Monthly Archives: فبراير 2012

سوريا والدستور الجديد: هل انتهى الإصلاح؟

حين تبدأ الثورة، يصبح الإصلاح متأخراً، ولا يمكن أن تقوم الثورة أصلاً ما دامت إمكانية الإصلاح متوافرة. ولا يمكن لشعب أن يثور، وهو يعرف أنّه يمكن حل مشكلاته من خلال الإصلاح، لأنّه لا يتقدم نحو الصدام مع السلطة الذي يحتمل الموت، ما دام يعتقد بإمكانية ما للإصلاح وتغيير وضعه من خلال السلطة ذاتها. بمعنى أنّ الثورة هي نتاج انسداد الأفق أمام كل إصلاح، وأنّ الإصلاح بعد نشوب الثورة يكون متأخراً جداً، لأنّ الزمن الثوري قد تجاوزه، وأصبح المطلوب هو تغيير كلية البنية الاقتصادية والسياسية.

تلك بديهيات، ومن الأولى في الفهم العلمي. ولذلك، حين نوضع إزاء المقارنة في سوريا بين الثورة التي بدأت في 15 آذار/ مارس، وبين الإصلاحات التي تقدمت بها السلطة منذ أوائل نيسان، يكون القول الفصل هو في أنّ الإصلاحات متأخرة، وبالتالي فات زمانها، لأنّ الفعل هو للثورة.

نسمع عن الإصلاح منذ عقدين، إذ فرضت التحوّلات العالمية منذ 1989 بانهيار جدار برلين ونشوب الموجة الديموقراطية في كل بلدان أوروبا الشرقية و«الاتحاد السوفياتي»، تخوّفاً سورياً من استمرار جمود النظام السياسي، وأزمة الاقتصاد. دفع ذلك إلى الحديث عن تحقيق الديموقراطية «خلال عام»، سرعان ما تراجع بعد انتصار الإسلاميين في انتخابات الجزائر، وبدء تفكك الاتحاد السوفياتي. ولقد انتظرت المعارضة السياسية، والشعب، الإصلاح السياسي منذ 1990، حينما هبت «رياح الديموقراطية» هناك، فأتى «الإصلاح الاقتصادي» الليبرالي بالقانون الرقم 10 لسنة 1991، الذي فتح طريق اللبرلة. بدأ حينها تدهور الوضع المعيشي لقطاعات متسعة من العمال والموظفين، وأصبح التمركز الاقتصادي يميل لمصلحة القطاع الخاص. ثم انتظر الشباب المنتفض اليوم، كما انتظرت المعارضة السياسية، تحقيق الإصلاح منذ 2000، مع تولي بشار الأسد السلطة، والوعود التي أطلقها في هذا المجال. فتعمق «الإصلاح الاقتصادي» وانتصرت اللبرلة التي كانت في أساس نشوب الانتفاضة. وبالتالي أصبح القطاع الخاص يسيطر على 70% من الاقتصاد الوطني، وتراجعت الضرائب المتحصلة من 16% إلى 11% من مداخيل الميزانية، وشهدنا تمركز الثروة والإفقار الشديد.

لذلك، حين بدأت الثورة، كان زمن الإصلاح قد ولى بالتأكيد. وتدخل كل الخطوات «الإصلاحية» التي تقوم بها السلطة في باب الإعلام، والتغطية على شدّة العنف والقتل والتدمير الذي يجري في كل مناطق سوريا، إذ إنّ الدستور الجديد (الذي هو تعديل في الدستور القديم ولا يشكّل صياغة لدستور جديد) يكرّس «الوقائع» التي تحققت في العقد الأخير، سواء في الاقتصاد أو في «الحرية السياسية»، من دون أن يمسّ الطابع الأساسي للسلطة. وبالتالي، يكرّس الدستور كل المشكلات التي أفضت إلى الثورة، ويأتي كخاتمة خطوات قدّمت تعديلاً شكلياً في وضع السلطة القائم، من إلغاء حالة الطوارئ إلى قانون الإعلام وقانون الأحزاب. ولذلك، لم تكن «مسيرة الإصلاح» متأخرة فقط، بل ميتة بالأساس. لأنّ كل «الإصلاحات» تبقي الرئيس في موقع مركز السلطة المطلق. ولن نقارن هنا بـ«إصلاحات» حسني مبارك أواسط الثمانينيات لأنّها كانت أوسع، مع الفارق الزمني والتغيّر العميق في الواقع.

وإذا كانت القوانين التي صدرت سابقاً، والمتعلقة بالأحزاب والإعلام، تربط الموافقة بالسلطة التنفيذية (التي يجب أن تكون منافساً وليس حكماً كونها تمثّل حزباً ما)، فإنّ مشروع الدستور يكرّس ربط كل السلطات بالسلطة التنفيذية التي محورها الرئيس.

المتغيّر الأول في مشروع الدستور يتعلق بـ«المبادئ الاقتصادية» التي ظهر واضحاً تجاوزها مرحلة «الاشتراكية» لمصلحة تكييف الدستور مع الوقائع التي تحققت خلال العقدين الأخيرين، عبر فتح الباب واسعاً لتكريس اللبرلة بالشكل الذي تحققت فيه. وإذا لم يكن الاقتصاد اشتراكياً خلال العقود السابقة، بل عبّر عن «رأسمالية دولة» تقوم على الملكية الخاصة، لكنّها تلعب دوراً في الاقتصاد بما يسهم في الاستثمار في الإنتاج وحماية السوق والتوظيف الشامل، فإنّ الجديد هو تكريس الوضع الاقتصادي الذي شكلته الفئات التي نهبت القطاع العام وتحوّلت إلى «رجال أعمال جدد». وهؤلاء يتحكمون بما يقارب 60% من الاقتصاد، وحققوا ذلك عبر سلطة فائقة المركزة، ومتمحورة حول منصب الرئيس.

