Monthly Archives: يوليو 2011

زحمة مؤتمرات سوريّة والانتفاضة بحاجة لأدوات

في سوريا زحمة مؤتمرات، فهل وصلت الانتفاضة إلى نهايتها المنتصرة؟ إذا كان لقاء فندق سميراميس لقاءً تشاورياً بين مثقفين وفنانين وسياسيين معارضين مستقلين جهدوا من أجل بلورة موقفهم من الانتفاضة الشعبية، فأعلنوا دعمها من وسط العاصمة دمشق، ولم يهدفوا إلى أن يتحوّلوا إلى «تكتل سياسي» أو «جهة حوار» (كما اتهمهم بعض المعارضة المريضة)، ولا فكروا في «الركوب على دم الشهداء»، بل قالوا إنهم كـ«نخب» معارضة يمكن أن تسهم في الانتفاضة أيضاً من خلال تقديم تصورات أولية يمكن أن تضيء المرحلة الانتقالية حين الوصول إليها، وهي أفكار مطروحة للذين يخوضون الانتفاضة، وللشباب الذي يعمل على تنظيمها.
إذا كان لقاء سميراميس هو كذلك فقد جاء مؤتمر سميراميس الثاني في سياق الإعداد لـ«الحوار الوطني»، الذي كانت تعدّ السلطة السورية لإقامته في العاشر من شهر تموز الجاري. وهو اللقاء التشاوري الذي خلا من وجود المعارضة، مع وجود بعض من أبدى رأياً معارضاً، أو تساوق مع مطالب المعارضة. ورغم تبنّي اللقاء بعض مطالب المعارضة، التي وضعت في «الهواء» من حيث التنفيذ، بما أن السلطة ذاتها هي التي عقدت هذا اللقاء، وهو الأمر الذي جعل الحوار غير مقنع للشارع الذي رفع سقفه إلى حد إسقاط النظام، ولهذا رفض الحوار من أساسه.
لكن كان اللافت هو المؤتمرات التي عُقدت في الخارج، من اسطنبول وأنطاليا وبروكسل إلى اسطنبول مجدداً. فالداخل لم يعقد مؤتمرات، ربما لأن الوضع الأمني السلطوي لا يسمح بذلك (وهذا ما حدث مع محاولة عقد جزء من مؤتمر الإنقاذ الوطني في دمشق)، ولقد أدّت الحوارات بين أطراف المعارضة خلال أكثر من شهرين بعد الانتفاضة إلى تأليف هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديموقراطي في تحالف ضم أطرافاً أساسية في المعارضة، وكوّن ثقلاً معارضاً في خضم التشققات التي عاشتها خلال العقود الماضية، والصراعات التي كانت تدل على تغليب «المناكفات» على رؤية الواقع، والعمل على تشكيل تحالف معارض واضح الأهداف. كذلك كانت تشير إلى اختلافات في النظر إلى السلطة، وفي الموقف من تغييرها، وأيضاً في الموقف من «الدعم الخارجي».
ولا شك في أن ضغط الانتفاضة فرض التوافق بين كتلة أوسع من أحزاب المعارضة، وإن كان الموقف من السلطة ظل دون ما ينادي به الشارع، وبدا أن باب الحوار مع السلطة لم يغلق، حيث ظل احتمال إصلاح النظام قائماً.
في المقابل، كان بعض معارضة الداخل «يتماهى» مع الانتفاضة، ويتشدد أكثر من الشارع، رغم دورها المحدود والفردي في الغالب. وأصبحت ترى أن الانتفاضة هي انتفاضتها رغم أنها لم تقتنع يوماً بـ«قدرة الشعب»، ولا بقوته، وفي انه يمكن أن يكون قوة تغيير. وهو الوضع الذي كان يقود إلى مراهنات «خارجية» أضرت بمسار المعارضة، وأوصلتها منهكة، ومثيرة للشكوك، حين انفجرت الانتفاضة. لقد فوجئت بما حدث قبل أن تنقلب إلى اعتبار أنها القوة القائدة. ولهذا رفضت تحقيق التحالف في إطار أوسع من «إعلان دمشق»، معتبرة أنه «الممثل» للمعارضة السورية، وأن من هم خارجه هم أحزاب تتلهف للحوار مع السلطة.
لا يمكن أن نتهم أحداً، لكن الخلافات القائمة هي نتاج تحليلات مختلفة لوضع سوريا قبل الانتفاضة، ولوضع الانتفاضة السورية الآن. وما يبدو هو تصارع على من يقود هذه الانتفاضة، أو من يستفيد منها من أجل تحقيق رؤيته. وهي هنا «وسيلة استخدام» ليس أكثر ربما، سواء كان ذلك واضحاً أو كان في «اللاوعي». وهذا الأمر هو نتاج موقف من «الشعب»، ومن الأوهام التي تحكم بعض النخب بأنها هي الشعب. وأن مطالبها هي مطالب الشعب.
في كل الأحوال هذه خلافات سابقة وراهنة، وربما مستمرة. ولا شك في أن توحيد المعارضة هو أمر ضروري في سياق التساوق مع الانتفاضة. فالسياسة ضرورة لا بد من أن تتوافق مع الصراع في الشارع. ووجود الأحزاب ضرورة لا بد منها. ومن هذا المنطلق كانت الضرورة التي تفرض توحيد المعارضة في الحد الأدنى الممكن في ما بينها. لكن الخطر يكمن في أن يكون الحد الأدنى هذا متوافقاً مع مطالب الشارع، ومعبّراً عنه. فهل ما تحقق في الداخل يفي بالغرض؟
ربما، لكن ما يمكن الإشارة إليه هو أن وضع مجمل الأحزاب والقوى يشير إلى ضعف نتيجة القمع الطويل، لكن أيضاً نتيجة مشكلات الأحزاب ذاتها، التي كان القمع يعمقها. ولهذا باتت تسعى لأن «تلحق» الانتفاضة لا أن تكون في طليعتها. وبات موقفها يقاس بمدى توافقه مع شعارات الشارع بدل أن تصيغ هذه الشعارات. الشارع الذي بدا خارج كل الأطر السياسية، وربما ضدها، أو لا يعرف عنها شيئاً. لكنه قرَّر إسقاط النظام.
هذا هو وضع معارضة الداخل، لكن كان يتوضح أن «معارضة الخارج» تتحرك بسرعة، وتعقد المؤتمرات من أجل تشكيل النظام الجديد، وتشكيل «سلطة بديلة»، سميت في أنطاليا «مجلساً انتقالياً»، وسميت في اسطنبول «حكومة ظل» أو «حكومة منفى». ورغم أن البيانات الختامية لم تتطرق إلى هذه الأفكار، فقد أشارت إلى ميل لدى جزء من المعارضين في الخارج إلى أن يكونوا هم ممثلي الثورة، والمعنيين بترتيب وضع سلطة بديلة تبدأ في التنسيق، وإقامة العلاقات على هذا الأساس.
في أنطاليا كان مطروحاً في برنامج المؤتمر مناقشة تشكيل مجلس وطني انتقالي، والإعداد لكتابة دستور جديد، لكن النقد الشديد الذي رافق المؤتمر جعل المؤتمرين يتخلون عن مناقشة ذلك. وفي بروكسل لم تكن مجالاً للنقاش لأن النقد كان لا يزال طرياً، رغم القول بإمكانية تكليف اللجنة المنبثقة عن المؤتمر من قبل شباب الثورة للتعبير السياسي عنهم. وهنا كان لا بد من «بصمة» داخلية، فجاءت الدعوة إلى مؤتمر الإنقاذ الوطني من الداخل بمشاركة وجوه من الخارج، وعلى أساس أن يعقد في الداخل، في وضع لا يسمح بذلك. وبالتالي كان وجود الداخل هو هذه البصمة ليس أكثر. ولقد طرح في المؤتمر تشكيل مجلس انتقالي وحكومة «ظل» أو منفى، من أجل أن تسحب الشرعية من النظام لكي تُعطى لهذه الحكومة، وبالتالي تصبح هي السلطة الجديدة، لكن لم يجرِ التوافق على ذلك، بعدما تعرّض لنقد شديد من أطراف في المعارضة.
ورغم أنه في كل هذه المؤتمرات كان يدعى طيف من معارضة الخارج، إلا أن المحرّك لها كان جماعة الإخوان المسلمين. وفي المؤتمر الأخير في اسطنبول أشار البيان الختامي إلى مشاركة «شخصيات وفعاليات وطنية وممثلين عن الشباب وتنسيقيات الثورة وفصائل العمل الوطني»، رغم أن جزءاً مهماً من المعارضة في الداخل لم يكن حاضراً، ورغم وجود شباب في المؤتمر إلا أنهم لم يحظوا بتكليف تمثيل داخلي، وبالتالي سيكون ما قاله الدكتور برهان غليون صحيحاً، من حيث إن «من يعقد الاجتماع هو التيار الإسلامي، الكثير من التشكيلات الإسلامية ـــــ الإخوان المسلمون وآخرون أيضاً ـــــ» الذين «يحاولون الالتقاء والانتظام والتموضع في عملية تتغير باستمرار». وهو ما ظهر في سيطرة شباب الإخوان على نشاط اللجان كما أشار بعض الحاضرين.
بمعنى أن الجهد الخارجي المعارض يتمحور حول الإخوان المسلمين الذين يحاولون الحصول على شرعية تمثيل الثورة، من خلال ضم بعض معارضة الخارج وأخذ بصمة الداخل، والتمسك بمطالب صاغها الشارع أو المعارضة في الداخل كما فعلت مع بداية ربيع دمشق حين تبنت المطالب الديموقراطية. لكن الأخطر يتمثل في أنها تعمل على أن تصبح «الممثل الشرعي والوحيد» للشعب السوري (رغم أنها تحاول ألا تظهر بهذا المظهر). فما يبدو واضحاً من كل نشاطها هو أنها تسعى إلى الاعتراف بها قائداً للمعارضة وأنها تمثلها، وبالتالي أن تكون معارضة الخارج هي الفاعل الأساسي باسم المعارضة ككل، ثم الحصول على «اعتراف دولي» بما تشكله.
هذا الدور ينعكس سلباً على الانتفاضة، لأنه يظهر وكأن هناك قوى من الخارج، و«أصولية» تحاول الإسراع لكي تصبح هي السلطة البديلة، رغم أن لها تاريخاً لا بد من أن يفتح للنقاش قبل أن تتقدم للعب دور سياسي، ولأن الداخل والشباب خصوصاً هو من سيقرر صيغة المرحلة الانتقالية وليس معارضة الخارج ولا معارضة الداخل، وأيضاً لأن هذا الدخول يُنجح حجة السلطة التي تربك جزءاً من الشارع الذي لا بد من أن ينخرط في الصراع حول أن بديلها هو الأصولية، رغم أن الطابع العام للانتفاضة يتخالف معها، ولقد عبرت عن ذلك بشعارات واضحة، منها: لا سلفية ولا إخوان، الثورة ثورة شجعان، وغيرها.
بالتالي هذا الدور الخارجي يوحي بأصولية غير مطلوبة، وبـ«دعم خارجي» غير مقبول. فليس الخارج هو من سيصوغ البديل بل الانتفاضة في الداخل. وليس من حاجة لجلب «دعم خارجي» لأن الانتفاضة قادرة على الوصول إلى أهدافها دون أن تتلوث بدور إمبريالي ما زال يدعم السلطة.
والسؤال المطروح الآن هو: هل وصلت الانتفاض إلى مرحلة تفرض السعي إلى تأليف حكومة بديلة أو مجلس انتقالي؟ أم لا يزال الوضع يفرض التفكير في كيفية تطوير الانتفاضة، وتوضيح آفاقها لكي تستطيع أن تكسر قوة السلطة، وتفتح الأفق على التفكير في شكل البديل الممكن؟ باختصار هل نريد وضع ليبيا أم وضع اليمن؟ أو هل وضع سوريا شبيه بوضع ليبيا أم بوضع اليمن؟ ربما ليس هذا ولا ذاك، لكن المهم هنا هو أنه لا يزال هناك متسع للتفكير في شكل البديل، ومتسع من الوقت للحوار بين الشباب أولاً، ومع مختلف أطياف المعارضة لتحديد الشكل الضروري لتحقيق الانتقال إلى الدولة المدنية الديموقراطية. وبالتالي فإن التركيز لا بد من أن ينطلق من دعم الانتفاضة، ومن تطويرها، لأننا لا نزال في طريق لم يصل إلى قمته، ولا توضّح الشكل الممكن لتحقيق التغيير. فالآفاق هنا مفتوحة، لكن ليس منها تشكيل حكومة منفى تتعاون مع الدولة الإمبريالية لتحقيق التغيير. فالتغيير داخلي، وبالتالي كل الصيغ التي تتناول شكل انتقال السلطة لا بد من أن تكون داخلية.
لم يحن الوقت للركض من أجل قطف ثمار الانتفاضة، وأيضاً ليس هناك من يحمل مشروعها، وبالتالي لن يمثلها إلا شبابها. لهذا لا بد من أن تبلور الانتفاضة أدواتها السياسية.

