Monthly Archives: يوليو 2013

اليسار ومسألة الإسلاميين

بعد الموجة الأولى من الثورات سيطرت قوى إسلامية على السلطة، الأمر الذي أخاف قطاعاً كبيراً من اليساريين و «اليساريين» السابقين، وهو ما أدى إلى الرعب من الثورات ذاتها واتخاذ موقف محبط منها وأحياناً رفضها والتشكيك فيها. وأدى أيضاً إلى الرعب من الإسلاميين والاعتقاد بأنهم سيحكمون لعقود مقبلة في ظل سلطة «فاشية». وبالتالي أصيب اليسار بحالة من عدم التوازن والرعب، انعكس على موقفها من ثورات أخرى خصوصاً الثورة السورية.

الآن بعد أن قلع الشعب سلطة الإخوان المسلمين في مصر، ماذا يمكن أن يكون موقف هؤلاء؟

أولاً، ظهر أن كل تقديراتهم خاطئة، فلا فهموا أن الشعب سيقوم بثورة، ولا عرفوا كيف يتعاملون مع الثورة، ثم أصيبوا بالرعب من سيطرة الإخوان المسلمين، وكأنها مؤامرة فعلاً فرضت تسلّم هؤلاء السلطة.

ثانياً، ظهر أنهم ليسوا أكثر من مراقبين يسجلون الأحداث، ويعلنون المواقف، من دون أن يكون لهم دور فعلي.

وثالثاً، هم بالأساس لم يفهموا الواقع، وما زالوا لا يفهمونه. لهذا لم يلمسوا ما جرى سوى أنه أزال الإخوان.

كم أن هؤلاء في حالة اغتراب عن الواقع؟ وكم هم يتعلقون بالأحداث التي تصلهم عبر الإعلام (الذي هو مزوّر)، وينساقون مع التيار العام الذي يصنعه هذا الإعلام بالتحديد؟

الأساس هنا هو أن هؤلاء لا يعرفون معنى الواقع. ولا يفكرون في رؤية الشعب المفقر والمهمش، ولا البحث في ظروفه وردود أفعاله، ولا يعرفون مطالبه. وكل ما يعرفونه هو «الأخبار» التي تصل اليهم عبر إعلام مزوّر.

فقد كان واضحاً لمن يتابع وضع «الناس» أن احتقاناً يتراكم، وكل احتقان يوصل بالضرورة إلى الثورة، وبالتالي فإن الأمور تندفع إلى الثورة. هذا ما كان يتوضح بدقة منذ بداية القرن الجديد، وأصبح حتمياً بعد الأزمة المالية الإمبريالية. كما يمكن القول إن بلدان جنوب أوروبا وشرقها، وآسيا وبلدان أميركا اللاتينية تتحضر لثورات نتيجة الأزمة التي ظهر أنها ليست مالية بالمعنى الحصري للكلمة، بل أزمة نمط كامل وصل إلى حدّ التأزم المستمر.

وأيضاً كان واضحاً لكل مراقب للوضع أن الإسلاميين هم من سيستفيد منها بعد أن حصلت، لأنهم قوة المعارضة الأهم كما ظهرت (وبمجهود هؤلاء اليساريين)، والتي أصبحت ذات رمزية تجعلها أكثر يساراً من اليسار بعد أن باتت تسوّق على أنها «معادية للإمبريالية»، وأنها «حركة التحرر الوطني الفلسطيني» الجديدة، وكذلك أصبحت هي القوة الديموقراطية الأهم!

هذه صفات أسبغها اليسار على الإسلاميين، وهي صفات مقبولة شعبياً، جعلت هؤلاء يصبحون القوة الأهم في الواقع على حساب اليسار، الذي بدأ بعض أعضائه وكثير من مناصريه يتسربون إلى صف الإسلاميين.

بالتالي لم يكن في الواقع بعد سقوط نظم تونس ومصر سوى الإسلاميين قوة فعلية من جهة، ومن جهة أخرى كان سهلاً لمن يعرف كنه هؤلاء أن يفهم ما يمكن أن تقدم عليه الطبقة المسيطرة، وأيضاً الإمبريالية الأميركية، حيث كان سهلاً الاستنتاج أن امتصاص الثورة وتنفيسها يفترضان سعي الإسلاميين إلى السلطة. وبهذا كان واضحاً أن سياسة «السلطة الانتقالية» بعد رحيل الرئيسين (بن علي ومبارك) هي التمهيد لوصول الإسلاميين إلى السلطة بالتحالف مع الطبقة الرأسمالية المسيطرة. فعلى عكس ما كان يشيع ذاك اليسار، كان الإسلاميون على تواصل مع الإمبريالية الأميركية من دون انقطاع، وكانوا ليبراليين حتى العظم، وفي شكل أسوأ من الليبرالية السائدة، وأيضاً كانوا أصوليين يريدون فرض سلطة الدين بشكلها القروسطي (المتعلق بالقيم في الأساس)، واستبداديين بالتالي من دون شك.

لهذا كانت الرأسمالية المسيطرة تريد الاستفادة من كونهم معارضة، و «معادين للإمبريالية»، لإعادة إنتاج السلطة الرأسمالية المافيوية التابعة للإمبريالية في ظلهم. هذا ما أتى بهم إلى السلطة، وما كان يجب أن يكون مفهوماً من اليسار، الذي فوجئ بسيطرة الإخوان، وفوجئ بسياساتهم وتحالفهم مع أميركا والحفاظ على العلاقة الجيدة مع الدولة الصهيونية، وأيضاً أنهم ليسوا ديموقراطيين. مفاجآت تدلّ على الجهل بكنه الإسلاميين، وهي صفة ملاصقة لهؤلاء لأنهم لا يكترثون بماهية الأشياء، ويتعلقون بالأحداث والتصريحات والعلاقات. ولكن أيضاً الأوهام الذاتية التي تفرض رؤية الآخر وفق المخيال الذي يغطي على العجز الذاتي.

ومن ثم أيضاً كان واضحاً سقوط الإسلاميين، بالضبط لأنهم أتوا في مرحلة ثورية، تحرّك فيها الشعب لأنه لم يعد يستطيع تحمل الوضع الذي هو فيه، وبالتالي لن يتحمّل استمرار الوضع لأن قوة راهن عليها، وتوهم أنها تحمل حلولاً لمشكلاته، وصلت إلى السلطة من دون أن تحقق شيئاً. فقد كسر حاجز الخوف حين واجه «الجبروت» الأول الذي كان قد صنع سلطة استبدادية متماسكة ولن تثنيه عن الثورة من جديد قوة تسلمت السلطة حديثاً وبمجهوده هو. لهذا كان انقلابه عليها أمراً حتمياً، وكانت ثورته الثانية حتمية.

وسنقول إن الواقع لا يزال ثورياً، أي أنه لا يزال يحتمل ثورات أخرى، بالضبط لأن النخب السياسية التي تتصدى للسلطة بعد كل ثورة ليست مؤهلة لأن تطرح حلاً للمشكلات المجتمعية، ليست لديها رؤية للحلول الضرورية من أجل تحقيق مطالب الشعب. فكلها تهرب من المشكلة الأساس التي هي أن الشعب لم يعد يستطيع العيش، وبات مهدداً بالموت جوعاً، إلى ترقيع نظام اقتصادي اجتماعي وسياسي هو الذي صنع كل هذا الوضع.

من كل ذلك نصل إلى أن ليست هناك قوة فوق التاريخ، وليس هناك جبروت ممكن الاستمرار ما دام الشعب غير قادر على تحمّل الوضع الذي هو فيه. لقد فتح الشعب وهو يكسر السلطة في أول خطوة قام بها الباب لزمن ثوري لن ينتهي إلا بتحقيق التغيير الذي يغيّر من واقع الشعب. هذه هي الفكرة البسيطة التي غابت، وما زالت غائبة، عن وعي ذاك اليسار الذي لا يعرف سوى الإسم: يسار، من دون معرفة الدور والفعل والفهم.

