Monthly Archives: يوليو 2014

ماذا نعني بانتصار الثورات؟

الصورة الأولية لمعنى انتصار الثورات، كان في إسقاط الرئيس وتغيير النظام، لكن المناورات التي أوحت بذلك من أطرافٍ في السلطة أظهرت أن شيئاً لم يتغيّر، أكثر من إبعاد الرئيس وبعض حاشيته. لهذا، ظهرت فكرة أن الثورات فشلت، حيث لم يتغيّر شيء في الواقع. وهذا ما فتح باب اليأس والخيبة، ومن ثم فتح باب الندب والتشكيك والخوف من الفوضى. المعادلة كانت بسيطة، حيث تكون إزاحة الرئيس المدخل لتحقيق الحرية و”الدولة المدنية” والديمقراطية. هذه الأخيرة أتت بالإسلاميين فتراجع الاهتمام بها، وظهرت نزعة القبول بديكتاتورٍ، يقوم بمهمة سحق هؤلاء.

الفئات الواسعة من الشعب التي خاضت الثورات، وصنعتها، كانت تريد تحقيق مطالبها التي طرحتها، وهي مطالب اقتصادية اجتماعية أساساً. لم تتحقق هذه المطالب بعد ثلاث سنوات من الثورة، ولقد راهنت مرة وأخرى على حلول، وقوى، من دون أن يتحقق شيء مما أرادت. على العكس، بات وضعها من هذه الزاوية أسوأ (ازدياد الفقر والبطالة). لكنها لا تملك ترف اليأس أو الخوف، بعد أن كسرت كل الخوف الذي سكنها حين تمردت. ولهذا، ما زالت تقاتل من أجل أن تحقق مطالبها.

وإذا كان حلم النخب هو الديمقراطية، ومطالب الشعب هي العمل والأجر والتعليم والصحة والسكن، فإن الانتصار يعني تحقيق كل ذلك. وهنا نلمس مستويين، يتعلق الأول بأن تحقيقها يستلزم إزاحة السلطة والفئات المستفيدة منها، والتي فرضت شكلاً غير ديمقراطي للسلطة، استبدادياً شمولياً، وفرضت نمطاً اقتصادياً يخدم مصالحها، ويهمّش كل المجتمع. وبالتالي، عدم الاكتفاء بتغيير أفراد بل تغيير كلية البنية. والمستوى الثاني يتعلق بكيفية تحقيق هذا التغيير، حيث لا يكفي المراهنة على أفراد في السلطة، أو الدعوة إلى الإسقاط فقط، والضغط من أجل التغيير من دون وجود رؤية بديلة وقوى بديلة، تفرض ذاتها بقوة الشعب سلطة بديلة. فالسلطة بكليتها هي التي فرضت النمط الاقتصادي الذي قاد إلى البطالة والفقر والتهميش، ومن أجل ذلك، تشكلت كسلطة استبدادية (حتى وهي تعطي هوامش من الحرية).

هذا التغيير لا يأتي بالضغط على السلطة من خلال الثورة، لكي تتغير، فالسلطة لا تتغير في الجوهر، بل تعيد إنتاج ذاتها في شكل جديد، ربما يكون أسوأ مما كان. فإذا كانت “النخب” تنتظر من يغيّر، وتلعب دور “المعلق الرياضي” الذي يوصّف ما يجري، ويصدر الأحكام حوله، فإن غياب ترف التوقف لدى الشعب نتيجة وضعه الذي لم يعد يحتمل التسويف، هو ما يفتح على رؤية المستقبل، وتحديد كيفية انتصار الثورات. فالحراك الشعبي يتسم بالجرأة والقوة والاستمرارية، على الرغم من نشوء مراهنات في لحظة أو أخرى (وهذا نتاج غياب البديل)، لكنه يحتاج لأن يتشكل بديلاً للسلطة، لا أن يبقى حالة رفض وضغط، تنتظر التغيير من السلطة ذاتها (ليس من الممكن أن تتغيّر، فهي تدافع عن مصالحها).

الثورات تنتصر، بالتالي، حين يعي الشعب أن عليه هو أن يفرض سلطته. هذا يقتضي تطوير الوعي والرؤية وتنظيم الحراك، بشكل يجعله قوة منظمة فاعلة، تهدف إلى تسلم السلطة. هذا الجهد الذي تطرحه اللحظة الراهنة، وهو يتعلق بتطوير وعي فئاتٍ جديدةٍ، لكي تصبح القوة الفاعلة في الثورات، وتكون قادرة على تحديد السياسات التي تجعل الشعب ينتصر. هنا، يأتي دور الشباب الذي كان بعيداً عن السياسة والفكر قبل الثورات، وأخذ يكتشف ضرورة ذلك بتجربته العملية، وهو ما يعني أن الثورات ما زالت مستمرة، على الرغم من الصعود والهبوط الذي تعيشه بين حين وآخر.

المصدر: العربي

أزمة تحليل اليسار للحدث العراقي

(ملاحظات على بعض التحليلات الخاصة بالثورات)

يبدو أن كل تلوينات الماركسية التي تشكلت في القرن العشرين، تسقط في المستنقع ذاته خلال تناولها للثورات والحراك في البلدان العربية المختلفة. البعض سقط منذ البدء (وهم قلة) وآخرون سقطوا بعد انطلاق الثورة السورية (وهم الأغلبية). ويبدو أن الحدث العراقي وتطورات الثورة السورية قد تسقط كل الآخرين.
التيارات التروتسكية صمدت خلال كل المرحلة الماضية، لكن بعضها سقط بعد تحولات الوضع السوري، وظهور دور القوى الأصولية، لكن يبدو أن الحدث العراقي أربك الجميع. فهل ما يجري ثورة؟ وهل أن داعش هي التي صنعت، ولازالت، الحدث العراقي؟ بغض النظر عن موقفنا من القوى التي تخوض الصراع ضد النظام، هل هي عشائرية بالمعنى القبلي المتخلف، أو هو البعث الدكتاتوري، او قوى دينية أخرى؟ وهل تريد تغيير النظام أو تريد الحصول على دور أكبر في “العملية السياسية”، أو تريد السيطرة على “الإقليم السنّي”؟ وهي المسائل التي تحتاج إلى تقييم حقيقي بلا شك، لكن ما يناقش هو هل أن داعش هي بالفعل التي تخوض هذا الصراع أم ان قوى أخرى هي التي تصنعه؟ وليس غريباً أن يتوحد كل الإعلام في التأكيد على دور داعش، وأن ينجرف اليسار الذي يدافع عن “الممانعة والمقاومة” إلى التأكيد على المسألة ذاتها، لأن المطلوب إمبريالياً ومن كل النظم، ومن كل التابعين، على أن داعش هي التي تصنع الحدث. لكن الأمر وصل إلى أن يرتبك اليسار الذي ظل متماسكاً في موقفه من الثورات.
