Monthly Archives: أكتوبر 2010

الأحزاب الشيوعيّة العربيّة علينا أن ندفن موتانا

بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني، يُعقد غداً وبعد غد «اللقاء اليساري العربي» في فندق «ذو باريسيان» في بيروت، وذلك للبحث في «دور القوى اليسارية العربية في ضوء الأزمة العامّة للرأسمالية»، وفي سبل «مواجهة الاحتلال والعدوانيّة الإمبريالية والصهيونية». هنا مقالة نقديّة تتناول دور الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، وضرورة دفن تجربتها السابقة من أجل إنقاذ الماركسيّة

سلامة كيلة*
لدى النظر إلى القوى التي “تحتل” الموضع الذي يخص الاشتراكية، وأقصد كل الأحزاب الشيوعية والماركسية، سوف نلمس أن مبدأ التغيير غائب، وأن الأفق الاشتراكي تحوّل إلى خيال، وأن البرامج المطروحة هي أقرب لأن تكون برامج قوى ليبرالية أو منظمات حقوق الإنسان، وتقوم على المطالب والمطالبة دون سياق لتحقيقها. فضلاً عن الأحزاب التي تكيفت مع السيطرة الطبقية للبرجوازية الكومبرادورية عبر مشاركتها في السلطة، أو حتى تكيفت مع الاحتلال. إنها إذاً أقرب إلى نشاط «نقابي» خامل، وهو الذي تبلور في سياسات الحركة الشيوعية العربية منذ سبعة عقود تقريباً، حيث النشاط المطلبي للطبقات و«النضال» الديموقراطي في السياسة.

فالأحزاب الشيوعية نشأت منذ تسعين سنة، وإذا كان قياداتها مزهوّة لأنها صمدت كل هذه السنوات، فقد باتت ترى أن مهمتها تتمثل في «الحفاظ» على هذا الوجود «البيولوجي». لكنّ هذا العمر الطويل هو إثبات على أن هذه الأحزاب قد فشلت فشلاً ذريعاً، إذ لا تتعلّق المسألة بوجود الحزب بل بالدور الذي يؤدّيه في لحظة تفاقم الصراعات. فهو حزب التغيير في لحظة تفجّر الصراع الطبقي. ولقد أوضحت كل التجارب أن كل الأحزاب التي انتصرت، انتصرت خلال عقدين إلى أربعة عقود (الحزب البلشفي الذي أُسس سنة 1898 وانتصر سنة 1917. والحزب الصيني الذي تأسس سنة 1921 انتصر سنة 1949، والفيتنامي كذلك)، أو حتى أقل، كما في الانتصار الأول في فيتنام وفي كوبا. وهو الوضع الذي تتبلور فيه الأزمات، ويتفاقم الصراع، وعبر ذلك يكون الحزب قد تبلور، لكي ينتصر.