فالنظام لا يزال جمهورياً، والسيادة للشعب، لكن يمارسها ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور (المادة الثانية). كيف تمارس؟ بانتخاب رئيس ومجلس شعب، وهنا سنلمس استمرار الشكل القديم ذاته، لدور مجلس الشعب الذي يتولى السلطة التشريعية، حسب ما هو مبيّن في الدستور، ولدور الرئيس الذي يمارس نيابة عن الشعب، بالتعاون مع مجلس الوزراء الذي يشكله هو «السلطة التنفيذية» (المادة 83). وهنا يبرز «فصل السلطات» بين التشريع والتنفيذ، لكن من حيث الشكل، إذ إنّ تعبير «على الوجه المبين في الدستور» الذي يكمل جملة أنّ المجلس يتولى السلطة التشريعية، له أهمية لأنّه يقود إلى حصر التشريع في «إقرار القوانين، مناقشة بيان الوزارة، إقرار الموازنة العامة للدولة، إقرار خطط التنمية …» (المادة 75)، انطلاقاً من حق أعضاء المجلس في «اقتراح القوانين وتوجيه الأسئلة والاستجوابات للوزارة أو أحد الوزراء» (المادة 74). وسنلمس بأن الوزارة هي المسؤولة عن تنفيذ بياناتها أمام مجلس الشعب (الفقرة 2 المادة 76)، رغم أنّ رئيس الجمهورية هو الذي يمارس السلطة التنفيذية. وبالتالي سوف يكون الرئيس فوق المحاسبة، رغم أنّه هو الذي يسمي رئيس الوزراء والوزراء (المادة 97)، ويضع السياسة العامة للدولة في اجتماع مع مجلس الوزراء، ويشرف على تنفيذها (المادة 98). بالتالي، ليس من حق المجلس محاسبة رئيس السلطة التنفيذية سوى في حالة الخيانة العظمى (المادة 117).

في المستوى الآخر، نجد أنّ «السلطة القضائية مستقلة، ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال، ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى» (المادة 132)، و«يكفل مجلس القضاء الأعلى توفير الضمانات اللازمة لحماية استقلال القضاء» (الفقرة 2 من المادة 133). وهنا ينتهي استقلال القضاء ما دام قد خضع للرئيس. فـ«المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة» (المادة 140)، لكن يسمي الرئيس أعضاءها (المادة 141)، وهي المختصة بـ«الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة»، و«الإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية» والنظر في الطعن بصحة الانتخاب، وإبداء الرأي بناء على طلب الرئيس (المادة 146). أي أنّها، وهي معينة من قبل الرئيس، تقر بدستورية قوانين مجلس الشعب والإشراف على انتخاب الرئيس ذاته. ويصبح الرئيس هنا هو الحاكم لتشريع وقوانين مجلس الشعب، ولإعادة انتخاب ذاته دون طعن.

وإذا كان الدستور قد قرر «التعددية السياسية» (المادة الثامنة)، فإنّ القانون الذي صدر لتنظيم تكوين الأحزاب يفرض أن تكون اللجنة المؤلفة لدراسة طلبات الحصول على موافقة، مشكّلة من أغلبية يختارها الرئيس زائد وزير الداخلية (أي 4 من خمسة). بمعنى أنّ حصول الحزب على النشاط مرتبط بموافقة السلطة التنفيذية، وليست سلطة قضائية مستقلة. ولقد ظل وضع «المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والجمعيات» كما كان، خاضعاً للسلطة التنفيذية (أي في وضع التعددية السياسية خاضع لقرار حزب يحكم).

لذلك، ورغم شطب المادة الثامنة التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع (وأصلاً لم يكن البعث سوى الواجهة لسلطة رئاسية مطلقة، وبالتالي ما تحقق هنا هو إزاحة هذه الواجهة التي كانت قد تلاشت خلال العقد الأخير بسيطرة الليبرالية)، فإنّ تكوين السلطة ظلّ كما هو، رئاسياً مطلقاً، مع فصل شكلي للسلطة التشريعية والقضائية، إذ إنّها كلّها تعود لكي تخضع لسلطة رئيس الجمهورية.

وإذا كانت الثورة قد أسقطت كل إمكانية للإصلاح كما أشرنا، فإنّ هذا الإصلاح شكلي إلى الحدّ الذي يظهره ككاريكاتور في عصر الثورة. لكنّه يوضّح كذلك بأنّ السلطة الحاكمة الآن لا تمتلك أي إمكانية لتقديم تنازل عن السلطة المطلقة التي تتمتع بها، وأن على الشعب أن يقبل اللعب بالكلمات.

هذه هي نهاية مسيرة الإصلاح التي بدأت في أوائل نيسان 2011، وهي نهاية مضحكة. وهي تؤكد الإحساس العفوي البسيط لدى الطبقات الشعبية التي لم تخرج إلا بعدما تيقّنت بأنّ هذه السلطة لا تُصلح، لهذا يجب أن تُزاح.

المصدر: الأخبار

فلاح علوان في حوار مع المناضل و الكاتب اليساري الرفيق سلامة كيلة حول الاوضاع في سوريا

395478_267808346625168_1790856762_n
الرفيق العزيزسلامه كيله المحترم
بعد التحية؛
اود توجيه بعض الاسئلة التي اتمنى ان يتسع وقتك لها، والتي ارى انها ضرورية لتسليط الضوء على قضية مهمة.

