Monthly Archives: أكتوبر 2011

وضع أميركا

وضع أميركا

أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما الانسحاب “الكامل” من العراق نهاية هذا العام. وبغض النظر عما إذا كان الانسحاب سيجري أم لا، فإن ما يحتاج إلى توقف هو وضع أميركا؛ هل ما تزال قادرة على التدخل والسيطرة؟

إذا تحقق الانسحاب فإنه يكون مؤشراً يكمل ما كان يبدو واضحاً في السنوات الثلاث السابقة، حيث بدت أميركا وكأنها في وضع صعب، ليس على الصعيد الاقتصادي الداخلي فقط، فهذا أمر واضح، لكن كذلك على صعيد القدرة على السيطرة عالمياً. لقد بدت وكأنها تزحف للسيطرة على العالم بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، فبدأت الحرب ضد العراق، ثم فرضت الحصار عليه. كما أخذت في توسيع وجودها العسكري في الوطن العربي، وتعزيزه في أفغانستان، وحتى في بلدان أخرى. وكانت “الحرب على الإرهاب” هي الغطاء النظري الذي سهّل هذه السيطرة، ومجال التدخل في كل بقاع العالم.

ورغم أن أميركا اللاتينية كانت تنسحب من هذه السيطرة، فقد ظهر بأن العالم كله يخضع لـ”جبروت” أميركا، وتفوّق قوتها العسكرية بشكل لا مثيل له بعد انزياح القوة السوفيتية. ولهذا أصبح الخضوع لها تياراً كبيراً، شمل قطاعات من اليسار القديم إضافة إلى النظم التي باتت تميل لأن تصبح “عصابات مافياوية” تحمي مصالح الشركات الاحتكارية الأميركية. وباتت “الأمركة” هي “الماركة” الوحيدة.

الأزمة المالية شكّلت مفصلاً أشّر على عملية معاكسة، أو فتحت لحدوث عملية معاكسة، أي ضعف السيطرة.
ورغم أن القوة الأميركية استطاعت أن تضعف المقاومة في العراق، وأن تبدأ في تقليص الوجود العسكري هناك، والتوقيع على اتفاقية أمنية تقرر الانسحاب نهاية العام 2011، إلا أن الأزمة المالية فتحت على مؤشرات توضح تراجع “الهمّة” الأميركية، وميل الإدارة منذ تسلم أوباما إلى قلب السياسة التي أصبحت واضحة منذ بوش الأب، وتعززت مع بيل كلينتون ثم بوش الابن، والقائمة على “التفرد الأميركي”، وخوض الحروب بقرار فردي، واحتكار النتائج. حيث عمل أوباما على “رمي” عبء التدخل على حلف “الناتو”، ما يعني دورا أكبر لأوروبا. وهذا ما ظهر واضحاً في ليبيا، حيث تحققت مشاركة أميركية جزئية ومؤقتة.

ما يبدو واضحاً الآن هو أن أميركا التي حاولت حل أزمتها الاقتصادية المتفاقمة منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال السيطرة العسكرية، توصلت إلى أنها أعجز عن أن تحلها، وأن الحرب والسيطرة لم يقودا إلى حل، بل قادا إلى تعمّق الأزمة: تعمّق الأزمة الاقتصادية، وتعمّق العجز عن السيطرة معاً.

أكثر من ذلك، نلمس بأن أميركا مقبلة على “انفجار فقاعة” جديدة، وبالتالي أزمة جديدة تقود إلى انهيار اقتصادي كبير، في وضع لم يعد يظهر بأن الحرب هي عنصر مساعد في تجاوز الأزمة، على العكس باتت عنصراً مطوراً لهذه الأزمة.

أميركا في تراجع، وقوة سيطرتها باتت تضعف، ولهذا “يفلت” العالم الرأسمالي ويميل إلى التفكك من دون قوة سيطرة جديدة، وربما اندفاع إلى “تعددية قطبية”، لكن من قوى ضعيفة، مأزومة، وتميل إلى الانهيار.

المصدر: الغد

الخيار الليبي أو المصري لسوريا

لا يبدو بأن أفق التغيير السوري واضحاً إلى الآن رغم مرور أشهر سبعة على الانتفاضة. هناك من يحاول رسم «أفق» لهذا التغيير، ولا سيما أطراف في معارضة الخارج، وهناك من يرى أن الحل الوحيد هو في اقتناع السلطة بضرورة التغيير. وربما هناك من لا يرى أي أفق أصلاً

كل الانتفاضات العربية، ربما في ما عدا ليبيا، كانت دون أفق واضح في البدء، وجاء التغيير مفاجئاً في الغالب. وانتفاضة اليمن التي بدأت قبل الانتفاضة السورية بشهر ونصف الشهر تقريباً، لا تزال دون أفق واضح، رغم الوضوح الكامل بأن الشعب ضد النظام، وهو في الشارع يحاول أن يطرح حلولاً ليست ناجحة إلى الآن. فالشباب يريد أن يفرض المجلس الانتقالي الذي اختاره هو، دون موافقة الأحزاب المعارضة، التي اختارت بدورها مجلساً وطنياً لم يصبح هو السلطة بعد. ودول الخليج (وأميركا من خلفها) تطرح مرحلة انتقال يشرف عليها نائب الرئيس اليمني، الذي يمثّل السلطة ذاتها. والرئيس يرفض كل ذلك. ربما يمكن، إلى الآن، أن نبلور الخيارات العربية في اثنين، الأول الخيار التونسي المصري، والثاني الخيار الليبي. الأول تمثّل في «انقلاب» ولاء الجيش من دعم الرئيس والدفاع عن حكمه إلى خلعه، ومن ثم قيادة مرحلة انتقالية مضبوطة.

والثاني تمثّل في تحوّل الانتفاضة الشعبية إلى النشاط المسلح بعد العنف الذي مارسته قوات القذافي، ومن ثم دعم الأطلسي للثوار من خلال تطبيق الحظر الجوي، والعمل على تدمير قوات القذافي. وبالتالي تحوّلت الانتفاضة إلى حرب حقيقية، شاركت فيها قوى إمبريالية.

ربما كان الفارق بين الخيارين هو أن قوة القمع الأساسية، أي الجيش، كانت قادرة على أن تحيّد ذاتها عن الرئيس في كل من تونس ومصر، وأن تبقى موحدة كذلك، لأسباب عديدة ليست مجالنا هنا. بينما كانت قوى القمع عند العقيد القذافي متماسكة خلفه، ولقد توضّح أنها مشكّلة من فئات ترتبط «عقائدياً»، أو ارتزاقاً، به. بينما كان الجيش ضعيفاً ومهمشاً، وبالتالي سرعان ما انضم للانتفاضة. وهو الوضع الذي حوّل الانتفاضة إلى حرب أهلية، لم تنجح إلا من خلال الدعم الذي قدمه حلف الأطلسي من الجو، نتيجة التفوق الكبير لقوات القذافي.

في سوريا، لا شك في أن كل هذا الزمن الذي مرّ دون أن يحدث ما يشبه الخيار المصري، فرض التفكير في الخيار الليبي، وخصوصاً بعد انتصار الانتفاضة. ولقد كانت قناعة بعض أطراف المعارضة، منذ البدء، أن الشعب يعجز عن إسقاط النظام (وهو التقدير الناتج من عدم ثقة مفرطة بقوة الشعب، والثقة المفرطة بقوة السلطة، ومن ثم العجز عن إسقاطها بقوى «وطنية») هي التي فرضت التفكير في الخيار الليبي. هذا كان نشاط أطراف في معارضة الخارج بالتحديد (ربما مع وجود هذا «النفَس لدى بعض معارضة الداخل)، التي طرحت منذ الأسابيع الأولى فكرة تشكيل المجلس الوطني الانتقالي (وهي تخطئ الآن حين ذكر اسم المجلس، فتشير إلى المجلس الوطني المتشكل باسم المجلس الانتقالي). أقصد هنا بالتحديد جماعة الإخوان المسلمين، وليبراليي الخارج.

ثم انتقلت إلى الأمام خطوة أخرى حين تقدمت بفكرة الحماية الدولية (التي كانت مصوغة لديها في سياق يفضي إلى التدخل الخارجي)، من خلال قرار من الأمم المتحدة. ولقد شرحها مسؤول العلاقات الخارجية في المجلس الوطني، رضوان زيادة، بأنها تعني اتخاذ قرار من الأمم المتحدة لحماية المدنيين تحت البند السابع من ميثاقها (الذي يعطي حق التدخل العسكري). وبأن الحماية ترتبط بالحظر الجوي، ووجود المناطق الآمنة (برنامج في قناة الـبي بي سي بتاريخ 14/10/2011).

