Monthly Archives: أغسطس 2014

هل ما يجري في سوريا ثورة؟

تحولات الوضع السوري ومآل الصراع القائم منذ أكثر من ثلاث سنوات يدفع إلى طرح السؤال: هل هناك ثورة في سوريا؟ وأين هي هذه الثورة التي يجري الحديث عنها؟

سؤال يتكرر، ورغم أن كثير ممن يطرحونه كانوا متشككين بما يجري في سوريا منذ البدء، تأسيسا على تموضع النظام السوري في الوضع الدولي، فإن هناك من بدأ يطرحه بعد أن كان يعتقد بأن ما يجري هو ثورة.

لقد أصبح الصراع على الأرض صراعا مسلحا، وانتهى النشاط الشعبي تقريبا (أو تماما كما يظهر في الإعلام)، وأصبحت القوى الأصولية مهيمنة وتضخمت لتكون هي التي تقاتل النظام، وخصوصا المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة (جبهة النصرة والدولة الإسلامية داعش)، هذه المجموعات التي تلمّ كل “جهاديي” العالم، في حين أن البلدان الإمبريالية والدول “الرجعية” هي التي تدعم “الثورة”، مقابل دعم روسيا وإيران و”قوى المقاومة”(حزب الله) للنظام، وأصبحت القوى الدولية هي التي تتحكم في الصراع.

هذه هي “الصورة النمطية” التي باتت تتكرر، ليس على صعيد الأفراد فقط، بل أساسا في الإعلام الغربي والداعم لـ “طرفي الصراع”. إذن، أين الثورة في كل ذلك؟

“أصبح الصراع على الأرض في سوريا مسلحا، وانتهى النشاط الشعبي تقريبا، وباتت القوى الأصولية مهيمنة وتضخمت لتكون هي التي تقاتل النظام، وخصوصا التابعة منها لتنظيم القاعدة ”

لا أريد أن أكرر بأن الإعلام يأخذ ما هو ظاهر، وهو متحيز كذلك لميول أيديولوجية ومصلحية تجعله تنقل ما يريد. وعلى كل منطق علمي أن يكشف ما هو خلف هذه الصورة، وماذا يراد منها من كل طرف ينشرها، ومن ثم الغوص إلى العمق الذي يشكّل الواقع من أجل معرفة الواقع الحقيقي، وهذا ما يفرض التشكيك في الصورة التي تنتشر في الإعلام، ومن ثم البحث عن الآليات “المنطقية” والعملية التي تسمح بالغوص إلى عمق الواقع.

طبعا يبقى تلقي “الصورة” أسهل من الشك فيها والبحث عن الواقع الحقيقي، ولهذا حين يسود “الكسل الفكري” يصبح تعميم “الصورة” سهلا، وهذا ما تعمل على أساسه مجموعات المصالح، وأصحاب المنظورات الأيديولوجية. وبالتالي يسود “منطق القطيع”، فتنساق قطاعات خلف “الصورة” بالضبط لأنها معممة. أي أنها تصبح حقيقية فقط لأنها معممة وليس لأنها مطابقة للواقع، حيث يمنع “الكسل الفكري” السؤال عن مدى مطابقة الصورة للواقع.

هذا العيب يطال قطاعا كبيرا من “النخب” و”السياسيين” المخضرمين. ولهذا نجد أنهم ينساقون خلف “الصورة النمطية” التي يشكلها الإعلام، ليس فيما يخص الوضع السوري فقط، فهذه عاهة عامة، كانت في أساس فشل هؤلاء وتهميشهم وهامشيتهم. وفي الغالب يخرج السؤال عن الوضع السوري من بين هؤلاء.

لكن الذين ينحازون دون سؤال لمصلحة قبول “الصورة النمطية” عن الواقع السوري هم القطاع الأكبر، خصوصا هنا ممن يعتقد بأنه “يسار”، رغم أن هذا “التعامل النمطي” مع الصورة هو في تضاد مع كل يسار، لأن النقد والشك والبحث والعلمية هي من سمات اليسار الأصيل، فالماركسي يبدأ من التأكيد على أن هذه “صورة إعلامية”، ليطرح السؤال حول ماهية الواقع الحقيقي؟ وهذا ما ليس قائما، ليس فيما يخص الوضع السوري فقط بل فيما يخص كل وضع.

لهذا حين يُطرح السؤال حول، أين هي الثورة؟ يمكن أن نعود لوقائع قائمة يتناولها الإعلام بشكل عابر أو هامشي، أو لا يتناولها لأنها لا تخدم “الصورة النمطية” التي يطرحها، أو تطرح من قبل جهات دولية معنية، مثل منظمات حقوق الإنسان أو الأمم المتحدة، أو غيرها (رغم أن طرحها هنا يجعلها مجال تشكيك من قبل الذين يدعمون السلطة). لكن هناك وقائع لا يمكن التشكيك فيها، وهذا ما يمكن أن نشير إليه، لكنها لا تحظى بالتحليل والتدقيق فتضيع في زحمة “الصورة النمطية”.

حين نتحدث عن مئات آلاف المعتقلين مثلا، وربما يكون التقدير أن عدد الذين اعتقلوا قد تجاوز المليون، ومن ما زال في السجن يتجاوز مائتي ألف، ومن أعلن أنه جرت تصفيته في السجن بلغ الـ11 ألف معتقل. ألا يشير ذلك إلى أن النقمة الشعبية كبيرة؟ وأن من يخوض الصراع ضد النظام أعداد كبيرة من الشعب استلزمت اعتقال هذه الأعداد، وفرضت التخلص من جزء منهم؟ وأن عملية الاعتقالات لم تتوقف إلى الآن بل إنها مستمرة، وتطال ليس فقط المسلحين في الغالب (حيث هم خارج سيطرة السلطة) بل الشباب المدني الناشط في الإعلام أو الإغاثة أو التظاهر، أو أي نشاط شعبي آخر؟

“الذين يحملون السلاح ضد النظام يتجاوزون المائتي ألف، من ضمنهم بضعة آلاف قدموا من الخارج، لكن أغلبهم شباب تظاهروا في الأشهر الأولى للثورة، وتمت مواجهتهم بالرصاص والوحشية من الأجهزة الأمنية والشبيحة”

وهؤلاء الناشطون يتعرضون كذلك للاعتقال والتصفية من قبل تنظيم داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام في المناطق الخارجة عن سيطرة السلطة. وبالتالي إذا كان الإعلام لا يركز على هؤلاء ويركز فقط على “المسلحين” (خصوصا الأصوليين) يمكن لمتابعة عمليات الاعتقال أن تكشف الحراك الشعبي وتوضح استمراريته. فالحراك مستمر في دمشق والساحل وكل المناطق التي تسيطر عليها السلطة، وهو حراك “مدني”. ومن ثم هناك مئات الآلاف التي تقاوم السلطة بشكل غير مسلح، وتنشط بأشكال مختلفة، من الإعلام إلى الإغاثة إلى التظاهر إلى أشكال أخرى تعبّر عن مقاومة السلطة.