1- يقول تولياتي في احدى ابحاثه ما معناه؛ ان الفاشية لا تسقط الا بتدخل خارجي. وقد اكدت العديد من الوقائع صحة هذا التصور لدرجة انه يمكن اعتباره اكثر من ظاهرة. وكمثال، المانيا النازية، ايطاليا، اليابان، العراق، ليبيا، مع بعض الاستثناءات التاريخية. ما مدى علمية وتاريخية هذا التشخيص برايك ومن اين يستمد موضوعيته؟

***** أظن أن تولياتي لم يكن دقيقاً في الأمر، فما هي الفاشية أولاً؟ أليست هي الطبقة الرأسمالية وهي توحد الشعب خلفتها تحت وهم السيطرة على العالم، ووفق رؤية أيديولوجية عنصرية تقرر سمو العرق الآري أو غيره؟
لقد نشأت الفاشية نتيجة ظرف “خاص” حكم البرجوازية الألمانية، وأيضاً الايطالية واليابانية، حيث تطورت بعد أن كانت الرأسمالية الانجليزية والفرنسية خصوصاً قد تقاسمتا العالم ولم تتركا شيئاً لهذه البرجوازية. هذا مدخل أول من الضروري أن يكون في أساس أي تحليل، ثم أن أزمة هذه البرجوازية التي هزمت في الحرب الأولى والشروط المذلة التي فرضت عليها، فرض انهيار الاقتصاد في بلدانها (ألمانيا خصوصاً)، الأمر الذي هيأ (نتيجة عجز الشيوعيين) لنشوء حزب “اشتراكي قومي”، وصل إلى السلطة فحل مشكلات الطبقات الشعبية لتوحيدها خلف البرجوازية في معركة ضد العالم. وهنا كانت كتلة الشعب الأساسية مع البرجوازية. ولقد سقط عبر التدخل الخارجي لأنه هو الذي بدأ الحرب ضد الخارج، وكان من الضروري أن يقود ذلك إلى احتلال ألمانيا وايطاليا واليابان.
لكن الصيغة التي أتت بها النظم الفاشية كان يمكن أن تتفكك داخلياً فيما لو ظلت النظم مسيطرة دون أن تستطيع السيطرة على العالم، حيث أن هذا التماسك بين البرجوازية والشعب كان يعتمد على مقدرة البرجوازية السيطرة وتوسيع السوق من أجل إبقاء المستوى المعيشي للطبقات الشعبية عالياً ومستقراً. وبالتالي كان عجزها عن ذلك سيفضي إلى تفكك هذا التحالف والعودة إلى الصراع الطبقي.
بخصوص العراق وليبيا، يتردد تعبير فاشية كصفة للنظم فيهما، لكنني لا أوافق على هذه الصفة نتيجة الاختلاف الجذري للظروف، واختلاف الأهداف. حيث هنا حاولت هذه النظم تحقيق بعض التقدم الصناعي والمجتمعي في إطار سلطة هي في الواقع تقليد للسلطة في البلدان الاشتراكية، ولم تكن تقليداً للفاشية. وما مارسته مورس في النظم الاشتراكية. أما عدم سقوطها فيحتاج إلى تحليل مختلف، يفرض أن نبحث في الأساس الطبقي الذي سمح بنشوء نظم قوية واستبدادية بالشكل الذي عايشناه. وتحليلي هو أنها قدمت في مرحلة اولى للطبقات الشعبية حلولاً لمشكلاتها (وإنْ مؤقتاً) فكسبت قاعدة اجتماعية كبيرة، هي التي هيئأت لكي تتشكل بكل هذه القوة. ثم أن طابع سلطتها الاستبدادي هو نتاج التكوين البطريركي التقليدي الذي كان يحكم الريف، وليس وعي برجوازية مأزومة. وأظن أن الوضع العراقي كان سيفتح على تطور الصراع الطبقي فيما لو ظلت السلطة، لأنها لم تعد قادرة على الحفاظ على دعم الطبقات الشعبية.

2- هل النظام الاستبدادي في سوريا هو فاشية؟ وهل يمكن تعميم اراء تولياتي عليه برايك؟

بالتالي هنا، ليس من موقع اصلاً لآراء تولياتي، وليست السلطة فاشية نتيجة ما اشرت إليه بخصوص العراق وليبيا. فهذه النظم هي نتاج الموجة التحررية التي أتت بفئات ريفية إلى السلطة، كانت مفقرة ومضطهدة ومهمشة، لكنها كانت تحلم بالترسمل، بالتالي حين وصلت السلطة، ورغم أنها حققت تقدماً في حل مشكلات المجتمع حينها، فقد كان همها كيف تنهب لكي تثري وتتحوّل إلى رأسمالية. وكان الشكل الاستبدادي، في جوهره، هو من جهة في مستوى فهم هذه الفئات الريفية التي لا تفهم سوى السلطة الأبوية،، ومن جهة أخرى تريد نهب ما قررت هي أنه “قطاع عام”، فشكلت سلطتها بناءً على هذين الأساسين، لكنها استعارت الشكل “الاشتراكي” للسلطة، الذي كان أيضاً نتاج اساس ريفي.

