Monthly Archives: مايو 2012

مقابلة| سلامة كيلة: الثورات مدرسة في الممارسة والوعي

حين تتحدث إلى الناشط السياسي والكاتب الفلسطيني سلامة كيلة، الذي أبعد أخيراً من سوريا إلى الأردن، لا يمكنك بأيّ حال أن تفصل نضاله السياسي عن ذاك الفكري، إذ إنّه إلى جانب عمله السياسي منذ عقود، كتب وحلل وقرأ عالمنا العربي
سارة القضاة

■ أين المثقف في الربيع العربي، وكم كان فاعلاً دور المثقف العضوي في الحراك؟
الإنسان دائماً لديه منطق تفكير، غير الأفكار التي يطرحها، وحين يواجهه أحد، هناك آلية يتعامل بها مع هذا الحدث. منذ أيام أرسطو كانوا يتحدثون عن المنطق الصوري، أو منطق الهوية، الذي عملياً يرى شكل المسائل وسكونها، أي أنا آخر. هذا الوضع كان طبيعياً في القرون الوسطى، لأنّ الإنسان بوعيه البسيط يرى أشكال الحياة دون أن يستطيع الدخول إلى عمقها، لكن مع العصر الحديث حصل تحوّل، فلم نعد نرى الأشكال فقط، بل نرى عمق المسائل أيضاً، وهذا ما قدمته الماركسية، بحيث إنّها أصبحت لا تكتفي بالتوصيف فقط، بل بالبحث في جوهر الأمور أيضاً.

فالماركسية غيّرت منطق التفكير إلى منطق النادي الجدلي، أي أن نفهم عمق المسائل، والنقطة الأساسية التي أضافها ماركس، والتي اعتبر أنّها أسس للفهم المادي، هي أن يبدأ الشخص من الاقتصاد. فالاقتصاد هو المحدد في التحليل الأخير، وبالتالي اذا لم نبدأ من الاقتصاد فسنبقى في السطح. ما حصل في بلادنا، أنّ الماركسيين بقوا على السطح؛ داخلياً صراع مع نظام، وعالمياً إمبريالية ضد إمبريالية، وظلوا بالكلام السياسي، فلا أحد يعرف أرقام وإحصائيات داخل بلده، ووضع الناس المعيشي، ويعيشون كنخبة مجردة في أبراج عاجية، ظانين أنّهم يناطحون الإمبريالية، وأنهم سيغيّرون العالم. وفي الوقت نفسه، هم يحتقرون الشعوب، لأنّهم لا يرونها بالأساس، وحين يرونها، يجدونها مقارنةً بثقافتهم مجرد رعاع، وهذا الوضع لا ينتج فهماً حقيقياً. أنا كنت أصطدم مع هؤلاء المثقفين والسياسيين، ففي المرحلة التي كان فيها الإخوان المسلمون قادة النضال، وكان الجميع يقف فيها مع الإخوان المسلمين، كنت أنا أكتب ضد الإخوان، كانوا يتهمونني بأنّني عميل إمبريالي، أما الآن، فهم ضد الإخوان المسلمين ويساندون النظام السوري، كيف يمكن أن لا أفهم الإخوان المسلمين إلا من موقف سياسي واحد؟ فهذا منطق صوري شكلي، يجعل النخب منساقة للأحداث لا مؤثرة في الواقع. على النخب أن تفهم الواقع وأن تفهم تكوينه، حتى تبدأ بوضع عناصر في داخله وتكون مؤثرة فيه، وهذا هو أهم شيء، وهذا هو ما تضيفه الماركسية، أي أن أرى بِنى المجتمع ومشكلاته وأسساً في داخله ما يضيف إلى الصراع الطبقي من أجل إحداث التغيير. النخب لا تتحدث إلا عن السياسة والإمبريالية والتطبيع وتعيش في أوهام شكلية، أنا بالطبع ضد الإمبريالية ولست ضدها بالمستوى السياسي فقط، بل ضد النمط الرأسمالي كله أيضاً، وأسعى إلى تجاوز الرأسمالية كلّها في العالم كله.
لكن لا بد أن أرى الواقع والوقائع، فمثلاً روسيا وأميركا مختلفتان اليوم؛ لكن روسيا نفسها إمبريالية، فما الذي سيدفعني إلى الوقوف مع روسيا ضد أميركا؟ هل أقف مع روسيا فقط لأنّها تدعم النظام السوري، ستدعمه اليوم، لكنّها غداً ستنهب اقتصاده.

■ كيف ترى تأثير الربيع العربي على الشعوب العربية؟
أعتقد أنّ الثورات جاءت لتنهي مرحلة، ليس فقط من النظم، بل من النخب والوعي في الوقت نفسه. فهذه النخب كلّها أصبحت من الماضي الآن. وهذه الثورات ستنتج شباباً لديهم عمق وفهم شديدان، سيعيدون صياغة الفكر والعمل السياسي كله، وأنا رأيت شباباً أذهلوني. في الماضي كنت أتعب لأجد شباباً يريدون أن يقرأوا.
لكن، بعد الثورات، وجدت أنّ الشاب الذي كان يرفض القراءة، كان يقوم بعمل احتجاجي، وكان يهرب من أزمته في مساقين؛ مساق ديني ينكفئ فيه على ذاته ليجد الراحة الروحية، التي تساعده على تقبل وضعه بأنّه عاطل من العمل ومهمش وعبء على عائلته وعلى نفسه. أو مستوى آخر تماماً، هو مستوى العبثية؛ الإنترنت والأصدقاء والرحلات والأجواء الاحتفالية، وهي أجواء هروب، لكن بمجرد وصول هؤلاء الشباب إلى قناعة بأنّهم لم يستفيدوا، وبأنّ مشاكلهم لا تزال قائمة، انفجروا في الشارع، وبدأوا يشعرون بأنهم يقومون بفعل سياسي؛ أن تنفجر ضد نظام هو أهم ممارسة سياسية حقيقية، أي الثورة. وبعد القيام بهذه الخطوة، بدأ الشباب يشعر بأنّه بحاجة إلى الوعي، وبأن الأمور ليست بسيطة، فهوة بحاجة إلى أن يعرف كيف يقود الصراع، وبهذا تحوّلت الثورات إلى مدرسة في الممارسة والوعي، بدأت تدفع الشباب إلى السؤال والمتابعة والسعي نحو المعرفة والثقافة لمعرفة كيفية خوض الصراع.

■ كيف ترى المرحلة المقبلة؟
هي مرحلة تبلور وعي حقيقي، وعودة إلى ثقافة وقراءة ونقاش وحوار وإنتاج فكر جديد، عودة إلى بناء البنى التنظيمية الحقيقية المنطلقة من الناس، وليست من نخب تعيش في أبراج عاجية وتحتقر الناس. وهذا الأمر بدأ بالفعل في بعض المناطق، من خلال شباب لا يزالون في العشرينيات من عمرهم، يكتبون من منطلق تحليلي واقعي.