ثم إن الذين يحملون السلاح ضد النظام يتجاوزون المائتي ألف، يمكن أن نقول إن من ضمنهم بضعة آلاف من الذين قدموا من الخارج (أي من “الجهاديين”)، لكن معظم هؤلاء من قطاع الشباب الذي تظاهر طيلة الأشهر الأولى من الثورة، وهو يواجَه بالرصاص والوحشية التي تمارسها الأجهزة الأمنية والشبيحة.

وبغض النظر عن الأسباب التي دفعته لحمل السلاح (رغم أن الوحشية التي مارستها السلطة، والتي كانت مقصودة لدفع الشباب إلى حمل السلاح، على أساس أن السلطة هي الأقوى هنا، وبالتالي تستطيع حسم الصراع المسلح)، وعن العدد الذي انضم إلى الأصوليين (أحرار الشام والجبهة الإسلامية عموما، والنصرة، وحتى داعش) فإن الكتلة الأساسية منه هي فئات شعبية شكلت كتائب مسلحة ذات طابع مناطقي، معتقدة أن هذا الخيار هو الخيار الذي يسقط النظام بعد أن جرّبت “السلمية” ووجهت بالرصاص والعنف.

وبالتالي، فبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع حمل السلاح فإن هؤلاء هم مئات الآلاف من الشعب الذي يريد إسقاط النظام.

أظن أن هذه وتلك تشكّل كتلة كبيرة من الشعب الذي يقاوم السلطة، ويريد إسقاطها، ومن ثم هل نعتقد بأن الذين هُدمت بيوتهم أو اضطروا للنزوح نتيجة وحشية العنف الذي تمارسه السلطة (قصف الطيران، وصواريخ سكود بعيدة المدى، والقصف المدفعي، والبراميل المتفجرة التي تلقى عشوائيا لأنه ليس من الممكن توجيهها، والأسلحة الكيميائية التي ثبت استخدامها من قبل السلطة)، هل نعتقد بأن هؤلاء هم مع السلطة؟

ربما كان بعضهم مع السلطة لكن هذه الوحشية لا تسمح بأن يبقى كذلك، وحتى في الساحل السوري الذي يستخدم أبناؤه في القتل وكل الوحشية التي نشاهدها، يختزنون نقمة عالية نتيجة زجهم في صراع لا يخدمهم بل يخدم السلطة التي لم يكونوا معها. هؤلاء يتجاوز عددهم عشرة ملايين سوري. ولن أتناول قطاعات الشعب الأخرى، لكن سأشير إلى أن كل هؤلاء الذين تحدثنا عنهم هم من هذه القطاعات.

على العكس من ذلك سنلمس تقلص القاعدة الاجتماعية للسلطة، وانحسارها في فئات متخوفة أكثر مما هي مقتنعة، وأخرى تشعر أنها في مأزق وتريد الخروج منه. وهؤلاء هم من البرجوازية التجارية الدمشقية الحلبية خصوصا، ومن بعض الفئات الوسطى التي كانت تستفيد من النمط الاقتصادي الذي خلقته مافيا السلطة، ومن بعض الأقليات المتخوفة من البديل (المسيحيون والعلويون خصوصا).

وسنلاحظ الآن بأن من يقاتل حماية للنظام هي قوى خارجية (حزب الله والمليشيات الطائفية العراقية والحرس الثوري الإيراني، وأشتات من “الشيعة” من اليمن والباكستان وأفغانستان، ومن روسيا وغيرها)، بينما ضعفت مقدرته العسكرية، خصوصا بعد أن تهمشت قاعدته الاجتماعية.

هذا الواقع يجد جذوره في الواقع الاقتصادي الذي حكم الوضع قبيل الثورة وكان في أساس انفجارها (بعكس كل تخريف الليبراليين)، حيث كانت نسبة البطالة 30-33% من القوى العاملة، والفارق بين الحد الأدنى للأجور الضروري للعيش والحد الأدنى الفعلي هو 5 إلى 1 (الفعلي كان ستة آلاف ليرة سورية، والضروري كان 31 ألف ليرة حسب دراسات الدولة).

“المشكلة في الوضع السوري أن الصراع تعقد نتيجة وحشية السلطة وتماسكها لفترة طويلة، وحمايتها الفعلية من قبل إيران وروسيا، وفي المقابل التخريب الذي مارسه “أصدقاء الشعب السوري” من أجل تشويه الثورة”

وكانت الزراعة قد انهارت بعد اكتمال الانفتاح الاقتصادي وسيادة اللبرلة، حيث كان هناك مليون فلاح ترك أرضه سنة 2010 من منطقة الجزيرة وهي الأغنى زراعيا في سوريا، وبيعت الصناعات التابعة للقطاع العام أو أهملت، وقادت المنافسة مع السلع القادمة من الصين وتركيا إلى انهيار قطاعات صناعية عديدة، منها الصناعة الأهم في سوريا والمنطقة، أي صناعة الغزل والنسيج.

ونتيجة لذلك أصبح الاقتصاد ريعيا يقوم على الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد. بينما تمركزت الثروة بيد أقلية تحالفت في “شركة الشام القابضة” واستحوذت على 60 إلى 70% من الاقتصاد السوري (عائلة مخلوف والأسد وشاليش استحوذت وحدها على 30% من الاقتصاد). وكل هذه الأرقام من مصادر لم تكن معارضة للسلطة، وهي منشورة ومتداولة لمن يريد المعرفة.

ولا بد من الإشارة إلى أن الذين يحملون السلاح أو ينشطون بأشكال متعددة هم في الغالب من هؤلاء المفقرين، سواء العاطلين عن العمل أو الذين يتحصّلون على أجر لا يكفي العيش. فهي ثورة الطبقات المهمشة والمفقرة بكل جدارة، لأن هؤلاء هم الذين واجهوا الرصاص في التظاهرات السلمية، ومن ثم انتقلوا إلى حمل السلاح بعد تصاعد وحشية السلطة.

