Monthly Archives: مايو 2007

اليسار والموقف من حزب الله

مدخل:
أثارت الحرب التي شنتها الدولة الصهيونية على لبنان صيف سنة 2006، موجة من النقاش حول الموقف من حزب الله. حيث اختلط الموقف من العولمة الامبريالية الذي يطرح مسألة المقاومة، بالموقف من “الإسلام السياسي” أو الأصولية، والذي يستثير الرفض نتيجة المشروع الذي يطرحه. ولهذا نُظر الى حزب الله من أحد زاويتين: المقاومة أو المشروع الطائفي. الأمر الذي أسس لتناقض عميق أودى بالمسألة الوطنية من زوايا متعددة. سواء عبر تجاهل المشروع الامبريالي الصهيوني، وبالتالي إهمال مسألة الاحتلال. أو عبر تجاهل أثر المشاريع الطائفية في تفكيك الوطن، وتسهيل الهيمنة الامبريالية.

ولقد كانت أولويات الأطراف هي التي تحدد موقفهم بغض النظر عن الواقع، أو على الضد من الوقائع. فالمنشدّون الى “العالم”، والى مقاومة العولمة الليبرالية المتوحشة، وحروبها البربرية. والمعنيون بمواجهة الدولة الصهيونية وبهزيمة المشروع الصهيوني. والذين يرون الوقائع من هذا المنظار، أو يجعلون ذلك هو كل الواقع، يرون زاوية المقاومة ويمجدون حزب الله كونه حزب المقاومة. والذين يتعلقون بحلم الديمقراطية وانتصار الليبرالية، وبالتالي يؤسسون أفكارهم على هذا الأساس، بما في ذلك الموقف من المشروع الامبريالي الصهيوني، وبالتالي يرون الوقائع من هذا المنظار، يرون حزب الله كحزب طائفي وأداة سورية إيرانية. وربما يغلبون السمة الثانية على الأولى، حيث أنهم يدعمون قوى طائفية لبنانية ضد حزب الله ( وليد جنبلاط وسمير جعجع وتحالف 14 آذار).

وبهذا يتشكل الاستقطاب الحاد بين مَنْ مع ومَنْ ضد. ولاشك في أن هناك مَنْ يناهض العولمة الليبرالية المتوحشة، وهناك مَنْ يدعمها ويدافع عنها. وكذلك هناك مَنْ هو مع إنهاء الدولة الصهيونية، وهناك مَنْ يقرّ بالواقع القائم، ويهمس بـ “ديمقراطية” الدولة الصهيونية و”حضاريتها”. وأيضاً هناك مَنْ هو ضد الدكتاتوريات، وهناك مَنْ يمكن أن لا يعتبر أنها هي “الخطر الراهن”، حيث يركز النظر الى الاحتلال الصهيوني والاحتلال الأميركي.

وفي هذا الوضع تغيب العقلانية، حيث يفضي هذا المنطق “الثنائي” – رغم الحاجة الى وضوح المواقف من كل المسائل المطروحة – الى حوار كسيح، ووعي سطحي، لأنه يفرض رؤية زاوية واحدة من الظاهرة رغم تعدد زواياها، لتكون هي أساس تحديد الموقف، وبالتالي التعمية على زواياها الأخرى، أو تشويهها. بمعنى أن الظاهرة (وهنا حزب الله) تغدو غير مرئية، لأن جزءاً منها يغطي عليها، ويحلّ محلها، ليصبح هو الظاهرة ذاتها. وهذا إشكال منهجي نبع من استمرار “الوعي التقليدي” القائم على المنطق الصوري، الذي يرى الظاهرة في سكونها، وفي شكلها، وفي “تضادها”. أي في كونها تخضع لمبدأ “إما، أو”. ويكون الشكل هنا، الزاوية التي يُنظر منها، دون تحليل “خلفياتها” وترابطاتها.