■ في رأيك ما هو سبب غياب الجانب المعرفي في قراءة «الربيع العربي»؟
الوعي والمنطق الشكلي اللذان يحكمان النخب يمنعانهم من رؤية الواقع، فمثلاً حين كانت الثورة في تونس كان هناك تأييد منقطع النظير، على اعتبار أنّ بن علي مرتبط بأميركا، ولا بد أن يسقط، وكانوا ينظرون إلى الثورة من منظور سياسي فقط. في مصر، حسني مبارك اسمه ملوث بكامب ديفيد وحماية إسرائيل والغاز، لذا ساروا مع الثورة في مصر. وحين وصل الأمر إلى ليبيا وسوريا بدأوا ينقلبون على اعتبار أنّها أنظمة ممانعة، وبدأوا يشككون حتى في الثورات في تونس ومصر.
هذا الوضع ناتج عن هذه الرؤية السطحية جداً للواقع، الرؤية القائمة على إمبريالية صهيونية ضد إمبريالية صهيونية، وهذا هو أسوأ تحليل، وفيه سذاجة مفرطة.
لو كان هناك نظرة ماركسية مادية إلى الأمور لكانوا سيرون أنّ المنطقة مندفعة إلى ثورات لا علاقة لها بالإمبريالية ولا بالصهيونية. فمن يحلل الظروف الاقتصادية الاجتماعية التي تمر بها المنطقة العربية، والتحوّلات التي تبعت الانفتاح الاقتصادي، وانهيار الصناعة والزراعة، والتحوّل إلى اقتصاد ريعي عائلي «مافيوي»، وبالتالي تحكم أقلية ضئيلة في الثروة وإفقار واسع في المجتمع، إضافة إلى الهجوم الإمبريالي على العراق ومن ثم انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فسيشعر بأنّ هناك احتقاناً عالياً في المنطقة عند الناس، لا النخب. وهناك لحظة يصل فيها الناس إلى مرحلة لا يستطيعون بعدها مواصلة التحمل، ويكون السبب صغيراً، ففي الثمانينيات، مثلاً، كان السبب رفع أسعار الخبز. من ينطلق من تحليل ماركسي للواقع، وينطلق من الطبقات إلى الاقتصاد ثم يصل إلى السياسة يعرف تماماً أنّنا نمر بمرحلة ثورات، لكن للأسف بالنسبة إلى النخب لا شيء اسمه ثورات، ولا يوجد شيء اسمه فكر وفلسفة، هناك شيء اسمه سياسة. وهذا ما دفع هذه النخب إلى اتهام الثورات بأنّها مؤامرة، وكأنّ لدى الأميركيين قدرة على تحريك الشعوب بهذه الطريقة، وكأنّ الشعب يسير على الريموت كونترول، إذا قالت له أميركا انهض فسينهض، وهذا شيء مرعب في النظر إلى الشعوب، وهي أسوأ نظرة من النخب إلى الشعوب التي هي منها، وهذه نظرة احتقار عالية تصل إلى حد العنصرية، ويجب أن تفضح وتكشف.

■ هل غادر الفكر القومي من غير عودة؟
كل الفكر الماضي إلى زوال، لكن سيبقى هناك أفراد، ومن حق أي شخص أن يتبنى الفكر الذي يريد، لكن الفكر القومي أدّى دوراً في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، بتحليلي الشخصي، لأنّ الأحزاب الشيوعية تخلت عن الدور الحقيقي الكامل. اليوم، لا أعتقد أنّ هناك أرضية لقيام أحزاب قومية، لأنّ الأفكار القومية تشوشت، والفكرة القومية المبنية على فكر مثالي لا قدرة لديها على التأثر بالاتجاهات السائدة، ولم يعد لديها حلول حقيقية لمشكلات الواقع.
قد تبرز عشرات الأحزاب القومية، لكن أعتقد أنّ دورها انتهى، إلّا أن هذا لا يعني أنّ المسألة القومية انتهت، بل أعتقد أنّ الماركسيين هم من سيتبنون المشروع القومي ومشروع الوحدة العربية، وتحرير فلسطين، ومواجهة الإمبريالية العالمية، وهذا سيكون جزءاً طبيعياً من نشاطهم الفعلي على الأرض.

■ غالباً ما تكتب منطلقاً من رؤية أيديولوجية، ألا يضعف ذلك منهج قراءتك للظواهر السياسية والفكرية؟
أنا لا أعدّ نفسي أنطلق من رؤية أيديولوجية، بل من تحليل ماركسي، لهذا أركز على طريقة التفكير، ولست معنياً بنصوص أو أفكار كتبها ماركس أو إنغلز او لينين، ولا أنا مضطر إلى أن ألتزم بنص لأنّه ماركسي. أهم ما أضافته الماركسية هو تقديم منهج تفكير جديد، هذا المنهج في طبيعته لن يكون أيديولوجياً بالمعنى المقصود، أي دوغمائياً، لأنّه منهج تحليلي ينطلق من الواقع المتحرك، وعلينا أن نحلل الواقع في حركته، وبالتالي ليس هناك ما هو ثابت فيه. فقد أقول اليوم شيئاً وبعد فترة أجد أنّ فكرة انتهت أو تغيّرت بسبب ظروف معينة، لكن اذا توقفت عند الفكرة الأولى بهذه الطريقة أكون دوغمائياً، ولأنّني فهمت الماركسية على أنّها طريقة تفكير استطعت أن أكون موضوعياً بطريقة تفكيري، وأن لا أكون أيديولوجياً. ما أسميه أيديولوجيا هو الوعي الإيجابي من اجل تحقيق المطالب، لكن ما يقصدونه عند اتهامي بهذا الاتهام هو الأيديولوجيا الدوغمائية، بينما الماركسية هي وعي معرفي قبل أي شيء، ولو كنت أيديولوجياً كما يقولون لما استطعت أن أفهم أنّنا مقبلون على ثورات.

تعريف

سلامة كيلة من مواليد مدينة بيرزيت الفلسطينية (في 1955)، لكنّه درس في بغداد حيث حاز بكالوريوس في العلوم السياسية من «جامعة بغداد» (في 1979) لينتقل بعدها للعمل مع المقاومة الفلسطينية. كتب في العديد من الصحف والمجلات العربية وأصدر عدداً من الكتب، منها «العرب ومسألة الأمة» (1989)، «نقد الماركسية الرائجة» (1990)، «الاشتراكية أو البربرية» (2001)، «أطروحات من أجل ماركسية مناضلة» (2002)، و«إشكالية الحركة القومية العربية» (2005). سجن بين 1992 و2000 في السجون السورية بتهمة مناهضة الوحدة والحرية والاشتراكية، وبقي في دمشق بعد خروجه. اعتقلته القوى الأمنية السورية فجر الثلاثاء 24 نيسان الماضي بتهمة أنّه مسؤول عن نشرة يسارية صدر منها ثلاثة أعداد، ووضعت في عددها الثاني شعار «من أجل تحرير فلسطين… نريد إسقاط النظام». رُحّل إلى الأردن في منتصف الشهر الجاري، حيث يتلقى العلاج بعد التعذيب الذي تعرض له في أثناء الاعتقال.