إذن، أليس هذا الوضع هو المشابه للوضع المصري والتونسي والمغربي واليمني والجزائري والأردني وكل البلدان العربية وحتى بلدان الأطراف؟ وهو الوضع الذي فجّر الثورات؟

لكن المشكلة في الوضع السوري أن الصراع تعقد نتيجة وحشية السلطة وتماسكها لفترة طويلة (سنتين تقريبا)، والحماية الفعلية له من قبل إيران وروسيا، وفي المقابل التخريب الذي مارسه “أصدقاء الشعب السوري” من أجل تشويه الثورة.

وهذا يفرض فهم الوضع العالمي والخوف العالمي من الثورات، وكيفية اشتغاله على دعم وحشية النظام السوري لكي يمارس كل الوحشية التي ظهر فيها، بهدف تخويف الشعوب وثنيها عن التفكير في الثورة، وهي تعاني من الأوضاع التي عانت منها الدول التي شهدت الثورات.

هنا يكمن تعقيد الثورة السورية، التعقيد الذي يفرض العودة إلى البحث في الوضع العالمي ودراسة مصالح الدول والقوى، وفهم المغزى الذي استفادته من الانتشار السريع للثورات من تونس إلى سوريا. ومن ثم كيف تعاملت مع الوضع السوري؟

المصدر : الجزيرة

Advertisements

النخب في مواجهة الواقع

الفصام بين النخب والواقع قديم، لأن هذه بمجرّد أن تنظر إلى ذاتها نخباً تعتقد أنها تعالت على الواقع، وباتت غير معنية بـ”الرعاع”. هذا الأمر يجعلها تنظر “من فوق”، وتركّز على “فوق”، أي على الدولة والأحزاب والنخب ذاتها و”الوضع العالمي”. هذا الموقع يجعلها تتعامل من منطلق أنها “مراقب” أو “معلّق”، ترفض أو تؤيد، تقبل أو ترفض. بالتالي، لا يعود بإمكانها أن تلمس سوى “ما حدث”، ما حدث فقط. لتكون مهمتها التعليق على الحدث.

أما ما يمكن أن يحدث، وإلى أين يمكن أن تسير الأمور (أي توقّع صيرورة الواقع) فلا يجد مساحةً في الذهن، أو موقعاً في التفكير، أو تحديداً يستلزم تحليلاً عميقاً للواقع.

لهذا، تجد ظاهرة كتنظيم القاعدة، أو جبهة النصرة أو داعش، فتؤيده، ثم تكتشف دوره الفعلي فترفضه، وهي، في هذه العملية، تفرض عليها هامشيتها التضخيم في الحالين، لأنها لم تفهم ماهية الظاهرة، ولا تكوينها وسياساتها، ليخضع الموقف لرغبوية مفرطة. في هذه الحالات، هي تتوهم، وفق أهوائها، قبل أن تكتشف الحقيقة، لكنها حينها تضخم من الشتم والرفض، وتهوّل من القوة. فهي، أساساً، لا تعرف عما تتحدث. هذا ما جعلهم يرسمون أحلاماً هائلة على الثورات، وأمام أوّل صدمة ينقلبون عليها، ويصدّقون كل ما يضخّه الإعلام.

هذا دور مراقب ينطلق من غرائزه، ولا يعرف كيف يمكن أن يفهم ويحلل ويدقق، فالغريزة لا تسمح بذلك، وتفرض الميل إلى حديّةٍ تقوم على: إما/ أو، أو مع/ ضد، أو خير/ شر. إذن، هي نخب أقرب إلى الغريزة منها إلى النخب التي يمكنها التفكير. وفي هذه الحالة، يكون موقع المراقب أو المعلّق محتماً، فلا إمكانية للفهم لكي يتوضّح المسار، ويفهم ما النقص، وما المطلوب، وبالتالي، ما موقع النخب ذاتها؟

نستطيع أن نحدد موقفاً من كل ما حولنا. لكن، يجب أن نفهم، أولاً، ما الواقع؟
طبعاً ربما هناك من يحدِّد لذاته موقع المراقب، أو المعلّق. لكن، حين يتعلق الأمر بأحزابٍ ونخب تنشط في “الشأن العام”، يكون الأمر مأساوياً. فهذه تتحدد بدورها الفعلي في الواقع، وبالتالي، ترتبط مواقفها وتعليقاتها بدور عملي (براكسيس)، حيث يجب أن يفهم الواقع من أجل تحديد الدور العملي، وبالتالي، يكون الفهم أساس الفعل، وهو، هنا، يتجاوز التعليق والمراقبة، أو القبول والرفض، لأنه يتعلق بتحديد ما يجب أن يفرضه الواقع، لكي يتطور بما نعتقد أنه ضروري.

هذا هو “المثقف الهامشي” أو “السياسي الهامشي”، الذي لا ينخرط في الصراع، ويبقى منعزلاً على الرغم من علو الصوت الذي يمتاز به. المطلوب أن يكون فهم الواقع المدخل لتحديد الدور الفعلي، وبالتالي، تحوّل هؤلاء إلى قوة فعلية، ولا يتحقق ذلك إلا بتعبيرها عن الطبقات التي تقول إنها تدافع عنها، ونضالها معها، وتقديم ما تفتقده هذه الطبقات، أي الوعي والتنظيم.

لا يكفي “شتم” القوى الأصولية، أو الخوف منها، ولا استغراب سيطرة القوى الليبرالية، أو لماذا تلك القوى هي التي تلعب الدور الأكبر في الثورات؟ ومن ثم إصدار أحكام قاطعة ضد الثورات، أو بانحراف الثورات، أو حتى بفشلها، هذا موقف المتفرج، أو المراقب والمعلّق، لا بد من تحديد الدور الفعلي في الثورات، وكيف يمكن الانخراط في الصراع، بما يجعل الشعب يلتفّ حول الفعل الذي تقوم به.

إذن، قبل الندب والشتم والخوف، السؤال هو ما هو الدور الفعلي الذي يجب أن يمارس؟ وإذا لم يكن هنا خبرة يمكن دراسة التجارب، والتعمُّق في فهم الواقع.