لهذا يُرى حزب الله كحزب مقاوم فقط، أو كحزب طائفي وحسب، أو كأداة سورية إيرانية ليس إلا. والمنطلق هنا هو أن البحث لا يبدأ بماهية الحزب، وبمشروعه العام، وبطبيعته الطبقية، بل يبدأ البحث مما يبدو “على السطح”، ووفق الموقف الذاتي لكل طرف. أي وفق الاختيار “الأيديولوجي” لكل طرف. وبهذا تتأسس المتناقضات إنطلاقاً من الاختيارات الذاتية، وليس من الوقائع. وهو ما يشير الى استمرار سيادة المنطق المثالي، وتحكمه بالفهم. الأمر الذي يفضى الى “اختراع” تصورات ورؤى بعيدة كل البعد عن الواقع، أو أنها تنطلق من رؤية جزء من الواقع. وهي في كل الأحوال خاطئة.

إن رؤية نقطة في الصورة وتجاهل كل الصورة، أو طغيان النقطة على الصورة، يعني أن الرؤية “أيديولوجية”، أي أنها تخضع لموقف لحظي دون الغوص في كلية الصورة، التي تعني البحث في الظاهرة في كليتها وتاريخيتها وأفقها. وربما كانت رؤية اللحظة تفيد في تحديد تكتيك سياسي ما، لكنها توقع في سقطات نتيجة أن الرؤية لم تنبنِ على دراسة كلية الظاهرة، وبالتالي ملاحظة التوافق والتناقض فيها. وبالتالي تغلّب التكتيك الراهن على الرؤية المستقبلية، والتوافق على الاختلاف والتناقض أو العكس. وهو ما سنلمسه في الموقف من حزب الله. وما يهم هنا هو موقف اليسار أو الماركسية، وليس أي موقف آخر.

إذن، كيف ننظر الى حزب الله؟
هل نتفاعل مع مقاومته فقط؟ هل نلفت الانتباه الى طابعه الطائفي فحسب؟ وهل نشير الى برنامجه الاقتصادي الاجتماعي دون كل ذلك؟
أي هل نتناوله كحزب يعبر عن فئات اجتماعية وعن مشروع فكري سياسي، أم ننظر الى مقاومته فقط، والى تمثيله الطائفي فحسب؟

في التكتيك السياسي لليسار المقاوم للمشروع الامبريالي الصهيوني، يمكن التفاعل مع مقاومة حزب الله، لكن دون تجاهل طابعه الطبقي، وبالتالي مشروعه الفكري السياسي. وإلا تجاوزنا منطق الماركسية ذاتها. حيث في الصراعات يمكن التحالف مع قوى متناقضة على قضية معينة، لكن ليس من الممكن اعتبار أن هذه القضية هي الكل، وبالتالي تجاهل الطابع الطبقي والمشروع السياسي. فهذا التجاهل يقود الى تضييع الطريق والضياع الفكري، ومن ثم الالتحاق بالقوة التي تمتلك مشروعاً. حيث يندرج التكتيك الذي لا ينحكم الى رؤية وإستراتيجية في سياق القوة الفاعلة، والتي تمتلك مشروعاً ورؤية. إن الرؤية الشاملة هي أساس التكتيك الصحيح والمثمر، ومنطلق مراكمة القوة.

عن حزب الله:
تشكل حزب الله منذ البدء كحزب طائفي يخضع لمرجعية ولاية الفقيه في إيران. وحمل “مشروع الطائفة” بكل مضامينه الدينية والاجتماعية. لكنه تشكل كذلك كحزب “وطني”، عمل منذ بدء تأسيسه على مقاومة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان. بمعنى أنه وضع “مشروع الطائفة” في سياق مقاومة الاحتلال. ولقد حظيت هذه المسألة بجلّ نشاطه الى وقت قريب حينما بدأ النشاط كحزب يطرح تصوراً للدولة اللبنانية ولعلاقاتها الإقليمية والدولية.

وإذا كان قد انطلق من همّ وطني لبناني، فقد كان أساس ذلك هو الوهج الذي جلبه انتصار الثورة الإيرانية سنة 1979، وبالتالي الموقف المناهض لـ “الاستكبار العالمي” الذي اتخذه الإمام الخميني، وتحقيق انتصار الثورة الإسلامية، التي هي شيعية الأيديولوجيا والانتماء الطائفي، على صعيد “عالمي. لهذا اندفعت القيادة الإيرانية لتصدير الثورة معتمدة على “الشيعة” في مختلف المناطق.