المصدر: الأخبار

Advertisements

عن ترحيل سلامة كيلة وقصة الممانعة السورية

محمد ديبو

في مقاله عن سلامة كيلة بعيد اعتقاله، كتب رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» الأستاذ ابراهيم الأمين متسائلاً: هل هناك مكان على المسرح السوري لمعارضين من قياس سلامة، أو من صنفه؟ («الأخبار»، عدد 25 نيسان الماضي). لم تتأخر الإجابة عن سؤال «الرفيق» ابراهيم من قبل السلطات السورية، فالترحيل بطريقة مهينة لسوريا كلها، كان كافياً ليجيب على من توهم طويلاً أنّ سلطة مستبدة كهذه يمكن أن تَصْلُح أو تُصْلِحْ، فالمستبد كان دوماً عدوه الرئيسي المفكر الذي لم يحتمله في أوقات الرخاء إلا ليغطي على استبداده، فكيف يحتمله في أوقات الثورة حين يكون مشاركاً وفاعلاً وحاداً كسلامة؟

من هنا يتخذ الكلام حول ترحيل سلامة كيلة أهمية مضاعفة لما للرجل من رمزية في الداخل السوري، ولما كشفته قضيته من عقم خطاب الممانعة. إذ تتجلى المفارقة الفاضحة في أنّ نظاماً ممانعاً (وفق تصنيفات الممانعين) يطرد كاتباً ممانعاً يتشدد أكثر من السلطة نفسها بكل قاموس الممانعة الذي تاجرت به على مدى عقود!

لكن من شأن التأمل في ترحيل سلامة كيلة، الفلسطيني الأصل والعربي الانتماء والسوري الهاجس والأممي اليساري (رغم اختلافنا معه في طريقة قراءته للثورة السورية ومجرياتها)، أن يعري منظومة السلطة نفسها ومنظومة الذين لا يزالون يرون في النظام السوري «ممانعاً». إذ تؤكد خطوة النظام تلك لكل من لا يزال متوهماً، أنّه حين يصوّب أي من «الممانعين» سهام نقده (وليس سيفه، فسلامة كان ضد العسكرة والتدخل الخارجي والارتهان لقوى النفط مقابل الإيمان المطلق بقوة الشعب) إلى السلطة، فمكانه السجن أو الترحيل على أقل تقدير. وفي تعميق أوسع لعلاقة الممانعة بالنظام السوري، سنجد أنّ الممانعة لم تكن يوماً إلا ورقة بوجه محكوميه لإسكاتهم، إذ لم يدفع شعباً عربياً ضريبة الممانعة والقضايا القومية كما دفعها الشعب السوري الذي انتفض وثار لتحصيل حقوقه المهدورة من جهة، ولتصويب الممانعة المتلونة، لصالح ممانعة حقيقية. لكن هذا الشعب السوري ووجه بذبذبة أهل الممانعة الذين باتوا يبررون للسلطة أفعالها بممانعتها وتآمر الغرب عليها! وكأنّه حتى في حال صحت قصة ممانعة النظام وتأمر القوى الغربية عليه، يجب أن يدفع الشعب السوري الثمن، ليبقى النظام الممانع، بحيث تعجز عقول أهل الممانعة عن عكس الآية مثلاً، وكأنّ سوريا الممانعة تعجز عن تخريج ممانعين آخرين!

وفي منظور آخر تأتي خطوة ترحيل سلامة، في لحظة من المفترض فيها أنّ النظام وافق على خطة أنان، مما يجب عليه تهيئة الأرضية اللازمة لانطلاق التفاوض، لتأتي خطوة الإبعاد مع خطوات أخرى على الأرض، لتؤكد طريقة تفكير النظام التي لم تزل هي هي بشأن التعاطي مع مواطنيه (وسلامة واحد منهم). من شأن ترحيل سلامة أن يعد انتهاكاً فاضحاً لمهمة أنان قبل غيرها، وسط صمت سياسي يطال المعارضة أيضاً. وهنا بيت القصيد، لأنّ من شأن توسيع دائرة الرؤية أكثر، لتشمل المعارضة السورية، أن تجعلنا نوسع تساؤل ابراهيم الأمين، ليصبح كالتالي: هل ثمة مكان لسلامة كيلة في الأفق السوري المعارض؟

كان نقد سلامة إلى جانب نقده النظام، يتركز أساساً على التيارات السياسية المعارضة، حين لم تؤمن بقوة الشعب، متوقعة أنّ المدد يأتي من الخارج، كما فعل المجلس الوطني السوري، أو هيئة التنسيق التي اتجهت من بداية تشكلها نحو التفاوض مع النظام، لتخسر الشارع الثائر حصراً وليس غيره، وليستثمر المجلس الشارع إلى حين انكشاف أمره، إذ تراجعت شعبيته أخيراً. كان سلامة من بين قلّة دعت إلى ترسيخ الانتفاضة على الأرض وتوسيع قاعدتها وإنتاج قيادتها دون أن تقع في أحابيل القوى الدولية المتصارعة أو النظام السوري، ودون أن تضطر للتفريط بأي شيء. وكان هذا هو طريق الجلجلة السوري الصحيح، ولكن الصعب والطويل والمهلك.

وهنا يصطدم سلامة ليس مع السلطة فحسب، بل مع تيارات معارضة أخرى، قد تجد في ترحيله «فرصة» لها لترتيب الأجندة التي تشاء. السلطة تطرد كيلة لأنّ ممانعته الحقيقية تفضح ممانعتها المزيفة، لنغدو أمام تطبيق فعلي للقانون الاقتصادي الشهير «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق». والمعارضة ذات الأجندة المختلفة، تدرك أنّ خطاباً معارضاً واضحاً كهذا خطر على مصالحها التي باتت ترتبها مع دول أخرى، وهي تهدف أول ما تهدف إلى تفكيك كل ما له علاقة بالمقاومة وفكرها وبالدولة الوطنية الحقيقية وأجنداتها التي لا تهادن ولا تساوم ولا ترواغ.

المصدر: الأخبار

حساباتهم وسذاجتنا

نهلة الشهال

حين اعتُقل سلامة كيلة، أسرعنا إلى إصدار بيانات التنديد مفترضين أن الرجل، الذي نعرفه جميعنا جيداً، سيخرج في الغد أو بعده. كنا نعلم أنه سبق له أن أمضى سنوات في السجن في سورية نفسها. لكننا افترضنا – مجدداً! – أن ذلك جرى في إطار «ظروف أخرى»، حين كان سلامة حزبياً ناشطاً وكان تنظيمه يتعرض للقمع ومحاولة الاجتثاث.