لم ينشأ الفراغ نتيجة انسحاب الاستعمار وحسب، بل نتيجة ارتباط البرجوازية بالإقطاع أو بالرأسمال الإمبريالي
وإذا تلمسنا الوضع العربي منذ نشوء الحركة الشيوعية، فسوف نلمس أنه كان يختمر في أزمات متعددة، أزمة السيطرة الاستعمارية، وأزمة الفقر والتخلف الناتجين عن النهب الإمبريالي ونهب القوى الإقطاعية التجارية المسيطرة. وكان يسير نحو تفاقم الصراعات ضد الاحتلال وضد النظم التي تخضع له. وحين انتهت الحرب الثانية بتراجع وضع القوى الاستعمارية آنذاك (إنكلترا وفرنسا)، كانت الأزمة الاجتماعية تتصاعد، وخصوصاً في الريف الذي كان يمثّل البنية الأساسية من حيث الإنتاج والتشكل البشري والصراع الطبقي. وإذا كانت نكبة فلسطين قد أدّت دوراً في تأجيج الصراع، فإن الوضع كان قد وصل إلى حالة «الأزمة الثورية» كما تسمى عادة في الماركسية، حيث لم يعد الشعب قادراً على تحمّل استمرار الوضع كما هو، ولم تعد النظم قادرة على الحكم، وخصوصاً بعد انسحاب الاستعمار والفراغ الذي تركه ذلك.
هذا الوضع هو الذي فرض تقدّم الطبقة التي لا تستطيع أن تؤدّي سوى دور انتقالي، لأنها لا تمتلك مقدرة على تأسيس نمط خاص، وأقصد البرجوازية الصغيرة، والريفية بالتحديد. إن الفراغ الذي نشأ، ليس عن انسحاب الاستعمار فقط، بل عن عجز الطبقات القادرة على تكوين نمطها الخاص، أي البرجوازية التي كانت في ترابط مع الإقطاع أو مع الرأسمال الإمبريالي من جهة، والطبقة العاملة من جهة أخرى. وإذا كان يجب أن ندرس مرحلة البرجوازية الصغيرة الريفية، فإن ما هو مهمّ هنا هو أن نعرف أن هذا الدخول لها (عبر الجيش خصوصاً) كان نتيجة الفراغ لا نتيجة مؤامرة أو لكونه دوراً طبيعياً. فهي لا تستطيع أن تتشكل في حزب متماسك، ولا أن تقدّم بديلاً يعبّر عنها، لأنها بالضبط تحلم بالملكية الخاصة، الذي يقود تحقيقها إلى الترسمُل، وهو ما يمكن دراسته عيانياً على ضوء تجاربها في مصر وسوريا والعراق والجزائر والسودان. ولهذا استغلت الجيش الذي تكوّن من أغلبية ريفية.

لماذا هذا الفراغ؟

هنا تقع مناقشتنا لسياسات الحركة الشيوعية التي عرفت ظرفاً موضوعياً مهيّأً للتغيير، لكنها لم تُقدم عليه. وذلك ليس نتيجة خطأ، بل نتيجة وعي أيديولوجي ورؤية سياسية، رغم أن قوّتها كانت تسمح لها بذلك، كما توضّح في وضع الحزب الشيوعي العراقي في خمسينيات القرن الماضي، وحتى الحزب الشيوعي السوري في الفترة ذاتها، وأيضاً الحركة الشيوعية المصرية التي تطورت بسرعة وأصبحت قوة حتى في الجيش، لكنها اختلفت مع عبد الناصر سنة 1954 لميلها إلى تحقيق «نظام ديموقراطي» برجوازي طبعاً، ولأنها لم تعِ أهمية الريف الذي كانت بعيدة عنه (باستثناء بعض تياراتها)، ورغم أن السياسات التي اتبعت منذ نهاية ثلاثينيات القرن العشرين كانت تضعف الحزب ذاته، وصبّت في مصلحة نشوء حزب البعث الذي كان مؤسسوه على هامش الحزب الشيوعي في الثلاثينيات حين كان يسعى إلى الثورة والتغيير وتحقيق الوحدة العربية.

إذاً، كان عدم انتصار الحركة نتاج سياسات خاطئة، عبّرت في المحصّلة عن مصلحة برجوازية صغيرة مدينية تحلم بالرأسمالية والحريات والبرلمان. وهنا يمكن لمس المفصل الذي حكم هذه السياسات وقاد إلى هذا «العمر الطويل»، رغم أنه كان يؤشّر إلى مشكلات عميقة في الوعي والمصالح والارتباطات. هذا المفصل هو الانطلاق من تصور (كان يسمى لدى الماركسية السوفياتية قانوناً) يفرض الانتقال الحتمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لا إلى أي طريق آخر. فلأن وضعنا كان في مرحلة سيطرة الإقطاع، فإن الهدف هو انتصار البرجوازية. هذه الفكرة «البسيطة» كانت في جوهر «الجريمة» التي ارتُكبت. فالبرجوازية كانت تتمثّل في صيغة مختلفة عن البرجوازية الأوروبية لحظة انتصارها، إذ نبعت من صلب الإقطاع وظلت متداخلة معه، وبالتالي لم تكن تسعى إلى كسب الفلاحين عبر تحقيق الإصلاح الزراعي، ونشطت في التجارة والخدمات والمال لكونها باتت وسيطاً في العلاقة بين الرأسمال الإمبريالي والسوق المحلي. لقد كانت تتكيف مع الإقطاع وتلتحق بالرأسمال الإمبريالي، وبالتالي لم تفكر لا في بناء الصناعة (سوى أفراد لحقت بهم الهزيمة) ولا في إنهاء الإقطاع، ولا في فك الارتباط بالرأسمال الإمبريالي.