Advertisements

الماركسية و دور اليسار في الثورات العربية

هل شاركت الأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية والماركسيين في الثورات التي بدأت مع تونس وعمت، ولازالت، الوطن العربي؟
هذا سؤال مهم، وهو مطروح في كل النقاشات أو هو مضمر أحياناً. والحكم الأولي يتحدد في أنْ ليس من دور للأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية الأخرى في هذه الثورات، أو أن الدور الذي كان لبعض القوى كان هامشياً. ولا أشك في أن كل هذه الثورات كانت عفوية، حتى الثورة المصرية التي بدأت بدعوة “رسمية” على الفيس بووك وفي الإعلام. وبالتالي لا يمكن القول بأن قوة منظمة، أية قوة منظمة، كانت خلفها. ربما سوى النشاط الذي مورس من خلال النت (الفيس بووك) من قبل الشباب، والذي كان يتعلق بالشعارات الى حد ما، لكن أكثر في تنظيم الحراك.
ولكي لا يشعر أي ماركسي بأنه ظلم مما سوف أحاول توصيف مشاركة القوى الماركسية، سوف أشير الى المشاركين. مع ملاحظة مسبقة تتمثل في أن الشباب غير المنظَّم في أحزاب، والذي أصبح مشاركاً في الصراع دون خلفية فكرية سياسية، هو الذي لعب الدور الأهم، والأساس في كل هذه الثورات الى الآن. وبالتالي سيكون واضحاً بأن أي من الأحزاب الماركسية لم يستطع لعب دور المنظم والفاعل فيها، والى الآن كذلك. لكن هناك من شارك في الثورات وهناك من رفض المشاركة، وهناك كذلك من لم يفهم ما جرى.
في تونس شارك حزب العمال الشيوعي من اللحظات الأولى، كما شاركت “مجموعات” وأفراد ماركسيين، سواء من خلال الاتحاد التونسي للشغل أو من خارجه. في مصر كان الحزب الشيوعي المصري من الداعين لإضراب 25 يناير وكذلك الاشتراكيين الثوريين، وشارك طيف واسع من الماركسيين في الحشود. في ليبيا ليس لدي معلومات عن وجود ماركسيين. وفي اليمن كان الحزب الاشتراكي مشاركاً من خلال اللقاء المشترك الذي يمثل أحزاب المعارضة. أما في سورية فقد أيد تجمع اليسار الماركسي الانتفاضة، واتخذ فصيل وحدة الشيوعيين السوريين موقفاً ايجابياً منها ما لبث أن تشوش. لكن شباب هذا الأخير وشباب من الأحزاب الشيوعية المشاركة في السلطة، مع طيف من الشباب الماركسي يشارك في الانتفاضة. في الأردن أيضاً الشباب المتمرد على القيادات الحزبية أو الهارب منها يشارك في الحراك. وهو الوضع في العراق، مع وجود تيار يساري مشارك. كذلك تشارك بعض القوى الماركسية في الحراك القائم.
وسنلمس بأن شباب الأحزاب والقوى الماركسية، بغض النظر عن موقف هذه الأحزاب والقوى يميل الى المشاركة، وربما يشارك بفاعلية. وتكون النتيجة في الغالب هي ترك الأحزاب حين يكون موقفها مخالفاً لصيرورة الثورة أو متردداً حيالها. كما أن الملاحظ هو أن مواقف الأحزاب الشيوعية (فيما عدا المصري) هي سلبية إزاء هذه الثورات. خصوصاً وأن بعضها هو جزء من النظم “الرأسمالية” (المافياوية) القائمة، مثل حزب التقدم والاشتراكية في المغرب، وحركة التجديد في تونس، والحزبين الشيوعيين في سورية، والى حد معين حزب الشعب الفلسطيني والحزب الشيوعي العراقي (حيث كانا مشاركين الى فترة قريبة).
وعلى ضوء كل ذلك يمكن أن نتناول رؤيتها قبل الثورات وموقفها منها، وطبيعة مشاركة بعضها فيها. ومن ثم البحث في ممكنات دور ضروري للماركسية والعمال في الثورة الراهنة.
ما يمكن قوله أولاً، هو أن توقع حدوث هذه الثورات لم يكن قائماً لديها جميعاً (كما أظن) ربما كانت هناك بعض التحسسات لدى القليل من أفرادها. وفي اساس ذلك غياب التحليل الاقتصادي الطبقي، والتركيز على “المستوى السياسي”، أي الموقف من النظام ومن سياساته. ولاشك في أن الموقف من النظم هو أمر ضروري، لكن ليس ماركسياً من لا ينطلق من الأساس الطبقي لهذه النظم، والنمط الاقتصادي الذي تشكله. وبالتالي سيكون النضال السياسي هو “قمة” اشكال النضال الاقتصادية والمطلبية والأيديولوجية وليس الوحيد، خصوصاً وأنه يتركز على شكل السلطة، الدكتاتوري، وليس على جوهرها الطبقي. هذا الوضع كان يقود حتماً الى عدم رؤية الطبقات، والعمال والفلاحون الفقراء خصوصاً. تصبح “العلاقة” هي بين هذه الأحزاب والسلطة. وهي إما علاقة صراع من أجل الديمقراطية، أو علاقة دعم من أجل “محاربة الإمبريالية”، أو علاقة توافق ودعوة الى الإصلاح، السياسي وربما الاقتصادي.
لهذا غابت الطبقات الشعبية عن منظور الأحزاب والقوى الماركسية، ومن تناولها تناولها من موقع “اقتصادي” دون استخلاصات سياسية ضرورية. بمعنى أن فصلاً عميقاً كان يقوم بين “الفهم الاقتصادي” والاستنتاج السياسي، هذا الأخير كان يميل الى الإصلاح أو التكيف مع النظم (في سورية والمغرب مثلاً). ومن ثم لم يكن يُلحظ تراكم الأزمة لدى هذه الطبقات، ولم يجري الانتباه الى أن احتقاناً يصل حدّ التفجر بات قائماً. وبالتالي كان من الطبيعي ألا تكون هناك رؤية لدور الأحزاب حال انفجار الوضع الطبقي. واصلاً لم يجرِ توقّع احتمال كهذا. أكثر من ذلك اصبح الموقف “العام” لدى كثير من الأحزاب والقوى الماركسية يقول بـ “خنوع” و”استسلام” الشعب، وأصبح الشباب رمز العبثية والهروب من السياسة، والإغراق في الفردية والذاتية. رغم أن البعض كان يحمّل النظم الاستبدادية مسئولية ذلك. والمسألة هنا تمثلت في أن هذا الشباب لم يكن كذلك، وإن بدا عبثياً ومغرقاً في الذاتية، او حتى “أصولياً”، حيث سنلمس الآن بأن كل ذلك كان موقفاً مما يجري، أي من انسداد الأفق وغياب الحرية.
بمعنى أن انشداد الأحزاب والقوى الماركسية الى “السياسة” بما هي نظم مستبدة جعلها لا تلحظ حركة عميقة كانت تخترق الواقع، وتؤسس لانفجار هائل بدأ مع الثورة التونسية ولازال يتوسع. وأيضاً ظل هناك من يعتقد بأن بلده بمعزل عن هذا الانفجار، ولازال هناك من يعتقد ذلك. أو لازال لم يفهم ما جرى لهذا لازال يردد خطابه البالي، خطاب “الحرية والديمقراطية”. أقول ذلك ليس لأن مطلب الحرية والديمقراطية خاطئاً، بل أشير الى طبيعة الخطاب “الديمقراطي” ذاك الذي انبنى على وهم. وهم الفصل بين شكل النظام السياسي وجوهره الطبقي، ووهم الفصل بين السياسة والاقتصاد. وهو الأمر الذي سوف يبقي هذه الأحزاب والقوى بعيدة عن فهم ما جرى وما هو ضروري في الواقع الآن، وأقصد أن تغيير الشكل السياسي يفترض تغيير النمط الاقتصادي ذاته، وأنه ليس من الممكن أن تتوقف الثورات قبل الوصول الى تحقيق هذا التغيير العميق في النمط الاقتصادي.