تشوهات التحليل لدى التيار الماركسي الأممي
وربما كان التيار الماركسي الأممي قد حوّل موقفه من الثورة السورية منذ زمن، لكنه اتخذ منذ البدء موقفاً مما يجري في العراق يتماشى مع هذه الموجة من “تظهير” داعش ونفخها، وتشويه ما يجري باسمها. فقد كتب نيكلاس البين سفينسون وحميد علي زادة مقالاً عنوانه “الحرب الأهلية والردة الرجعية في العراق: وحش فرانكنشتاين الذي صنعته الإمبريالية يرفع رأسه” (نشر على موقع ماركسي يوم 13/6/ 2014، انظر http://www.marxy.com/middleeast/iraq/frankenstein-of-imperialism.htm) يتناول كما هو واضح ما يجري في العراق. المقال ينطلق من “بديهية” دور داعش الكلي، ويؤسس على ضوء ذلك كل تحليله. لكن سيبدو من التحليل عكس ما أكدت البديهية تماماً، رغم أنها ظلت تحكم التحليل، فتحوّره بما يكرر دور داعش. وربما يكون التحليل “من أفضل” التحليلات التي تكشف المنطق السطحي، والدوغما المسبقة. فهو يقوم على مقدمة عامة تؤكد أن داعش هي الحدث العراقي، ثم يسترسل في تحليل تقوم كل فقرة فيه على مقدمة ونتيجة، لنجد حين استخدام المنطق البسيط أن المقدمة تناقض النتيجة، وأن النتيجة هي تكرار للمقدمة العامة رغم تنافيها مع المقدمة المحدَّدة في كل فقرة. وبالتالي إن الهاجس هو الذي يحكم التحليل وليس التحليل هو الذي يوصل إلى نتائج بغض النظر عن الهاجس، وحيث يصبح التحليل هو الذي ينفي أو يؤكد المقدمة العامة (أي سيطرة داعش).
المسألة هنا هي أن المقدمات “الجزئية” هي توصيف لواقع عياني (وبالتالي حقيقي)، والنتيجة هي تلبيس نابع من المقدمة العامة، هي تكرار للمقدمة العامة وليس تأسيساً على الواقعة الموصوفة. ليتوضح أن التحليل لا يمتّ للماركسية بصلة بل يقوم على تطويع الواقع لإثبات فكرة مسبقة. وهو المنطق المثالي ذاته، الذي ينطلق من فكرة ويسعى لكي يؤكدها في الواقع، مقابل الماركسية التي تنطلق من الواقع لكي تصل إلى فهمه عبر بلورته في أفكار واستنتاجات وتصورات.
يقول المقال “وقد اتخذ رجال الميليشيا أماكنهم في الشوارع والمباني داخل المدينة” وأكمل الإشارة إلى أن الإسلاميين استولوا على 480 مليون دولار نقداً إضافة إلى المعدات العسكرية التي تقدّر بملايين الدولارات. طبعاً لم يشر إلى أن هؤلاء سهّلوا خروج الجيش المنهار، ولا شك في أن هذا يتناقض مع الإشارة الى وحشيتها (شبح البربرية)، وقتلها للجنود في مواقع أخرى، كما عمم الإعلام، وتناولت الفيديوهات. وحيث يعرف عنها”أساليبها الوحشية والهمجية في الصلب وقطع الرؤوس”، فلماذا لم يفعل هؤلاء الذين انتشروا في المدينة ذلك؟. وربما كان وصف أهالي الموصل واضحاً هنا حيث اشاروا إلى أن هذه القوات حمت البنوك والأسواق ومنعت الفوضى من خلال ما يشير إليه المقال، أي توزع الميليشيا في المدينة. في المقابل يشير المقال إلى قوات داعش بانها “مجهزة تجهيزاً جيداً”، رغم أن كل الحديث التالي عن الاستيلاء على أسلحة الجيش، وعن القدرة على استخدامها أيضاً بما في ذلك الدبابات والطائرات، رغم أنه لم يظهر في أي وقت امتلاكها هذه القدرة،وهي القدرة التي يمتلكها جيش محترف فقط، وليس معروفاً أن لدى داعش هذا المستوى في كل قتالها طيلة العقد الأخير، وظهر ذلك واضحاً في سورية. ولا شك في أن هذا الأمر يؤشّر إلى المعرفة المحدودة بماهية داعش، وبطبيعة تدريب مقاتليها، وبقدرتها العسكرية.
يقول المقال “وحتى وقت قريب كانت (داعش) مجرد مجموعة هامشية داخل صفوف الحركة الإسلامية التي كانت تعتبرها متطرفة جداً”، لكنه يشير إلى أن الهجوم الذي قامت به قد ترك “مساحة تمتد لأكثر من نصف العراق في أيدي الإسلاميين”. ويحدد في مكان آخر أن عدد داعش هو بين 4000 و5000 مقاتل، وهذا أمر ربما يكون صحيحاً لأنها ليست أكبر من ذلك، لكن هل أن هذا العدد يستطيع السيطرة على كل هذه المساحة؟ حتى كمياً هذا أمر مستحيل، وواقعياً هو أمر خرافي، يحتاج إلى معجزة.