المصدر: الحياة

مصر بين ثورة وانقلاب

ما حدث في مصر بين 30 حزيران (يونيو) و3 تموز (يوليو) أثار الكثير من النقاش، فهل هو ثورة أم إنه انقلاب؟ أو هل هو ثورة قطفها العسكر أم انقلاب مغطى بحراك جماهيري؟

يبدو أن المشكلة الواقعية باتت تحل عبر هذا النقاش «النظري» (أو السفسطائي). ثورة أم انقلاب؟ والهدف هو تحديد موقف، لكن كيف يمكن أن نحدد أنها هذه أو ذاك؟ خصوصاً أننا نعاني من «تخبيص» في فهم المصطلحات، بحيث ينعكس الموقف الذاتي على معنى المصطلح بما يجعله خارجاً عن سياقه، ولا يعبّر عن المعنى الحقيقي الذي وُجد من أجله. فالمصطلحات هي عنصر التوافق الضروري من أجل الفهم المتبادل. لهذا طرح السؤال: ما معنى الثورة أصلاً؟ هل نتوافق على معنى الثورة؟ بالتأكيد لا، بالتالي كل النقاش يكون بلا معنى، بالضبط لأنه لا ينطلق من توافقات أولية هي المصطلحات التي نستخدمها، والتي من دون التوافق على معانيها لن يكون ممكناً التفاهم أصلاً.

في كل الأحوال، بالنسبة لي الثورة هي كل تمرّد شعبي على السلطة من أجل تغييرها، بصرف النظر عن النتيجة. والانقلاب هو دور العسكر في تغيير السلطة (أو الرئيس).

طبعاً، لم يثر هذا النقاش بعد ثورات تونس ومصر على رغم دور العسكر حينها، حيث واجه الشعب القوى القمعية للسلطة (البوليس السياسي في تونس والأمن المركزي في مصر)، وتدخلت قيادة الجيش لكي تفرض رحيل الرئيس. في مصر استطاعت الملايين التي نزلت إلى الشوارع يوم 25 كانون الثاني (يناير)، ومن ثم 28 منه خصوصاً، أن تهزم الأمن المركزي وكل قوى وزارة الداخلية، فاستطاع الشعب احتلال ميدان التحرير وميادين أخرى في مدن عدة (الإسكندرية، بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، المنصورة ومدن كثيرة أخرى)، ظل مقيماً فيها إلى يوم 11 شباط (فبراير)، تحت عنوان «اعتصام، اعتصام، حتى يسقط النظام».

الآن، كان واضحاً أن الجماهير التي نزلت إلى الشوارع يوم 30 حزيران هي أكبر من أكبر حشد حدث ضد حسني مبارك، وكان يوم 11 شباط، حيث جرى تقديره حينها بأنه وصل إلى 23 مليون مصري. بالتالي فإن الرقم 30 أو 33 مليون مواطن الذي قيل إنه نزل يوم 30 حزيران صحيح إلى حد ما. لكن الجيش تقدّم وأعلن تنحية محمد مرسي، وحجزه. ومن ثم عين رئيساً موقتاً، هو رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي أصدر إعلاناً دستورياً من دون مشاورة القوى، وبدأ بتشكيل حكومة جديدة.

 

سياقان لسقوط مرسي

هنا يمكن متابعة سياقين أوصلا إلى سقوط مرسي، السياق الأول يتمثل في الحراك الشعبي الذي تصاعد بعد انتخابه ، وشمل حركات احتجاج شبيهة بما كان يجري آخر أيام حسني مبارك، من الإضرابات إلى الاعتصامات إلى التظاهرات إلى قطع الطرق في الأرياف. وكان واضحاً أن الأزمة المجتمعية تتفاقم، وأن حراك الشعب يتصاعد في شكل لافت، بما في ذلك النقمة على «الإخوان»، من منظور أنهم وعدوا بحلول لمشكلات الشعب ولم يحققوا شيئاً، على العكس من ذلك زادت المشكلات. وهذا واضح من السياسة الاقتصادية التي اتبعها مرسي، والتي هي استمرار لسياسة حسني مبارك، من حيث الحفاظ على الاقتصاد الليبرالي، والاعتماد على القروض كحل لمشكلات الاقتصاد، والخضوع لشروط صندوق النقد الدولي، ورفض رفع الأجور كما كان يطالب الشعب في 25 يناير (أي أن يكون الحد الأدنى للأجور هو 1200 جنيه). وكذلك زادت مشكلات عدة فرضت على الطبقات الشعبية التحرك.

هذا الأمر الأخير أوجد حالة لم تشاهد ضد حسني مبارك، فهذا الأخير كان يبدو مستبداً أفقر الشعب، ولهذا كان يجب أن يزول. بينما زاد على ذلك أن الحكم الجديد يتحدث باسم الإسلام، ويؤكد أن «الإسلام هو الحل»، وأنه يمتلك الحل. لكن، تبيّن أن كل ذلك لم يكن سوى تغطية للوصول إلى السلطة، والسعي لاحتكارها، واحتكار نهب الاقتصاد وفق الآليات ذاتها التي كانت قائمة زمن حسني مبارك.

وربما كان الإحساس بأن السلطة التي يسعى مرسي (و «الإخوان» من خلال حزب الحرية والعدالة) إلى فرضها هي العودة بمصر إلى الوراء، إلى القرون الوسطى. وهذا ما كان يلمس في السياسات الخفية التي كانت تمارس، وفي طبيعة ممارسة الحكم، التي أظهرت أن هؤلاء غير جديرين بسلطة دولة كمصر. وأنهم وفق «النظام المعرفي» الذي يحتكمون إليه (وهو نظام فقهي متخلف) لا يستطيعون سوى إعطاء صورة لسلطة قروسطية.

بالتالي كان واضحاً بأن الحشد سيكون هائلاً حتى قبل يوم 30 حزيران. فقد جمعت حركة تمرّد ما ينوف عن 22 مليون توقيع يطالب بتنحية مرسي، وكان واضحاً التفاعل الهائل مع الحركة من قبل قطاعات شعبية واسعة. سواء بالاستعداد لجمع التواقيع أو بالحماسة للتوقيع. وهذا ما ظهر يوم 30 حزيران، اليوم الذي حددته حركة «تمرّد» لإسقاط مرسي. وسنلمس بالتالي أن كتلة شعبية هائلة كانت تريد رحيل مرسي وإنهاء حكم «الإخوان المسلمين». وأن هذه الكتلة عبّرت عن ذاتها في حركة احتجاجية ضخمة استمرت إلى يوم 3 تموز.

هل كان باستطاعة الجيش مواجهة هذا الحشد الهائل؟ لا أظن على الإطلاق، وأعتقد أن قرار الجيش، بصرف النظر عن نواياه المسبقة، ارتبط بحجم الحراك أصلاً. بالتالي من يلحظ حجم الحراك يعرف أنه لم يكن باستطاعة الجيش مواجهته، خصوصاً هنا أن الريف لأول مرة يتحرك بقوة (وهذا ما لم يحدث ضد حسني مبارك)، وهو الأمر الذي كان يجعل الجيش (ذوي الأصول الريفية، وأيضاً الأمن المركزي الذي هو من أصول ريفية كذلك) غير قادر على الصدام مع الشعب، وكان سيدفعه أي ميل للصدام إلى الانشقاق والانضمام إلى صف الشعب.

لكن، لا بد من القول إن قيادة الجيش لم تكن تريد نجاح محمد مرسي، وإنها كانت تفضل نجاح أحمد شفيق، وقد بذلت مجهوداً كبيراً لضخ أصوات هائلة. خصوصاً بعد أن لمست أن «الإخوان» يميلون للهيمنة الشاملة فلم يكتفوا بالسيطرة على مجلسي الشعب والشوري (بدعم من الجيش)، بل قرروا أخذ الرئاسة كذلك، في سياق اتفاق سابق، كما يبدو، أن تكون الرئاسة للجيش.

وبصرف النظر عمّن حصل على أعلى الأصوات، مرسي أو شفيق، من حدّد الرئيس هو الضغط الأميركي الذي كان يريد «الإخوان» في السلطة، كونهم «قوة من الشارع» وتستطيع التعامل مع الشارع، في وضع يفرض إنهاء الثورة وحسم الصراع بتكريس البنية الاقتصادية السياسية القائمة. بينما كان المجلس العسكري يعتقد أن مواجهة الشارع تستلزم توافق الرئيس معها. لكنها تحت الضغط الأميركي سلمت بـ«الإخوان».