إن التركيز على السياسي كان يفضي الى الاحباط نتيجة عدم تفاعل الطبقات الشعبية مع مطلب الديمقراطية، رغم أنه “يخدم كل المجتمع” حسب ما كان يعشش في وعي هؤلاء. ولاشك في أنه يخدم تطور المجتمع، لكن فارقاً كبيراً بين أن يعي “المثقف” ذلك، وأن تتحسسه الطبقات الشعبية التي أولويتها تتحدد في مقدرتها على العيشن وكل ما عدا ذلك، إما لا ضرورة له أو لاحق، فما هو جوهري هو المقدرة على العيش، أولويتها هنا، ومن ثم تقبل تغيير النظم، وتقبل دولة ديمقراطية وعلمانية كذلك. وهذا الاحباط كان في اساس الأحكام الفظيعة على “الشعب”.
والمتابع لنشاط كل الحركة الماركسية في الوطن العربي يلاحظ بأن الأولوية التي حكمت نشاط معظمها (حيث أن بعضها لم يفعل ذلك أيضاً) هي الديمقراطية والنضال الديمقراطي، بالمعنى الليبرالي. بحيث بدا نشاطها أقرب الى منظمات حقوق الإنسان منها لأحزاب ماركسية طبقية تضمّن الديمقراطية في مشروع تغيير طبقي. وكان المنطق يقول بأن تحقيق الديمقراطية هو أولاً، وكل شيء (وليس أولاً فقط)، وأنه بعد ذلك يمكن أن يقدّم كل تيار تصوره، وتسعى كل طبقة الى تحقيق مصالحها. طبعاً في ذلك شكلية مفرطة هي نتاج سيادة المنطق الصوري ما قبل الماركسي. فالصراع هو أصلاً متعدد ولا يمكن تحديده في نقطة وتجاهل الكل، والأولية متغيرة ولا يمكن تأبيدها، ولهذا يحكم الهدف العام كلية النشاط: في شكله الاقتصادي المطلبي وفي شكله الأيديولوجي وفي شكله السياسي. واللحظة هي التي تحدد أولوية المطلبي أو الأيديولوجي أو السياسي، كل ذلك تحت رؤية تقوم على تحقيق تغيير الطبقة المسيطرة ونظامها السياسي.
إن الأولوية كما مورست أفضت الى أحادية جعلت الأحزاب والقوى الماركسية بعيدة عن “نبض” الشعب. وبهذا كان يتطور احتقان في وضع كانت هذه الأحزاب والقوى تتلهى بـ “الديمقراطية”، من خلال مجموعة ضيقة من “النخب”، وفي سياق “ضرورة” فرضت التحالف مع قوى ليس ضرورياً التحالف معها، ومن الخطأ التحالف معها. اقصد الإسلاميين والليبراليين. ربما كان التنسيق الموضعي مفيداً من أجل الديمقراطية، لكن أكثر من ذلك كان مضراً، وهو يحمّل الأحزاب التي مارست ذلك عبئاً الى الآن.
إذن، لقد فوجئت بالثورات. وهنا يمكنني أن أقول كلها. لقد كانت عاجزة عن تحسس “روح” الشعب، ففاجأها من حيث لا تحتسب. بعضها اندمج منذ البدء، وبعضها شارك، وبعضها الآخر وقف ضد الشعب مع النظم. وفي البلدان التي لم تنفجر فيها الثورات بشكل شامل بعد، لازال الموقف سلبياً أو مشوشاً أو لا أدرياً. ولم تفكر في تقييم ما جرى في البلدان الأخرى من أجل وضع رؤية لدورها في حال انتقال العدوى الى بلدانها. وأصلاً لم تدرس وضع بلدانها الاقتصادي الطبقي لتلمس ممكنات الثورة. وفي كل الأحوال ستبدو عاجزة عن ذلك نتيجة “منطقها” غير الماركسي، الذي أبعدها عن التحليل المادي: التحليل الملموس للواقع الملموس. ولهذا اهملت الاقتصاد، وتجاهلت الطبقات، وحصرت كل اهتمامها بـ “الدولة”، أو السلطة.
مشكلات التكتيك في الثورات
هذا الوضع جعل دور البعض الذي شارك في الثورات مرتبكاً. في مصر شاركت في إطار الجموع وانساقت وراء التكتيك الذي فرضه الشباب (وكان يعاني من مشكلات). فلم تبرز أهداف الطبقات المفقرة، ولم تركز على الوضع الاقتصادي (الأجور والبطالة والأرض) تحت حجة عدم السماح للإخوان لابراز خطابهم. وربما أسهم بعضها في تحريك العمال في اللحظات الأخيرة (التي كانت حاسمة بكل المقاييس). ربما في تونس نجح حزب العمال الشيوعي من الارتقاء بالصراع ونقله الى حد المطالبة باسقاط النظام، ومن ثم لازال يخوض الصراع من أجل فرض الدولة الديمقراطية. في سورية المشاركون لم يبدوا تميزاً بعد، فهم مع الحراك دون تلمس لمشكلاته، والمعيقات التي تجعل توسعه بطيئاً بعض الشيء، والأهداف العامة التي يجب أن تتوضح (حيث يسود شتات من الشعارات دون أهداف واضحة غير اسقاط النظام، وهو الشعار الذي لم يصبح الشعار المركزي بعد). في الأردن وفي المغرب والجزائر لازال العمل الماركسي دون استراتيجية ورؤية. وفي مصر ليس من رؤية لواقع الصراع الآن بعد إسقاط مبارك وبقاء نظامه.
فأولاً، لقد تحقق تغيّر في مصر وتونس لكن هناك اليمن وسورية (وليبيا) لازال الصراع فيها محتدماً، فما هو الدور الذي يجب أن يلعبه الماركسيون؟ وثانياً في تونس ومصر، رغم طرد الرئيسين فيهما لم يحسم الصراع بعد، ولازال الطبقة الرأسمالية (بالتبعية للإمبريالية) تعمل على ترقيع نظامها التابع.
لكن يمكن ملاحظة مشكلات نظرية تحكم الماركسيين، كانت في أساس إشكالية دورهم وهي تمنع تبلور رؤية حقيقية لدورهم الراهن.
أولها مسألة النظرة الطبقية وانطلاقها من أن الصراع هو صراع طبقي، حيث نلمس بأن فهم مسألة الانتقال من الاقتصادي الى السياسي كما طُرحت في الماركسية باتت تعني تجاوز الطبقي، وتحويل الصراع الى صراع “سياسي” (أو سياسوي)، أي صراع بين أحزاب سياسية (وهي هنا تتمحور حول السياسة بمعناها المبتذل، أي المتعلق بالحدث السياسي، وبالسلطة السياسية) وبين السلطة بما هي أفراد يمارسون السياسة (السياسة الخارجية أو القمع الداخلي). ولهذا يصبح الحزب ليس حزب طبقة بل أفراد يتجمعون حول برنامج وأيديولوجية. ومن ثم يصبح الصراع هو صراع الحزب من أجل “افتكاك” الديمقراطية، أو صراعه ضد السلطة لتبعيتها للإمبريالية، وليس لنها سلطة طبقة تمارس الاستبداد وتتّبع السياسة الإمبريالية. هنا يجري التركيز على المظهر وتجاهل الجوهر الطبقي. ولقد أشرت توّاً الى السبب في العجز عن فهم إمكانيات الثورات نتيجة عدم الاهتمام بالواقع الاقتصادي الطبقي، وهو الأمر الذي جعل أولويات الأحزاب تتحدد في الديمقراطية أو مناهضة الإمبريالية، وباتت تنظّم استناداً الى التوافق على ذلك دون نظر الى الطبقات.