وأيضاً يقول “كل هذا يعني أن الحكومة فقدت كل شرعية في المناطق السنية من العراق”، ورغم أنه ينطلق من النتيجة التي حدثت من خلال سيطرة المسلحين على كل هذه المناطق، لكنها حقيقة واقعة، لكنه يستنتج “وهكذا تمكنت داعش، التي هي القوة الأكثر تصميماً وتنظيماً، من أخذ زمام المبادرة”، بالتالي سيطرت. ولتفسير ذلك يأتي بـ “كذبة” أنها “دمجت ميليشيات سنية أخرى، وكبار المسئولين الباقين في نظام وجيش صدام حسين، والعديد من زعماء القبائل، وحتى الدعم السلبي أو الإيجابي من طرف سكان المدينة”. رغم أن كل هؤلاء في صدام مع داعش منذ أن كانت تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وخاضوا معارك معها خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك ما ينسبه المقال إلى جيش المالكي في المعارك التي دارت في الرمادي. ولا شك أن كل البيانات التي صدرت عن مجلس العشائر والمجلس السياسي لثوار العراق والمجلس العسكري لثوار العراق، والبعث وكتائب الطريقة النقشبندية، وكنائب المجاهدين، تعتبر أن داعش تنظيم إرهابي وليس من الثورة. حتى حين تناول نظام صدام حسين يظهر التناقض بين المقدمة والنتيجة واضحاً، حيث “لعب دوراً مفيداً من وجهة النظر الأميركية”، لأن نظامه أبقى “البلاد موحدة (بقبضة من حديد طبعا) وقمع الإسلاميين”، لكن قوات الولايات المتحدة التي أطاحت بصدام قامت بتفكيك الدولة العراقية. ومن ثم يعزي إلى التفكيك “صعود جميع التوترات القومية والقبلية والطائفية إلى السطح”. رغم أن الولايات المتحدة أقامت “سيطرتها على العراق على تفجير كافة الصراعات والانقسامات الطائفية التي كانت كامنة”. لم نفهم هنا هل أنها تريد وحدة العراق وبالتالي خدمتها سلطة صدام حسين، أم تريد تفكيك العراق لهذا احتلته ودمرت الدولة؟ كل هذه التناقضات هي نتاج تفكك المواقف وبؤس التحليل، حيث يجب أن يكون صدام حسين “عميلاً أميركيا”، ويجب أن تكون أميركا هي التي تريد تفكيك المنطقة وتفجير الصراعات الطائفية فيها، وصدام حسين كان يمنع ذلك “خدمة لأميركا”. السبب في بؤس التحليل هنا هو أنه لا يُبنى على فهم الواقع بل يقوم على ربط المواقف المسبقة فيما بينها.
ولكي لا نسترسل أكثر سوف أقوم بإعادة رسم الصورة لكي نحدد أين هو جذر المشكلة في ما يطرحه المقال. سنرى ماذا يقول عن داعش من جهة، وماذا يقول عن الوضع الواقعي من جهة اخرى، من أجل أن نفهم كيف يدسّ المقدمة العامة في التحليل لكي يصبح الوضع الواقعي مؤكداً لهذه المقدمة. بالتالي كيف ينحكم مجمل التحليل لفكرة مسبقة هي داعش التي استولت على نصف العراق!
في البداية يؤكد على أن داعش هي “بضعة آلاف من الإسلاميين”، حيث أن قوات داعش مجهزة تجهيزاً جيداً ومصممة على القتال. ويقول أنه حتى وقت قريب “كانت مجرد مجموعة هامشية داخل صفوف الحركة الإسلامية”. و”قد كانت مشغولة طيلة العام الماضي بالقتال ضد الميليشيات المتمردة الأخرى في سورية”، فسيطرت “على جزء كبير من شرق سورية”، وحصلت على “ترسانة كبيرة من الأسلحة”. ومن ثم “نمت الجماعة بسرعة خلال العام الماضي. وهذا ما مكنها، إلى جانب زيادة مداخيلها، من اتخاذ مبادرات أكثر جرأة. على هذا الأساس توسعت هجمات داعش وتطور حجمها. فانتقلت الجماعة من قتال الجيش العراقي في الصحراء والمناطق القبلية إلى قتاله في المدن”. بالتالي اصبح عددها “ما بين 4000 و5000 مقاتل”، وهي القوات التي هزمت “جيش يضم أعداداً أكبر بكثير”. إذن هم هذا العدد الذي أحدث هذه المفاجأة الهائلة، وسيطر على كل هذه المدن والمناطق. هم بالتالي مجموعة صغيرة لكن متماسكة.
في مقابل يقول المقال إلى “الطبيعة المتعفنة لنظام العصابات الفاسد برئاسة نوري المالكي، الذي يأجج الصراع الطائفي منذ سنوات”، و”أساليب العصابات والفساد التي ينتهجها المالكي على نطاق واسع (تسببت) في تنفير شرائح واسعة من السكان”، “تفشي الفقر والبطالة”، ويستشهد بتقرير للبنك الدولي الذي يشير إلى أن 28% من الأسر العراقية تعيش تحت خط الفقر. ويؤكد أنه إذا ما أصاب البلاد أزمة كبيرة مثل النزاعات المسلحة التي حدثت العام الماضي فإن معدل الفقر سيرتفع إلى 70%، حيث باتت الأسر تتغذى “على القمامة وتعيش في مطارح القمامة والأحياء الفقيرة”. وعلى ضوء ممارسات المالكي فقد فقدت الحكومة “كل شرعية في المناطق السنية من العراق”. ليصل المقال إلى استنتاج مهم يقول “من الواضح أنه لا توجد قوة في الشرق الأوسط يمكنها السيطرة على غرب العراق ضد إرادة سكانه”.
بمعنى أن داعش ضعيفة من جهة، وأن الشعب في العراق عموماً وفي غربه خصوصاً بات ضد المالكي وحكومته متوترة ومتحفزة للصراع معه من جهة اخرى. ما الذي يحسم أن داعش هي التي تسيطر بالتالي؟ هل السكان مع داعش، أو اصبحوا مع داعش؟ المقال يحاول أن يؤسس على ذلك، حيث “كانت داعش ضعيفة من الناحية العسكرية طوال فترة وجودها، لكن هجمات زمرة المالكي الوحشية ضد السكان السنة هي التي دفعت بهؤلاء إلى دعمها”. كيف يتلمس المقال هذا الدعم؟ ليس من إجابة سوى المقدمة العامة التي جرى التعامل معها كبديهية، وبالتالي بات المطلوب من سرد كل هذه المعلومات عن وضع الشعب، المفقر والمسحوق، تأكيد المقدمة فقط، أي تفسير لماذا قويت داعش واستطاعت السيطرة على أكثر من نصف العراق.