من قاعدة بلاد الرافدين إلى داعش..كرونولوجيا تحليلية

ليست داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) وليدة الآن، بل إنها البنت الشرعية لتنظيم القاعدة، وفرعه في العراق الذي تمرّد أخيراً، وبات يظهر بديلاً للتنظيم. لهذا، إن كل بحث في وضع داعش يفترض العودة إلى تشكّل تنظيم القاعدة، والبحث في الأسس التي قام عليها، والأسباب التي دفعت، وتدفع، شباباً بسيطاً إلى الانخراط في “الجهاد”. وأيضاً، ما هو الدور الدقيق الذي يلعبه، بعيداً عن التهويمات النظرية والكلام الأيديولوجي، والادعاءات. فالأهمّ هو الدور العملي الذي يقوم به، وماذا يخدم؟

“الجهاديون”، الأفغان العرب، والقاعدة

ربما نشأت فكرة استخدام الدين في الفترة التي تلت التغييرات الكبيرة في الوطن العربي منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث ظهر أنه يجب تدمير كل إمكانية لنشوء فكر حديث، وتبلور أفكار حول التحرر والاستقلال والتنميةٍ، بفاعلية أشدّ مما كان في فترة نشوء جماعة الإخوان المسلمين، حيث فتحت التغيرات الكبيرة في الخمسينيات في الوطن العربي الأعين على الخطر الذي يمكن أن يشكله تغيير راديكالي. لهذا، كان يجب الشغل من أجل نشر فكرٍ يكرّس الماضي في أسوأ مراحله، وكانت السعودية مركزه، أقصد الفكر الوهابي الذي عبّر عن عودةٍ إلى أكثر فقهاء الإسلام انغلاقاً، وتعصباً، ابن تيمية وابن قيم الجوزية، اللذين أَسسا أصوليةً منغلقة، معادية لمحيطها، ليس للأقليات الدينية فقط بل لكل المختلفين في “الملة”. ومعادية لكل الفكر والبنى التي تجاوزت منظورها، وباتت تهدد بتجاوز الدين عموماً، الأمر الذي جعلها ترفض كل فكر آخر. وكان هذا الفكر مناسباً لوضعٍ يشهد تحولاً “تقدمياً”، ينسف كل البنى التقليدية والنظم التقليدية والفكر التقليدي. الأمر الذي جعل السعودية توظّف مليارات الدولارات على نشره، ودعم الفئات التي تعتنقه، وتأسيس جمعيات وهيئات ومؤسسات تعبّر عنه، في مواجهة المجتمع الذي كان يريد التطور والحداثة.

هذا هو “النشاط الأيديولوجي” لمواجهة الفكر الحداثي، الليبرالي والديمقراطي والقومي والماركسي. لكن، كان الشغل يجري لتأسيس بنى تهدف إلى تطبيق تلك الأيديولوجية، وتوظيفها، مباشرةً، ضد الحالات التي يبدو أنها يمكن أن تسير نحو التطور والحداثة. هذا منظور عام، ربما تبلور أواسط سبعينيات القرن العشرين (كما يشير محمد حسنين هيكل، في اتفاق أجراه مدير المخابرات المركزية الأميركية والملك فيصل وأنور السادات وشاه إيران، “نشر في كتاب مدافع آيات الله”).

“كل بحث في وضع داعش يفترض العودة إلى تشكّل تنظيم القاعدة، والبحث في الأسس التي قام عليها، والأسباب التي دفعت، وتدفع، شباباً بسيطاً إلى الانخراط في “الجهاد”.”

لكن الشغل الأساسي بدأ حين قررت الولايات المتحدة إدخال الاتحاد السوفييتي في مستنقع أفغانستان. حيث عملت دول وقوى على “تصدير” مقاتلين إلى هناك، منها خصوصاً السعودية التي موّلت وحشدت ورتبت الإرسال، ومنها الأردن ومصر، وطبعاً باكستان التي كانت تستقبل هؤلاء، وتدربهم المخابرات الأميركية والباكستانية. وكان لجماعة الإخوان المسلمين دور في التحشيد والإرسال، خصوصاً من الأردن وسورية ومصر وليبيا والمغرب العربي، كما جرى التحشيد من السعودية واليمن والشيشان وبلدان إسلامية أخرى. ولقد أفتى إخواني أردني/ فلسطيني، أصبح زعيماً لـ “المجاهدين العرب”، هو عبد الله عزام، بأمر هذه التركيبة التي تجمع كل هؤلاء، بأن الأمر يتعلق بـ “تحالف الإيمان ضد الإلحاد”، ورُسِمت “المعركة” ليس في أفغانستان فقط، بل كذلك في فلسطين والمنطقة على أساس هذه الفتوى التي برّرت “التحالف المقدس” هذا. بكل هؤلاء الوافدين من الشرق والمؤدلجين على يد الوهابية السعودية، والمدربين على يد “سي آي إيه”، جرى خوض الصراع ضد السوفييت، إلى أن اضطروا للانسحاب، وسقطت أفغانستان بيد الأحزاب الأصولية التي قاتلت، والتي قاد تقاتلها فيما بينها إلى سيطرة “طالبان”، الأصولية الوهابية.

من هؤلاء تشكل تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، و”نخبة” من المقاتلين و”المثقفين”. وكان لافتاً أن معركة هؤلاء هي ضد أميركا التي دربتهم ودعمتهم في أفغانستان، وكان هذا الأمر يُفسّر بانقلاب هؤلاء على السياسة الأميركية، حيث إنهم قد استخدموها لهزيمة السوفييت، والآن، جاء دور هزيمتهم لها. لكن هذا تفسير سطحي، شكلي، ينطلق من أن أميركا تعاني من السذاجة التي تجعلها تدرّب “عدوها”، خصوصاً أن من زرع الرؤية التي تحكم هؤلاء هي “المدرسة السعودية” التي لم تكن بعيدة عن أميركا في التوظيف الأيديولوجي للوهابية في هذه المعارك. الأمر يتعلق بمسألة أخرى، أميركية بامتياز، وتتعلق بما بات يسمى في الأدبيات السياسية “اختراع عدو”، أي تشكيل عدو لخدمة سياسة معينة، كانت الدوائر الأميركية عاكفة على صياغتها منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، مع بدء انهيار المنظومة الاشتراكية، و”اختفاء العدو” الذي كان يشدّ بنية أميركا والرأسمالية عموماً، ويبرر تدخلها العالمي.