وإذا كان الإمام موسى الصدر، في بداية سبعينات القرن الماضي مع بدء توسع المد الأصولي السني/الشيعي، قد أسس حركة المحرومين كحركة شيعية تسعى الى تعديل التوازن في التركيب الطائفي في السلطة لمصلحة “المحرومين”، أي لمصلحة الشيعة الذين باتوا الطائفة الأكبر في لبنان. وإذا كانت حركة أمل قد أصبحت قوة في الإطار الشيعي، فقد وجد “المحرومون” ضالتهم في حزب الله وما يمثل، وفي المقاومة كطريق لتأسيس رمزية معنوية تجعلهم قادرون على تعديل الوضع الداخلي. وهنا ستبدو الوطنية غير “نقية” ( وليس من وطنية نقية على كل حال، لأنها منغمسة في المصالح والميول الأيديولوجية)، بل لها بُعدها الطبقي. حيث بدا أن مَنْ يقاوم وينتصر على الدولة الصهيونية يستطيع الهيمنة على لبنان، وإقامة الدولة الإسلامية، التي تراجع الحزب عن طرحها فيما بعد لمصلحة توافق طائفي يقوم على أسس جديدة، للطائفة الشيعية وضع أقوى فيها.

ربما لم يكن هذا الترابط واضحاً في عقول أعضاء الحزب، وربما حتى لقادته، لكنه واضح في مشروع الحزب الذي طرح في البدء تأسيس دولة إسلامية ثم عاد- نتيجة وضع لبنان المتعدد طائفياً- الى صياغة رؤيته الى لبنان مختلف مؤسس على المحاصصة الطائفية كذلك، من موقع القوة. أي تلك التي تقوم على إعادة بناء المحاصصة الطائفية على أساس ميزان القوى الجديد القائم على الأكثرية العددية للشيعة، والقوة الرمزية للمقاومة. وبالتالي كان يعني ذلك الإفادة من تلك الرمزية لتعديل الواقع الطبقي عبر تعديل الدور في السلطة السياسية. وهو ما بدأ يحدث جزئياً منذ اتفاق الطائف سنة 1990، عبر دور حركة أمل سياسياً، وعبر التوظيف في المراتب العليا في الدولة. لكن دون أن ترضي المحاصصة الجديدة حزب الله، وبالتالي عادت لتطرح هذه المسألة من جديد.

ولاشك في أن ممارسة حزب الله للمقاومة قد أفضت الى تقليص الطابع العقائدي الديني لدى الحزب، وأوجدت مرونة في التعامل مع قوى علمانية وشيوعية (بعد أن كان قد إرتكب الحزب جرائم ضد الشيوعيين المقاومين). لكن دون أن يخرج الحزب عن طابعه الطائفي، وأن يتخلى عن المشروع الطائفي، أي عن مشروع تمثيل طائفة.

وإذا كان الحزب قد قام على أكتاف المحرومين، فإن مشروعه الديني ليس في وارد تحقيق أحلامهم إلا عبر دور خيري. لأن الأيديولوجيا الشيعية ليست أيديولوجيا المحرومين. ومثال إيران واضح هنا، حيث تعمّمت الليبرالية في ظل سيادة تلك الأيديولوجيا، واغتنت فئات قليلة. فهذه الأيديولوجيا تقدّس الملكية الخاصة، وتنشدها، وبالتالي تكرّس تملك فئة على حساب مجموع المحرومين. ولهذا فإن هذه الأيديولوجيا سوف تكرس الليبرالية في لبنان كذلك، ولن تخرج عن المسار الإيراني في هذا المجال.