لكن هناك إقرار بأن الشعب مفقر ومسحوق، وبالتالي مهيأ للثورة، وأصبح هو “القاعدة” التي أعتمدت داعش عليها. ورغم أن ذلك ليس صحيحاً كما سأوضح تالياً فإن الأمر يستدعي موقفاً من حراك الشعب، فالمسألة بالنسبة لماركسي ليست “الوصف” أو الإدانة، بل تحديد الرؤية. وحين تكون هناك كتلة شعبية كبيرة متمردة على السلطة ليس من الممكن تجاهل ذلك، بل يجب الوقوف معها، حتى وهي تخطئ في خيارها، لأن مهمتنا العملية تتمثل في توضيح الوضع لها، وتعريفها على أخطار الإنجرار خلف تنظيم هو “عدو” في الواقع. ولن يكون صوتنا مسموعاً إذا لم نكن معها، ومؤيدين لمطالبها، ومساهمين في صياغة هذه المطالب في برنامج يعبّر عن طموحها للتغيير. أما “قبول الأمر الواقع” الذي يتمثل في “سيطرة داعش” فهو موقف انهزامي (كما كان يشير الرفيق لينين)، واستعلائي، ولا يفعل سوى تكريس سيطرة هذه القوة المغرقة في “جاهليتها” ووحشيتها. الموقف الماركسي السليم يتمثل في تبني مطالب الشعب، والوقوف معه في الصراع ضد النظام. ومن أجل أن يتطور وعي الشعب وتتوضح مطالبه وتزداد فاعليته لا بد من محاربة كل القوى التي “تركب” الثورة، هنا يكمن الصراع الأيديولوجي، وحتى العملي (الصدام مع داعش والعمل على تصفيتها). الماركسي لا يترك الشعب وحيداً، ولا يدين كل ما يجري لأن قوة يرفضها باتت تلعب الدور المؤثر في الصراع. خصوصاً وهو يرى أخطار هذه القوة على الثورة ذاتها. هنا نلمس الموقف الاستعلائي الذي يريد ثورات نقية وصراع طبقي نقي، وشعوب تسلّم له قيادتها دون أن يبذل جهداً، أو يخوض صراعاً لمصلحتها. المقال يؤكد بوضوح الأساس الشعبي لما يجري، ويعتبر أن “تضخم” قوة داعش هو نتاج الرفض الشامل للمالكي وحكومته، على الأقل في المنطقة الغربية (رغم أن المقال يشير إلى الوضع السيئ للشعب عموماً). لكنه يدين كل ما يجري من خلال تلخيصه في داعش و”شبح البربرية” الذي “يلوح في الأفق”.
طبعاً كاتبا المقال لا يعرفان وضع داعش في العراق كما هو واضح من ما يوردان. لا يعرفان تاريخها رغم أنهما يشيران إلى أنها تشكلت من “الفرع العراقي لتنظيم القاعدة”. فقد لعب هذا الفرع دوراً في تأجيج الصراع الطائفي، وكان دوره هذا أساسي. ومن ثم فرض سلطته على مناطق سنية، وبات يصطدم مع القوى التي تقاتل الاحتلال، ومع الشعب معاً، الأمر الذي دفع إلى رفضه، وصل هذا الرفض إلى تحالف جزء من المقاومة ومن العشائر مع الاحتلال لطرده، وهذا ما حصل. لهذا جرى تهميش دوره لسنوات، خصوصاً بعد أن تحوّل من تنظيم إلى دولة بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي، وصدامه مع الشعب. لكنه عاد في السنوات الأخيرة بعد أن بدأ الحراك الشعبي. وكان واضحاً أنه يتحرك فقط حين يتصاعد الصراع بين الشعب والنظام، وينخرط في صفوف الشعب ليس للدعم بل للتخريب عبر فرض “قوانينه” ودولته. وهذا ما حدث منذ بدء الحراك الشعبي باعتصام الساحات ثم تمرد الأنبار. وهو الأمر الذي دفع العشائر التي كانت تقاتل جيش المالكي قتال قوات داعش كذلك (عكس ما يشير المقال). ولهذا كان واضحاً أن شرخاً يقف بين الشعب وبين داعش، وليس من السهل قبوله بها. ربما هناك بعض التنظيمات الأصولية التي تنخرط في الصراع ضد المالكي تمدّ اليد له، لكنه مرفوض من كل القوى الأساسية. وهذا ما ظهر واضحاً في تصريحات المجلس السياسي العام لثوار العراق الذي يقود الحراك الآن، ومن مجلس العشائر، ومن حزب البعث وجيش الطريقة النقشبندية. هذه القوى التي تمتلك المقدرة على تشغيل الطائرات والدبابات وكل السلاح الحديث لأنها تتشكل من جنود وضباط محترفين هم من الجيش العراقي المنحلّ. بمعنى أن داعش هي “عنصر تخريب” في الثورة وليس لا قيادة لها ولا عنصراً فيها أصلاً. ولهذا كل الفيديوهات التي تصدر عنها تتقصد إيصال رسالة تضرّ الثورة، وكل المناطق التي لها تواجد فيها تتحرش بقوى الثورة، ولا بد من أن يتصاعد الصدام معها. هي ثورة مضادة، ولا تمثّل الشعب، ولم تؤدي “تصرفات الحكومة” إلى تمهيد “الطريق للأصوليين لتعبئة الشباب الأكثر سخطاً” ولا استطاعت داعش دمج “ميليشيات سنية أخرى، وكبار المسئولين السابقين في نظام وجيش صدام حسين، والعديد من زعماء القبائل”، فهذه كلها ترهات لأناس يعيشون بعيداً عن الحدث، ويحاولون تفسير ما يجري انطلاقاً من مقدمة منجزة مسبقاً كما أشرنا قبلاً.
ما يوص إليه المقال هو أن هناك حراك شعبي كبير (على الأقل في المنطقة الغربية – السنية) نتيجة سياسات المالكي، لكنه مقاد من قبل داعش. ما حاولت توضيحة هو أنه حتى وإنْ كان الأمر كذلك فإن الموقف الماركسي يفرض أن نكون مع الشعب وضد قيادته هذه، وبالتالي أن نعمل على تفكيك العلاقة بينهما من خلال توضيح أخطار داعش وضرورة تحويل الصراع إلى صراع سياسي طبقي. لكن الأمر في الواقع ليس كذلك، فلا الشباب توهم في داعش لأنه يعرفها جيداً، ولا الضباط وزعماء العشائر قبلت قيادة داعش، على العكس فهي تقاتلها منذ اشهر في الأنبار والفلوجة، ومن يقود الصراع هم هؤلاء الذين لا يقبلون داعش (على الأقل لتجربتهم معها)، ويعتقدون أنهم الأحق في قيادة الحراك من أجل إسقاط المالكي. وهم الذين يملكون خبرة عسكرية كبيرة نتيجة كونهم كانوا ضباطاً في جيش محترف، وهم الذين قاتلوا الاحتلال الأميركي كذلك.