لا يعني هذا أن هؤلاء عملاء، وإنْ كان لا بد من أن تكون المخابرات المركزية الأميركية قد زرعت في مفاصل “الجهاديين” من يعمل لها، على ضوء تدريبها ومراقبتها لهم. بل إنه يعني أن المنظور الأيديولوجي الذي زرع فيهم كان يسمح بأن يلعبوا أدواراً تخدم سياسات تريدها أميركا، بالترافق مع “زرع مفاصل”. هذه الوضعية هي التي شكلت تنظيم القاعدة، وكان دوره الأول هو: أميركا. وهذا ما أُنجز في عقد التسعينيات وأوائل العقد الجديد، وربما كان العمل الأهم هو الهجوم على برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 سبتمبر/أيلول 2001، والذي كان المبرر الأساس لحشد الشعب الأميركي، وقطاع من شعوب العالم لم يكن قليل العدد، خلف عمل عسكري كبير يتعلق باحتلال أفغانستان ثم العراق، ثم تعزيز الميزانية العسكرية، وتوسيع نشر القوات الأميركية في العالم. وباختصار، كان الهدف السيطرة على مناطق النفط والمواقع الاستراتيجية، ووضع كل العالم تحت التهديد العسكري الأميركي، كما لاحظنا فيما جرى بعد “11 سبتمبر”. من أجل تجاوز الأزمة العميقة التي يعيشها الاقتصاد الأميركي، وكانت تُظهر ميله إلى الانهيار منذ الأحد الأسود سنة 1987 (واستمر وصولاً إلى الانهيار المالي في 15 سبتمبر/أيلول 2008).

“الفكر الوهابي الذي عبّر عن عودةٍ إلى أكثر فقهاء الإسلام انغلاقاً، وتعصباً، ابن تيمية وابن قيم الجوزية، اللذين أَسسا أصوليةً منغلقة، معادية لمحيطها، ليس للأقليات الدينية فقط بل لكل المختلفين في “الملة”.”

أظن، هنا، أي بعد هذا التحوّل العالمي في السياسة الأميركية، بات لتنظيم القاعدة هدفاً آخر. فالصدام مع أميركا تراجع، على الرغم من كل صورة الماضي التي كانت تحجب هذا التحوّل. وبالتالي، تحقق انتقال تنظيم القاعدة من “قتال أميركا” إلى ممارسة سياسات أخرى. هي ما سنلمسه في العراق (حيث أعلن بوش الابن شخصياً وصول أبو مصعب الزرقاوي إليه) واليمن والمغرب العربي وسورية. لكن، مع ملاحظة أن أميركا لم تبقَ “المخترق” الوحيد لهذه المجموعات، ولتنظيم القاعدة، حيث كانت السعودية فاعلة منذ البدء في هذا المجال، وكذلك الأردن ومصر. وتبيّن بعد أن النظام السوري هو الأجدر في هذا المجال. وبالتالي، كانت كل دولة تسيّرها وفق الهدف الذي يخدم سياساتها، فقد عمل النظام السوري على توظيفهم في العراق ضد أميركا، بعد التصادم الذي حدث بمقتل رفيق الحريري. ما ساعد أميركا، وكل هذه الدول، على ذلك، طبيعة الفئات الاجتماعية التي تنخرط في “الجهاد”. السمة الأساسية أن هؤلاء يعانون من التهميش بالمعنى الاقتصادي، حيث إنهم من بيئات مفقرة، بلا عمل أو وسيلة إنتاج أو مدخول ثابت. ويعانون من تهميش “حضاري”، حيث إن بيئاتهم هي “خارج الحضارة”، تبدو أنها تعيش “القرون الوسطى”، من حيث المفاهيم والسلوك والتقاليد والقيم. “عالم خارج التاريخ”. وفي حالات كثيرة، يمكن أن يوصف بعض هؤلاء بأنهم “حثالة”، حيث كانوا ينخرطون في “النشاط السفلي”، ويرتكبون كل الرذائل، ويمارسون القتل والدعارة، وكلها تؤشّر على أنهم “حثالة”. وكانت هامشيتهم هذه تؤسس حالات “الهوس الجنسي”، أو الميل الانتحاري، وتحفزهم للانخراط في هذا النشاط “البطولي”، “الاستعراضي”، والذي يفتح الباب إلى “الحوريات في الجنة”. أو يجعلهم ممثلين في مسلسل تاريخي. أو يحوّلهم من الهامش إلى المتن، لكي يحتلوا كل الصورة. ونشأت هذه الحالة الأخيرة بعد نشوء الظاهرة، وتحوّل الاهتمام العالمي نحوها لأسباب مختلفة.

بهذا، تشكل تنظيم القاعدة من “تنويعة” من هذه الفئات ومن “رجال مخابرات” مدربين جيداً، وبات وفق المنظور الأيديولوجي الذي يحكمه (وهو غير سياسي أصلاً، وما دون سياسي حتماً)، وتأثير الأجهزة المخابراتية، ينشط بما يظهر واقعياً أنه يدمّر، على الرغم من أنه يقول إنه يسعى إلى إقامة “دولة الخلافة” التي كلما أعلنها تظهر شكلاً كاريكاتورياً هزلياً، أو أن طرح دولة الخلافة، وفق المنظور المطروح، يؤدي، بالضرورة، إلى التدمير، لأنه يريد أن يزيل طبقات من التطور، حدثت بعد هذا الشكل من الإسلام الذي يعتقده. بالتالي، ليس ممكناً أن نفهم ظاهرة “الجهاديين” نتيجة بيئات متخلفة فقط، هذه موجودة، وهي واضحة فيها. لكن، لا بد من أن نلمس المنظور الأيديولوجي الذي يُعبأ هؤلاء به، والسياسة العملية التي يدفعون نحوها. وهنا المؤثر ليس هؤلاء، بل “الخبراء” الذين يؤدلجون، ويدربون، ويوجهون، عبر اختراقات أساسية وفرعية. وحالة تنظيم القاعدة المنتشرة في “العالم الإسلامي” نتاج ذلك. وإذا كان قد قام بعمليات ضد سفاراتٍ أميركية في تسعينيات القرن الماضي، ثم ضرب في أميركا، فقد قام ببعض العمليات في السعودية، لكن، من دون أن يلعب دوراً مهماً، بل ظل دوره محدوداً، و”مسيطراً عليه”. لكن، ظهر واضحاً أنه لا يستطيع الوجود، وفرض سلطته، إلا في المناطق التي تكون خارج سيطرة الدولة، فهو لا يستطيع “التحرير”، ولم يدرّب على ذلك، بل يستغلّ “ضعف الدولة” لكي يفرض وجوده. وهنا، لا بد من أن نشير إلى أن التدريب الأساسي الذي تلقاه يتعلق بالتحديد بعمليات التفجير (المفخخات) والانتحاريين، ولم يتدرب على “حرب العصابات”، أو الاشتباك مع عدو، إلا ربما في حدود بدائية. وكل الهالة التي ترسم حوله تتعلق بالعمليات الانتحارية، والتخويف بها. وكان يتضّح، دائماً، أنها تظهر في مناطق تشهد صراعات وتفككاً قبل أن يأتي، وهو يأتي إلى هذه المناطق تحديداً. لهذا، يجب التدقيق في الدور الذي يقوم به.