كما أن طرح مسألة التوافق الطائفي يكرس الطابع الإستقطابي في المجتمع كما كان منذ تأسيس الدولة اللبنانية، وبالتالي يكرس سيطرة الطبقة الرأسمالية ذاتها. لكن مشروع حزب الله ربما يسمح فقط للرأسمالية “الشيعية” بتعديل وضعها ضمن الطبقة الرأسمالية ككل. وبالتالي تعديل وضعها في السلطة. وسنلحظ بأن الرأسمالية “الشيعية” بدأت تحلّ في السلطة بدل “الإقطاع الشيعي” القديم، الذي شارك في المحاصصة الطائفية غداة الاستقلال. وأخذت مكانه. ولقد تعدل وضعها في السلطة جزئياً في اتفاق الطائف دون أن تصبح هي المهيمنة.
ركز الحزب منذ نشوئه الى وقت قريب على المقاومة وأجّل دوره الداخلي، وهو الدور الذي قامت به حركة أمل. لكنه منذ الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان سنة 2000 بدأ يتلمس لذاته دوراً لبنانياً رغم استمرار اهتمامه بمتابعة تحرير مزارع شبعا. لكنه منذ الانتخابات الأخيرة في أيار سنة 2005 أصبح جزءاً من التركيبة السياسية اللبنانية، حيث تحالف مع ممثلي الطبقة الرأسمالية في إطار محاصصة طائفية، وعلى أساس برنامج اقتصادي مفرط في ليبراليته. وهو الأمر الذي تبلور في برنامج الحكومة التي شارك فيها. وسيؤكد الدور الذي لعبه كمعارضة بعد انسحابه منها كل ذلك. كما أن ملاحظاته على خطة باريس -3 لم تمسّ أساسها الليبرالي.

إذن يسعى حزب الله الى تمثيل طائفة في إطار السلطة الحالية (مع تحسينات ربما)، إنطلاقاً من قوة هذه الطائفة العددية، وبالتالي قوتها السياسية القائمة على رمزية الدور المقاوم. لكن مع بقاء طابعها الليبرالي، وكونها تقوم على أساس المحاصصة الطائفية. وربما كان طرحه لمسألة الثلث المعطّل في الحكومة هو الصيغة التي يرى أنها تحدد دوره السياسي “الحاكم” في السلطة. وسنلحظ بأن معارضته للحكومة الحالية (التي كان جزءاً منها، ويسعى للعودة إليها وفق شروطه)، ونزوله مع حلفائه الى الشارع، لم تنبنِ على مسائل اقتصادية أو على السعي لتغيير طابع الدولة القائم على أساس طائفي، بل إنبنت على تعديل التوازن الطائفي وإعطاء الحزب الحق في إسقاط الحكومة متى شاء، وبمنع صدور قرارات أساسية إذا لم يوافق عليها. بمعنى أنه يسعى لأن يكون مقرراً في السلطة رغم أنها سلطة الأغلبية البرلمانية.

وهو هنا لم يختلف مع هذه الأغلبية على طبيعة الدولة، ولا على المحاصصة الطائفية التي تقوم عليها، بل إختلف على حصته فيها. ولقد وافق على برنامج الحكومة الاقتصادي ليبرالي الطابع منذ تشكيلها لكما أشرنا، وأبدى ملاحظات محدودة على ورقة باريس-3. وبالتالي فهو لم يختلف مع الأغلبية في سياستها الاقتصادية، ولا في إعادة إنتاج طائفية الدولة. وهنا يمكن التحديد بأن الحزب مع استمرار التكوين الطائفي للدولة، ومع السياسة الليبرالية التي تفرضها الطبقة الرأسمالية الحاكمة.

ولأنه كذلك فإن تحركه الداخلي من أجل تعديل موازين القوى، كما فعل منذ مدة، سوف يقود الى استثارة “التشنج” الطائفي لدى الطوائف الأخرى، وبالتالي الى حرب طائفية، كما لمسنا خلال تحركه الأخير، والذي واجهه الحزب بعقلانية، حيث تراجع عن التصعيد. ولكن عدم التصعيد سوف يفشل التحرك ذاته، ويضعف من قدرات الحزب. وهو الأمر الذي يشير الى أن تعديل المحاصصة الطائفية ليست مسألة سهلة، وأنها تقود دائماً الى الحرب الأهلية.
ولاشك في أن تحركات المعارضة أوضحت بأن كل الدعم الذي لقيَه الحزب خلال مقاومته للعدوان الصهيوني، تقلص حينما أصبحت المسألة المطروحة هي تعديل المحاصصة الطائفية في السلطة. على العكس، إنقلبت الى إحتقان طائفي خطر، مما يظهر حدود تحرك الحزب، وإمكانات تأثيره في المعادلة السياسية، وأيضاً تآكل الرمزية التي إكتسبها كحزب مقاومة. فقد أصبح طرفاً أساسياً في المعادلة الطائفية، التي لازالت تعيد إنتاج الأزمة، وتكرس سيطرة الطبقة الرأسمالية.

