Monthly Archives: مارس 2011

عن دور الإسلاميين في الانتفاضة المصرية

من تابع مواقف القوى السياسية من الدعوة إلى إضراب يوم «25 يناير»، يلمس الموقف «السلبي» لجماعة الإخوان المسلمين، الذين شارك بعضهم فردياً فيه، لكنّهم بدأوا يحاولون توسيع المشاركة بعدئذ. فقد كان قرارهم هو عدم الدعوة إلى الإضراب، وربما المشاركة الرمزية فيه، على أساس أنّها دعوة، ككل الدعوات السابقة، أيّ التي لا معنى لها.
لكنّها حين قررت المشاركة، تاهت بين جموع هائلة من البشر، تحمل مطالب أبعد مما تطرح أو تقبل، سواء تعلق الأمر بإسقاط النظام أو بالمطالب الاقتصادية الخاصة بالعمل والأجور والسكن، أو الدولة المدنية، وما إلى ذلك. وإذا كانت قد حاولت أن تزيد من دورها، وأن تحاول إدخال خطابها في وسط هذا الفيض من البشر، فقد فشلت في ذلك رغم لجوئها إلى «الطقوس الدينية»، كالصلاة بين الجموع لتحقيق ذلك.

وإذا كان النظام المتداعي قد حاول أن يلصق الانتفاضة بهذه الجماعة، لاسترضاء البلدان الإمبريالية وتخويف العلمانيين والمسيحيين، وتوسيع البطش، تحت عنوان مقاومة الأصولية والإرهاب، وإذا كان التخوّف من سيطرة الإسلاميين يحكم النظرة الغربية لما جري، فإنّ الوقائع لا تسمح بتصديق كلّ ذلك. فقد توضح حجم الإخوان المسلمين بدقة، إذ إنّ لهم حشداً، لكنّه ضاع في خضم كلّ هذه الطبقات التي انتفضت، ولهم وجود، لكنّه في حيّز محدَّد. وبالتالي، ليس الخوف في أن يسيطروا على الانتفاضة بعد نجاح الثورة، فهذا محال ولقد توضح ذلك خلال مسيرتها، لكن يجب أن ندرس بدقة صيرورة التحولات

الممكنة في ضوء النتائج التي أفرزتها، والتي يمكن أن يستفيد الإخوان منها.
فالانتفاضة كانت عفوية، رغم أنّها بدأت بدعوة واضحة. بمعنى أنّ الجهات الداعية لا تمتلك تنظيماً كان هو المحرّك لكل هذه الجموع، بل إنّ «صدفة» حدثت هي التي فرضت تجاوباً كبيراً من طبقات مسحوقة، ناضل بعضها في السنوات الماضية في حركات احتجاج موضعية، وكان الوضع الاقتصادي يطحنها إلى حد الهلاك، لهذا امتلكت حالة احتقان هائلة. وربما جاءت الانتفاضة التونسية لكي تنقل هذا الاحتقان إلى مرحلة التفجر الذي توضح من خلال التجاوب مع دعوة على فايسبوك من شباب ينتمون إلى هذه الطبقات، ويعيشون أزماتها الفظيعة، وبالتالي كانوا يتحسسون وضعها أكثر من كل الأحزاب، ولا سيما اليسارية.