مهجرون عراقيون أيزيديون من سنجار إلى دهوك (5 أغسطس/2014/أ.ف.ب)

على صعيد المنظور الذي يعمل هؤلاء على أساسه، بغض النظر عن التأسيس الأصولي الذي يقيمون عليه ذلك، فهو يقوم على أساس “ديني”، أي ينطلق من منظور الدين، كما يصاغ أيديولوجياً، بالاعتماد على فتاوى ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب، والفتوى المباشرة لـ “الشيوخ” في التنظيم. وهذا يعني أن مفهوم الصراع قائم على أساس ديني، وطائفي، أي أنه صراع داخل الدين، ومن أجل تطبيقه (الدين كما يفهمونه طبعاً، بالاعتماد على فتاوى المشار إليهم). بهذا، هي تتخذ شكلين في التطبيق العملي، الأول أن الصراع الأساسي هو ضد الأديان والطوائف الأخرى، لأن الدين هو فقط “الإسلام” الذي يعرفونه مصاغاً من ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب. بالتالي، فإن الصراع الأساسي هو ضد الشيعة الروافض وكل الطوائف الأخرى. والثاني فرض “الشريعة” كما صيغت، وفق هؤلاء الفقهاء في سياق إقامة “دولة الخلافة”. وهنا، يجري العمل على إلزام

“المنظور الأيديولوجي الذي زرع في الجهاديين كان يسمح بأن يلعبوا أدواراً تخدم سياسات تريدها أميركا، بالترافق مع زرع “مفاصل” استخبارية لها بينهم.”

الشعب بتلك القيم التي يعرفونها ديناً، وهي قيم متشددة ومتعصبة وبدائية، وشكلية جداً. وتحيل إلى القرون الوسطى، وليس إلى الواقع الراهن، ما يجعلها عنصر تدمير وقتل، فكلها باتت “خارج الخدمة”، حيث إن تحولات الواقع تجاوزتها. هذه المسألة هي التي تجعل فاعلية هؤلاء تصبّ في القتل والتدمير، حيث يعملون على تطبيق قيمٍ باتت من الماضي على مجتمعاتٍ تجاوزتها. الصراع أيديولوجي في الحالين، وإن كان يتخذ شكلاً عنيفاً، لأن الهدف هو فرض الأيديولوجية بالقوة السافرة. وما دامت هذه الأيديولوجية متقادمة، وأن بنى المجتمع تجاوزتها، فإن هذه الممارسة تفضي إلى التدمير والوحشية. بهذا، تكون معركة هؤلاء “الجهاديين” مع الشعب، وليس مع النظم السياسية، لأنهم أصلاً، وفق المنظور الأصولي الذي يحكمهم، لا يعرفون السياسة من الأساس، على الرغم من أن ما يمارسونه سياسة، لكنها

سياسة تدمير الذات بالاستعانة بأفكار وقوى من القرون الوسطى، أي محاولة حكم الراهن بعقل القرون الوسطى وبناه. الأمر الذي يعني تدمير كل التطور الذي تجاوز القرون الوسطى، أي تدمير المجتمع، لأن المجتمع بكليته تجاوزها، حتى وهو يعيش التخلف القائم (مقارنة بتطور أوروبا).

هذه هي “الخلفية” التي تحكم داعش. ولتحليل وضعيتها، لا بد من الإشارة إلى أن وجود تنظيم القاعدة في العراق مرّ قبل داعش بثلاث مراحل، الأولى نشوء “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، الثانية بعد مقتل الأخير، حيث جرى تأسيس “دولة العراق الإسلامية” بقيادة ابو عمر البغدادي، والثالثة، مقتل أبو عمر البغدادي وتسلُّم أبو بكر البغدادي، وهي مرحلة مهدت لنشوء “الدولة الإسلامية في العراق والشام –داعش”. وهذا التقسيم مرتبط بسياسات قام بها التنظيم، وأهداف سعى إليها، وانعكست بتحولات الشكل الذي اتخذه.

كانت المرة الأولى التي سُمع فيها اسم أبو مصعب الزرقاوي حين أعلن جورج بوش أنه قدم من أفغانستان إلى العراق، بعد الاحتلال الأميركي للعراق بعام تقريباً. لم يكن أحد يعرف به، سوى من أرسله وبعض “المجاهدين” في أفغانستان. ويقال إنه لم ينخرط في صفوف تنظيم القاعدة التي يقودها بن لادن هناك، وشكّل مجموعة “منزوية”. ويبدو أنه من المجموعات التي هربت باتجاه إيران، ومنها دخل العراق (ومعروف أن هذه المجموعات كانت معروفة لدى المخابرات الإيرانية، وعلى تواصل معها، كما أقرّ أخيراً أبو محمد العدناني الناطق الرسمي باسم داعش). كانت الأجواء تشير إلى أنه، والمجموعة التي أتت معه، أتوا العراق من أجل “مقاومة الاحتلال”، حيث كان يركز الإعلام على هذا الدور لتنظيم القاعدة ولـ”المجاهدين”. وبدأت تنشأ “قواعد” للتنظيم في المنطقة الغربية من العراق (أي المنطقة السنية التي كانت مركز مقاومة الاحتلال) بعدما تشكّل تحت اسم “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” (وهو الاسم الذي وحّد فيه اسم تنظيم القاعدة، والمجموعة التي كان قد شكلها في أفغانستان، باسم التوحيد والجهاد).وجدت مجموعات تنظيم قاعدة الجهاد في مناطق وجود المقاومة العراقية التي كانت مشتعلة ضد الاحتلال الأميركي، وعلى الرغم من أن الحديث عن مقاومة الاحتلال لم يظهر أي دور جدّي لتنظيم القاعدة، لكن السياسة التي اتبعها الزرقاوي قامت على الصراع ضد (الروافض)، وقد أعلن ذلك مراراً، واعتبره الأولوية. بمعنى أن معركته في العراق كانت ضد الروافض (أي الشيعة). لهذا، ركّز نشاطه في تفجير الحسينيات ومواكب العزاء، وعموماً في المناطق الشيعية. هذا هو الدور الأساسي الذي لعبه تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين. وفي الأثناء، استغلّ اسمه للقيام بتفجيرات واسعة في مختلف مناطق العراق، الشيعية خصوصاً، وفي بغداد. وكان واضحاً، في هذه المرحلة، أن الهدف هو افتعال صراع طائفي، لكن، بالأساس، تحريض الشيعة طائفياً، وتكتيلهم ضد السنّة. ولقد فتحت عمليات أبو مصعب الزرقاوي باباً لممارسة تنظيمات شيعية تطهيراً طائفياً في بغداد وممارسة العنف الطائفي ضد السنّة. منها تنظيم “عصائب أهل الحق” بقيادة أبو درع، الذي كان جزءاً من التيار الصدري، لكنه طرد لممارساته الطائفية وأُهدر دمه، لكنه كان محمياً من المخابرات الإيرانية. ولكن، أيضاً، فيلق بدر وحزب الله العراق، وميليشيات طائفية عديدة مارست التطهير الطائفي في المناطق الشيعية. وهي المرحلة التي رسّخ نوري المالكي سلطته فيها، بتوافق أميركي إيراني، وأصبح يحكم عبر الميليشيات التي تشكلت في خضم هذا الصراع الطائفي، وحيث أخذ يقيم جيشاً مسيطراً عليه طائفياً.


