تصاعد العمل المسلح الذي كان لازال محدوداً). لكن، بالأساس، نتيجة أن هذا التوسع فرض احتقاناً داخل الجيش (معظمه من الشعب، ومناطقه كانت تقصف وتتعرض لانتهاكات) كان يجعل توسّع الانشقاق أمراً محتماً، فينتقل من انشقاق أفراد إلى انشقاق وحدات (كما في منطقة درعا حينها)، والأخطر تحرك الجيش ضد السلطة. لهذا، فرض على الجيش الحجر في المعسكرات بلا إجازات، وحظر الاتصلات على الجنود. وبما أن “البنية الصلبة”، (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) والشبيحة، باتت في حالة ارتباك، ولا تستطيع السيطرة على كل الأرض السورية، أُعيد تمركز الجيش في مراكز أساسية، واضطرت السلطة لسحبه من الشمال، ثم الشرق. وهذا ما كان يترك فراغاً فيهما.


خرّب “الجهاديون” فعلياً، وخدموا السلطة أمنياً، وكانوا مادة إعلامية تظهر “بشاعة الثورة”.

هنا، جاء دور “نظرية الفراغ” التي كررها إعلام السلطة كثيراً قبل ذلك. فقد كان يؤكد أن تنظيم القاعدة يوجد في المناطق التي يحدث فيها فراغ سلطوي. إذن، لماذا أفرج عن هؤلاء “الجهاديين”، ولمَ انسحب الجيش من تلك المناطق تاركاً فراغاً يمكن أن يستغله تنظيم القاعدة؟ اللافت أن الخطوتان تحققتا في الوقت نفسه تقريباً (وبعد الأخبار عن لقاء بندر وعلي مملوك مباشرة)، أي بعد انقضاء عام على انظلاق الثورة. وأظن أن جوهر تشكيل جبهة النصرة يكمن في الإجابة على ذلك. فقد أصبحت العين التي يطل النظام منها على هذه المنطقة التي باتت “خارج سيطرته”، وهذه مسألة أساسية، حققت له الوصول إلى كوادر وقيادات ثورية وقتلها. كما حققت له افتعال صراع بين هؤلاء “الجهاديين” والمناطق التي يوجدون فيها، حيث لم يكن الصراع مع السلطة أولويتهم، لأن هذا أمر سياسي، يقع خارج مداركهم أصلاً، بل أولويتهم هي فرض “الخلافة”، وحرب المرتدين (حيث لازالوا يعيشون عصر أبي بكر الصديق)، وهذا يجعلهم في صراع مع الشعب، وأيضاً، مع قوى الثورة، لأن هذه الأرض باتت تحت سلطتهم هم، أو أنهم يسعون إلى توسيع سلطتهم على حساب القوى المسلحة الأخرى. هذا ما حصل، فبات صراع الثورة معهم ومع السلطة معاً. وباتوا الوجه السيئ للثورة (حيث حسبوا عليها) والبعبع المنفّر من الثورة. خرّبوا فعلياً وخدموا السلطة أمنياً، وكانوا مادة إعلامية تظهر “بشاعة الثورة”. من هذا المنظور، كسبت السلطة السورية مسألتين، الأولى اختراق المناطق التي انسحبت منها، والثانية الاستفادة من عقيدة هؤلاء “الجهاديين” بجعلهم قوة ضد الشعب، وتوجيه ذلك، انطلاقاً من حالة الاختراق الموجودة.

“كسب النظام السوري مسألتين، الأولى اختراق المناطق التي انسحب منها، والثاني الاستفادة من عقيدة هؤلاء “الجهاديين” بجعلهم قوة ضد الشعب.

لماذا اختلفت جبهة النصرة مع “دولة العراق الإسلامية” التي باتت “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)؟

من شكّل جبهة النصرة كان جزءاً من تنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، حيث اعتقل معظم السوريين ومن جنسيات أخرى سنوات 2005 و2006، وبعد ذلك. ربما صار بعضهم جزءاً من تنظيم “دولة العراق الإسلامية”، تحت قيادة أبي عمر البغدادي. لكن، ربما لم يكن أيّ منهم تحت قيادة أبي بكر البغدادي. على الرغم من ذلك، تبيّن أن أبا بكر البغدادي تقاسم المال والسلاح مع  زعيم جبهة النصرة، أبي محمد الجولاني، على أساس أن يكون تحت إمرته كما جرى الإعلان عنه بعد الخلاف بينهما. لكن، تشكلت جبهة النصرة، وبعد مدة، أعلن أبو بكر البغدادي تشكيل داعش من الطرفين، ما رفضه الجولاني، ودخلا في سجال، وعادا إلى “المرجعية” (أيمن الظواهري) الذي حسم بالفصل بينهما، وأدى الأمر إلى تمرّد البغدادي، وبالتالي، الصدام بين النصرة وداعش.

هل هو صدام “عقائدي”؟ لم يبد كذلك، فما هو إذن؟ خصوصاً أن داعش باتت تظهر بديلاً عن تنظيم القاعدة الأم. يمكن القول باختصار إنه ربما كان للاختراقات الأمنية المتعددة (من أميركا إلى السعودية وإيران والنظام وغيرها) دور في ذلك. لكن، يبدو واضحاً على الأرض التداخل بينها، والانتقال المستمر من هنا إلى هناك، في سياق سياسة واحدة.

المصدر: العربي الجديد