بالتالي، ربما أن الصيغة المتخيلة تقوم على فرض حظر جوي لإقامة مناطق آمنة (على الحدود التركية كما يبدو)، تصبح ملجأ المنشقين العسكريين، وقاعدتهم في الصراع ضد قوات السلطة. وهنا يعاد مشهد تقسيم ليبيا إلى شرق وغرب من خلال قسم سوريا إلى شمال وجنوب، وبدء «حرب التحرير». لكن هذا المنطق لا يلاحظ الفارق الكبير بين البلدين، وخطر تحوّل الصراع هنا إلى حرب تفتيت، من خلال فرض انقسام طائفي. فلا الوضع الجغرافي أو البشري هو كما ليبيا، ولا التكوين المجتمعي كذلك. لهذا سيكون هذا الخيار خيار تفتيت، يمكن أن يقود إلى احتلال عسكري. مما يجعله خياراً عراقياً. بمعنى أن مساحة ليبيا الواسعة وقلة عدد السكان ساعدا على هذا الشكل من الحرب، لكن وضع سوريا مختلف كما يبدو في الواقع. وبالتالي سيفضي القصف إلى تدمير بنى تحتية وقتل أعلى، وصراع أطول. ومن ثم دم أكثر.

وإذا كان هذا «التخيّل» بقوم على دور «الخارج» فلا بد من ملاحظة أن الظروف الدولية لا يبدو أنها تشير إلى إمكانية تكرار السيناريو الليبي، ربما بالضبط لأنه يمكن أن يتوسع إلى تدخل أرضي، في وضع لا الأطلسي ولا الولايات المتحدة مستعدة لحرب في ضوء أزمتها الاقتصادية الخطرة. أو ربما يتعلق الأمر بالموقف التركي بالتحديد لكونها المؤهلة عسكرياً في إطار حلف الأطلسي، ولكون أي قرار للأطلسي يجب أن يأخذ موقف تركيا، التي لا يبدو أنها تريد الحرب، في الحسبان. طبعاً دون أن نتجاهل أن استمرار العنف الدموي بالشكل الذي بات يجري كل يوم يمكن أن يغيّر من المواقف الدولية، حتى لروسيا والصين.

لهذا، سيبدو أن لا أفق للانتفاضة في ضوء تلمس أن الخيار «الوحيد» الممكن هو غير ممكن (إضافة إلى أنه غير مرغوب ومدمر). فإذا كانت الانتفاضة غير قادرة على أن تسقط السلطة وتفرض سلطة بديلة، وليست هناك إستراتيجية ولا قوى سياسية من أجل تحقيق ذلك بفعل عجز المعارضة وعفوية الانتفاضة ذاتها، فما الخيار الممكن إذا قلنا بأن لا خيار سوى انتصار الانتفاضة، وأن السلطة إلى سقوط؟

ما يبدو متوقعاً في ضوء قوة الانتفاضة واستمرارها، وبالتالي عجز السلطة عن الحسم، هو تحوّل من داخل السلطة يقود إلى تحقيق تغيير يستوعب الانتفاضة (مؤقتاً) من خلال تحقيق ما يشير إلى سقوط السلطة. هذا لا يعني إصلاحاً من داخل السلطة بل يعني «انقلاباً» على السلطة يفضي إلى «شطب» القوة الماسكة بالاقتصاد والسياسة والجيش والأمن، ودعوة إلى إعادة صياغة الدولة في تكوين جديد.

هل هذا ممكن؟ وبالتالي نعود بصيغة ما إلى الخيار المصري التونسي؟

إن عجز السلطة عن الحسم سيفرض صيرورة جديدة داخل بنية السلطة بالضرورة. فمن يشعر بأنه سيخسر في أي تحوّل في تكوين السلطة سوف يدافع عن خياره العنيف والدموي في وضع ميئوس منه، لعل (الله) يوجد مخرجاً. لكن هؤلاء ليسوا كل السلطة، ولهذا يمكن أن تتفكك «البنية الصلبة». حيث سيبدو الوضع وكأن السلطة على شفير الانهيار.

المصدر: الأخبار

أزمة الرأسمالية وأوهامها

سنة 2008 شهدت أميركا أزمة مالية كبيرة طالت الرأسماليات الأخرى. لم تحل الأزمة بعد، ولم تتوقف أفاعيلها. وأميركا تنتظر انفجاراً جديداً بعد أن أصبحت مديونيتها أكثر من مجمل دخلها القومي. ولقد دخلت معظم بلدان أوروبا بالأزمة من خلال تراكم مديونية عليها فاقت دخلها القومي.
لقد تراكمت الثروة بيد أقلية ضئيلة جداً وأصبحت الشعوب والدول في أزمة مالية كبيرة. وعملت البلدان الأوروبية من أجل حل أزمة المديونية على فرض سياسات التقشف التي تعني انهيار الوضع المعيشي لقطاع كبير من الطبقات المتوسطة والعاملة.

والتقشف لن يحلّ المشكلة لأن تراكم المال يذهب إلى تلك الأقلية التي لا تني تضخم من ثروتها بدون أن تعرف ماذا تفعل بها سوى الدخول في المضاربة والديون والنشاط المالي متعدد الأشكال. وهو الوضع الذي يهزّ الاقتصاد الحقيقي (الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات)، بدون أن يضيف فائض قيمة (الذي يتحقق فقط عبر العمل)، ويعمّق من مقدرة الشعوب على العيش.

هذا كان في أساس الانتفاضات العربية، وفي أساس الإضرابات وكل أشكال الاحتجاج التي باتت تعم عدداً من البلدان الأوروبية (اليونان وإسبانيا والبرتغال وفرنسا وبريطانيا خصوصاً)، وبدأ يحرّك الشعوب ضد “وول ستريت”، التي تمثّل جشع المال وقدرته التدميرية. ولهذا أصبحت المطالبة بتدمير وول ستريت تقوى في أميركا، وتتوسع عالمياً.

لقد أصبح المال يهيمن على الرأسمال، هذا هو وضع العالم اليوم. ونعني بأنه إذا كان الرأسمال، بالمعنى الاقتصادي، يعني المال الموظف في قوى الإنتاج (الصناعة والزراعة) وفيما يكملها من تجارة وخدمات، وهو ما يسمى الرأسمال المالي، فإن تشبّع الأسواق من خلال ضخ مبالغ طائلة في هذه القطاعات جعلتها لا تستطيع استيعاب توظيف مالي جديد، فرض تحوّل الأرباح الهائلة التي تتراكم (فالرأسمالية تتسم بفيض الإنتاج وفيض الأرباح معاً) إلى نشاط مالي محض (وهو ما كان يسمى في القرون الوسطى بالربا). سواء تعلّق الأمر بالديون أو بالمضاربة على العملة والسلع والعقار، أو بنشوء أشكال جديدة هي تنويع على النشاط المالي (تسمى المشتقات المالية). هذا المال، بعد أن لم يعد رأسمال، هو الذي أصبح يعمّق من أزمة الرأسمالية، ويدفعها من انهيار إلى آخر، ومن تراكم مشكلة إلى تضخمها. بالتالي أصبح يخلق فوضى عالمية تقود إلى انهيارات اقتصادية متكررة، والى انهيار الوضع المعيشي لقطاعات كبيرة من شعوب العالم. فهذا النمط من النشاط يضخّم من الأسعار بدون أن يحقق فائض قيمة، وبالتالي يؤسس لنشوء فقاعات سرعان ما تنفجر، فتهلك فئات اجتماعية واسعة.

فمثلاً مجمل الدخل العالمي هو حوالي 44 تريليون دولار، بينما بلغت حركة المال ألفي تريليون دولار، أي ما يقارب الخمسين ضعفاً. والفارق هنا يمثّل تضخم قيم ولا يعبّر عن إنتاج حقيقي. وفي هذا الوضع طبعت الولايات المتحدة ما يقارب الـ 600 تريليون دولار، بينما يبلغ ناتجها القومي الـ 14 تريليون دولار.

هنا نلمس تضخم المال، وتحكّمه بالرأسمال. وهو الأمر الذي يغرق العالم في أزمة لا حل لها، وتفرض انهيار الوضع المعيشي ليس في الأطراف فقط بل في بلدان المراكز كذلك. ويبدو أنه بات يستنهض موجة عالمية ضده، ربما كانت تطويراً لحركة مناهضة العولمة التي بدأت منذ بداية هذا القرن.
لكن هناك عندنا من لا يزال يحلم بالرأسمالية.