لم يكن أحد يعرف بأبي مصعب الزرقاوي، سوى من أرسله وبعض “المجاهدين” في أفغانستان

ويشير تناول دور أبو مصعب الزرقاوي، في هذه المرحلة، إلى أن ما قام به هو تفجير الصراع الطائفي، والتأسيس لانقسام العراق إلى أقاليم طائفية. فقد أشعل الصراع ضد الشيعة، الأمر الذي حرّض طائفيي الشيعة (تربوا في إيران سنوات طويلة بعد أن طردهم من العراق صدام حسين نهاية سبعينيات القرن الماضي) على تشكيل المناطق الشيعية على أساس طائفي “نقي”. وبات واضحاً أن “الكتلة الشيعية” تبلورت، وتحددت، وسيطرت على مناطقها. هذا ما كانت تقود إليه سياسة الزرقاوي فعلياً، هل نشكك؟ سنرى الأمر كيف انقلب بعدئذ.

دولة العراق الإسلامية

في عملية سوبرمانية، قتل الزرقاوي على يد الجيش الأميركي في 8/6/2006، حيث جرى اكتشاف مخبئه، لتهبط طائرة محملة بالجنود، وتنفّذ أمر قتله (بدل اعتقاله). تسلم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين أبو عمر البغدادي، وسرعان ما أعلن قيام “دولة العراق الإسلامية” في 15/1/ 2007، ووضع حدودها، بحيث لا تتجاوز المنطقتين، الشمالية والغربية، من العراق، أي المنطقة السنية فقط. بمعنى أنها لم تشمل كل العراق، ما يعني أنه لم يعد في صراع مع الشيعة الروافض، بل بات يهدف إلى ترسيخ أسس الدولة في المنطقة السنية من العراق. بمعنى أن الصراع انتقل من أولوية الحرب ضد الشيعة “الروافض” إلى أولوية “تطبيق الشريعة”، أو تطبيق “أركان الإسلام” كما يفهمها هؤلاء بإقامة الدولة الإسلامية التي بات اسمها “دولة العراق الإسلامية”، وأصبح أبو عمر أميرها، وعيّن الوزراء.

أبو مصعب الزرقاوي

في هذه السنوات، كانت المقاومة العراقية قوية في تلك المناطق، وكانت ممارسات الزرقاوي قد شلّت إمكانية نهوض مقاومة في الجنوب ضد الاحتلال الأميركي، خصوصاً بعدما حطّم الاحتلال قوى التيار الصدري، حيث باتت المقاومة تعني السنّة فقط، وتهدف إلى إنهاء حكم الشيعة “المدعوين من الاحتلال”. بالتالي، كان هذا التحوّل في سياسة تنظيم دولة العراق خطراً، لأنه أدخل المنطقة الغربية والشمالية في صراع معه، بعدما عمل على فرض قيمه التي هي قيم قروسطية. وأصبح في اشتباك مع كتائب المقاومة، الأمر الذي فرض انقسام هذه الكتائب بين مستمر في مقاومة الاحتلال ومن وافق على التفاهم مع الاحتلال ضد تنظيم دولة العراق، الأمر الذي فرض تشكيل “مجالس الصحوة” من العشائر، ومن كتائب كانت تقاوم الاحتلال. وفي هذه العملية، تراجعت مقاومة الاحتلال، وانكفأت المنطقة السنية على ذاتها. ولم يكن الاحتلال يريد أكثر من ذلك، فقد ضعفت المقاومة واستردّ سيطرته سنتي 2007 و2008، وبات مرتاحاً في ترتيب الوضع العراقي.


فتحت عمليات أبو مصعب الزرقاوي باباً لممارسة تنظيمات شيعية تطهيراً طائفياً في بغداد وممارسة العنف الطائفي ضد السنّة

وهذه هي السنوات التي كان يعمل الاحتلال الأميركي فيها على تقسيم العراق، بعدما شكّل لجنة في الكونغرس برئاسة جو بايدن (النائب الحالي للرئيس باراك أوباما)، أقرت اللجنة على ضوء الصراع الطائفي القائم، وانقسام العراق إلى جنوب شيعي وغرب سني وشمال كردي، تقسيم العراق إلى ثلاث دول. وحينها أقرّ مجلس الشيوخ التوصية.

بمعنى أن المرحلة الثانية من دور تنظيم قاعدة الجهاد الذي بات يسمى تنظيم دولة العراق الإسلامية تمثلت في إجهاض المقاومة، وترويع الشعب، وإيجاد تماسك سني في حدود المنطقة السنية. بالتالي، يكون قد أكمل المهمة الأولى التي تمثلت في إيجاد صراع طائفي، وفرض تماسك المنطقة الشيعية. وفي كل هذه المراحل، ظل وجوده غطاء للتفجيرات التي حدثت، وقامت بها قوى طائفية شيعية وأجهزة مخابرات عالمية (أميركية) وإقليمية (سورية، سعودية وربما أكثر).

بعد ذلك، جرت عمليات تصفية لأبي عمر البغدادي، وربما لآخرين، قبل أن يتسلم أبو بكر البغدادي القيادة في إبريل/ نيسان سنة 2010. خلال هذه الفترة، ضعفت المقاومة العراقية كثيراً، وباتت “العملية السياسية” مدخل “السنة”، بعد أن قاطعوها طويلاً، وبالتالي، ضعف كثيراً دور تنظيم دولة العراق، بعدما طاردته العشائر، وظل فقط شماعة لعمليات التفجير التي كانت تحدث كلما توترت العملية السياسية. ثم هدأ دوره بعد أن تسلّم ابو بكر البغدادي القيادة، وكاد يُنسى لولا أن موجة الثورات العربية قد وصلت إلى العراق، فعاد يلوّح بدور، ولقد تصاعد دوره بعدما تصاعد نشاط المنطقة الغربية والشمالية ضد الحكومة منذ نهاية سنة 2012 وسنة 2013، وخصوصاً منذ بداية سنة 2014، حيث عادت المشجب الذي يستخدمه نوري المالكي، على الرغم من أنه كان يشوش على الحراك الشعبي، الأمر الذي دفع “العشائر” والشباب في الأنبار للصدام معه، في صدامهم مع قوات المالكي، بداية العام الجاري.