ربما يكون مفيداً النقاش حول هذه القوى، وخصوصاً حزب البعث الذي حكم عقوداً ومثّل سلطة دكتاتورية. لكن من تشويه الحقيقة القول بأن ما يجري هو من فعل داعش. هنا يكون الانسياق خلف الإعلام الإمبريالي الذي يهدف إلى وسم الثورات بالإرهاب، ومواجهة الثورات باسم مواجهة الارهاب. وهذا ما يقصده الإعلام العربي والغربي، وقالته الدول مجتمعة من إيران وسورية إلى روسيا وأميركا. لكن لا بد من تحديد طبيعة داعش والدور الذي تلعبه لكي نحدد من تخدم في الصراع سواء في سورية أو في العراق. وإذا كان المقال يشير إلى هروب 1000 عنصر منها من سجن أبو غريب فقد أوضح وزير العدل في حكومة المالكي (وهو من تحالفه كذلك) على أن المالكي بالذات هو من أطلق سراحهم وأرسلهم إلى سورية. ولا شك في أن دورها في سورية واضح من حيث خدمة سياسات النظام، وتصفية قوى الثورة، وتسهيل سيطرة النظام على العديد من المناطق. إنها في سورية جزء من الآله العسكرية للنظام، ولقد لعبت دوراً خطيراً في خدمته. وفي العراق كان دورها يظهر حينما يتحرك الشعب لطرح مطالبه (كما في الاعتصامات الكبرى، ثم في الأنبار منذ أشهر)، حيث تحاول اختراق الحراك وتفكيكه عبر طرح منظورها ومحاولة فرض سلطتها. وهو الأمر الذي فرض اشتباك هذه المناطق معها، وطردها منها.
أميركا اخترقت تنظيم القاعدة ووظفته في تخريب المقاومة العراقية، ولقد نجحت نتيجة “السذاجة المفرطة” لدى القوى التي كانت تقاتل الاحتلال، والطابع “الديني” لبعضها. وأظن انها لازالت تخترقها. لكن داعش باتت مخترقة من قبل إيران، وهي توظف لخدمة سياساتها. وإذا كان هناك دعم سعودي أو خليجي فإنه يصبّ الآن في خدمة السياسة الإيرانية بغض النظر عن نوايا هؤلاء. وأميركا باتت تستغل الاسم من أجل تحقيق التفاهم مع إيران، لكن مع إعادة ترتيب وضع “العملية السياسية” بعد أن بدا أن إيران باتت هي المهيمن الوحيد عليها. لكن لا بد من رؤية حراك الشعب، ومن تحديد السياسات الماركسية التي تسمح بتطويره، وليس لفظ كل ما يجري بحجة أن داعش هي المسيطرة.
إذن، المقدمة العامة كانت خاطئة، ولقد أدت إلى استنتاجات خاطئة، ولقد ظهر أن تأكيد وقائع حقيقية لم يفعل سوى أن يكون مدخلاً لتأكيد ما هو محدد مسبقاً وليس إظهار الواقع وتحديد السياسات على ضوئه. نحن نختلف في أن المطلوب هو الدفاع عن ثورة الشعب، والانخراط فيها، مع محاربة كل من يحاول تشويهها أو جرّها إلى متاهات الصراع الطائفي، او فرض سلطة طائفية بديلة. الأساس هنا هو وضع الشعب وحراكه، وهذا ما ينطلق منه الماركسي. من ثم لكي يحدد تكتيكه في مواجهة كل من يسعى إلى حرف الحراك أو إجهاضه.
أيضاً تشوهات تروتسكية
أيضاً وقع المحظور لدى تيارات تروتسكية كانت تبدو متسقة التحليل فيما يتعلق بالثورات العربية، حتى تلك الأكثر تعقيداً، أي الثورة السورية. وكان واضحاً تماسك تحليلها، وموقفها وسياساتها. وهذه تضم خليطاً من بعض أطراف الأممية الرابعة والأحزاب التي تلتفّ حول حزب العمال الاشتراكي البريطاني، حيث أصدرت بياناً مشتركاً تتحدث فيه عن داعش، وسيطرة داعش. البيان اعتمد على “الفرع” في العراق، حيث أن “المركز” الذي يحدد الوضع العراقي هو “اتحاد الشيوعيين في العراق” الذي بات جزءاً من التيار التروتسكي منذ مدة بعد أن كان قد انفصل عن الحزب الشيوعي العمالي في العراق (الذي اتخذ موقفاً مطابقاً كذلك). في بيانه القصير (صدر يوم 10 حزيران سنة 2014) يصف ما سرد من أحداث عبر الإعلام، أي كيف سيطرت داعش على الموصل، وماذا فعلت. وكيف انتصرت لافتقار قوات النظام “لدعم اجتماعي وسكاني في تلك المناطق” و”تمتع القوات التابعة لداعش بحاضنة طائفية واضحة ودعم القوى السياسية السنية والعشائرية” ودعم إقليمي مكشوف. وهو هنا لم يلحظ كل الصراع السابق بين هذه “الحاضنة” وتنظيم القاعدة ثم داعش، الذي دفع بعض قطاعات المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي وبعض زعامات العشائر للتحالف مع الاحتلال لتصفية وجودها. وكان آخرها الصدام معها في الرمادي والفلوجة في الوقت الذي كان الشعب يخوض صراعاً مع قوات المالكي. أي أن “العشائر” والقوى السياسية “السنية” وكل القوى التي كانت تخوض الصراع ضد الاحتلال الأميركي كانت في تصادم مع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ثم مع وريثه “دولة العراق الإسلامية” ثم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. مع الأسف إن المنظور “الطائفي” هو الذي كان يجمع داعش مع “المنطقة السنية” فقط، وليس ما يجري في الواقع الذي كان يوضّح أن “السنة” يخوضون حرباً ضد داعش، وأن المالكي هو الذي يدعمها (ولقد أشرت إلى ذلك قبلاً). ولهذا جرى تفسير الثورة في المنطقة الغربية كنشاط لداعش وليس ثورة شعب يريد التغيير بعد أن عانى الظلم والفقر والاضطهاد (كما أشرنا قبلاً). هذه هي “النقطة المركزية” في البيان، والتي باتت رؤية تيار تروتسكي كان يبدو متفهماً لواقع الثورات ولدور القوى الأصولية.