الحزب الماركسي هو حزب طبقي، أي أنه يمثّل طبقة وتقوم بناه التنظيمية على أكتافها وليس على تنظّم فئات وسطى (وإن كانت فئات وسطى تتنظّم انطلاقاً من اعتناقها الماركسية). هو حزب ينبني في الطبقة ولتحقيق مصالحها. وهو أداة تنظيمها (إضافة الى النقابات واشكال العمل الأخرى) من أجل انتصارها. ولهذا لا بد من إعادة النظر في فهم معنى الحزب ودوره وعلاقته بالعمال والفلاحين الفقراء، لكي نصل الى الصراع الطبقي، ويصبح الحزب جديراً بأن يقود هؤلاء.
وثانياً مسألة الثورة، كانت هذه الكلمة قد غابت عن معظم الماركسيين في الوطن العربي، وأحلّ محلها مفهوم التغيير الديمقراطي والسلمي في مواجهة نظم استبدادية مافياوية. وكان جل النشاط السياسي يتمثّل في التوافق مع الأحزاب الليبرالية والإسلامية من أجل “افتكاك” الديمقراطية. ولقد اصبحت كلمة ثورة تحيل الى ماضٍ رحل، وعقلية باتت قديمة، وتحجّر أيديولوجي. لهذا لم يكن ممكناً الالتفات الى الاحتقان الطبقي، ولا تلمس غمكانية نشوب ثورة.
ولا شك في أن الانطلاق من ضرورة الثورة يفرض سياسة جديدة، وبنية تنظيمية جديدة، ومنظور مختلف. لقد اصبح النضال الديمقراطي هو نضال مطلبي لا يهدف تغيير النظم ولا يطمح الى ذلك، بل يهدف الى تغيير شكل النظم لكي تسمح بتعددية، هي شكلية في واقعها لأنها منفصلة عن المصالح وعن كل السياق الديمقراطي. وبالتالي باتت تتعلق بمقدرة نخب الفئات الوسطى على التعبير الجزئي عن ذاتها.
بينما كان الواقع يفرض الثورة، وكانت الطبقات تنفجر نتيجة عجزها عن العيش، دون قيادة، ودون رؤية لبديل ممكن. وإذا كان الشباب قد لعب دور “القائد” لهذه الثورات من خلال استخدام التقنيات الحديثة (الفيس بووك)، فإنه لا يمتلك البديل، وهو في صراعه الراهن يتبلور وربما يبلور بديلاً.
وثالثاً مسألة السلطة، فقد بدا أن مسألة الاستيلاء على السلطة غائبة عن الرؤية، والصورة التي يمكن أن تكون أقرب الى منطق الماركسيين هي الضغط الشعبي من أجل تحويل الدولة الى دولة ديمقراطية تفتح للتنافس الحرّ من خلال الانتخابات. ولهذا سيكون هدف الثورات هو “الدولة الديمقراطية”. بينما لا بد من أن تتأسس إستراتيجية الماركسيين على تطوير الثورة من أجل الوصول الى السلطة، وليس الدخول في “لعبة” انتخابات مسيطر عليها مسبقاً من مواقع القوة في السلطة القديمة والمال، وفي وضع رأسمالي مافياوي لا يسمح بديمقراطية حقيقية.
إن التأكيد على مسألة السلطة يفرض وضع إستراتيجية مختلفة، تنطلق من أن الدولة الديمقراطية لا تتحقق غلآ عبر تغيير النمط الاقتصادي. وأن المنطق العام يوصل الى أنه لا إمكانية لانتصار الثورة حقيقة إلا من خلال سعي الماركسيين للاستيلاء على السلطة للتعبير عن مصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين.
الثورة تفرض منتهاها، ومنتهاها هو الاستيلاء على السلطة. كانت تبدو القوى الماركسية المشاركة في الثورات وكأنها لا تعرف ماذا تفعل مع كل هذه الحشود الشعبية، ولم تفكّر لحظة في كيفية توسيع الحراك وإدخال العمال والفلاحين الفقراء كطبقة في الثورة، وكيف تستميل الفلاحين، والجيش. ومن ثم كيف تقود كل هؤلاء الى مراكز السلطة للسيطرة عليها وفرض بديلها.
على كل لابد من أن ننطلق من أننا في بداية طريق الثورة، وأن الصراع قد بدأ للتو، وأنه لا بد من أن تستمر الثورة الى أن يفرض البديل الذي يحل مشكلات الطبقات المفقرة والمجتمع عموماً.
تكتيك الماركسية الآن
لم تزل الثورة في بداياتها، رغم “انتصارها” في بعض البلدان واستمرار نشاطها في أخرى وحراك متفاوت في معظم البلدان التي لم يتحوّل حراكها الى ثورة، ولا شك في أنها ستطال حتى السعودية وبعض بلدان الخليج، وستصل الى السودان وموريتانيا، وبالتالي لن يبقى من هو في منأى عنها.
والسؤال المطروح على ضوء كل الملاحظات السابقة يتحدد في التكتيك الضروري في الثورة، والذي يمكن أن يصاغ على ضوء البحث الجاد في واقعها الآن، واحتمالات تطورها. والمسألة المهمة هنا هي تحديد التكتيك في ثلاث مستويات من الثورة، المستوى الأول هو تلك البلدان التي حققت مرحلة اولى (تونس ومصر)، والمستوى الثاني هو البلدان التي لازال الطور الأول لم يتحقق رغم مرور أشهر على الثورة (اليمن، ليبيا، سورية)، والمستوى الثالث يتعلق بالبلدان التي بدأ الحراك فيها لكنه لم يصل الى مرحلة الثورة (المغرب، الجزائر، العراق، عمان) أو تلك التي لم يبدأ فيها الحراك بعد (السعودية، السودان، موريتانيا).
وهذا يقتضي البحث العياني في كل منها، لكن المشكلة التي لا بد من التوقف عندها قبل البحث في التكتيك الضروري تتمثل في وجود أو عدم وجود أحزاب وقوى ماركسية تشارك في الثورات. إن الغياب أو الوجود الهامشي للأحزاب الماركسية، وغياب الرؤية الواضحة للواقع تفرضان العمل بشكل مزدوج، من أجل تطوير الثورات من جهة، وبناء الحزب القادر على قيادة الصراع الطبقي من جهة أخرى. المسألة هنا لا تتعلق بخطأ في التكتيك فقط بل في هزال أو غياب القوى الماركسية، ولا شك في أن هذا النهوض الثوري الذي أفضى الى اندفاع الطبقات المفقرة الى خوض الصراع، والى انخراط الشباب منهم فيه، يفتح على أفق جديد يمكن أن يسمح ببناء حزب العمال والفلاحين الفقراء في الوطن العربي. لكن ذلك يحتاج الى وقفة من أجل إعادة صياغة الرؤية انطلاقاً من فهم الواقع، وأساساً إعادة صياغة الوعي لدى المنخرطين الجدد في النضال الطبقي. وهنا من الضروري التحديد بأننا نريد ماركسية تستطيع فهم الواقع والتأسيس على ممكناته، وليس ماركسية معلّبة من مخلفات الماضي ومصاغة في إطار أيديولوجي هو نتاج زمن مضى.
بالتالي، وفي ظل الانخراط الثوري في النضال القائم، لا بد من الانطلاق من ماركسية “صحيحة”، هي تلك التي أضافها ماركس بالأساس، وأقصد المنهجية التي هي وحدها تسمح بوعي الواقع من منظور علمي، وتؤسس لإستراتيجية صحيحة. لكن ما يجب أن يكون واضحاً هو أن استمرار الثورات وتطورها، وبالتالي انتصارها يتوقف على دور العمال والفلاحين الفقراء، فهم وحدهم من يستطيع تقديم بديل حقيقي. وهذا هو الأمر الأساس في تحديد دور الماركسية.