الوصول إلى داعش

تشكلت “داعش” من فرض دمج جبهة النصرة التي تشكلت في سورية صيف 2012 وتنظيم دولة العراق الإسلامية. وظل دور تنظيم دولة العراق ضعيفاً، منذ تراجع دور المقاومة، وتشكّل مجالس الصحوة التي خاضت معارك ضدها بدعم أميركي، ومن ثم “استقرار” العملية السياسية. وظهر، بعد مقتل أبو عمر البغدادي، أن دور إيران في التنظيم تعاظم، ربما بفعل الصدام مع مجالس الصحوة. فقد أرادت أميركا أن تحوّل الصراع من صراع المقاومة ضدها إلى صراع العشائر ضد التنظيم، الذي كان يعلب دوراً يخدم سياساتها كما أشرنا للتو، وبدا أن هذا هو دوره الأخير، المتمثل في إنهاك المقاومة وإنهائها. ومن الواضح أنه نجح في ذلك، حيث تراجعت المقاومة إلى حدّ التلاشي تقريباً. في هذه الوضعية، تعززت العملية السياسية، لكن أميركا كانت قد بدأت في طرح مشروعها التقسيمي الذي كان من المفترض أن تكون مجالس الصحوة قوته في المناطق الغربية. في هذه اللحظات، انفجرت الأزمة المالية (15 سبتمبر/أيلول 2008)، ونجح باراك أوباما رئيساً على أكتاف الأزمة. لهذا، بات التقسيم غير ممكن، بعدما توضّح أن أوباما يريد الانسحاب من العراق.

ربما جعلت هذه الوضعية إيران قادرة على السيطرة على التنظيم (وأظن أنها كانت تخترقه من قبل)، وبالتالي، كان مجيء أبو بكر البغدادي في هذا السياق. فقد بات احتياطياً للدور الإيراني، والغطاء للتفجيرات التي تحدثها المخابرات الإيرانية خدمة لتعزيز سيطرتها على “العملية السياسية”. ظهر ذلك في الدور الذي عاد إلى التنظيم بعد التظاهرات التي حدثت بتأثير الثورات العربية، ومن ثم في تحركات المحافظات “السنية”، وآخرها في الأنبار بداية 2014، حيث اضطرت العشائر للاشتباك معه، في وقت كانت تقاتل قوات نوري المالكي، وكان واضحاً أن يتدخل لتخريب الحراك، بافتعال أولويات مناقضة للحراك نفسه. خصوصاً أن كل نشاطه يتركز في المحافظات الغربية فقط.


المرحلة الثانية من دور تنظيم قاعدة الجهاد الذي بات يسمى تنظيم دولة العراق الإسلامية تمثلت في إجهاض المقاومة، وترويع الشعب، وإيجاد تماسك سني في حدود المنطقة السنية

أما جبهة النصرة فقد تشكلت من كادراتٍ كانت معتقلة لدى النظام السوري، وأطلق سراحها على دفعات آخرها شمل 500 كادر أُطلق سراحهم في إبريل/نيسان سنة 2012، ومنهم أبو مصعب السوري. وحين تشكّل، كان واضحاً أن فروع جبهة النصرة في المحافظات السورية تشكلت من هؤلاء المفرج عنهم. كما تشكلت تنظيمات سلفية قريبة منها، مثل “أحرار الشام” و”صقور الشام”. وكل هؤلاء هم من “الجهاديين” الذين ذهبوا للقتال مع تنظيم قاعدة الجهاد، ثم تنظيم دولة العراق الإسلامية في العراق. ومارست، منذ البدء، السلطة في المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة، وأعلنت عن تشكيل الدولة الإسلامية من حلب، وأخذت تمارس فرض الأصولية، و”الحكم الشرعي”، من دون أن يكون لها دور مهم في قتال قوات النظام. على العكس، بدأت، وهي تفرض سلطتها، تحتك بالكتائب المسلحة الأخرى، وتحاول أن تفرض هيمنتها عليها. وفي حالاتٍ عديدة ذكرت، كانت السلطة في المناطق التي تضطر للانسحاب منها تسلم مواقعها للجبهة. وكل المعلومات التي تسربت من السجن، حيث كان هؤلاء كانت تشير إلى اختراقات أمنية أساسية في بنية الجبهة. كما أن عمليات تفجير عديدة، قامت بها السلطة ذاتها، أعلنت باسم الجبهة (مثل تفجير كفر سوسة ضد مركز أمن الدولة، حيث صدر بيان باسم الجبهة، ولم تكن قد شُكّلت بعد).

فجأة، أعلن أبو بكر البغدادي ضم جبهة النصرة إلى تنظيم دولة العراق وتأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام. رفض أبو محمد الجولاني الأمر، واعتبر أنه فرع لتنظيم القاعدة، وأخذ دعم أيمن الظاهري الذي طالب البغدادي بفض الوحدة، والتزام العمل في العراق، لكن الأخير رفض الأمر. وخلال ذلك، انضم كثيرون ممن كان في جبهة النصرة إلى داعش، خصوصاً أن كلاً منهم يعرف الآخر، التي باتت هي التنظيم الأساس. وأخذت تسيطر على مناطق الشمال والشرق السوريين، واتخذت من الرقة مقراً لها، كما أخذت في تطبيق “شرعها”. وبهذا، باتت في صدام مع الشعب في المناطق “المحررة”، ومع الكتائب المسلحة، حيث عبرها تمت تصفية قيادات وكادرات عديدة في “الجيش الحر”، وناشطين إعلاميين وإغاثيين. وظهر، في أكثر من موقع، أنها تنسق مع السلطة (سقوط مطار منغ، مثلاً، حيث جرى تسليمه للتنظيم، ومواقع أخرى عديدة).

الآن، وبعدما تحوّل الصراع في محافظات العراق الشمالية والغربية من شكله السلمي إلى الشكل المسلح، وتقدّم المجلس العسكري لثوار العراق للسيطرة على بغداد، أخذت داعش تعبث، كما فعلت في سورية. ما هو دورها؟ ولماذا باتت البديل عن تنظيم القاعدة؟ أسئلة تحتاج إلى بحث.