البيان دعى إلى مواجهة قوات داعش والعصابات الاجرامية الأخرى، التي اعتبر أنها ليست مهمة عسكرية بسيطة بل “مهمة شعبية بالدرجة الأولى”، لكن “بدعم من الدولة وقواتها العسكرية والأمنية”. أي يطرح “التنسيق” مع الدولة التي تمثل قوة طائفية حاكمة، وتمثّل طبقياً كل المافيات التي أتت مع الاحتلال الأميركي. هنا ينجرّ “الماركسي” إلى حضن المافيا الطائفية بكل بساطة، استناداً إلى “المهمة المركزية” التي تتعلق بدحر داعش. رغم أن السلطة الحاكمة، التي شكلت الجيش وهيمنت على الدولة ليست أفضل من داعش، حيث تعتمد على قوى طائفية “شيعية” شبيهة لداعش، مثل عصائب أهل الحق وفيلق بدر وقوى عديدة أخرى. وبالتالي إذا جرى القفز عن الطابع الطبقي للسلطة، وعن اسباب تمرّد قطاعات من الشعب، فيجب على الأقل الوصول إلى استنتاج أن قوى طائفية تتقاتل، ليكون الموقف هو تطوير صراع الشعب ضدها، وليس الوقوف مع طرف ضد آخر، وكليهما طائفي، ومتعصب، ويفرض سلطة أصولية متخلفة. رغم أن الصراع طبقي، حتى وإن اتخذ شكل “ديني”، أو قيل أن داعش تقوده، هذه الخرافة التي حللت وضعها قبلاً.
على ضوء هذا البيان صدر بيان مشترك (صدر يوم 28/6/2014) لعدد من القوى التروتسكية (هي منظمة الاشتراكيين الثوريين- مصر، اتحاد الشيوعيين العراقيين، تيار المناضل/ة – المغرب، تيار اليسار الثوري – سورية، رابطة اليسار العمالي –تونس، والمنتدى الاشتراكي –لبنان) ينحى إلى حدّ ما المنحى ذاته، لكن بتعديل محدود. حيث يتوضح عبره وجود اختلافات بين أطرافه فرضت “توازناً” في الموقف أظهر ضعف التحليل، رغم أنه لازال يؤكد على الدور الأساسي لداعش، ويشير إلى سيطرتها، ويقدّم الحلول انطلاقاً من ذلك. فهو يشير إلى وجود 23 مجموعة مسلحة “حليفة” لداعش، ويتوقع الصدام معها نتيجة ممارسات داعش. رغم أن الصدام قديم، وظهر واضحاً، كما أشرنا، في اعتصام الأنبار وما نتج عنه من صدام مسلح مع السلطة وداعش. ورغم معرفة العراقيين بطبيعة داعش منذ ايام تخريبه المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي، وتحوّل أجزاء من المقاومة ومن العشائر للتحالف مع الاحتلال لطرد “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” الذي انبثقت منه داعش. البيان يشير إلى داعش و”مجموعات ميليشياوية أخرى”، ثم يشير إلى “الحملة الأخيرة التي لعب فيها تنظيم داعش دور رأس الحربة”، ويقول أنه “يسعى ليكون القيادة الفعلية لتجمع هشّ تلتقي فيه قوى قومية وعشائرية شتى، من ضمنها فلول البعثيين القدامى، وبعض الضباط والجنود من قدامى الجيش المنحل”، ويؤكد أن هذا “التلاقي المؤقت…. مهدداً بالانفراط”، والدخول في صدامات دموية.
البيان، الذي صدر بعد بيان اتحاد الشيوعيين وبعد ظهور “معلومات مختلفة عن الصورة الأولية، يلمح مشككاً “أن جزءاً هاماً من هذه القوى يخوض غمار انتفاضة حقيقية ضد سلطة المالكي الاستبدادية، والتابعة، والمغرقة في الفساد، ويحاول النأي بنفسه عن التعبئة المذهبية والطائفية، ويدعو إلى الانخراط في نضال وطني بحت ضد المالكي، والجماعات المذهبية التي تأتمر بالتوجهات الإيرانية”، لكنه يعتبر أن “هؤلاء لا يرون واقع أن هذا الجزء يعاني مشكلة صارخة في سلوكه ومواقفه لا بد من التحذير من مخاطرها” هذه المشكلة هي “تمسكه بالتحالف المذكور، واعتبار أن ثمة ضرورة للحيلولة دون توجيه النقد والتشهير حيال جرائم تنظيم داعش المريعة، ومخططاته المشبوهة، وبوجه أخص دون التصدي لتلك الجرائم والمخططات بقوة السلاح، وذلك في مسعى منه للحفاظ على –وحدة- القوى التي تقاتل النظام القائم وحكومة المالكي”.
إذن هنا يشير أن “جزءاً هاماً” يخوض انتفاضة، ولا شك في أنها نتاج “النقمة الفعلية التي تعتمر في نفوس معظم أبناء المناطق التي تتعرض للتهميش والإقصاء، وتُحرم من الكثير من حقوقها الاجتماعية والاقتصادية، كما في نفوس الغالبية الكبرى من أبناء الشعب العراقي”. بمعنى أن الكتلة الأساسية التي تخوض الصراع هي تعبير عن نقمة الشعب في هذه المناطق وليست داعش، لكن المشكلة تتمثل في أن هؤلاء لا يريدون تصفية داعش، ولا يريدون “فك التحالف” معها. لكن هل هناك تحالف؟ كل الأطراف أعلنت عكس ذلك، واعتبرت أن داعش تنظيم ارهابي ومرتبط بالمالكي. لكن لداعش وجود في هذه المناطق تحديداً (أي ليس في الجنوب)، بالتالي ما هو الدور الذي تلعبه؟ هل هو جزء من الحراك أم هو تشويش على الحراك؟ هو تشويش على الحراك، ومحاولة تخريبه كما يجري في سورية. إذن، لماذا هذا التهويل و”نقل أخبار الصحف” بالتأكيد على داعش؟ أفهم أن نقول بأن الحراك لا يخوض حرباً ضد داعش كما يخوضها ضد المالكي، وأفهم أن يجري التنبيه من خطر داعش وخطورتها، وبالتالي فضح ممارساتها ودورها، لكن لا أفهم أن يصبح الحراك هو داعشي، وان يجري التأكيد أن داعش هي التي تقود ما يجري، وان القوى الأخرى (رغم انها أكبر منها عدداً بكثير) تقبل قيادة داعش. هذا ما يصوّره الإعلام فقط، وهو ما تنفيه القوى التي تخوض الصراع على الأرض (المجلس السياسي العام لثوار العراق)، بغض النظر هنا عن تقييمنا لها، من زاوية هل نؤيدها أو لا، حيث يجب الخروج أولاً من لعبة ان داعش هي التي تقود الصراع، ومن ثم يمكن أن ندقق في القوى التي تخوضه.