المصدر: الغد

 

الإمبريالية.. علاقة اقتصادية

يُنظر للإمبريالية كدور سياسي تدخلي احتلالي، وكموقف لبعض البلدان الرأسمالية ضد الشعوب أو الدول الأخرى. ولهذا نلحظ دعم الإمبريالية الأميركية للدولة الصهيونية وتسليحها، ونلاحظ احتلالها العراق، أو “هجومها” السياسي على دول “الممانعة”. وعلى ضوء ذلك، يصبح العالم منقسماً إلى الإمبريالية وعكسها أو المضاد لها، لينشأ كل تحليل انطلاقاً من هذه الثنائية (التي هي جوهرة العقل السائد)، ولتصبح المسألة: مع وضد انطلاقاً من هذا القسْم.

بالتالي، السياسة هي التي تحدِّد الإمبريالية، وهي هنا تصبح مساوية للاستعمار وليس تركيباً جديداً نتج عن تطور الرأسمالية، وأصبح هو جوهرها. ومن ثم يُنظر لها من زاوية تدخلها واحتلالها ودعمها، أي نشاطها السياسي العسكري بالتحديد. طبعاً هذه نظرة “سياسوية”، أي تنطلق من “الشكل السياسي” فقط، وهي نظرة تنم عن عقل أحادي يقسم العالم إلى: مع أو ضد. وبالتالي تخضع لمنطق صوري موروث من القرون الوسطى. إذ يبدو العالم كقوى متصارعة “في السياسة”، لهذا كل من هو ضد الإمبريالية فهو حليف، وصديق، وكل من يختلف معنا هو إمبريالي. وفي هذا يغرق من ينطلق من هذه النظرة في تناقضات جزئية تحكم البلدان الإمبريالية ذاتها، أو تقوم بين هذه البلدان ونظم أو قوى قروسطية. فالأساس أن الإمبريالية هي المركز (الحلقة المركزية)، وكل من اختلف معها هو “معنا”.

هذه هي طبيعة “العقل السياسي” الرائج، وهي التي تقود إلى الوقوف ضد الشعوب من أجل نظم “ممانعة” (فقط ممانعة، وليس معادية).

لكن الإمبريالية علاقة اقتصادية قبل أن تكون موقفا ودورا سياسيا. وما هذا الموقف وهذا الدور سوى التعبير عن هذه العلاقة الاقتصادية. فليست المسألة بالنسبة للدول هي مسألة سيطرة من أجل السياسة، إلا في حالات محدودة، بل هي سيطرة من أجل النهب. والإمبريالية قامت على تركيب وضع الأطراف بما يجعلها مجال نهب، من دون مقدرة على بناء اقتصاد حقيقي، زراعي أو صناعي. ولهذا فرضت خلال فترة الاستعمار بناء اقتصاد ليبرالي لكي يكون مفتوحاً على منافسة غير متكافئة تقود إلى عجز عن بناء الصناعة وتعريض الزراعة للدمار جراء المنافسة. وهنا يكون الاقتصاد المفتوح هو أساس العلاقة الإمبريالية، لكي يتعرض الاقتصاد المحلي لتنافس غير متكافئ يكيّفه وفق الآليات الاقتصادية الإمبريالية، التي تريد السوق لبيع السلع، وكمجال لنهب المواد الأولية بأسعار رخيصة، ولكي ينشط المال المضارب بكل حرية ممكنة.

على ضوء ذلك، يتمحور النشاط الاقتصادي حول الخدمات والسياحة والعقارات والبنوك والاستيراد، بينما ينهار الاقتصاد المنتج المحلي، ويتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي. هذا هو الشكل الأرقى للسيطرة الإمبريالية، أو للإمبريالية كقوة مسيطرة عالمياً. هذا ما تريده الطغم المالية الإمبريالية من بلدان الأطراف، وهو ما تعمل على فرضه، سواء بالضغط السياسي والاقتصادي، أو بالتدخل العسكري. وبالتالي، فإن كل “السياسة” الإمبريالية هي من أجل هذا التحويل الاقتصادي الذي يضمن سيطرة اقتصادية للطغم الإمبريالية، ويفتح لسوق واسعة للسلع الإمبريالية. الحرب وكل أشكال الضغط هي إذن، لكي تهيمن الإمبريالية اقتصادياً، وليس لأنها تحب هذه الممارسات. لهذا فالسياسة هي الممهد للسيطرة الاقتصادية، وليست مكتفية بذاتها.

ومن ثم، إذا قامت سلطة طرفية بتحقيق هذا التحويل الاقتصادي المحلي، فما قيمة الموقف السياسي؟

هذا هو وضع سورية.

المصدر: الغد

الانتفاضة والثورة

كلما برزت ظاهرة ما ظهر الاختلاف والتناقض في المصطلحات، وظهر كم نحمّل المصطلحات كمية شحن أيديولوجي، الأمر الذي يفقد إمكانية أن تكون هي “الرموز” التي تسمح لنا بالتفاهم حول الأفكار. فالمصطلح تعبير يشير إلى مسألة، تبلور خلال تطور الفكر عموماً، وبالتالي أصبح متوافقاً عليه.

ومنذ اندلاع الانتفاضات في البلدان العربية ظهر الخلاف حول طبيعة ما يجري، هل هو ثورات أم انتفاضات، أم حراك؟ حيث يجري تصنيف كل مصطلح في صيغة معينة، كما يجري هذا التصنيف بشكل غير ممنهج وبشكل عشوائي ما يجعل المعنى مختلفاً من شخص إلى آخر تبعاً للاتجاه الأيديولوجي، أو حتى في الاتجاه الأيديولوجي ذاته.

فالثورة يجب أن تكون منظمة، ويقودها حزب، وواضحة الأهداف؛ أو يجب أن تهدف إلى تغيير النمط الاقتصادي؛ أو يجب أن تكون منتصرة. كل هذه الـ”يجبات” هي حمل أيديولوجي يلقى على تعبير سياسي بسيط، يُقصد به التمرد على السلطة من قبل الشعب، سواء كان الشعب كله أو جزء منه، وسواء كان واضح الأهداف أو غير واضح الأهداف، وأيضاً سواء انتصر أو انهزم (فالتاريخ يحوي آلاف الثورات المهزومة). هذا هو المصطلح في معناه السياسي بدون تزيّد أيديولوجي، أو شطح ذاتي.
ولهذا، ما يجري في البلدان العربية هي ثورات، رغم عفويتها وعدم وضوح أهدافها في بعض البلدان، ورغم أنها لا تؤدي إلى تغيير الطبقة الرأسمالية المسيطرة، أو تؤسس لحكم الطبقات الشعبية. أما مسألة وجود حزب وأهداف واضحة وتكتيك، فهي ضرورة لكي تنتصر الثورة وتؤدي إلى تغيير حقيقي يعبّر عن الطبقات الشعبية. ولأن الثورات العربية ليست كذلك، فإن نتائجها ليست أكثر من تغيير شكلي في بنية السلطة، من دون أن يحقق مطالب الطبقات الشعبية. ولهذا بالضبط ستستمر في الصراع لكي تصل الثورة إلى منتهاها الطبيعي، الذي يتمثل في انتصار هذه الطبقات.

أما كونها انتفاضة فهذا صحيح كذلك، لأن الانتفاضة هي شكل التعبير عن الثورة (مثل العمل المسلح أو الإضراب العام أو العصيان المدني). فالثورة تتخذ شكل التظاهر الشعبي كتعبير عنها. فالحراك الشعبي الذي ربما يبدأ بأشكال احتجاج ويتوسع إلى تظاهرات يتحوّل إلى انتفاضة شاملة حين يشمل الطبقات الشعبية. وفي الغالب تكون الانتفاضة عفوية و”انفجارية”، يمكن أن تشمل كل الشعب أو مناطق معينة فقط.

بالتالي، وما دامت المصطلحات هي توافق على كلمات لكي تكون أساس تركيب الأفكار من أجل أن تقود إلى تفهّم متبادل، لا بد من التزام تاريخية المعنى الذي يُعطى للكلمات، وإلا تعمم التشوش الفكري، ونشأت التناقضات نتيجة هذا الاختلاف. وربما هذا ما نلحظه في الوطن العربي، حيث التشوش والتخبط، وحيث التصارع رغم عدم الاختلاف أحياناً.

وبهذا، فما يجري في البلدان العربية هو انتفاضات كذلك. وبالتالي فالانتفاضة ليس في مرتبة أقل من الثورة، بل هي شكلها. لهذا لسنا بحاجة إلى “فذلكات” حول ماهية ما يجري، ما يهم هو أن نسأل: لماذا ليس هناك أحزاب تستطيع أن تلعب دوراً فيها، وأن تقودها إلى الانتصار الذي يعني الإسقاط الحقيقي للنظم، بما هو إنهاء للنمط الاقتصادي وللسلطة السياسية؟
هنا يتمحور كل ما يمكن أن يفتح نقاشاً، أو ما يجب أن يفتح نقاشاً.