3- هل تستطيع الحركة في سوريا الاطاحة بالنظام بدون هجوم خارجي؟ وهل يعتبر النزاع الحالي شكل من اشكال التدخل الخارجي؟

النظام السوري لا يختلف كثيراً عن النظام المصري من حيث السيطرة الطبقية، وقوة الجيش والأجهزة الأمنية، ولا عن النظام التونسي الذي كان شبيهاً من حيث الشكل السلطوي أكثر للنظام السوري. فهي نظم راسمالية مافياوية، الفارق بين تونس ومصر من جهة وسورية من جهة أخرى، هو أن تلك النظم كانت تمتلك مرونة في بنية السلطة سمحت بفعل محاولة للالتفاف على الثورة، عبر إبعاد الرئيس واجراء انتخابات وتوهيم أن المعارضة هي التي باتت تحكم. في سورية لم يكن تكوين السلطة يسمح بذلك نتيجة السيطرة الأمنية الشاملة على الجيش، وتشكيل أجهزة أمنية متعددة متناقضة وممركزة في نشاطها عند شخص، كان حافظ الأسد والآن ماهر الأسد.
وأظهر الصراع خلال ما يفرب العامين أن السلطة تضعضعت، وضعفت قدرتها بقوة الثورة الشعبية، التي فرضت أيضاً “تفكك” في السلطة ظهر، ليس عبر الانشقاق أو التمرد، بل عبر حالة الرفض التي فرضت على السلطة ألا تستخدم معظم قطاعات الجيش خشية انشقاقها، وأن تمركز الأمن في جهاز “مضمون”. والآن يتزايد التشقق في السلطة، في كل المستويات، العسكرية والسياسية والبيروقراطية والأمنية. هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى “تكرار” صيغة تونس ومصر، أي حدوث انقلاب داخلي، بعد أن ضعفت سطوة السلطة، ووهنت قوة مركزها المسيطر.
بمعنى أن الثورة استطاعت فكفكة السلطة دون أن تكون قادرة على اسقاطها لأسباب أخرى تتعلق بغياب البديل الطبقي، مثل ما حدث في تونس ومصر. لكن الشعب يستطيع إسقاط السلطة دون تدخل خارجي، وتجربة الثورة السورية سوف تؤكد هذه المسألة.
أما حول التدخل الخارجي، فهو موجود، ولقد تزايد في الفترة الأخيرة كثيراً. لكن يجب أن نتنبه إلى أنه كله يصبّ في خدمة السلطة وضد الثورةز الروس وإيران والصين تدعم السلطة مباشرة، ليس سياسياً فقط بل تقنياً ومادياص ولوجستياً، وحتى عسكرياً. والسعودية والخليج فقد دعمت السلطة مالياً، ولازال بعضها يدعم مثل الإمارات، ودعمت القوى الأصولية التي تشوش على الثورة. ثم هي تدعم الآن جبهة النصرة (بل هي من يضخ “الجهاديين”) لتحويل الصراع من صراع شعب ضد السلطة إلى صراع طائفي كما فعلت مع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بالضبط.
ولقد تحوّل وضع سورية الآن إلى صراع دولي حول من سيحصد مصالح اقتصادية وسياسية بعد سقوط السلطة. وتجري المساومات بين أميركا وروسيا على وضع سورية، بينما تريد تركيا حصة، وكانت فرنسا تريد سورية لها، لكن يبدو أنها شعرت أن أميركا قد “تنازلت” عن سورية لروسيا فذهبت إلى مالي كبديل. وهكذا، تفرض القول بأن الشعب السوري يخوض صراعاً ليس ضد السلطة فقط، بل وضع المعارضة بكل ألوانها، وضد التدخلات الإقليمية والدولية. ورغم ذلك سينتصر.

4- اخيرا هل تستطيع القوى الثورية في سوريا اعادة الحركة الى مسار ثوري وفرض التراجع على القوى الرجعية والممثلة للمشروع الامريكي وممثليه في المنطقة في هذه الدورة التاريخية وخلال هذه الاوضاع؟

أولاً، لا بد من ملاحظة أن الأمر لم يعد يتعلق بمشروع أميركي، حيث أن أميركا تتراجع، واقتصادها ينهار، ولقد لمست أنها غير قادرة على السيطرة العالمية، بالضبط نتيجة أزمة اقتصادها الذي يعاني من تصدع كبير يطيح به بشكل مستمر. لهذا قررت في إستراتيجيتها الجديدة أن أولويتها هي منطقة الباسيفيكي وليس “الشرق الأوسط”، لهذا ظل موقفها مما يجري في سورية “مميعاً”، ويميل إلى “عدم التدخل”، خصوصاً وأن الدولة الصهيونية كانت تتخوف من انهيار النظام السوري. ولهذا ظلت وعود ما اسمي “أصدقاء سورية” بلا فعل. ورغم أنني ضد التدخل اصلاً لكن أوضح هنا الفارق بين التصريحات، التي يجري الاعتماد عليها في التحليل، وبين الواقع الذي يظهر أن كل وعود هذه الدول كانت كاذبة.
بعد عام من الثورة بدأت السعودية خصوصاً (ربما بدفع أميركي، لكن اصلاً بخوف شديد من الثورة) في توريد “الجهاديين” ضمن سياسة تخريب الثورة. وبالتالي بتنا في مواجهة مع هذا التدخل المباشر ضد الثورة.
ثانياً، المعارضة لا تمثل الثورة، وهي غير فاعلة فيها، والجزء الخارجي منها يميل إلى العمل ضمن إستراتيجيات القوى الإمبريالية، والسعودية. ولقد شكلت عبئاً على الثورة نتيجة تصريحات قادتها المتعلقة بالدعوة للتدخل الخارجي، أو منطق بعض أطرافها الطائفي.
ثالثاً: في هذا الوضع تنشط القوى الثورية، التي هي في صراع ضد السلطة، لكن أيضاً مع المعارضة والقوى الأصولية، ومع المنطق الذي حكم بعض أطراف اليسار المؤيد للسلطة. لكن ما يجب معرفته هو أن الثورة شعبية بالأساس، كانت ولا زالت. أي أن الشباب البسيط المفقر والذي لم يعرف السياسة، وبعضه متدين دون أن يكون أصولياً، هو الأساس في الثورة، وما نحاوله هو الاندماج بهؤلاء من أجل تاسي وعي ثوري، وتطوير شعارات وأهداف الثورة، وتنظيم نشاطها.
الأمر لازال صعباً، خصوصاً ان اليسار الناشط في هذا المجال محدود، وهو ليس أحزاب بل أفراد، نتيجة السياسات الخاطئة لأحزاب اليسار. نأمل أن تدعم قوى اليسار الحقيقي الثورة وتدعم اليسار السوري المناضل.