ورغم إمساك الشباب المبادرين بقيادة الانتفاضة إلى الآن، وكذلك تحديد مطالبها، حاولت الأحزاب والقوى الأخرى، وتحاول قطف ثمارها، سواء عبر أداء دور توجيهي أو قيادي، أو الدخول في المفاوضات مع النظام للوصول إلى صيغة تبدو هي الحل الذي حققته الانتفاضة. وجماعة الإخوان المسلمين من هذه القوى، وربما اعتقدت أنّ تحقيق انفراج ديموقراطي كامل، والاعتراف بها حزباً سياسياً، سيؤهلانها لأن تفوز بحجم كبير في أي انتخابات يفرضها التغيير المتحقق، لتصبح القوة الرئيسية في البلد. وقد تطمح إلى أن تحكم كذلك، وفق المثال التركي، رغم أنّه مثال مناقض لما تطرح، لأنّ في تركيا حزباً علمانياً يحكم، وإن كان ذا خلفية دينية من حيث الإرث الثقافي. هذا سيناريو قد يخلد في ذهن قيادة الجماعة، لكنّه ليس السيناريو الوحيد. وربما استشعرت هذه القيادة بأنّ هذه الجموع الهائلة التي انتفضت على أساس مطالب اقتصادية معيشية لن تعطي أصواتها لجماعة كانت مع إعادة أرض الفلاحين للإقطاع القديم، وأيدت الخصخصة إلى أبعد مدى، ولم تنبس بأي مطلب يخص الطبقات المفقرة؛ إذ ظل خطابها خطاباً «أخلاقياً»، يلمس الهوامش، ويكرس الذاتية الضيقة، ويفرض ما بات من مخلفات الماضي في ما يتعلق بقيم الحياة باسم الدين، في الوقت الذي تنطلق فيه من اللبرلة الاقتصادية اعتماداً على الحق المطلق في الملكية، وحصر الاقتصاد بالتجارة. ربما هذه القيادة هي أكثر من يعرف أنّ قوتها في تلاشٍ، وأنّ الدور الكبير الذي أدته نتيجة الفراغ السياسي الذي تركه اليسار، لم يعد ممكناً، لأنّ صراع الطبقات الشعبية بات من أجل نمط اقتصادي مختلف عما هو سائد. وهي مع أسوأ ما هو سائد، أي الليبرالية المنفلتة والمافياوية، تأسيساً على الدين. كذلك ليست لديها حلول لكل هذه المشكلات الهائلة التي أوجدتها سلطة المافيا، أو أنّ حلولها هي استكمال لما قامت به هذه السلطة، وهو الأمر الذي جعلها ترفع شعاراً فضفاضاً ودون معنى ملموس هو: الإسلام هو الحل.

بمعنى أنّ هذه القيادة تعي أكثر من غيرها أنّ أيّ انتخابات حرة لن تصبّ في مصلحة نتيجة انفراز الوضع، وتوضح الموقع الطبقي لمختلف القوى. فالشعب يريد الخبز، وهي تقدّم الآخرة. الشعب يريد العمل، وهي تشجّع التجارة (أي الليبرالية). الشعب يريد الأرض، وهي مصممة على حق الملاك الإقطاعيين القدامى الذين انهتهم ثورة يوليو/ تموز 1952. الشعب يريد الحرية وهي تعمل على تطبيق الشريعة وفرض قيم متقادمة، وتتدخل في خصوصيات البشر. وهي كذلك تفرض منظوراً أصولياً ضيقاً للعلاقات والتعاملات والقيم والأخلاق. هذا الفهم هو الذي جعلهم، قبل سقوط النظام، يركضون وراء الحوار الذي دعا إليه عمر سليمان تحت حجة كسب الشرعية، فهذا هو الطريق الذي يفتح على دور ما بالتفاهم مع قوى في السلطة. وهو الذي جعلهم يوافقون على تعديل الدستور فقط، لا صياغة دستور جديد، كما تطرح الانتفاضة.

إذاً، الانتفاضة لن تأتي بالإسلاميين. والشعب لن يأتي بهم قوةً كبيرةً من خلال الانتخابات. فمن سيأتي بهم بالتالي؟ الفكرة التي كانت تتسرب منذ زمن، هي تلك التي تشير إلى الصيغة التركية، أي الجيش والإسلاميين. الجيش هو الضامن والإسلاميون هم الحاكم. لكن الإشارة إلى مصر كانت تقول بتحالف بين قيادات الجيش والإسلاميين، يقود إلى إدخالهم السلطة، ربما عبر انتخابات برلمانية تجعلهم القوة الأكبر مما يفرض تأليفهم الوزارة، أو قوة كبيرة تشارك في حكومة مسيطر عليها. وإذا كانت «الحرب على الإرهاب» قد أوجدت حساسيات في هذا المجال، فقد تقدم باراك أوباما في خطابه في القاهرة، وفي خطابه في إسطنبول خطوات في هذا الطريق، إذ ميّز بين الإسلام والإرهاب، وفتح الطريق لتفاهم مع الإسلاميين.
هل حان موعد إعادة التحالف بين جماعة الإخوان وأميركا، هذا التحالف الذي صمد لعقود، وظلّ قائماً رغم الخلافات العلنية،