وأمام الميل المتسارع لـ «الإخوان» للسيطرة على الدولة، وفرض «أزلامهم» في المواقع الحساسة، كان يبدو أن قيادة الجيش (التي عينها مرسي بالتوافق كما يبدو مع المجلس العسكري) لم تعد راضية باستمرار مرسي. وهذا ما جعلها تميل إلى الحياد في صراع الشعب مع حكم «الإخوان»، وتظهر أحياناً ميلها للشعب. وربما شجعت الحراك كله، وأظهرت «عدم عدائية» لنزول الشعب إلى الشوارع، لكن حسمها الصراع كان يرتبط بالضبط بحجم الحراك ذاته.

المصدر: الحياة

فشل الإخوان ونهاية حلم الخلافة

fbe9456e-6a0e-4121-89c3-b3ed6f1b8814

حين وصلت حركة النهضة إلى الحكم في تونس، وسيطر الإخوان المسلمون على مجلسي الشعب والشورى ومن ثم على الرئاسة في مصر، نشأ تصوران موهومان ومتناقضان: الأول “إسلامي”، أي من قلب الإسلام السياسي ومن جماعة الإخوان المسلمين، يعتقد أن زمن الخلافة الإسلامية قد حان، وأن “الوعد الإلهي” يتحقق، وبالتالي فإن القادم يشي بسيطرة شاملة لهم من المغرب إلى المشرق، لكي يقيموا دولة الخلافة و”عاصمتها القدس” كما أشار صفوت حجازي ذات مرة. والتصور الثاني “علماني” أو “يساري” ينطلق من أن الزحف الفاشي قد بدأ، وأن المنطقة مقبلة على سيطرة مديدة للإسلاميين، ربما تستمر عقوداً، مما جعلهم يعيشون حالات هلع حقيقية.

في الحالين، ما هو واضح أن الصورة التي تبلورت أوحت بأن الجماعة منتصرة وستحكم إلى زمن مديد، ومن ثم كان التقدير متوافقاً بين الطرفين المتناقضين. هذه ليست غرابة، بل ربما نتاج التوافق في “منطق التفكير” الذي يحتكم إلى المنطق الصوري الذي يتلمس ما يحدث دون فهم قاعه أو معرفة جذوره وأسبابه.

لهذا يكون لدى الإسلاميين نتيجة “وعد إلهي”، ولدى اليسار “مصيبة حلّت من السماء”. والنتيجة هي الفرح من طرف، والخوف من الطرف الآخر، وهنا يظهر تناقضهما. لكنهما يتوافقان على تضخيم الحالة، وعلى دفعها نحو المطلق، لنكون إزاء بالون ضخم يملأ الأبصار.

الآن وقد سقط حكم الإخوان المسلمين في مصر بزحف مليوني لم يحصل ضد حسني مبارك، ماذا سيقول هذا وذاك؟

تبيّن أن المسألة أبسط من أن تخيف أو أن يجري التعلّق بها، وأن الأمر كان زوغان نظر ليس أكثر. فالشعب الذي أتى بالإخوان لم ينتظر السنوات الأربع التي يحددها الدستور لكي يغيّرهم، بل زحف إلى الشوارع لكي يسقطهم.

الملايين التي ملأت الشوارع كانت تحمل غلاً لم يظهر ضد حسني مبارك، وهذا ما يحتاج إلى تفسير، حيث إن الشعب الذي ملأ الشوارع ليس ملحداً ولا علمانياً، بل هو متدين في غالبيته، فمصر فيها يتسم الشعب بالميل إلى التدين، وهذا ما كان يخيف العلمانيين واليساريين، حيث اعتقدوا أن سطوة الإسلام السياسي ستركب على ظهر تديّن الشعب، وأن خطاب الإخوان المسلمين سيكون حاسماً في استقطاب ملايين المصريين.

هذه الفكرة سقطت ببساطة، لأن ملايين المصريين هم الذين زحفوا بقوة وعنفوان من أجل إسقاط الإخوان. أكثر من ذلك كان واضحاً أن ميل الإخوان لفرض سلطة “دينية” كان من الأسباب التي حرّكت كل هذه الملايين.

ولهذا قلت بأن هؤلاء يمتلكون غلاً وليس حقداً فقط، حيث أوحت لهم سلطة الإخوان بأنها قادمة من القرون الوسطى، سواء من حيث المقدرة على الحكم، أو من حيث الخطاب، أو من حيث الميل السريع للنهب وفرض سيطرة مافيا أصولية محل مافيا حسني مبارك، خبروها منذ أن تشكلت البنوك الإسلامية في السبعينيات والتي نهبتهم بالتالي صورة حكم طالباني في بلد يمتلك تاريخاً طويلاً من الحضارة.

هذا ملفت في ردة فعل الشعب، ملفت أنه وقف مرتعباً من سلطة قروسطية تجاهد من أجل “التمكين”.
لكن بالأساس لم يلمس الشعب -العاطل عن العمل والمفقر والمهمش- أن تحسناً طرأ على وضعه، خصوصاً أن من انتخب الإخوان انتخبهم لأنهم يقولون بأن “الإسلام هو الحل”، وأنهم يمتلكون حلولاً لمشكلات الشعب.

وبالتالي اكتشف أنهم يزيدون الوضع سوءاً، حيث لم ترتفع الأجور بينما ارتفعت الأسعار، ولم يتحقق تحسن في مشكلة البطالة، والتعليم والثقافة باتا يزدادان انهياراً. فالسياسة الاقتصادية ظلت كما هي، بل نفّذ الإخوان سياسات لم يستطعها حسني مبارك، ومشوا في طريق “بيع مصر”، خصوصاً قناة السويس والسد العالي، ومن ثم يمارسون كتاجر قروسطي يهمه النهب.

الشعب تمرّد على “أبو الهول” (حسني مبارك) لأنه لم يعد يستطيع تحمّل الوضع الذي هو فيه، الوضع المعيشي أولاً وأساساً، فكيف يمكن ألا يتمرّد على سلطة وعدت ولم تحقق شيئاً. كل النقد هنا ينطلق من أن الإخوان لم يعطوا فرصة كافية، لكن هل يمكن إقناع جائع بأن ينتظر سنوات على أمل أن يتجاوز وضعه؟ المسألة هنا أن الوضع الثوري لا يسمح بانتظار حلول، بل إن كل من يصل إلى السلطة عليه أن يقدم حلاً مباشراً للعاطلين عن العمل ولانخفاض الأجور، ولانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية.

هذه مسائل لم يعد ممكناً انتظار الزمن من أجل تحقيقها.، هي النقطة الأولى في جدول أي سلطة جديدة، وإلا ثورة جديدة. الشعب تمرّد ولن يعود خالي الوفاض، ولقد كسر حاجز الخوف، ولن يهمد قبل أن يحقق ما يريد.

هذه هي المعادلة التي أسقطت “حكم المرشد” و”دولة الخلافة”، وستسقط كل من يتصدر السلطة دون أن يحقق للشعب مطالبه، وربما سيظهر الآن سقوط “الليبراليين” الذين سيبدون البديل الممكن.

طبعاً الصورة في مصر أعقد من ذلك، حيث إن ميل الإخوان إلى السطو على الدولة عبر سياسة “التمكين” (التي تعني الهيمنة على كل مفاصل السلطة) كان يؤدي إلى نشوء تناقض مع بيرقراطية عريقة لا ينقصها اللؤم ولا الحنكة، وجيش قيادته جزء من طبقة مسيطرة تتحكم في اقتصاد البلد.

وكان يرى بأن أفضل إستراتيجية لمواجهة ثورة الشعب هي الإتيان برئيس منسجم معها ومن داخلها، لكن الضغط الأميركي فرض إنجاح مرسي بدل شفيق. وكان يتحسس سياسة الإخوان الهادفة إلى السيطرة، والتي ستطال مصالح كثيرة، ومن ثم كان الإخوان في مواجهة مع الشعب لأنهم لا يملكون حلولاً لمشكلاته، وكان الصراع الاجتماعي يتصاعد خلال السنة الأخيرة، ووصل حد اقتحام الاتحادية. وأيضاً في مواجهة مع البيرقراطية الحاكمة -ومنها قيادة الجيش- نتيجة الميل إلى تهميش سلطتها وفرض سلطة إخوانية كاملة.

