Monthly Archives: مارس 2013

أميركا في علاقة “حميمة” مع السلطة السورية

c7438115-06de-4e8b-8d1e-cb73ab3471df

إرث الحرب الباردة فرض التوافق بين “النقيضين” في القول إن أميركا هي ضد النظام السوري. “معادو الإمبريالية” اعتبروا الأمر بديهياً، حيث يبدو التموضع الواقعي يقوم على وجود النظام في تحالف “معاد” لأميركا، وهو محور إيران سوريا حزب الله، والذي يتوسع عالمياً ليشمل روسيا والصين وفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية. و”المتغربون”، أي متبعو “الغرب”، وهم الليبراليون، وانطلاقاً من هذا التقسيم العالمي للتحالفات اعتبروا أن أميركا هي ضد النظام، وأنها مع إسقاطه لكسر “محور الممانعة والمقاومة”.

ولقد بنى كل منهما إستراتيجيته على هذا الأساس، فباتت الثورة “مؤامرة إمبريالية” بالنسبة لـ”معادي الإمبريالية”، وبات “الغرب” معنياً بانتصار الثورة بالنسبة لليبراليين.

لهذا كانت تصريحات جون كيري الأخيرة صادمة، وأيضاً كاشفة. فقد أكد على ضرورة جلوس المعارضة والأسد على طاولة الحوار لإيجاد حل سياسي لـ”الأزمة السورية”. قبلها أشار إلى التفاهم مع الروس على الحل الذي يقوم على أساس وثيقة جنيف، التي اختلف حينها التفسير الروسي عن التفسير الأميركي بشأن “بقاء الأسد”. لكن استلام كيري وزارة الخارجية الأميركية فتح على سلسلة تصريحات تؤكد على الحل السياسي ورفض التدخل والتسليح. وكان اجتماع “أصدقاء سوريا” الذي عُقد في روما مناسبة لكي تُجرّ هذه الدول إلى بيان يوافق على دعم “مبادرة جنيف”، وأيضاً وفق التفسير الروسي.

هذا الميل الأميركي لدعم الدور الروسي في سوريا بدا مفاجئاً لـ”الممانعين” من طرف، والمصابين بـ”الوله” الأميركي من جهة أخرى. حيث ظهر أن أميركا ليست بعيدة عن روسيا، حليفة “الممانعين” و”عدوة” الليبراليين. ومن ثم أن تقسيم العالم الذي ترسّخ في “عقل” هؤلاء وأولئك قد زال. وأننا على أعتاب تقاسم جديد، ربما تكون سوريا هي المفصل فيه، أو هي البداية في طريق تشكّل تحالفات جديدة، وأشكال سيطرة جديدة.

منذ البداية لم يكن الموقف الأميركي من النظام السوري حاسماً، بل ظل مائعاً، يعلو مرة ويخفت مرات. يهدد في لحظة ويغض النظر أوقاتا كثيرة. لقد فقد الخطاب الأميركي، وخطاب أوباما خصوصاً، نبرة الحسم التي اتسم بها تجاه زين العابدين بن علي وحسني مبارك. وبدت السياسة الأميركية بعيدة عن المشهد، ودون اكتراث حقيقي. من يعود إلى سلسلة التصريحات الأميركية تجاه سوريا طيلة العامين المنصرمين سوف يلحظ ذلك. خصوصاً الآن، بعد أن تبيّن الأمر، ولم تعد “المسبقات الذهنية” ذات قيمة.

لكن هذا الموقف الأميركي ليس جديداً تماماً، حيث صرّح باراك أوباما بداية العام الفائت بأن على روسيا أن ترعى مرحلة انتقالية في سوريا “على غرار ما جرى في اليمن”. روسيا حينها ارتبكت في التقاط “الحدث”، لأنها لم تكن تفهم الواقع السوري بما يكفي.

فقد كانت لديها تقديرات (مسربة من قبل عملائها) بكبر عدد المسلحين. حينها صرّح لافروف، وهو يزور القاهرة للقاء الجامعة العربية، بأنه: كيف يمكن إجراء عملية انتقال للسلطة في وضع يمكن أن يستغله المسلحون للسيطرة على المدن؟ وبالتالي اندفعت إلى دعم خطة السلطة في البدء بهجوم شامل على “معاقل المسلحين” لتصفيتهم.

ولقد بدأت ذلك في الهجوم على بابا عمرو، وبمشاركة لوجستية واستخباراتية وعملية روسية (وإيرانية). وإذا كان عدد المسلحين أقل من التقدير الروسي كثيراً، فقد تزايد كثيراً بعد هذا الهجوم بدل أن تتحقق “الخطة الروسية” في تصفية المسلحين، وتعقّد الوضع أكثر كثيراً.

ربما لعبت أميركا حينها دوراً في زيادة تعقيد الوضع، حيث ظهر “تفاعلها” مع الوضع السوري، وبدا أنها باتت تريد إطالة أمد الصراع من أجل زيادة التدمير الذي بدأته السلطة لكي تضعف سوريا، ويرث الروس وضعاً مرتبكاً فيها.

ربما لعب الأخضر الإبراهيمي دور “الوسيط”، حيث بدا أن خطوات من التوافق باتت تتحقق. خصوصاً بعد تسلّم جون كيري وزارة الخارجية. وشهدنا ارتباكات في وضع القوى التي كانت تتصارع على سوريا، فرنسا وتركيا وقطر خصوصاً. فرنسا سارعت لـ”الاستيلاء” على مالي، مالي التي عملت أميركا خلال عقد سابق على وضعها تحت السيطرة الأميركية عبر دعم قوات أفيركوم، كجزء من السيطرة على أفريقيا. ولا ندري ماذا يمكن أن تفعل تركيا أو قطر؟
الآن، بات واضحاً أن الأمور “تسير نحو الحل”، لكن في شكل جديد ربما، يقوم على توافق أميركي روسي على تحقيق مرحلة انتقالية في سوريا لا تشمل تنحية بشار الأسد، يشرف الروس على تحقيقها. في المرة السابقة، حين طلب أوباما من روسيا أن ترعى مرحلة انتقالية لم تفكّر أميركا في دور لها. الآن يبدو أنه بات لها دور معيّن. لكن في كل الأحوال ما السبب الذي جعل أميركا تقدّم سوريا لروسيا بكل هذه “السلاسة”؟ وأصلاً لماذا ظهر أن أميركا لم تعد معنية بسوريا، وأنها لا تريد أن تحقق ما حاولته بعيد احتلال العراق، أي تغيير النظام لمصلحتها؟

أولاً أشرنا مراراً إلى أن أميركا باتت مضطرة للانسحاب من العالم لمصلحة “الانغلاق على الذات” بشكل ما. فقد تفاقمت أزمتها المالية، ولا يبدو أنها قادرة على حلّها رغم مرور أكثر من أربع سنوات على انفجارها. وأن انفجار أزمات جديدة بات ممكناً، بل ربما حتمياً.

لهذا أصبحت منطقة الباسيفيك/ المحيط الهادئ هي الأولوية في إستراتيجيتها للمرحلة القادمة، هذه الإستراتيجية التي أُقرّت بداية السنة السابقة، وفرضت سحب جزء كبير من قواتها في العالم، ونقل قطعها البحرية من منطقة الخليج العربي إلى هناك. وهي بذلك تميل إلى “مواجهة الصين”، أو بشكل أدق حماية أميركا من الصين.

هذا الأمر جعلها تتجاوز مخططاتها في “الشرق الأوسط”، وتُخفض الاهتمام به. طبعاً دون تجاهل منطقة الخليج التي باتت الفوائض النفطية هي ضمن خطط السيطرة المالية الأميركية بأشكال مختلفة، في سياق محاولتها تجاوز أزمتها.

وثانياً، وهي تتخوّف من الصين، تريد كسب روسيا، بعد أن ظهر أن تحولات العالم أخذت تشد كل منهما إلى الآخر، بالضبط في مواجهة أميركا. ولهذا، ظهر أن أميركا تتخلى عن تحالفاتها القديمة مع أوروبا، أو على الأقل تهمّش هذه التحالفات لمصلحة وضع جديد يقوم على التفاهم مع روسيا.

هنا انفتح باب الحوار بشأن “تقاسم العالم”، وحلّ نقاط الخلاف بينهما. وهي كثيرة، منها الدرع الصاروخية في أوروبا، ومناطق النفوذ. وروسيا عادت للبحث عن وجود لها في الشرق، خصوصاً سوريا، بعد انقطاع طويل، وتراجع في العلاقات الاقتصادية والسياسية. لأنها تريد منفذاً على البحر المتوسط (قاعدة طرطوس)، وتريد مصالح اقتصادية كانت انقطعت منذ سقوط الاتحاد السوفياتي.

المنافس هنا هو فرنسا، التي طالما استفادت من الخلاف الأميركي مع النظام السوري لكي تحاول تعزيز وجودها في سوريا، ولقد فشلت فشلاً ذريعاً زمن جاك شيراك، ثم زمن ساركوزي. وتركيا التي استفادت من القطيعة الأميركية الفرنسية مع النظام السوري لكي تفرض علاقة أكثر من جيّدة، حصلت خلالها على اتفاق إستراتيجي كان يعزز الهيمنة على الاقتصاد السوري. فلماذا لا تساوم أميركا روسيا عليها؟

هذا الأمر جعل الموقف الأميركي يميل إلى أن يدعم سيطرة روسيا على سوريا. ولهذا أخذت الإدارة الأميركية تروّض “محبيها” في المعارضة على قبول “الوالي” الجديد.

هذا إذن هو جوهر الموقف الأميركي. وإذا كانت أميركا قد دعمت التصريحات الفرنسية البريطانية بشأن تسليح المعارضة، فسيكون ذلك جزءاً من “المناورة” التي يجب أن تصبّ في إنجاح “الحل الروسي” ربما من خلال الضغط على قوى السلطة لكي تقبل هي الأخرى هذا الحل دون تلكؤ أو تردد، خصوصاً بعد أن اختلّ ميزان القوى العسكري، وباتت قوى السلطة منهكة، ومقدرتها تتراجع. وربما سيكون دور أميركا هو لجم “أتباعها” في حال الوصول إلى مرحلة تنفيذ هذا الحل.

ما يبدو واضحاً هنا هو أن الوضع العالمي لم يعد هو ذاك الذي كان زمن الحرب الباردة، لهذا يجب تغيير المنظور الذي حكم قطاعات من القوى كانت تستفيد من حالة التناقض بين “الشرق” و”الغرب”، أو تؤسس رؤيتها على أساسها.
وأيضاً لم يعد هو ذاك الذي تبع انهيار الاتحاد السوفياتي وتسيُّد أميركا على العالم، واندفاعها للسيطرة المباشرة وتغيير النظم، و”فرض الديمقراطية”. بالتالي “الهوى الأميركي” لم يعد مفيداً.

الوضع العالمي بات يتسم بضعف في الرأسمالية، وميل لتقاسم جديد للعالم، ولتشكيل التحالفات. الثنائية سقطت، والأحادية كذلك، وبات العالم مفتوحاً على صراعات كبيرة، هي بالضبط صراعات الشعوب ضد الرأسمالية.

أقول لـ”الممانعين”، لقد فزتم بالتحالف مع أميركا. وأقول للمعارضة التي حفيت وهي تطالب أميركا بالتدخل، ها قد تدخلت أميركا، لعل غرامها يفيدكم؟

المصدر: الجزيرة

الثورة السورية في عام جديد

خاص كواكبي

العام الثاني ينتهي والثورة لازالت تتطور، لكنها لم تنتصر بعد. زمن جعل كثير من المتابعين والمشاركين يعتقدون أن الثورة تفشل، وأوحى بأنها عاجزة عن الانتصار، أو أن استعصاءً يقوم. ولا شك في أن الوضع صعب، وبالتأكيد أكثر من صعب. وأن القتل والتدمير مؤلمان، وقد أوحيا بأن ثمن الثورة كبير إلى حد مذهل. لهذا ندخل العام الثالث للثورة والأمور في غاية التعقيد، وليس من ملامح لنهاية. هذا ما يبدو للسوري “العادي”، ولكثير من المشاركين في الثورة. خصوصاً بعد أن توضّح أن كل الدول “الكبرى” في توافق على “الحل السياسي”، وبالتالي على دعم “الحل الروسي” الذي يريد حواراً مع السلطة التي باتت خارج المعقول، وبات من المستحيل قبولها.