وكان تحالفاً وثيقاً ضد «الشيوعية» والتقدم والعلمنة والديموقراطية؟
اذاً، هناك بعض الحلول الممكنة للولايات المتحدة في مواجهة الأزمة العميقة التي تعيشها البلدان العربية كلّها، لا مصر فقط (وأيضاً كلّ الأطراف). وبالتالي، يتعلق الأمر بتونس الآن بعد الانتفاضة والتغيير في شكل السلطة. فالأزمة الاقتصادية عميقة إلى حد لا يمكن تجاهله، والولايات المتحدة مأزومة ولا تستطيع تقديم الدعم الكافي لتجاوز أزمة البلدان التي باتت على عتبة انفجار اجتماعي كبير، مثل مصر وتونس، والنظم ذاتها عاجزة عن حلّ هذه الأزمة. بالتالي، هل يكون الخيار هو التدمير والفوضى من خلال سيطرة أصولية تطيح كلّ عناصر التقدم، وتفرض انقسام المجتمعات دينياً وطائفياً؟

فرغم كل الخوف المعمم من الأصولية، إلا أنّ كلّ سياساتها تصبّ في مصلحة الرأسمال. فهي مع اللبرلة إلى أقصى مدى، ويتركز نشاط منتسبيها الأساسيين في التجارة والمال، وهي عنصر شقاق مجتمعي لأنّها تطرح الدولة الدينية وتطبيق الشريعة. كذلك فإنّها تقيس على مبدأ «الإيمان والإلحاد» وهي هنا ضد حركة التقدم، التي تبدو لها حركة ملحدة بمختلف تياراتها، الديموقراطية والقومية والماركسية. وهذا ما تدركه الولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر، وبالتالي عملت في الماضي للإفادة منه. فحتى وهي تحوّل الإسلام إلى «بعبع» و«إرهاب»، كانت تتقصد ذلك وتستفيد منه، لأنّ «الأسلمة» تعني الصراع الذاتي والتفكك في مجتمعات تجاوزت إمكان الحكم الديني من جهة، والاقتصاد الإسلامي الليبرالي من جهة أخرى. والسودان مثال كبير في هذا المجال، حيث أفضى الحكم الإسلامي إلى تدمير الاقتصاد وسيطرة النهب المافياوي، وتفكك البلاد. بالتالي فإنّ أي دور أساسي لجماعة الإخوان المسلمين سيكون بالتفاهم مع الولايات المتحدة فقط. وهنا سيكون التوافق على استمرار معاهدة كامب ديفيد مع الدولة الصهيونية تحت أي مبررات، وكذلك الالتزام بكل الاتفاقات والمعاهدات، والسياسات الاقتصادية. وبراغماتية الجماعة تسمح بذلك.

إنّ تصاعد الصراع الطبقي يفضي بالضرورة إلى تراجع دور الإسلام السياسي الذي لم يعبّر ولا يستطيع التعبير عن مشكلات الطبقات الشعبية، بل عبّر عن مصالح فئات تجارية تقليدية، لا تتناقض في كلّ الأحوال مع الرأسمال الإمبريالي، بل ربما تناقضت مع فئات رأسمالية جديدة ذات طابع مافياوي، أو كانت منافسة لها. وكان الصراع يتمحور حول دور كلّ منها في إطار الاقتصاد المحلي، والدور السياسي لها. هذا هو جوهر الصراع الذي امتد لسنوات، بعد مصالحة أجراها الرئيس أنور السادات لتصفية الحساب مع كل أطياف اليسار وهو يصفي التركة الناصرية، ويقلب السياسات الاقتصادية لمصلحة «الانفتاح». وربما كان تخوّف المافيا الجديدة من دورها نتاج الحديث الأميركي، منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين، عن إشراكها في بنية السلطة، أكثر منه نتاج تناقض عميق في السياسات.

في كلّ الأحوال، إنّ الصراع الواقعي هو الذي سيفرض النتائج، لا أي تصورات أو أفكار معدة مسبقاً. وتحوّل الصراع إلى صراع على الخيار الاقتصادي، وعلى مطالب الأجر والعمل والسكن والضمان الصحي والاجتماعي لا يبقي لقوة أصولية دوراً يذكر.