لهذا فإن ما أخاف الشعب -أي ما سمّي بالأخونة- حرّك مشاعر الخوف لدى البيرقراطية. وأصبح الإخوان بين نارين حاميتين، لهذا كان أمراً “طبيعياً” أن يطردوا من السلطة.. هل هذه ثورة أو انقلاب؟

من يركز الانتباه على دور الجيش يصل إلى أن ما حدث هو انقلاب، ومن يلمس دور الشعب يؤكد أن ما جرى هو ثورة حدث فيها ما حدث مع حسني مبارك، أي تدخل الجيش لحسم الأمر كي لا تنهي كل النظام وليس فقط الرئيس أو الحزب الحاكم، وبالتالي فهي ثورة انتظرت دور الجيش، وكأن تجربة المجلس العسكري قد نسيت، أو كأنه محكوم على مصر أن تجد مخرجها بالجيش.

هذا الأمر هو ما يهرب من تناوله اليسار الذي ارتعب من سلطة الإخوان، وظن أنها ستتأبد. فسبب سلطة الإخوان هو غياب البديل الذي يعبّر عن مطالب الشعب، في وضع لن يستقر الوضع قبل تحقيق مطالب الشعب تلك.

ما أثر ذلك على الإسلام السياسي في المنطقة؟

في مصر يرقد المرشد العام لمجمل الجماعة، ونهاية حكم الإخوان في مصر يعني نهاية حلم الخلافة، ليس لأن الجماعة سقطت في مصر، بل لأنها لا تمتلك حلولاً لمشكلات راهنة ومستعصية للشعب، كما اتضح في مصر، ويتضح في تونس. الجماعة لا تمتلك حلولاً بل تكرر النمط الاقتصادي القائم الذي أوصل إلى الثورات، وأوجد كل هذا التمرّد لدى الشعب. وظهر أنها تذكّر بقرون خلت لقطاع كبير من الشعب يعتقد أننا بتنا بعيدين عنها، وأنها لا تناسب وضعنا الراهن.

هذا الأمر سيدفع للإطاحة بحركة النهضة في تونس، وبحركة حماس في غزة -وفي سوريا يبدو أن دور الإخوان قد انتهى- ويهمش كل الأصوليين في المنطقة.

وهكذا.. لحظة المجد انتهت، وقمة الغرور أودت بالجماعة، والشعب لا يزال يقاتل من أجل تحقيق التغيير الذي يحل مشكلاته، والعسكر لا يزالون يلعبون اللعبة ذاتها.

المصدر: الجزيرة

نهاية وهم الأسلمة واستمرار دور العسكر

في مصر انتهى حكم «الإخوان المسلمين» بنقمة شعبية هائلة، وبثورة سمحت لقيادة الجيش أن تطيحهم. هذا الأمر فتح على نقاش حول: هل ما جرى ثورة أو انقلاب؟ وربما سيغطي هذا النقاش على القضية الأهم التي هي أن حكم «الإخوان» قد أوجد نقمة ضدهم لم تشاهد ضد حسني مبارك، لهذا شارك في يوم 30 حزيران (يونيو) ما ينوف العدد الذي شارك يوم 11 شباط (فبراير) لإسقاط حسني مبارك، وبالتأكيد أكثر كثيراً من الأصوات التي حصل عليها «الإخوان» في انتخابات مجلس الشعب، ثم انتخابات الرئيس في الدورة الأولى (التي هي المعبّر عن حجم الإخوان، حيث حصل مرسي على ما يقارب الـ25 في المئة من المشاركين الذين بلغوا 46 في المئة من الذين يحق لهم التصويت، أي حصل على ما يقارب الـ6 ملايين صوت من 50 مليوناً كان يحق لهم التصويت).

الأهم هو أن الموقف الشعبي كان أكثر توتراً ضد مرسي منه ضد حسني مبارك. كان غلاً وليس رفضاً فقط. وهذا يؤشر إلى تراكم الاحتقانات بدل تراجعها، وإذا كانت المشكلات التي فرضت الثورة على حسني مبارك لم تحلّ، بل زادت، مثل مشكلة البطالة والفقر بعد غلاء الأسعار الذي رافق تسلم محمد مرسي الرئاسة، انطلاقاً من إتباعه السياسة الاقتصادية ذاتها التي كانت في «العهد السابق»، والتقدم خطوات لم يكن حسني مبارك يجرؤ على اتخاذها (مثل رفع الأسعار وتخفيض سعر الجنيه على طريق تحريره، ومشاريع بيع مصر للخارج).

لكن، ربما ما جعل النقمة تزيد، وينتقل الحقد إلى غلّ، هو شعور الشعب بأن الوعود التي جرى انتخاب مرسي و «الإخوان» على أساسها لم تنفذ، الأمر الذي أشار إلى «كذب» هؤلاء (كما يتردد في الشارع)، وأن ما حاولوه كان يثير الرعب لدى قطاعات مجتمعية واسعة، كثير منها متدين وليس العلمانيين واليسار فقط، نتيجة انكشاف «سلطة» «الإخوان» كسلطة مقبلة من القرون الوسطى، سواء تعلق الأمر في الأداء السياسي (حيث إن مرجعيتهم المعرفية فقهية وليس سياسية)، أو بالميل للتركيز على ما هو قيمي/ أخلاقي في ما بات «خارج الزمن»، وأكثر من ذلك إشعارهم الشعب بأنهم يحكمون باسم الدين وبمنطوق إلهي، هو غير مناسب للعصر الراهن ولا لممارساتهم.

هنا يمكن تلمّس «الزيادة في الحقد» (أي الغلّ) الذي جعل كل هذه الملايين تنزل لإزالة حكم «المرشد»، خصوصاً أن السياسة الخارجية لم تتغير، سواء في الموقف من أميركا أو من الدولة الصهيونية، أو من المحاور القائمة في المنطقة. بهذا ظهر للشعب بأن حكماً كاريكاتورياً يقوم باسم الدين، كان يزيد من مشكلات الشعب، ويشعرهم بأيام سود مقبلة. ربما هذا ما جعل البعض يتحدث عن فاشية آتية على ضوء «سياسة التمكين» التي تتبعها الجماعة من أجل فرض سلطة مطلقة، و «إلهية».

ما ظهر هنا هو أن إطلالة «الحكم الديني» فرضت حالاً من الرفض زادت من الاحتقان الذي نتج من عدم حل المشكلات التي كانت في أساس ثورة 25 يناير 2011، ودفعت كل هذه الملايين لكي تعبّر عن ذلك في حشد هائل كان بالضرورة سيفرض «إسقاط النظام».

تجاهل ذلك، وتجاهل قوة الشعب أساساً كما يحدث عادة، هو الذي فرض الحديث عن انقلاب عسكري. لا شك في أن الجيش كان يريد إسقاط مرسي وحكم «الإخوان»، حيث كان يظهر التناقض في داخل بنية السلطة حول من يهيمن على السلطة. حيث سعى «الإخوان» لـ «أسلمة» الدولة واحتكارها، واحتكار الهيمنة على الاقتصاد كبديل لرجالات حسني مبارك. وكان واضحاً أن الإدارة الأميركية تدعم حكم «الإخوان» (وهي أصلاً التي رجحت نجاح مرسي في انتخابات شابها تزوير كبير)، وهو الأمر الذي كان يخيف قيادة الجيش. لكن، كان يبدو، أيضاً، أن قيادة الجيش كانت ترى ضرورة تحقيق التوافق بينها وبين السلطة السياسية في مواجهة شعب ما زال يتمرد، وظهر واضحاً بأنه يريد تحقيق تغيير حقيقي.