كنا نعلم أن كتّاباً آخرين سبق لهم أن أمضوا سنوات في السجن في سورية لأنهم قالوا كذا أو كيت. لكننا افترضنا (!) أن لدى السلطة في سورية حالياً ما يشغلها بإلحاح أشد عن كلام قيل في مقهى أو صحيفة. كنا نعلم أنهم يعتقلون أولاداً، ولا أقصد الأطفال الذين يعذبون ويقتلون لتربية آبائهم و «الشعب»، بل هؤلاء الشبان والشابات اليافعين الذين يتجرأون على الخروج في تظاهرة، أو كتابة موقف على مدوناتهم، أو رفع لافتة في شارع عام أو الجدال في مقهى. لكننا افترضنا أن لمعاملة الكتّاب المعروفين مقاييس أخرى، ليس رأفة بهم أو احتراماً للثقافة، بل مراعاة لمصلحة السلطة ذاتها.

كنا نعلم أنهم قساة، لكننا افترضنا أن لوحشيتهم وظيفة، ورحنا في كل واقعة متوحشة تُرتكب «نحلل» المعطيات، فنسعى إلى تحديد تلك الوظائف: في درعا، في حمص، في المناطق الحدودية… كنا نفترض لأفعالهم عقلانية، ونسعى إلى التقاطها لنفهم هذا «الآخر» الذي نواجه، فيمكن استباق ردوده، ودفع الخيارات المقابلة نحو امتلاك الفاعلية. ذلك هو تعريف السياسة. كنا نعلم أنهم لا يقرّون لسواهم بالحق في السياسة، لكن الخوض فيها رغماً عن إرادتهم هو قانون الصراع… أي قانون الحياة، وليس أقل.

كنا نعلم ونفترض و «نتفلسف»، إلى أن أُطلِق سلامة كيلة من المعتقل، بعد قرابة شهر وليس بعد يوم واحد، وأُبعِد إلى الأردن بينما هو متوطن في سورية منذ عقود، ومتزوج بسوريّة، وبينما هو فلسطيني وليس أردنياً، وبينما كنا نفترض أن السلطة في سورية «عروبية»، فلا فرق بين… إلى أن صوَّر سلامة آثار التعذيب المريع على جسده ونشرها على «يوتيوب». تعذيب؟! سلامة قارب الستين، ومريض بالسرطان (الذي يقاومه ويقهره منذ سنوات).

دعك من الاستهجان الأخلاقي والحقوقي والإنساني المحق: علام التعذيب؟ هل سيغير سلامة رأيه؟ هل سيخاف أقرانه ويرتهبون؟ أين العقلانية الوظيفية تلك التي رصدناها في كل حين، وكيف تستمر العملية السياسية من دونها؟

كنا نعلم أن السلطة في سورية تضبط المجتمع عبر نظام معقد من القمع. ليس ذاك المباشر فحسب، والذي يتعمد الانفلات عند أقل نأمة، ويتعمد الوصول إلى مستويات مدهشة من التوحش، بل بالاشتغال المنهجي على إلغاء أي أفق لبديل وسحق أي أمل: التيئيس والإخضاع. وكنا نعلم أن مأسسة الوشاية جزء أساسي من فاعلية هذا النظام، وأن توزيع الفتات – من وظائف محتملة، أو إجازة أعمال حرة مهما كانت متواضعة، أو القبول في الجامعة، أو حتى إنجاز المعاملات العادية واليومية – يعمل بصفته الجزء الآخر من تلك الشبكة القمعية الضابطة. لكننا افترضنا أن انهيار هذه المنظومة برمتها بفعل الانتفاضة المستمرة منذ عام ونيف، سيدفع أهل السلطة إلى تعديل مسلكهم ليلائم الواقع!… وأن الخبرة المتوافرة لديهم أفضل مدرسة. كنا نفترض بعض الشطارة، فيقمع النظام «المجموعات الإرهابية» ولو أدى ذلك إلى دمار أحياء بأكملها على رؤوس ساكنيها، لكنه يتغاضى عن كلمة قالها أو كتبها شيوعي ومسيحي وفلسطيني… معارض! وإن أراد الزجر، وبافتراض حاجته به، فيمارسه بنعومة، مميزاً بين الحالات، ساعياً إلى الحفاظ على بعض المظاهر، على الأقل حيال الدوائر العالمية التي ترصد حركاته، إن لم يكن من اجل استمالة أو تحييد أو إرباك قوى داخلية وإجبارها على تلوين مواقفها بالتعقيد الذي يفرضه الواقع وذلك المسلك على حد سواء. كنا نعلم مقدار العسف، لكننا افترضنا وجود – استمرار وجود – تعقيد خارجه.

السلطة في سورية تعتبر المجتمع كتلة صماء، وتقسّمه إلى فسطاطين: معنا أو ضدنا. ولأن الـ «معنا» تلك تتقلص وتصـفو إلــــى بضعة مكونات، فجميع الأعداء سَواء. وهذا مسلك سلطة برَّانية. وهي قد تجر في حركتها تلك الأجــــزاء مــــن المجتمع التي يفترض أنها استندت إليها في صعودها وسيطرتها، لكنها تفعل في شكل فج وعارٍ تماماً: لم يصل حافظ الأسد إلى السلطــــة في ســــورية باسم الطائفة العــــلوية، وإن كان أحد أبنائها، وسعى إلى الاستفــــادة من عصبية توفرها له، بل هو وصل وحَكَمَ باسم مشروع كانت خصائصه أنه قادر على توحيد سورية – بينما هناك في البلاد عوامل قوية تجعل هذه الوحدة غير بديهية – وترسيخها في محيطها العربي، وتحقيق تنمية تستند إلى حــــد من العدالة الاجتماــــعية. أليــــس ذلك هو «البعث»؟ هـــي على الأقل المشروعية السياسية له، وقاعدته الاجتماعية الفعـــلية، وإن اســــتند أمنه إلى الجيش والاستخبارات.

لألف سبب وسبب، تغيَّر ذلك على مرّ الأيام. وإن كانت بذور التغيير ذاك حاضرة منذ البدء، لكنها مثل الأعشاب الضارة، نمت عندما لم تُقتلع. وإذا أمكن عند الأزمة الأولى (أعوام 1979 – 1982)، عقد تسوية مع شرائح اجتماعية نافذة في المدن الكبرى، فإن المسار المعتمد مذاك ألغى هذه الإمكانية: جرى إنبات بورجوازية جديدة، مرتهنة تماماً للسلطة وأفرادها، طفيلية ومضاربة، نهَّابة فحسب. وهذه كالفطر، لا جذور لها، لكنها تتكاثر وتبتلع ما يتاح لها. لم يعد يوجد من تُقام معه تسوية! حتى العلويون ككتلة بشرية واجتماعية، يدركون أنهم وُرِّطوا بأمر لا يُدافَع عنه. وحتى الأقليات الأخرى التي تجري إخافتها بالمسلمين «المتطرفين» الذين سيأكلونها حية، تدرك مبلغ مأزقها، وبعضها يختار حلولاً مرعبة، على رأسها الهجرة.