المصدر: الأخبار

يساريّو تونس ومصر: سقوط مدوٍّ

دافعت الحكومة الفرنسية عن النظام في تونس حتى آخر لحظة، واتّسم الموقف الأميركي بقدر من التريث والانتباه إلى أنّ الوضع مقلق. لهذا دفعت واشنطن الى الصيغة التي تقوم على التخلّي عن بن علي، لكنّها تمسكت بأن يبقى رجاله في السلطة لقيادة المرحلة الانتقالية، مع إدخال بعض أحزاب المعارضة التي كان معترفاً بها، أي حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقاً)والحزب الديموقراطي التقدمي (الحزب الاشتراكي التقدمي سابقاً) وحزب لبرالي آخر.

أدّت أحزاب دوراً في الانتفاضة (حزب العمال الشيوعي، وقواعد الحزب الديموقراطي التقدمي)، وكان هناك طيف واسع من الكادر الماركسي المشتّت نشط في فروع الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي اللجان التي تألّفت تعبيراً عن «التنظيم الذاتي للانتفاضة». لكن تشتّت القوى الماركسية، والحساسيات التي تحكم العلاقة في ما بينها نتيجة تناقض التكتيكات في المرحلة السابقة من الصراع ضد نظام بن علي، أفسح المجال للقوى المساومة لأن تقبل القسمة الجديدة بحماسة شديدة. فحركة التجديد لم تشارك في الانتفاضة، وكانت مواقفها مهادنة الى أبعد الحدود (مع وجود قوى قاعدية فيها اتخذت موقفاً آخر). وبالتالي كان طبيعياً أن تقفز الى السلطة حين طُرح عليها ذلك. فهي لا تؤمن بطاقات الطبقات الشعبية، ولم تكن تعرفها أصلاً، وتعتقد بأنّ مشاركتها في الحكومة ستغيّر من طبيعة السلطة أو تحسّن من طبيعة الطبقة المسيطرة (البرجوازية المافياوية). وهي، أي الحركة، وافقت على إصلاحات بن علي ذاته ولم تطرح رحيله.

أما أحمد نجيب الشابي، فقد كان ينتظر، منذ زمن، اللحظة التي يصبح فيها شريكاً في السلطة، على أمل أن يحقق تغييراً عميقاً في المستوى الديموقراطي. هو لا يطرح مسألة تجاوز الرأسمالية أصلاً، منذ أن حوّل الحزب الى حزب ديموقراطي. ولقد قاد الحزب في هذا الاتجاه، معلّلاً ذلك بالتغيير من «الداخل»، ربما كما يفعل كلّ من يطمح الى المشاركة بالسلطة، بغضّ النظر عن طابعها. وهو أيضاً وافق على إصلاحات بن علي.

في المقابل، كانت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل معيّنة من بن علي، أو على الأقل ليست في تناقض معه. وهي همّشت دور الاتحاد، ووضعته في سياق سلطوي، وبالتالي، ونتيجة ضغط القاعدة، حاولت تعميق التغيير، وأفلحت من حيث الشكل، لكنّها لم تطرح مطالب العمال الذين تعبّر عنهم.

لذلك، نجح الحلّ المطروح أميركياً، وما تحقق هو انفراج ديموقراطي أوسع، مؤقتاً (وهذه «المؤقتاً» مهمّة لأنّ الطبقة المسيطرة ستقضم ما تحقّق في المرحلة المقبلة). لكن الأهم هو ثقة الطبقات الشعبية بذاتها، وبدورها، ثم ستكون لذلك نتائج لاحقة في سياق تطور الصراع. فالحلّ الأميركي يعتمد على إيجاد شكل ديموقراطي ينفّس أزمة المجتمع من خلال «الكلام». لكن هذه وصفة الثمانينيات والتسعينيات، الناجحة في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا، حيث الوضع مختلف جذرياً عما هو في بلدان مثل تونس ومصر وكلّ الأطراف. وبالتالي فإنّ الحل «الشكلي» لن يطعم خبزاً، أو يوفر فرصة عمل لطبقات جائعة. في مصر، وقفت البلدان الأوروبية مع تغيير حسني مبارك منذ البدء، وظلّت أميركا تدافع عن النظام، وتؤكد قوّته إلى ما بعد أسبوع على بدء انتفاضة «25 يناير». كذلك أظهرت واشنطن كلّ ما يفيد بأنّها تدعم سلطة مبارك، وترفض التغيير. لكنّها توصّلت الى أنّ الأمور في تفاقم، والوضع يسير نحو انفلات السيطرة، وأنّ الشارع يفرض بديله بعيداً عن دورها وحساباتها. لذلك، اندفعت بنحو جنوني نحو فرض التغيير، انطلاقاً من رحيل مبارك أو اختفائه، وتسلّم عمر سليمان السلطة، وحلّ مجلسَي الشعب والشورى، والحكومة، وتأليف حكومة مؤقتة، تشارك فيها «المعارضة»، و«ممثلو الشباب»، من أجل انتخابات جديدة وانفراج ديموقراطي.