تقبل تحياتي
فلاح علوان

المصدر: اتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق

موسكو أيضاً تدفع إلى التدويل

لست مع نقل «الملف السوري» إلى مجلس الأمن، وضد كلّ تدخل سياسي وعسكري من قبل الدول الإمبريالية، بما فيها روسيا، التي لم تعد اشتراكية ولا صديقة للشعوب منذ عقدين. فهي باتت دولة إمبريالية، تنازع عالمياً من أجل السيطرة والنهب. وهي من هذا الأساس، تدافع دفاعاً مستميتاً عن نظام ترى أنّه آخر مرتكزاتها في «الشرق الأوسط». ولذلك هي ضد مطامح الشعب السوري.

و«اللعبة» التي مارستها الدبلوماسية الروسية، لكي يصبح الملف السوري ملفاً دولياً تبدو ناجحة إلى الآن. فالضعف الداخلي الشديد للسلطة السورية، فرض منذ شهرين تقريباً الانتقال إلى «حمل» النظام من خلال تحالفاته الإقليمية والدولية، من أجل القول إنّ هؤلاء الحلفاء لا يسمحون بسقوطه. ومن المؤسف أنّ المجلس الوطني السوري، خدم ويخدم هذا المسار، الذي هو في مصلحة السلطة وضد الانتفاضة، انطلاقاً من أوهام تتعلق بـ«جرّ» العالم إلى تدخل عسكري، يسقط السلطة وينصّبه حاكماً جديداً، من خلال السعي الحثيث إلى تدويل الملف السوري.

تقوم «اللعبة» الدولية (الأميركية خصوصاً)، التي أخذت تُنفّذ من خلال الجامعة العربية (وبلدان الخليج خصوصاً)، تقوم على إطالة أمد الصراع في سوريا، من أجل خلق حالة «وهن عام»، يفتح على إمكان التفكك الداخلي. ورغم أنّ الولايات المتحدة تبدو وقد سلّمت بأنّ الحل في سوريا هو روسي، إلا أنّها تدفع نحو تعقيد الوضع بما يجعل «النجاح» الروسي هشاً، وذلك في إطار صراع عالمي بين القوى الإمبريالية، على ضوء الأزمة المالية الإمبريالية، التي ضعضعت وضع أميركا كثيراً، وباتت تهزّ بلدان أوروبا، وتفتح الأفق لدور روسي صيني أكبر في عالم يتكوّن للتو، لكن هذا التسليم لدور روسيا لا يعني ترك الأمور بسلاسة، بل يجري العمل على تعقيد الأوضاع من أجل إنهاك روسيا كذلك. ولهذا سيكون ضرورياً رفض أي «تدويل» أو مراهنة على دور دولي، على العكس، فهذا ما تعمل عليه السلطة ذاتها.

وعلى ضوء ذلك، يمكن فهم ما جرى في مجلس الأمن من مناورات، أظهرت في الأخير «قوة» السلطة، وقوة «حمايتها» روسياً، وهو الهدف الذي جرى العمل عليه، بعد تكتيك إظهار القوة داخلياً من خلال خطاب الرئيس ونزوله إلى ساحة الأمويين بالطريقة التي حدثت، والتي تكشّف ضعف المشاركة الشعبية خلالها، كما من خلال الهجوم العسكري الشامل الذي بدأ ليلة التصويت على القرار في مجلس الأمن، واستمر بهدف «الحسم» استفادة من جو «اليأس» الذي يمكن أن ينتج عن «الصدمة» التي يستطيع الفيتو المزدوج الروسي الصيني إحداثها، إذ يبدو واضحاً أنّ السلطة باتت محمولة على قوى دولية، بعدما فشلت في حسم الصراع. وهو ما يمكن أن يقود إلى تعزيز ميل مقابل، يؤكد على ربط المسألة السورية بالصراع الدولي، يظهر واضحاً الآن أنّه لا يفيد، بل يقود إلى الإحباط. وهنا الشعب السوري هو الخاسر بالتأكيد.

لكن، هل ستدافع روسيا عن السلطة إلى النهاية؟ هذا ما يجري تصويره، والتأكيد عليه، وإظهاره على نحو مضخّم من خلال التشدد في مجلس الأمن بالشكل الذي ظهر فيه. وما يمكن قوله بخصوص الروس هو أنّه في الصراع الدولي ستدافع روسيا عن سوريا إلى النهاية، هي التي باتت من المناطق التي يعمل الروس على استمرار وجودهم فيها، في سياق سعيهم التالي إلى التوسع في مناطق أخرى عالمياً، بعدما ظهر ضعف الولايات المتحدة واضحاً. بمعنى أنّها لن تتنازل عن «موطئ قدمها» هذا، على أمل فرض توسع جديد في المنطقة، لكن داخلياً لا يمكن التصوّر أنّ روسيا سوف تدافع إلى النهاية عن السلطة، لأنّ المسألة تتعلق بعناصر أخرى، تتمثل في موازين القوى التي باتت تميل لمصلحة الانتفاضة، بعد تضعضع وضع السلطة (اقتصادياً و«شعبياً» وعسكرياً). وبالتالي هل ستقبل روسيا استمرار الدفاع عن سلطة تنهار؟ أو حتى، حين نرى بعض التوقعات بشأن الدخول في حرب أهلية وفوضى وعدم استقرار، هل ستقبل موسكو حليفاً في هذا الوضع، الذي يعني الضعف والتفكك؟ وسيتضح ذلك أكثر بعد فشل الهجوم العسكري الدموي الجديد، إذ ستكون في وضع حرج بعد آلاف الشهداء.