السلطة البرَّانية تكتسب بسرعة ملامح انكشارية. يمكن الخبراء الروس والإيرانيين أن يخططوا للمعارك العسكرية وللغارات القمعية، لكن ذلك الأساس ليس من اختصاصهم. وأما سلامة كيلة، فله الأفق الذي استمر هو متمسكاً به، على رغم الهول، وبالعناد الذي يميزه. سلام إليه وإلى كل أقرانه، وما أكثرهم!

المصدر: الحياة

سلامة كيلة: الثورة ستنتصر والأسد سيسقط

قال المفكر اليساري العربي سلامة كيلة (57 سنة) إن النظام بشار الأسد سيسقط وإن الثورة الشعبية عليه ستنتصر، واصفا نظام الأسد بأنه “أكبر مافيا في المنطقة”.
وروى كيلة -وهو فلسطيني الأصل، في حوار مع الجزيرة نت- تفاصيل اعتقاله وتعرضه لتعذيب وصفه بالوحشي من قبل المخابرات الجوية السورية التي اتهمها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وقال إنه اعتقل لاتهامه بأنه مسؤول عن نشرة يسارية صدر منها ثلاثة أعداد وضعت في عددها الثاني شعار “من أجل تحرير فلسطين.. نريد إسقاط النظام”.

نريد أن نعرف ما الذي حدث معك في الاعتقال الأخير والذي انتهى بإبعادك للأردن؟
فوجئت مساء يوم 23/4/2012 بدورية من المخابرات الجوية حضرت إلى منزلي ودخلت بشكل طبيعي ولم تتعامل بوحشية كشأن الاعتقالات السابقة، وبدأ عناصرها في تفتيش البيت وصادروا ثلاثة أجهزة حاسوب تعود لي ولزوجتي، وهواتف وفلاشات تخزين وطابعة وسكانر، والعديد من الأوراق التي لم أعرف محتواها.

طلب مني عناصر الدورية التوجه معهم لمدة يوم، وقلت لهم -وأنا أضحك- إن هذا الكلام غير صحيح، فقد اعتقلت ثماني سنوات في السجن بعد استدعائي للتحقيق لمدة نصف ساعة.

نقلت إلى مكان عرفت فيما بعد أنه آمرية الطيران في ساحة الأمويين، وأن هناك فرع أمن تحتها افتتح من وقت قريب، ونقلت للسجن في غرفة مكتظة بالشبان.

اكتشفت بعد لحظات من الاعتقال أنني في سوريا كلها من إدلب إلى حلب إلى حوران، بسبب تنوع السجناء وانتمائهم إلى شتى مناطق سوريا، فبعضهم عسكريون متهمون بالانشقاق، وهناك متهمون بالتفكير في الانشقاق، ومن بينهم أربعة ضباط وعدد من العناصر من حلب، ومن بينهم كادر في حزب البعث، وكانوا قد تلقوا تعذيبا شديدا في فرع المخابرات الجوية بالمزة، ولم ينته التعذيب إلا بعد أن وقعوا على اعترافات يلقنها لهم ضباط بأنهم سرقوا ونهبوا وقتلوا.

استمعت إلى روايات تعذيب مرعبة، والهدف منه تأكيد النظام روايته المسبقة بأن هناك عصابات مسلحة تقتل وتغتصب وتنهب، وعندما تصبح كل الاعترافات نفس النص فهذا يعني أن هناك ملقنا.

غرفة الاعتقال تتسع لعشرين، كنا فيها 36، ولا يوجد فيها أي فرشة، البعض وجد مكانا للنوم والبعض الآخر فضل الجلوس لعدم وجود مكان.

في الصباح نقلت للتحقيق الذي بدأ باتهامي بأنني طبعت نشرة يصدرها “الائتلاف اليساري السوري” صدر منها ثلاثة أعداد، وهو من التجمعات الجديدة التي تشكلت أخيرا، وفي النشرة شعار “من أجل تحرير فلسطين.. نريد إسقاط النظام”، وهو الشعار الذي ضربت عليه طويلا حتى من العناصر، ووجدت أنهم مرعوبون منه.

وكان الضابط يريد مني الاعتراف بأنني من يصدر النشرة، نفيت ذلك وأخبرته أن هناك من تواصل معي عبر الإنترنت عن النشرة، وطلبت إيصالها لي وهو ما حدث، وأنني لست مسؤولا عنها.

قابل الضابط أجوبتي بشتائم قاسية، ووصفني بالكلب والحقير، وضربني ضربا مبرحا بكيبل عريض ظهرت آثاره على جسدي بوضوح، وتعرضت لنفس الشيء عدة مرات على مدار يومين دون أن أغير روايتي، وخلال ذلك كان المحققون يشتمون الشعب الفلسطيني بأنهم باعوا وطنهم وخانوا سوريا التي قدمت لهم الكثير.

هل كان التعذيب في هذا المكان فقط؟
نعم بقيت على هذا الحال حتى يوم الخميس 3/5/2012 حيث نقلت لمكان آخر وأنا مغمض العينين، وعرفت فيما بعد أنه مطار المزة وفيه المقر المركزي للمخابرات الجوية، وعندما شاهدني المسؤول وشاهد آثار التعذيب فوجئ وطلب مني أن أذهب للاستحمام.

عندما خرجت وجدت طبيبا ينتظرني لفحصي، وعرفت أن هذا الفعل حدث عندما ثارت ضجة على أنني قد أموت، الطبيب فحصني وذهل مما شاهد من تعذيب، ونقلت إلى بناية أخرى وأنا مغمض العينيين، وقابلت ضابطا كبيرا لا أعرف من هو، وتوسع التحقيق معي حول النشرة وغيرها من الأمور.

ثم جاء طبيب واضح أنه أعلى من الأول وقام بكتابة تقرير عن الوضع معي بالتفصيل، وكان يصف آثار التعذيب، وكان الدكتور يشك في أنني أعاني من اليرقان، ثم قرروا أخذي للمستشفى وعرفت فيما بعد أنه مستشفى بالمزة، وأجريت لي صور شعاعية وفحوص دم وغيرها، وقال إن فحص اليرقان غير ممكن إلا صباحا، واقترح بقائي في المستشفى حتى يوم السبت، وهنا كانت الكارثة.

كيف؟
اكتشفت أنني دخلت في جحيم حقيقي أسوأ من كل ما مررت به، الغرفة فيها أمن للمخابرات الجوية، وفيها ستة أسرّة عليها 11 مريضا مقيدين بالسلاسل، حيث وضعت في زاوية وربطوا رجلي ويدي بالجنازير، وكان هناك غطاء على عيوني.