فالولايات المتحدة واضحة في دعمها للطبقة المسيطرة، ولكلّ السياسات التي مارستها في العقود الماضية، وهي معنيّة بأن تبقى في السلطة، وألّا يصل إليها إلا من يتوافق معها. الأمر الذي دفعها الى التأكيد أنّ أيّ تغيير يجب أن يلتزم الموافقة على كلّ الاتفاقات الموقّعة، من اتفاق كامب دايفيد الى الاتفاقات العسكرية، الى التوافق السياسي مع سياستها العالمية. هذا الوضع الذي يحكم الموقف الأميركي، فرض التسارع في تحقيق تغيير مضبوط، كما جرى في تونس، إذ تستفيد واشنطن من كلّ النشاط «الأيديولوجي» والدعائي السابق، ومن موجة الدمقرطة التي أطلقتها من أجل حصر المسألة في «الرئيس»، المستبد، الذي بقي طويلاً في السلطة. أما السياسة الاقتصادية التي ترسمها الشركات الإمبريالية، والسياسات الإقليمية والدولية التي تتبع ذلك، فيجب أن تكون خارج البحث، ويجب استباق تصاعد الصراع لإيجاد حل يحافظ عليها.

بالتالي، جاء التدخل الأميركي من أجل ذلك، وليس حباً بالشعب المصري، أو أملاً في تحقيق نظام ديموقراطي، بعد دعم طويل لنظام فاسد وبوليسي. ولن تتورع من أن تعيد الكرّة، بعد أن يهدأ الوضع وتستكين الطبقات الشعبية، إذ إنّ النهب المفرط يفترض شكلاً من أشكال الدكتاتوريات، لا النظم الديموقراطية. ولهذا تراجعت مواقف باراك أوباما الصارمة بضرورة رحيل مبارك بعد أيام من طرحها. بدأ التراجع حينما شعر بأنّ مبارك استطاع أن يحجّم الانتفاضة ويحصرها في ميدان التحرير، قبل أن تتوسع إلى حركة إضرابات عمالية واسعة، تبعتها حركة إضرابات طالت موظفي الدولة. لكنّه عاد وضغط من أجل رحيله، خوفاً من سيطرة شعبية شاملة على الوضع، وبالتالي انضمام الجيش إلى الشعب.

لذلك، كانت المراهنة على دور الجيش، والصيغة التي يمكن أن تُخرج الصراع من مأزقه، نتيجة أنّ الطبقات الشعبية صمدت ولا تزال صامدة، لكن ليس لديها خطة للتقدم من أجل فرض التغيير. وما كان يجري هو انتظار حلّ «مقبول» يطرحه الجيش أو من يعبّر عنه. حلّ يفترض إما مشاركة قوى معارضة في حكومة تقوم بعد رحيل مبارك، أو تأليف حكومة انتقالية من أطراف في السلطة مدعومة من الجيش وأطراف معارضة (مثل الأحزاب الشرعية، الوفد والتجمع وحزب الجبهة، أو نصف الشرعية مثل حزب الغد، وأيضاً الجمعية الوطنية للتغيير التي يرأسها البرادعي، وبعض هيئات المجتمع المدني والشخصيات المستقلّة). حكومة تشرف على مرحلة انتقالية يُعدّ فيها دستور جديد، ثم تجرى انتخابات جديدة.