المصدر: الغد

الانتفاضات العربية: صيرورتها وتطوّرها نحو التـغيير الحقيقي

المسألة التي باتت تشغل الثوريين في الوطن العربي هي موضوع الالتفاف على الثورات الذي بدأ مع الثورة التونسية، وتوسّع ليشمل العديد من البلدان العربية. فقد مرت شهور، ولم يتحقق تغيير جدّي، وأصبح واضحاً أنّ الأمور لا تزال كما هي، كما في تونس ومصر. فما يجري يشير إلى أنّ «السلطة الجديدة» لم تغيّر شيئاً من بنية الدولة أو الاقتصاد، ولم تحقق أيضاً أمراً من مطالب الطبقات التي انتفضت، وأنّها تراوغ من أجل الحفاظ على البنية ذاتها، في الاقتصاد، ومع تعديل هامشي في شكل السلطة السياسية.

أوحى ذلك الوضع بأنّ الثورات قد أُجهضت، أو أنّه قد جرى الالتفاف عليها، أو أنّها سُرقت، كما شاع في مصر. وفتح على انتشار تحليلات تقول إنّ الثورات كلّها «مؤامرة أميركية»، من أجل تنفيس الاحتقان الاجتماعي من جهة، وتحقيق تغيير في شكل السلطة يحافظ على المصالح الاستراتيجية الأميركية من جهة أخرى. وتدخل في ذلك الموافقة الأميركية على إشراك الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) في «النظم الجديدة». وكان انتقال الثورات إلى ليبيا وسوريا خصوصاً، مؤكِّداً لتلك «النظرية»، إذ يعدّ النظامان الحاكمان في صف النظم «الممانعة».
لكن من المبكر القول إنّه جرى الالتفاف على الثورتين في تونس ومصر، وإنّه يمكن سرقتهما، وأصلاً لم يعد ذلك ممكناً بعدما نهضت الشعوب من أجل بناء مستقبلها، لكن لا بد من ملاحظة أنّ منطقاً صورياً يتحكم في النظر إلى تلك الثورات، هو الذي يوصل إلى تلمس الالتفاف عليها وإجهاضها. فالانتفاضات حدثت واستشهد من استشهد، وعادت السلطة إلى موضعها! المنطق السكوني هنا، ينطلق من أنّه لم يكن هناك ثورة (ولم يتوقعها)، ثم حدثت الثورة (فاندفع مؤيداً وحالماً)، ثم وجد أنّ أحداً آخر قد سرقها، أي الجيش الذي يعمل على إعادة بناء تماسك السلطة القديمة بأشخاص جدد، وأشكال جديدة. ووفق المنطق الصوري، كل لحظة من تلك اللحظات الثلاث منفصلة عن الأخرى، ولا رابط بينها، وبالتالي لا استمرارية ممكنة. والأساس هنا هو العجز عن مسك أساس ثورة الطبقات الشعبية تلك، والمدى الذي يمكنها أن تصارع من خلاله لتحقيق مطالبها. وبالتالي هل ما تحقق يفي بالغرض بالنسبة إليها، أي يحقق مطالبها؟ وهل لديها مقدرة على إكمال الصراع حتى النهاية؟
إنّ انتصار الثورة يعني تحقيقها لأهدافها التي تطرحها الطبقات التي تكوّن قوتها، ولا شك في أنّ الأهداف المعلنة أو المضمرة تتمثل في العمل والأجر والتعليم والصحة، والدولة الديموقراطية التي تضبط تغوّل الأجهزة القمعية وتسيّد القانون عبر القضاء. فالشعب كان يعاني الإفقار والتهميش، وكذلك الاستبداد السلطوي الفظيع، وكان يطمح إلى وضع جديد يحقق أهدافه تلك. وهو الأمر الذي كان يعني تغيير الطبقة المسيطرة (الرأسمالية ذات الطابع المافياوي) وبنية الدولة التي ضخّمت الأجهزة البوليسية، من أجل حماية النهب الذي تمارسه المافيا تلك.
وإذا كانت الثورة قد أفضت إلى انفلات النشاط الحزبي بعد قمع دموي طويل، وانفلات حركات الاحتجاج الاجتماعي، فإنّ قبول قادة الجيش بالتغيير (في تونس ومصر) لم يتجاوز إمساك السلطة من أجل إعادة بنائها، بما يكرّس الطبقة الرأسمالية المافياوية سلطة مستمرة، عبر التغيير الشكلي. لذلك يقال إنّه قد حدث التفاف على الثورة، وإنّها سرقت. الأمر الذي يفتح على الإحباط و«الكفر» بكل الثورات.
لماذا حدث ذلك؟ لماذا لم تحقق الانتفاضة سوى ذلك «التغيير»؟ لماذا لم تغيّر بنية السلطة كلّها وتسقط الطبقة الرأسمالية المافياوية المسيطرة؟ أو لماذا أصبح بإمكان تلك الطبقة المناورة من أجل الحفاظ على سلطتها؟
لا شك في أنّ ما حدث ليس صدفة، ولم يكن نتيجة خطأ، أو مؤامرة، بل نتج عن ظرف موضوعي، فرض أن يكون بإمكان الطبقة المسيطرة المناورة. وهو الوضع الذي يعني أنّ الثورة لم تمتلك قيادة تفرض البديل الطبقي. فقد تمردت الطبقات الشعبية، لكنّها لم تستطع تغيير السلطة.
في البدء لا بد من أن نتلمس لماذا انتفضت الطبقات الشعبية الآن؟ لقد عانت تلك الطبقات طويلاً الاستبداد، وشهدت السحق الإمبريالي طوال عقود، وعاشت الفقر خلال السنوات الطويلة السابقة، لكنّها انتفضت الآن. يرتبط ذلك الموضوع بالمآل الذي وصلت إليه، والكلام عن الالتفاف على الثورة وسرقتها. فقد ثارت الطبقات الشعبية وبدا أنّها انتصرت، حين جرت تنحية الرئيس وترحيله، لكن كانت الصدمة حين تبيّن أنّ شيئاً لم يتغيّر بعد ذلك.
لا تميل الطبقات الشعبية إلى خوض الصراع، وخصوصاً ضد النظم. ذلك هو الطابع العام لوضع الطبقات الشعبية في مجتمعات متخلفة استبدادية، لكنّها تفاجئ بانتفاضة هائلة، توضح مدى الأزمة التي تعيشها، ومدى الإفقار الذي باتت تعيشه، ويجعلها تحسّ بأنّها لا تستطيع العيش. فهي تتحمل الاستبداد والسحق، لكنّها لا تستطيع تحمّل العجز عن توفير الحياة. ولذلك تتحوّل من كتل هامدة، يقال إنّها خاضعة وخانعة، إلى قوة هائلة تهزّ النظم بصلابة فائقة، واندفاع ثوري.
ذلك ما شهدناه منذ انطلاق شرارة الثورة في تونس من سيدي بو زيد، وتوسعت في الوطن العربي. انفجرت الطبقات الشعبية، لكي تطيح النظم، في مفاجأة أذهلت النظم والإمبريالية، وحتى الأحزاب المعارضة، والشيوعية منها بالأساس. وأظهرت من الصلابة والقوّة ما فرض الركض نحو امتصاص الثورة قبل أن تستفحل. لكن لماذا خرج هؤلاء؟ لماذا انتفض الشعب بتلك القوة والجرأة؟ يمكن أن نتلمس الوضع الذي سبق الانتفاضات، وخصوصاً في العقدين الأخيرين، لكي تتوضح مسألة الانفجار الاجتماعي الكبير.