هنا كان المشروع الرأسمالي وهماً نشأ في رؤوس قادة الحركة الشيوعية، أو أنه أُدخل إلى رؤوسهم عبر «المعلم الأول»، أي «كبار العلماء السوفيات» الذين كانوا في مقام الأسطورة لدى هؤلاء القادة، ربما نتيجة ضعف وعيهم، وقلة اطّلاعهم على الماركسية. ومن امتلك الماركسية منهم، كان يهمَّش ويطرد أو يحاصر (فهد، فرج الله الحلو، عبد الخالق محجوب، سليم خياطة، ورهط طويل من «التيتاويين والتروتسكيين»). فقد بدت الحركة الشيوعية العالمية كفروع للحزب السوفياتي، الذي كان هو المقرر في «النظرية» والسياسات وحتى التكتيك. وهو ما عبّر عنه الرفيق خالد بكداش بقول ما معناه إنه «إذا اختلف مع الرفاق السوفيات في الموقف، فإن موقف هؤلاء هو الصحيح».

هذا الوضع كان يؤشّر إلى أن الطابع الذي اتخذته الحركة الشيوعية يتقولب في حدود المطالبة والمناشدة والنقد (الخفيف)، والبحث عن ممثل البرجوازية الذي يجب أن يُدعم لكي تنتصر الرأسمالية. أي إن الأحزاب مثّلت شكلاً من أشكال النضال الديموقراطي البرلماني، المؤسس على طرح المطالب. وكذلك الالتحاق بمن يلوح بأنه يحقق الرأسمالية. وبالتالي لم تطرح على ذاتها مهمة التغيير ولم تدّعِ ذلك، بل على العكس كانت ترى في الدعوة إلى التغيير طفولية وفوضوية وتروتسكية وماوية. هكذا كان موقفها من حزب البعث قبل أن تلتحق به وترى أنه يحقق ما أرادت تحقيقه (وهو في كل الأحوال أسوأ أشكال الرأسمالية كما تبلور في ما بعد، رغم أن البعث كما الناصرية حقق أكثر مما كان يطالب به الشيوعيون).

إن الاستراتيجية التي وضعتها الحركة لذاتها (أو وضعها لها الرفاق السوفيات) لم تكن في وارد التغيير، رغم أن تطور القرن العشرين وأزماته بعد تبلور النمط الرأسمالي كنمط عالمي إمبريالي كان يدفع نحو انتصار الشيوعية كما توضح في مناطق واسعة من العالم الطرفي. وهنا يمكن أن نلمس التحوّل الذي حكم هذه الاستراتيجية التي كانت تقوم على أساس «الماركسية اللينينية»، وتعلي من قيمة لينين، فتجاهلت أهم ما أضافه، وهو التقاطه الوضع العالمي الجديد ونشوء الإمبريالية، الذي فرض عليه التأكيد على ضرورة قيادة الشيوعيين إلى النضال من أجل التغيير وتحقيق المهمات الديموقراطية في طريق الانتقال إلى الاشتراكية. هذه الفكرة الفذّة هي التي فتحت أفق التغيير في ما يقارب نصف العالم، لأنها قامت على رؤية التناقضات في بنية النمط الرأسمالي، التي أوصلت إلى «اكتشاف» عجز البرجوازية عن أداء «دورها التقليدي»، دورها التقدمي، وتحوّلها في الأطراف إلى كومبرادور فقط، يحافظ على التكوين الإقطاعي الكومبرادوري المترابط مع الرأسمال الإمبريالي، وبالتالي تخليه عن إنشاء بنية رأسمالية بالمعنى الأوروبي، أي الصناعي الحداثي.