ورغم أن العمل العسكري يُظهر تقدماً في العديد من المناطق، آخرها في الرقة، وفي محيط دمشق ودرعا، فإن هذه الصورة تسكن في مخيلة كثيرين. وهذا ما يجعل الوضع مرتبكاً ومبهماً، يميل البعض إلى التعلق بالحل الدولي الذي تسارع الحديث عنه في الفترة الأخيرة، وظهر كأننا على أبواب توافق روسي أميركي يوصل إلى حل، خصوصاً بعد مبادرة معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني التي لاقت رفضاً من معارضة الخارج ما لبثت أن تراجعت دون أن يجري التيقّن من أن شيئاً يمكن أن ينتج عنها.

لكن، لا بد أولاً من تقدير الجهد الكبير الذي بُذل، والبطولة التي ظهرت طيلة كل هذه الأشهر، خلال النضال الشعبي الذي كان يصرّ على السلمية، أو خلال الانتقال إلى العمل المسلح بخبرة بسيطة وسلاح قليل. ومن ثم، ثانياً، لا بد من ملاحظة أن الثورة باتت بحاجة إلى تطوير كبير في آلياتها والرؤية التي تقوم عليها، والأهداف التي تسعى لتحقيقها، ومن ثم الإستراتيجية الضرورية لتحقيق الانتصار. فقد اتسمت الثورة منذ البدء بالعفوية، وبنشاط شعبي من فئات لم تعرف السياسة قبلاً، وكان الاستبداد في أساس تهميش الشعب وإبعاده عن السياسة، وحتى الثقافة. والعفوية لا تقود إلى انتصار بالضبط لأنها لا تمتلك التنظيم والسياسات التي تحقق التراكم الذي يؤدي إلى إضعاف السلطة وفرض انهيارها. وهذا ما يظهر أحياناً أن الثورة باتت تدور في حلقة مفرغة، وأن القتل والتدمير والوضع المعيشي الصعب أكبر من أن يحتمل.

سنتان من الثورة أمر مهم وكبير، ويعبّر عن قوة الثورة خصوصاً وهي تواجه سلطة وحشية تستخدم كل أشكال العنف، ودون قوى سياسية تنظم الفعل وتبلور الخطاب المعبّر عن الثورة. وهذا الوضع هو الذي أسهم في إطالة الوقت، وفي الفوضى التي تنتشر، والاستعصاء الذي يبدو قائماً رغم الانتصارات على الأرض.

لهذا نحن بحاجة، والثورة تدخل عامها الثالث، إلى نقد الفوضى والانفلات، وميل البعض لفرض سلطته ومنطقه من الآن، وهو الأمر الذي يخلق تشوشاً وارباكاً ويزيد الفوضى التي تؤخّر من انتصار الثورة. ونحن بحاجة لأن يشكل الشعب المجالس التي تمثله، والتي تصبح هي السلطة التي تتابع كل ما يتعلق بالناس، وتضمن الأمنن لكي يتفرغ المسلحون للقتال. وكذلك بحاجة لأن نكسب كل الذين تخوفوا أو دفعتهم الأخطاء التي قامت بها بعض القوى، والخطاب السيئ الذي تكرر خلال الفترة الماضية من قبل هذه القوى، إلى التشبث بدعم السلطة أو الانغلاق وعدم المشاركة في الثورة. فالثورة هي ثورة كل الشعب، وليس ثورة طائفة أو فئة، وهي لكل الشعب وليس لطرف فقط.

على أمل أن نستعجل الانتصار.

المصدر: مجلة الكواكبي

عن الثورة السورية وانتصارها

السؤال الذي يتكرر هو، متى يمكن أن تنتصر الثورة السورية؟ أو لماذا تأخر انتصار الثورة السورية؟
والسؤال وجيه من زاوية أن ثورات تونس ومصر لم تستمر سوى اسابيع، وثورات ليبيا واليمن لم تستمر سوى أشهر، أما الثورة السورية فها هي تتجاوز العام ونصف. ولهذا، أولاً، فهي “تأخرت”، وثانياً يصبح السؤال متى ستنتصر هو المعلم الذي يتحكم في جل الأسئلة والنقاشات.
ربما نستطيع تحديد أسباب “تأخر” انتصار الثورة، والظروف التي فرضت أن تأخذ كل هذا الوقت، لكن ليس من السهل الإجابة على سؤال متى تنتصر، لأن ذلك يتعلق بجملة محددات ربما لا نستطيع تلمسها كلها.

السؤال الذي يتكرر هو، متى يمكن أن تنتصر الثورة السورية؟ أو لماذا تأخر انتصار الثورة السورية؟