ولقد فرض الحلّ الذي جعل الجيش هو المتحكم بالمرحلة الانتقالية من دون تغيير حكومة أحمد شفيق التي عيّنها مبارك، الذي عمل على تحقيق أقلّ قدر ممكن من التنازلات (حتى استقال شفيق). هكذا حُصرت المسألة في رحيل حسني مبارك، واعتقال بعض رموز المرحلة الماضية، وتهميش الحزب الوطني، لكن مع إبقاء رموزه في الحكومة. فتحققت، لفترة، الخطة التي وضعها حسني مبارك، والقائمة على تعديل بعض مواد الدستور التي تتعلق بانتخاب الرئيس لا بصلاحياته، وحلّ مجلسي الشعب والشورى، وبالتالي الإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية ف ي فترة ستة أشهر. ولا بد من ملاحظة أنّ هذه الفترة القصيرة لن تمكّن قوى الانتفاضة من أن تتنظم لكي تكون مهيّأة لانتخابات حرّة، وبالتالي ستكون النتيجة هي نجاح القوى المنظّمة أصلاً (الإخوان المسلمين) وبقايا الحزب الوطني، وبعض اللبراليين الذين برزوا في الإعلام، خلال السنوات الماضية. وعلى صعيد الرئيس، يبدو عمرو موسى هو الأوفر حظاً، وهو من صلب سلطة مبارك.

ما يمكن أن يعدّل في ذلك هو استمرار تماسك قوى الانتفاضة، وأقصد الطبقات الشعبية بالتحديد التي أظهرت قوّة هائلة وصموداً بطولياً، ودفعها إلى إسقاط هذه الخطة، وتأليف الحكومة الجديدة (برئاسة عصام شرف) قد يدخل في هذا الإطار. رغم غياب القوى الجذرية تماماً هنا، بدت المشاركة نشاطاً فردياً، لا بإعداد حزبي، أو رؤية واضحة. فقد كان الشك هو حاكم هؤلاء لإمكانية نجاح انتفاضة في هذا الوقت بالذات. والأسوأ هو الموقف المخزي لقيادة حزب التجمّع، برغم مشاركة أفراد منه في الانتفاضة منذ البدء، ومساهمتها في الدعوة إليها. وأظن أنّ الزمن قد تجاوز هذا الحزب، ويجب أن يصبح من الماضي. أما القوى الماركسية الأخرى، فقد اسهم بعضها في الدعوة إلى الإضراب يوم 25 يناير/كانون الثاني. كذلك شاركت فيها، لكن دون استراتيجية أو فاعلية، أو حتى الاستفادة في الدعاية لأهداف ورؤيات، أو محاولة تعميق الجانب الذي يهمّ معظم هذه الجموع الهائلة، أي من خلال التركيز على طرح المطالب التي تتعلق بالأجور والبطالة والفساد ونهب الطبقة المسيطرة، وبالدعوة إلى نمط اقتصادي جديد. وهو الأمر الذي بات يحصر المطالب في المطلب الديموقراطي، رغم أنّ انتفاضة الطبقات الشعبية انطلقت مما هو اقتصادي: البطالة والفقر والأرض والصحة والتعليم والتدمير الذي تحدثه الطبقة المسيطرة في كل مناحي الحياة.

إذن، الانتفاضة شعبية شاملة، والإخراج سيكون أميركياً ولن يقود الى تحقيق أي من أهداف الطبقات الشعبية. فقط متنفّس ديموقراطي، وهو متنفس قد يكون أقلّ كثيراً ممّا أراد الشعب.