وبالتالي، كان نضال الشيوعيين (رغم بطولتهم وتفانيهم) ينحكم لرؤية وهمية، لم يفعل سوى تحقيق بعض القضايا المطلبية في وضع كان يحتاج فيه إلى تغيير جذري، ينطلق من تحقيق «المهمات الديموقراطية» (التي بدا أن النظم القومية تحقّقها): الإصلاح الزراعي والوحدة القومية وبناء الصناعة عبر دور الدولة، والتحديث، والدمقرطة والعلمنة، لكي يكون ممكناً تحقيق الاستقلال الحقيقي. وقد كوفئ بأن أصبح الشيوعيون جزءاً من النظم القومية، يؤدّون دوراً ثانوياً، دون تلمّس طبيعة مسارها وآفاقها، مكتفين بما يتحقق.

أظن أن التحولات التي تحققت على ضوء الدور الذي أدّته البرجوازية الصغيرة الريفية، والذي انعكس تغيرات في أوضاع كل النظم التي بقيت «رجعية» (إقطاعية كومبرادورية)، أنهت الحركة الشيوعية، وما تبع ذلك هو استمرارية العطالة التي أصبحت تُخضعها للتغيرات العميقة في البنى الطبقية، وتطور الوعي العام، وبالتالي كانت تهمّشها شيئاً فشيئاً. ومن يتلمّس تموضعاتها الطبقية السابقة يدرك معنى ذلك. فقد أفضى الإصلاح الزراعي إلى تقلّص حجم الأحزاب في الريف، وتلاشيه تقريباً في كثير من المناطق. والحقوق التي حصل عليها العمال، ثم التكوّن الجديد للطبقة العاملة على ضوء دور القطاع العام، قد همش كذلك وجود هذه الحركة. وحتى في الفئات الوسطى، تراجع وضع الحركة نتيجة استبدادية الأحزاب التي كانت تسحق كل الآراء المخالفة في وضع كان تطور الوعي فيه يزيد من الفهم والملاحظات، وبالتالي قبول هذا النمط من الأحزاب.
هذا الوضع كان يفك العلاقة بين الأحزاب وقاعدتها الطبقية، ويقلص حجمها، ويحصرها في بنى منغلقة على ذاتها، تعيش بالعطالة، وتنحصر في فئات عمرية عجوز شيئاً فشيئاً. وهو مؤشر على الانقطاع عن الشباب الذين، على ضوء التغيرات التي تحققت وأفضت إلى تكوّن مجتمع مديني في الغالب ويحظى بتعليم أفضل ومعرفة أوسع، ابتعدوا عن النشاط السياسي في وضع لم يكن مأزوماً، نتيجة التغيرات الطبقية تلك بالتحديد. وذلك قبل أن يجري التحول من جديد، ونشوء أزمات باتت تفرض الصراع مرّة أخرى. لكن وضع الأحزاب الشيوعية لم يكن قادراً على استيعاب الوضع الجديد كما نلاحظ اليوم. وهذه هي المشكلة التي تدعونا إلى التأكيد على أنه «يجب أن ندفن موتانا».