والسؤال وجيه من زاوية أن ثورات تونس ومصر لم تستمر سوى اسابيع، وثورات ليبيا واليمن لم تستمر سوى أشهر، أما الثورة السورية فها هي تتجاوز العام ونصف. ولهذا، أولاً، فهي “تأخرت”، وثانياً يصبح السؤال متى ستنتصر هو المعلم الذي يتحكم في جل الأسئلة والنقاشات.
ربما نستطيع تحديد أسباب “تأخر” انتصار الثورة، والظروف التي فرضت أن تأخذ كل هذا الوقت، لكن ليس من السهل الإجابة على سؤال متى تنتصر، لأن ذلك يتعلق بجملة محددات ربما لا نستطيع تلمسها كلها.
عن “التأخر”
ليس الأمر مسألة تأخر إلا بالقياس على الثورات الأخرى، حيث ليس من زمن لاستمرار الثورات، سواء كانت نهايتها الانتصار أو الهزيمة، لأن الأمر يتعلق بمقدرة الشعب على التواصل والاستمرار بغض النظر عن آليات المواجهة التي تفرضها السلطة من جهة، وبطبيعة السلطة ومدى تماسكها من جهة أخرى.
وإذا كانت قد تميزت ثورات تونس ومصر بالاندفاعة السريعة  التي أربكت السلطة وأرعبت قواها، ومن ثم فرض ذلك أن يتحرك الجيش لكي ينقذ الموقف من خلال مسك السلطة تحت شعار تحقيق انتصار الثورة في عملية هدفت إلى إبعاد الرئيس وحاشيته فقط. فإن الوضع السوري تحرّك في مسار آخر، ودخل في دهاليز متعددة. الأمر الذي لم يفرض على “بعض أطراف السلطة” أن تميل إلى إبعاد الرئيس وحاشيته من أجل امتصاص الثورة. إلى الآن على الأقل، دون أن نتجاهل أن هذا الأمر لازال ممكناً.
في هذا السياق يمكن رصد مستويات متعددة، بعضها موضوعي وبعضها ممنهج، بعضها يتعلق بطبيعة الثورة ذاتها وبعضها يتعلق بطبيعة السلطة.وهي كلها تؤسس لفهم استمرار الثورة إلى الآن من جهة، وإلى استمرار “تماسك” السلطة ومقدرتها على خوض الصراع من جهة أخرى. مع ملاحظة أن طول الزمن ليس دليلاً على عجز الثورة أو فشلها، حيث أن كثير من الثورات في التاريخ استمرت سنوات. ولا شك في أن طبيعة القوى المتصارعة هو الذي يعطي الزمن كل أبعاده ومعناه.
بالتالي يمكن تلمس جملة مسائل أدت لأن يستمر الصراع، وألا تحسم الثورة الأمر إلى الآن، يمكن تحديدها تواً:
-1 إذا كانت الثورات هي نتيجة انفجار شعبي عام ينتج عن ممارسات طويلة من النهب والاستغلال والسيطرة، تدفع الشعب في لحظة إلى التمرّد بعد أن يحسّ بالعجز عن العيش، نتيجة البطالة الواسعة والأجر المتدني خصوصاً، ومن ثم نتيجة انهيار الاقتصاد والتعليم والصحة، كما كان واضحاً في تونس ومصر مثلاً. فإن الوضع السوري، الذي كان يسير نحو التماثل مع هذه البلدان، والتكيّف مع اشتراطات “العولمة”، كان قد حقق الانفتاح بانتصار اللبرلة للتو، حيث اكتمل تحويل الاقتصاد من اقتصاد منتج نسبياً إلى اقتصاد ريعي بالكامل سنة 2007. وحيث تشكلت الكتلة الشعبية المهمشة والمفقرة (حوالي 30% بطالة، وأكثر من ذلك تحت خط الفقر).
هذا الأمر أوجد احتقاناً كبيراً، لكنه لم يكن قد وصل إلى حد كسر حاجز الخوف من السلطة، التي عُرفت باستبداديتها وعنفها من خلال ممارساتها الطويلة. ولهذا كان الأمر يحتاج إلى وقت لكي تزيد حالة الإفقار من الاحتقان إلى الدرجة التي تدفع إلى التمرّد الشامل. العوامل الأخرى التي دخلت على خط حدوث الانفجار (الثورات العربية، والعنف الذي سيلعب دوراً مزدوجاً) هي التي افضت إلى الثورة بالطبع، لكنها لم تستطع حل مشكلة كسر حاجز الخوف إلا بشكل بطيء ومتتالٍ، الأمر الذي جعل الثورة تتوسع ببطء. لهذا أخذ توسعها من دمشق ودرعا ووصولها إلى حلب وكل سورية تقريباً ما يقارب السنة.
وهو الأمر الذي كان يجعل السلطة قادرة على الضبط بفعل قوتها، وتركيز هذه القوة على “المناطق الثائرة”. وأيضاً ألا يقود إلى ارتباكها حيث كان التوسع السريع هو الذي سيفرض الارتباك والخلخلة السريعة، كما في تونس ومصر. فقد ظلت متماسكة (أي دون انشقاقات) وقادرة على التحكم في مواقع الصراع.
-2 بدا وكأن السلطة قد استفادت من تجارب الثورات في تونس ومصر خصوصاً، حيث ارتأت بأن “انتصار الثورة” هنا وهناك نتج عن عدم استخدام العنف بشكل “كافٍ”، وخصوصاً عدم ادخال الجيش في الصراع، والتعامل العنيف مع التبلورات الأولى للثورة. لهذا اندفعت لاستخدام الرصاص (ادخال الفرقة الرابعة والوحدات الخاصة في القمع) منذ الاعتصام الأول في درعا يوم 18/ 3/ 2011، رغم أن عدد المعتصمين في الجامع العمري لم يكن كبيراً. والهدف هنا هو قتل إمكانية التفكير في الثورة انطلاقاً من أنها سوف تُغرق بالدم، الأمر الذي يقود إلى تخويف قطاعات كبيرة، فتجهض الثورة.
وإذا كانت هذه الممارسة قد أدت إلى العكس تماماً في درعا وكل حوران، حيث توسّع التمرّد لكي يتحوّل إلى ثورة، فقد أدى إلى نشر الخوف في المناطق الأخرى، وفرض ان تصبح المشاركة محفوفة بالموت، بالتالي حصرت الحراك في نخب وفئات لا يعني الموت لها شيئاً، أو لديها قناعة تامة بضرورة الثورة. لهذا لم تتحوّل الحراكات إلى حشد جماهيري دافق إلا في بعض المواقع قبل أن يصبح القتل هو وسيلة السلطة في مواجهتها (مثل حماة خصوصاً، التي جرى التعامل معها في البدء بشيء من الحساسية، عكس حمص التي قمعت بعنف شديد منذ أول تجمع كبير). هنا اصبحت المشاركة في الثورة ذو كلفة عالية، وتخضع “انفعالات” أخرى سنجدها في آلية القتل ذاته.
فهذا الخوف من القتل كان يتحوّل إلى عنصر انخراط في اللحظة التي يحدث فيها القتل. فقد شهدنا أن الحراكات الأولى كانت من نشاط شباب يريد الثورة، سواء نتيجة حاجته إلى الديمقراطية (وفي كثير من المناطق كان هؤلاء هم العنصر المحرّك للثورة) أو نتيجة البطالة والإفقار الذي يعيشه. لكن كان التصدي بالرصاص للمتظاهرين ووقوع شهداء هو العامل الذي يحوّل التظاهرات الصغيرة إلى دفق بشري هائل.
وهنا تحكمت السلطة في طريقة التعامل مع التظاهرات، حيث أنها كانت تمارس القتل في مناطق ولم تكن تمارسه في أخرى انطلاقاً من حساب مقدرتها على المواجهة، وتركيزاً على المناطق المنتفضة من أجل سحقها. وبالتالي جعلت توسّع الثورة بطيئاً كذلك.
-3 مع رفض السلطة الاستجابة للمطالب الأولية للمحتجين (والتي قالت أنها محقة)، ومع انفلات الوضع في درعا من تحت  سيطرة السلطة، التي بدت أنها “محررة”، بات الشعار الذي خطه أطفال درعا قبيل الثورة بأيام تأثراً بالثورات العربية هو المطلب المطروح. لقد رُفع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، وهو أمر فرض ان يكون الانخراط في الثورة ليس على قضايا مطلبية مباشرة هي ما يهدف إليه المنتفضون، ويسعون إلى تحقيقه عن طريق إسقاط النظام، بل من أجل إسقاط النظام ذاته. بمعنى أن دخولهم الصراع بات الآن قائم على مواجهة السلطة لإسقاطها وليس صراعاً من أجل مطالب محدَّدة هي تلك التي تحرّكهم في ثورتهم (وهذا أحدث إشكالاً تالياً، حيث جرى إهمال تلك المطالب في سياق الثورة العام).
الفكرة هنا هي أنه إذا كانت الفئات المفقرة لاتزال تخاف طرح مطالبها “البسيطة” (الأجر والعمل والتعليم والصحة، و”كف شر السلطة”) فقد أصبح عليها المشاركة تحت هدف أكبر هو إسقاط السلطة. وهذا ما كان يجعل الانخراط في الثورة أصعب أيضاً، وكما أشرنا كسر عبر القتل، وفي أوقات متتالية.
هذا لا يعني خطأ طرح الشعار منذ الشهر الأول، فقد فرض الظرف الموضوعي ذلك، لكن كان له أثر آخر لا بد من تلمسه، في ثورة هي شديدة العفوية.
-4 الثورة في تونس كانت عفوية في انطلاقها لكن عملت أحزاب ونقابات على تنظيمها (وإنْ ظل هذا الدور ضعيفاً). والثورة في مصر بدأت بدعوة إلى إضراب منظم لكنها تحوّلت إلى ثورة عفوية (نتيجة غياب الفعل السياسي الهادف إلى قيادتها إلى السيطرة على السلطة بتحريك كل الشعب، الأمر الذي جعل مبدأها هو: اعتصام اعتصام حتى يسقط النظام).
في سورية انطلقت الثورة عفوية، ورغم التعقيدات المتعددة (التي أشير إليها سابقاً، والتي سيشار إليها تالياً) فقد ظلت عفوية. وكل المحاولات البسيطة التي كانت تجري تنظيمها من قبل الشباب أنفسهم في إطار التنسيقيات كانت تواجه بشراسة القمع السلطوي. وظهر واضحاً بأن أحزاب المعارضة هي في وارد آخر، حيث لم تتوقع الثورة، وكانت في الغالب تعتقد باستحالتها. وحين بدأت لم تحدد مكانها فيها (أي في الشارع) بل ظلت تمارس الآليات التقليدية ذاتها، التي انبنت بعيداً عن الطبقات الاجتماعية (سواء نتيجة القمع الطويل أو نتيجة تقولب هذه الأحزاب في أفكار وممارسات وعلاقات منفصلة عن هذه الطبقات وبعيدة عن اهتماماتها). لهذا كانت فاعليتها تنصبّ على “السلطة”، الحوار من أجل “الانتقال السلمي والآمن إلى الديمقراطية”، أو تبلورة التصورات حول المرحلة الانتقالية التي سـ “تطبق” بعد استلام السلطة (من خلال التدخل الخارجي في الغالب).
بالتالي ظل وعي الشباب الثوري هو المتحكم في مسار الثورة، وهو وعي بسيط كان في قطيعة مع الفكر السياسي والعمل السياسي نتيجة الاستبداد الطويل وتدمير الثقافة. وبالتالي لم يكن قادراً على التصدي لسياسات السلطة التي كان واضحاً أنها وضعت إستراتيجية مواجهة متكاملة (في المستويات العسكري والسياسي والإعلامي). ورغم أن الممارسة الثورية قد اكسبته خبرة وفرضت عليه تطوير الوعي، وهذا ما سيؤدي إلى تشكّل كادرات مهمة في المرحلة القادمة، إلا أنه لم يكن قادراً على تلافي مشكلات الثورة، ووضع إستراتيجية واضحة لكيفية إسقاط السلطة عبر استقطاب كل الفئات الاجتماعية إلى الثورة، ولا على بلورة مطالبه، والبديل الذي يرتأيه لتحقيق هذه المطالب بعد إسقاط السلطة.
بهذا كانت كل المشكلات التي تواجهها الثورة، وهي كثيرة، تحل ببطء وبعد ممارسة أخطاء، وكثير منها لم يجرِ الشغل على حله.
-5 ربطت السلطة بين استخدامها العنف الشديد والخطاب الذي لا بد من أن يغطي على هذا العنف، لهذا (وكما فعلت الإمبريالية الأميركية) قالت بوجود عصابات سلفية مسلحة تسعى لإقامة إمارات سلفية. لكن الأهم هنا هو العمل على تكريس أن الثورة هي حراك سني أصولي يقوده الإخوان المسلمين، وأن الثورة هي ذو طابع طائفي ضد نظام علماني أو سلطة “علوية”. كان يجري التركيز على الشق الأول علناً عبر الإعلام “الموالي”، لكن كان يجري نشر الفكرة الأخرى على أوسع نطاق. فقد هدفت السلطة إلى بناء شرخ مجتمعي يضمن التفاف “الأقليات الدينية” حول السلطة، وتمسكها بها، ودفاعها عنها. هنا خصوصاً العلويين الذين من بعضهم تتشكل “البنية الصلبة” للسلطة، ويكون ضرورياً لكي تبقى هذه البنية متماسكة وقوية أن يجري ضمان “ولاء” البيئة التي تتشكل منها.
 لكن أيضاً كان ضرورياً إبقاء قطاعات مجتمعية كبيرة خارج الحراك من أجل عزل المجموعات المتمردة وسحقها. وكان ينظر إلى “الأقليات” كعنصر اساسي، والعلمانيين من كل الطوائف.إضافة إلى الفئات المستفيدة من السلطة مثل التجار ونخب الفئات الوسطى (المحامون والأطباء والمهندسون والعاملون في القطاع الحديث)، التي هي أصلاً في صفها.
لقد جرى اللعب على ما جرى في العراق، وهو وضع أثّر كثيراً في تشكل وعي كل المجتمع السوري نتيجة الهجرة الكثيفة للعراقيين إلى سورية، وأسس للشعور بخطر التدخل العسكري الإمبريالي من جهة، وبأهوال الصراع الطائفي ودور الأصولية من جهة أخرى. كما جرى على الربط بين أحداث سنوات 1979/ 1982 وما يجري الآن، من منظور أن الأمر يتعلق بانتقام “إخواني” (وربما سني) من العلويين الذين يصوّر بأنهم من سحق التمرّد الإخواني المسلح في ذلك الوقت (رغم أن الشباب المتدين يحمّل الإخوان أيضاً مسئولية ما جرى حينها، لأنهم من بدأ الصراع الطائفي).
وكان إدماج الساحل في الثورة أمراً أساسياً لكي يكون تفكك السلطة أمراً محتوماً. لكن مع الأسف لازال هذا المنطق مسيطراً، ولقد تعمّق في سياق تطور الثورة بدل أن ينتهي. وما جعله ينجح إلى الآن هو سياسة بعض أطراف المعارضة التي صممت على أن تفرض على الثورة طابعاً أصولياً إخوانياً، واستخدمت كل علاقاتها من أجل ذلك، فهيمنت على الإعلام الذي هو أصلاً متوافق معها، وضخّت الأموال من أجل شراء “المرتزقة”. وأخذت من الواقع حيزاً ضيقاً عممته على أنه هو الثورة، وهو الحيز الأصولي السلفي، الذي كان شباب الثورة قد أعلنوا منذ الشهر الأولى للثورة: لا سلفية ولا إخوان، مؤكدين على الطابع الشعبي والمدني للثورة.