المصدر: الأخبار

ردّاً على عصام العريان: ماذا يطلب الإخوان؟

أشار عصام العريان في مقاله «يوميات الثورة» إلى دور الإخوان المسلمين وموقفهم في ثورة 25 يناير/ كانون الثاني المصرية («الأخبار»، 24 شباط 2011، العدد 1347). وتحدث العريان عن مشاركة الإخوان في هذه الثورة من دون أن يوضح بأنّ القرار الذي اتُّخذ قبل أيّام من إضراب 25 يناير/ كانون الثاني كان عدم المشاركة، وأنّ قرار المشاركة في يوم الغضب (28/1/2011) اتخذ بعد نجاح اليوم الأول من الإضراب وتحوّله إلى انتفاضة. ولا شك في أنّ شباباً من الإخوان قد شاركوا في اليوم الأول، وكذلك بعض الشخصيات القيادية بصفتها الشخصية. لكن، لا بد من التأكيد أنّ تحوّل الرفض إلى مشاركة جاء نتيجة إحساس القيادات الإخوانية بأنّ الشباب قد نجحوا «في كسر حاجز الخوف من جديد»، وأنّ «لعبة الفايسبوك» و«شباب المقاهي والنت» قد فجّروا ثورة لا يمكن تجاهلها.

أشير إلى هذه النقطة من أجل فهم التكتيك الذي اتبعته قيادة الإخوان خلال الثورة، وتتبعه الآن. فقد ترددت في البدء، ثم حاولت الاستفادة من الحدث، للحصول على اعتراف النظام بها حين دعاها عمر سليمان، بعدما أصبح نائباً للرئيس، إلى الحوار. كما حاولت الوصول إلى تفاهمات، بعدما كانت قد قدّمت مطالب عشرة في بيان لها صدر يوم 19/1/2011 إثر الاجتماع الذي اتُّخِذ فيه قرار عدم المشاركة في الإضراب يوم 25 يناير/ كانون الثاني، والتي يشير الأستاذ عصام إلى «تحقق ما هو أعظم منها وأكبر». ولهذا يرى أنّه «بدأ تحقق معظم هذه الأهداف على أرض الواقع»، رغم أنّ الشعارات، التي طرحها الشباب والقوى التي قادت الثورة يوم الانتصار في 18/2/2011 ويوم الجمعة في 25/2/2011، قالت إنّ ما تحقق هو جزئي وهامشي. ولهذا بدأ الإخوان النسج على منوال المجلس العسكري في رفض الإضرابات العمالية والمطلبية، واعتبار أنّها تضرّ بالثورة ونتائجها. وذلك رغم أنّ هذه المطالب هي الأساس في دفع كل هؤلاء البشر إلى تحدي سلطة غاشمة والتظاهر في عز الرعب الذي كان يمثّله الأمن المركزي.

بالتالي، فإنّ ما يظهر هو الميل إلى التوافق مع الحل الذي طرحه المجلس العسكري، والذي يتقاطع بما قام به مع المطالب العشرة التي أشار إليها العريان. مطالب يرفضها الشعب.

ولا شك في أنّ شباب الإخوان شاركوا بفعالية رغم أنّ حجمهم لم يكن كبيراً في هذا الفيض الهائل من البشر، وتنبّهوا لتكتيك القيادة بعدما حاورت النظام الذي عملوا على أن يكون بائداً، فـ«الشعب يريد إسقاط النظام» لا رحيل حسني مبارك فقط. وآمل أن يظل هؤلاء مع الشعب في مطالبه وليس القبول بحلّ «وسط»، أو حلّ التفافي يمكن أن يجري الآن، وخصوصاً أنّ الولايات المتحدة رفعت الفيتو على مشاركة الإخوان المسلمين في السلطة، وهو ما رحّب به هؤلاء. أما بخصوص المطالب العشرة، فهي أقلّ ممّا طرحته الثورة طبعاً. فلم يطرح الإخوان إسقاط النظام، وطالبوا بما هو توافقت عليه كلّ القوى والطبقات التي شاركت في الثورة، وبعضها لم تطرحه أطراف في اليسار، مثل الإصلاح الاقتصادي الحقيقي الذي يقوم على الاستفادة من الفوائض المالية في الصناديق الخاصة، وتعديل أسعار الأرض التي بيعت بأبخس الأثمان والغاز المصدَّر إلى الدولة الصهيونية، وما إلى ذلك، وكذلك الإشارة إلى إعادة النظر في السياسة الخارجية. الجماعة لا تزال تتمسّك بالدستور الحالي، ولم تتعدَّ مطالبتها بالتعديل ما طرحه حسني مبارك أو اللجنة التي ألّفت لهذا الغرض.