هنا يمكن لحظ الدور الروسي في مكان آخر. فروسيا، وللحفاظ على «موطئ القدم» ذاك، لن تبقى متمسكة بصيغة للسلطة هي أضعف من أن تحكم. وهذا يفتح على آليات عمل أخرى. هنا يمكن القول إنّه إذا كانت روسيا لا تريد التدخل الأميركي الأوروبي، وتحرص على أن تبقى سوريا قوية، فلا بد لها من أن تدعم تغييراً عميقاً لا يحافظ على السلطة القائمة، بل يسمح بتحقيق حتى مقترحاتها هي (أي حكومة حقيقية تتألف من المعارضة كما طرحت في أكثر من مرة). وهي تعرف أنّ الممسكين بالسلطة الحالية ليسوا في هذا الوارد، بعد تجارب عدة قامت بها (كما فعل الأتراك سابقاً). ومن ثم فإنّ تلمسها أنّ السلطة عاجزة عن الحسم، وغير مستعدة لأي تنازل (حتى وإن كان محدوداً)، قد يدفع إلى تحوّل ليس من خلال السماح بتدويل المسألة السورية، بل في دعم تغيير يحافظ على «وجودها» وتحالفاتها. ومن هذا المنطلق لا بد للموقف الروسي من أن يدعم التغيير أو يخسر، إذ سوف ينساق وراء اللعبة الأميركية التي تريد إطالة أمد الصراع من أجل إنهاك سوريا.

وبالتالي، إذا كانت الدول الإمبريالية «الغربية» تعمل على استمرار الصراع في سوريا، وعلى دفع البلد نحو الإنهاك، حتى لو تطلب ذلك الدفع إلى حرب «أهلية»، وتعمل على «تدويل» الصراع من أجل تعليق الأوهام بحل «خارجي»، مما يضعف توسع الانتفاضة، فإنّ تجاوز ذلك يفرض على الروس دعم التغيير، لا الدفاع المستميت عن سلطة ليس من الممكن أن تستمر، لكن الأهم هو الوضوح بأنّ الحل هو سوري، من خلال تطوير الانتفاضة. فما يجري على الصعيد الدولي هو صراع مصالح بين إمبرياليات، وتلك «الغربية» منها ليست في وارد التدخل، وبالتالي لا نريد أن تبقى المسألة السورية ورقة لعب دولية.

لهذا، وعلى ضوء ذلك، أظن أنّ على «المجلس الوطني» أن يستقيل من العمل السياسي، لأنّ كل ما قام به كان يصبّ في خدمة تكتيك السلطة، فالأساس الذي قامت استراتيجيته عليه هو أساس خاطئ (وفظيع)، وهو استحالة إسقاط السلطة بقوة الشعب، وبالتالي يكون الهدف هو الدفع إلى تدخل عسكري دولي من أجل التغيير. كل ذلك في وضع تتصارع فيه القوى الإمبريالية خدمة لمصالحها.

والأهم هو أن تسقط قوى الانتفاضة كل مراهنة على المجلس (هذه المراهنة التي نشأت لحظة تأسيسه، لكنّها تراجعت)، وعلى كل دور دولي، وأن تؤسس على كسب الفئات الشعبية التي لم تشارك بعد، لأنّها خائفة أو متخوفة، لأنّ ذلك هو الطريق الأهم لتقصير طريق الانتصار.

المصدر: الأخبار

الانتفاضات العربية: متى تتحقّق مطالب الطبقات الثائرة؟

انتصرت انتفاضتا تونس ومصر. هذا هو العنوان العام الذي تصدر اليوم التالي لرحيل الرؤساء. وبعد أشهر، أصبح الحديث عن سرقة هذه الثورات أو الالتفاف عليها شائعاً، وبات يظهر ألا أمل في الانتفاضات الأخرى لأنّها سوف تعيد إنتاج النظم ذاتها. ولقد انفتح باب عريض للتشكيك بهذه الانتفاضات انطلاقاً من أنّ هدفها «تجديد» النظم المهترئة المتهالكة فقط، رغم أنّ وقودها هو الشعب. لم تغيّر الانتفاضات بنية النظم القديمة، ولم تغيّر النمط الاقتصادي والطبقة الرأسمالية المافياوية المسيطرة. وما فعلته هو طرد الرئيس وبعض من حاشيته ومن مافياته فقط. هذا صحيح من حيث الشكل، حتى الآن. بمعنى أنّ تغيّراً قد تحقق في أشخاص السلطة، لكنّها ظلت تعبّر عن الطبقة الرأسمالية المافياوية ذاتها. ولذلك لا تزال تصرّ على استمرار النمط الاقتصادي دون أي تغيير، بما في ذلك المستوى المتدني للأجور واستمرار البطالة. وأيضاً، ومن أجل ذلك، لا تزال تتمسك بالطابع البوليسي للسلطة، وتحاول أن تجعل التنازلات الديموقراطية في أدنى مستوى. وكذلك تتمسك بالسياسة الخارجية التي درج عليها النظام السابق، ربما مع تعديلات هامشية.