لقد كانت استبدادية النظم واضحة منذ عقود، إذ كانت تقوم على السيطرة الشمولية على المجتمع، ليس بالقوة العُنفية فقط، بل من خلال السيطرة على كل أشكال التعبير المجتمعي، مثل النقابات والاتحادات والأندية والمؤسسات الاجتماعية، والدينية، والتعليمية. وقمعت كلّ سياسة، سواء على صعيد التبلور التنظيمي (الأحزاب) أو على صعيد الفكر والثقافة عموماً. كان القمع السياسي سمة موحدة، وكذلك الهيمنة النقابية، وتغييب الثقافة السياسية. وبالتالي تدخّل المؤسسات الأمنية بكل خصوصيات الأفراد، والمضايقة في العمل والحياة.
كان ذلك الوضع يطاول كلية المجتمع، والنخب على نحو مباشر. النخب التي تمتلك الرؤى السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وهي في تناقض مع النظم، مما يوقع عبء القمع المباشر عليها. وإذا كانت العديد من النظم قد عملت على تحقيق الانفراج الديموقراطي، بعد انتفاضات طاولتها في ثمانينات القرن العشرين، فقد ظل ذلك الانفراج جزئياً وشكلياً إزاء سلطة بوليسية كان يتعمق طابعها ذاك أكثر فأكثر، منذ التسعينات. وهو الوضع الذي فرض تهميش الأحزاب المعارضة، وتقليص النشاط الفكري والثقافي، وأسس لقطيعة بين الأحزاب والشعب، في وضع كان يتعمم فيه وعي سطحي ومتخلف على نطاق واسع، إذ كانت تنتشر الأصولية الركيكة، والتفاهة الثقافية، وتتعمم العبثية أو «التديّن» الشكلي.
في العقدين الماضيين، شهد الوطن العربي زحفاً إمبريالياً هدف إلى السيطرة العسكرية والسياسية. فبدأت الحرب الأولى على العراق في 1991، وحوصر سنوات بعدها. وتعرّض الشعب الفلسطيني لهجمة صهيونية، وكذلك توسع الوجود العسكري الأميركي ليشمل معظم البلدان العربية. وجرى العمل على تأسيس «الشرق الأوسط الجديد» على أنقاض العرب، هؤلاء الذين أصبح الهدف الإمبريالي يقوم على تفكيكهم إلى أديان وطوائف وقبائل.
لكن، رغم تفاعل الطبقات الشعبية مع الأحداث تلك من خلال رفض الاحتلال الأميركي ودعم الشعب الفلسطيني، فقد كان الارتباط بالمراكز الإمبريالية يفرض إعادة بناء التكوين الاقتصادي المحلي في صيغة أفضت إلى تهميش كتلة كبيرة من الشعب، وجعلته مفقراً. ولا شك فقد كان الاستبداد، والسيطرة الإمبريالية، عنصرين يفرضان هذا الفعل الداخلي، الذي قام على النهب المنظم والشامل لثروة المجتمع.
وإذا كانت الخصخصة هي السياسة التي سادت بعد الحقبة الناصرية، واقتضت التخلص من دور الدولة الاقتصادي والتخلي عن مؤسسات «القطاع العام» لمصلحة «رجال أعمال جدد» أتوا من صلب السلطة، وأفضت إلى موجة الانتفاضات منذ انتفاضة 18 و19 كانون الثاني في مصر، إلى انتفاضة المغرب في1990مروراً بانتفاضات تونس والسودان ومصر والجزائر والأردن. إذا كانت موجة الخصخصة قد اقتضت ذلك، فقد دخلنا في إنشاء نمط اقتصادي جديد منذ انهيار المنظومة الاشتراكية واندفاع الرأسمالية الإمبريالية إلى تعميم العولمة. العولمة التي كانت تتجه إلى التخلص من كل إنتاج في الأطراف. وبالتالي كانت تمثل «رأسمالية محلية» ذات طابع مافياوي لأنّه يقوم على تعميم النهب المحلي من جهة، وريعي لأنّه يتركز في الخدمات والعقارات والاستيراد والبنوك، أي القطاعات الاقتصادية غير المنتجة، التي تنشّط قطاعاً هامشياًَ يستوعب كتلة صغيرة من السكان، وبالتالي يهمش الكتلة الأكبر. فتلك الكتلة لا تعود تجد فرصاً للعمل، ولا يسمح لها ذلك النمط بزيادة أجورها لأنّه لا ينتج فائض قيمة، ومن ثم يفقرها لأنّه يخضعها لسعر عالمي لكل السلع، مما يجعلها في مواجهة الموت. في الوقت نفسه، يقود إلى تمركز الثروة في أيدي قلّة تمثل السلطة، وتؤسس لدولة بوليسية مهمتها قمع المجتمع المهّمش، وضبط عملية النهب الفظيع للثروة الوطنية. وهي العملية التي تفرض العنف من قبل السلطة، وتستدعي الشكل البوليسي الاستبدادي لها. لينشأ تحالف سلطوي مافياوي هو الممسك بمقدرات المجتمع، ويكون مدخل الطغم المالية الإمبريالية لممارسة كل أشكال النهب، في حماية السلطة «التابعة» أو العميلة.
تبلور ذلك الوضع في العقدين الأخيرين، في كل البلدان العربية، بما في ذلك البلدان النفطية الريعية أصلاً، إذ تمركز النشاط الاقتصادي في الخدمات والعقارات والاستيراد والبنوك والسياحة، وتمركزت الثروة في يد أقلية، هي «عائلة» السلطة ومحيطها، وتشكلت الأجهزة البوليسية التي هي أقرب إلى «الشركات الأمنية الخاصة»، وفرق «مكافحة الإرهاب» (الذي ظهر دورها واضحاً في القمع الوحشي للشعب خلال الانتفاضات)، وأصبحت النظم ملحقاً أميركياً بامتياز. في المقابل، تعممت البطالة وانتشر الفقر المدقع، وباتت كتلة مهمة من الشعب خارج «الحياة» بعدما أصبحت خارج العملية الاقتصادية.
وازداد الوضع سوءاً نتيجة الأزمة المالية الإمبرالية المستمرة بسبب النهب المالي الذي طاول تلك البلدان (خسرت بلدان الخليج حوالى 3 تريليونات دولار)، وارتفاع الأسعار الذي نتج من المضاربة في أسواق النفط والمواد الغذائية. ومن حاول قياس مدى تصاعد التوتر لدى الطبقات الشعبية منذئذ، لمس كيف بدأ الاحتقان الاجتماعي في التصاعد (بدء الإضرابات العمالية في مصر في 2007، وتونس في الحوض المنجمي في 2008، وكذلك في المغرب والجزائر).
كذلك، أدى اختلال في التكوين الاقتصادي إلى تدمير الصناعة والزراعة، وإلى تهميش كتلة شعبية كبيرة. وإفقار طاولها نتيجة البطالة والتدني المريع في الأجور. وانهيار في التعليم الذي لم يعد مجانياً في الغالب، والصحة التي باتت تعرض لكل ممارسات المافيا التي جلبت كل قاذورات العالم المضرة بالصحة (من النفايات النووية، إلى المواد المسرطنة، إلى الأغذية الفاسدة والمضرة، إلى الأدوية المنتهية الصلاحية، إلى تدمير البيئة). فكيف يمكن أن يرد مجتمع يموت، أو يُدفع نحو الموت؟ عبر الثورة حتمياً.