إذاً سأقول إن الحزب الذي لا يلتقط هذا الرابط بين تكوّنه والظرف الموضوعي، ويعرف بالضبط الدور الذي يجب أن يؤدّيه فيه، سوف يموت، وإن بقي دون دفن. والحركة الشيوعية في الوطن العربي لم تلتقط هذا الرابط، بل ربطت وجودها وذاتها بالاتحاد السوفياتي. لقد فهمت أن أساس وجودها قائم على ذاك الوجود للاتحاد السوفياتي، لا على الظرف الموضوعي الذي كان في أساس نشوئها، وهذا ما فهمه قادتها الأوائل في السنوات 1924 إلى 1937، والى 1949 في العراق، والى 1971 في السودان. ولهذا فقد أدّوا دوراً «عظيماً» في «الدفاع عن بلد الاشتراكية الأول». هذا هو دورهم الأكبر، فقد كانوا جزءاً من حزب عالمي رأسه في موسكو، وكانوا ملتزمين بكل التكتيكات التي ترسم هناك. طبعاً هذا يفرض السؤال عما كانت رؤية الاتحاد السوفياتي للوطن العربي وللعالم (لأن سياسة الحركة الشيوعية العربية كانت هي ذاتها سياسة كل الأحزاب الشيوعية التي ارتبطت بالاتحاد السوفياتي، ولهذا فشلت كلها على الصعيد القومي/ المحلي)، وعن «الماركسية» التي كان يحقنها لهم عبر «الدورات الحزبية» و«معاهد الماركسية اللينينية».

هنا يمكن تناول مستويات متعددة نظرية وسياسية وعملية، لكن ما يمكن التأكيد عليه الآن هو أننا ندخل مرحلة جديدة من تفاقم الصراعات الطبقية والقومية معاً، حيث فرضت الرأسمالية سيطرتها العالمية من جديد فعمّقت من أزمات مجتمعات الأطراف، وأتت الأزمة الجديدة لتفتح أفق صراع عميق في كل العالم. هنا ينطرح من جديد دور الماركسية، والحزب الماركسي. هل تستطيع الحركة الشيوعية والقوى الماركسية القائمة أن تكون في صلب الصراع الطبقي من أجل التغيير؟ نسأل لأنها ما زالت قائمة بـ«عمرها الطويل»، وما زالت ترى أنها ممثلة الطبقة العاملة، وأنها تطرح السياسات التي تعبّر عن مصالح هذه الطبقة. وأنها ممثلة «الماركسية القويمة»، وما إلى ذلك من توصيف ذاتي. ولكن، وكما يقول ماركس، فليس المهم ما يقوله المرء عن ذاته، المهم ما هو في الواقع. إن الخطوة الأولية تتحدد في وعي الواقع من أجل بلورة الاستراتيجية المطابقة له، التي تفضي إلى تغييره. هل هذه القوى قادرة على ذلك؟

يمكن أن نقول إنها تعاني استمرار «العقل» الذي تعمم مع «الماركسية السوفياتية». وهي بالتالي بعيدة عن الماركسية ويحكمها منطق صُوَري. وهي تعاني تشوّشاً في الرؤية والتصورات والبرنامج، حيث ما زال معظمها يكرر السياسات ذاتها والرؤى ذاتها، وهي باتت متضيقة وتخلو من العنصر الشاب، ولا وجود لها في طبقات العمال والفلاحين إلا بشكل هامشي. وبنيتها نابذة نتيجة تكوينها البيروقراطي و«المركزي»، وتغرق في «النشاط السياسي» الذي يعني الحركة في مستوى العلاقات السياسية وإصدار البيانات والمهرجانات إذا أمكن ذلك، والتواصل مع الأحزاب الأخرى.
والتعبير عن الوضع الجديد وصراع الطبقات الراهن يفترض تحقيق نقلة في الوعي/ الفكر من أجل وعي الواقع وعياً صحيحاً (أو علمياً)، ومن ثم لتأسيس الاستراتيجية الضرورية الآن، التي تسمح بتحقيق التشابك مع العمال والفلاحين الفقراء. وبالتالي، فإن هذه الحركة ليست في وضع يؤهّلها لتحقيق ذلك، رغم كل «التجديد» الذي قالت به، والشعارات التي كبّرتها أحياناً. وكما أشرت، فإنها قائمة نتيجة العطالة ليس أكثر، ولقد أوضحت انشقاقاتها التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين أنها تتفتّت كجثة لم تدفن. وكل محاولاتها للنهوض لحظيّة وتفضي إلى تفكك أكبر.
وإذا كان التركيز قد جرى هنا على الحركة الشيوعية العربية،
البرامج المطروحة لدى الأحزاب الشيوعيّة هي أقرب إلى برامج قوى ليبرالية أو منظمات حقوق الإنسان أو نقابات خاملة