المشكلة بدأت عندما أردت الذهاب إلى الحمام للتبول فسمح لي أول مرة، وفي المرة الثانية رفض وطلب مني التبول في كيس قذر، ولأنني كنت أخذت جليكوز فصرت بحاجة للتبول كثيرا، فرفض بعد ذلك أن أذهب للتبول، وطلب مني التبول على نفسي وهو ما حدث للأسف، وتكرر الأمر في كل مرة بعد ذلك، كنت أبول على نفسي لأيام، لذا قمت بتقليل حجم الماء والطعام الذي أتناوله.

وكانت التعليمات على ما يبدو ألا يتم ضربي، فلم أضرب إلا قليلا قياسا بالآخرين الذين كانوا يتعرضون لضرب يومي بلا رحمة، وخلال أسبوع من إقامتي في هذه الغرفة مات اثنان ممن كانوا معنا.

كان معنا مريض نفسي في الغرفة اسمه لؤي يوسف الخطيب، كان يتكلم مع نفسه من شدة التعذيب الذي تعرض له، وكان يتلقى الضرب والتعذيب لأنه يصرخ، وهذا تكرر مع الجميع في الغرفة القذرة التي كنا فيها.

بقيت على هذا الوضع حتى يوم الثلاثاء 8/5/2012 حيث أجريت لي فحوص، وعندما عدت للسرير جرى ضربي عدة مرات.

يوم الخميس 10/5/2012 جاءت دورية وأخذتني وفوجئت بأنني في قسم الهجرة والجوازات في المزة وسلموني هناك، وكان الضابط مستعجلا ويقول إن وزير الداخلية يتابع ترحيلي، واستعجل نقلي للقصر العدلي حتى يوقع النائب العام على قرار ترحيلي، حيث نقلت في حافلة، وعندما وصلت للقصر العدلي نزل الضابط وعاد بتوقيع النائب العام، ثم نقلت لمنطقة باب المصلى التي يوجد فيها مكان لاحتجاز المبعدين.

يعني لم تعلم بقرار ترحيلك من قبل؟
لا طبعا فوجئت بالأمر، وعندما وصلت لمكان الاحتجاز وجدت شبانا عربا من كل الجنسيات، غالبيتهم من الفلسطينيين ينتظرون دولا لتستقبلهم، وهناك تمكنت من الاستحمام وتم الاتصال بزوجتي لتشتري تذكرة لي، وقبل أن تحضر أخبرت بأنني مطلوب للجنائية ليتبين أنني مطلوب للأمن السياسي.

أعادوك للأمن السياسي؟
نعم تمت إعادتي للأمن السياسي، واكتشفت أن أساس اعتقالي يعود لطلب منهم، وهناك وجدت شبانا من كل سوريا أيضا، واحتجزت في غرفة وكانت ظروف الاعتقال أفضل، وفي التحقيق وجدت أن سبب الطلب هو نقاش عبر فيسبوك مع شاب حول الهيئة العامة للثورة السورية التي لي رأي سلبي فيها أصلا.

عدت للهجرة والجوازات، وحضرت زوجتي واشترت لي تذكرة بمعية محامية، وتم ترتيب أمور ترحيلي للأردن، وفي صباح يوم 14/5/2012 دخلت الطائرة ووصلت لعمان.

قلت إنك شاهدت سوريا كلها داخل السجن من ناحية، كما قلت إنك أصبحت تدرك دور الأجهزة الأمنية في قمع الثورة قبل وبعد دخولك السجن، حدثنا عن ذلك.
من التقيته من الشباب في السجن بسيط وطيب جدا، لا توجد لديه ثقافة سياسية، لكنه يعرف أن الأفق مسدود ويجب أن يتكسر، وأن الصراع مع هذه السلطة لا بد منه، وأن المسألة لا طائفية ولا غيرها، هؤلاء شباب من جيل التسعينيات الذي أعتقد أنه سيغير الشرق الأوسط خلال عشر سنوات.

التعذيب الذي تعرض له هؤلاء الشبان وخاصة في المزة كان مرعبا لدرجة لا توصف، لكنه زادهم إصرارا على السير للأمام، ولم يؤد لخوفهم أو دفعهم نحو التراجع، وهذا ما أذهلني حقيقة.

وما لفت نظري أيضا هو أن هذا الشباب من كل سوريا وعيه واندفاعه وطموحاته متشابهة، ولديه إصرار موحد على تغيير النظام.

ماذا بالنسبة للأجهزة الأمنية السورية، من الذي يمسك بالأمور أكثر من غيره اليوم برأيك؟
واضح أنه بعد تصاعد الأزمة في سوريا وشعور النظام بالضعف، ارتد النظام إلى بنيته الأكثر صلابة وهي المخابرات الجوية، بعد أن اعتمد على أمن الدولة في بداية الثورة، والتي تحول دورها اليوم إلى الفوتوشوب وتركيب الصور وتلفيق وتزوير الفيديوهات.

جهاز المخابرات الجوية أبشع جهاز يعمل في سوريا اليوم، وممارساته تصل حد الجرائم ضد الإنسانية، وداخل هذا الجهاز فرع المهمات، وهذا أسوأ فرع فيه، وهؤلاء لديهم صلاحيات القتل والاعتقال والتعذيب بلا حساب.

وأصبح واضحا أن المخابرات الجوية والفرقة الرابعة هما اللذان يعتمد عليهما النظام بشكل أساس، وهذا يدل على ضعف ولا يدل على قوة لأن النظام ارتد إلى الدائرة الأكثر ضيقا.

اعتقلت على شعار “من أجل تحرير فلسطين.. نريد إسقاط النظام السوري”، هل تؤمن به وهل يؤمن به الفلسطينيون في سوريا؟
أغلبية الشباب الفلسطيني مع الشارع السوري، والشباب السوري يؤمن بهذا الشعار لأن النظام يتاجر بالقضية الفلسطينية، وهو لا يجرؤ على الاقتراب من الجولان ولا يحضّر لأي حرب، والنظام تحول إلى عائق في المواجهة مع إسرائيل.

ولكن هناك أطراف فلسطينية لا تزال تراهن على النظام، بل وانحازت له ضد الثورة.
هذا صحيح، وهذه تضر الشعب الفلسطيني خاصة جماعة القيادة العامة وياسر قشلق، وفصائل أخرى تسلحت في المخيمات لضبطها، وهؤلاء سيزولون مع النظام لأنهم أدوات عنده.

وأنت خارج من سوريا للتو، هل ترى أن النظام السوري سيسقط أم إن لديه وقتا للمناورة أو حتى البقاء؟
النظام وصل للحلقة الأكثر ضيقا وهي الأخيرة، وبتنا أقرب للتغيير من أي وقت مضى، منذ البداية أنا مؤمن بأن هذه الثورة ستغير النظام، والمشكلة ما زالت أنه لا توجد قوى سياسية تنظم الشارع بشكل صحيح، وهناك شعور يتنامى داخل الطائفة العلوية نفسها بأن النظام زائل لا محالة، وأن ما يجري من تدمير وانهيار سيعود على الجميع، وهؤلاء يعتبرون أن الثورة هي ضد عائلات الأسد ومخلوف وشاليش وغيرها وليست ضد العلويين.