فالإخوان في تصريحاتهم، ومنهم عصام العريان، لا يزالون يتمسّكون بالتعديل الدستوري رغم أنّ مطالب الشعب تتمثّل في كتابة دستور جديد. ولا شك في أنّ الهيكل العام للدستور الحالي، الذي يكرّس السلطة المطلقة بيد الرئيس، لا يتعارض مع المنطق العام الذي يحكم الجماعة، ولهذا لم يطرحوا غير التعديل. ثم إنّ الجماعة مصممة على بقاء المادة الثانية من الدستور التي ترى أنّ الإسلام هو مصدر التشريع، وقال العريان في مقابلة معه إنّ هذه المادة فوق الدساتير، ولا يجوز المساس بها. فهي المدخل إلى «الأسلمة»، ولقد كانت السند القانوني لمحاكمة نصر حامد أبو زيد، وإعطاء طابع ديني للسلطة القائمة. يحدث ذلك في الوقت الذي يطرح فيه الشعب (والشباب الذي أسهم بفعالية في الثورة) هدف بناء «الدولة المدنية». طبعاً، هناك مطالب عدّة طرحتها الثورة ولم تتضمّنها مطالب الإخوان العشرة، مثل حق العمل والحد الأدنى للأجور. وأيضاً، هناك مطالب لا تطرحها الجماعة مثل إعادة الأرض للفلاحين بعدما صادرها النظام منهم بقانون صدر سنة 1997، لأنّ الإخوان أيدوا موقف الحكومة، آنذاك. وكذلك لا يطالب الإخوان بإعادة تأميم الشركات والمصانع التي بيعت بثمن بخس وكانت مجال إثراء المافيات الحاكمة، فهذه مناقضة لمنطقهم، ولقد أيدوا البيع كذلك. وهذه المسائل هي التي جعلت الثورة ممكنة أكثر من أي شيء آخر، رغم أهمية المطلب الديموقراطي وتأسيس دولة مدنية. لهذا، سيكون الصراع قوياً بين منطق الجماعة والطبقات الشعبية من جهة، وكلّ الفئات التي تعمل على تأسيس دولة مدنية من جهة أخرى. وهو الصراع الذي سوف يعيد ترتيب وضع القوى واصطفافاتها، بما في ذلك مع أو ضد المجلس العسكري، والدولة التي لا تزال دولة حسني مبارك.

النقطة الأخيرة التي تفتح على تلمّس إمكانات الاصطفافات الجديدة، هي إشارة العريان إلى أنّه قد بدأ تحقق معظم الأهداف التي طرحتها الجماعة، أي الأهداف العشرة، رغم أنّ ما تحقق منها هما البندان الثاني (حلّ مجلس الشعب) والثالث (التعديلات الدستورية)، والتوافق على إنهاء حالة الطوارئ بعد ستة أشهر. ربما تكون الصيرورة التي اختارها المجلس العسكري مناسبة للجماعة، ولهذا رأى العريان أنّه بدأ تحقق معظم الأهداف، وخصوصاً أنّ لجنة تعديل الدستور ضمت شخصاً من الإخوان.
كلّ ما أشرت إليه يهدف إلى طرح السؤال الآتي: ماذا يريد الإخوان الآن؟ هل الإكمال مع الشعب أم التوافق مع المجلس العسكري الذي بات يمثل السلطة ذاتها التي صاغها حسني مبارك، مع تعديلات ضرورية يجريها من أجل امتصاص نتائج الثورة؟

ظنّي بأنّ الأمور تشير إلى تحالف جديد بين الجماعة والمجلس العسكري. ولا شك في أنّ استعجال الانتخابات سوف يساعد على أن تحصل الجماعة على عدد كبير من المقاعد وأن تشارك في الحكومة التي تلي الانتخابات. عندها، ستسقط كل مطالب الثورة وكلّ «أحلام» الشباب، حتى شباب الإخوان. فالجماعة لا تختلف مع النظام في النمط الاقتصادي الذي يجب أن يسود، لأنّها تنشط في المجالات ذاتها التي تنشط فيها الرأسمالية المسيطرة، أي التجارة والخدمات والعقارات. وبالتالي، فهي ليست معنية بتغيير هذا النمط، وكان يبدو من خلال الصراع المرير في الماضي أنّها تبحث عن موقع لها، وعن حصة لمصالحها.

المصدر: الأخبار