فلأنها ما زالت الأكثر استمرارية رغم نشوء قوى ماركسية في موجة ثانية منذ نهاية ستينيات القرن العشرين. وربما لن يختلف النقد في مفاصل أساسية بين هذه وتلك، سوى في اتباع استراتيجية مقلوبة تركز على «الثورة الاشتراكية»، و«الكفاح المسلح»، وحتى الوحدة العربية وتحرير فلسطين، لكنها قامت على منطق نصّي ولم تلمس القطيعة الضرورية مع «الماركسية السوفياتية»، فتفككت سريعاً أو تكيفت مع هذه الماركسية لتتشابه مع الحركة الشيوعية باستثناء بعض المواقف. ولقد مال كثير من أعضائها إلى الليبرالية، أو التزمت «النضال الديموقراطي»، وتقوقعت في فئات وسطى كذلك. من هنا، ورغم كل التمايزات، ظلت في السياق العام الذي حكم الحركة الشيوعية، من حيث الوعي والسياسات. وبالتالي، فإذا كان طول العمر للأفراد، فإنّ هذه التجربة الطويلة فقدت مبررات وجودها، رغم الأفق المفتوح لكل المهمومين بأن تؤدّي الماركسية دورها الثوري التغييري، لكن خارج هذه التجربة وفي سياق تأسيس بديل.

لقد أصبحت عبئاً على الماركسية، وعلى الشيوعية واليسار، ورغم نضالات أعضائها وتقديرنا لهم ولكل التضحيات التي بُذلت، فإن المطلوب هو دفنها. وهذه الرمزية في التعبير تعني تفكيك منطقها ورؤيتها وبنيتها من أجل تأسيس جديد، أو على طريق تأسيس جديد عبر وعي حقيقي للماركسية، ووعي عميق للواقع، من أجل بلورة استراتيجية تترابط مع نهوض الصراع الطبقي والقومي الراهن. وهي تعني دفن «الماركسية اللينينية» التي تعممت، والتي هي أيديولوجيا صاغتها البيروقراطية السوفياتية كتعبير عن مصالح الدولة، والعودة إلى ماركس ولينين، والى الماركسية كمنهجية هي الجدل المادي. وتعني دفن الرؤية العامة التي حكمتها، والتي أشرنا إليها قبلاً، وكل رؤيتها للواقع (الموقف من الوحدة العربية، وفلسطين، والتطور والعلمنة)، التي كانت منافية لحركة تطوره. وأساساً دفن منطقها القائم على التكيف مع الأمر الواقع بحجة الواقعية، والتخلي عن الطابع الثوري للماركسية، ولصراع العمال والفلاحين الفقراء. وأيضاً دفن شكل التنظيم البيروقراطي الاستبدادي الذي تكوّنت فيه. لقد كانت أحزاباً بلا روح، وبالتالي يجب أن تدفن. طبعاً دون تجاهل ما يمكن أن يكون مفيداً في التجربة، ما يبقى منها مفيداً لأفق جديد.

نحن بحاجة إلى تأسيس جديد يرتبط بالوضع الثوري الراهن. لكن قبل ذلك، يجب أن ندفن موتانا لكي نستطيع أن نتنفس هواء الماركسية النقي بعد أن تفسخت الجثة أكثر مما ينبغي.

المصدر: الأخبار