بهذا كانت سياسة هذه الأطراف تصبّ في تأكيد خطاب السلطة، وبالتالي تفرض تخويف “الأقليات” وكثير من العلمانيين، والرافضين للتدخل الإمبريالي، ومن ثم يبقى الفئات المترددة قطاع واسع، وتؤسس لتماسك قطاع كبير من الأقليات خلف السلطة. أي أنه بدل كسر خطاب السلطة والعمل على انخراط هؤلاء في الثورة جرى تدعيم ترددهم أو وقوفهم مع السلطة. رغم أن مسار الثورة فرض تقلصاً تدريجياً لدعمها السلطة، وانخراط قطاعات أوسع في الثورة، الأمر الذي جعلها تشمل كل سورية، لكن مع بقاء هذه المشكلة قائمة لدى قطاعات من “العلويين” بالخصوص.
-6 وإذا كانت العناصر السابقة يؤشّر لسبب تأخر انتصار الثورة، فهي تؤشّر كذلك إلى السبب الذي لم يجعل السلطة ترتبك وربما تتفكك. ولابد هنا من ملاحظة التمايز القائم بين وضع تونس ومصر من جهة، وسورية من جهة أخرى من هذه الزاوية بالتحديد. حيث سيكون “انفصال” الجيش عن السلطة (التي هي هنا الرئيس وحاشيته) أكثر تعقيداً.
فقد عمل حافظ الأسد على أن يشلّ قدرة الجيش على القيام بأي انقلاب بعد سلسلة طويلة من الانقلابات شهدتها سورية. لهذا عدّد أجهزة الأمن (17 جهازاً كما يشار عادة)، وجعل كل منها منافس للآخر لكي يضمن مراقبة كل جهاز لنشاط الآخر، وبالتالي يشل كل إمكانية لتآمر. ولقد أصرّ على ألا ينسق أي جهاز مع الآخر إلا بأمر منه. وبالتالي فقد اصبح هو مركز المعلومات عن “كل شيء” بما في ذلك نشاط الأجهزة ذاتها.
هذا مستوى مهم، وهو الأساس الذي تشكلت عليه السلطة التي باتت في جوهرها هي سلطة أمنية (أو سلطة الأمن). لكن سنلحظ برع في تعيين كبار ضباط مسئولين في الفرق العسكرية، لكنهم متنافسين وفي الغالب متناقضين، ولا يحق لأي منهم أن ينسّق مع الآخر حتى في حالات الحرب. وأيضاً خاضعين لبنية أمنية اخترقت كل تراتبية الجيش، من الفرقة إلى أصغر وحدة. فقد كان المسئول الأمني هو “السلطة” في كل مستوى من مستويات الوحدات العسكرية.
وكذلك أخضعت كل تحركات الجيش للرئيس ذاته.
في هذا الوضع أصبح كل عنصر معني بإطاعة الأوامر العليا، وتنفيذ الأوامر، دون أن يفكّر في الاختلاف أو التمرد، لأنه حينها سيلقى في السجن. بمعنى أن حافظ الأسد استطاع أن يضع كل وحدات الجيش تحت “ضوء كاشف”.
هذا الوضع لم يؤدِ إلى بناء جيش مقاتل، بل أسس لبناء جيش مشلول. وهو الآن ينفذ الأوامر تحت سيطرة سلطة أمنية شديدة (ومنها الشبيحة كذلك)، وينشق فقط في لحظة ارتباك هذه السلطة الأمنية.
وهذا ما يجعل مسألة عدم حدوث انقلاب عسكري مفهومة. فقد بني الجيش لكي يمنع ذلك. بالتالي كان صعباً تحرّك الجيش لكي “يدعم” الثورة، أو يقوم بعملية التفاف كما جرى في تونس ومصر.
-7 ربما لا بد من أن نشير إلى العنصر الدولي في هذا المجال، حيث كانت الولايات المتحدة على “علاقة وثيقة” بكبار ضباط الجيش في تونس ومصر، وبالتالي كانت في تونس تريد التخلص من بن علي الذي جرى اعتبار أنه موالٍ لفرنسا، ودعمت في البلدين التغيير من أجل “تنفيس” الثورة في سياق العمل على إجهاضها. لهذا كانت دافعاً لرحيل كل من بن علي وحسني مبارك، وضاغطاً على قيادات الجيش من أجل ذلك.
في سورية يبدو الأمر مختلف، حيث تبلور الجيش في سياق لا يسمح بتحقيق انقلاب، وأميركي خصوصاً، بعد أن صيغت القيادات العليا في تكوين “منسجم” (إلى حد ما) بالتخلص من الضباط الذين كان يمكن أن يقوموا بانقلاب أميركي بعد فشل محاولة غازي كنعان/ عبد الحليم خدام. وإذا كان لكل من تركيا وفرنسا اختراقات في السلطة فهي لا تصل إلى حد القيام بانقلاب عسكري.
في المقابل نلمس الدعم الكبير من قبل إيران (التي تمد السلطة بالخبرة والدعم العملي)، وروسيا/ الصين (اللتين تشكلان الحماية له في المجال الدولي، ومجلس الأمن). حيث يبدو أنها محمولة على دعم هذه القوى بعد أن ضعفت داخلياً وبدأت تفقد السيطرة على الأرض. وهو الأمر الذي أبقاها متماسكة، وحدّ من إمكانية تفككها.
أسوا من ذلك هو أن الولايات المتحدة لا تحب الثورات غير البرتقالية، وتجد فيما يجري ثورات من أجل تغيير النمط الاقتصادي والقطيعة مع الدول الإمبريالية، وإذا كانت تعمل على الالتفاف على الوضع لكي تبقي الوضع كما هو في البلدان التي تحظى بتبعيتها، فهي لا تريد للثورة السورية أن تنتصر، وتفضّل بقاء الوضع كما هو. أما السعودية التي هي كذلك ترتعب من الثورات خشية وصولها إليها، فتعمل على دمار الثورة أكثر من نشاطها من أجل إسقاط السلطة “المتحالفة” مع إيران في إطار “المحور الشيعي”. فقد دعمت السلطة مالياً في المراحل الأولى للثورة، ومن ثم عملت على تشجيع وتقوية القوى الأصولية في الثورة من أجل “أسلمتها” في سياق الدفع نحو حرب طائفية تفشلها.
وبالتالي يمكن القول بأن كل “الغرب” الذي يدعي دعم الثورة هو في السياق ذاته، حيث يجب أن تعم الفوضى وتنتشر الأصولية وتدخل سورية في حرب طائفية.
في هذا الوضع بدت القضية السورية بالنسبة للدول الإمبريالية القديمة كوسيلة “لعب”، ومجال “تصارع”، لكن على حساب الثورة ومن أجل تدميرها، وتدمير سورية المجتمع والتاريخ. أما الروس فلم يستطيعوا التصرف كما فعلت أميركا في تونس ومصر، وهم في ذلك ينمون عن غباء مفرط، أو عن عجز فارط سيفقدهم آخر مواقعهم. وإيران لا ترى بديلاً آخر عن “عائلة الأسد” والمافيا الحاكمة حتى من صلب السلطة ذاتها، وهو الأمر الذي سوف يفقدها هي الأخرى تحالفاً أساسياً في إطار صراعها من أجل تأكيد ذاتها كقوة إقليمية، وربما عالمية.
مجمل هذه العناصر فرضت أن يطول الصراع، وألا نصل بعد إلى “إسقاط النظام”، لكن أن تستمر الثورة.
“العقدة” أو الوضع الآن
إذن، ما هو الوضع الآن؟ الثورة تجاوزت السنة والنصف، والحراك يشمل كل سورية تقريباً، والفئات المنخرطة في الثورة واسعة، بينما تقلّص حجم المترددين، ويكاد يتلاشى عدد المؤيدين. ولا يبدو وضوحاً في الأفق، حيث يظهر وكأن الوضع محكوم بعقدة ما،أو هو مستشكل في موضع معيّن.
ما يبدو واضحاً هو أن قوة السلطة قد تراجعت بعد كل هذه الشهر من الصراع، وبعد أن امتدت الثورة إلى كل هذه المناطق في سورية، رغم ما يبدو من تفوق لها. وإذا كانت تستخدم قوى معينة في صراعها، هي تلك “الموثوقة” (مع غقحام لقوى من الجيش تحت التهديد)، فقد أستهلك بعضها، واصبحت مع كل هذا الامتداد للثورة غير قادرة على تغطية كل المناطق، الأمر الذي فرض تراجع سيطرتها عن كثير من مناطق الوسط والشمال، والشرق، وحتى في دمشق والجنوب. إنها قادرة على القصف بالمدفعية والطائرات، غير أنها غير قادرة على السيطرة العملية على الأرض. وما يبدو أنها مسيطرة في مناطق أساسية يُظهر الصراع أنها عاجزة عن السيطرة.
وإذا كان الجيش لم ينشق نتيجة التكوين الذي أشرنا إليه للتو، فإنه يبدو محل شك بعد أن كثرت الانشقاقات أو عمليات الهروب، لهذا هو موضوع في معسكراته دون اتصال أو إجازات في الغالب، ومن يؤخذ للحرب يوضع في سياق يمنع انشقاقه نتيجة التشديد الأمني. ولهذا يبدو أن في السلطة هوّة كبيرة بين الفئة الماسكة، أي التحالف المالي الأمني (بالتحديد العائلة)، وبين بقية مؤسسات السلطة. الأمر الذي يدفع إلى القول بأنها لم تعد سلطة بل باتت طغمة تقاتل من أجل الاستمرار في السيطرة، او حتى تقاتل من “حلاوة الموت” بعد أن باتت تتلمس عجزها عن حسم الصراع في وضع يبقي الدولة والمجتمع والسلطة قائمة ومستمرة. مما جعلها تقرر التدمير المنهجي الشامل كسياسة وحيدة ربما تقود إلى انقاذها.
سنجد بأن هذه الفئة الحاكمة باتت تتصرف من موقع الشك في بنية الدولة والسلطة، بما في ذلك الجيش والمؤسسات الأمنية، والمستوى السياسي. وهو الأمر الذي جعلها تعود للاعتماد على “الحلقة الأضيق”، وهي “الجهاز الموثوق” الذي يتكون من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والمخابرات الجوية، بالإضافة إلى تشكيل كبير من الشبيحة المدربة تدريباً مافياوياً، او على شاكلة الباسيج (الحرس الثوري الإيراني) كما صرّح احد مسئوليه.
بالتالي فإن كل هذا العنف الممارس من قبل السلطة هو التعبير عن ضعفها، وشعورها بأنها باتت على شفير الانهيار، وهو الشعور الذي أخذ يتحكم بكل بنى السلطة، والذي فتح على انشقاقات وربما تعاطف مع الثورة. وهنا يبدو أن وضع السلطة بات مهزوزاً، وقابلاً للتفكك والانهيار. فقد باتت قوة صغيرة في مواجهة شعب مسلح إلى حد كبير، وتمارس وفق منطق اليائس، وتقتل وتدمر لكأنها مقتنعة بأنها لن تحكم ثانية.
هذا الوضع ربما يفتح على ترتيب ينطلق من القيام بـ “تصفية حساب” داخلية، حيث يمكن أن يستجرّ الوضع إلى حدوث كسر في البنية الصلبة لمصلحة “استمرار الدولة” (وحتى حماية العلويين). ربما يكون ذاك الشعور بالهزيمة الذي فرض كل هذا التدمير حافزاً لكي يتحقق “الانقلاب” كما حدث في تونس ومصر، لكن هنا بعد شلالات دم، ودمار كبير، وحقد يحتاج إلى ما يناسبه لكي ينطفي.
في المقابل، لا تبدو الثورة في أفضل حالاتها، حيث لم يقد توسعها، ولا قاد كل هذا الزمن، إلى تنظمها، على العكس من ذلك بدت فوضى. العمل المسلح فوضى، والحراك فوضى. كما أربكت الثورة بوضع المهجرين الذين بات ضرورياً رعاية أوضاعهم. وإذا كان القصف والتدمير والقتل والتهجير قد فرض تراجع الحراك الشعبي، وكان في اساس الاندفاع نحو العمل المسلح، فقد ظهر ميل لكي يصبح العمل المسلح هو الوسيلة الوحيدة لهزيمة السلطة. وهو أمر مربك، لأنه ليس من الممكن دون حراك شعبي كسر قوة السلطة، ولقد أظهرت كل ثورات العالم أنها فاشلة حينما تقوم على العمل المسلح، لأن تفوق السلطة يظل هو الأساس، وهي تسيطر على الأرض أو تستخدم الطيران.
كما أن “الجيش الحر” هو اسم “عام” لا يمتّ إلى الواقع بصلة، نتيجة أنْ ليس هناك مؤسسة، بل “قيادة” تحمل الاسم، لكنها لا تتحكم في نشاط مجمل المجموعات المسلحة القائمة على الأرض. وأيضاً يظهر الاختلاف واضحاً بين سياسة قيادة الجيش الحر وسياسة كل هذه المجموعات. وكذلك فإن هذه المجموعات ليست موحدة، وتتخذ طابعاً مناطقياً في الغالب. ولا تمتلك خبرة عسكرية، ولا أسلحة مناسبة. لكنها تتصرف وكأنها تقود الصراع وتقرر في مساره. لهذا لا تبدو فاعليتها كبيرة في وجه قوة السلطة حين تخوض هذه السلطة حرباً من أجل السيطرة.
هناك ارتكابات وأخطاء صعبة تقوم بها بعض المجموعات المسلحة. وهناك تكتيك خاطئ ينطلق من فكرة “التحرير”، ربما تقليداً للتجربة الليبية التي أتت في سياق آخر. وهناك تدخلات وتداخلات تربك الثورة، خصوصاً تلك التي تقوم بها مجموعات أصولية تأسست سياستها على السيطرة والتحرير، لكنها لا تفعل سوى زيادة القتل والتدمير، ربما في سياق سياسة تهدف إلى ذلك من أجل “فرض” التدخل العسكري الإمبريالي، الذي هو مدخلها الوحيد للوصول إلى السلطة. ولقد أربك الوضع أكثر دفع السعودية لمئات السلفيين (الوهابيين الذين هم أساس تنظيم القاعدة) إلى الساحة السورية، وتمويلهم وتسليحهم تحت حجة دعم الثورة، لكن هؤلاء “مبرمجون” (وهذا التعبير دقيق) على أن أولوية صراعهم هي مع الروافض (الشيعة والعلويين، والإسماعيلية والدروز، وحتى مع المسيحيين)، الأمر الذي يدفعهم إلى ارتكاب حماقات ضد العلويين في سياسة لا بد من أن تخدم السلطة التي عملت طويلاً من أجل إشعال هذا الصراع كي تضمن تماسك العلويين خلفها. والأخطر هو أنه يقود إلى تحويل صراع الشعب ضد سلطة ناهبة ومستبدة إلى صراع طائفي يدمر المجتمع وينقذ السلطة. وبالتالي يفشل الثورة (فقد أفشلوا صراع المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي انطلاقاً من البرمجة ذاتها).
ولقد أدت بعض “العمليات العسكرية” إلى تقوية السلطة بدل إضعافها، مثل السيطرة على حيي الميدان والتضامن في دمشق، والدخول إلى حلب.
وبهذا ضعفت سيطرة السلطة لكن لم تحلّ سلطة بديلة محلها، الأمر الذي فتح على نشوء عصابات تقتل وتنهب وتسلب وتخطف، وأصبح أمن الناس مهدداً في كل لحظة. وهو أمر لا شك ينعكس سلباً على الثورة، بحيث يربك مناصريها.
وبالتالي بات العمل المسلح مجموعات محلية متناثرة دون تنسيق أو خطة، أو رؤية. وباتت التنسيقيات ضعيفة الفاعلية، وانخرط قطاع كبير في العمل الإغاثي، وخرج جزء كبير من الشباب الذي شارك في الثورة إلى بلدان أخرى، إضافة إلى من استشهد أو سجن.