لكن، هل كان بإمكان الجيش مواجهة كل هذا الحشد الشعبي فيما إذا أراد سحق الثورة؟

هذا السؤال هو الذي جعل الجيش ينحي مبارك، وهو ذاته الذي جعل الجيش يستفيد من كل هذا الحشد بدل أن يتكسر في الصدام معه. خصوصاً هنا حين لمسنا دخول الريف في الحراك ومشاركته في الثورة، وهو ما لم يحصل ضد حسني مبارك. وأثر ذلك هو أن كل صدام بين الجيش والشعب سيقود إلى شق الجيش نتيجة «القاعدة الريفية» له، والتي ستدفع إلى الانخراط في الثورة بدل قمعها. هنا، تكمن حساسية وضع الجيش في مرحلة ثورية بجدارة. لكن، لا بد من ملاحظة أن الجيش هو الذي حسم الصراع بعد كل هذا الحشد الهائل الذي لم يكن لديه استراتيجية سوى انتظار دور الجيش.

ربما هذه هي المشكلة التي لا زالت قائمة على رغم تطور وعي «الشباب» الثوري خلال عامين ونصف من الحراك الثوري واكتساب الخبرة والوعي، من دون أن يصل إلى مقدرة على أن يقتحم الشعب قصر الاتحادية اعتماداً على كل هذه الحشود الهائلة، لفرض بديل شعبي يخضع له الجيش، بدل أن يفرض قادة الجيش أجندة المرحلة الانتقالية كما حدث في المرة السابقة. هذا ما ظهر في فرض الإعلان الدستوري، وفي تشكيل الحكومة، والذي سيظهر لاحقاً في شكل أكبر.

إذاً، لقد انتهى وهم الأسلمة وحكم المرشد والخلافة الإسلامية لكن، ما زلنا في مرحلة دور العسكر. هل سيستطيع «الحكم الجديد» حل مشكلات الشعب؟ بالتأكيد لا، فقيادة الجيش هي الحارس لمصالح رأسمالية تتحكم بالاقتصاد، وهي في ظل الثورة تناور من أجل إنهائها من دون تغيير النمط الاقتصادي القائم، الذي هو ليبرالي، مافيوي، وريعي.

بالتالي هناك ثورة جديدة.

المصدر: الحياة

الإفقار يسبق الكرامة في الثورات العربية

لا يزال الأساس الذي فرض نهوض الطبقات الشعبية غامضاً، أو مغمَضاً، حيث يجري الميل إلى تأكيد أن الثورات الراهنة هي ثورات حرية وكرامة. ولا شك في أنها ثورات حرية وكرامة، لأن الطبقات الشعبية تسعى إلى التحرر من سلطة مستبدة متسلطة وشمولية حكمت طيلة عقود فأنهكت قوى هذه الطبقات، ودفعتها إلى النهوض من أجل التخلص من كابوس طويل جثم على عنقها.

ولهذا حين ننطلق من أن الوضع الاقتصادي هو الذي يحرّك الطبقات الشعبية لا نعني بأن الثورة التي تتفجر سوف تحمل قضايا مطلبية فقط، فالقضايا المطلبية تعبّر عن ذاتها، أو يُعبَّر عنها، في أشكال أبسط من الثورة، مثل التوسل والمطالبة الفردية والتذمر، وحتى الإضراب أو الاحتجاج المحدود. لكن حين تصل هذه الطبقات إلى وضع يؤشّر إلى عدم إمكانية ذلك، أو أن الوضع الاستبدادي لا يسمح لها حتى بالتعبير البسيط عن مطالبها، تكبت وتراكم الاحتقان، بالتوازي مع ازدياد عدم مقدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية.

لهذا حين تتحرك تكون في مواجهة مع الاستبداد، وكسر حاجز القمع، أي حاجز الخوف. وهنا تتلمس أنها في مواجهة السلطة مباشرة، وليس في مواجهة مدير أو رب عمل، سواء للمطالبة بمطالبها أو لتغييرها. وبالتالي فإن كل حراك في هذا المستوى سيكون حراكاً سياسياً لأنه سيصطدم بحاجز الحرية، الذي تفرضه السلطة، عبر القمع والمنع والاعتقال. وهو الأمر الذي يجعل كل خطوة نحو التحرك هي خطوة لطرح مسألة الحرية.

لكن النقطة التي تدفع الطبقات الشعبية إلى الحراك هي التي لا بد من أن تتحدد بدقة، من أجل تحديد متى سيتحرك الشعب؟ وبالتالي ما يجب أن يتحقق في الواقع من أجل أن تقبل هذه الطبقات بالتغيير المتحقق؟

هل تترك ركودها وتتحرك نتيجة الاستبداد ومن أجل الحرية والديموقراطية والكرامة؟ لا، بل تتحرك حينما لا تستطيع العيش نتيجة الإفقار والبطالة والتهميش، وبالتالي انسداد الأفق. وهو يظهر أول ما يظهر لدى الشباب الذين هم أبناء عائلات مفقرة، أو هم عاطلون من العمل، أو أن أجرهم لا يكفي تأسيس حياة عائلية (السكن، تكاليف الزواج، تكاليف عيش العائلة). لكنه يضم كذلك كل العمال والفلاحين الفقراء، والفئات الوسطى المفقرة.

هذا هو الوضع «الطبيعي» لمجتمعات متخلّفة، لا يزال الوعي البسيط هو الذي يحكمها، من دون تلمس للحداثة والفردية والشأن العام. تجذبها «الحياة الاجتماعية»، وتعتبر بأن السياسة هي شأن آخر، من الأفضل الابتعاد عنه. لأنه يصدمها بالسلطة التي لا تمثّل سوى القمع والعنف. لهذا سيبدو أن الفرد يسعى لحل مشكلته وحده، وربما يتبع طرقاً ملتوية من أجل ذلك. ويقبل بطش السلطة من دون مقاومة لأنه يعرف نتيجة ذلك. ويظل همة كيف يعيش، وكيف يكمل الدورة البيولوجية، ويستطيع تلبية حاجيات العائلة. ويظل الفرد متكيفاً مع «جبروت» السلطة ما دام قادراً على العيش بالحد الأدنى. هذا هو الوضع «الطبيعي» كما أشرنا، وهو وضع الكتلة الأكبر في المجتمع. على رغم أنه «يتلقى» الشأن السياسي، ويتابع بالعموم الأحداث، وربما يبدي بعض الملاحظات. لكنه يستنكف عن كل نشاط سياسي، ويعتبر أن ذلك خطر لا ضرورة له.

وهنا سنلمس وجود مسافة بين الكتلة المجتمعية والنشاط السياسي، بالتالي الأفكار السياسية. كما سنلمس أن هؤلاء يحكمهم منطق حسي، وليسوا في وضع يسمح لهم «الفهم السياسي» لأنهم لا يمتلكون ثقافة سياسية، نتيجة انحدار التعليم وبعد الاهتمام، وأيضاً الغرق في العمل من أجل العيش. ولهذا نجد أنهم يتلمسون ما يخصهم مباشرة، ولا يستطيعون التحليق النظري. على رغم أن حسهم السليم يوصلهم إلى مواقف واضحة، لكن من دون تأسيس نظري أو فذلكة سياسية. كما سنلمس بأن حياتهم تصاغ في العلاقة مع العمل، وتميل إلى البعد عن كل احتكاك بالسلطة. وإذا كانت السلطة هي شيء خارجي فإن العلاقة بها لن تكون هي أساس أي حراك، إلا إذا اعتدت. أما ما يفرض الحراك فهو الوصول إلى حالة من العجز عن الحياة. وهنا تنقلب المسألة فيتمرد هؤلاء على السلطة. حينها تصبح السلطة هي «العدو» كونها تُحمّل كل ظروف الفقر والتخلف والقهر والاستغلال. حينها تكون هي منتجة كل الوضع المأسوي الذي تعيشه. إن اختلال الحياة هو الذي يخلق حالة التمرّد، ويؤسس لنشوء الجرأة التي تدفع للصدام مع السلطة.