المصدر: الحوار المتمدن

حدود «الممانعة» السورية

الأمر الذي حكم الموقف من الانتفاضة الشعبية في سوريا، من قِبل قطاع من الذين يرون أنّ الأس هو أميركا، وأنّ الأساس هو المقاومة، هو كون النظام «ممانعاً»، وأنّه «يدعم المقاومة في لبنان وفلسطين». لذلك، لم تكن الثورة ثورة، بل مؤامرة أميركية، رغم تصريحات رامي مخلوف حول الاستقرار، والتسريبات حول مطالبة السلطة لأميركا، كي تعمل على إعادة المفاوضات مع الدولة الصهيونية لأنّ «98% من القضايا متفق عليها».

حسناً، ما معنى الممانعة»، خصوصاً بعدما كان «السلام هو الخيار الاستراتيجي» للنظام منذ زمن بعيد؟ المصدر هو المنع، ويشير إلى عدم قبول ما يطرحه آخر. فمنع يمنع يمتنع يتمنّع. وهي هنا أدنى من الرفض، وأحرى من المقاومة. وبالتالي، حين يسمى النظام بأنّه نظام ممانع، فهو صادق في ذلك، لأنّه لا يرفض ولا يقاوم، والمفاوضات هي الخيار الوحيد لديه. ومن هنا، فهو يمتنع عن قبول مستوى التنازلات الصهيونية، لكنّه لا يرفض التفاوض من أجل الوصول إلى حل، وربما ينتظر إلى أن يصبح ذلك ممكناً. لهذا، فالخلاف ليس حول المبدأ، بل حول الممكن فقط. فالمبدأ هو عدم الحرب، والتفاوض من أجل إيجاد حل لاحتلال الجولان، لا يقوم بالضرورة على استعادته.

وحين نتلمس العلاقة مع الولايات المتحدة، نلاحظ ميلاً للتفاهم، وإصراراً على العلاقة، لكن انطلاقاً من أسس هي مجال الخلاف. وسنلمس أنّ تصريحات تتسرّب بالتواتر، تشير إلى هذا الميل، والى الحرص على العلاقة. من هنا، ليست الممانعة سوى عدم قبول بعض السياسات، وسعي إلى تحقيق علاقة أفضل مع الولايات المتحدة، وشروط أفضل في المفاوضات مع الدولة الصهيونية. لهذا، حين يتحدد بأنّ النظام هو نظام ممانعة، لا بد من فهم حدود الموقف الذي يحكمه في العلاقة مع كلّ من الإمبريالية الأميركية، والدولة الصهيونية. هكذا حدد ذاته، ولا يمكن أن يُحمّل أكثر مما يحدِّد هو. وإلا لكان تسمى بالرفض والصمود، كما كان بعد اتفاقات كامب ديفيد، أو تسمى بالنظام المقاوم، وليس فقط الذي يدعم المقاومة. فهو يحكم دولة لها أرض محتلة، وبالتالي المقياس هنا هو المقاومة وليس الممانعة. ولا شك في أنّ كلمة ممانعة هي تحديد دقيق لوضعه، لكن لا بد من سؤال «لماذا يمانع؟»، بعدما تجاوزنا سؤال «لماذا يمانع فقط؟».

ما ينطلق منه «محبّو» الممانعة، هو طبيعة الصراعات في المنطقة، والتحالفات التي تؤسسها. فالنظام في هذه الصراعات مع إيران والمقاومة في لبنان وفلسطين، ضد «قوى الاعتدال» المرتبطة بالإمبريالية الأميركية. هذا هو الانقسام القائم على الأرض، دون أن نتلمس لماذا هو كذلك. ولهذا، سيكون الحرص على المقاومة في لبنان خصوصاً، سبباً في تكريس تلك الصفة للنظام السوري، والتمسك بها حتى العظم. فسوريا طريق الدعم لحزب الله، والحماية الخلفية له. وبالتالي، فإنّ كلّ تغيّر في وضع النظام سيؤدي إلى حصار لهذا الحزب، وبالتالي للمقاومة. وذلك دون السؤال عن طبيعة هذا التغيّر، ومن يقوم به على الأرض، فهو أميركي «حتماً»، ما دام ضد دولة «ممانعة»، وتدعم المقاومة. وهو مؤامرة على حزب الله والمقاومة، بالضرورة!