أزمة الانتفاضات

إنّ الانتقال من فعل شعبي إلى تغيير سياسي يقوم فقط من خلال وجود الأحزاب السياسية التي تربط بين فعل عفوي وعمل منظم يهدف إلى تغيير السلطة. أحزاب تعي وضع الطبقات الشعبية، كما تعي مدى التغيير الضروري من أجل تحقيق مطالب هذه الطبقات. وإذا كانت الانتفاضات عفوية، انفجرت نتيجة تصاعد الاحتقان، ولا تحمل البديل الطبقي السياسي الذي يعبّر عن مصالح الطبقات التي انتفضت، نتيجة أنّ الطبقات الشعبية لا تمتلك الوقت والمقدرة على صياغة البديل السياسي وحدها، فقد بدا واضحاً أنّه لم تخرج من صلبها أحزاب تؤدي دور المنظم والموجه والموضح للأهداف، لكي تنتقل من العفوية إلى الفعل المنظم الذي يهدف إلى تغيير السلطة، ويؤسس الاستراتيجية التي تجعل تلك الطبقات قادرة على ذلك.
ما هو واضح إلى الآن، هو أنّ الأحزاب القائمة التي تقول إنّها تعبّر عن الطبقات الشعبية، ونشطت في المعارضة، لم تكن، ولا تزال غير قادرة على أن تنظم تلك الانتفاضات لكي تفرض بديلها. لقد فوجئت بالانتفاضات، وارتبكت في التعامل معها. هي اندمجت فيها، وفي الغالب باتت ملحقاً للقوى الشبابية التي تقودها، أو دون أيّة فاعلية على الإطلاق. من الواضح أنّ الانتفاضات يقودها الشباب الذي لم يكن في الغالب على تواصل مع السياسة، لا على المستوى التنظيمي ولا على مستوى الفكر، ويميل قطاع كبير منه إما إلى التديّن أو إلى العبثية، نتيجة عجزه عن مواجهة الأزمة التي دخل فيها، قبل أن ينتقل إلى التمرد والتغيير كمخرج وحيد لا يمتلك ترف الهروب منه.
خلال العقدين السالفين، اتبعت تلك الأحزاب سياسة كانت تنقسم إلى شقين. الأول ركّز على مواجهة «الهجمة الإمبريالية»، والثاني ركّز على مواجهة الاستبداد من أجل التحوّل الديموقراطي بعدما أفصحت النظم عن عمق استبداديتها، حتى وهي تسمح بإنشاء الأحزاب وبحرية الصحافة (مثل مصر). وبالتالي أصبح النضال الديموقراطي هو الأساس في نشاط تلك الأحزاب، وقامت التحالفات على أساس ذلك. وبدا أنّنا ندخل مرحلة من النضال الديموقراطي الذي يتركز على تغيير شكل النظم الاستبدادي، وعلى النشاط «السياسي» لمواجهتها.
بمعنى أنّ المنطق الذي كان يحكم عمل جل الأحزاب (واليسارية خصوصاً) يتمحور حول ما هو «سياسي»، وأصبحت الثقافة التي تتداولها في صحافتها، وحتى في تثقيفها ونشاطها تتعلق إما بخطط الإمبريالية وسياساتها و«مؤامراتها»، أو بالديموقراطية والدولة المدنية ومقاومة الاستبداد. في وضع كانت فيه الطبقات الشعبية تُسحق وتفقر، ويتصاعد الاحتقان لديها، دون أن تتلمس تلك الأحزاب أياً من ذلك. وظهر ذلك واضحاً لحظة انفجار الانتفاضات، إذ بدا أنّ الأحزاب كانت تغط في نوم عميق، أربكها انفجار الشارع، فهرولت لكي لا يقال إنّها غير معنية. فرحت الأحزاب التي تمحور نشاطها ضد النظم من زاوية الديموقراطية، وصاغت الانتفاضة بما يناسب تلك المسألة، لتبدو كانتفاضة من أجل الحرية والديموقراطية. وارتبكت الأحزاب التي يتمحور نشاطها ضد الإمبريالية، وخصوصاً حين وصلت الانتفاضات إلى ليبيا واليمن وسوريا.
بالتالي، لم تكن تلك السياسة تنطلق من وعي لواقع الطبقات الشعبية، بل مما هو «سياسي». ولم ينتج ذلك عن خلل في التكتيك، بل عن خلل بنيوي يتعلق بالوعي الذي يحكم تلك الأحزاب. وعي يعبّر عن الطابع الطبقي لأعضائها، إذ كانت من الفئات الوسطى التي لا ترى «تحتها»، بل تنظر إلى ما فوقها لأنّها تطمح إلى الصعود. وهو الأمر الذي يجعلها تتعلق بالسياسي، دون لمس القاع الذي يقوم عليه، أي الاقتصاد. وبالتالي دون لمس وضع الطبقات المفقرة ومشكلاتها وأزماتها. حتى الشيوعيون عانوا ذلك، لأنّهم لم يمتلكوا الفهم ولا الجدل الماديين، وظلوا ينحكمون لوعي الفئات الوسطى ولمصالحها، مع تلوينات تتعلق بـ«العدالة الاجتماعية».
إذن، يمكن القول إنّ الأحزاب كانت تعبّر عن أوهام الفئات الوسطى، الذي طمح بعضها في أن يجد لذاته حيزاً في «الرقعة السياسية» من خلال إيجاد السلطة الاستبدادية هامشاً ديموقراطياً، أو التعلق بـ«المجرد العام» المرتبط بالقضية الوطنية، دون آليات عملية تحدد دور الأحزاب في الصراع ضد الإمبريالية، غير البيانات واللقاءات.
لذلك، حين حدثت الانتفاضات لم يكن من فعل سياسي نظّم نشاط الطبقات الشعبية قبلها، ولم يكن لها حين انتفضت قيادة سياسية تحدد مطالب الطبقات الشعبية، وتحدد التكتيك الضروري لتطورها لكي تسقط الطبقة المسيطرة وسلطتها وأجهزتها، عبر تسلّم السلطة. فتنشئ ميزان قوى على الأرض يشير إلى أنّ قوة الطبقات الشعبية لا توصل إلى فرض بديلها، في مواجهة سلطة تدافع بشراسة عن سلطتها. ذلك ما يظهر في ليبيا واليمن وسوريا، إلى الآن. وفرض تسارع المركز الإمبريالي إلى فرض بديل، عبر دور الجيش الذي ترتبط قيادته مع المركز، والإيهام بأنّه يحمل مطالب الطبقات الشعبية، وسيحققها. بالتالي يمكن القول إنّ الطبقة المسيطرة والمركز الإمبريالي سارعا لمنع توسع الانتفاضة وتجذرها، من خلال تغيير شكلي في بنية السلطة، صدّقه قطاع من الطبقات الشعبية، مما أوقف زحف الانتفاضة، وأنهى الحشد الكبير، وإن ظل هناك من يضغط أو يشكك.
المسألة هنا، تتعلق بقبول الخطوة التي قام بها الجيش كانتصار للثورة، لكن المشكلة الأهم تتمثل في أنّ غياب حزب يعي كيف يطوّر الانتفاضة، جعل إمكان الحشد وتكتيك الاستيلاء على السلطة غائبين. وهنا يمكن العودة للبحث في أزمة الأحزاب الماركسية في علاقتها بالعمال والفلاحين الفقراء، وبالطبقات الشعبية عموماً.