إذن، الطبقات الشعبية تتحرك بكل هذه العفوية والقوة لأنها لم تعد تستطيع العيش نتيجة ارتفاع البطالة وتوسّع الإفقار، وهي لن تتوقف قبل تحقيق ذلك على رغم كل الشعارات والأوهام والسياسات التي تعمل على فرض ما يحقق مصالح طبقية ضيقة عبر سياسات لا تقود إلى تحقيق ما ينتفض هؤلاء من أجله. وهنا تصبح الشعارات التي رفعتها الأحزاب السياسية وتحدثت حولها النخب هي المدخل لأن تفرض القوى الليبرالية تحقيق تغيير شكلي يطاول السلطة السياسية من دون المسّ بالنمط الاقتصادي. وهنا يصبح التركيز على الأساس «الثقافوي» لنشوء الانتفاضات هو المدخل للتأكيد على حصر التغيير في شكل السلطة فقط. هذه هي معركة الليبرالية من أجل حصر الانتفاضات بما هو سياسي، أي بما يتعلق بشكل السلطة من دون لمس عمق الأزمة التي فرضت تحرّك الطبقات الشعبية.

وتصبح الإشارة إلى مطالب هذه الطبقات مسألة تعني الحط من «نرجسية» تتمظهر في الحرية، هذا التعبير الغامض والملتبس، لأن الحرية مفهوم يسهل وضعه في أكثر من سياق طبقي، وبالتالي ليس حصره في ما هو سياسي فقط، بل تعميمه لكي يستوعب اللبرلة الاقتصادية التي هي أساس انفجار الانتفاضات. وهي السياسات التي تفضي إلى الالتفاف على مطالب الانتفاضة، وكسب تحويل شكلي في بنية السلطة يخدم النخب ذاتها فقط.

الطبقات الشعبية، إذن، تنتفض من أجل تحقيق وضع اقتصادي أفضل (وهذا مرتبط بكل التكوين الاقتصادي)، والأحزاب والنخب هي المعنية بصوغ مشروع سياسي يتعلق بتكوين الدولة وطبيعة السلطة، وبالتالي بتحقيق الحرية والديموقراطية. لكن لا بد من ملاحظة أن أي مشروع سياسي لا يتضمن تحقيق مطالب الطبقات الشعبية لن يستطيع الاستقرار، فالانتفاضة ذاتها تفرض تحقيق السياسي والاقتصادي معاً، ولا أفق لتحقيق السياسي من دون الاقتصادي، لأن الفئات التي تصل إلى السلطة والتي لا تقوم بتحقيق تغيير عميق في النمط الاقتصادي، ستكون في مواجهة مع الطبقات الشعبية التي لم يعد وضعها يسمح لأن تلوذ إلى السكينة من دون تحقيق ما تريد. وفي الوقت ذاته لن يكون من الممكن تحقيق ديموقراطية حقيقية على قاعدة اقتصادية ريعية تهمّش كل هذه الكتلة من الشعب. وهو الأمر الذي يحوّل «الديموقراطيين» إلى مبررين للاستبداد من جديد، على أساس أن المطلوب أولاً هو الاستقرار من أجل بناء «الدولة الديموقراطية». لكن هل يستطيع من انتفض لأنه لم يعد يستطيع العيش أن ينتظر زمناً آخر؟ لقد خرج للانتفاض لأنه أصلاً لم يعد يستطيع الانتظار.

المصدر: الحياة

عن التدخل الإمبريالي في سورية وعن فهم الثورة السورية

(ردا على مقال “لا للتدخل الإمبريالي في سوريا!“، كتبه آلان وودز، الجمعة 14 حزيران 2013، ومنشور على موقع ماركسي)

كنت آمل أن يتناول ألان وودز الوضع السوري بالعمق الذي عهدناه فيه حين يتناول الوضع العالمي، لكن ظهر لي أن المقال “لا للتدخل الإمبريالي في سورية” مكتوب بسطحية عالية، حيث يعتمد على التصريحات الإعلامية و”الخطاب الدارج” في الإعلام الغربي حول الثورة السورية، رغم أنه يشير إلى “كذب” الإعلام، وهذه مفارقة فظيعة لا أظن أن مفكر مثل ألان وودز يمكن أن يقع فيها. ولا أظن بأن ماركسي حقيقي يمكن أن يقع في هذا المطب، لأن الماركسية تبدأ بتحليل الواقع من الواقع ذاته وليس عبر التصريحات والتحليلات الرأسمالية السطحية، ومن “الأخبار” التي تنقلها وسائل إعلام خاضعة لأيديولوجية إمبريالية.

لهذا ردد الرفيق ألان وودز “الخطاب الدارج” حول الثورة السورية، سواء خطاب الإعلام الرأسمالي أو خطاب “اليسار” الذي لازال يعيش أوهام الماركسية السوفيتية. وللمفارقة، ربما يكون غريباً أن يلتقي التروتسكي مع الستاليني مع الماوي في رؤية واحدة للثورة السورية. كل هؤلاء يقولون الخطاب ذاته الآن. وكلهم يعتمد الخطاب الإعلامي الرأسمالي كمصدر لـ “المعلومات”. وأيضاً كلهم لازالوا ينطلقون من طبيعة الصراع خلال الحرب الباردة ومن ثم مرحلة الأحادية القطبية والسعي الأميركي للهيمنة على العالم. وهذه كلها بحاجة إلى تجاوز بالتأكيد، وتُظهر بأن التحولات التي تجري في العالم بعد أزمة الرأسمالية سنة 2008 لم تُلمس بعد، وبالتالي لم تدفع إلى إعادة بناء “المنظومة الذهنية” على ضوء الوقائع الجديدة.

هل أن أوباما يخترع الأعذار لكي يتدخل في سورية؟

هذه هي الفكرة الرئيسية الأولى التي ترد في مقال الرفيق ألان وودز، وسنجد هنا أنه يستعيد سيناريو العراق بشكل كامل، دون رؤية تحولات الوضع الأميركي ولا التحولات العالمية التي لا تسمح بتكرار ذلك السيناريو إطلاقاً. وهو من أجل الإقتناع “الذاتي” بأن السيناريو العراقي هو ما يتكرر في سورية يتجاوز حقائق باتت واضحة وهي استخدام السلطة السورية لأسلحة كيماوية. نحن نؤكد أن السلطة استخدمت منذ زمن الأسلحة الكيماوية التي نرى آثارها على الشهداء والجرحى. وكما يشير ألان وودز فإن السلطة استخدمتها قبل ذلك دون أن تتحرك أميركا، ودون أن تجري إدانتها. وحتى اليسار لم يتحرك لإدانتها.

وبالتالي فهو يضخم من الموقف الأميركي الأخير دون أن يلمس الأسباب الحقيقية له، بل لكي يقع تحت هاجس السيناريو العراقي. وهذا يعني بأنه لم يفهم واقع أميركا الحالي، ولا عجزها عن التدخل كما يجري سابقاً، ولا كذلك “تنازلها” لروسيا عن سورية. وهذا الأمر ليس نتاج أن الأمور لم ترجح لمصلحة أحد الطرفين كما يشير، فالموقف الأميركي بـ “التخلي” عن سورية مقرر منذ نهاية سنة 2011، ولقد صرّح به اوباما بداية سنة 2012، حيث طلب من روسيا “أن ترعى مرحلة انتقالية في سورية كما حدث في اليمن”. والموقف الأميركي هذا هو الذي منع فرنسا من أن تسلح المعارضة عبر قرار في الاتحاد الأوروبي يمنع تسليح المعارضة، وجعل الحلف الأطلسي خارج المعادلة.
إن وضع أميركا المأزوم أوجد معادلة مختلفة في الصراع الدولي حول سورية، تمثلت في ميل كل من تركيا وقطر (حلفاء النظام السوري السابقين) وفرنسا إلى تشكيل بديل تابع هو المجلس الوطني، لكي يكون السلطة الجديدة، وفق غستراتيجية كانت تستلزم التدخل الإمبريالي. بينما كانت روسيا “تقاتل” من أجل أن تستعيد وجودها في سورية، الذي فقدته منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. وكانت إيران تعزز من سيطرتها عليه. وبالتالي كان التنافس هنا هو بين تركيا وقطر وفرنسا من جهة وروسيا وغيران من جهة أخرى، ولقد حسمت أميركا لمصلحة روسيا وليس لمصلحة “حلفائها”.

لهذا أرى أن كل الرواية عن الموقف الأميركي هي تكرار لخطاب قديم تجاوزه واقع الرأسمالية، وأن الصراع الآن بات يفرض أن تكون روسيا طرفاً إمبريالياً يريد حصته في التقاسم العالمي.