لهذا ظهر بأن الثورة دون أفق في اللحظة التي وصل الوضع فيها إلى تبلور كل الظروف التي تسمح بالحسم. لنتذكر أنها بلا برنامج أو رؤية، ودون قيادة فعلية. وكذلك دون إستراتيجية توضّح كيفية الوصول إلى إسقاط السلطة. الثورة تمتلك البطولة الفائقة لكنها لا تمتلك الرؤية، وتمتلك الشجاعة الكبيرة دون أن تمتلك الإستراتيجية التي تجعلها تنتصر.
هنا “العقدة”. وهو الوضع الذي لم يوصل إلى تحقيق “انقلاب داخلي”، ولا إلى أن تتطور إمكانات الثورة، ويتعزز تنظيمها فتستطيع الانتصار. ولهذا ينفتح الأفق على احتمالات، ويصبح الحسم في الزمن الذي يمكن أن تنتصر الثورة فيه أو تتفكك السلطة أمراً صعباً. فربما تنكسر البنية الصلبة، أو يجري توافق روسي إيراني على دعم “انقلاب” يهدف إلى تحقيق “مرحلة انتقالية” تعطي قدراً من الديمقراطية داخلياً لكنها تحافظ على المصالح الروسية الإيرانية. أو يفرض تطور الصراع إلى أن تقوم فئات داخلية بهذا “الانقلاب” دون حاجة إلى دعم روسي أو إيراني.
أو يكون ممكناً تنظيم آليات الثورة لكي تصبح أقوى وتفرض السيطرة على الأرض. وربما تنهار السلطة فينفتح الوضع على الفوضى. ربما هذا السيناريو الأخير غير مرحب به من قبل الروس والإيرانيين، ولا من قبل فئات في السلطة لأنها سوف تفقد امتيازاتها، ولا كذلك من قبل تركيا التي تخاف الفوضى في سورية. وربما يكون الاحساس بأن هذا الخيار بات ممكناً كفيل بالدفع نحو تحقيق الانقلاب الداخلي، والانتقال إلى تأسيس “دولة جديدة”.
متى يحدث ذلك؟ في كل هذه “الفوضى” ليس ممكناً التكهن، وما يجب التركيز عليه هو ليس متى يسقط النظام بل كيف نطوّر الحراك الشعبي والمسلح بحيث يصبح قادراً على الانتصار؟
لهذا ما هو مطروح هو تحديد المطلوب، أي وضع رؤية واضحة للثورة ولمسار تطورها، لكي توصل إلى تحقيق الانتصار.
فوضى السلاح وتنظيم الثورة
لم يكن استخدام السلاح بعد أشهر من النضال السلمي حالة عبثية أو مجرّد انفعال. صحيح كانت هناك بعض القوى التي تستعجل التسليح وتسترخص الميل إلى العنف، لكن ما جعل الشباب المؤمن حتى النخاع بالسلمية يتجه إلى السلاح هو طبيعة تطور العنف الذي مارسته السلطة، خصوصاً منذ نهاية شهر تموز حين زجت الجيش في الحرب ضد الشعب، وطورت من أساليب القتل والإهانة طيلة شهر آب.
إذن ليس مفيداً التحسّر على السلمية أو الخوف من هذه النقلة المهمة في صيرورة الثورة. وليس مفيد أصلاً هذا النقاش، فقد انتقلنا من الشكل الذي بدأت الثورة به، أي التظاهر الذي كان يعطيها شكلاً محدَّداً هو شكل الانتفاضة (العفوية، الشعبية)، إلى الثورة بكل معانيها، حيث التظاهر والعمل المسلح. ولأننا انتقلنا كل هذه النقلة، أصبح ضرورياً أن نتلمس كل مشكلاتها، وأن نبحث في صيرورتها. حيث أصبحت بحاجة إلى “عقل” أعلى (أو أعمق)، لأنها باتت تحتاج إلى التخطيط الأدق، والاستفادة من التجربة بوعي، وتحقيق التنظيم الشامل لكل عناصر الثورة.
هنا تُطرح مسائل حساسة، أولها كيفية تنظيم العمل العسكري (من حيث تنظيم ترابط المجموعات، ومن حيث تحديد إستراتيجية واضحة لكيفية تطوره بشكل منظم وواضح الخطوات)، وثانيها كيفية تحقيق الترابط بين العمل العسكري والنشاط الشعبي بعد أن ظهر أن العمل العسكري هو كل شيء وأن التظاهر الذي هو فعل الطبقات الشعبية بات هامشياً، وثالثها كيفية تنظيم المناطق التي باتت خارج سيطرة السلطة بشكل أو بآخر.
فالمسلحون مجموعات متفرقة، رغم أنهم يحملون اسم الجيش الحر (وهو اسم لبنية وهمية يستخدم ممن كان، وهذا هو الخطر)، بعضهم اصبح يجهر بلونه الطائفي (وهم من بقايا الإخوان المسلمين والسلفيين بدأوا يدعمون بـ “جهاديين” مبرمجين على أولوية الصراع الطائفي)، وبعضهم شعبي (وهم الأكثرية) ليس لديه خبرة في العمل المسلح، أو في أشكال الحروب، لهذا تكون ممارستهم “دفاعية”، وحين يهاجمون تحدث أخطاء كثيرة. ولقد وقعوا في الخطأ أكثر من مرة دون الاستفادة من التجربة. وأهم هذه الأخطاء هو احتمائهم بالمدن والناس، الأمر الذي فرض “تدمير” الحراك الشعبي في العديد من المدن والمناطق، من منظور “تحرير” المدن، دون تلمس بأن السلطة تمتلك القدرة على تدمير المدن، وأن وازين القوى لا تسمح بالانتقال إلى هذه الخطوة، وبالتالي فهم يؤخرون تصعيد الصراع بدل أن يساعدون على تطوره، حيث لا بد من التركيز على مهاجمة المراكز الحساسة، و”الجيوش الزاحفة” للسيطرة على المدن، ومواقع الصواريخ والقذائف التي تقصف وتدمر. وهذا ما يفرض التركيز على حرب العصابات بدل التسرّع في “تحرير” المدن في وضع غير مؤاتٍ.
هذا يحتاج إلى إستراتيجية عسكرية ضرورية لكي تكون فعّالة في مواجهة سلطة تستخدم كل أسلحتها. ويفرض تنسيق عمل المجموعات، وتنظيم نشاطها بشكل مشترك. وهنا لا بد من تهميش المجموعات الأصوليةن وعدم الخشية من ذلكن نتيجة الخطر الذي يمكن أن تشكله على الثورة، وكذلك منعها من ارتكاب حماقات طائفية أو عسكرية. لا يجب الخوف هنا من “تصادم” لأن ضبط الوضع الآن أفضل من انفلاته لاحقاً بعد أن تكون قد قويت هذه المجموعات، وبدأت ممارساتها الطائفية.
إذن، نحن بحاجة إلى هيكلة المجموعات وإخضاعها لقوانين في ممارساتها الداخلية، وممارساتها مع الشعب، وكذلك مع الشبيحة وأفراد الجيش الذين يقاتلون ضد الشعب، او الذين لا يقاتلون لكنهم مازالوا في عداد الحيش. ونحن بحاجة ألى أن يكون واضحاً أنها لازالت معنية بدعم النشاط الشعبي، وحمايته، والتأكيد على ضرورته، لأنه القوة الأهم في كل هذا الصراع. وأن تتحدَّد إستراتيجية عسكرية واضحة تقوم على أساس قوانين حرب العصابات وليس الحرب النظامية. وأن يكون هدفها إضعاف القوة العسكرية الأساسية للسلطة، خصوصاً الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والشبيحة والمخابرات الجوية.
لقد أدى دخول دمشق والتمترس في مناطق ناشطة، مثل الميدان والتضامن، إلى تلاشي الحراك هناك بعد أن فرض التدمير والقتل هجرة السكان. وكذلك حصل في حلب بعد أن نهضت للمشاركة بقوة في الثورة، وها هي تتدمر ويتلاشي الحراك الشعبي فيها. وهو الأمر الذي يطرح السؤال: هل الغباء أو السذاجة هما خلف هذه السياسة العسكرية الفاشلة، والتي أعلنت تجربة حمص والزبداني فشلها مسبقاً؟ أو هناك سياسة لدى الأصوليين لزيادة التدمير والقتل على أمل أن تحدث سيربرينتسا جديدة تفرض على “المجتمع الدولي” التدخل؟ فالخطأ يتكرر، ويبدو أنه يتكرر بقصد وليس نتيجة عدم استفادة من التجربة.
إن الكتل الأساسية من المقاتلين هم من الشباب الذي شارك في التظاهر منذ البدء، والذين وصلوا بعد ستة أشهر إلى الحاجة إلى السلاح دون تدريب كافٍ أو خبرة سابقة (سوى قلائل ربما). وهم لا يمتلكون سوى القليل من الأسلحة البسيطة، والذخيرة القليلة. وهم لن يستطيعوا الحصول على أكثر من ذلك لأنهم يحصلون عليه من مخازن الجيش أو من تجار سلاح بأسعار عالية. وإذا كان هناك من سيرسل فسيرسل القليل الذي لن يساعد على حسم الحرب، لأن من سيرسل لا يريد حسم الحرب. بالتالي يجب أن يكون واضحاً بأن هذه المجموعات لا تستطيع التحوّل إلى جيش، وأنها لن تستطيع مواجهة تفوق السلطة. الأمر الذي يفرض عليها أن تعرف كيف تقيم الترابط مع الحراك الشعبي، وأن تركّز على تطوير الحراك الشعبي، وأن تكون وسيلة منع قمعه. بالإضافة لما جرت الإشارة إليه سابقاً من حيث ضرب القوى العسكرية التي تدمر وتقتل والمراكز الحساسة، والشبيحة.
وربما يكون عليها دور حماية “الأقليات” (التي لازالت مع السلطة أو محايدة) من الجرائم التي يمكن أن ترتكبها مجموعات أصولية (بعضها أُرسل لهذا الغرض). فهؤلاء جزء من الشعب حتى وإنْ كانوا الآن في “الصف الآخر” نتيجة تخويف من قبل السلطة وخوف من ممارسات وتصريحات ومواقف من بعض أطراف المعارضة، ومن الإعلام الخليجي ونظمه. والخطر أن يلعب البعض باسم الثورة في المسألة الطائفية فيزيد من خوف هؤلاء ومن تمسكهم بالسلطة. المطلوب هو عكس ذلك، أي اقناع هؤلاء بأن الثورة لهم كما هي لكل الطبقات الشعبية (وهم منها). وأيضاً حماية المؤسسات العامة، وأمن الناس في وضع بات يسمح بنشوء عصابات مسلحة نتيجة تراجع سيطرة السلطة على الكثير من المناطق. حيث لا يجب أن تحدث فوضى في أي منطقة لم تعد الشرطة قادرة على “حمايتها”.
وفي هذا السياق لا بد من تغيير أسماء الكتائب، والتسمية بما هو وطني. فلسنا “جيوش الفتح”، حيث مضى زمنها. وما يهمنا الآن هو ما يوحّد وليس ما يخيف جزءاً من الشعب نتيجة “الضجة الإعلامية الأصولية”، والدور السعودي الداعم للصراع الطائفي عبر دعم الأصوليين حصراً.
ثم أن تراجع الحراك الشعبي يجب أن يلفت الانتباه، لأنه لا انتصار دون الحراك الشعبي، حيث يربك السلطة أكثر من السلاح الذي تمتلك ما يواجهه بتفوق. قوة السلاح الثوري تقوم على اعتماده على الحراك الشعبي، وليس سحق هذا الحراك عبر السيطرة على المدن والعجز عن الدفاع عنها، والنتيجة تدميرها ورحيل الشعب الذي كان يتظاهر، ليصبح بحاجة إلى مساعدة، أي يتحوّل إلى “عبء” بدل أن يكون هو الفاعل الأساس. ليس من “حروب تحرير” في الدول “التي تحكم محلياً (بدل أن نقول “وطنية” لكي لا تثير الالتباس). ولا تسقط النظم بالسلاح، بل بالشعب بالتحديد، ويمكن أن يكون السلاح عنصراً مساعدا ومكملاً فقط.
هذا الأمر يفرض إعادة تشكيل التنسيقيات في كل المناطق لكي تعنى بتفعيل الحراك الشعبي، ولا بد من أن تبنى بناءً على الخبرة التي تراكمت خلال الشهر السابقة، بحيث تعمل على دراسة الوضع جيداً من أجل تحديد طبيعة التظاهر وزمنه وشعاراته التي يجب أن تعبّر عن أهداف الثورة ومطالب الناس، وتحدد السياسة العامة. ولكي تتجاوز الميل نحو النظر إلى المجتمع الدولي بل تركز على الفعل الداخلي، وتبرز الإصرار على استمرار الثورة وانتصارها.
لقد ظهرت مشكلة الحراك الشعبي في أنه لم يستطع تشكيل تنسيقيات ثابتة نتيجة الدموية التي تعرضت لها، لكننا اليوم بأمسّ الحاجة لتنظيم الفعل لكي يعود الحراك الشعبي قوياً وفاعلاً، رغم كل الدموية التي يواجَه بها من قبل السلطة. الشعب يجب أن يبقى في الشوارع، ويمكن للمجموعات المسلحة أن تحميه، بشكل لصيق أو من خلال قطع الطرق على القوى التي تهرع لمواجهته.
الحراك بحاجة إلى تنظيم بالضرورة لكي تصبح فاعليته أكبرن وتأثيره أعلى. ولكي يكون قادراً على توضيح الأهداف والمطالب من خلال الشعارات التي يجب أن تُرفع. لا يكفي الاعتماد على الله، أو المناشدة، لا بد من طرح كل ذلك لكي تكشف الثورة أخيراص عن جوهرها الذي شوشه الإعلام، وخربته أطراف المعارضة، وأربك من يجب أن يكون في صف الثورة. ولكي تواجه السلطة ببرنامج بديل يتضمن “روح” الثورة.
أخيراً، لا بد من تلمس أن ضعف السلطة فرض أن تصبح عاجزة عن فرض سيطرتها على مناطق كثيرة (وهذا لا يعني أن المناطق باتت محررة كما أوضحنا)، وهو الأمر الذي يفرض جملة مهمات تتعلق بإدارة هذه المناطق من أجل الأمن، كما من أجل توفير حاجيات السكان، بالتالي تشكيل سلطة بديلة.
كل ذلك يفرض أن تتشكل “قيادة” فعلية من التنسيقيات وقيادات المجموعات المسلحة والهيئات المدنية. هي التي تنظم العلاقة بين كل هذه الأطراف، وتحدد السياسة العامة، وتتمسك بالأهداف التي قامت من أجلها الثورة، وتصبح هي المعبّرة عن الثورة بالتحديد.
إن التعقيد الذي وصلت إليه الثورة يفرض الوضوح في الأهداف والسياسات، وفي العمل الذي بات ضرورياً أن يصبح منظماً، وربما معداً لكي يكون سلطة بديلة بعد أن ضعفت السلطة وأصبح ممكناً انهيارها. حيث أنها “تضرب الحجر الأخير”، والذي سيفشل كما فشلت كل سياساتها السابقة. لم تعد العفوية مفيدة، ولا أصبحت الفوضى مقنعة. كما لم يعد التمسك بالحسم العسكري أمراً صحيحاً، ولا “تحرير المدن”. نحن لسنل ليبيا، ولن نكون. نرجو نزع هذا “المثال” من أفكارنا، والتمسك بالحراك الشعبي مدعوماً بعمل مسلح يخدمه بالتحديد، عبر شلّ قوة السلطة، وإرباك تحركها العسكري.
لقد تقدمنا كثيراً، وبات ميزان القوى في غير صالح السلطة، وهو الأمر الذي يفرض تنظيم قوانا من أجل الاستفادة من هذا الخلل لمصلحة انتصار الثورة
المصدر: دمشق