هناك تخويفات من الحرب الطائفية في سوريا، هل ترى لها أي أفق؟
لا يوجد أي أفق لحرب طائفية في سوريا، وكل محاولات النظام خلال السنة الأخيرة لجر البلاد لهذه الحرب فشلت، أنا قابلت شبابا متدينا في السجن لكن لا توجد لديه أي طائفية.

هل يعيش أهل دمشق بصورة طبيعية.. وأنت القادم منها لتوك؟
في الفترة الأخيرة الوضع توتر، وهناك ركود اقتصادي واضح، والوضع الأمني أشبه بالاحتلال، والناس لا تتحرك كثيرا في الليل، وهذا يدل على حالة رعب شديدة لدى النظام، وأعتقد أن الضغط الاجتماعي على الناس سيسرع الحسم، وآخره زيادة أسعار المازوت والغاز.

أنت مفكر يساري معروف، وهناك جزء غير بسيط من اليسار والقوميين العرب منحازون للنظام السوري ويقفون معه ضد الثورة، ماذا تقول لهم؟
أقول لهؤلاء أن يترووا قليلا، وأن يعودوا لعقلهم وأن يفكروا بموضوعية لا بسطحية عالية.

نحن ضد الإمبريالية ويجب أن نكون ضدها، لكن الوضع في سوريا كان تكيفا مع الإمبريالية، الاقتصاد الذي صنعه النظام السوري كان يطلب رضا الأميركان.

القصة في سوريا أن هناك شعبا، سوريا تتعرض لجريمة قتل كبرى يمارسها النظام من القتل إلى الصراعات الطائفية إلى التعذيب.

سيكتشف هؤلاء أنهم دافعوا عن أكبر مافيا في المنطقة، أتمنى عليهم ألا يعتقدوا أن الأمور هي إمبريالية فقط، لأن الإمبريالية تتجسد في تكوينات محلية، والشعب السوري هو الذي ضحى من أجل فلسطين وضد إسرائيل وأميركا، وليس النظام، والشعب يقاتل اليوم من أجل فلسطين وليس فقط من أجل تغيير النظام.

هناك سطحية سياسية لدى أحزاب شكلية ونخب تبلورت في الخمسينيات والستينيات ستسقط مع هذه النظم، واليسار معاد للإمبريالية وللقمع والنهب والاستغلال، روسيا اليوم إمبريالية صاعدة ولم تعد اشتراكية كما يظن أصدقاؤنا، فلماذا نحن مع إمبريالية ضد إمبريالية؟

المصدر: الجزيرة

عن سلامة كيلة وسوريا

عمار ديوب

يستصعب كتاب يساريون رؤية سلامة كيلة للثورة السورية، باعتبارها ثورة شعبية، جسدها الأساسي الطبقات الشعبية والمفقرون، ويعدّون ذلك نزعة اقتصادوية ماركسوية. وهناك بالمقابل من يعيبون عليه هذا الفهم بكليته، ويشكّكون في الثورة كثورة، فهي بنظرهم مجرد مؤامرة إمبريالية خليجية، وهنا لن ننظر إلى من لا يزال يتصور أن ما يحدث هو مجرد أفعال عصابات سلفية ومجموعات إرهابية؛ لكل ذلك نكرّر مع الصديق سلامة أنّ الرؤية الماركسية الجادة لا تتخيّل ثورة مصطنعة، ولا توارب في فهمها لتتوافق مع رواية النظام السوري عنها، ولا تذهب نحو ديموقراطية مبتذلة مع المعارضة كسببٍ وهدف للثورة، بل هي رؤية تستقي من الماركسية منهجية التحليل، ومن الواقع المعطيات الموضوعية، ومن إعادة إنتاج الفكر الماركسي سوريّاً رؤية للواقع، إذ إنّ الثورة الآن هي الواقعة التي تفرض نفسها في سوريا وفي العالم، وهي حدثت لأسباب متعدّدة. أمّا شرطها العام وسببها الأساسيّ فهما السياسات الليبراليّة التي انتهجها النظام السوريّ. وبغض النظر عن استبداديته، فإنّها هي ذلك الشرط، وهي الشرط العربي الذي دفع بملايين العرب إلى الثورة، ومحاولة إيجاد نظام مطابق لحاجاتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أي دفعتهم إلى الثورة التي قطعت شوطاً في إسقاط ديكتاتوريات قديمة، كانت كارثيّة بكل معنى الكلمة، وستستمر بإسقاط كل ديكتاتوريّة جديدة. ستكون هذه الأخيرة أسوأ، إذ غلّفت نفسها بإيديولوجيا دينيّة أو ديموقراطيّة أو ثوريّة كاذبة، فالناس ثاروا ليكنسوا من مجتمعاتهم بقايا أنظمة وفئات مفوّتة لا تمتّ للمجتمع الإنسانيّ بصلة، ولكنّها تعبّر عن الرأسماليّة بامتياز، لذلك جاءت هذه الثورات ضدّ السياسات الليبراليّة، وستكون لاحقاً ضد الرأسماليّة كنمط إنتاج كونيّ قائم على الربح والإفقار للملايين، وهي الآن السبب الوحيد للأزمات الاقتصاديّة العالميّة ولوجود ملايين المفقرين. هذه المسائل هي ما ينطلق منها سلامة كيلة. طبعاً لم يتجاهل سلامة، ولا أي كاتب ماركسي، أنّ الاستبداد وشدّة القمع ومنهجة القتل هي عوامل قويّة لاشتداد الثورة وتوسيعها. ولكن لا يمكن جمع الأسباب، وخلطها بعضها ببعض، لنصل إلى تمييعٍ فاسدٍ لأسباب الثورة، واستنتاج أهداف مائعة منها بالضرورة، كأن يقاول رأياً ما: أنّ الليبراليّة هي الحل أو الديموقراطيّة هي الحل، متجاهلاً أنّ السياسات الليبراليّة بوجهيها الاقتصاديّ والسياسيّ لم يقدما حلاً للأزمات الاقتصاديّة ولا للأزمة السياسيّة. فقد حدث ويحدث الانهيار عربياً وعالمياً وتشتعل الثورات العربية والعالمية بأشكالٍ متعدّدة، وكلها بسبب تلك السياسات، لتطرح على العالم ضرورة وجود نمطٍ اقتصاديّ مختلف، وطبقات جديدة تحكم، وأنظمة سياسيّة مطابقة للأكثريّة المفقرة، وعولمة لمصلحة كل الأمم.