لكن حين ننتقل من هذا السطح، الذي يتلمسه السياسي الخارجي، ويؤسس عليه، إلى التكوين الداخلي، ستختلف الأمور بالضرورة. أليست السياسة الخارجية هي التعبير عن الوضع الطبقي الداخلي؟ وإذا كانت العولمة، التي هي سياسة الإمبريالية الأميركية خصوصاً، قد عنت لبرلة الاقتصاد، وتخلّي الدولة عن تدخلها الاقتصادي سواء من أجل التعليم والصحة أو حق العمل، أو من أجل الاستثمار وبناء الاقتصاد، وحمايته من المنافسة غير المتكافئة مع المراكز الإمبريالية، فما جرى في سوريا خلال العقدين الماضيين هو هذا بالضبط. فقد انهار دور الدولة وتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي محتكر من قبل «رجال أعمال جدد»، هم رجالات السلطة ذاتها، وأصبح الاستيراد هو العملية الأساس في العلاقة مع الخارج، بعدما انهارت حتى محاصيل استراتيجية مثل القطن والقمح. وانهارت الزراعة والصناعات، بعد تحرير الأسعار، وخصوصاً أسعار المشتقات النفطية. وهو الأمر الذي دفع كتلة كبيرة من السكان إلى البطالة (30%) والإفقار (80%). فمثلاً، الفارق بين متوسط الأجور والحد الأدنى الضروري هو 1 إلى 3 (11 ألف ليرة إلى 31 ألف ليرة)، حسب دراسات السلطة ذاتها، وسيكون أسوأ حين تكون الدراسة دقيقة.

إنّ تشكيل النمط الاقتصادي بما هو نمط ريعي، يقوم على السياحة والخدمات والاستيراد والعقارات، هو المعادل الموضوعي لسيطرة الطغم الإمبريالية على الاقتصاد، بالتعاون مع مافيات محلية، باتت تتحكم بالكتلة الأساس من المال. مافيات تعمل على نهب الداخل، وتصدير الأرباح إلى الخارج، لكي تصبّ في عجلة الرأسمال الإمبريالي. وهذا النمط يفترض الالتحاق السياسي، لكي يحقق «رجال الأعمال الجدد» دورتهم الاقتصادية. ولقد كان واضحاً لزمن، أنّ الأمور تسير في هذا السياق، ولهذا تخلص النظام من «خطابه القومي»، وبدأ بالحديث عن المصالح، لكن الأمور سارت نحو عدم التفاهم مع الولايات المتحدة، «زعيمة الرأسمال» حينها. لماذا؟ هنا لا بد من لفظ كل «الإيديولوجية»، والتعلق بأفكار، فالواقع الاقتصادي الذي تشكّل هو أقوى من كل ذلك. وهنا سنجد أنّ هناك قوة، هي «رجال الأعمال الجدد»، تعمل على التفاهم، وأخرى، هي الولايات المتحدة تتمنع، وهو الأمر الذي يشير إلى شروط أميركية، غير ممكنة التحقيق. ليست تلك الشروط المسألة الوطنية، ولا إيران، ولا المقاومة، بل طبيعة النظام ذاته. فقد كان الموقف الأميركي يميل نحو سيطرة «القوى الإسلامية المعتدلة»، أي التعديل الطائفي للنظام، وبالتالي لم يكن مطلوباً قبول النظام، بل تغييره. أميركا هنا كانت تغلّب الإستراتيجي على المصلحي الراهن، وهذا هو أساس «الممانعة» السورية، التي انبنت على تكييف اقتصادي داخلي، قابل للسيطرة والالتحاق بالنمط الرأسمالي.

لا تتعلق المسألة هنا باختلاف عميق، أي بالاقتصاد والسياسة، بل تتعلق بالسلطة ذاتها. ومن الطبيعي أن ترفض فئة أن يكون الحل على حسابها، والسلطة هي أساس سيطرتها الاقتصادية. ولقد عملت على تحقيق «شروط العولمة»، خلال السنوات الأربع الأخيرة، من أجل الحصول على القبول الأميركي، وفي سياق الارتباط بالرأسمال الإمبريالي. هذه هي حدود «الممانعة»، وهي حدود تشير إلى اختلاف «تكتيكي» على صيغة السلطة التي تحقق الارتباط بالنمط الرأسمالي. ولقد عزّز هذا الاختلاف طبيعة العلاقة مع إيران (فتحوّل إلى تحالف إستراتيجي بعد 2005 فقط)، ومع المقاومة، وفي إطار التحالفات الإقليمية، واستعاد خطاباً قومياً باهتاً.

على هذا الأساس، أطلقت الدولة على نفسها تسمية «ممانعة»، وليس دولة مقاومة أو صمود، ولا أقول تحرير، فهذه باتت من الماضي، فليس لدى النظام سوى المفاوضات. ولهذا سيكون الموقف من المقاومة موقفاً تكتيكياً، ينطلق من الوضع الذي أصبح فيه نتيجة التناقضات العالمية والإقليمية، وليس عن اقتناع «إيديولوجي»، فالمصالح باتت في مكان آخر، وبات الموقع الطبيعي هو في إطار التبعية للنمط الرأسمالي.

إن الشعور بالعجز لدى بعض النخب، والشعور بالمأزق لدى المقاومة (حزب الله خصوصاً)، نتيجة طابعها الذي فرض انحصارها في طائفة، هو الذي يفرض التعلق بـ«حبال الهواء»، ويجعل النخب تتعلق ببقايا حلم تحرري كبير، تلاشى خلال العقود الماضية، وبشبح قوى تختلف مع الإمبريالية. وفي الغالب، يحكمها المنطق الشكلي الذي يجعلها لا ترى غير السياسي (السطح أو الشكل لمضمون عميق)، فتتعلق بأذياله، وتُصدم حين ترى الشعب يثور من أجل التغيير، فلا تجد غير المؤامرة مبرراً لما يجري. إنّها نخب لا ترى الواقع، لا ترى الشعوب، لا ترى الطبقات المفقرة، بل ترى السياسي، الدولة والعلاقات الدولية. فتستسخف ثوران مفقرين مطالبين بوضع معيشي لائق، وبعمل يسمح بالعيش، وبنظام ديموقراطي. فهذه لدى النخب كلّها «تفاهات» أمام «الممانعة»، ومن أجل المقاومة. رغم أنّ الشعوب هي قوة المقاومة الأهم دائماً. وحين تُفقر وتجوع لا يكون لديها خيار سوى التغيير، وهي في ذلك تؤسس لتناقض عميق مع الإمبريالية، يفضي إلى صراع حقيقي وليس «ممانعة» شكلية، من السهل حلّها.
لدينا نخب نرجسية بنحو مرضيّ، وعاجزة إلى حدّ الهزل، أو عاجزة عن فهم حقيقي للواقع. المطلوب هو وعي أعمق للواقع، وليس التعلق بشعارات. فالشعوب هي أعتى قوة مناهضة للإمبريالية، وهي قوة المقاومة الحقيقية. أما النظم فقد نهبت بما يكفي، وسحقت بما يكفي، وعجزت عن خوض معركة صغيرة ضد عدو. فهي لا تخوض الحرب إلا ضد شعوبها، ولا تدرّب جيوشها إلا على ذلك.
وتحيا الممانعة.

المصدر: الأخبار

معنى الانتفاضات العربية

ما يبدو إلى الآن هو أن الشعوب تنتفض وتثور ثم يقطف الجيش السلطة، أو تنجرف إلى حرب أهلية وتدخل إمبريالي، أو توضع في مأزق الزمن الذي لا يفضي إلى تغيير (اليمن)، أو تتهدد دول ممانعة (سورية) وربما يجري تصور بأنها ستنجرف إما إلى تدخل إمبريالي أو حرب طائفية. هذا ما فتح ويفتح على كل الأقاويل والاستعارات عن “المؤامرة”، ويبدو أن الروس الذين يخسرون مواقعهم ومصالحهم هم الذين “توصلوا” إلى أن المسألة هي مسألة مؤامرة.