عن «جبهة النصرة» وإنسانيتها وانضباطيتها

بات معروفاً أن تنظيم «القاعدة» يستغل المناطق التي تعاني من «ضعف أمني» وتراجع سيطرة الدولة لكي يفرض وجوده، ويمارس «ســـياسته». فعل ذلك في العراق واليمن ومنطقة الصحراء الأفريقية، وغالباً ما يقال إنه هــو الذي «حرّر» هذه المناطق.

في العراق التحق «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» بـ «المقاومة» بعد أكثر من سنة، وكانت أميركا أعلنت أنه أتى لمقاتلتها، واعتبرته الخطر الأكبر على رغم أن المقاومة العراقية كانت توجه إليها ضربات قوية، ولم يكن التنظيم قد وصل. وأظهرت أن الصراع في العراق صراع مع «تنظيم القاعدة» بالتحديد. ما فعله التنظيم هو تفجير صراع طائفي، حيث بدأ بتفجيرات ضد «الشيعة»، وبإعلان الحرب على «الشيعة الرافضة»، هذا أولاً ثم ثانياً، أعلن تأسيس دولة العراق الإسلامية في المناطق «السنّية» التي باتت تفرض سلطة جعلت «السنّة» يثورون ضدها، وأن تتحوّل بعض قوى المقاومة إلى «التحالف» مع الاحتلال للتخلص من عبئهم. وهو ما أدى إلى ضعف المقاومة و «انهيارها».

في سورية، ظهر اسم «جبهة النصرة» مع التفجيرات التي قامت بها السلطة في كفرسوسة بعد أشهر من الثورة، وكان متعارفاً عليه أن هذا الاسم يستخدم لتغطية هذه العمليات، ولكن بعد خمسة عشر شهراً من عمر الثورة بدأ الحديث عنها، وباتت تظهر الآن كأنها القوة الأولى والأهم. ولقد تموضعت خصوصاً في المناطق التي فرضت الثورة على السلطة التراجع عنها.

لا شك في أن هؤلاء «الجهاديين» لم يأتوا للنهب كما يفعل بعض من يقول إنه من «الجيش الحر»، وهم مدربون جيداً بعدما جرى تأهيلهم في باكستان لمواجهة السوفيات، وبعد ذلك للتوظيف في مناطق مختلفة في العالم. وكثيرون منهم يريدون «الجنة» فقط، وهم بسطاء يتلقنون الفتاوى من «شيوخ» ربما لا يعرفون من الدين شيئاً، ومن يتابع هذه الفتاوى يلمس مدى التحريف الذي قاموا به لكي يخدم توظيفاً سياسياً مباشراً. لكن كل ذلك ليس هو فقط «جبهة النصرة»، حيث يجب لمس مشروعها الذي جعل دور «تنظيم القاعدة» التي هي فرع منه يمارس ضد ما يقول إنه يسعى إليه، أو بالأدق يقال إنه يسعى إليه.

أول مسألة تظهر هنا أن المنطلق الذي يتأسس على أساسه الصراع الذي يخوضه هو منطلق «ديني»، أي الصراع في إطار الانقسامات في الدين وانطلاقاً من الدين. والدين هنا لا يعني الإسلام بل يعني منظوراً معيّناً له مصاغاً من قبل «فقهاء» سابقين عبر تفسير «فقهاء» راهنين. فيتلخص الإسلام كله في فرع ضيّق انعزالي ومتطرف، بالتالي لا يعود إسلاماً، ويتناقض في مفاصل أساسية مع الإسلام. فمثلاً ينقل عن ابن قيم الجوزية أنه قال إنه ما دام الدين عند الله الإسلام فيجب أن يكون الإسلام هو الدين على الأرض، الأمر الذي يجعل الأديان الأخرى موضوعة في باب الكفر، على رغم أن القرآن أقر كل أهل كتاب. وعلى رغم أن آية أخرى تؤكد أن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

هنا، تصبح الأولوية تتحدد في الإسلام في مواجهة الأديان الأخرى. ثم يجري الانتقال لتأكيد أن «التفسير» الملتزم به من قبل هؤلاء اعتماداً على بعض الفقهاء، هو الإسلام الصحيح وليس من إسلام غيره. ليصبح الأمر هو: الالتزام بالفهم المطروح من قبل هؤلاء أو العقاب الشديد. وهذا يفتح على صراع كبير مع «السنّة» أنفسهم، لأنهم يساقون إلى ممارسة شديدة الضيق والتعصب والتخلف، بالتالي يتحدد الصراع هنا في «السلطة» التي تريد إدخال الشعب في بابها الضيق.

لكن ما يهيمن على الرؤية هنا هو تضخيم «الصراع التاريخي» ضد كل الفرق والشيع الإسلامية، خصوصاً «الشيعة الرافضة». فـ «التناقض الرئيــسي» هو هنا بالتحديد، والمعركة الرئيسة هي فــي هذا الباب، وليس في أي مكان آخر. هذا ما جعل معركتهم في العراق تنحصر في «قتال الشيعة»، وفرض سلطة متشددة على «السنّة» كفروا بها. وهذا ما يمارسونه أينما حلّوا، لأن «ثقافتهم» مبنية على هذه الخلطة من الأفكار، التي تخفي تحتها ميل شباب للهروب من جحيم الأرض إلى «جنة النعيم». والتركيب الذي تشكّل فيه هذا التنظيم يساعد على ذلك.

لهذا، هم لم يصارعوا احتلال العراق، ولم يأتوا إلى سورية لإسقاط نظام استبدادي مافيوي، وأصلاً ليست لديهم معرفة بالسياسة. فـ «المعركة» هي من أجل «نصرة السنّة»، ولكن السنّة الملخصين بهم بالتحديد، الأمر الذي يحوّلهم ضد السنّة كذلك. فيصبحون عنصر إرباك و «تخريب» في إطار الثورة، كما كانوا في إطار المقاومة العراقية.

ما يغري في «جبهة النصرة»، وما يجعل «نظرات الإعجاب» تتطاير تجاهها، ويدفع كثيراً من «النخب» للدفاع عنها ورفض حتى نقدها، هو أنها تمتلك الأسلحة الأفضل والمال، والقدرة العسكرية، و «عفة اليد». فلا شك في أنها لا تحتاج إلى المال لكي تسرق كما يفعل بعض المحسوبين على «الجيش الحر»، ولا هي في حاجة أصلاً، ولديها من يريد الذهاب سريعاً إلى الجنة، ما يجعل لديها جرأة الاقتحام (على رغم أن الشباب السوري فعل ذلك منذ البدء). ولكن، هل هذه «الصورة الوردية» كافية لكي تصبح خارج النقد والتدقيق في ماهيتها؟

ربما دفع عجز بعض النخب لأن تعوّض المطالبة بالتدخل الإمبريالي بعد أن توضّحت استحالته، بقوة «قادرة» على إسقاط السلطة وجدتها في «جبهة النصرة»، بالتالي بتجاهل لتجارب «تنظيم القاعدة» وغض النظر عن مشروعها. لكن النتيجة إذا نجحت «جبهة النصرة» هي عكس هذه «الإرادة»، لأن فعل الجبهة يفتت ويفكك ويدخل في صراعات «هامشية» توهن الصراع ضد السلطة، وتدفع أقساماً مهمة من الشعب إما إلى التمترس أكثر خلف السلطة، وإما إلى رفض الثورة أصلاً، أو الميل إلى الدفاع عن مناطقهم ضد سطوة الأصولية المفروضة كسلطة «دينية». ففي المناطق «المحررة» يتصاعد الصراع مع هذه السلطة التي باتت تتدخل في كل شيء بدل أن تقاتل النظام، وتعمل لفرض محاكمها «الشرعية» وقانونها الذي يجعل كل فرد في تناقض معها.