كل ذلك صحيح، لكن السلطة باتت اضعف، وتعيش في وضع متأزم. والأهم هو أنّ الطبقات الشعبية «لم تعد إلى البيت»، فلا تزال تقاوم الوضع الذي هي فيه. والنضال من أجل دولة مدنية ديموقراطية لا يزال قائماً، إذ يتصاعد الصراع حول طبيعة الدولة الجديدة. بمعنى أنّ الخوف الذي كان يسكن تلك الطبقات، وكان يجثم على صدرها كالكابوس، قد انتهى، مما يجعلها لا تخشى استمرار الصراع للوصول إلى تحقيق مطالبها. ولذلك، لن يكون ممكناً لها العودة «إلى البيت»، قبل أن تحقق وضعاً معيشياً يسمح لها بالعيش بكرامة. وهو الأمر الذي يعني أنّها سوف تخوض الصراع حتى النهاية، أي إلى حين تغيير النمط الاقتصادي، لكي يتشكل نمط آخر يحقق مطالبها ويجعلها تعيش بكرامة.

لذلك نجد أنّ الصراع لا يزال يسير على مستويات ثلاثة. الأول يتعلق بحركات الاحتجاج والإضرابات من أجل مطالب تتعلق بالعمل والأجر والتعليم والصحة، وهو حراك كبير في تونس ومصر، وأصبحت مليونيات الجمعة في مصر تركز عليه بوضوح. بمعنى أنّ الصراع من أجل تحقيق مطالب الأجر المناسب وحق العمل والتعليم والصحة مستمر وفي تصاعد، إذ لم يشعر هؤلاء المفقرون بأنّ الثورة قد حققت لهم ما يناسب نضالهم. والمستوى الثاني يتعلق بطبيعة النظام السياسي الجديد، وذلك صراع تخوضه الأحزاب السياسية، لكنّه في صلب اهتمام «شباب الثورة». وهنا يبرز الصراع من أجل إفشال تكتيك الطبقة الرأسمالية المسيطرة الذي يُنفّذ من قبل «السلطة الجديدة»، العسكرية في الخفاء كما في تونس، أو العسكرية الواضحة كما في مصر. والصراع يقوم من أجل تأسيس دولة مدنية ديموقراطية. أما المستوى الثالث فيتعلق بالصراع ضد الإمبريالية والدولة الصهيونية، وذلك أمر واضح في تونس، وأوضح في مصر نتيجة مجاورة الدولة الصهيونية واتفاقات كامب ديفيد، وطابع التبعية الذي كان يحكم علاقة السلطة السابقة بالدولة الصهيونية تحت الإشراف الأميركي.

ويعني ذلك أنّ التغيّير الذي تحقق هو شكلي إلى حدّ كبير، وأنّ الطبقات الشعبية لم تترك الميدان، إذ لا تزال تدافع عن وضعها، وتسعى إلى تحقيق مطالبها. لم تتوقف، ولم تتراخَ، ولا يبدو أنّها قادرة أصلاً على ذلك، لأنّها لا تملك ترف السكينة، وهي في وضع يقارب الموت نتيجة العجز عن توفير ممكنات العيش. بالتالي، انفتح أفق الصراع فقط، وهو مستمر إلى أن تفرض الطبقات الشعبية نمطها من خلال السيطرة على السلطة. ولقد أصبح واضحاً أنّ «النظم الجديدة» ليست في القوة التي كانت عليها تلك النظم التي حكمت لعقود طويلة. وأنّ كل الأحزاب التي يمكن أن تصل إلى السلطة الآن لا تتوافق مصالحها مع تغيير النمط الاقتصادي، فهي ليبرالية في بنيتها، وبالتالي لا تملك البرنامج الذي يحقق مطالب تلك الطبقات.

في المقابل، إنّ قوة الطبقات الشعبية لا تزال كبيرة، ونشاطها لا يزال قائماً لأنّ ليس من خيار آخر أمامها أصلاً. وكما نلاحظ فإنّ الصراع مفتوح كل يوم دون تردد أو تخوّف. وسيستمر الوضع بالتالي كذلك في الفترة القادمة. فالطبقات التي نهضت من أجل إسقاط النظام لن تعود قبل تحقيق هذه المهمة، التي لا تعني تغيير الأشخاص أو حتى الشكل السياسي للسلطة من خلال بناء دولة ديموقراطية، بل تعني تغيير النمط الاقتصادي، قبل الشكل السياسي، لأنّ ذلك وحده ما يحقق لها مطالبها في العمل والأجر المناسب، والتعليم المجاني، والضمان الاجتماعي. لكنّها تطالب أيضاً بالحق في التنظم في نقابات وأحزاب، وحق الإضراب والتظاهر، ورقابة المؤسسات والهيئات، وحرية التعبير والنشر، في إطار دولة مدنية ديموقراطية.

انتفضت تلك الطبقات لأنّها باتت في حالة بطالة أو بأجر لا يكفي لأدنى مستويات العيش، وتعاني من العجز عن تعليم أبنائها أو علاجهم، ولا تمتلك الضمان ضد البطالة أو العجز أو الشيخوخة، وكذلك لا تمتلك إمكانية توفير أي حدّ من الرفاه، ثم لأنّ السلطة تمنعها من التعبير عن وضعها ذلك. وهي تتلمس الحرية حين تقرّر التعبير عن وضعها بالتحديد، لأنّها حينها تجد أنّها في صراع مع السلطة، وأنّ تلك السلطة هي التي تكرّس فقرها من خلال حماية نهب الرأسمال المحلي والإمبريالي. ولذلك هي تعمل على تغيير شكل السلطة في إطار سعيها إلى تغيير كليّة وضعها الذي لا يتحقق إلا بتغيير النمط الاقتصادي.