بالتالي وانطلاقاً مما يرد في البيان، ليس على الماركسي أن يقف ضد الحراك لأن فيه داعش (إذا افترضنا أن داعش متحالفة مع الآخرين أو أن الآخرين متحالفين مع داعش)، بل يجب الإقرار بأن هناك ثورة لها طابع شعبي (سواء سموا العشائر او غير ذلك)، ومن ثم أن المطلوب هو الوقوف معها أولاً، ومن خلال ذلك ممارسة كل أشكال الكشف والفضح لداعش، وحتى للقوى الأخرى. وبالتالي أن التأكيد على “ضرورة بناء حركة يسارية شعبية جذرية” “لتتولى تنظيم هؤلاء وتوجيه مشاعرهم واستعداداتهم الانتفاضية في منحى ثوري”، يتطلب أن نكون مع الحراك الشعبي، أن ندعم مطالبه، وان نعمم الحراك لكي يصل كل العراق، وأن نعمل بالتأكيد لكي لا يقع في مطب الانقسام الطائفي. وليس تضخيم دور داعش، والتعلل بتحالف القوى التي تخوض الثورة معها لرفض ما يجري، وتشويهه. ففي العراق هناك الشعب الذي يبدو واضحاً مما استشهدت سابقاً أن هناك اتفاق على وجود نقمة ضد النظام نتيجة الوضع الاقتصادي السياسي الذي تشكل تحت سلطة المالكي، وهناك قوى تحت مسمى المجلس السياسي العام لثوار العراق (ولقد تشكل مباشرة بعد فض اعتصام الساحات بالعنف)، ويضم قوى وأحزاب يمكن تقييم مواقفها وتحديد موقف منها، رغم أنها هي التي كانت تخوض المقاومة ضد الاحتلال، ومن ثم هناك ثالثاً داعش التي هي عنصر تخريب يُحرّك من أجل تشويه الثورة والتشويش عليها. بالتالي لا بد من أن نكون مع الشعب، وضد النظام. ومع الشعب وضد داعش. ويمكن أن نقيم وضع القوى الأخرى لنحدد الموقف منها الآن.
المشكلة ربما الأسوأ في البيان هي أنه ينتقد الثورة والقوى المشاركة فيها من منظور ثوري “جداً” ليصل إلى حل إصلاحي جداً. إن كل هذه الثورية التي تجرّم الثورة توصل إلى حل إصلاحي، ومستحيل كذلك. حيث يؤكد على رفض التدخل في الشأن العراقي لأنها تتعارض مع مصلحة الشعب العراقي، لكن يكمل بالمطالبة من الجمعية العامة للأمم المتحدة محاسبة كل دولة تتورط بالتدخل. ثم ثانياً حل الخلافات السياسية بالاحتكام إلى رأي الشعب وإرادته ومصالحه، عبر “طرق ديمقراطية متقدمة” (ليس لدي علم بما تعني هذه المتقدمة)، “من خارج المنظومة الطائفية” (ماذا يعني؟ أليس يجب سحقها وإسقاطها؟)، هذه الديمقراطية التي “تضمن المشاركة السياسية الفاعلة لكل المواطنين” (ألا يفترض ذلك إسقاط كل “العملية السياسية التي أتت مع الاحتلال، وإسقاط كل القوى التي أتت معها).
يبدأ هنا بالإدانة ليصل إلى قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، للوصول إلى طرح حل داخلي مجرّد، خالٍ من أي إشارة إلى كيف يتحقق ومن يحققه، وهل سيتحقق عبر النظام القائم أو على أنقاضه؟ وكيفية ذلك؟ وهو يتحدث عن الشعب وإرادته متجاهلاً أنه، حتى وفق ما ورد في البيان، يقرّ بأن جزءاً مهماً من الشعب يتحرك في ثورة ضد النظام ومن أجل إسقاطه. على العكس من ذلك نجد البيان يحدد المهمة الأساسية في “التصدي للارهاب الداعشي الدموي، وللإرهاب المضاد له”، وهي مهمة الشعب العراقي وفصائله التحررية، وهي مهمة “أممية أيضاً”، رغم ان هذه المهمة الأممية تتسع لتشمل “مواجهة النظام الدكتاتوري الطائفي الرأسمالي القائم، وإطاحته، وبالتالي لبناء مستقبل مضيء يتطلع إليه الشعب المذكور يقوم على العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، ويحول دون تمزّق العراق، والمضي به إلى التقسيم”.
ولهذا يختم بشعارات، أولها “فلتُحبط المؤامرة الإقليمية والدولية”، و”ليسقط أي تدخل إمبريالي جديد”، و”لتهزم الهجمة الظلامية لداعش وأخواتها”. هذه هي الأولويات قبل أن يكمل “لينتصر الشعب العراقي على أعدائه المحليين والخارجيين”، و”لأجل عراق ديمقراطي علماني ثوري سيِّد مستقل”. بمعنى أن المؤامرة والتدخل الخارجي هو الأساس وليس الصراع الطبقي الذي يتفجّر. رغم كل التلوث الذي يلفه، والذي هو أمر موضوعي نتيجة استمرار وجود هذه القوى الذي تقوده، واستمرار هامشية اليسار الذي لم يستفد شيئاً من سقوط نظام صدام حسين لكي ينخرط في المقاومة ضد الاحتلال، وأن ينزرع في بنية الشعب، بدل أن يظل اشتاتاً في كل اطراف العالم. إن كل صراع طبقي سوف يتفجّر سوف تركبه بنى الماضي السياسية والعشائرية والطائفية والدينية لأنها البنى الموجودة، لكنه يظل صراعاً طبقياً برغم ذلك. وعبر هذه الوضعية لا بد من تأسيس الماركسية الثورية، في خضم الصراع الطبقي، وضمن سياسة كشف كل هذه القوى عبر الصراع الأيديولوجي، لكن أساساً عبر العلاقة اللصيقة بالطبقات المفقرة. وطبعاً هنا لا أعتبر داعش سوى قوة معادية يجب سحقها، وليس من القوى التي تسعى لأن تعبّر عن الثورة. ولهذا سيأخذ الصراع وجهين، ضد النظام الرأسمالي الطائفي المافياوي، كما ضد داعش وأخواتها، وكل قوة تريد حرف الصراع طائفياً.