لا نريد أن نكتشف خطر هذه المجموعة بعد أن تحلّ الكارثة.

المصدر: الحياة

بعد عامين من الثورة في سوريا

eb864fb2-e459-425f-9add-f1f02f41ca36

كانت الثورة في سوريا مدار خلاف كبير عكس الثورات في تونس ومصر، حيث تناقضت البديهيات بين أطراف مختلفة، وتعاكست المواقف بينها. وبعد عامين من الثورة مازال الأمر كما كان، وربما زاد الاختلاف ودخلت تقديرات جديدة.

كانت “البديهية” الأولى التي حكمت، والتي هي من ميراث وعي نشأ في “مرحلة التحرر الوطني”، قام على النظر إلى كل القضايا من منظور: الإمبريالية، مع أو ضد. لهذا كان النظام السوري في موقع الضد. بالتالي كان الموقف كارثياً من قبل قطاع كبير ممن يعتقد أنه ضد الإمبريالية لأنه يريد التطور. فوقف ضد إرادة شعب يريد التحرر والعدالة. لقد انطلق من “العالمي” ومن “السياسي” دون أن يتلمس وضع الشعب ذاته.

التشوش حول الثورة زاد بعد أن تسلحت، ثم بعد أن بات الإعلام يُظهر أن القوى الأصولية هي التي تهيمن عليها. فقد نشا تصور بأن الثورة يجب أن تكون “سلمية”، بعد تجارب تونس ومصر. كما ظهر التخوّف من الإسلاميين بعد نجاحهم في الانتخابات في تونس ومصر. وزاد التخوّف بعد دخول “الجهاديين”.

كل ذلك يعبّر عن نظر شكلي يتناول ما يجري من زوايا “مجردة” أو جزئية، أو سطحية. فقبل كل هذه الفذلكات لا بد من وعي البديهيات الحقيقية. التي هي تلمّس للواقع وليس الهيام في تحليلات عامة، وتصورات عمومية.
هل ما يجري هو ثورة؟ وهل السلطة هي ضد الإمبريالية أصلاً، إذا كانت قد وصّفت ذاتها بأنها ممانعة؟ وهل أن الثورة جرى ركوبها من قبل الإسلاميين؟

المسألة الأولى هي أن الشباب الذي تفاعل مع ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين عانى طويلاً من التهميش وانسداد الأفق، كما من الاستبداد الطويل الذي كان يمسخ الشخص، ويؤسس لاغتراب عميق. وهو الذي بدأ الدفع لتحريك الشارع وصنع ثورة. وهو يريد الحرية بالتأكيد لكي يعبّر عن مطامحه. والفئات الاجتماعية التي تحركت أرادت تحقيق مطالب واضحة، وهذا الأمر يستدعي ملاحظة الوضع الاقتصادي الذي تشكّل على الأقل في العقد الأخير.

فإذا كان الاستبداد مستمرا منذ عقود، ولقد ولد هؤلاء الشباب خلال سطوته، فسدّ أمامهم أفق العمل وحرية التعبير، ومسخهم وفق الصورة النمطية التي فرضها، فإن التحوّلات الاقتصادية التي تحققت خلال العقد الأخير جعلت كتلة كبيرة من الشعب في وضع صعب جداً. هذا ما كانت تظهره الأرقام، حتى الرسمية منها، وهو وضع “مثالي” لنشوب الثورة. وهو وضع مشابه في كل الأحوال للوضع في مصر أو تونس أو اليمن أو ليبيا، حيث تتمركز الثروة بيد أقلية عائلية حاكمة، وتعيش كتلة هائلة تحت خط الفقر. وحيث يقل العمل ويتزايد عدد العاطلين عن العمل.

إذن، كانت التحوّلات الاقتصادية التي جرت في ظل سلطة بشار الأسد، ولمصلحة آل مخلوف خصوصاً، تفضي إلى انهيار الوضع الاقتصادي لقطاعات كبيرة من الفئات الوسطى والعمال والفلاحين، وانهيار الوضع المعيشي لها. وهو الوضع الذي جعل احتمالية الثورة كبيرة لكل من كان يدرس الواقع الاقتصادي الذي يتشكل.

لكن هذا الميل كان يجعل محتكري الثروة يميلون للتفاهم مع العالم الرأسمالي، خصوصاً وأن مجمل مردود النهب الداخلي كان يصدّر إلى السوق الرأسمالي. وهو الأمر الذي كان يدفع للتفاهم مع “الإمبريالية” وليس الصراع معها، وهو الأساس الذي جعل مصطلح ممانعة هو المحدِّد لطبيعة هذه السلطة، وهي ذاتها من أطلق هذا التعبير. لقد انتهى عصر التحرر عبر فرض التحرر الاقتصادي وفرض اللبرلة، وبات السعي للاندماج بالنمط الرأسمالي العالمي هو المسيطر.

هذه عملية جرت في مصر خلال أكثر من ثلاثة عقود لكنها تحققت في سوريا خلال عقد. وإذا لم يكن قد تحقق الارتباط بالإمبريالية فيجب البحث في سياسات الإمبريالية وليس في مصالح الفئة الحاكمة التي كانت تجهد من أجل قبولها كتابع.

بالتالي فإن البديهية الأولى تتمثل في أن الشعب ثار لأنه لم يعد يستطيع العيش، ولا يستطيع التعبير عن أزماته. وهي بديهية لأن كل تحليل اقتصادي يوصل إليها دون لبس، لكن النخب فوق الاقتصاد لأنها تتعلق بالسياسة، التي تعني العلاقات بين الدول.

المسألة الأخرى هي أن معرفة السلطة بهذا الوضع، وتلمسها احتمالية انعكاس ما جرى في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا على سوريا  فرض عليها وضع إستراتيجية متكاملة أساسها “الحسم العسكري”، واستخدام أقصى العنف لمنع الشعب من “الانفلات” في ثورة عارمة. هذا “الانفلات” الذي ظهر في عديد من المدن قبل استخدام العنف (حماة مثلاً) أو بعده. لقد عرفت السلطة بأن أي تحرّك شعبي سوف يفضي إلى انفجار كبير يسيطر على الشوارع.
انطلاقاً من ذلك اتخذت الثورة الشكل الذي وصلنا إليه. فرغم أن الشعب ظل متمسكاً بالسلمية ستة أشهر (وهذا ما اعترف به بشار الأسد ونائبه) لم يستطع إلا أن ينتقل إلى استخدام السلاح بعد تصاعد عنف السلطة واستخدام الجيش للسيطرة على المدن، وزيادة دور الشبيحة والأمن، وزيادة القتل.

وهو الأمر الذي فرض أن تصبح الثورة ثورة مسلحة. بمعنى أن استخدام السلاح لم يكن نتاج “ميل طفولي” بل جاء نتيجة عنف دموي وحشي مارسته السلطة ومازالت. وسنشهد في كل الثورات في البلدان العربية هذا الميل حين يتصاعد عنف السلطة، ويظهر الدفاع المستميت من قبل الطبقة المسيطرة لكي تحافظ على سلطتها وتضمن مصالحها.

المسألة الثالثة هي أن قوى متعددة تتصارع للسيطرة على الثورة، وهذا أمر واضح في ثورة انطلقت عفوية. وإذا كان ظهر أن للإسلاميين سطوة فلا يغيّر ذلك من أن الثورة هي ثورة شعب، وكل الثورات جرى الصراع من أجل الهيمنة عليها وتجييرها لمصلحة هذه الفئة أو تلك، لكن كل ذلك لا يغيّر من كونها ثورة. ولا يغيّر من أن السلطة هي سلطة مافياوية عائلية أمنية، وأن نهبها أوجد عملية إفقار كبيرة جعلت هؤلاء المفقرين يتمردون.

ولا شك في أن قوة الإسلاميين تزايدت، لكن الثورة مازالت شعبية، رغم كل ما يصوّره الإعلام ويروج له. بالتالي لن يغيّر من الأمر شيئاً تزايد دور الإسلاميين رغم الخطورة الممكنة التي قد يدفعون البلد نحوها. فالأمر هنا يتأسس على أن الشعب يمرّد لكي يحل مشكلاته، ولن يتوقف قبل حلها. لهذا مهما حاولت القوى الأصولية فلن تستطيع وقف المسار الثوري الذي اختطه.

نعم هناك أعباء يفرضها تزايد دور هؤلاء، وربما أخطار قد يستجلبها، لكن الأمر يتعلق بثورة شعب، وبمصالح طبقات مفقرة. وما دامت الثورة شعبية عفوية وتواجه بكل هذه الدموية، وبغياب اليسار، سوف تفضي إلى ظهور كل هذا الخليط، وسوف تحاول قوى أصولية ركوبها. لكن هذا يعني ذلك تغيّر طابعها كثورة شعب مفقر ضد سلطة ناهبة ومستبدة ومافياوية؟ عادة يكون دور اليسار في هذه الوضعية هو تطوير الثورة ومواجهة كل تلك الميول من أجل أن تنتصر.

المسألة الرابعة هي أن الوضع الدولي يحتاج إلى تحليل جديد، تحليل راهن، ولم يعد يكفي الاتكاء على أفكار قديمة. فقد بدأت “الفقاعات” المالية تتفجر، ولن تقف كما يبدو. لهذا يبدو أن “الستاتيك” الذي تشكل بعد الحرب الثانية، وخصوصاً بعد انهيار الاشتراكية، ونهاية الحرب الباردة قد تفكك، وبتنا في وضع تتراجع فيه القوى الإمبريالية، وتتصارع.

لكن من الواضح أن هذا الوضع كما هو الآن هو في تناقض مع الثورة، ويصبّ في خدمة السلطة. البعض يريد استمرار السلطة ويدافع عنها. والبعض يريد استمرار الصراع لكي تضعف سوريا البلد وتنهار. والبعض يريد التنازع للحصول على مصالح. وكل هؤلاء يقفون ضد الثورة، لأنها ثورة أولاً، ولأنها تناقض ما يريدون ثانياً.

لا أحد يتحدث عن مؤامرة، فالمؤامرة الأساس هي ضد الثورة. وكل التدخلات و”المساعدات” تصبّ في ذلك.

بعد عامين من الثورة، لا بد من تلخيص أنها نتاج وضع داخلي نتج عن سيطرة فئة نهبت واستبدت طيلة عقود، ومن ضمن ذلك تدمير الفعل السياسي والثقافة بشكل عام.

ولهذا كانت ثورة عفوية شعبية بكل معنى الكلمة. وفي هذا الوضع يبدأ التحديد هل نحن مع الشعب أو مع السلطة ولا يبدأ من أي مكان آخر. وبالتالي ما الدور الضروري من أجل انتصار الثورة، وليس لماذا يشارك هذا الطرف أو ذاك، ولماذا هذا أصبح أقوى؟

بعد عامين، يجب أن تسقط كل الفذلكات، وكل الأوهام التي تنطلق من فهم سطحي جداً لمعنى الإمبريالية وتتجاهل أنها بنية اقتصادية تتمثل في سيطرة اللبرلة في الأطراف، وفي تحكم فئة مافياوية في السلطة، تنهب المجتمع وتصدّر المال إلى الخارج. وأن حراك الشعب هو الأساس في أي نظر حقيقي وليس النظم مهما كانت. ومن ثم فإن العالم يتحوّل ولم تعد التحليلات السابقة صحيحة الآن، بل أصبحت من الماضي.

المصدر: الجزيرة

عامان من الثورة -2

لقد تغيّر ميزان القوى خلال العام الثاني من الثورة، وأصبح في مصلحة الثورة. في البدء كان التوسع البطيء للثورة أهم ما استفادت منه السلطة لكي تضبط الثورة، وتبقي على تماسكها هي. ولهذا مضى العام الأول والسلطة متماسكة رغم استمرار توسع الثورة. لكن الذكرى الأولى مرت والثورة تعم كل سورية تقريباً. والتظاهر الأسبوعي قد تحوّل إلى تظاهر يومي. لكن الأهم،ربما، كان توسّع العمل العسكري، وتزايد الانشقاق في الجيش، وبدء توتر بنى السلطة.