مسار الالتفاف

لا نستطيع الحديث هنا سوى عن تونس ومصر، حيث «انتصرت» الانتفاضة، أو يجري الالتفاف عليها، رغم أنّه لا بد من نقاش مآل كلّ الانتفاضات، من أجل تحديد ما هو ممكن الآن، ووفق ميزان القوى السياسي والطبقي القائمين، لكن ربما سيكون مآل معظم الانتفاضات الأخرى مشابهاً لما يجري في تونس ومصر، لأنّ «البديل الثوري»، أي الحزب الماركسي الذي يمتلك استراتيجية تغيير، ليس موجوداً، وكل الأحزاب الأخرى لا تقارب النمط الاقتصادي القائم، وبالتالي تفتح على استمرار الصراع.
إنّ عدم مقدرة الطبقات الشعبية على التحوّل إلى قوّة تغيير تفرض إسقاط السلطة، وقيادة مرحلة انتقالية من قبل قوى الثورة ذاتها، فتحا على المسارعة إلى محاولة إجهاض الانتفاضة، من خلال التغيير في الأشخاص، والإيهام بأنّ الجيش يحمل طموحات الشعب. أدت تلك الخطوة إلى توقف الانتفاضة، سواء نتيجة الشعور بالانتصار أو نتيجة تفكك الجموع. فانتقل الأمر إلى بدء مرحلة انتقالية يقودها الجيش، أدت تحت الضغوط إلى حل الحزب الحاكم، والحل الشكلي للأجهزة الأمنية، وإبعاد وجوه السلطة السابقة، لكن السلطة «الجديدة» تمسكت بالنمط الاقتصادي، كما تمسكت بمجمل السياسات السابقة، ومجمل التحالفات، مع تغيير محدود.
وإذا كان «التخلص من الدكتاتورية» هو الهدف الذي تطرحه «السلطة الجديدة»، وتصبح إعادة صياغة السلطة هي الهدف المباشر من قبلها، ما يبدو واضحاً هو أنّ ما يجري العمل على تحقيقه هو إعادة إنتاج سلطة سياسية، لا تختلف عما كان، وتعبّر عن مصالح الطبقة المسيطرة ذاتها، الرأسمالية المافياوية، ربما مع تنازلات «طبقية» لمصلحة شرائح رأسمالية أوسع، وسياسية لمصلحة قوى سياسية أكبر، لكن بما يحافظ على النمط الاقتصادي الريعي التابع ذاته. ولذلك ستكون «العملية الديموقراطية» هي ذاتها عملية إعادة إنتاج السلطة القديمة بأشكال جديدة. تلك الأشكال التي يمكن الحدس بها منذ الآن، إذ يبدو واضحاً أنّ الإسلام السياسي (حركة النهضة في تونس، وجماعة الإخوان المسلمين في مصر) أصبح في تحالف وثيق مع «السلطة الجديدة»، ويعمل لأن يكون جزءاً من السلطة، عبر الانتخابات القادمة. وهو ليبرالي على الطريقة المافياوية ذاتها، ومتكيّف مع العلاقة مع الإمبريالية الأميركية خصوصاً، ويمكن أن يتكيف مع مجمل السياسات المعروفة. ولقد أُبعد سابقاً نتيجة التمركز الشديد في السيطرة على الثروة من قبل المافيات الحاكمة.
وهناك المعارضة الليبرالية التي كانت تطالب بتوسيع حيّز الحراك السياسي دون أن تكون معنية بالنمط الاقتصادي، وربما أشارت إلى الفساد فقط، ولا شك في أنّها سوف تتوافق مع «السلطة الجديدة»، وتعمل على أن تكون جزءاً من السلطة التي تنتج عن الانتخابات.
ومن ثم، فإن المرحلة الانتقالية التي يشرف عليها الجيش هي مرحلة إنجاح هذه القوى لكي تمثل القاعدة لسلطة جديدة تعبّر عن الرأسمالية المافياوية ذاتها. وهنا ستنفرز الانتفاضة بين تلك القوى الليبرالية والطبقات الشعبية ذاتها التي تريد تحقيق ما هو أعمق من ذلك. إنجاح ذلك يتحقق عبر ثلاث مسائل:
1) استمرار بنية الدولة القديمة، وسيطرتها على العملية الانتخابية، سواء عبر الضغط الأمني أو ألعاب البيروقراطية، أو التحيّز الإعلامي والسياسي. إنّ عدم إعادة بناء أجهزة الدولة كلّها، من الأجهزة الأمنية إلى الإعلام، لن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج قوى السلطة ذاتها، مهما كانت الانتخابات «حرة».
2) استمرار اعتقاد بعض الفئات الاجتماعية التي شاركت في الانتفاضة، بأنّ تلك الأخيرة انتصرت، وأنّ السلطة الجديدة تعمل من أجل التغيير، وأنّ الانتخابات ستكون مدخلاً لذلك. وفي ذلك الإطار، ستلعب الأحزاب التي كانت في المعارضة على تلك النغمة، من أجل الوصول إلى السلطة.
3) غياب التعبير السياسي عن الطبقات الشعبية، ورغم أنّ الانتفاضة قد دفعت كتلاً كبيرة من الشباب الثوري إلى ميدان الصراع السياسي، فلا يزال تبلور هؤلاء في أحزاب تعي مصالحها، وتعبّر عنها، بعيد المنال. ورغم أنّ الثورات مدرسة للتعلم إلا أن تبلور الحزب بحاجة إلى زمن أطول. ولقد لعبت السلطة الجديدة على الزمن من خلال الدفع لإجراء انتخابات في فترة قصيرة لا تسمح سوى باستفادة الأحزاب القائمة، وإنجاح الترتيب المسبق للسلطة الجديدة لكي تعيد إنتاج ذاتها.
هنا أصبح التكتيك المتبع ينطلق من التركيز على تحقيق الديموقراطية (وعودة الجيش إلى ثكنه) التي تعني ترتيب إجراء انتخابات للهيئة التشريعية التي تعمل على كتابة دستور جديد يؤسس لمرحلة جديدة. وهي انتخابات تجري تحت الضغط الأمني الذي كان في السابق، وفي ظل إعادة السيطرة الإعلامية التي توجه نحو إنجاح قوى معينة، والتحالف على الأرض بين تلك القوى التي باتت ترى أنّها هي السلطة القادمة (الإخوان وبقايا الحزب الوطني في مصر، وبقايا الحزب الدستوري وحركة النهضة، أو الحزب الديموقراطي التقدمي، وهما الحزبان اللذان استوعبا جزءاً من بقايا الحزب الدستوري في تونس)، وفي تهميش قوى اليسار والضغط عليها كما في تونس. وبذلك تنتج الانتخابات برلماناً (أو مجلساً تأسيسياً) يضم هؤلاء، وتنتج دستوراً يعبّر عن الرأسمالية المافياوية، وأحزاباً تمثلها بتلوين جديد.
وميزان القوى الراهن يشير إلى نجاح الطبقة المسيطرة في إعادة إنتاج سلطتها، حيث لا تزال هي السلطة التي تجري الانتخابات بكل الأساليب القديمة (المهذبة الآن)، وهي التي تملك المال الذي سيستخدم في الانتخابات كرشوة. وبالتالي لن تتحقق مطامح الفئات الوسطى التي تطالب بدولة ديموقراطية مدنية، ولا مطالب الطبقات الشعبية التي تفترض تغيير النمط الاقتصادي كلّه. وإذا كانت العملية الانتخابية لم تتحقق بعد، والغليان الشعبي لا يزال قائماً، وكل أشكال الاحتجاج مستمرة، فإنّ الأمور يمكن أن تندفع إلى انفجار جديد. المسألة تتعلق بإمكان تطوير الصراع ورفض الانتخابات وفق الشروط التي تجري فيها، أو أنّه لا بد من المشاركة في الانتخابات، رغم ضآلة النتائج التي يمكن أن تغيّر في صيرورة إعادة إنتاج السلطة، لكن يبقى أنّ المسألة تتعلق فقط بتطوير الصراع، حتى وإنْ هدأ الوضع مؤقتاً.

الثورة لم تنته

إذا كان قد جرى الاعتقاد بأنّه قد تم الالتفاف على الانتفاضات، فإنّ جذور المشكلات التي أفضت إلى الانتفاضة لا تزال قائمة. هل ستقبل الطبقات الشعبية أن تعود إلى السكون دون أن تحقق أياً من مطالبها؟ وهل ستقبل النخب التي تسعى إلى تأسيس دولة

ديموقراطية ذلك الحيّز الضيق منها؟

المشكلة التي تعانيها الرأسمالية المسيطرة، والطغم الإمبريالية راعيتها، هو أنّها لا تمتلك إمكان تحقيق تحسّن في الوضع الاقتصادي نتيجة النمط الاقتصادي الذي شكلته، وأيضاً نتيجة الأزمة العميقة التي تطيح المراكز الرأسمالية، والنمط الرأسمالي ككل. وهي لذلك لا تستطيع تحقيق انفراج ديموقراطي حقيقي، أو السماح ببناء دولة مدنية ديموقراطية، لأنّ الطابع البوليسي للسلطة ضرورة من أجل الحفاظ على النمط الاقتصادي النهّاب. في الوقت ذاته، لم يعد بإمكان الطبقات الشعبية تحمّل الوضع. النمط الاقتصادي الذي تكوّن في العقدين الأخيرين يتمثل في تمركز النشاط الاقتصادي في الخدمات والاستيراد، الذي يستوعب جزءاً ضئيلاً من المجتمع.
ولقد ترابط الميل المالي الإمبريالي إلى النهب مع الميل الرأسمالي إلى تجاوز الكساد في السلع الصناعية والزراعية، مما أفضى إلى تحويل الأرض الزراعية إلى مدن/ حجارة، وبالتالي تدمير الزراعة، واستيراد حتى المواد الزراعية واللحوم. وبذلك، انهار الريف، وتراكمت أعداد العاطلين من العمل بعدما انهارت الصناعات التي بنيت في العقود السابقة. هكذا، بات يترابط تمركز الثروة وذلك النمط الاقتصادي الضيق. وبذلك أصبح الصراع حاداً بين اقتصاد ريعي في أيدي أقلية رأسمالية مافياوية، وكتل بشرية على هامش العملية الاقتصادية أو خارجها.
ذلك اختلال في التكوين الاقتصادي ذاته يفرض إما شطب الأغلبية «الزائدة» (وهو ما كانت تعمل عليه الطغم الإمبريالية)، أو تمردها لتحقيق تغيير يجعلها في صلب العملية الاقتصادية. والانتفاضات هي الشكل الأولي لذلك الصراع.
نحن في لحظة تفرض تغيير النمط الاقتصادي أولاً وأساساً، وتفترض أن تصبح الكتلة المهمشة أساس النظام الاقتصادي، الأمر الذي لن يتحقق دون سيطرتها على السلطة السياسية. ولذلك، فإنّ العامل الذي دفع تلك الطبقات إلى الانفجار يبقى قائماً. وليس من الممكن أن تحل كل أشكال الالتفاف ذلك الوضع، إذ لا تمتلك الطبقة المسيطرة، ولا الطغم الإمبريالية المرونة التي تسمح لها بتغيير النمط الاقتصادي. ربما «تتعب» الطبقات الشعبية، أو تتشتت، أو تعتقد بأنّ التغيير الشكلي سوف يحقق لها بعض مطالبها، لكن سوف تكتشف بأنّها لا تمتلك ذلك الترف، أو تكتشف بسرعة أنّ الوعود وهمية. لذلك ستعود إلى الثورة، وتعيد انتفاضتها من جديد.
إذاً، الانتفاضات بدأت. ولن تتوقف، ما يمكن أن يختلف هو وتيرتها. ولن تكون السلطة قادرة على الضبط، فهي تعيش أزمة عميقة، وتُعمقها أزمة الإمبريالية التي تحل مشكلاتها على حساب تلك النظم. وفي وضع عالمي يؤشر إلى ضعف الضبط في مراكز النمط الرأسمالي، وتوسع التناقضات، وتوالي الأزمات المربكة والمخيفة. لذلك، تُعمّق النهب المحلي في بلداننا من جهة، وتقود مضارباتها على المواد الأولية والغذائية إلى ارتفاع هائل في أسعار السلع محلياً، مما يعمق أزمة الطبقات الشعبية من جهة أخرى.
لذلك لا يجوز أن نتوقف عند التغيير الشكلي الذي حصل، لأنّ الصراع لن يتوقف، لكون ذلك التغيير لا يحل المشكلات، كما يجب أن نعي الأسباب التي جعلته يحصل على هذا النحو. طبعاً لم تحقق الانتفاضات أهدافها بعد، ذلك واضح بالتأكيد، لكن الطبقات الشعبية لم «تلقِ السلاح» بعد أيضاً.