وما يبدو واضحاً إلى الآن هو أنّ الطبقة الرأسمالية المسيطرة لا تزال تتمسك بالسلطة، وأنّها تقوم بتغيير الأشكال فقط، وستبقى تقاوم من أجل استمرار سيطرتها. كذلك، فإنّ الأحزاب القائمة (في غالبها) لا تفهم الوضع الاقتصادي، وتتمسك بأولوية تغيير شكل السلطة من أجل تأسيس «دولة ديموقراطية»، وبالتالي لا تميل لتغيير النمط الاقتصادي، سواء لأنّ مصالحها تفترض ذلك، إذ إنّها تعبّر كذلك عن فئات رأسمالية (ربما هُمشت، أو أُعطيت حصة محدودة في الفترة السابقة)، أو لأنّها تمثّل فئات وسطى تمتلك أحلام التطور الرأسمالي. وكل هؤلاء هم قاعدة «النظام الجديد». لذلك، مهما كانت صيغة تشكل «النظام الجديد»، أي باستمرار نظام الرأسمالية المافياوية مشذباً، أو مدمجاً بأحزاب جديدة وقاعدة اجتماعية أوسع، أو حتى إذا تشكل من أحزاب «معارضة»، سوف يحافظ على النمط الاقتصادي الريعي المافياوي، وبالتالي لن يحلّ مشكلات الطبقات الشعبية.

ومن الآن تبدو الأمور واضحة لأنّ هذه الطبقات ليس لديها ترف الانتظار، لا حتى تتشكل الدولة الديموقراطية، ولا حتى يبرز من يحمل مشروع تشكيلها. فالأولوية هنا للمقدرة على العيش وليس لشكل الدولة العتيدة. فالعاطلون من العمل يسألون عن التوظيف، والذين لا يكفي أجرهم لشراء الخبز يسألون عن حد أدنى للأجور يحقق لهم مقدرة على العيش، ويسألون عن التعليم والطبابة والسكن. هذه هي الأسئلة التي تُطرح في تونس وفي مصر. والتي تبقي الصراع محتدماً دون توقف.
وإذا كان ذلك يكشف أن جوهر الانتفاضات هو الاقتصاد، فهو يوضّح أيضاً السبب الذي يجعل النخب الليبرالية تصرّ بكل ما فيها من قوة لفظية على أن الحرية والديموقراطية هما أساس الانتفاضات، لأنّها تحاول تعميم «خدعة إيديولوجية» لتضليل الوعي الشعبي، نتيجة كونها لا تريد حل مشكلات الطبقات الشعبية هذه، إذ إنّها تنحاز إلى الرأسمالية سواء التي في السلطة أو التي على هامشها. وهي تمتلك إحساساً دونياً تجاهها، في مقابل التعامل الدوني مع الطبقات الشعبية. وهو الأمر الذي جعلها لا تعتقد بأنّ في مقدور هذه الطبقات صنع ثورة من العيار الثقيل الذي شاهدناه ولا نزال نشاهده. أو حتى تجاوز حالة الخنوع والخضوع التي كانت تعيشها في ظل النهب المافياوي والسلطة الاستبدادية. وهي تريد أن يبقى هذا الوضع، بالتالي تركّز على تغيير الشكل من أجل الحفاظ على الجوهر، الذي هو الاستغلال الرأسمالي.

لكن الطبقات الشعبية مستمرة، وستبقى مستمرة إلى أن تفرض بديلها الذي يحمل تكويناً يحقق مصالحها. بالتالي يمكن القول بأنّ الصراع قد انفتح، وأنّ نهايته هي تحقيق تغيير جذري يحل مشكلات الطبقات الشعبية. ويمكن التأكيد أنّ الصراع مستمر، بغض النظر عن الأشكال التي يمكن أن يتخذها في كل لحظة، وعن الشمول أو التجزيء، أو الحدة أو الليونة، اللذين يمكن أن يتسم بهما في أي وقت. والسؤال الآن هو: كيف تنتظم الطبقات الشعبية بشكل أفضل؟ ومن هي القوة التي يمكن أن تعتبر بأنّ مصالح هذه الطبقات هي مصلحتها الخاصة؟ وبالتالي كيف نصل إلى الوعي بأنّ الحل لا يتحقق إلا عبر بناء سلطة تنطلق من تغيير النمط الاقتصادي، وأنّ هذا وحده هو الذي يسمح ببناء دولة مدنية ديموقراطية؟

الأساس هنا هو كيف توجد هذه الطبقات الشكل السياسي الذي يعبّر عنها، والذي يدفعها لأن تفرض هيمنتها وتصبح هي السلطة لكي تتحقق مصالحها؟ وهنا الحل سياسي، ويقوم على تحويل صراع هذه الطبقات من صراع مطلبي إلى صراع سياسي يستهدف السيطرة على السلطة. لقد نهضت الطبقات الشعبية لخوض الصراع، ولا بد لها من أن تبلور بديلها. إذن، الطبقات الشعبية لم تقبل بالشكل الذي أسقط فيه النظام، ولا تزال مستمرة في الصراع لكي تسقط النظام الاقتصادي والسياسي معاً، من أجل أن يكون ممكناً تحقيق مصالحها هي بالذات.

المصدر: الأخبار