أيضاً الثورة “السلمية” أخذت تتحوّل إلى استخدام السلاح، لكن شهدنا أنها أصبحت مسلحة خلال هذا العام. فالعنف الدموي الذي مارسته السلطة دون أي رادع أو قيمة أخلاقية دفع إلى ممارسة العنف المضاد. وظهر أن كل ادعاءات السلطة منذ بدء الثورة قد أصبحت واقعاً قائماً: التسليح والعمل المسلح، الأصولية، الفوضى. ولا شك في أن السلطة كانت تريد دفع الثورة في هذا المسار، وربما نقول أنها نجحت، لكن هذا لم يمنع أن يؤدي ذلك إلى اختلال ميزان القوى، واستهلاك قوى السلطة، وزيادة الاحتقان ليس في الشارع فقط بل في كل بنية الدولة. وهو الأمر الذي أوجد “شرخاً” داخل السلطة، رغم أنه لم يظهر للعلن تماماً. فقد أصبح واضحاً أن هناك فئة ضيقة تمسك بالمال والسلطة، وهناك بنى الدولة الأخرى التي هي أصلاً من الشعب رغم الامتيازات التي كان بعضها يحققها. ولهذا لم تعد السلطة قادرة على استخدام الجيش سوى جزء ضئيل هو “العصب الموثوق”، وهو الأمر الذي جعلها عاجزة عن السيطرة على سورية، فأخذت تتراجع عن المناطق منطقة بعد أخرى، وأصبحت محاصرة في دمشق، وتحكمها فقط من خلال التواجد العسكري والأمني الكثيفين.

ولهذا يمكن القول بأن تفكيك هذا العصب سوف يفرض انهيار السلطة. وربما في العجز عن الإجابة على كيفية تحقيق ذلك هو الذي أسس للاستعصاء الذي يجري الحديث عنه. فالسلطة تبدو قوية رغم كل الضعف الذي يعتريها، ورغم فقدانها السيطرة على معظم سورية، ولجوئها إلى استخدام الطيران والصواريخ، حتى بعيدة المدى.

في هذا لا بد من فحص طريقة خوض الصراع، التي تبدو أنها تعتمد السيطرة المتدرجة على المناطق، وبالتالي تعريضها للقصف والتدمير، وتعريض المقاتلين للاستهداف نتيجة تمركزهم في مناطق تكون قد باتت واضحة. ولا شك في أن القصف لا يحسم معركة، لكنه يؤدي إلى زيادة كبيرة في التدمير والقتل. وهو آلية انتقام السلطة بعد أن فقدت توازنها، وأحست أنها تنتهي.

ولا شك في أن الوضع الان يحتاج إلى روية ورؤية لكي يتحدد الطريق الذي يفضي إلى الانتصار. خصوصاً بعد أن أرهق الصراع كل الشعب بعد أن أصبح هناك ملايين المهجرين، وباتت السلع نادرة، والتنقل صعباً، وبالتالي بات الوضع معقداً يفرض التفكير في “حل سريع”. والسلطة لعبت وتلعب على هذا الخيار من خلال ارهاق كل الشعب وتوصيله إلى حالة تدفعه لأن يقبل أي حل يطرح (أو أول حل يطرح). يساعد الوضع الدولي الذي بات واضحاً أنه يصبّ في خدمة السلطة نتيجة الشعور بالعجز عن الانتصار.

إن كل سياسات السلطة على الصعيد العسكري والاقتصادي تهدف إلى ذلك: تعميم الشعور بالعجز عن الحسم، والاحساس بصعوبة شديدة في العيش والأمن.

هذا يفرض سياسة عسكرية مختلفة ربما، تهدف إلى ضرب مفاصل السلطة العسكرية والأمنية، وشل نشاط الشبيحة.

المصدر: شام

Dos horas, un país y numerosas divisiones

“¿Cómo ves la situación en Siria?” “Muy bien”. Y sonríe con ironía amarga.

“La situación se alarga, todos los que predijeron el momento de la caída ha acabado frustrados”, por eso él no tiene problema en decir que está convencido de que el régimen se va a marchar, pero que el problema sigue siendo cuándo. Esa es la predicción de futuro que hace Salama Kayleh, Salameh Keilah o cualquier cosa semejante, ya que su nombre se ha transcrito de múltiples maneras.

Tras encontrarme con él en un café de Beirut, plasmo a continuación las conclusiones a las que hemos llegado, poniendo énfasis en puntos que me han llamado la atención, a lo largo de un par de horas de intercambio de opiniones, matizaciones y aclaraciones sobre una revolución que él vivió durante meses en primera persona y en sus propias carnes, al ser detenido y torturado por el régimen en 2012, experiencia que ya había vivido años atrás cuando engrosó la lista de intelectuales prisioneros de conciencia.

El mayor problema que ve en el lado revolucionario es la falta de un verdadero liderazgo político y una falta de integración de la actividad militar (-“cada uno trabaja de forma individual”-); sin embargo, no todo se reduce a eso: “El problema está también en la propia estructura interna del régimen”. ¿En qué momento va a desmembrarse? “Parece que hay una brecha en el régimen, no general, sino en el propio núcleo duro: hay quien cree que el camino que se ha tomado es un error y quien está determinado a seguir con la represión”. Por eso Bashar al-Asad en su último discurso propuso una iniciativa de varios puntos. ¿Por qué iba a hacerlo si no?” Era su forma de intentar buscar una solución a esa división.

Pero si por algo se puede caracterizar la revolución siria es por eso precisamente: las divisiones. Entre ellas, la provocada en la Coalición Nacional por la iniciativa de Moaz al Jatib que proponía un diálogo con condiciones con miembros del régimen. Como observa Salama, la iniciativa “recibió el apoyo de muchos dentro, incluidos militares”, y la Coalición Nacional se vio obligada a apoyar. “Parece ser que Al Jatib coordina con Lajdar Brahimi, porque comprende que EEUU lo que quiere es traerse a Rusia de su parte para que no se alíe con China”. Y esta iniciativa es una forma de lograr una unión de la comunidad internacional que suponga el principio del fin. “Si ello no se da, solo queda un golpe interno, pero ¿cuándo se dará? O sea, ¿cuándo, por ejemplo, van a matar a Bashar o a alguien de su entorno?” Es sabido que hay muchos que, desde dentro del régimen, colaboran con la oposición y los activistas, “incluso miembros de la seguridad que filtran datos”, pero eso no basta. Hace falta una verdadera incisión en el régimen.

Y así pasamos a otra incisión que da miedo de cara al futuro, la que se ha producido en el seno de la sociedad siria, entre los que apoyan al régimen –en su mayoría por intereses derivados de su alianza con el mismo o adoctrinados para ello-, y los que s oponen a él, que en varias zonas ha tomado un cariz sectario, tremendamente simplificado como una lucha entre suníes y alauíes. “Hay muchos alauíes que se han quejado por mandar a sus hijos a morir al ejército en su lucha para salvar al régimen”, que ha reclutado especialmente en esas zonas esperando que la pertenencia confesional les impulsara a alistarse, y aprovechando la pobreza en la zona (está bien estudiado cómo muchas zonas alauíes se han empobrecido igual que el resto con las políticas del régimen o simplemente no se han beneficiado en absoluto de compartir confesión con el clan gobernante). A esto han de sumarse los recientes combates internos entre clanes alauíes en la zona de la costa, lo que rompe el esquema simplificado del sectarismo.

Salama lo explica así: una cosa es la “presencia sectaria” y otra muy diferente la “conciencia sectaria”. “La mera presencia no presupone la conciencia”. “En Siria la presencia sectaria es una realidad, pero no se era consciente de ello: lo que diferenciaba a un cristiano de un musulmán era que el primero iba a la iglesia y el segundo a la mezquita, sobre todo en las zonas rurales, porque la verdadera división observable en Siria era regional, más concretamente rural-urbana”. Como en la ciudad los comerciantes son en su mayoría suníes “fueron ellos los que se volvieron más extremos en su definición frente al otro, para proteger sus intereses”. Es lo mismo que hizo Hafez al-Asad al llegar al poder, “se rodeó de los ‘hijos del campo’ para consolidar su poder, de su gente, de la zona de Jableh, mientras que en tiempos de Salah Jadid (que le precedió al mando del Baaz y contra quien Hafez se rebeló) este se apoyó en Tartús y sus alrededores”, en clara oposición regional.

Seún Salama, la presencia sectaria no se activa como conciencia si no es por la incidencia de un “elemento externo” que provoque que uno “se defina como, por ejemplo, cristiano, por oposición a los musulmanes”. Y cita como ejemplo que antes de la guerra civil libanesa, los cristianos fueron los más “sectarios” porque les interesaba mantener esa distinción que el Mandato francés les había dado. A fin de cuentas, todo obedece a intereses políticos.

En el caso de Siria, cita como factor desencadenante de la conciencia sectaria durante la revolución al Frente de Al-Nusra, “que es resultado de un entendimiento entre Arabia Saudí y el régimen, que liberó a yihadistas detenidos en sus cárceles” para acabar con la revolución. Este Frente “no es como, por ejemplo, Ahrar al-Sham, la mayoría de cuyos miembros estuvieron en la cárcel de Seidnaya -algunos al volver de luchar de Iraq (donde divergieron con Al-Qaeda por no considerar el asesinato de civiles iraquíes lícito) y otros antes de ir-, y que sufrieron el ataque a la cárcel en 2006” Mientras que Ahrar al-Sham “tienen un proyecto, que es derrocar al régimen, y no se vislumbra en ellos un discurso sectario, el Frente de Al-Nusra tiene otro cometido, otro proyecto: asustar a los alauíes”, y por eso apareció cuando se daban protestas en las zonas de mayoría alauí. Ese es el factor externo que ha provocado una escisión entre alauíes y suníes, una escisión de conciencia de diferencia, que en muchos casos se une a que ciertos alauíes se han beneficiado del régimen, “y si no se juzga a los que han cometido delitos, puede provocar actos de venganza porque hay quien ha sufrido mucho la represión del régimen y ve en los que se han beneficiado de él un enemigo”. No obstante, asegura que “juzgar a la parte de la revolución que ha cometido crímenes es una cuestión que ha de plantearse también”, porque ahora mismo la revolución está en una “especie de situación de caos”. Ahora bien, es muy optimista al ver cómo, con la práctica retirada del ejército de las zonas del norte, la gente está protestando contra Al-Nusra y sus intentos de imponer la sharia, como ya se han quejado de los tribunales militares del ESL en zonas como Bustan al-Qasr en Alepo.

De vuelta al Frente de Al-Nusra, asegura que no son ellos los que están logrando los avances militares, sino que en muchas ocasiones el aparato mediático se las está atribuyendo y al cuenta Salama, como anécdota, que hubo un periodista que fue detenido por dicho Frente después de decir que el ESL había liberado una localidad en la provincia de Deir Ezzor. “Se atribuyen igualmente las explosiones del régimen, igual que el régimen hacía antes, que sacaba comunicados de grupos yihadistas atribuyéndose atentados. Ahora tiene un grupo que hace vídeos reclamando su autoría” en casos a todas luces atribuibles al gobierno, como en la explosión de Damasco. Sobre dicha explosión se han apuntado varias pistas para acusar al régimen como que no había cobertura móvil en la zona y que los puntos de control se habían alejado levemente de la zona el día anterior, puntos que por cierto, por su cantidad, “harían imposible la entrada de un coche bomba en la zona”.

Así pues, este grupo no tiene otra misión que ser el factor que haga de la conciencia en potencia una conciencia en acto, o lo que es lo mismo, hacer de los ritos religiosos una identidad, complicando el panorama para la Siria del mañana, por mucho que algunos justifiquen sus actos. “Yo les digo: ¿De qué te sirve un grupo que tiene ese discurso? Es contraproducente no solo para la revolución, sino para el país”, sentencia.

Naomí Ramírez Díaz