لماذا هذه النتيجة لهذه الثورات؟

يمكن أن نلخص بأنها نتاج أن قوة الثورة لم تكن كافية لهدم النظام بل اكتفت بهزة بقوة، حيث غاب عن الثورات هذه روح الهجوم من أجل استلام السلطة لكي تعيد بناءها وفق مصالح ورؤى مختلفة. والسبب هنا هو أن الثورات عفوية بكل معنى الكلمة، وهو ما يعني أنها تستطيع أن تهدم أو تهزّ لكنها لا تمتلك بديلاً تتقدم لفرضه بقوتها. وبالتالي فإن المشكلة التي لا بد من أن تعالج لماذا هذا الغياب الفاضح للأحزاب التي تمثل هؤلاء الثوار؟

الأحزاب انقطع ارتباطها بالطبقات الشعبية منذ زمن طويل بفعل القمع لكن كذلك وأساساً بفعل عجزها (قصور وعيها، وبساطة طموحها وتعلقها بالسلطة من زاوية الصراع معها من أجل أن تسمح بنشوء جو ديمقراطي)، ولهذا أيضاً لم تتوقع الثورات، وكذلك النخب التي تدين وتعربد اليوم ضد “المؤامرة” والتدخل الإمبريالي.

لهذا أنجز الشعب مهمته بتفوق هائل، ووقف فشل الأحزاب عائقاً أمام الوصول إلى الانتصار النهائي. وهو الأمر الذي أعطى فسحة للطبقة المسيطرة بأن تقوم بمناورة التفافية على الثورة من أجل امتصاصها، وتفريغها مما طالبت به. هذا وضع طبيعي من قبل هذه الطبقة التي تريد أن تبقى مسيطرة، كما هو وضع طبيعي من قبل الإمبريالية التي تحميها وتدعمها، فلماذا تقبل بانهيارها ولم يتقدم أحد لكي يطرحها جانباً؟

لكن ما يجب أن يكون واضحاً بأن هذا هو “الصورة الأولية” للثورة، أي اللحظة الأولى التي فرضتها قوة الشعب العفوي، وبسيط الوعي، والذي تمرّد حين وصل حافة الفناء. انفجار شعبي هائل يريد أن يهدم ما يسحقه ويفنيه. أما هل سيتوقف عند هذه النتيجة الأولى؟
هذا ما يجب أن يلحظ، وأن يُفهم، وأن يكون في أساس رؤيتنا للواقع الحالي. بمعنى أن هذا الانفجار الذي أسقط رؤساء ولم يسقط النظم بعد، ليس من الممكن وقفه بحركة التفافية ساذجة، أو حتى بمناورة محكمة، أو كذلك بدور إمبريالي. فقد بدأ، وليس من الممكن أن يتوقف قبل أن يعيد صياغة كلية التكوين المجتمعي. دون أن يتغير التكوين الاقتصادي الذي شكلته سلطة رأسمالية مافياوية اهتمت ببناء اقتصاد ريعي أرادته المراكز الإمبريالية وخدم مصالحها، والذي فرض تهميش 80% من المجتمع التي هي الطبقات الشعبية، وجعلها خارج عجلة الاقتصاد مسحوقة مفقرة ونسبة كبيرة منها دون عمل (ودون طبابة أو تعليم مجاني وعلمي).

المجتمعات لا تقبل تهميش كتلتها المنتجة، ورمي معظم أفرادها في هوّ لا قاع له. لهذا يصبح الانفجار هو بداية صيرورة ستقود إلى تغيير عميق. انفجار لن يتوقف (وإن هدأ) قبل أن يحقق هذا التغيير العميق في النمط الاقتصادي. ولهذا نكون قد دخلنا في وضع يفرض معالجة المشكلة التي جعلت الانتفاضات الراهنة لا تفعل سوى هز النظم وتحقيق تغيّر شكلي فيها، وأقصد التبلور السياسي الذي يعبّر عن مصالح هذه الكتلة الهائلة من المفقرين. ولا شك في أن الأزمات تسمح بفتح أفق التفكير العميق في المشكلات، وبالتالي تستدعي الحاجة إلى الوعي السياسي، الأمر الذي يجعل الانتفاضات كذلك ورشة للتثقيف والوعي. مما سيقود حتماً إلى تبلور الأحزاب السياسية القادرة على حمل مشروع التغيير العميق.

لهذا بدل اللطم يمكن التقدم لمساعدة المفقرين هؤلاء في بلورة أحزاب قادرة على التغيير، وبدل الرفض نتيجة “الحل الأولي” يمكن التقدم لإكمال الثورة كي تصل إلى منتهاها “الطبيعي”، أي التغيير العميق. اللغو حول الثورات والتشبث بأفلام حول المؤامرات والتخوف على “الممانعة والمقاومة” كلها مسائل لا معنى لها الآن، حيث ينفتح أفق قلب كل الوطن العربي وتأسيسه بما يحقق مصالح المفقرين، وهو هنا حتماً على تضاد شامل مع الإمبريالية والدولة الصهيونية وكل سيطرة الرأسمال.

المصدر: الأفق الإشتراكي

لقاء المعارضين في دمشق: رفض وتخوّف… وتأييد

انعقد في دمشق يوم 27/ 6 لقاء لعدد كبير من المثقفين والفنانين والسياسيين المعارضين والمستقلين، تحت وقع سيل من التخوين والاتهام من جانب أطراف «معارضة»، وتشكيك في أنه تمهيد للحوار الذي دعت إليه السلطة، وأنه جرى بالتالي بالتنسيق معها وبموافقتها

سلامة كيلة

ربما لم يكن متخيلاً عقد لقاء لعدد كبير من المعارضين في وسط دمشق (فندق سميراميس)، حيث إن السلطة تلاحق كل لقاء أو اجتماع أو تجمّع منذ زمن بعيد. على الأقل هكذا اعتاد السوري منذ أن أعلنت الأحكام العرفية وخضع الحيّز السياسي لسلطة حزب البعث كواجهة لسلطة أدق، وأصبح «مؤمماً». لا شك في ذلك، ولا شك في أن هذا الشكل من الاجتماع سيبدو غريباً وشاذاً، وبالتالي «موافقاً عليه»، أو «موحى به». لكن ألا يشير الوضع الذي دخلته سوريا منذ 15 آذار الفائت إلى أن منطقاً جديداً أصبح يحكم كل حراك؟ ربما لم يجرِ تلمس هذه المسألة بعد!

في كل الأحوال، كان الاتهام الأساسي هو أن اللقاء يجيء في سياق الإعداد للحوار «الوطني» الذي دعت إليه السلطة، وتشكلت لجنة من أجل متابعته، وأنه جزء من النشاط الذي تقوم به هذه اللجنة. اتحاد تنسيقيات، الذي يعبّر عن بعض لجان التنسيق التي تتابع الحراك، اتهم مباشرة وكذلك بعض أطراف المعارضة في الخارج (واتحاد اللجان هذا ليس بعيداً عنها). ولجان التنسيق المحلية في سوريا اتخذت موقفاً ايجابياً. آخرون رأوا أن اللقاء هو اجتهاد من بعض النخب التي لا يشك أحد في موقفها من النظام، فقد قضت سنوات في السجون، وأن من الأفضل ألا يعقد لكي لا تستفيد السلطة منه لتسويق دعوتها إلى الحوار. وآخرون تخوّفوا من أن يصدر اللقاء بياناً يدعو إلى الحوار نتيجة ما أثير حول الحوار من نقاش، وخصوصاً أن بعض الداعين إلى اللقاء التشاوري وردت أسماؤهم في لقاءات مع بعض أطراف السلطة، رغم أنهم أوضحوا بأنهم لم يكونوا في وارد الحوار، وأن موقفهم من الحوار هو ما قررته التنسيقيات، هذه التي حددت ضرورة أن يسحب الجيش والأمن من المدن والبلدات وأن يحاسب الذين أصدروا أوامر القتل، وإطلاق كل المعتقلين السياسيين والذين اعتقلوا على خلفية الحراك، والسماح الكامل بالتظاهر السلمي.