موقف اليسار:
في هذا الوضع كيف يمكن تحديد موقف متماسك من الحزب؟ طبعاً دون النظر من زاوية واحدة، بل إنطلاقاً من واقع الحزب ذاته؟

هل تفيد رؤية دوره المقاوم فقط؟ وهل تفيد رؤية طبيعته الطائفية وتحالفاته فحسب؟

إنه كل ذلك. لهذا فإن القوى المناهضة للمشروع الامبريالي الصهيوني سوف تدعم طابعه المقاوم، وتتحالف معه على هذه النقطة. لكن الوقوف عند هذا الحد بالنسبة لليسار هو خطأ، حيث أن الحزب لا يتناقض مع ليبرالية العولمة، على العكس فهو ينخرط فيها عبر تساوقه مع الطبقة السياسية اللبنانية. كما أن موقفه من المشروع الأميركي متناقض، حيث أنه ضده في العام ومعه في العراق، عبر تحالفه مع القوى “الشيعية” التابعة لإيران والتي هي في الحكم الذي يرعاه الاحتلال الأميركي. وأيضاً فإن تحالفاته الإقليمية تدعم نظم استبدادية وتسعى للتكيف مع السيطرة الامبريالية.

وأيضاً فإن القوى الساعية الى تجاوز الرأسمالية ومخلفاتها، خصوصاً النظام الطائفي القائم، سوف تتناقض مع سياسة الحزب ومشروعه الهادف الى إعادة صياغة ذاك النظام على توازنات جديدة، رغم أنها تتوافق مع مقاومته حينما تحدث على الأرض.

وبالتالي فإن التقاطع الوحيد معه هو المقاومة، مع إختلاف النظر الى القوة التي نقاومها، وأساس هذه المقاومة. حيث أنها ليست “مقاومة قائمة بذاتها” بل هي مقاومة كانت لتحرير جنوب لبنان، ومناهضة المشروع الصهيوني. في أفق دور داخلي لبناني ينطلق من مشروع حزب الله.

وبالتالي فنحن مع المقاومة التي مارسها حزب الله، لكننا ضد المشروع الذي إنبنى عليه الحزب، كونه مشروع يخص طائفة بعينها، وفئة في الطائفة في النهاية. وعلى أساس أيديولوجيا تشكلت في الماضي، وعبرت عن صراعات المجتمع آنئذ. وكونه كذلك مشروع لا يتناقض مع الليبرالية، ولا يقوم على تحقيق مصالح الطبقات الشعبية في مواجهة الرأسمالية، رغم أن الفئات الفقيرة هي التي تشكل قاعدته.

وبهذا يجري التحالف معه في المقاومة، وحينما تكون هناك مقاومة. كما يجري التناقض معه في الصراع الداخلي، وفي الرؤية العامة، كما في إطار علاقاته الإقليمية وموقفه في العراق.

ولا يجب أن ننسى أننا إزاء مشروع أصولي لعب دوراً وطنياً مهماً، لكنه في كل الأحوال مشروع أصولي. وأن وجوده –كما وجود كل القوى الأصولية- يغذي التفكك المجتمعي والحروب الطائفية، بغض النظر عن النوايا. وإن كان الموقف من حزب الله ليس هو الموقف ذاته من حزب الدعوة أو المجلس الأعلى في العراق. وليس هو الموقف من تنظيم القاعدة والإخوان المسلمين.

إذن، هناك تحالف في المقاومة وصراع “أيديولوجي” في المشروع، وحوار مع “المحرومين”. حيث يجب توضيح أخطار كل التشكيلات الطائفية. والتأكيد على أن التطور وتأسيس دولة مدنية علمانية مسألة حيوية، وهي تتناقض مع كل الرؤى القائمة على أساس ديني طائفي. وأيضاً إن “المحرومون” بحاجة الى دولة تتجاوز الرأسمالية لتحقيق مصالحهم العامة، متجاوزة الحلول الخيرية التي هي تكريس للاستغلال والإفقار.

المصدر: الحوار المتمدن