المؤسف أن تكون المشكلات المنهجية ذاتها التي حكمت جلّ القوى الشيوعية والماوية هي التي يقوم عليها تحليل وموقف الرفاق، أي عدم فهم اختلاط الصراع الطبقي، وعدم التمييز بين الطبقات التي تصارع، وبين التعبيرات السياسية التي تتصدر المشهد، والخلط بين الصراع الطبقي المحلي والدور الإمبريالي والإقليمي، واعتبار الأخير هو اساس المشهد وليس الصراع الطبقي. وبالتالي التوهان في تعقيدات الصراع، رغم أن كل صراع هو صراع معقد، والوضوح الذي يظهر عموماً يخفي في عمقه تعقيدات وتداخلات متعددة. والسبب هو التشكّل بعيداً عن الطبقات، وبالتالي العجز عن تلمّس مشكلاتها، وتحيزاتها. ومسك حسّها العفوي الذي يدفعها لخوض الصراع. لهذا ستتشابك الصورة حين النظر إليها من خارجها، وتتعقد، وتظهر في أقصى غموضها، لأن وضوحها يكمن في داخلها وليس في صورتها الخارجية. هنا تسقط القوى الماركسية والشيوعية التي تشكلت في القرن الماضي، واحدة بعد الأخرى نتيجة النظر الخارجي. “الخارجية” إذن هي التي تجعل التحليل سطحياً، وبالتالي عاجزاً عن مسك جوهر التناقضات

“30 يونيو” بعد عام

ما حدث يوم 30 يونيو/ حزيران 2013 في مصر ثورة بالتأكيد، على الرغم من المآل الذي رُسِم لها يوم 3 يوليو/ تموز، والذي كان نتيجة “طبيعية” لغياب الأحزاب التي تريد لثورة الشعب أن تُسقط النظام، وتفرض نظامها هي، حيث كان واضحاً أن مجمل الأحزاب في جبهة الانقاذ كانت تراهن على دور الجيش، وليس على فرض نظام بديل. ولكن، أيضاً، كان أمراً “طبيعياً” نتيجة ميل الإخوان المسلمين إلى الهيمنة على الدولة، حيث بات واضحاً، منذ انتخابات الرئاسة، أن بيروقراطية الدولة، وقيادة الجيش خصوصاً، باتت تخشى من إبعادها. على الرغم من أن الأمر، في كل الأحوال، كان يتعلق بدور الجيش، كما حدث في 25 يناير 2011 بالضبط، نتيجة غياب الأحزاب التي تفرض سلطة الشعب من جهة، ونتيجة أن ما جرى هو محاولة التفاف على الثورة، من أجل الحفاظ على بنية السلطة ذاتها، خصوصاً هنا النمط الاقتصادي (وهو ما كان يقرّب بين المجلس العسكري والإخوان، حيث أنهما لا يختلفان على استمرار النمط الاقتصادي القائم، والذي هو نمط ريعي، همّش الكتلة الشعبية الأكبر، ودفعها إلى الثورة).
إذن، بغض النظر عن المآل الذي سينتج، أيضاً، وضعاً يفرض التغيير، فإن 30 يونيو هو يوم ثورة كبيرة، كانت تهدف إسقاط نظام الإخوان المسلمين، ولا شك في أن الحشد الذي تدفق كان أضخم من الذي كان ضد حسني مبارك، بعدما استثير “حزب الكنبة” (أي الفئة المتفرجة)، نتيجة أن نظام “الإخوان” لم يحقق مطالب الشعب (العمل والأجر ومجانية التعليم والصحة وتحسين البنية التحتية)، بل زادها سوءاً (ارتفاع الأسعار وبقاء الأجور كما كانت)، وأيضاً، أظهر، في سلوكه في السلطة، أنه يريد فرض “نظام متشدّد دينياً”، فيه استعادة لنُظُم القرون الوسطى، وخافت هذه الفئة من المصريين من سلطة “دينية”. وبالتالي، فرض أن يسقط الإخوان، وأن تنتهي كل مراهنةٍ عليهم.
يتعلق الأمر هنا بأن التوتر المجتمعي يفرض أن يحقق مَن يصل إلى السلطة مطالب الشعب مباشرة، وليس بعد حين، وكل تلكؤ سوف يفرض انفجار هذا التوتر من جديد. هذا ما لم تفهمه جماعة الإخوان المسلمين، بالضبط، لأن رؤيتها الاقتصادية لا تختلف عن رؤية حسني مبارك، كما صرّح أكثر من قيادي فيها، من دون فهم أن رؤية مبارك الاقتصادية، أو النمط الاقتصادي الذي تشكّل في ظله، كان في أساس نشوب ثورة 25 يناير. لهذا، كان واضحاً أن ثورة جديدة قادمة منذ نهاية سنة 2012، حين جرت محاولات اقتحام قصر الاتحادية، وفي تظاهرات الذكرى الثانية للثورة في يناير/ كانون الثاني 2013. بالتالي، وكما في 25 يناير، حيث دعت ” 6 إبريل” و”كلنا خالد سعيد”، وتجمعات شبابية أخرى، إلى اعتصام 25 يناير، عملت “تمرّد” على الدعوة لخلع محمد مرسي في 30 يونيو، وكان واضحاً أن الشعب سيستجيب.
توّصل الشعب المصري إلى أن “النظام الجديد” هو النظام القديم، لكن بـ”لحية” وسبحة، وهذا ما زاد الغلّ، وعمّم التخوّف، وبالتالي، جعل المشاركة كبيرة. وإذا كانت النهاية مشابهة لنهاية 25 يناير، أي بتحكّم العسكر، فإن المسار مستمرّ، وسيكون واضحاً أن الإغراق في السياسة الاقتصادية ذاتها، وتجاهل كل مطالب الشعب سوف يفرض أن يعود الحراك من جديد، وأن تصبح الثورة ممكنة، على الرغم من كل الميل إلى السيطرة العنيفة على المجتمع.
حين تنهض الشعوب، لا بد من أن تتحقق مطالبها.

جريدة العربي