الوضع الشعبي وآفاق المستقبل

انفجرت الطبقات الشعبية فاهتزت بنية السلطة، وتضعضعت، وربما أصابتها الشروخ، لكنّها لا تزال تقاوم الانهيار، وتسعى إلى أن تتجاوز أزمتها، من خلال تعديل جزئي لا يفي بأي غرض. ربما نقول إنّ بنية السلطة قد ضعفت، وسوف تسير نحو الضعف المتتالي، إزاء استمرار كل أشكال الاحتجاج. ونقول إنّ قوّة الانتفاضة، نتيجة بنيتها الراهنة، لم تستطع غير ذلك. فقد كانت قوة هائلة كسرت بنية صلبة تكوّنت على نحو «همجي»، وهي عبر ذلك قد فتحت أفق المستقبل.
وبالتالي ما يمكن التأكيد عليه هو الآتي:
أولاً: لم تعد الطبقات الشعبية قادرة على الاستمرار في وضعها المزري، لذلك سوف تقاتل حتى تحقيق التغيير، وتلك مسألة لا بد من أن تكون راسخة، وأن تجري الثقة الكاملة بتلك الطبقات، وبقوتها بعد ما أظهرته من صلابة وقوة وتضحية ونضالية فاقت كل تصوّر.
ثانياً: كسرت الانتفاضات جبروت السلطة، ووضعتها في أزمة عميقة.
ثالثاً: إذا كانت الانتفاضات لم تحقق التغيير العميق الآن، فلا بد من أن نتلمس أنّ الطبقات الشعبية قد كسرت حاجز الخوف، وخرجت تقاتل من أجل التغيير، ومن ثم ليس من الممكن أن يغزوها الخوف مرة أخرى قبل أن تحقق التغيير. لقد دخلنا في عقد ثوري لا بد من أن يوصل إلى سلطة الطبقات الشعبية.
رابعاً: إذا كانت الانتفاضات الراهنة تعاني غياب الفعل السياسي المعبّر عن الطبقات الشعبية، والأحزاب تعاني الشيخوخة والانعزال والهامشية، والاغتراب عن مطالب الطبقات الشعبية، فإنّ الملايين من الشباب الذين خاضوا الصراع العنيف ضد النظم في تلك الانتفاضات سوف يكونون أساس فعل سياسي جديد. لقد دخلنا مرحلة إعادة صياغة الحزب السياسي الذي سيعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، وعن كل الطبقات الشعبية.
نحن في أفق مرحلة جديدة سوف يفرض إيقاعها هؤلاء الشباب، الذين خاضوا الانتفاضة الراهنة. ولا شك في أنّ الثورات مدرسة تعلم بسرعة، لأنّ كثافة الصراع تفرض تركيز التفكير والحوار والبحث من أجل فهم إيقاع الحراك، وآفاقه.
إنّ الضرورة تفرض أن يؤسس العمال والفلاحون الفقراء حزبهم من أجل تنظيم الصراع وقيادته نحو الانتصار. المسائل الآن باتت واضحة، والصراع بات مكشوفاً، والميل إلى الفعل السياسي يتصاعد على نحو سريع. وهو الوضع الذي يسمح بأن نتجاوز مشكلة الانتفاضة الراهنة، التي تمثلت في غياب الفاعل السياسي الذي يؤدي دور المنظم والموجه، والمساعد على توضيح الأهداف. لقد دخلنا في عقد ثوري يفترض أن يقود إلى التغيير.

المصدر: الأخبار

المسألة السورية في الأردن

في الأردن ينقسم الحراك الشعبي انطلاقاً من الموقف مما يجري في سورية، فقد بات ما يجري في سورية هو الأولوية، حتى قبل الحراك ذاته الذي بات ضعيفاً في العاصمة، وينمو بهدوء في الأطراف.
المسألة التي توحد النخب في الموقف من سورية هي تخيلات هلامية تسكن الوعي أكثر منه أي شيء آخر. مناهضة الإمبريالية، ودعم المقاومة، والممانعة، وما إلى ذلك من أفكار مجرّدة إلى حد التسطيح.

يبدو أن ما حكم رؤية النخب للانتفاضات العربية، ومنها سورية، هو الانقسام السياسي الذي كان متبلوراً في البلدان العربية، بين دول “معتدلة” وأخرى “ممانعة” (وعلى رأسها قطر قبل الانتفاضة السورية)، لهذا جرى تأييد الانتفاضة التونسية ثم الانتفاضة المصرية من منظور أن النظم تابعة للإمبريالية وخاضعة للدولة الصهيونية، وليس لأن الشعوب فيها باتت لا تستطيع العيش من النهب والإفقار والسحق الاقتصادي والسياسي، وكذلك السحق الوطني. وهذا يفسّر تحوّل الموقف حينما وصلت الانتفاضات إلى ليبيا، وخصوصاً سورية، حيث إن هذه في “تناقض” مع الولايات المتحدة، وبالتالي فما يجري ضدها هو فقط مؤامرات. وهنا لا نجد أثراً للشعوب، ولظروفها ومشاكلها، ومآسيها.

مأساة النخب أنها تتسم بسمتين “جميلتين”، الأولى أنها لا تنظر إلا للسطح السياسي بدون تلمس العمق الذي يحكم هذا السطح، ولهذا يتراءى لها بأن العالم ينقسم إلى “فسطاطين” (استعارة جميلة من بن لادن، وليس غريباً أن يكون جل هؤلاء قد دافع عنه حتى العظم): أميركا وضد أميركا، وهي حتماً ضد أميركا، الأمر الذي يجعلها لا تميّز بين مختلف مع أميركا ومتناقض معها أو معاد لها. يصبح من يريد العودة إلى القرون الوسطى كمن يريد التطور إذا ما كانا ضد أميركا. من يحارب من أجل التطور والاستقلال والتحرر ومن يتمنع. فالكل ضد أميركا وكفى. هذه السطحية توقع في مواقف تخدم عكس المراد منها، وتظهر الإمبريالية قوة خارقة للعادة بدل توضيح أزماتها. وتفضي إلى الدفاع عن النهب والقتل والسحق الذي تمارسه النظم.

والسمة الأخرى هي الخلط، فالموقف المسبق يفضي إلى عدم التدقيق والتأني بل يفضي إلى تكرار ما يطابق الأصل، ورفض ما لا يطابقه. فمثلاً كلمة ممانعة، ماذا تعني؟ مصدرها منع وامتنع وتمنع، أي هي تردد في القبول وليس الرفض. وحين نعتقد بأن الموقف من أميركا هو مجرد موقف سياسي نكون قد تجاهلنا أن الأمر أعمق من ذلك، ويتعلق بمصالح وتكوين اقتصادي. ليصبح التمنع وكأنه معاداة، رغم أن الممارسة توضح بأن الواقع المصاغ هو كما تريد الإمبريالية.

المسألة السورية خضعت لكل ذلك، لهذا رؤي “التناقض” مع أميركا، رغم أنه خلاف حول موقع ودور وليس خلافاً في المصالح، حيث قامت السلطة السورية بتحقيق تحويل اقتصادي عميق لمصلحة السيطرة الإمبريالية، ولقد نفذت ما هو أقسى من شروط صندوق النقد الدولي في التحويل الداخلي. وبالتالي فإن “صراعها” أو “تناقضها” أو اختلافها مع أميركا هو شكلي، يتعلق بموقعها في السلطة بالذات وليس في أي من المسائل الوطنية. وفي ظل “الحصار الأميركي” قامت بكل خطوات الانفتاح الاقتصادي المهلك، والذي أفضى إلى ربط بالاقتصاد الإمبريالي من موقع تبعي.هذا ما فرض انتفاضة الطبقات الشعبية، وهذا بالتحديد، فهل نقف ضدها لأننا إزاء نظام ممانع؟ النخب تحب السطحية المفرطة لأنها أسهل. كما يبدو أن النخب تحب التعلق بـ “قشة” بدل أن تلعب دور الذي يسعى إلى التغيير الجذري، ليبدو موقفها هوائياً.

المصدر: الغد