ليس من المستغرب أن يعتقل سلامة، بل ربما من المستغرب أن لا يعتقل منذ بداية الثورة، فرؤيته لأسبابها واضحة تماماً، ولجهة الحل واضحة كذلك، وهي تستند إلى الممكن في حقل الصراع، لا البحث عن حلول على حساب الثورة، والقائمين بها، الممكن هنا أنّها ثورة متصاعدة، إلى حين تحقيق أهدافها. رؤيته هذه تركن إلى ثقة إيمانية راسخة، لجهة حق الطبقات الشعبية ببناء دولتها، وبما يتناسب مع مصالحها ومصالح أفراد الشعب كافة، ووفق نظام علمانيّ ديموقراطيّ يتيح لتلك الطبقات أوسع الحقوق الديموقراطية الضامنة لدور قياديّ لها في الدولة الجديدة. هذا ما تتضمنه تحليلات سلامة كيلة، دون أيّ لبس ودون أيّ مواربة. رؤيته تلك تستند إلى أنّ الطبقات الشعبيّة تشكّل جسد الثورة الأساسيّ، بغض النظر عن شكل وعيها، الذي سيخُسرها الكثير الكثير، إلى أن تتعلم بالتجربة، وعبر مساهمة اليساريين الفكرية والسياسية، في أخذ زمام المبادرة والثقة بنفسها، وكنس كل السياسيين، الذي لا يرون من الثورة سوى حصان جامح لإيصالهم إلى السلطة، أو يقزمون الثورة لانتخابات وصناديق اقتراع، ما كانت هي سبب الثورة المركزي، كما أشرنا، ولن تكون سوى جزئية في أهداف الثورة الساعية إلى تحقيق مطالب الأكثرية المفقرة.

حاول سلامة كيلة في المقالات الأخيرة له، أن يركّز على أنّ روسيا إمبريالية ولكنّها غبية، كما أنّ مؤيدي «المجلس الوطني»، من دول الغرب إمبرياليات، لذلك من الضرورة فهم أنّ خطة كوفي أنان لن تكون في مصلحة الثورة، بقدر ما ستكون في مصلحة وضعٍ جديد، ستحاول قوى سياسيّة معارضة، وربما مع جزء من النظام القديم، تشكيله من «الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء»! وسيتم بالتالي إبعاد مصالح الطبقات الشعبيّة عن طاولة البحث، والطبقات نفسها، لمصلحة ديموقراطية مبتذلة في «صندوق اقتراع»، سيقول كثيرون «إنّنا عشنا ومتنا من أجل الوصول إليها». كما سيزعمون أنّها البداية نحو ديموقرطية أعمق تطوّر نفسها بنفسها، قاصدين من وراء ذلك السعي خلف مصالحهم، ومستندين في ذلك إلى رؤية ضيّقة ومشوّهة لدور اليساريين ولدور الطبقات الشعبية بأنّ دورها فقط العمل، والإنتاج، والاكتفاء بنتفٍ من الحقوق الانتخابيّة العامة، وترك الاقتصاد وكذلك السياسة بما حملا للطبقة الرأسماليّة. فبرأيهم، هذه الأخيرة هي القادرة على إخراج سوريا من أزمتها، وهم بذلك يتجاهلون (إلى جانب كونهم غير واعين) أنّ تلك الرأسماليّة ذاتها، والتي هي طبقة متعدّدة الشرائح، منها العسكريّة ومنها التجارية والصناعية، قد أثرت ثراءً فاحشاً في العقد الأخير عبر السياسات الاقتصاديّة الليبراليّة، وعلى حساب الأكثريّة المنتفضة في عموم سوريا! وبالتالي، هم يفتحون لها، بعد إسقاط النظام، المجال واسعاً لمزيدٍ من النهب. ضد ذلك الفهم المأزوم، كان سلامة يقدّم رؤيته، وهذا ليس جديداً لديه، بل هو موجود كأفكارٍ وتحليلاتٍ في كل مقالاته وكتبه، التي تغطي الواقع السوريّ، اقتصاداً وسياسةً وقوى سياسية وغيرها.

ركّز صديقنا المعتقل على أنّ القوى السياسيّة هي قوى طبقيّة كذلك، وإذ كان أميناً للثورة، ومحاولاً قراءتها كما هي دون تزويق وأدلجة وتحريف، كما يفعل الكثيرون من الديموقراطيين واليساريين النظاميين «لتشابه رؤيتهم مع رؤية النظام السوريّ»، فإنّه وجد في المعارضة السورية بتياريها العريضين، قوىً سياسيّة لم تفهم الثورة، بل عملت على تسخيرها، لمصلحة رؤية ضيقة متعلقة بوصولها إلى السلطة بأي شكل كان. لذلك هي قوى سياسية طبقية تريد أدواراً لها في العملية الديموقراطية القادمة، وبقاء السياسات الاقتصاديّة الليبراليّة ذاتها، ويرفضون أيّ تحديد دقيق للمسألة الوطنيّة أو القوميّة، لأنّها تضعهم في مواجهةٍ فعليّة مع الولايات المتحدة الأميركيّة وكلّ الدول الإمبرياليّة. سلامة كما قلّة آخرون، استثناء في ذلك؛ فلسوريا أراضٍ محتلة ستستعاد بكلّ الطرق الممكنة، وفلسطين مسألة عربيّة بامتياز، وليست مسألة فلسطينيّة وكفى المسلمين شرّ القتال. وقد يكون أسوأ قضية تجاهلتها المعارضة السوريّة هي المسألة الوطنيّة، فبانت كمعارضة متخلية عنها، أو متجاهلة إياها. وفي الحالتين لديها فهم مشوّه وضيّق نحوها، وكأنّ طرحها يعوق الثورة، وهذا كذب، فهو حقيقةً يعوق فقط مشروع تلك القوى، التي لا ترى كما النظام ما يحدث ثورة شعبيّة، بقدر ما هي ثورة لمصلحة نقل السلطة من بورجوازيّة إلى بورجوازيّة متضرّرة، وهذا لعمري أسوأ فهم للثورة وللمسألة الوطنيّة. سلامة كان واضحاً في ذلك، فالمسألة الوطنيّة واحدة من قضايا الثورة العربيّة، والمسألة القوميّة ستكون على قائمة أهداف تلك الثورات، لأنّ الثورة بالأساس هي ضد النظام القائم، ولكنّها كذلك ضد أشكال السيطرة الإمبرياليّة، على بلادنا، التي كانت هي السبب المركزيّ للتكوين الاقتصاديّ الاجتماعيّ لها.
سلامة كيلة، غضبنا كبيرٌ لاستمرار غيابك عنّا، الكثيرون الكثيرون يسألوننا عنك كل يوم، وأنا أتلعثم كثيراً في الإجابة، لكنّي، يا صديقي أُكثر من الأمل الكاذب لقرب الإفراج عنك، مرة بسبب مرضك وضعف بنيتك الصحيّة، ومرة بسبب تداخلات مواقفك مع قوى قوميّة وماركسيّة ويساريّة عربيّة، ومرة بسبب العملية السياسيّة التي يقودها كوفي أنان، لكنّني سأكذب على نفسي كذلك وأقول متمنيّاً: الإفراج عنك بعد قليل…

المصدر: الأخبار