إذن، لا بد من فهم مختلف لوضع العالم، وليس اللجوء إلى الخطاب الإعلامي الإمبريالي لتفسير ما يجري في سورية.

التسليح الأميركي

بالتالي لماذا اتخذ أوباما قراره بتسليح المعارضة؟
في الاستشهادات التي يوردها ألان وودز إشارة إلى أن الإدارة الأميركية تتوجه نحو إرسال “أسلحة بسيطة وذخيرة”، والبعض يشير إلى تزويد الثوار بالأسلحة المضادة للدروع. فقط؟ هل هذا يفضي إلى تأسيس تصور متكامل للتدخل العسكري الأميركي في سورية؟ طبعاً مؤسف أن ينحكم الان للتصور الذهني المسبق ولا يدقق حتى في الاستشهادات التي يوردها. فهذا الحجم من الأسلحة هو لا للتدخل العسكري وليس لكي يحسم الثوار المعركة. وبالتالي فغرض التسليح محدود، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تفسير، فلماذا قررت أميركا تحقيق ذلك؟ بالطبع كان ذلك بعد معركة القصير وتدخل حزب الله وغيران وأتباعهم العراقيين في سورية بشكل مباشر، وبقوة تهدف إلى تغيير ميزان القوى على الأرض لمصلحة انتصار السلطة.

ربما كان الهدف الأميركي هو إطالة امد الصراع فقط، أي عدم السماح للسلطة بأن تنتصر لكن دون تسليح المعارضة بما يجعلها تنتصر. وهذه سياسة مورست من قبل، لكنها الآن توضع في سياق آخر، هو سياق التوافق الأميركي الروسي والذهاب إلى جينيف2. فقد توافق كل من أميركا وروسيا على الحل، واتفق على بدء الحوار في جينيف، لكن الروس سمحوا لأن يصبح دور حزب الله وغيران مكشوفاً وأن يؤدي إلى تحقيق توازن جديد بعد ان كان مختلاً لغير مصلحة السلطة. فالسلطة فقدت قوتها الساسية (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والشبيحة) بعد أن باتت قطاعات الجيش الأخرى خارج الصراع نتيجة الاحتقان الذي بات يحكم عناصرها، والذي دفع السلطة لأن تضعها في معسكرات مغلقة.

المحاولة هذه لتغيير ميزان القوى على الأرض دفعت أوباما لكي “يسلح” الثوار. وبالتالي الأمر يتعلق بمؤتمر جينيف2، رغم أن السلطة اندفعت لكي تحسم الصراع كما يبدو مستغلة القوى الجديدة التي أتتها من حزب الله وإيران وعملاؤها في العراق (تنظيم طائفي مارس التطهير الطائفي في بغداد)، ولازالت تحاول إعادة السيطرة على حمص وريف دمشق وحلب ودير الزور، ولا أظن أنها سوف تنجح في ذلك، الأمر الذي سيعيد الميل لعقد حوار جينيف2. ما يبدو واضحاً هو أن لا حل سوى عبر التوافق الأميركي الروسي بغض النظر عن محاولة الروس والسلطة تحسين ميزان القوى لمصلحة حل أفضل في جينيف2.

ميزان القوى العسكري

يبدو أن هناك تضخيم بقدرة النظام السوري العسكرية، فهو لا يملك ما يردع أي تدخل أميركي، فـ “الجيش السوري والقوات الجوية” ليست “مزودة بأسلحة متطورة من روسيا” لكي “تلحق خسائر كبيرة” بالقوات الأميركية، كما يشير الرفيق ألان وودز، وهذا ما ظهر واضحاً حين لم يستطع التصدي للغارات الجوية الصهيونية منذ سنوات قبل الثورة وخلال الثورة، حتى في دمشق العاصمة. والجيش السوري ليس جيشاً قتالياً اصلاً كما ثبت ذلك في حروبه السابقة. كما أن روسيا لم ترسل حتى صفقة صواريخ أس 300 إلى الآن، وهي أكثر سلاح متطور جرى الاتفاق عليه.

هنا يبدو أن الرفيق لازال يعتقد بأن العلاقة الروسية السورية هي ذاتها كما كانت زمن الاتحاد السوفيتي، وهذا أمر مؤسف لأنه يشوش على التحليل. فالعلاقات الاقتصادية توقفت تقريباً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتصفية الديون التي كانت على الحكومة السورية، والنظام لم يعد يستورد السلاح إلا لضرورات لأن الشرط الروسي كان “الدفع كاش”. وأيضاص مع استلام بشار ألأسد الحكم جرى ابعاد الكادرات العسكرية والأمنية التي تدربت في الاتحاد السوفيتي في إطار سياسة كانت تهدف إلى التحوّل الليبرالي والتوافق مع أميركا.

والآن، وبعد عامين وأشهر من الثورة بات قطاع كبير من الجيش محيد كما اشرنا، والقوة الصلبة التي يمتلكها النظام تضررت كثيراً، ولم تعد قادرة على حماية السلطة، الأمر الذي فرض إرسال قوات كبيرة من إيران وحزب الله والعراق، استطاع عبرها كسب معركة القصير ويحاول الآن كسب معركة حمص، ومحاولة استعادة حلب وريف دمشق. وهذا ما أشرت إلى أنه لن يفلح في ذلك، فهو لا يستطيع الحفاظ على المواقع التي “يحررها”، خصوصاً بعد تقلص عديد القوات التي يستخدمها، ولن يفيده سوى ارسال أعداد كبيرة من الحرس الثوري لـ “احتلال” سورية.

لهذا فإن معركة القصير ليست الحاسمة، ولا تؤشر إلى تغيّر عميق في ميزان القوى، بل تشير إلى أن النظام يحاول أن يستعيد توازنه عبر تحقيق بعض الانتصارات.

معلومات مغلوطة واستنتاج خاطئ

التأثر بالخطاب الإعلامي الإمبريالي فرض أن يكرر الرفيق ألان الصراع في سورية وكأنه مجزرة بين قوى “جهادية” والسلطة التي هي “معادية للغرب”. ويحمّل كل أعمال القتل والمجازر و”الذبح بالسكاكين” لـ “الثوار”، الذين يلخصهم بـ “الجهاديين”، وهو الأمر الذي يوصل ألان إلى “خطف الحراك من قبل عناصر رجعية ودفعه باتجاه طائفي”، ويجزم بـ “الحقيقة هي أن الثورة السورية قد هزمت”، ويرفض بأن تكون الحرب لازالت هي “بين الديمقراطية والديكتاتورية”. بالتالي يبدأ باعطاء “نصائح من بعيد” لـ “الشباب الثائر”. إنه هنا يخضع تماماً لخطاب الإعلام الإمبريالي، مع ملاحظة أن الإعلام الإمبريالي هو الذي يضخم من أفعال هؤلاء “الجهاديين”، ويقبل كل تلفيق فيها، عكس ما يشير ألان بأن الإعلام الغربي يتناولها مضطراً. فما يتوصل إليه هو بالضبط الصورة “النمطية” التي يعممها الإعلام الإمبريالي.

صورة الثورة كفعل “جهاديين” الآن، هو أمر مؤلم لكل ماركسي حقيقي، ليس لأنها غدت كذلك بل لأن تصويرها كذلك هو إتّباع لخطاب الإعلام الإمبريالي الذي عمل منذ البدء على التأكيد على أن ما يجري في سورية هو “حرب أهلية” (أي طائفية)، وظل يكرر معزوفة وجود “تنظيم القاعدة”. ولهذا يكون مؤلماً أن نجد مفكر مثل ألان وودز يكرر ذلك دون دراسة واقعية، أو محاولة تواصل مع ماركسيين سوريين يخوضون الصراع على الأرض.