لكن كل ذلك لم يكن لينهي التخوّف أو يوقف الاتهام. وهو الأمر الذي جعل كثيرين ممن دعوا إلى اللقاء يغيبون عنه. المسألة الأساس كانت تتمحور حول هل يخرج اللقاء ببيان يشير إلى الحوار أم يكون شكلاً من أشكال النشاط الذي تمارسه الانتفاضة الشعبية، ويكون تحت سقفها وليس تحت سقف السلطة؟

إذا تناولنا النخب في سوريا، نلحظ بأن هناك رأياً جديراً بالنقاش ينطلق من أن الوضع يمكن أن ينزلق إلى صراع طائفي ويقود إلى الدمار، ولقد وردت إشارات حول ذلك في اللقاء، وانطلاقاً من ذلك يشار إلى ضرورة ألّا نصل إلى هذا المنزلق من خلال عدم إغلاق باب الحوار مع السلطة، لأن الحل لن يكون إلا بالتفاوض ولكن ليس بأي شروط، ولهذا تلتزم بالشروط العامة المطروحة، لكنها تصرّ كذلك على الحوار. وإذا كان يمكن نقاش مسألة المسار الذي يمكن أن يتطور إليه الوضع، وهل سيصل إلى الحرب الطائفية، أو هذه الفرضية ليست حقيقية، فإن النتائج التي انبنت عليها لاحقت اللقاء من خلال القول إن الدعوة تهدف إلى الحوار مع السلطة.

في المقابل كانت الدعوة تبدو كتحدٍّ بأنه يجب التقدم خطوة في سياق تطوير نشاط الانتفاضة من خلال القول العلني والمباشر بأن هذه النخب هي جزء من الانتفاضة وأنها تستطيع أن تعلن ذلك في وسط دمشق، حيث لا بد من كسر حاجز التخوف من المشاركة لدى قطاعات لا تزال متخوفة ومتفرجة، ومشككة في طبيعة الانتفاضة نتيجة ما يبثه الإعلام الرسمي و«الخارجي» من صور ومقابلات توحي بطابع طائفي معيّن للانتفاضة. فمن ينطلق مما يرد في الإعلام يتوصل إلى أننا مقبلون على صراع طائفي أو أن الانتفاضة هي «أصولية» تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين. ولا شك في أن الإعلامين يتقصدان ذلك، السلطة من أجل تخويف «الأقليات» خشية انضمامها إلى الانتفاضة، و«الإسلاميون» الذين يودون أن تكون انتفاضة «إسلامية». وهذا ما كانت تعبّر عنه مواقع على الفايسبوك، ويقال في المقابلات، وينشر في بعض الفضائيات. لهذا لا بد من تأكيد الطابع المدني للانتفاضة، وأنها تهدف إلى تأسيس دولة ديموقراطية مدنية، رفضاً لمنطق التجييش الطائفي وتأكيداً على أنها انتفاضة كل الشعب (الذي ظهر في شعارات كثيرة قيلت، مثل لا سلفية ولا إخوان الثورة ثورة شجعان، والشعب السوري واحد ..).

كل هذه الأجواء كانت تلف اللقاء، وربما كان البعض يريد أن يخرج اللقاء بما يشير إلى الحوار، لكن «الجو العام» في اللقاء كان يشير إلى غير ذلك. لقد كان دم الشهداء وصلابة الشباب في وجدان الذين حضروا، ولهذا أتت مداخلاتهم على الأوراق التي قدمت واضحة في هذا السياق. فقد قدم الكاتب ميشيل كيلو ورقة شفوية طرح فيها تصوره للإجراءات «الفورية» بعد شرح لعمق الأزمة استناداً إلى عمق المشكلة الاقتصادية، وكان يشير إلى ضرورة السير إلى وضع يؤسس لنظام يقوم على الطبقة الوسطى، لأن ذلك وحده هو الذي يؤسس لنظام ديموقراطي ويخرجنا من الشرق الاستبدادي والمنتج للاستبداد إلى العالم الحديث. وكذلك قدّم الدكتور منذر خدام ورقة مكتوبة تشير إلى مستلزمات المرحلة الانتقالية، وبالتالي كيف يمكن أن تقود الانتفاضة إلى تحقيق الانتقال إلى الدولة المدنية الديموقراطية التي كانت شعار اللقاء التشاوري، ثم قدم الدكتور حسان عباس ورقة عن دور النخب والمثقفين في الانتفاضة وفي عملية الانتقال.

في كل الأحوال مثلت الأوراق المقدمة وجهات نظر مقدميها، ولقد طرحت للاستنارة، وفتح أفق النقاش حول مسألة بالغة الأهمية تتمثل في صيغة «المرحلة الانتقالية»، حيث إنها مسألة إشكالية حتى في تونس ومصر، وهي إشكالية في اليمن. فقد فرضت القوة التي سيطرت على السلطة (الجيش) إيقاع المرحلة الانتقالية وحدودها، وكان يتوضح أن هدف ذلك هو إعادة إنتاج السلطة القديمة، لكن بوجوه جديدة وشكل جديد. وهو ما جعل الصراع مستمراً إلى الآن في كل من مصر وتونس. وشباب اليمن يطرحون اليوم بديلهم المتمثل في تشكيل مجلس انتقالي يقود المرحلة الانتقالية، وبالتالي يبتعد عن بنى السلطة القائمة، ما يجعله أقرب إلى تحقيق المطالب الشعبية (على الأقل على المستوى الديموقراطي). بهذا المعنى كيف يمكن أن تكون المرحلة الانتقالية في سوريا في ضوء مطالب الانتفاضة التي بات شعارها هو إسقاط النظام؟

هذه مسألة يجب أن يفتح النقاش حولها، وربما كانت قيمة اللقاء أنه قدم تصوراً يمكن أن يكون أرضية للنقاش الأعم، أو يحرّض على تقديم تصورات أخرى. ولهذا لم يلجأ اللقاء إلى إقرار الورقة المقدمة، ولم يكن هدفه ذلك، فهذا موضوع يحتاج إلى النقاش أولاً.

البيان الختامي، بالتأكيد كان مفاجئاً للمخونين والمتخوفين معاً، وفرض على الإعلام السلطوي العمل على تشويه ما جرى. فقد جرى التأكيد على دعم الانتفاضة الشعبية، والتزام مطالبها، في سياق العمل على تأسيس دولة مدنية ديموقراطية. كذلك شدّدد على إنهاء الحل الأمني والتجييش الإعلامي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والذين اعتقلوا على خلفية الانتفاضة، و..إلخ. لكن الأهم فيه هو هذه النقطة الأولى التي أظهرت انحياز المشاركين إلى الانتفاضة، الذي ظهر أن خطوة مهمة قد قطعتها «النخب» في طريق الانخراط فيها، ومحاولة لعب دورها الموضح لمضامين الانتفاضة، وطبيعتها. وهو ما أوضح بأن المشاركين ينطلقون فعلاً من أنهم جزء داعم للانتفاضة، وليسوا في وارد الحوار أو «قطف ثمار» الانتفاضة من أجل دور ليس لهم، أو يحاولون أن يحلّوا محل بعض من يعتقد بأنه «قائد» الانتفاضة و«ممثلها الشرعي». فالانتفاضة يقودها شباب وهم من سيحدد وجهتها، ومن سيقرر نهايتها. وكل من ظن بأن المسألة تتعلق بتنافس على «ركوب الانتفاضة» سيخذل لأن اللقاء لم يفكر في هذا الدور، وظل يعتقد بأنه دور من يدفع الدم: الشباب.

لهذا ربما توضّح أن عقد اللقاء تحقق بفعل الدم الذي قدمه الشهداء، والذي فرض الحاجة إلى التقدم لكسب المواقع على الأرض وليس في «الفضاء الافتراضي»، فالسيطرة على الأرض تتحقق هكذا. لا شك في أن السلطة علمت باللقاء، لكن ما فرض أن يتحقق (بموافقتها) هو هذا الصراع الكبير الذي يقوم به الشعب، والذي يفرض «التنازل»، ربما على أمل الامتصاص، لكن في المقابل يفضي إلى تحقيق تقدم في الفاعلية على الأرض. والنشاط والنقاش والصراع يجري في هذه الأجواء، وبالتالي سيخضع لميول ومواقف الأطراف المختلفة، ورؤيتها لأثر كل خطوة على سياساتها، أو كيف تخضعه لسياساتها. لكن تبقى الأهمية للنتائج التي خرج بها اللقاء.

تنسيقية أحياء دمشق التي تعنى بنشاط الانتفاضة أصدرت تصريحاً داعماً للقاء. والسلطة حاولت أن تلعب في طابعه، وبعض الدول الإمبريالية رأت أنه «خطوة في الاتجاه الصحيح» للنظام. لكن سيتضح أنه كان خطوة مهمة في سياق تطور الانتفاضة.

المصدر: الأخبار