ما يمكن تحديده هنا هو أن “الجهاديين” هم ثورة مضادة تمت فبركتها من قبل السلطة وبدعم سعودي من أجل أن تحوّل الثورة من ثورة شعب ضد سلطة استبدادية مافياوية إلى صراع طائفي. هل نجح ذلك؟ بالتأكيد لا، والشعب في المناطق التي هي خارج سيطرة النظام يخوض صراعاً ضدها، وبات يعرف أنها سند النظام (مثلاً تبيّن أن جبهة النصرة تحرس خط أنابيب النفط الذي يوصل إلى بانياس والذي يستفيد منه النظام. وفي مناطق أخرى عملت على مساعدة السلطة على “استعادة” قرى ومناطق. وهي تمارس القمع ضد الشعب في الرقة وحلب). وجبهة النصرة مجموعة لا تشكلَ نسبة من أعداد الكتائب المسلحة التي تشكلت في الغالب من الشباب الذي كان يتظاهر وحمل السلاح بعد الوحشية التي مارستها السلطة. وهؤلاء حسب القديرات ينوف عددهم عن 200 ألف مقاتل. وفيهم شباب متدين، وآخرين دفعهم خطاب السلطة للتدين، ومعظمهم ليسوا مؤدلجين أو محسوبين على مجموعات إسلامية (مثل الإخوان المسلمين). ولهذا فإن رقم 10 آلاف الذي يشير إلى أنه حجم جبهة النصرة مبالغ فيه جداً، حيث أن كل الإسلاميين المؤدلجين لا يبلغون هذا الرقم.

لهذا نقول بأن الثورة لازالت قائمة وإنْ كانت قد اتخذت شكلاً مسلحاً، ولا شك أنها تعاني من أخطاء وتشهد تجاوزات كثيرة، هي نتيجة غياب الخبرة والوعي (والحزب القادر على قيادة الشعب). ولهذا اقول أن كل الكلام عن سيطرة قوى رجعية ليس في مكانه، خصوصاً أن المعارضة التابعة للغرب ليس لها وجود حقيقي في الثورة رغم أنها تبدو كممثل لها.

لا شك يجب فضح “الجهاديين”، والإخوان المسلمين، والمعارضة التابعة، فهذه قوى أضرت بالثورة، وشوهت في مسارها، لكنها ليست هي المسيطرة الآن، ولن تستطيع حرف الثورة. فالثورة نشأت نتيجة الأزمة العميقة التي تعيشها الطبقات الشعبية، هذه الطبقات التي تحمل السلاح الآن من أجل إسقاط النظام.

في المقابل ألحظ هروب ألان وودز من إدانة التدخل العسكري لحزب الله وإيران، وإدانة الوحشية التي تتبعها السلطة ضد الشعب، التي أدت إلى دمار هائل، وأعداد هائلة من الشهداء والمعتقلين.

في سورية ثورة حقيقية، وهي في فمة بطولة الشعب وأفضع ممارسات القتل والتدمير من قبل سلطة طبقية مافياوية، باتت منذ زمن عدوة للشعب بعد أن نهبته، وهي لذلك ليست سلطة معادية للغرب، سوى أنها اختلفت مع الإمبريالية الأميركية في لحظة اندفاع تلك الإمبريالية للسيطرة على “الشرق الأوسط”، لكنها تتشابك اقتصادياً مع الطغم الإمبريالية، ولقد اسست لاقتصاد ريعي محتكر من قبل فئة عائلية، فدمرت الصناعات القائمة والزراعة وأفقرت الطبقات الشعبية. وإذا كانت اختلفت مع أميركا فقد تشابكت مع الرأسمال الخليجي (الإمارات) والتركي (قبل القطيعة)، وتتشابك الآن مع المافيات في روسيا وأوكرانيا، وأيضاً توقع اتفاقات تبعية وسيطرة مع روسيا التي لا يجب أن ننسى أنها باتت إمبريالية.

اليسار الحقيقي هو من يقف مع الثورة السورية لأنها مفصل التحوّل العالمي، والصراع مع القوى الإمبريالية القديمة والجديدة، ومع النظم والأحزاب المغرقة في الأصولية والتخلف. ومع الرجعيات العربية التي تريد إجهاض الثورة.

المصدر: فايسبوك

ثورة أم انقلاب؟

ثورة أم انقلاب؟

هذا ما أصبح يستأثر على النقاش حول ما جرى في مصر. وكالعادة ينطلق كل من يدلي برايه من كونه “مراقباً”، بالتالي يصبح مطلوباً منه أن يحسم الأمر بأن يحدد هل هو انقلاب أو ثورة. رغم أن المسألة أعوص من ذلك، فهي مركبة ومتداخلة وبالتالي لا يمكن أبتسارها بالإجابة على هذا السؤال.

فأولاً يجب فهم الواقع الذي كان يدفع حتماً لحدوث ثورة جديدة، لأن الإخوان لا يملكون أي حل لمشكلات مستعصية لقطاع كبير من الشعب، وفعلاً زادوا الوضع الاقتصادي سوءاً، وحاولوا السيطرة على الدولة وأخونة المجتمع. وهذا الأمر هو الذي دفعني لأن اكتب قبل أشهر أن مصر مقبلة على ثورة جديدة (المقال أعيد نشره في الصفحة). ولهذا وجدنا ملايين المصريين يملؤون الشوارع (أكثر من يناير 2011)، ويمتلكون غلاً لم أشاهده ضد حسني مبارك، رغم إصرار الشعب على إسقاطه.

لكن، ثانياً، الشعب دون قياد، اي دون رؤية لكيفية تحقيق مطالبه، ولا إستراتيجية لكيفية الوصول الى تحقيقها، ولا قوة سياسية تستطيع أن ترسم له طريق التغييير وإسقاط النظام (الذي لا يعني الرئيس فقط، بل يعني كلية البنية السياسية والاقتصادية، أي إسقاط الطبقة الرأسمالية المسيطرة)، لهذا وأمام شعور القوة القمعية للسلطة بالعجز عن حسم الصراع نتيجة الحشد الكبير للشعب، تتقدم لكي تظهر كمنقذ ومحقق لمطالب الشعب (كما فعل المجلس العسركي يوم 11 فبراير/ شباط في مصر). لكنه لا يستطيع إلا أن يكون ممثلاً للرأسمالية المسيطرة، فيعمل على إعادة إنتاج السلطة في شكل جديد (في حلة جديدة). هذا هو المسلسل الذي بدأ في 11 فبراير وأوصل الإخوان الى السلطة، لكنه ووجه بتنامي الاحتقان ضد الإخوان، وأفضى الى ثورة 30 يونيو/ حزيران.

لكن تدخل الجيش من جديد نتيجة الإشكالية ذاتها التي قادت الى “الفشل” السابق، أي غياب القوى الثورية التي تستطيع أن تطيح بالسلطة وبالطبقة المسيطرة وتفرض سلطة الطبقات الشعبية.

ماذا نسمي ذلك؟ انقلاب؟ في جانب منه هو كذلك، لكنه نتاج الفراغ الذي يلف الحركة الشعبية، وهو استمرار لتحكم الجيش بمفاصل السلطة لضمان عدم حدوث تغيير دراماتيكي في النمط الاقتصادي وبالتالي في كلية بنية السلطة. هو حارس على هذه البنية بكليتها، ولهذا يستطيع “الاستغناء” عن الرئيس أو الفئة الحاكمة، أو الحزب الحاكم، في اللحظة التي تتهدد بنية السلطة بكليتها، بالضبط من أجل الحفاظ على هذه البنية.

إذن هذا صراع طبقي، بين طبقة مسيطرة تستخدم الجيش والقوى الأمنية للحفاظ على النمط الاقتصادي الذي يحقق مصالحها، وبين الشعب الذي لم يعد قادراً على الاستمرار في الوضع الذي أوجده النمط الاقتصادي ذاك.

ما حدث بالتالي هو محاولة، كسابقتها، لقطع الطريق على الثورة، مستغلة غياب الإستراتيجية التي توصل الشعب الى السلطة. لهذا بالضبط يظهر الجيش كممثل للشعب وليس للطبقة المسيطرة.

ثورة أم انقلاب؟ ثورة يحاول الجيش أن يلتف عليها كما في المرة السابقة. لكن الثورة مستمرة، ولن يوقفها سوى انتصارها الحقيقي، الذي يعني حل مشكلات الشعب عبر تغيير الطبقة المسيطرة والنمط الاقتصادي الذي يحقق مصالحها.

المصدر: فايسبوك